النص المفهرس

صفحات 101-120

==
١٠١
كِتَابُ البُيُّوعِ
والترمذيُّ(١) من رِوايَةِ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ، عن أبي الزِّنَادِ. وأخرَجَه الشَّيخَانِ أيضًا،
والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٢) من رِوايَةِ حَفصِ بنِ عَاصِمٍ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عن
أبِي هُرَيْرَةَ. وزَادَ فيه البُخَارِيُّ: ((وعن صَلَاتَينٍ: نَهَى(٣) عن الصَّلَاةِ بَعدَ الفَجرِ
حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، و(٤) بعدَ العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ (٥ الشَّمسُ)). واقتَصَر٥َ) مسلمٌ
والنسائيُّ عَلى البَيعَتَينِ؛ وأخرَجَه البُخَارِيُّ(٦) من رِوايَةٍ عَطَاءِ بنِ مِينَاءَ، عن
أبِي هرَيْرَةَ، قال: ((نَهَى عن صِيَامَينٍ، وعن بَيعَتَينِ: الفِطرِ والنَّحرِ، والمُلَامَسَةِ
والمُنَابَذَةِ)). وأخرَجَ منه(٧) مسلمٌ(٨) من هَذَا الوجه البيعَتَينِ فَقَطْ، وزَادَ: ((أمَّا
المُلَامَسَةُ: فَأن يَلِمِسَ كُلُّ واحِدٍ منهمَا ثَوبَ صَاحِبِه بِغَيرِ تَأْمُّلٍ، والمُنَابَذَةُ: أن يَنْبِذَ
كُلُّ واحِدٍ منهمَا (٩ثَوبَه إلى الآخَر٩ِ) لَم يَنْظُر واحِدٌ منهمَا إلى ثَوبٍ صَاحِبه)). ولَم
يَذْكُر البُخَارِيُّ(١٠) التَّفسِيرَ إلَّا من حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ. وأخرَجَ مسلمٌ (١١)
أيضًا قِصَّةَ البَيعَتَينِ بِدُونِ تَفْسِيرِهمَا من رِوايَةِ سُهَيلِ بنِ أبِي صَالِحٍ، عن أبيه، عن
أبِي هُرَيْرَةَ.
■ الثّانيةُ: قَولُه: (نَهَى عن لِبِسَتَينٍ))، هو بِكَسرِ اللامِ؛ لِأنَّه من (٦/ ١٠٠م)
الهَيئَةِ والحَالَةِ. قال القَاضِي [٩٢/٢و] في ((المَشَارِقِ)»(١٢): ورُوِيَ بِضَمِّ اللامِ عَلى
اسمِ الفِعلِ، والأولُ هنَا أوجَه. وقال في ((النِّهايَةِ))(١٣): رُوِيَ بِالضَّمِّ عَلى
المَصدَرِ، والأولُ الوجه(١٤). وقَولُه: ((وعن بَيَعَتَينٍ))، بِفَتح أولِه، والمُرَادُ به المَرَّةُ
من البَيعِ، ولَمَّا فَضَّلَ (١٥) ذَكرَ البَيْعَتَيْنِ قَبَلَ اللبسَتَينِ.
(١) البخاري (٣٦٨)، ومسلم (١٥١١)، والترمذي (١٣١٠).
(٢) البخاري (٥٨٤)، ومسلم (٢/١٥١١/م)، والنسائي (٤٥٢٩)، وابن ماجه (٢١٦٩).
(٤) في (ش): ((وبعد الصلاة)).
(٣) ليست في (ش).
(٦) البخاري (١٩٩٣).
(٥ - ٥) في (ش): ((وأخرجه)).
(٨) مسلم (٢/١٥١١).
(٧) في (ش): ((فیه)).
(٩ - ٩) في (ش): ((ثوب صاحبه بغير تأمل)).
(١١) مسلم (١٥١١/ ٣/ م).
(١٣) النهاية في غريب الأثر (٢٢٦/٤).
(١٥) بعدها في (ش): ((عن)).
(١٠) البخاري (٥٨٢٠).
(١٢) مشارق الأنوار (٣٤٥/١).
(١٤) في (ش): ((أوجه)).

١٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: فيه النَّهيُ عن بَيعِ المُلَامَسَةِ، وهو من بُيُوعِ(١) الجَاهِلِيَّةِ، وقَد
فَسَّرَه في الحديثِ: بِأن يَلمِسَ كُلُّ واحِدٍ منهمَا ثَوبَ صَاحِبِه بِغَيرٍ تَأْمُّلُ.
ولِصحَابِنَا في تَفسِيرِهِ ثَلَاثَةُ أوجُهٍ (٢):
أحَدُها: تَأْوِيلُ الشَّافِعِيِّ، وهو أن يَأْتِي بِثَوبٍ مَطوِيٍّ، أو في ظُلمَةٍ، فَيَلِمِسَه
المُستَامُ، فَيَقُولَ صَاحِبُه: بِعتُكَه بِكَذَا، بِشَرطِ أن يَقُومَ لَمسُك مَقَامَ نَظَرِك، ولَا
خِيَارَ لَك إِذَا رَأيتَه.
الثّاني: أن يَجعَلَا نَفسَ اللمسِ بَيْعًا، فَيَقُولُ: إذَا لَمْسَتَه فَهو مَبِيعُ(٣) لَك.
الثَّالِثُ: أن يَبِيعَه شَيئًا عَلى أنَّه مَتَى لَمَسَه انقَطَعَ خِيَارُ المَجلِسِ وَغَيْرُه.
ولَفِظُ الحديثِ الَّذِي حَكَيْنَاه يُوافِقُ التَّأْوِيلَ الأولَ، وكَذَا لَفِظُ حَدِيثٍ أَبِي سَعِيدٍ؛
والمُلَامَسَةُ: لَمسُ الثَّوبِ ولَا يَنْظُرُ إِلَيه. وهَذَا البَيعُ بَاطِلٌ بِالاِتِّفَاقِ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ
کُلِّها .
أمَّا عَلى الأولِ: فَواضِحٌ إن أبطَلنَا بَيْعَ الغَائِبِ؛ وأمَّا إِذَا صَخَّحْنَاهِ، فَلإِقَامَةِ
اللمسِ مَقَامَ النَّظَرِ، وقال بَعضُهم: يَتَخَرَّجُ عَلى نَفيِ شَرطِ الخِيَارِ.
وأمَّا عَلى الثَّاني: فَالثَّعلِيقُ (٤) في الصِّيغَةِ، وعُدُولُه عن الصِّيغَةِ المَوضُوعَةِ
شَرعًا، وقال بَعضُهم: هَذَا من صُورِ المُعَاطَاةِ.
وأمَّا عَلى (٥) الثَّالِثِ: فَلِلشَّرطِ الفَاسِدِ.
■ الرَّابِعَةُ: وفيه النَّهِيُّ عن بَيعِ المُنَابَذَةِ، وهو من بُيُوعِ الجَاهِلِيَّةِ أيضًا،
وقَد فَسَّرَه في الحديثِ: بِأن يَنِذَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما (٦) ثَوبَه (٧ إلى الأخَر٧ِ) لَم يَنظُر
واحِدٌ منهمَا إلى ثَوبٍ صَاحِبه، ويُوافِقُه قَولُه في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ: (([وهيَ طَرِحُ
الرَّجُلِ ثَوبَه بِالبَيعِ إلى الرَّجُلِ قَبلَ أن يَقِبَه(٨) أو يَنْظُرَ إِلَيه)). ولِأصحَابِنَا في
(١) في (ش): ((بيع)).
مختصر المزني (ص٨٨)، وشرح صحيح مسلم (١٠/ ١٥٥).
(٢)
(٣)
في (ش): ((بيع)).
(٤) في (ح): ((فللتعليق)).
(٥) ليس في: (ش).
(٦) ليست في (م).
(٧ - ٧) في (م): ((للآخر)).
(٨) في الأصل، (ح): ((يقبله)).

كِتَابُ البُيُوعِ
١٠٣
=
تَفْسِيرِه](١) ثَلَاثَةُ أوجُهٍ (٢):
أحَدُها: أن يَجعَلَا نَفسَ النَّذِ بَيْعًا، وهو تَأوِيلُ الشَّافِعِيِّ.
والثّاني: أن يَقُولَ بِعتُك، [فَإِذَا نَبَذْتُه إلَيك انقَطَعَ الخِيَارُ ولَزِمَ البَيعُ.
والثَّالِثُ: المُرَادُ نَبِذُ الحَصَاة، وفي بَيْعِ الحَصَاةِ تَأْوِيلَاتٌ:
أحَدُها: أن يَقُولَ: بِعتُك](٣) من هَذِهِ الأثوابِ مَا وقَعَت عَلَيهِ الحَصَاةُ الَّتِي
أرمِيها. أو بِعتُك من هَذِه الأرضِ (٤من هنا٤) إلى مَا انتَهَت إلَيهِ هَذِهِ الحَصَاةُ.
والثَّاني: أن يَقُولَ: بِعتُك، عَلى أنَّك بِالخِيَارِ إلى أن أرمِيَ بهذِهِ الحَصَاةِ.
والثَّالِثُ: أَن يَجعَلَا نَفسَ الرَّمي بِالحَصَاةِ بَيعًا، فَيَقُولَ: إذَا رَمَيت هَذَا
الثَّوبَ بِالحَصَاةِ فَهو مَبِيعٌ (٦/ ١٠١م) منك بِكَذَا. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ (°ابن دقيق
العيد٥) في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٦): واعلَم أنَّ في كِلَا المَوضِعَينِ يُحتَاجُ إلى الفَرقِ بَيْنَ
المُعَاطَاةِ وبَيْنَ هاتَينِ الصُّورَتَيْنِ، فَإِذَا عُلِّلَ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ المُشتَرَطَةِ، فَالفَرقُ ظَاهرٌ،
وإذَا فُسِّرَ بِأمرٍ لَا يَعُودُ إلى ذلك، احتيجَ حِينَئِذٍ إلى الفَرقِ بَيْنَه وبَيْنَ مَسألَةِ المُعَاطَاةِ
عِندَ مَن يُجِيزُها .
قُلتُ: الفَرقُ بَينَهمَا أنَّ المُعَاطَاةَ، عِندَ مَن يُجِيزُها، إنَّمَا تَجُوزُ في
المُحَقَّرَاتِ، أو فيمَا جَرَت العَادَةُ فيه بِالمُعَاطَاةِ. والمُنَابَذَةِ والمُلَامَسَةِ (٧) عِندَ مَن
كَانَ يَستَعمِلُها لَا يَخُصُّهمَا (٨) بذلك، لَكِن مَا بَحَثَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ نَقَلَه الرَّافِعِيُّ(٩)
عن الأئِمَّةِ، فَقَلَ عنهم: أنَّه يَجِرِي فِي بَيعِ المُنَابَذَةِ الخِلَافُ الَّذِي فِي المُعَاطَاةِ، فَإِنَّ
المُنَابَذَةَ مع قَرِينَةِ البَيعِ هيَ المُعَاطَاةُ بِعَينِها، وحَكَى الرَّافِعِيُّ أيضًا عن المُتَولِّي: أنَّ
بَيْعَ المُلَامَسَةِ فِي حُكم المُعَاطَاةِ. انتَهَى. وقَد عَرَفتَ الفَرقَ بَيْنَهَمَا .
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٢) مختصر المزني (ص٨٨)، وشرح صحيح مسلم (١٥٥/١٠).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤ - ٤) ليست في (ش).
(٦) إحكام الأحكام (ص ٥١٠).
(٨) في (ح): ((لا يحصهما)).
(٥ - ٥) من (ش).
(٧) ليست في (ش).
(٩) الشرح الكبير (١٩٣/٨).

=
١٠٤
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
] الخَامِسَةُ: استُدِلَّ به عَلى (١) بُطلَانَ بَيعِ الغَائِبِ، بِنَاءً عَلى أنَّ المَعنَى
في المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ.
وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ المَسألَةِ عَلى أقوالٍ:
أحَدُها: البُطلَانُ مُطلَقًا، وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ في الجَدِيدِ، نَصَّ عَلَيه في
((الأُمّ)، وفي رِوايَةِ ((البويطِيَّ))، واختَارَه المُزَني(٢).
والثَّاني: الصِّحَّةُ مُطلَقًّا، سَواءٌ وُصِفَ أم لَا، ولَكِن يَثْبُتُّ لَه الخِيَارُ إذَا رَآه،
إِن شَاءَ أَخَذَه، وإن شَاءَ رَدَّه؛ وهَذَا قَولُ أَبِي حَنِيفَةً(٣)، وهو قَولُ عن مَالِكِ، نَصَّ
عَلَيه في ((المُدَونَةِ))(٤)، وأنكَرَه بَعضُهم، وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ وابنُ بَطَّالٍ(٥) قَولًا
لِلشَّافِعِيِّ، ثم حَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ، عن أبِي القَاسِم [٩٢/٢ظ] القَزْوِيني القَاضِي(٦)
أنَّه قال: الصَّحِيحُ عِندَ الشَّافِعِيِّ إِجَازَةُ بَيعِ الغَائِبِ عَلى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ إِذَا نَظَرَ إِلَيه،
وافَقَ الصِّفَةَ أو لَم يُوافِقها، مِثلُ قَولِ أبِي حَنِيفَةً والثَّورِيِّ سَواءٌ. قال: هَذَا في
كُتُبِه المِصرِيَّةِ. انتَهَى. ومَا حَكَاه عن الشَّافِعِيِّ لَا يُعرَفُ عنه في شَيءٍ من كُتُبِ
أصحابه، والذِي قاله في كُتُبُهُ المِصرِيَّةِ إِنَّمَا هو البُطلَانُ مُطلَقًّا، كَمَا تَقَدَّمَ.
والثَّالِثُ: الصِّحَّةُ إن وُصِفَ، وإِلَّ فَلَا. وهَذَا قَولُ الشَّافِعِيِّ في ((القَدِيمِ))،
و((الإملَاءِ))، والصَّرفِ من ((الجَدِيدِ))، وصَحَّحَه من أصحابه: البَغَوِيُّ، والرُّويَانيُّ،
وغَيرُهمَا (٧)؛ وهو مَذْهَبُ مَالِكِ، وأحمَدَ، وأهلِ الظَّاهرِ(٨).
في (م)، والأصل: ((على أن)).
(١)
الأم (٧٧/٤)، وينظر: روضة الطالبين (٣١/٣).
(٢)
ينظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٨١) طبعة دار الكتب العلمية.
(٣)
(٤)
المدونة (٢٥٥/٣).
التمهيد (١٧/١٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٧٤/٦).
(٥)
هو: عبد الله بن محمد بن جعفر، أبو القاسم القزويني، ناب في الحكم بدمشق، ثم
(٦)
ولي قضاء الرملة، وكان محمودًا فيما يلي، وكان يجتمع عنده الحفاظ، ويملي عليهم،
ثم اختلط في آخر عمره ووضع أحاديث، فافتضح أمره، ورماه الدار قطني بالكذب، توفي
سنة (٣١٥هـ). طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٩٥/١).
(٧)
روضة الطالبين (٣١/٣).
(٨) الكافي لابن عبد البر (٦٧٨/٢)، والمغني (٣١/٦)، والمحلى (٣٤٢/٨).

كِتَابُ البُيُوعِ
١٠٥ م
=
وإن اختَلَفُوا في تَفَاصِيلِه؛ فقال الشَّافِعِيَّةُ، تَفرِيعًا عَلى هَذَا القَولِ: يُشتَرَطُ
ذِكرُ جِنسِ المَبِيعِ ونَوعِه. وفي (١) وجهٍ: يَكفي ذِكرُ الجِنسِ، ولَا حَاجَةَ إلى النَّوعِ.
وفي وجهٍ لَا يُحتَاجُ إلى الجِنسِ (٢) أيضًا، فَيَقُولُ: بِعتُك مَا فِي كُمِّي أو كَفي أو
خِزَانَتَي أو مِيرَائِي(٣) من فُلانٍ (٦/ ١٠٢م)، وهو لَا يَعرِفُه. وهمَا شَاءَّانِ ضَعِيفَانٍ.
وفي وجهٍ: يُفتَقَرُ إلى ذِكرِ مُعظَم الصِّفَاتِ، وضَبطِ ذلك بِمَا يَصِفُه المُدَّعِي
عِندَ (٤القَاضِي. قاله٤) القَاضِي أبو حَامِدٍ؛ وفي وجهٍ: يُفتَقَرُ إلى صِفَاتِ السَّلَمِ.
قاله أبو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ.
وهَذَا الأخِيرُ هو مَذهَبُ الحَنَابِلَةِ، لَم يُجَوِّزُوا بَيعَ الغَائِبِ إلَّا مع وصفِه
بِصِفَاتِ السَّلَمِ، إِن كَانَ مِمَّا يَجُوزُ السَّلَمُ فيه، واعتَبَرَ المَالِكِيَّةُ وصفَه بِمَا يَخْتَلِفُ
الثَّمَنُ به، واشْتَرَطُوا أيضًا ألَّا يَكُونَ المَبِيعُ في مَكَان بَعِيدٍ جِدًّا؛ كَإِفِرِيقِيَّةً من
خُرَاسَانَ، ولَا قَرِيبٍ تُمكِنُ(٥) رُؤيَتُه من غَيرِ مَشَقَّةٍ، فَإن كَانَ بِمَشَقَّةٍ جَازَ عَلى
الأشھَر.
وفي ((المُدَونَةِ))(٦): أنَّه (٧) يَجُوزُ بَيِعُ الأعدَالِ عَلى البَرْنَامَجِ(٨)، بِخِلَافٍ
الِيَابِ المَطوِيَّةِ وشِبهها؛ والفَرقُ بَينَهمَا: عَمَلُ المَاضِينَ؛ وأنكَرَ ذلك الشَّافِعِيُّ،
فقال: أجَازَ الغَرَرَ الكَثِيرَ ومَنَعَ الْيَسِيرَ.
ثم اختَلَفُوا في ثُبوتِ الخِيَارِ فيمَا إذَا وجَدَه كَمَا وُصِفَ، فقال المَالِكِيَّةُ
والحَنَابِلَةُ: لَا خِيَارَ. وهو وجهٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ، والأصَخُ عِندَهم ثُبُوتُ الخِيَارِ، كَمَا
لَو وجَدَه عَلى خِلَافِ تِلكَ الصِّفَةِ. و(٩)قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في «شَرحٍ
العُمْدَةِ))(١٠)، لَمَّا ذَكَرَ الإِسْتِدِلَالَ به عَلى بُطلَانِ بَيعِ الغَائِبِ: ومَن يَشتَرِطُ الوصفَ
(١) في الأصل: ((من)).
(٣) في (ح): ((ميزاني)).
(٥)
في (م، ش): ((يمكن)).
(٧)
لیست في (ح).
البرنامج هو: الورقة المكتوب فيها عدد الثياب أو الأمتعة وصفاتها، معرب ((برنامه)) وهو
(٨)
أشبه بالفاتورة، ينظر: مشارق الأنوار (٨٥/١)، القاموس المحيط (٢٣١/١).
(٩) ليس في: الأصل.
(٢) في (ح، ش): (للجنس)).
(٤ - ٤) ليس في: الأصل، (ح).
(٦) المدونة (٢٥٨/٣).
(١٠) إحكام الأحكام (ص ٥١٠).

=
١٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
في بَيعِ الأَعيَانِ الغَائِبَةِ لَا يَكُونُ الحديثُ دَلِيلًا عَلَيه؛ لِأَنَّه لَم يَذكُر وصفًا. وذَكَرَ
ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(١): أنَّ الشَّافِعِيَّةَ استَدَلُّوا عَلى مَنع الغَائِبِ بِنَهِهِ عَلَيه الصَّلَاةُ
والسَّلامُ عن بَيعِ الغَرَرِ وعن المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ. قال: ولَا حُجَّةَ لَهم فيه؛ لِأنَّ
بَيعَ الغَائِبِ إذَا وُصِفَ عن رُؤيَةٍ وخِبرَةٍ ومَعرِفَةٍ قَد صَحَّ مِلكُه لِمَا اشتَرَى، فَأَيْنَ
الغَرَرُ؟ قال: ومِمَّا يُبطِلُه (٢ أنَّه لَم يَزَل٢) المسلمُونَ يَتَبَايَعُونَ الضُّيَاعَ (٣) بِالصِّفَةِ،
وهيَ في البِلَادِ البَعِيدَةِ، وقَد بَاعَ(٤) عُثمَانُ ابنَ عُمَرَ ﴿ه مَالًا لِعُثمَانَ بِخَيْبَرَ بِمَالٍ
لِابنِ عُمَرَ بِوادِي القُرَى. انتَهَى.
وهو عَجِيبٌ، فَإِنَّه نَقَلَ هَذَا عن المسلمِينَ، ثم لَمَّا فَضَّلَ ذلك لَم يَنْقُل سِوى
قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، وعَمَلُ العَدَدِ المَحصُورِ من الصَّحَابَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ (٥)، ولَو كَانَ هنَا
إجمَاعٌ(٦) لَأَخَذْنَا به، والنَّاصِرُونَ (٧) لِهَذَا القَولِ عن الشَّافِعِيِّ يَقُولُونَ في المُعَايَنَةِ
والرُّؤْيَةِ: مَا لَا يُدرَكُ بِالوصفِ، ولَيسَ بَيعُ الأعيَانِ كَالسَّلَمِ، فَالقَصدُ هَا الأَعيَانُ
وهنَاكَ الأوصَافُ. والله أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: استُدِلَّ به عَلى أنَّه لَا يَصِحُ(٨) بَيْعُ الأعمَى وَلَا شِرَاؤُه، وهو
قَولُ الشَّافِعِيَّةِ(٩)، سَواءٌ قُلنَا بِجَوازِ البَيعِ عَلى الوصفِ أم لا؛ لِأَنَّه لَا سَبِيلَ إلى
رُؤْيَتِهِ، فَيَكُونُ كَبَيعِ الغَائِبِ، عَلى أن لَا خِيَارَ. وقال بَعضُ أصحَابِنَا: يَجُوزُ، إِذَا
قُلْنَا بِجَوازِ البَيعِ عَلى الوصفِ، ويُقَامُ (١٠٣/٦م) وصفُ غَيرِه لَه مَقَامُ رُؤْيَتِه. وبه قال
مَالِكٌ، وأحمَدُ(١٠). وقال بَعضُ المَالِكِيَّةِ: لَا يَصِحُّ ذلك منه إذَا كَانَ عَمَاه أصلِيًّا.
وقَد تَقَدَّمَ عن أبِي حَنيفَةَ: تَجوِيزُ البَيعِ بِدُونِ رُؤْيَةٍ ووصفٍ. ولَا فَرقَ في ذلك بَينَ
البَصِيرِ والأعمَى، وقال في الأعمَى (١١): إنَّ خِيَارَه يَسقُطُ بِجَسه المَبِيعَ إذَا كَانَ
(١) المحلى (٣٣٩/٨، ٣٤٠).
(٣)
في (ش): ((الصاع)).
في (ح، ش): ((حجة)).
(٥)
(٧)
في (ش): ((والناصر)).
روضة الطالبين (٣١/٣).
(١٠) الكافي لابن عبد البر (٧٣١/٢)، والمحرر لابن تيمية (٢٩٢/١).
(١١) المبسوط (٦٦/١٣).
(٢ - ٢) مكانها في (ش): ((أن)).
(٤) في (ح): ((تابع))، وفي (ش): ((بايع)).
(٦) في (ح): ((اجتماع)).
(٨) في الأصل: ((يجوز)).
(٩)

=
كمـ
١٠٧
كِتَابُ البُيُّوعِ
يُعرَفُ بِالجَسِّ، وبِشَمِّه إذَا كَانَ يُعرَفُ بِالشَّمِّ، وبِذَوقِه إذَا كَانَ [٩٣/٢و] يُعرَفُ
بِالذَّوقِ كَمَا في البَصِيرِ. قال: ولَا يَسقُطُ خِيَارُه في العَقَارِ حَتَّى يُوصَفَ لَه؛ لِأنَّ
الوصفَ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، كَمَا في السَّلَمِ. وعن أبِي يُوسُفَ: أَنَّه إذَا وَقَفَ (١ في
مَكَان١) لَو كَانَ(٢) بَصِيرًا لَرَآه، فقال: رَضِيت. سَقَطَ خِيَارُه؛ لِأَنَّ التَّشَبيهَ(٣) يُقَامُ
مَقَامَ الحَقِيقَةِ في مَوضِعِ العَجزِ؛ كَتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ مَقَامَ القِرَاءَةِ في حَقِّ الأخرَسِ في
الصَّلَاةِ، وإجرَاءِ المُوسَى مَقَامَ الحَلقِ في حَقِّ مَن لَا شَعرَ لَه في الحَجِّ. وقال
الحَسَنُ بنُ زِيَادِ اللؤلؤِيُّ: يُوكِّلُ وكِيلًا يَقِضُه وهو يَرَاه. قال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٤):
وهَذَا أشبه بِقَولِ أبِي حَنِيفَةَ دَُّ؛ لِأَنَّ رُؤيَةَ الوكِيلِ رُؤيَةُ المُوكِّلِ. والله أعلم.
ا السَّابِعَةُ: قَولُه: (يَحتَبِي))، بِالحَاءِ المُهمَلَةِ، والتَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقُ،
والبَاءِ المُوحَّدَةِ. والإِحْتِبَاءُ بِالمَدِّ، هو: أن يَقعُدَ الإنسَانُ عَلى إليَتِهِ، ويَنصِبَ
سَاقَيه، ويَحْتَوِيَ عَلَيهِمَا بِثَوبٍ أو نَحوِهِ أو بِيَدِهِ. وهَذِهِ القَعدَةُ يُقَالُ لَها: الحُبوةُ.
بِضَمِّ الحَاءِ وكَسرِها، وكَانَ هَذَا الاحتِبَاءُ عَادَةً لِلعَرَبِ (٥) فِي مَجَالِسِهم، فَنَهَى عنه
إِذَا أدَّى إلى انكِشَافِ العَورَةِ، بِأن يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوبٌ واحِدٌ قَصِيرٌ، فَإِذَا قَعَدَ عَلَى هَذِهِ
الهَيئَةِ انكَشَفَت عَورَتُه، ولَو كَانَ عَلَيه ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ وَكُلُّها قَصِيرَةٌ، بِحَيثُ تَنكَشِفُ
عَورَتُهُ إِذَا جَلَسَ هَكَذَا، كَانَ حَرَامًا أيضًا، وذِكرُ الثَّوبِ الواحِدِ في الحديثِ خَرَجَ
مَخْرَجَ الغَالِبِ في أنَّ الإِنكِشَافَ إِنَّمَا يَكُونُ مع الثَّوبِ الواحِدِ دُونَ الثَِّابِ الكَثِيرَةِ،
وكَشفُ العَورَةِ حَرَامٌ (٢ بِحُضُورِ النَّاس٦ِ)، وكَذَا في الخَلوةِ عَلى الأَصَحِّ إذَا كَانَ
لِغَيرِ حَاجَةٍ. واقتَصَرَ في الحديثِ عَلى ذِكرِ الفَرجِ لِفُحشِه، وَبَّهَ به(٧) عَلى مَا سِواه
من العَورَةِ، وقَد تَعَلَّقَ به مَن ذَهَبَ إلى أنَّ العَورَةَ السَّوأْتَانِ فَقَطْ (٨).
وكَرِهَ الصَّلَاةَ مُحتَبِيًا ابنُ سِيرِينَ. وأجَازَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وعُروةٌ(٩)،
(١ - ١) ليست في (ح).
(٢) ليست في الأصل، (ح).
(٣) في النسخ: ((التشبه))، والمثبت من (ش)، ومصدر التخريج.
(٤) الهداية (٣٣/٣، ٣٤).
(٥) في (ش): ((العرب)).
(٧) ليس في: (ح).
(٦ - ٦) ليس في: (ش).
(٨) وهو مذهب أحمد، ورواية عن مالك.
(٩) في (ش): ((وغيره).

١٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وسَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ وعُبَيْدُ بنُ عُمَيرٍ، وكَانَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ يُصَلِّي مُحتَبِيًّا، فَإِذَا أَرَادَ
أن يَركَعَ خَلَّ حَبوتَه، ثم قَامَ ورَكَعَ، وصَلى التَّطَوُّعَ مُحتَبِيًا: عَطَاءٌ، وَعُمَرُ بنُ
عَبدِ العَزِيزِ(١).
■ الثَّامنةُ: فيه النَّهيُ عن اشْتِمَالِ الرَّجُلِ بِالثَّوبِ الواحِدِ عَلى أحَدٍ شِقَّيِه،
وهو الَّذِي يُقَالُ (٦/ ١٠٤م) لَه: اشتِمَالُ الصَّمَّاءِ. وقَد فَسَّرَه الأصمَعِيُّ وغَيرُه: بِأن
يَشْتَمِلَ بِالثَّوبِ حَتَّى يُجَلِّلَ به صَدرَه، لَا يَرفَعُ منه جَانِبًا، ولَا يَبقَى مَا يُخرِجُ منه
يَدَه، وهَذَا يَقُولُه أكثَرُ أهلِ اللغَةِ، قال ابنُ قُتَيبَةَ(٢): سُمِّيَت صَمَّاءَ؛ لِأَنَّه سَدَّ
المَنَافِذَ كُلَّها؛ كَالصَّخِرَةِ الصَّمَّاءِ الَّتِي لَيسَ فيها خَرَقُ ولَا صَدعٌ. قال أبو عُبَيْدٍ (٣):
وأمَّا الفُقَهاءُ فَيَقُولُونَ: هو أن يَشتَمِلَ بِثَوبٍ لَيسَ عَلَيه غَيرُه، ثم يَرفَعَه من أحَدٍ
جَانِبَيه، فَيَضَعَه عَلى أَحَدٍ مَنكِبِيه.
قال النَّووِيُّ ◌َخُّْ(٤): قال العُلَمَاءُ: فَعَلى (٥) تَفسِيرِ أهلِ اللغَةِ، يُكرَه
الإِشْتِمَالُ المَذكُورُ، لِمَلَا تَعرِضَ لَه حَاجَةٌ من دَفعِ بَعضِ الهَواءُّ ونَحوِها أو غَيرِها،
فَيَعسُرُ عَلَيه أو يَتَعَذَّرُ، فَيَلحَقُه الضَّرَرُ. وعَلى تَفسِيرِ الفُقَهاءِ: يَحرُمُ الإِشْتِمَالُ
المَذكُورُ إن انكَشَفَ بَعضُ العَورَةِ، وإلَّا فَيُكرَه.
قُلتُ: ويَدُلُّ عَلى أَنَّ المُرَادَ في الحديثِ مَا فَسَّرَه به الفُقَهاءُ قَولُه فيه: ((عَلى
أَحَدٍ شِقَّيه)»، ولَيسَ في تَفسِيرِ (٦) أهلِ اللغَةِ رَفعُه عَلى أَحَدِ شِقَيِه.
وقَولُه في الرِّوايَةِ الثَّانيةِ: ((إِذَا مَا صَلى))، فَإِنَّه يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعنَى فيه
الاحتياطُ لِلعَورَةِ لِأَجلِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ المَعنَى الأولَ من عَجزِه عن الحَرَكَةِ
والتَّصَرُّفِ، لَا تَعَلُّقَ لَه بِالصَّلَاةِ.
وكَذَا قَولُهُ فِي الرِّوايَةِ الثَّانيةِ أيضًا: ((إلَّا أن يُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيه عَلى عَاتِقِه))،
فَإِنَّه يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعنَى الاحتياطُ لِلعَورَةِ لِئَّلَّا تَنكَشِفَ، وذلك يُؤْمَنُ بِالمُخَالَفَةِ بَيْنَ
مصنف عبد الرزاق (٤١٠١ - ٤١١٨)، وابن أبي شيبة (٥٣/٢).
(١)
(٢)
غريب الحديث (١/ ٨٢).
(٣) غريب الحديث (١١٨/٢).
(٤)
شرح صحيح مسلم (٧٦/١٤).
ليس في: (ش).
(٦)
(٥) بعدها في (ح): ((هذا)).

=
كيو
١٠٩
كِتَّابُ البُيُوعِ
طَرَفَيه ورَبِطِه عَلى عَاتِقِه، بِخِلَافِ المَعنَى الأولِ، فَإِنَّ المُخَالَفَةَ بَيْنَ طَرَفَيْه عَلى
عَاتِقِهِ لَا يُزِيدُهُ(١) إلَّا تَأكُّدًا(٢) وشِدَّةً. والله تعالى أعلمُ.
■ التَّاسِعَةُ: اللمسُ المَذكُورُ في الرِّوايَةِ الثَّانيةِ هو المُلَامَسَةُ المَذكُورَةُ فِي
بَقِيَّةِ الرِّوايَاتِ، وذَكَرَ فيها بَدَلَ المُنَابَذَةِ النَّجشَ، وقَد تَقَدَّمَ الكَلَامُ فيه.
■ العَاشِرَةُ: قَولُه: (نَهَى عن لِبِسَتَيْنٍ، وعن بَيْعَتَينٍ)). لَا يَقْتَضِي اختِصَاصَ
النَّهي بِالمَذكُورِ؛ حَتَّى يَدُلَّ عَلى انتِفَاءِ النَّهي عن لِبِسَةٍ ثَالِثَةٍ وبَيْعَةٍ ثَالِثَةٍ، فَإِنَّ هَذَا
في مَعنَى مَفهومِ اللقَبِ، وقَد اختَلَفَ أهلُ [٩٣/٢ظ] الأُصُولِ في أنَّ مَفهومَ العَدَدِ
حُجَّةٌ أم لا؟
وأمَّا هَذَا فَسَمَّاه الشَّيخُ الإمام (٣) تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ تَخْفُ(٤): مَفهومَ
المَعدُودِ، ومَثَّلَ لَه بِقَولِهِ وََّ: ((أُحِلَّت لَنَا مَيْتَتَانٍ(٥) ودَمَانٍ))(٦). وذَكَرَ أَنَّ مَفهومَه
لَيْسَ حُجَّةً(٧)، وفَرَّقَ بَيْنَه وبَينَ مَفهومِ العَدَدِ عِندَ القَائِلِ بِأَنَّه حُجَّةٌ، بِأنَّ العَدَدَ
شِبه(٨) الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ قَولَك: في خَمْسٍ من الإِبِلِ. في قُوةٍ قَولِك: في إِبِلٍ
خَمسٍ. بِجَعلِ الخَمسِ صِفَةً لِلإِلِ، وهيَ إحدَى صِفَتَي الذَّاتِ؛ لِأنَّ الإِبِلَ قَد
تَكُونُ خَمسًا، وقَد تَكُونُ أقَلَّ أو أكثَرَ، فَلَمَّا قَيَّدَ وُجُوبَ (١٠٥/٦م) الشَّاةِ (٩)
بِالخَمسِ، فُهمَ أنَّ غَيرَها بخلافه(١٠)، فَإِذَا قَدَّمت لَفظَ العَدَدِ، كَانَ الحُكمُ
كَذلك، والمَعدُودُ لَم يُذكَر معه أمرٌ زَائِدٌ يُفهَمُ منه انتِفَاءُ الحُكم عَمَّا عَدَاه،
فَصَارَ كَاللقَبِ، واللقَبُ لَا فَرقَ فيه بَينَ أن يَكُونَ واحِدًا أوَ مَثَنَّى، أَلَا
تَرَى أَنَّك لَو قُلتَ: رِجَالٌ. لَم يُتَوهَّم أنَّ صِيغَةَ الجَمعِ عَدَدٌ، ولا يُفهَمُ منها
مَا يُفهَمُ من التَّخصِيصِ بِالعَدَدِ، فَكَذلك المُثَنَّى؛ لأنَّه اسمٌ مَوضُوعٌ
في (م): ((يؤيده) .
(١)
(٣)
ليست في (م).
(٥)
في (م): ((ميتان)).
أخرجه أحمد (٩٧/٢)، وابن ماجه (٣٢١٨)، والدارقطني (٢٧١/٤)، والبيهقي في
(٦)
الكبرى (٢٧٤/١).
في (ش): ((بحجة)).
(٧)
(٩) في الأصل: ((الزكاة)).
(٢) في (ح): ((تأكيده)).
(٤) ينظر: الإبهاج للتاج السبكي (١٠/٢).
(٨) في (ش): ((يشبه)).
(١٠) في (م): ((يخالفه)).

=
١١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
[لِثَنَينِ(١)، كما أنَّ (٢) الرِّجَالَ اسمُ مَوضُوعٌ](٣) لِمَا زَادَ(٤). والله أعلمُ.
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قال الثَّورِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٥): اعلَم أنَّ بَيعَ
المُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ وحَبَلِ الحُبلَةِ وبَيعَ الحَصَاةِ وعَسبِ الفُّحلِ، وأشباهها من
الْبُيُوعِ الَّتِي جَاءَ فيها نُصُوصٌ خَاصَّةٌ هِيَ دَاخِلَةٌ في النَّهيِ عن بَيْعِ الغَرَرِ، [ولَكِن
أُفرِدَتَ بِالذِّكرِ ونُهيَ عنها، لِكَونِها من بَيَعَاتِ الجَاهِلِيَّةِ المَشهورَةِ. قال: والنَّهيُّ
عن بَيِعِ الغَرَرِ)(٦) أصلٌ عَظِيمٌ من أُصُولِ البُيُوعِ، ويَدْخُلُ فيه مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ غَيرُ
مُنحَصِرَةٍ، وقَد يحتَمِلُ (٧) بَعضَ الغَرَرِ تَبَعًا إِذَا دَعَت إلَيه حَاجَةٌ؛ كَالجَهلِ بِأسَاسِ
الدَّارِ، و(٨)كَمَا إذَا بَاعَ الشَّاةَ الحَامِلَ، والَّتي في ضَرعِها اللبَنُ، فَإِنَّه يَصِحُّ البَيعُ؛
لِأَنَّ الأسَاسَ تَابِعٌ لِلّاهرِ من الدَّارِ، ولِأنَّ الحَاجَةَ تَدعُو إِلَيه، فَإِنَّه لَا يُمكِنُ
رُؤْيَتُه؛ وكَذَا القَولُ في حَملِ الشَّاةِ، ولَبَنِها، وكَذلك أجمع العُلَمَاءُ عَلى جَوازٍ
أشياءَ فيها غَرَرٌ حَقِيرٌ.
منها: أنَّهم أجمَعُوا عَلى صِحَّةٍ بَيعِ الجُبَّةِ(٩) المَحشُوةِ، وإن لَم يَرَ حَشوها،
ولَو بِيعَ حَشوُها بِانفِرَادِه لَم يَجُز. وأجمَعُوا عَلى إِجَارَةِ الدَّارِ والدَّابَّةِ والثَّوبِ،
ونَحوِ ذلك شَهرًا، مع أنَّ الشَّهرَ قَد يَكُونُ ثَلَائِينَ يَومًا، وقَد يَكُونُ تِسِعَةً وعِشِرِينَ.
وأجمَعُوا عَلى جَوازٍ دُخُولِ الحَمَّامِ بِالأُجرَةِ مع اخْتِلَافِ النَّاسِ في
استِعِمَالِهِم المَاءَ، وفي فَدرِ مُكثِهم.
وأجمَعُوا عَلى جَوازِ الشُّربِ من السِّقَاءِ بِالعِوضِ، مع جَهالَةِ قَدرِ
المَشرُوبِ، واختِلَافِ عَادَةِ الشَّارِبِينَ. قال: وعَكسُ هَذَا، أجمَعُوا عَلى بُطلَانِ
بَيْعِ الأجِنَّةِ في البُطُونِ والطَّيرِ في الهَواءِ. قال العُلَمَاءُ: مَدَارُ الْبُطلَانِ بِسَبَبٍ
الغَرَرِ والصِّحَّةُ مع وُجُودِهِ، عَلى مَا ذَكَرْنَاه، هو أنَّه إن دَعَتِ حَاجَةٌ إلى ارتِكَابٍ
(١) في (م): ((الاثنين)).
ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٣)
شرح صحيح مسلم (١٧٥/١٠، ١٥٦).
(٥)
(٦)
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٨) في (ش): ((أو)).
(٢) في (م)، والأصل: ((لأن)).
(٤) في (ح): ((أراد)).
(٧) في (م): (تحتمل)).
(٩) في (ح): ((الحبة)).

كِتَابُ البُيُوعِ
١
=
الغَرَرِ، و(١)لَا يُمكِنُ الاحتِرَازُ عنه إلَّا بِمَشَقَّةٍ، أو كَانَ الغَرَرُ حَقِيرًا جَازَ البَيعُ،
وإلَّ فَلَا، ومَا وقَعَ في بَعضِ مَسَائِلِ البَابِ من اختِلَافِ العُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ البَيعِ
فيها (١٠٦/٦م) وفَسَادِه؛ كَبَيعِ العَينِ الغَائِبَةِ، مَبني عَلى هَذِه القَاعِدَةِ، فَبَعضُهم
يَرَى أنَّ الغَرَرَ حَقِيرٌ، فَيَجعَلُهُ كَالمَعدُومِ فَيُصَحِّحُ البَيعَ؛ وبَعضُهم يَرَاه لَيْسَ بِحَقِيرٍ
فَيُطِلُ البَيعَ. والله أعلَمُ. انتَهَى.
ومن بُيُوعِ الغَرَرِ مَا ذَكَرَه النَّوِيُّ في ((شَرح المُهَذَّبِ))(٢): أنَّ مَا يَعتَادُه النَّاسُ
من الاِستِجرَار(٣) من الأسواقِ بِالأورَاقِ لَيسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ الثَّمَنَ لَيسَ حَاضِرًا
حَتَّى يَكُونَ مُعَاطَاةً، ولَم يُوجَد صِيغَةٌ يَصِحُ بها العَقدُ. والله أعلم.
الحديثُ السَّابِعُ
وعنه قال: قال رَسُولُ الله ◌َِّ: ((لَا يَبع أحَدُكُم عَلى بَيع أخِيه، ولَا
يَخطُبُ عَلى خِطبَةِ أَخِيه)). تَقَدَّمَ(٤) الكَلَامُ عَلَيه.
الحديثُ الثَّامن
عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ الله ◌ِهِ قال: ((لَا يَبِعِ بَعضُكُم
عَلَى بَيْعِ بَعضٍ). (١٠٧/٦م)
فيه فوائدُ:
الأُولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٥) من هَذَا
(١) ليس في: (ش).
(٢) المجموع (٩/ ١٩٢).
(٣) في (م): ((الاستحراز)).
(٤) في (م): ((فقد تقدم)).
(٥) البخاري (٢١٦٥)، ومسلم (٧/١٤١٢)، وأبو داود (٣٤٣٦)، والنسائي في الكبرى
(٦٠٩٤)، وابن ماجه (٢١٧١).

=
١١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ. وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ(١): ((عَلى بَيعِ أَخِيه)). وفي رِوايَةٍ لَه
ولِمسلم(٢) زِيَادَةٌ فيه: ((وَلَا تَلَقَّوا السِّلَعَ حَتَّى يُبلَغَ بها إلى السُّوقِ)). وكَذَا عِندَ
أبِي دَاوُد، ورَواه الدَّارَقُطني في ((سُنَنِه))(٣) من رِوايَةٍ عَبدِ الله بنِ لَهِيعَةَ، عن
عُبَيدِ الله بنِ أبِي جَعَفَرٍ، عن زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن ابنِ عُمَرَ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّ
عن بَيعِ المُزَايَدَةِ [٩٤/٢و]، ولَا يَبِع أحَدُكُم عَلى بَيعِ أخِيه، إلّ الغَنَائِمَ
والمَوارِيثَ)). ومن رِوايَةٍ عُمَرَ بنِ مَالِكِ، عن عُبَيدِ الله بنِ أبِي جَعَفَرٍ، عن زَيدِ بنِ
أسلَمَ، قال: سَمِعت رَجُلًا يُقَالُ لَه: ((شَهرٌ))(٤)، كَانَ تَاجِرًا، وهو (٥) يَسألُ
عَبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ عن بَيعِ المُزَايَدَةِ، فقال: ((نَهَى(٦) رَسُولُ الله ◌َِّ أَن يَبِيعَ أحَدُكُم
عَلى بَيعِ أحَدٍ حَتَّى يَذَرَ، إِلَّ الغَنَائِمَ والمَوارِيثَ)). ومن طَرِيقِ الواقِدِيِّ، عن
أُسَامَةَ بنِ زَيدِ الليثِيِّ، عن عُبَيدِ الله بنِ أبِي جَعفَرٍ، به مِثلُه. عَبدُ الله بنُ لَهِيعَةً
ضَعِيفٌ عِندَ الأكثَرِ؛ وعُمَرُ(٧) بنُ مَالِكِ هو الشَّرعَبِيُّ(٨) مُوثَّقٌ، وأخرَجَ لَه مسلمٌ؛
والواقِدِيُّ ضَعِيفٌ عِندَ المُحَدِّثِينَ؛ وأُسَامَةُ بنُ زَيدٍ مُختَلَفٌ فيه؛ فَالإسنَادُ الثَّاني من
أسَانيدِ الدَّارَقُطْنِي هَذِه لَا بأس(٩) به.
■ الثّانيةُ: تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلى البَيعِ عَلى بَيعِ أخِيه، وفي رِوايَةِ الدَّارَقُطني:
اسْتِنَاءُ الغَنَائِمِ والمَوارِيثِ، ومُقتَضَاها جَوازُ البَيعِ عَلَى البَيعِ فيهمَا خَاصَّةً، وحَكَى
الترمذيُّ في ((جَامِعِه))(١٠) عن أهلِ العِلمِ: أنَّهم لَّم يَرَوا بَأسًا بِبَيعِ مَن يَزِيدُ(١١) في
(١) البخاري (٢١٣٩).
البخاري (٢١٦٥)، ومسلم (١٤/١٥١٧).
(٢)
(٣)
الدار قطني (١١/٣).
في (ح): ((سهر)). والمثبت موافق للتخريج.
(٤)
ليست في (ك٢).
(٥)
(٦) ليست في (ش).
(٧)
في (ش): ((وعن)).
في الأصل، (م): ((الشرعني))، والمثبت الصواب؛ نسبة إلى شرعب بن قيس، قبيلة من
(٨)
حمير. ينظر: تهذيب الكمال (٤٩٢/٢١)، والأنساب (٤١٣/٤).
(٩) في (م) ((يأمن))، وغير واضحة في الأصل، والمثبت من (ح، ش).
(١٠) الترمذي، عقب حديث (١٢١٨).
(١١) في (ح): ((يريد)).

=
محمد
١١٣
كِتَّابُ البُيُّوعِ
الغَنَائِمِ والمَوارِيثِ؛ وقال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(١): البَابُ واحِدٌ، والمَعنَى
مُشْتَرَكٌ لَا يَخْتَصُّ بِه غَنِيمَةٌ ولَا مِيرَاثٌ. وقال والِدِي ◌َُّهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)):
وإِنَّمَا قُيِّدَ ذلك بِالغَنيمَةِ والمِيرَاثِ تَبَعًا لِلحديثِ الوارِدِ في ذلك. فَأَورَدَ(٢) هَذَا
الحديثَ، ثم قال: والظّاهرُ أنَّ الحديثَ خَرَجَ عَلى الغَالِبِ وعَلى مَا كَانُوا يَعتَادُونَ
البَيعَ فيهِ مُزَايَدَةً، وهيَ الغَنَائِمُ والمَوارِيثُ، فَإن وقَعَ البَيعُ(٣) في غَيرِهِمَا مُزَايَدَةٌ،
فَالمَعنَى واحِدٌ كَمَا قال ابنُ العَرَبِيِّ. والله أعلمُ.
قُلتُ: وقَد يَكُونُ المِيرَاثُ لِواحِدٍ أو لِجَمَاعَةٍ، ويَتَّفِقُونَ عَلى بَيْعِه لِشَخصٍ
بِثَمَنِ مُعَيَّنٍ من غَيرِ طَلَبٍ زِيَادَةٍ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ حِينَئِذٍ، وكَذلك في الغَنيمَةِ.
فَظَهَرَ أنَّ هَذَا الإِستِثنَاءَ لَا يَصِحُ التَّمَسُّكُ به في جَمِيعِ الصُّورِ، لَا عَكسًا ولا
طَرَدًا، وإنَّمَا خَرَجَ عَلى الغَالِبِ، كَمَا تَقَدَّمَ. والله أعلَمُ.
■ الثَّالِثَةُ: تَقَدَّمَ حَملُ الحديثِ عَلى مَا إذَا وَقَعَ الرُّكُونُ، وأمَّا مَا دَامَ
صَاحِبُ المَتَاعِ (١٠٨/٦م) طَالِبًا لِلزِّيَادَةِ، فَإِنَّ المُزَايَدَةَ فيه جَائِزَةٌ، ويَدُلُّ لِذلك
الحديثُ الَّذِي رَواه أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ)) (٤) من حَدِيثِ أنَسِ: ((أنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ بَاعَ حِلسًا وقَدْحًا(٥) فيمَن يَزِيدُ)). هَكَذَا ذَكَرَه الشَّيخُ بهذا اللفظِ في
((النُّسخَةِ الكُبرَى)) من الأحكام، وهَذَا اللفظُ الَّذِي أورده(٦) هو لَفُ النسائيّ،
ولَفظُ الترمذيِّ: ((بَاعَ حِلسًا وقَدَحًا (٧)، وقال: ((مَن يَشتَرِي هَذَا الحِلسَ والقَّدَحَ)).
فقال رَجُلٌ: ((آخُذُهمَا بِدِرهَم). فقال النبيُّ نَّهِ: ((مَن يَزِيدُ عَلى دِرهَم، مَن يَزِيدُ
عَلى دِرهَم؟)). فَأعطَاه رَجُلٌ دِرهَمَينٍ، فَبَاعَهمَا منه)). وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا
نَعرِفُه إلَّاًّ من حَدِيثِ الأخضَرِ (٨) بنِ عَجلَانَ، والعَمَلُ عَلى هَذَا عِندَ أهلِ العِلمِ،
لَم يَرَوا بَأْسًا بِبَيْعِ مَن يَزِيدُ في الغَنَائِمِ والمَوارِيثِ.
(٢) في (ش): ((وأورد)).
(١) عارضة الأحوذي (٢٢٤/٥).
(٣)
ليست في (ش).
أبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، والنسائي (٤٥٢٠)، وابن ماجه (٢١٩٨).
(٤)
(٥)
في (م): ((وقد جاء)). وهو تصحیف.
(٦) في (م): ((أرادوه)).
(٧)
في (م): ((وقد جاء)).
(٨) في الأصل: ((الأخصر))، وفي (ح، ك٢، ش): ((الأحصر)).

=
١١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ولَفِظُ أبِي دَاوُد والنسائيّ: ((أنَّ رَجُلًا من الأنصَارِ أتَى النبيَّ وَّهِ يَسألُه،
فقال: ((أمَا(١) في بَيِك شَيءٌ؟)). قال: ((بَلى، حِلسٌ نَلبَسُ بَعضَه، ونَبسُطُ
بَعضَه (٢)، وقَعبٌ نَشرَبُ فيه من المَاءِ)). قال(٣): ((ائِني بهمَا)). قال: فَأَتَاه بهمَا،
فَأَخَذَهمَا رَسُولُ الله ◌َّهِ بِيَدِهِ، وقال: (مَن يَشتَرِي هَذَينٍ؟)). قال رَجُلٌ: ((أنَا
آخُذُهمَا بِدِرهَمْ)). قال: ((مَن يَزِيدُ عَلى دِرهَم؟)) مَرَّتَينٍ، أو ثَلَاثًا، قال رَجُلٌ: ((أَنَا
آخُذُهمَا بِدِرهَمَينٍ)). فَأعطَاهمَا إِيَّاه، وأخَذَ الَّدُّرهَمَينِ فَأعطاهمَا الأنصَارِيَّ، وقال:
((اشتَرِ بِأحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانِذه إلى أهلِك، واشتَرِ بِالآخِرِ قَدُومًا، فَأتِني به). فَأَتَاه به،
فَشَدَّ فيه رَسُولُ اللهِوَّرَ عُودًا بِيَدِه، ثم قال لَه: ((اذهَب، فَاحتَطِب، وبِعِ، ولَا
أَرَبَنَّكَ (٤) خَمسَةَ عَشَرَ يَومًّا)). فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ ويَبِيعُ، فَجَاءَ، وقَد أصَابَ
عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشتَرَى بِبَعضِها ثَوبًا، وبِبَعضِها طَعَامًا، فقال رَسُولُ اللهِوَةِ: ((هَذَا
خَيرٌ لَك من أن تَجِيءَ المَسأَلَةُ [٩٤/٢ظ] نُكتَّةً في وجهك يَومَ القِيَامَةِ، إنَّ المَسأَلَةَ
لَا تَصِلُحُ (٥) إِلَّا لِثَلاثَةٍ: لِذِي فَقرٍ مُدقِعٍ، أو لِذِي غُرِمِ مُفْظِعٍ، أو لِذِي دَمٍ مُوجعٍ)).
وقَد تَبَيَّنَ بهذِهِ الرِّوايَةِ أَنَّ هَذَا المَبِيعَ لَم يَكُن من غَنِيمَةٍ ولَا مِيرَاثٍ.
والحِلسُ، بِكَسرِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، وإسكَانِ اللام، بَعدَها سِينٌ مُهمَلَةٌ: كِسَاءٌ
رَقِيقٌ يُجْعَلُ تَحتَ بَرِذَعَةِ الْبَعِيرِ. وقال والِدِي تَُّهُ: فيه أنَّ النبيَّ وَّهِ هو الَّذِي بَاعَ
القَدَحَ والحِلسَ، فَقَد يُستَدَلُّ به عَلى بَيعِ الحَاكِمِ عَلى المُعسِرِ، ولَكِن لَم يَنقُل هنَا
أَنَّه كَانَ عَلَيْهِ دَينٌ حَتَّى يَبِيعَ الحَاكِمُ عَلَيْهَ.
وقَد يُقَالُ: كَانَتِ نَفَقَّةُ أهلِه واجِبَةً عَلَيه، فَهِيَ كَالدَّينٍ، وأرَادَ الإِكْتِسَابَ
بِالسُّؤَالِ، فَكَرِهَ لَه النبيُّ بِّهِ السُّؤَالَ مع القُدَرَةِ عَلى الكَسبِ، فَبَاعَ عَلَيهِ بَعضَ مَا
يَملِكُه، واشتَرَى لَه (١٠٩/٦م) به آلَةٌ يَكْتَسِبُ بها .
وقَدْ يُقَالُ: هَذَا (٦تَصَرُّفٌ في٦) مَالِه بِرِضَاه، مع أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ يَجُوزُ لَه
(١)
في (ش): ((ما)).
(٣)
في (ش): ((فقال)).
(٥) في (م): ((تصح)).
(٢) ليس في: (ش).
(٤) في (ش): ((أريتك)).
(٦ - ٦) في (ش): ((يصرف)).

كِتَابُ البُيُوعِ
١١٥ م
=
التَّصَرُّفُ في أموالِ أُمَّتِهِ بِمَا شَاءَ، فَتَصَرَّفَ لَه عَلى وجه المَصلَحَةِ. والله أعلمُ.
٠٠٠
(١الحديثُ التَّاسِعُ(١)
فج وعنه أنَّه قال: ((كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ الله ◌ِّهِ نَبَتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبعَثُ
عَلَيْنَا مَن يَأْمُرُنَا بِانِتِقَالِه من المَكَانِ الَّذِي ابْتَعنَاه فيه إلى مَكَان سِواه قَبَلَ أن
نَبیعَه)).
(٢ الحديثُ العَاشِر٢ُ)
فجّ رعنه: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قال: ((مَن ابتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعه حَتَّى
یستوفیە)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: الحديثُ الأولُ: أخرَجَه مسلمٌ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٣) من
هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ. زَادَ أبو دَاوُد في(٤) آخِرِ الحديثِ: ((يَعني: جُزَافًا)).
وقال ابنُ حَزم(٥) جُمهورُ الرُّواةِ عن مَالِكٍ لِهَذَا (٦) الحديثِ في ((المُوطَّ)) وغَيرِهِ:
ذَكَرُوا فيه عَنْه (٧) الجُزَافَ؛ كَمَا ذَكَرَه عُبَيدُ الله عن نَافِعٍ، والزُّهرِيُّ عن
سَالِمٍ، وإنَّمَا أسقَطَ ذِكرَه القَعنَبِيُّ وَيَحيَى فَقَط؛ فوهما (٨) فيه؛ لِأَنَّه خَبَرٌ واحِدٌ.
انتَھی .
وفيه نَظَرٌ، فَقَد قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٩): لَم يُختَلَف عَلى مَالِكٍ فيه، ولَم يَقُل
(١ - ١) في الأصل: ((الخامسة)).
(٢ - ٢) ليس في: الأصل.
(٣) مسلم (٣٣/١٥٢٧)، وأبو داود (٣٤٩٣)، والنسائي (٤٦١٩).
(٤) في (م): ((وفي)).
(٥) المحلى (٥٢٢).
(٦) في (ح): ((كهذا)). وفي (ش): ((هذا)). (٧) في (ح): ((عند).
(٨) في (م): ((توهما)).
(٩) التمهيد (٣٣٥/١٣).

١١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
جُزَافًا (١). وأخرَجَه البُخَارِيُّ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٢) من رِوايَةٍ يَحَيَى بِنِ سَعِيدٍ
القَطَّانِ، عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، (٣عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَر٣َ)، قال: ((كَانُوا
يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ في أعلى السُّوقِ، فَيَبِيعُونَه في مَكَانِهِم، فَنَهاهم رَسُولُ اللهِ وَلِّ أن
يَبِيعُوه في مَكَانِه حَتَّى يَنقُلُوه)). لَفِظُ البُخَارِيِّ، وقال أبو دَاوُد والنسائيُّ:
(يَتَّبَايَعُونَ(٤) الطَّعَامَ جُزَافًا)). وأخرَجَه مسلمٌ، وابنُ مَاجَه(٥) من رِوايَةِ عَبدِ الله بنِ
نُمَيرٍ. ومسلمٌ(٦) وحدَه من رِوايَةٍ عَلِيٍّ بنِ مُسهرٍ. كِلَاهمَا عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ،
بِلَفِظِ: ((كُنَّا نَشتَرِي الطَّعَامَ من الرُّكَبَانِ جُزَافًا، فَنَهانَا رَسُولُ اللهِ وََّ أن نَبِيعَه
حَتَّى نَنقُلَه من مَكَانِه)). وأخرَجَه البُخَارِيُّ(٧) من رِوايَةٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، عن
نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّهم كَانُوا يَشتَرُونَ الطَّعَامَ من الرُّكبَانِ عَلى عَهدِ
رَسُولِ اللهِ وََّ، فَيَبعَثُ عَلَيهم مَن يَمنَعُهم أن يَبِيعُوه حَيثُ اشتَرَوه حَتَّى يَنْقُلُوه
حَيثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ)). [وأخرَجَه أيضًا من رِوايَةٍ جُويرِيَةَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ
قال: ((كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشتَرِي منهم الطَّعَامَ] (٨)، فَنَهَانَا النبيُّ نَِّ أَن نَبِيعَه حَتَّى
نَبلُغَ بِه سُوقَ الطَّعَامِ))(٩). وأخرَجَه النسائيّ(١٠) من رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ
(١١عَبد الرحمن بن عنجٍ ١١)، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّهم كَانُوا يَبتَاعُونَ
الطَّعَامَ عَلى عَهِدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ من الرُّكْبَانِ، فَنَهاهم أن يَبِيعُوه في مَكَانِهِم الَّذِي
ابتَاعُوا فيه حَتَّى يَنقُلُوه إلى سُوقِ الطَّعَامِ))، ورَواه الحَاكِمُ في (مُستَدرَكِه))(١٢) من
رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ إِسحَاقَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ ◌َُه، (١١١/٦م) عن
(١) من هنا خرم في (ح) إلى أثناء الفائدة الثالثة، وهو بمقدار ورقة.
(٢) البخاري (٢١٦٧)، وأبو داود (٣٤٩٤)، والنسائي (٤٦٢٠).
(٤) ليست في (ش).
(٣ - ٣) ليس في: (ش).
(٥) مسلم (١٥٢٦/ ٣٤)، وابن ماجه (٢٢٢٩).
(٦) مسلم (١٥٢٦/ ٣٤).
(٧) البخاري (٢١٢٣).
(٩) البخاري (٢١٦٦).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(١٠) النسائي (٤٦٢١).
(١١ - ١١) في (م، ك٢): ((محمد بن علج)).
(١٢) الحاكم (٣٩/٢).

=
كِتَابُ البُيُوعِ
١١٧
رَسُولِ اللهِ وَّهُ: ((أنَّه نَهَى أن تُبَاعَ السِّلَعُ حَيثُ تُشْتَرَى، حَتَّى يَحُوزَهَا الَّذِي
اشتَرَاها إلى رَحِلِه، وإن كَانَ لَيَبعَثُ رِجَالًا فَيَضرِبونَا عَلى ذلك)). وقال [٩٥/٢ ,]:
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرطِ مسلمٍ.
قُلتُ: قَد عَرَفتَ أنَّه [من رِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ بِالعنعنةِ، واختُلِفَ عَلَيه في
إسنَادِهِ فَرَواه أبو دَاوُد، والحَاكِمُ(١) أيضًا] (٢) من رِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ، عن
أبِي الزِّنَادِ، عن عُبَيدِ(٣) بنِ حُنَينٍ (٤) عن ابنِ عُمَرَ، قال: ((ابتَعت زَيْتًا في السُّوقِ،
فَلَمَّا استَوجَبته لَقِيَنِي رَجُلٌ، فَأعطَاني به ربحًا (٥) حَسَنًا، فَأَرَدت أن أضرِبَ عَلى
يَدِهِ؛ فَأَخَذَ رَجُلٌ من خَلفي بِذِرَاعِي، فَالتَفَتُّ، فَإِذَا زَيدُ بنُ ثَابِتٍ، فقال: (لَا تَبِعه
حَيثُ ابتَعته، حَتَّى تَحُوزَه إلى رَحِلِك، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِوَّهُ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ
حَيثُ تُبْتَاعُ، حَتَّى يُحرِزَها (٦) النُّجَّارُ إلى رِحَالِهم)).
وأخرَجَ الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٧) من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ،
عن أبِيه، قال: ((قَد رَأيتُ النَّاسَ في عَهدِ رَسُولِ اللهِ وََّ، إِذَا ابتَاعُوا الطَّعَامَ
جُزَافًا، يُضرَبونَ أن يَبِيعُوه في مَكَانِهِم ذلك، حَتَّى يُؤؤُوه إلى رِحَالِهم)).
والحديثُ الثَّاني: أخرَجَه الأئِمَّةُ الستةُ(٨) خَلَا الترمذيَّ من هَذَا الوجه من
طَرِيقِ مَالِكٍ. وأخرَجَه البُخَارِيُّ(٩) أيضًا من حَدِيثِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ. ومسلمٌ(١٠)
من حَدِيثٍ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ مُحَمَّدٍ. كُلُّهم عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ.
ولَفظُ مسلمٍ من حَدِيثٍ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدٍ: ((حَتَّى يَستَوفيه ويَقْبِضَه)). وأخرَجَه
البُخَارِيُّ، وَمسلمٌ، والنسائيُّ (١١) من رِوايَةٍ عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ،
(١) أبو داود (٣٤٩٩)، والحاكم (٤٠/٢). (٢) ليس في: الأصل.
(٣)
في الأصل: ((عبيدة)).
(٤) في (ش): ((حبیر)).
(٥)
في (م): ((زيتًا)).
(٦) في مصادر التخريج: ((يحوزها)).
البخاري (٢١٣٧)، ومسلم (٣٧/١٥٢٧)، وأبو داود (٣٤٩٨)، والنسائي (٤٦٢٢).
(٧)
البخاري (٢١٢٦)، ومسلم (٣٢/١٥٢٦)، وأبو داود (٣٤٩٢)، والنسائي (٤٦٠٩)، وابن
(٨)
ماجه (٢٢٢٦).
(٩) البخاري (٢١٢٤).
(١٠) مسلم (٣٤/١٥٢٦، ٣٥).
(١١) البخاري (٢١٣٣)، ومسلم (٣٦/١٥٢٦)، والنسائي (٤٦١٠) ..

=
=
١١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بِلَفِظِ: ((حَتَّى يَقِضَه)). وأخرَجَه أبو دَاوُد، والنسائيُّ(١) من رِوايَةِ القَاسِمِ بنِ
مُحَمَّدٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ نَهَى أَن يَبِيعَ أحَدٌ طَعَامًا اشتَرَاه بِکَیلٍ
حتَّی یَستَوفیە)).
■ الثّانية: استَدَلَّ بِقَولِه في هَذَا الحديثِ في رِوايَةِ أبِي دَاوُد: ((يَعني:
جُزَافًا))، بِجَزْمِه(٢) في نَفسِ الحديثِ (٣): بِأَنَّه جُزَافٌ؛ من حَدِيثِ عُبَيدِ الله(٤) بنِ
عُمَرَ عِندَ (١١٢/٦م) مسلم، وأبِي دَاوُد، والنسائيُّ، وابنِ مَاجَه؛ ومن حَدِيثِ سَالِم
عن أبِيه عِندَ الشَّيخَينِ وغَيرِهمَا: عَلى جَوازٍ بَيعِ الصُّبرَةِ من الطَّعَامِ وغَيرِهِ جُزَافًا(٥)؛
أي: من غَيرِ تَقدِيرٍ بِكَيلٍ ولا وزنٍ، ولَا غَيرِهمَا؛ وظَاهرُه: أنَّه لَا فَرِقَ في ذلك بين
أن يَعلَمَ البَائِعُ قَدَرَها أم لا؛ وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ(٦)، وأحمَدُ، ودَاوُد، والشَّافِعِيُّ،
والجُمهورُ. ولَكِنَّ الأظهَرَ من قَولَي الشَّافِعِيِّ: أنَّ ذلك مَكُرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنزِيهِ.
والثَّاني: أنَّه لَيسَ بِمَكْرُوهِ، قال النَّووِيُّ(٧): ونَقَلَ أصحَابُنَا عن مَالِكِ: أنَّه
لَا يَصِحُ البَيعُ إذَا كَانَ بَائِعُ الصُّبَرَةِ جُزَافًا يَعلَمُ قَدَرَها .
قُلتُ: الَّذِي حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨) عن مَالِكِ: أنَّه لَا يَجُوزُ (٩) لِمَن عَلِمَ
مِقْدَارَ المَبِيعِ كَيلًا أو وزنًا أن يَبِيعَه جُزَافًا، حَتَّى يُعَرِّفَ المُشتَرِيَ بِمَبلَغِهِ، فَإن فَعَلَ
فَهو غَاشٌّ، والمُشتَرِي بِالخِيَارِ إِذَا عَلِمَ كَالعَيبٍ. وقال: لَم يَخْتَلِفِ قَولُ مَالِكٍ في
ذلك، وتَابَعَه عَلَيه الليثُ بنُ سَعدٍ، ورُوِيَ ذلك عن مُجَاهِدٍ، وطَاوُسٍ، وعَطَاءِ بنِ
أبِي (١٠) رَبَاحِ، والحَسَنِ بنِ أَبِي الحَسَنِ. ثم رَويَ بِإِسنَادِهِ أنَّهم کَرِهوه.
واعلم أنَّ الجُزَافَ: بِكَسرِ الجِيمِ وفَتِها وضَمِّها، ثَلَاثُ لُغَاتٍ، الكَسرُ
أفصَحُ وأَشھَرُ.
(١) أبو داود (٣٤٩٥)، والنسائي (٤٦١٠).
(٢)
في (م): ((وبجزمه)).
(٣)
في الأصل: ((الأمر)).
(٥)
في الأصل: ((خلافا)).
(٧)
شرح صحيح مسلم (١٦٩/١٠).
(٩) في (ش): ((لا يصح البيع)).
(٤) في (ش): ((عبد لله)).
(٦) في (ش): ((أبو عبيدة)).
(٨) التمهيد (٣٤٤/١٣).
(١٠) ليست في (ش).

=
١١٩
كِتَابُ البُيُوعِ
■ الثَّالِثَةُ: في الحديثِ الأولِ: أنَّ مَن اشتَرَى طَعَامًا لَيسَ لَه بَيْعُه حَتَّى
يَنْقُلَه من المَكَانِ الَّذِي اشتَرَاه فيه إلى مَكَانٍ آخَرَ، وفي الحديثِ الثَّاني: أنَّه لَيسَ
لَه ذلك حَتَّى يَستَوفيه، وهمَا بِمَعنّى واحِدٍ، فَإِنَّ الاستيفَاءَ هو القَبضُ، كَمَا دَلَّت
عَلَيهِ الرِّوايَةُ الأُخرَى؛ والقَبضُ في المَنْقُولَاتِ يَكُونُ بِالنَّقْلِ، والمُرَادُ بِالنَّقْلِ تَحوِيلُه
إلى مَكَان لَا يَختَصُّ بِالْبَائِعِ، أو يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ بِإِذنِهِ. وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ
المَسألَةِ عَلى أقوالٍ:
أحَدُها: اختِصَاصُ ذلك بِالمَطعُوم، كَمَا هو مُقْتَضَى هَذَا (١) الحديثِ. فَأمَّا
غَيرُه فَيَجُوزُ بَيعُه قَبلَ قَبضِه، وهَذَا مَذَهَبُ مَالِكٍ، وحَكَى عنه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢)
استِنَاءَ أمَرَينِ من المَطعُومِ يَجُوزُ بَيْعُهمَا قَبَلَ القَبضِ.
أحَدُهمَا: المَاءُ. وحَكَى ابنُ حَزمٍ(٣) عنه في المَاءِ رِوايَتَينِ.
الأمرُ الثَّاني: الطَّعَامُ المُشتَرَى جُزَافًا، قال: فَالمَشهورُ من مَذهَبِ مَالِكٍ
جَوازُ بَيعِه قَبلَ القَبضِ؛ وبه قال الأوزَاعِيُّ. [ثم قال: ولا أعلَمُ أحَدًا تَابَعَ
مَالِكًا من جَمَاعَةِ فُقَهاءِ الأمصَارِ عَلى تَفْرِقَتِهِ بَيْنَ مَا اشتَرَى جُزَافًا من الطَّعَامِ
وبَينَ مَا اشتَرَى منه كَيلًا(٤) إلَّا الأوزَاعِيَّ](٥)؛ فَإِنَّه قال: مَن اشتَرَى طَعَامًا
جُزَافًا، فَهَلَكَ قَبلَ القَبضِ فَهو من المُشتَرَى، وإن اشتَرَاه مُكَايَلَةً فَهو من البَائِعِ.
وهو نَصُّ قَولِ مَالِكِ، وقَد قال الأوزَاعِيّ: مَن اشتَرَى ثَمَرَةٌ لَم يَجُز لَه بَيْعُها
قَبلَ القَبضِ. (١١٣/٦م) وهَذَا تَنَاقُضٌ، ثم استَدَلَّ [٩٥/٢ظ] ابنُ عَبدِ البَرِّ
لِمَالِكِ(٦) بِرِوايَةِ القَاسِم، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ نَهَى أَن يَبِيعَ أَحَدٌ
طَعَامًا اشتَرَاه بِكَيلٍ حَتَّى يَستَوفيه)). قال: فَقَولُه: ((بِكَيلٍ)) دَلِيلٌ عَلى أَنَّ مَا خَالَفَه
بِخِلافِهِ.
قُلتُ: لَكِنَّ الرِّوايَاتِ المُتَقَدِّمَةَ فِي نَهِي الَّذِينَ يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ جُزَافًا عن بَيْعِه
ليس في: الأصل.
(١)
(٣) المحلى (٥٢١/٨).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٢) التمهيد (٣٢٦/١٣).
(٤) في (ش): ((مكيلا)).
(٦) ليس في: (ك٢).

==
١٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
حَتَّى يَنْقُلُوه من مَكَانِهِ صَرِيحٌ في الرَّدِّ عَلى مَن جَوزَ بَيْعَ الطَّعَامِ قَبَلَ قَبِضِه، إذَا كَانَ
اشتَرَاه جُزَافًا. والله أعلمُ.
القَولُ الثَّاني: اختِصَاصُ ذلك بِالمَطعُومِ، سَواءٌ اشتَرَى جُزَافًا أو مُقَّدَّرًا(١)
بِكِيلٍ أو وزنٍ أو غَيرِهمَا؛ وبه قال بَعضُ المَالِكِيَّةِ، وحَكَاه عن مَالِكٍ، واختَارَه أبو
بَكرِ الوقَّارُ، وصَحَّحَه أبو (٢) عَمروِ ابنُ الحَاجِبِ(٣)، وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤) عن
أحمَدَ، وأبِي ثَورٍ، قال: وهو الصَّحِيحُ عِندِي، لِثُبُوتِ الخَبَرِ بذلك عن النبيِّ وَِّ،
وعَمَلِ أصحابه، وعَلَيه جُمهورُ أهلِ العِلم. قال: وحُجَّتُهم عُمُومُ(٥) قَولِهِ: ((مَن ابْتَاعَ
طَعَامًا)). لَم يَقُل: جُزَافًا ولَا كَيلًا، بَل ثَبَّتَ عنه فيمَن ابتَاعَ طَعَامًا جُزَافًا أن لَا يَبِيعَه
حَتَّى يَنقُلَه و(٦) يَقِضَه. قال: وضَعَّفُوا الزِّيَادَةَ في قَولِهِ: ((طَعَامًا بِكَيلٍ).
القَولُ الثَّالِثُ: اختِصَاصُ ذلك بِمَا اشتَرَى مِقدَارًا(٧) بِکَیلٍ أو وزنٍ، أو
زَرِع(٨) أو عَدَدٍ، سَواءٌ كَانَ مَطعُومًا أم لَا، فَإِن اشتَرَى بِغَيرُ(٩) تَقدِيرٍ، جَازَ بَيعُه
قَبلَّ قَبْضِه، وهَذَا هو المَشهورُ عن أحمَدَ، كَمَا قال الشَّيخُ مَجدُ الدِّينِ ابنُ تَيمِيَّةَ
في ((المُحَرَّرِ))(١٠). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١١): رُوِيَ عن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ، وسَعِيدِ بنِ
المُسَيِّبِ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، والحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ(١٢)، وحَمَّادِ بنِ أبِي سُلَيمَانَ، وبه
قال إسحاقُ بنُ رَاهويه؛ ورُوِيَ عن أحمَدَ بنِ حَتَبَلٍ. والأولُ أَصَحُّ عنه. انتَهَى.
والمُعتَمَدُ في ذلك قَولُ ابنِ تَيمِيَّةَ، فَإِنَّه أعرَفُ بِمَذهَبه، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ:
وحُجَّتُهم: أنَّ الطَّعَامَ المَنصُوصَ (١٣ عَلَيْه أصلُه١٣) الكَيلُ أو(١٤) الوزنُ، فَكُلُّ مَكِيلٍ
أو مَوزُونٍ فَذلك حُكمُه.
(١) في (م): ((مقدارًا)).
(٣) في النسخ: ((أبو عمر)). وينظر: جامع الأمهات (ص٢٥١).
(٤)
التمهيد (٣٢٩/١٣).
(٦)
في الأصل: ((أو)).
(٨) في الأصل، (ك٢): ((درع)).
(١٠) المحرر (٣٢٢/١).
(١٢) في (ك٢، ش): ((عيينة)).
(١٤) في الأصل: ((و)).
(٢) في (ش): ((ابن)).
(٥) بعدها في (ش): ((الصحيح عندي من)).
(٧) في (ش): ((مقدرًا)).
(٩) في (ك٢): ((بعد)).
(١١) التمهيد (٣٣٠/١٣).
(١٣ - ١٣) ليس في: (ش).