النص المفهرس

صفحات 61-80

=
٦١
كِتَابُ البُيُوعِ
أحَدُها: أن يَكُونَ عَالِمًا بِالنَّهي فيه، وهَذَا شَرطٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَنَاهي.
والثَّاني: أن يَكُونَ المَتَاعُ(١) المَجلُوبُ مِمَّا تَعُمُّ الحَاجَةُ إلَيه؛ كَالأَطْعِمَةِ
ونَحوِها، فَأمَّا مَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيهِ إلَّا نَادِرًا فَلَا يَدخُلُ في النَّهيِ.
والثَّالِثُ: أَن يَظهَرَ بِبَيَعِ ذلك المَتَاعِ سَعَةٌ فِي البَلَدِ فَإِن لَم يَظْهَر لِكِبَرِ البَلَدِ،
أو قِلَّةِ مَا معه، أو لِعُمُومِ وُجُودِه ورُخصِ السِّعرِ: فَوجهانِ أوفَقُهمَا لِلحديثِ
التَّحرِیمُ.
والرَّابِعُ: أن يَعرِضَ الحَضَرِيُّ ذلك عَلى البَدَوِيِّ، ويَدْعُوه إلَيه. أمَّا إِذَا
التَمَسَ البَدَوِيُّ منه(٢) بَيَعَه تَدرِيجًا أو قَصَدَ الإِقَامَةَ في الْبَلَدِ لِيَبِيعَ(٣) ذلك، فَسَأْلَ
البَدَوِيَّ تَفْوِيضَه إلَيه فَلَا بَأسَ به؛ لِأَنَّه لَم يُضِرَّ بِالنَّاسِ، ولَا سَبِيلَ إلى مَنعِ المَالِكِ
منه، ولَو أنَّ البَدوِيَّ اسْتَشَارَ البَلَدِيَّ فيمَا فيه حَظُه، فَهَل يُرشِدُه إلى الاِدِّخَارِ
والبَيعِ(٤) عَلى التَّرِيجِ؟ وجهانِ. حَكَى القَاضِي ابنُ كَجِّ عن أبِي الطَيِّبِ ابنِ سَلَمَةَ،
وأبِي إسحَاقَ المَروزِيِّ: أنَّه يَجِبُ عَلَيهِ إرشَادُه إلَيه أدَاءٌ لِلنَّصِيحَةِ؛ وعن أبِي حَفْصٍ
ابنِ الوكيلِ: أنَّه لَا يُرشِدُه إلَيهِ تَوسِيعًا عَلى النَّاسِ.
وكَذَا (٦/ ٧٤م) اعتَبَرَ الحَنَابِلَةُ هَذِهِ الشُّرُوطَ، وعِبَارَةُ ابنٍ تَيمِيَّةَ في
((المُحَرَّرِ))(٥) [٨٤/٢ظ]: وبَيْعُ الحَاضِرِ لِلِبَادِي مَنهيٍّ عنه بِخَمسَةِ شُرُوطٍ: أن يَحضُرَ
البَادِي لِبَيعِ شَيءٍ بِسِعرِ يَومِه، وهو جَاهلٌ بِسِعرِهِ، وبِالنَّاسِ إِلَيه حَاجَةٌ، ويَقصِدُه
الحَاضِرُ. وقال مَالِكٌ في البَدَوِيِّ يَقدُمُ فَيَسألُ الحَاضِرَ عن السِّعرِ: أكرَه لَه أن
يُخبِرَه. وقال أيضًا: لَا أَرَى أن يَبِيعَ مِصرِيٌّ لِمَدَني ولَا مَدَني لِمِصرِيٍّ، ولَكِن
يُشِيرُ عَلَيهِ(٦).
وقال أيضًا: لَا يَبِيعُ أهلُ القُرَى لِأهلِ البَادِيَةِ سِلَعَهم. قِيلَ لَه: فَإِن بَعَثَ
بِالسِّلْعَةِ إلى أخٍ لَه من أهلِ القُرَى لَم يَقدُم معه سِلعَتَه؟ قال: لَا يَنْبَغِي لَه ذلك(٧) .
في (ش): ((المباع)).
(١)
(٣) في (م): (البيع)).
(٥) المحرر (ص٣١١).
(٧) ليست في (ك٢، ش).
(٢) ليس في: (ش).
(٤) في (م): ((أو البيع)).
(٦) ليست في الأصل.

٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
حَكَى ذلك كُلَّه عنه ابنُ عَبدِ البَرِّ(١)، ثم حَكَى عن ابنِ حَبِيبٍ أَنَّه قال: لَا يَبعَثُ
البَدَوِيُّ إلى الحَضَرِيِّ بِمَتَاعٍ يَبِيعُه لَه، ولَا يُشِيرُ عَلَيه في البَيعِ إن قَدِمَ عَلَيه. ثم
حَكَى عن الليثِ بنِ سَعدٍ أَنَّه قال: لَا يُشِيرُ الحَاضِرُ عَلى البَادِي؛ لِأَنَّه إِذَا أَشَارَ
عَلَيهِ فَقَد بَاعَ لَه(٢)؛ لِأَنَّ من شَأنِ أهلِ البَادِيَةِ أن يُرَخِّصُوا على (٣) أهلِ الحَضَرِ
لِقِلَّةِ مَعرِفَتِهِم بِالسُّوقِ. وقال الأوزَاعِيُّ: لَا يَبِعْ (٤) حَاضِرٌ لِبَادٍ، ولَكِن لَا بَأسَ
أن (٥) يُخبِرَه بِالسِّعرِ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٦): واعلم أنَّ أكثَرَ
هَذِهِ الأحكامِ تَدُورُ بَينَ اتِّبَاعِ المَعنَى واتِّبَاعِ اللفظِ، ولَكِن يَنبَغِي أن يُنظَرَ في
المَعنَى إلى الظُهورِ والخَفَاءِ، فَحَيثُ يَظهَرُ(٧) ظهورًا كَثِيرًا، فَلَا بَأسَ بِاتِّبَاعِه،
وتَخصِيصِ النَّصِّ به (٨) أو تَعمِيمِه (٩) عَلى قَواعِدِ القِيَاسِين(١٠) يَخْفَى أو لَا يَظهَرُ
ظُهورًا قَوِيًّا، فَاتِّبَاعُ اللفظِ أولى، فَأْمَّا (١١) مَا ذُكِرَ (١٢) في (١٣) اشتِرَاطِ أن يَلْتَمِسَ
البَلدِيُّ(١٤) ذلك فَلَا يَقوى، لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللفظِ عَلَيه، وعَدَم ◌ُظُهورِ المَعنَى فيه، فَإِنَّ
الضرر(١٥) المَذكُورَ الَّذِي عُلِّلَ به النَّهيُ لَا يَفتَرِقُ الحَالُ فيه بَيْنَ سُؤَالِ البَلَدِيِّ
وعَدَمِه ظَاهرًا، وأمَّا (١٦) اشتِرَاطُ [أن يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَيه فَمُتَوسِّطٌ
في الظُهورِ وعَدَمِه، لِاحْتِمَالِ أن يُرَاعِيَ مُجَرَّدَ رِبِحِ النَّاسِ عَلى مَا أشعَرَ به التَّعلِيلُ
من قَولِه: ((دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بَعضَهم من بَعضٍ)).
وأمَّا اشتِرَاطُ](١٧) أن يَظهَرَ لِذلك المَتَاعِ(١٨) المَجلُوبِ سَعَةٌ في البَلَدِ،
(١) الاستذكار (٥٢٨/٦).
في (م): ((إلى)).
(٣)
(٥)
ليست في (ش).
في (ش): ((ظهر)).
(٧)
(٨) في (ش): ((عليه)).
(٩) في (ح، ك٢): ((یعممه)).
(١٠) في الأصل، (م): ((القياس ويخفى)). والمثبت أجود.
(١١) في الأصل، (م): ((وأما)). والمثبت كالمصدر.
(١٢) في (ك): ((ذكره)).
(١٣) في شرح العمدة: ((من)).
(١٤) في النسخ: ((البدوي)). والمثبت من (ح)، وهو الموافق للتخريج.
(١٥) ليست في (م).
(١٦) في (م): ((ظاهر أو أما)).
(١٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(١٨) في (ش): ((المباع)).
(٢) ليست في (ش).
(٤) في (م): ((يبيع)).
(٦) إحكام الأحكام (ص٥١٣).

٦٣
كِتَابُ البُيُوعِ
فَكَذلك أيضًا؛ أي: إنَّه مُتَوسِّطٌ في الظُهورِ، لِمَا ذَكَرِنَاه من احتِمَالِ أن يَكُونَ
المَقصُودُ مُجَرَّدَ تَقْرِيبِ الرِّبح والرِّزقِ عَلى أهلٍ (١) البَلَدِ، وهَذِه الشُّرُوطُ؛ منها: مَا
يَقُومُ الدَّلِيلُ الشَّرعِيُّ عَلَيه؛ كَشَرِطِنَا العِلمَ بِالنَّهي، ولَا إشكَالَ فيه(٢)؛ ومنها: مَا
يُؤْخَذُ بِاسْتِبَاطِ المَعنَى، فَيَخْرُجَ عَلى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ، وهيَ: ((أنَّ النَّصَّ إِذَا استُنِطَ
منه مَعنَّى يَعُودُ عَلَيهِ بِالتَّخصِيصِ، هَل يَصِحُ أم لا؟)). انتَهَى. وقال والِدِي ◌َخْلُهُ في
((شَرحِ الترمذيِّ)): جَوازُ الإشَارَةِ عَلَيه هو الصَّوابُ؛ لِأَنَّ إنَّمَا نَهَى (٧٥/٦م) عن
البَيعِ لَه ولَيسَ فيه بَيعٌ لَه، وقَد أمَرَ بِنُصحِه في بَعضِ طُرُقِ هَذَا الحديثِ، وهو
قَولُهُ: ((و(٣) إِذَا اسْتَنْصَحَ أحَدُكُمْ أَخَاه فَلَيَنصَح ◌َه)(٤). انتَهَى. وبه قال ابنُ حَزم(٥).
] السَّابِعَةُ(٦) والعِشرُونَ: لَو خَالَفَ الحَاضِرُ وبَاعَ لِلِبَادِي، حَيثُ مَّنَعنَاه
منه، كَانَ البَيعُ صَحِيحًا عِندَ الشَّافِعِيِّ وطَائِفَةٍ (٧)، لِجَمِعِه الأركَانَ والشَّرَائِطَ،
والخَلَلُ فِي غَيرِهِ. واختَلَفَ المَالِكِيَّةُ(٨) في ذلك: فقال بَعضُهم بِالصِّحَّةِ، وبَعضُهم
بِالبُطلَانِ مَا لَم يَفْت، والقَولَانِ عن ابنِ القَاسِمِ، ومِمَّن قال بِالبُطلَانِ ابنُ حَبِيبٍ،
وابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(٩)، وقال سَحنُونٌ: وقال لِي غَيرُ ابنِ القَاسِمِ: إِنَّه يُرَدُّ البَيعُ.
وعن أحمَّدَ في ذلك رِوايَتَانٍ(١٠). ومُستَنَدُ البُطلَانِ: اقتِضَاءُ النَّهِيِ الفَسَادَ، قال
أصحَابُنَا وغَيرُهم: ولا خِيَارَ لِلمُشتَرِي. ورَوى سَحنُونٌ عن ابنِ القَّاسِمِ أنَّه يُؤَذَّبُ
الحَاضِرُ إِذَا بَاعَ لِلبَادِي، وَرَوى عِيسَى عنه إن كَانَ مُعتَادًا لِذلك، ورُوِيَ عن
ابنِ وهبٍ: أَنَّه لَا [٢/ ٨٥وم] يُؤَذَّبُ، سَواءٌ كَانَ(١١) عَالِمًا بِالنَّهي أو جَاهلًا.
■ الثَّامنهُ(١٢) والعِشرُونَ: أَمَّا شِرَاءُ الحَاضِرِ لِلبَادِي: فَاختَلَفَ فيه قَولُ
(٢) في (م): ((فیھا)).
ليس في: (ش).
(١)
(٣)
ليس في: (ش).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٤٢٣)، وأحمد (٢٥٩/٤)، والطحاوي في شرح معاني
الآثار (١١/٤)، والبخاري تعليقًا.
(٥)
المحلى (٤٥٣/٨).
(٧) ينظر: روضة الطالبين (٧٧/٣)، والمغني (٣١٠/٦).
(٨) الاستذكار (٥٢٨/٦).
(١٠) المغني (٣١٠/٦).
(١٢) في الأصل: ((التاسعة)).
(٦) في الأصل: ((الثامنة)).
(٩) المحلى (٤٥٣/٨).
(١١) في (ش): ((أكان)).

٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مَالِكٍ؛ فَمَرَّةً مَنَعَه، ومَرَّةً قال: لَا بَأسَ به. وقال ابنُ حَبِيبٍ: الشِّرَاءُ لِلِبَادِي مِثلُ
البيع، أَلَّا تَرَى قَوْلَهُ وَّهِ: (لَا يَبِع (١) أحدكم(٢) عَلى بَيعِ بَعضٍ)). إنَّمَا هو لَا
يَشتَرِي أحَدُكُمْ عَلى شِرَاءِ بَعضٍ، قال: فَلَا يَجُوزُ لِلحَضَرِيِّ أن يَشتَرِيَ لِلبَدَوِيِّ،
ولَا أن يَبِيعَ لَه. وبه قال ابنُ حَزمِ الَّاهِرِيُّ، وقَد عَرَفتَ الرَّدَّ عَلَيه في حَمَلِ البَيعِ
في ذلك الحديثِ(٣) عَلى الشِّرَاءِ قَرِيبًا(٤)، ولَم يَتَعَرَّض أصحَابُنَا لِمَنْعِ شِرَاءٍ
الحَاضِرِ لِلبَادِي.
(٥التَّاسِعَةُ والعِشرُونَ(٥): بَوّبَ البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِه) (٦): ((هَل یَبِیعُ
حاضِرٌ لِبَادٍ(٧) بِغَيرِ أجرٍ، وهَل يُعِينُه، أو يَنصَحُه. قال: وقال(٨) النبي ◌َّ: (إِذَا
استَنصَحَ أحَدُكُمْ أَخَاه فَلَيَنصَحِ لَه)). قال(٩): ورَخَّصَ فيه عَطَاءٌ. ثم رَوى حَدِيثَ
جَرِيرٍ: (بَايَعِتُ رَسُولَ الله ◌ِّهِ عَلى شَهادَةٍ أن لَا إلَهَ إلَّ الله، وأنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ الله، وإِقَامِ الصَّلَاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والسَّمعِ والطَّاعَةِ، والنُّصحِ لِكُلِّ مسلمٍ)).
ثم رَوى حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ: ((لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ)). فَقِيلَ لِابنِ عَبَّاسٍ: مَا قَولُه:
(لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ)؟ قال: ((لَا يَكُونُ لَه سِمسَارًا)). ثم بَوبَ: ((مَن كَرِهَ أن يَبِيعَ
حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأجرٍ)) (١٠)، ورَوى فيه حَدِيثَ ابنِ عُمَر ◌ًِّا: «نَهَى رَسُولُ اللهِوَِّ أن
يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ)). قال: وبه قال ابنُ عَبَّاسٍ ﴿هَا. ثم بَوّبَ (١١): ((لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ
لِبَادٍ بِالسَّمِسَرَةِ)). قال: وكَرِهَه(١٢) ابنُ سِيرِينَ وإبراهيمُ لِلبَائِعِ والمُشتَرِي، وقال
إبراهيمُ: إنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بِع لِي ثَوبًا، وهيَ تَعني الشِّرَاءَ. ثم رَوى حَدِيثَ
في (م): ((يبيع).
(١)
المثبت من (ح)، وباقي النسخ: ((بعضكم)).
(٢)
(٤) في الفائدة السادسة عشر من هذا الحديث.
(٣)
ليس في: (ش).
(٥ - ٥) في الأصل: ((الثلاثون)).
(٦) كتاب البيوع، باب (٦٨)، على حديث (٢١٥٧، ٢١٥٨).
(٧) في (م): ((الحاضر للبادي)).
(٨) ليست في (م).
(٩) ليست في (ح).
(١١) السابق، باب (٧٠)، حديث (٢١٦٠).
(١٢) في (م): ((وكره).
(١٠) السابق، باب (٦٩)، حديث (٢١٥٩) ..

كِتَابُ البُّيُوعِ
كي
٦٥
أَبِي هَرَيْرَةَ رَُّه: ((لَا يَبِيعُ (٧٦/٦م) حَاضِرٌ لِيَادٍ)). وقال ابنُ بَطَّالٍ (١): أرَادَ البُخَارِيُّ
أن يُجِيزَ بَيعَ الحَاضِرِ لِلِبَادِي بِغَيرِ أجرٍ، ويَمنَعُه إذَا كَانَ بِأجرٍ، واستَدَلَّ عَلى ذلك
بِقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((لَا يَكُونُ لَه سِمسَارًا)). فَكَأنَّه أجَازَ ذلك لِغَيرِ السِّمسَارِ إِذَا كَانَ
من طَرِيقِ النُّصحِ. قال: ولَم يُرَاعِ الفُقَهاءُ في السِّمسَارِ أجرًا وَلَا غَيرَه، والنَّاسُ
فِي هَذَا عَلى قَولَيْنٍ، فَمَن كَرِهَ بَيْعَ الحَاضِرِ لِلبَادِي كَرِهَه (٢) بِأجرٍ وِغَيرِ أجر، ومَن
أَجَازَه أجَازَه بِأجرٍ وِغَير(٣) أجرٍ. انتَهَى.
■ الثلاثون (٤): حَمَلَ الحَنَفيةُ بَيعَ الحَاضِرِ لِلبَادِي عَلى صُورَةٍ أُخرَى،
وهيَ أن يَبِيعَ الحَضَرِيُّ شَيئًا مِمَّا يَحتَاجُ إِلَيه أهلُ الحَاضِرَةِ لِأهلِ البَادِيَةِ لِطَلَبِ
زِيَادَةِ السِّعرِ. فقال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٥)، بَعدَ ذِكرِهِ هَذَا الحديثَ: وهَذَا إذَا كَانَ
أهلُ البَلَدِ في قَحِطٍ وعَوزٍ، وهو يَبِيعُ من أهلِ البَدوِ طَمَعًا في الثَّمَنِ الغَالِي، لِمَا
فيه من الإضرَارِ بهم، أمَّا إذَا لَم يَكُن كَذلك، فَلَا بَأسَ به، لِنعِدَامِ الضَّرَرِ.
انتَھی .
ويَرُدُّ حَملَ الحديثِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ قَولُ ابنِ عَبَّاسِ ﴿ لَمَّا سُئِلَ عن
تَفسِيرِه: ((لَا يَكُونُ لَه سِمسَارًا)). والحديثُ الَّذِي رَواه أبو دَاوُد(٦) من طَرِيقٍ
ابنِ إسحَاقَ، عن سَالِمِ المَكِّيِّ: أنَّ أعرَابِيًّا حَدَّثَه أنَّه قَدِمَ بِجَلُوبَةٍ(٧) لَه عَلى عَهدِ
النبيِّ وَّهِ فَنَزَلَ عَلى طَلْحَةَ بنِ عُبَيدِ الله، فقال: ((إنَّ النبيَّ ◌َِّ نَّهَى أَن يَبِيعَ حَاضِرٌ
لِبَادٍ، ولَكِن اذهَب إلى السُّوقِ، فَانظُر مَن يُبَايِعُك، فَشَاوِرني حَتَّى آمُرَك وأنهاك)).
■ الحادية(٨) والثلاثون: قَولُه: ((وَلَا تُصَرُّوا)) هو بِضَمِّ الثَّاءِ، وفَتحِ
الصَّادِ، ونَصبِ الغَنَمِ والإِبِلِ، من التَّصرِيَةِ، وهيَ الجَمعُ، يُقَالُ: صَرَّى يُصَرِّي
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٨٧/٦).
(١)
(٢)
في (ش): ((کره)) .
(٣) في (ح، ش): ((وغير)).
(٤)
في الأصل: ((الحادية والثلاثون)).
(٥) الهداية (٥٣/٣).
(٦)
أبو داود (٣٤٤١).
هي بالحاء المهملة في نسخ أبي داود، ولها وجهٌ بالجيم. ينظر لزامًا: النهاية لابن الأثير
(٧)
(٢٨٢/١)، عون المعبود (٢٧٤/٩).
(٨) في الأصل: ((الثانية)).

=
٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
تَصرِيَةٌ، فَهِيَ مُصَرَّةٌ؛ كَغَشَّاها يُغَشِّيها تَغْشِيَةً، فَهِيَ مُغَشَّاةٌ، وَزَكَّاها يُزَكِّيها تَزَكِيَةً،
فَهِيَ مُزَكَّاةٌ. ويُقَالُ أيضًا: صَرَى(١) بِالشَّخفيفِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): ورَوينَاه
في (٣) غَيرِ (صَحِيحِ مسلم)) عن بَعضِهم: ((لَا تَصُرُّوا)) بِفَتحِ التَّاءِ وضَمِّ الصَّادِ، من
الصَّرِّ. وعن بَعضِهم: ((لَا تُصَوُّ(٤) الإِبِل)) بِضَمِّ التَّاءِ من تَصِر بِغَيرِ واوٍ بَعدَ الرَّاءِ،
وبِرَفعِ الإِبِلِ، عَلى مَا لَم يُسَمَّ فَاعِلُه، من الصَّرِّ أيضًا، وهو رَبِطُ أخلَافِها(٥)،
والأولُ هو الصَّوابُ المَشهورُ، ومَعنَاه: لَا يَجْمَعُ اللبَنَ في ضَرعِها عِندَ إِرَادَةٍ بَيْعِها
حَتَّى يَعِظُمَ ضَرعُها، فَيَظُنُّ المُشتَرِي أَنَّ كَثْرَةَ لَبَنِها عَادَةٌ لَها مُستَمِرَّةٌ، ومنه قَولُ
العَرَبِ: ((صَرَيت المَاءَ في الخَوضِ)). [٨٥/٢ظ]؛ أي: جَمَعته، وصَرَّى المَاءَ في
ظَهرِه؛ أي: حَبَسَه فَلَمْ يَتَزَوجِ. قال الخَطَّابِيُّ (٦): اختَلَفَ العُلَمَاءُ وأهلُ اللغَةِ في
تَفسِيرِ المُصَرَّةِ، وفي اشتِقَاقِها، فقال (٧٧/٦م) الشَّافِعِيُّ: التَّصرِيَةُ أن تُربَطَ(٧)
أخلَافُ النَّاقَةِ أو الشَّاةِ، ويُترَكَ حَلبُها اليَومَينِ والثَّلَاثَةَ حَتَّى يَجْتَمِعَ لَبَنُها، فَيَزِيدَ
مُشتَرِيها في ثَمَنِها بِسَبَبِ ذلك، لِظَنِّهِ أَنَّه عَادَةٌ لَها. وقال أبو عُبَيدٍ: هو (٨) من
صَرَّى اللبَنَ في ضَرعِها؛ أي: حَقَنَه فيه، وأصلُ التَّصرِيَةِ حَبسُ المَاءِ. قال
أبو عُبَيدٍ: ولَو كَانَت من الرَّبِطِ لَكَانَت مَصرُورَةً (٩أو مُصَرَّرَة٩ً). قال الخَطَّابِيُّ:
وقَولُ أبِي عُبَيْدٍ حَسَنٌّ، وقَولُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ.
قال: والعَرَبُ تَصُرُّ الضُّرُوعَ المَحْلُوبَاتِ، واستَدَلَّ لِصِحَّةٍ قَولِ الشَّافِعِيِّ بِقَولِ
العَرَبِ: ((العَبدُ لَا يُحسِنُ الكَرَّ، إنَّمَا يُحسِنُ الحَلبَ(١٠) والصَّرَّ). وبِقَولِ مَالِكِ بنِ
نُويرَةً :
فَقُلتُ لِقَومِي هَذِه صَدَقَاتُكُم مُصَرَّرَةٌ أخلَافُها لَم تُجَرَّدِ
قال: ويَحْتَمِلُ أنَّ (١١) أصلَ المُصَرَّاةِ مُصَرَّرَةٌ، أُبدِلَت إحدَى الرَّائَينِ أَلِفًا؛
(١)
ليس في: (ش).
(٢) إكمال المعلم (١٤٢/٥).
(٤) في (ش): ((تصروا)).
(٣)
في (م): ((من)).
(٥) في (ك٢): ((حلامها)).
(٦) معالم السنن (١١١/٣).
(٧) في (ش): ((يربط)).
(٨) ليس في: (ش).
(٩ - ٩) ليست في الأصل، في (ش): ((مقدرة)). (١٠) في (ش): ((في الحلب)).
(١١) ليست في (ش).

=
كَقَولِه تَعَالى: ﴿غَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: دَسَّسَها(١)، كَرِهوا اجتِمَاعَ
ثَلَاثَةِ أحرُفٍ من جِنسٍ واحِدٍ (٢). وقَولُه في رِوايَةٍ أُخرَى: ((مُحَفَّلَةٌ)) هو(٣) بِضَمِّ
المِيمِ، وفَتحِ الحَاءِ المُهمَلَةِ والفَاءِ وتَشدِيدِها، وهو بِمَعنَى الرِّوايَةِ المَشهورَةِ،
سُمِّيَت بذلك لِأَنَّ اللبَنَ حَفَلَ في ضَرعِها؛ أي: جُمِعَ.
■ الثّانيةُ (٤) والثَّلاثُونَ: فيه تَحرِيمُ النَّصْرِيَةِ، وظَاهرُهُ أنَّه لَا فَرِقَ بَيْنَ أن
يَفْعَلَ ذلك لِلبَيعِ أو غَيرِهِ، وهو ظَاهرُ إطلاقِ الرَّافِعِيِّ والنَّووِيِّ وغَيرِهِمَا(٥)، لَكِنَّهِمَا
عَلَّلَاه بِمَا فيه من التَّدلِيسِ، وذلك يَقْتَضِي اختِصَاصَه بِمَا إذَا فَعَلَ ذلك لِأَجلِ
البَيعِ. وصَرَّحَ المُتَولِّي في ((الَّعِمَّةِ)) بِتَحْرِيمِ التَّصرِيَّةِ مُطلَقًا لِلبَيعِ وغَيرِهِ، وعَلَّلَه بِمَا
فيه من إيذَاءِ الحَيَوانِ. لَكِن رَوى المُزَني، عن الشَّافِعِيِّ(٦)، عن سُفيَانَ ومَالِكِ،
كِلَاهِمَا عن أبِي الزَّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبِي هَرَيْرَةَ مَرفُوعًا: ((لَا تَصُرُّوا الإِبِلَ
والغَنَمَ لِلبَيعِ)). ورَواه البَيهَِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٧) من طَرِيقِه، وهَذَا يَقتَضِي اختِصَاصَ
التَّحْرِيمِ بِحَالَةِ البَيعِ، فَلَو حَفَلَها لجَمْعِ(٨) لَبَنَها لِولَدِها، أو لِضَيفٍ يَقدُمُ عَلَيه لَم
يَحُرُم.
ويُجَابُ عن التَّذِي(٩) بِأنَّه يَسِيرٌ، لَا يَحصُلُ منه ضَرَرٌ مُستَمِرٌّ، فَيُغَفَرُ لِأَجلِ
تَحصِيلِ المَصلَحَةِ المُتَعَلِّقَةِ به، كَمَا يُغْتَفَرُ تَأْذِي الدَّابَّةِ في الرُّكُوبِ والحَملِ حَيثُ
لَا يَكُونُ فِيه ضَرَرٌ و(١٠)مَحظُورٌ.
■ الثَّالِثَةُ(١١) والثَّلاثُونَ: الظَّاهرُ(١٢) أنَّ ذِكرَ الغَنَم والإِبِلِ دُونَ غَيرِهمَا
خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبٍ فيمَا كَانَتِ العَرَبُ تُصَرِّيه وتَبِيعُه تَدلِيسًا وَغِشًّا؛ فَإِنَّ البَقَرَ قَلِيلٌ
(١) في (م): ((دسستها)).
(٢) ليست في (ح، ك٢، ش).
(٤) في الأصل: ((الرابعة)).
(٣)
ليس في: (ك٢).
الشرح الكبير (٣٣٣/٨)، وروضة الطالبين (١٢٥/٣).
(٥)
(٦)
مختصر المزني (ص ٨٢) عن مالك وحده.
(٧)
معرفة السنن والآثار (٣٤٧٠، ٣٤٧١).
(٨) في (م): ((وجمع))، وفي (ش): ((بجمع)).
(٩) في (ح): ((البادي)).
(١٠) ليس في: (ش).
(١١) في الأصل: ((الخامسة)).
(١٢) ليست في (ش).
كِتَابُ البُيُّوعِ
٦٧

=
٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بِبِلَادِهم، وغَيرُ الأنعَام لَا يُقصَدُ لَبَنُها غَالِبًا، فَلَم يَكُونُوا يَصُرُونَ غَيرَ الإِبِلِ
والغَنَمِ، (٧٨/٦م) ومَا خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ لَا مَفهومَ لَه، كَيفَ؟ وهو مَفهومُ لَقَبٍ،
ولَيسَ حُجَّةً عِندَ الجُمهورِ، ورَوى الترمذيُّ(١) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بِنِ زِيَادٍ، عن
أَبِي هِرَيرَةَ مَرفُوعًا: ((مَن اشتَرَى مُصَرَّةً). وهو يَتَنَاولُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ، لَكِن في
(صَحِيحِ مسلم) وغَيرِه(٢) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، عن أبِي هَرَيْرَةَ: ((مَن اشتَرَى
شَاةً مُصَرَّةً)). فَصَرَّحَ بِذِكرِ (٣) المَوصُوفِ. وقَد صَرَّحَ أصحَابُنَا: بِأنَّ تَحْرِيمَ التَّصرِيَّةِ
عَامٌّ في كُلِّ مُصَرَّةٍ، سَواءٌ في ذلك الأنعَامُ وغَيرُها، مَّا هو مَأْكُولُ اللحم، وغَيرُ
مَأْكُولِ اللحم مِمَّا يَحِلُّ بَيعُه. وأمَّا تُبوتُ الخِيَارِ ورَدُّ الصَّاعِ، فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعدَ
ذلك، إن شَاءَ الله تَعَالى.
■ الزَّابِعَةُ (٤) والثَّلَاَثُونَ: وفيه أنَّ بَيعَ المُصَرَّةِ صَحِيحٌ، لِقَولِه: ((إن
رَضِيَها أمسَكَها)). وهو مُجمَعٌ عَلَيه، وأنَّه(٥) يَثبُتُ لِلمُشتَرِي الخِيَارُ إذَا عَلِمَ
التَّصرِيَةَ، وبه قال الجُمهورُ. وقال أبو حَنِيفَةَ: لَا يَرُدُّها بَعدَ أن يَحِلُبَها، وإنَّمَا
يَرجِعُ بِنُقْصَانِ العَيبِ(٦).
■ الخامسة (٧) والثلاثون: إن قُلتَ: قَولُه: ((بَعدَ أن يَحلُبَها)). يَقْتَضِي
أنَّه لَا يَتْبُتُ الخِيَارُ إلَّا بَعدَ الحَلبِ، مع أنَّه ثَابِتٌ قَبلَه إِذَا عَلِمَ النَّصْرِيَةَ.
قُلتُ: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ» (٨): جَوابُه أنَّه يَقتَضِي إِثْبَاتَ
الخِيَارِ في هَذَينِ الأمرَينِ المُعَيِّنَينِ، أعني: الإمسَاكَ، والرَّدَّ مع الصَّاعِ. وهَذَا إنَّمَا
يَكُونُ بَعدَ الحَلبِ، لِتَوقُّفِ (٩) هَذَينِ المُعَيَّنَيْنِ عَلى الحَلبِ؛ لِأنَّ [٨٦/٢و] الصَّاعَ
عِوضٌ عن اللبَنِ، ومن ضَرُورَةٍ (١٠) ذلك: الحَلبُ. انتَهَى.
قُلتُ: وقَد يُجَابُ عنه: بِأنَّ الثَّصرِيَةَ لَا تُعرَفُ غَالِبًا إلَّا بِالحَلبِ؛ لِأَنَّه إذَا
الترمذي (١٢٥١).
(١)
(٣)
في (ش): ((بذلك)).
(٥)
في (ح): ((وأن)).
(٧) في الأصل: ((السابعة)).
(٩) في (ح): ((کتوقف)).
(٢) سبق تخريجه في الفائدة الأولى.
(٤) في الأصل: ((السادسة)).
(٦) ينظر: الإشراف (٣٦/٦، ٣٧).
(٨) إحكام الأحكام (ص٥١٧).
(١٠) في الأصل: ((صرورة)).

=
كم
٦٩
كِتَابُ البُيُوعِ
حَلَبَ أولًا لَبَنَّا غَزِيرًا، ثم حَلَبَ ثَانيا لَبَنَّا قَلِيلًا، عَرَفَ حِينَئِذٍ(١) ذلك، فَعَبَّرَ
بِالحَلبِ عن مَعرِفَةِ التَّصرِيَةِ؛ لِأَنَّه مُلَازِمٌ لَه غَالِبًا. والله أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ(٢) والثَّلَاثُونَ: ظَاهرُ قَولِهِ: ((وإن سَخِطَها رَدَّها)). أنَّ الرَّدَّ
يَكُونُ عَلى الفَورِ، لَكِن تَقَدَّمَ أنَّ في بَعضٍ طُرُقِه: ((فَهو بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّام)). وهو
مُقَدَّمٌ عَلى إطلاقِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وقَد اختَلَفَ أصحَابُنَا في ذلك عَلى وجهَينِ :
أحَدُهمَا: أنَّه عَلى الفَورِ كَسَائِرِ العُيُوبِ، صَحَّحَه البَغَوِيّ والرَّافِعِيُّ
والنَّوِيُّ(٣).
والثَّاني: أنَّه يَمتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّام، لِتِلكَ الرِّوايَةِ. صَوبَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ
العُمدَةِ)(٤)، وهو الصَّحِيحُ، فَقَدْ حَكَاه القَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ في
((اخْتِلَافِ العِرَاقِيِّينَ)). وحَكَاه الرُّويَاني عن نَصِّه في ((الإملَاءِ)). وقال ابنُ المُنذِرِ (٥).
إِنَّه مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ. وذَهَبَ إلَيه من أصحَابِه أبو حَامِدٍ المَرورُوذيُّ(٦)، وأبو القَاسِمِ
الصَّيمَرِيُّ(٧)، والمَاوردِيُّ(٨)، والغَزّالِيُّ (٩)، والجَورِيُّ(١٠)، والفُورَاني(١١)، كَمَا
(١) ليست في (ش).
(٢) في الأصل: ((الثامنة)).
(٣)
الشرح الكبير (٣٣٤/٨)، وروضة الطالبين (١٢٥/٣).
(٤) إحكام الأحكام (ص٥١٥).
(٥) الإشراف (٣٧/٦).
(٦) في (م): ((المروزي))، وهو: أبو حامد، أحمد بن بشر بن عامر العامري، أحد رفعاء
المذهب وعظمائه، توفي سنة (٣٦٢هـ). طبقات الشافعية الكبرى (١٣/٣).
(٧) أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين بن محمد، الصيمري، نسبة إلى نهر الصيمر بالبصرة،
القاضي، نزيل البصرة، أحد أئمة المذهب، كان حافظًا للمذهب، حسن التصانيف،
توفي سنة (٣٨٦هـ). طبقات الشافعية الكبرى (٣٣٩/٣).
(٨)
الحاوي (٢٤٠/٥).
(٩) الوسيط (١٢٤/٣).
(١٠) في (ح): ((الجوزي))، وهو: علي بن الحسن، أبو الحسن الجوري، بفتح الجيم وإسكان
الواو ثم راء من بلاد فارس، أحد الأئمة من أصحاب الوجوه، له كتاب ((المرشد)) شرح
فيه مختصر المزني، طبقات الشافعية الكبرى (٤٥٧/٣).
(١١) عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني، أبو القاسم المروزي، كان إمامًا
حافظًا للمذهب، من تلاميذ القفال، توفي بمرو، سنة (٤٦١ هـ). طبقات الشافعية الكبرى
(١٠٩/٥).

٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
حَكَاه شَيخُنَا (٧٩/٦م) الإمَامُ العالم (١) جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ في ((المُهمَّاتٍ))، وهو
مَذْهَبُ الحَنَابِلَةِ(٢) .
وأجَابَ الأولُونَ عن هَذِهِ الرِّوايَةِ: بِحَملِها عَلى مَا إذَا لَم يَعلَم أنَّها مُصَرَّةٌ
إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّام؛ لِأَنَّ الغَالِبَ أنَّه لَا يَعلَمُ فيمَا دُونَ ذلك، فَإِنَّه إذَا نَقَصَ لَبَنُها في
اليَومِ الثَّاني عن الأولِ، احتَمَلَ كُونُ النَّقصِ لِعَارِضٍ من سُوءِ مَرعَاها في ذلك
اليَومِ، أو غَيرِ ذلك، فَإِذَا اسْتَمَرَّ كَذلك ثَلَاثَةَ أيَّام عَلِمَ أنَّها مُصَرَّةٌ.
■ السَّابِعَةُ(٣) والثَّلَاثُونَ: القَائِلُونَ بِامْتِدَادِ الخِيَارِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ: اختَلَفُوا في
ابْتِدَائِها، ولِلشَّافِعِيَّةِ(٤) في ذلك وجهانِ :
أحَدُهمَا: أنَّ ابتِدَاءَها من العَقدِ.
والثَّاني: أنَّه(٥) من التَّفَرُّقِ، وشَبَّهوا الوجهَينِ بِالوجهَينِ(٦) في خِيَارِ الشَّرطِ،
ومُقتَضَى ذلك أنَّ الرَّاحِحَ: أنَّ ابْتِدَاءَها من العَقدِ؛ وقال الحَنَابِلَةُ(٧): إنَّ ابتِدَاءَها
من حِينٍ تَبَيِّنَت التَّصرِيَةُ.
■ الثَّامنةُ(٨) والثَّلاثُونَ: ورَتَّبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلى القَولِ بِامْتِدَادِ الخِيَارِ ثَلَاثَةَ
أيَّامٍ فُرُوعًا:
منها: أنه (٩) لَو عَرَفَ النَّصرِيَةَ قَبلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ امتَدَّ( ١٠) الخِيَارُ إلى آخَرِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ.
ومنها: أنَّه لَو عَرَفَ الثَّصرِيَةَ في آخَرِ الثَّلَاثَةِ أو بَعدَها فَلَا خِيَارَ، عَلَى القَولِ
بِأنَّ مُدَّتَه ثَلَاثَةُ أيَّامِ، لِامِنَاعِ مُجَاوزَةِ الثَّلَاثَةِ.
ومنها: أنَّه (١١) لَو اشتَرَى عَالِمًا بِالثَّصرِيَةِ ثَبَتَ لَه (١٢) الخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّام.
(١) من (ش).
في الأصل: ((التاسعة)).
(٣)
(٥)
ليست في (ش).
المغني (٢٢١/٦).
(٧)
(٩) من (ك٢، ح)، وليست في (م)، والأصل، وفي (ش): ((ما)).
(١٠) في (ش): ((امتداد)).
(١٢) في (ش): ((ندب)).
(٢) المغني (٢٢٠/٦).
(٤) ينظر: روضة الطالبين (١٢٦/٣).
(٦) ليست في (ش).
(٨) في الأصل: ((الأربعون)).
(١١) ليست في (ش).

٧١
كِتَابُ البُيُوعِ
وأمَّا عَلى القَولِ بِأَنَّه عَلى الفَورِ، فَلَا يَخْتَلِفُ الحُكمُ في الفَرعَينِ الأولَينِ، ولَا
خِيَارَ في الثَّالِثِ؛ كَسَائِرِ العُيُوبِ.
وفيمَا ذَكَرَه أصحَابُنَا في هَذِه الفُرُوعِ نَظَرٌ، والظَّاهرُ أنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا اعتَبَرَ
المُدَّةَ من حِينِ مَعرِفَةِ سَبَبِ الخِيَارِ، [وإلَّا كَانَ يَلزَمُ أن يَكُونَ الفَورُ مُتَّصِلًا بِالعَقدِ،
ولَو لَم يَعلَم به بحيث(١) أنَّه إذَا تَأْخَّرَ عِلمُه به عن العَقدِ - فَاتَ الخِيَارُ](٢)، وهَذَا
لَا يُمكِنُ القَولُ به؛ ويَلزَمُ عَلى مَا ذَكَرُوه أن يَكُونَ الفَورُ أوسَعَ من الثَّلَاثِ في
الفَرعِ الثَّاني، وهو بَعِيدٌ. ويَلزَمُ عَلَيه أيضًا أن تُحسَبَ المُدَّةُ قَبلَ التَّمَكُنِ من
الفَسخِ، وذلك يُفَوِّثُ مَقصُودَ التَّوسُعِ (٣) بِالمُدَّةِ، ويُؤَدِّي إلى نُقْصَانِها فيمَا إذَا لَم
يَعلَم به إلَّا بَعدَ مُضِيِّ بَعضِها، وهَذَاَ مِمَّا (٤) يُقَوِّي مَذْهَبَ الحَنَابِلَةِ في ذلك، وهو
عِندِي أظهَرُ، وأوفَقُ لِلحديثِ ولِلمَعنَى. والله سبحانه وتعالى أعلمُ.
(٥التَّاسِعَةُ والثَّلاثُونَ(٥): ظَاهرُه أنَّه لَا خِيَارَ فيمَا إذَا لَم يَقصِد البَائِعُ
التَّصرِيَةَ، بَل تَرَكَ الحَلبَ نَاسِيًّا، أو لِشُغلِ عَرَضَ لَه، أو تَصَرَّت(٦) هيَ بِنَفسِها؛
لِنَّهِ وَهِ نَهَى عن التَّصرِيَةِ لِأَجلِ البَيعِ، ثم ذَكَرَ أنَّ مَن اشتَرَى مَا هو بهذِهِ الصِّفَةِ
تَخَيَّرَ، وهَذِهِ الصُّورُ المَذكُورَةُ(٧) لَم يَقَع فيها تَصرِيَةٌ لِأجلِ البيع (٨٠/٦م)، وبهذا
جَزَمَ الغَزّالِيُّ (٨)، وتَبِعَه عَبدُ الغَفَّارِ القَزْوِيني(٩) في ((الحَاوِي الصَّغِيرِ))، وحَكَى
البَغَوِيّ فيها وجهَينٍ، وصَخَّح (١٠) ثُبُوتَ الخِيَارِ لِحُصُولِ الضَّرَرِ لِلمُشتَرِي، وإن لَم
يَقْصِد البَائِعُ التَّدلِيسَ. والله أعلم.
(١) في (م)، والأصل: ((لخيف)).
(٣) في (ح، ش): ((التوسيع)).
(٥ - ٥) في الأصل: ((الحادية والأربعون)).
(٧) ليست في (ش).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤) في الأصل، و(ح): (لا)).
(٦) في (ش): ((تغيرت)).
(٨) الوسيط (١٢٢/٣)، وحکی فیه وجهان.
(٩) عبد الغفار بن عبد الكريم بن عبد الغفار القزويني، الشيخ الإمام، نجم الدين، صاحب
الحاوي الصغير وغيره من المصنفات، كان أحد الأئمة الأعلام، له اليد الطولى في الفقه
والحساب وحسن الاختصار، توفي سنة (٦٦٥هـ). طبقات الشافعية الكبرى (٢٧٧/٨).
(١٠) في (م): ((وصح)).

٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الأربَعُونَ (١): [٨٦/٢ظ] ظَاهرُه أنَّه إذَا تَبَيَّنَ لِلمُشتَرِي التَّصرِيَةُ - لَكِن دَرَّ
اللبَنُ عَلى الحد الَّذِي أشعَرَت به التَّصرِيَةُ واستَمَرَّ كَذلك - ثَبَتَ (٢) لَه الخِيَارُ؛ لِأَنَّه
عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ أطلَقَ ثُبوتَ الخِيَارِ، ولَم يُفَصِّل، لَكِنَّ هَذِهِ صُورَةٌ نَادِرَةٌ،
أعني: تَغَيُّرَ الحَالِ عمَّا (٣) كَانَ عَلَيه، وصَيرُورَتَها(٤) ذَاتَ لَبَنٍ غَزِيرٍ بَعدَ أن لَم
يَكُن(٥) كَذلك قَبَلَ النَّصرِيَةِ، فَيَظهَرُ(٦) أنَّها غَيرُ مُرَادَةٍ من العُمُومِ، فَلَا خيار فيها.
وفي المَسألَةِ وجهانِ لِلشَّافِعِيَّةِ، ويَنبَغِي بِنَاؤُها (٧) عَلى أنَّ الفَرِعَ النَّادِرَ هَل
يَدخُلُ في العُمُومِ أم لا، والصَّحِيحُ في الأُصُولِ دُخُولُه، لَكِن شَبَّهَ أصحَابُنَا
الوجهَينِ بِالوجهَينِ فيمَا إذَا لَم يَعرِف العَيبَ القَدِيمَ إلَّا بَعدَ زَوالِه، وبِالقَولَينِ فيمَا
لَو عَتَقَت الأمَةُ تَحتَ عَبدٍ، ولَم تَعلَم ◌ِنقَها حَتَّى عَتَقَ الزَّوجُ، ومُقتَضَى التَّشْبِيه
تَصحِيحُ أنَّه لَا خِيَارَ كَمَا هو الصَّحِيحُ في تَلك (٨) الصُّورَتَيْنِ.
■ الحَادِيَةُ(٩) والأربَعُونَ: أَخَذَ أصحَابُنَا من ثُبوتِ الخِيَارِ في المُصَرَّةِ
ثُبُوتَ الخِيَارِ في كُلِّ مَوضِعٍ حَصَلَ فيه تَدلِيسٌ وتَغْرِيرٌ من البَائِعِ، كَمَا لَو حَبَسَ مَاءَ
القَنَاةِ أو (١٠) الرَّحَى ثم أرسَلَه عِندَ البَيعِ أو الإِجَارَةِ، فَظَنَّ المُشتَرِي كَثْرَتَه، ثم تَبَّنَ
لَه الحَالُ، أو حَمَّرَ (١١) وجهَ الجَارِيَةِ، أو سَودَ شَعرَها، أو جَعَّدَه، أو أرسَلَ
الزُّنبورَ عَلى وجهها، فَظَنَّها المُشتَرِي سَمِينَةٌ، ثم بَانَ خِلَافُه، فَلَه الخِيَارُ فِي هَذِه
الصُّورِ (١٢) كُلِّها. وحَكَى أصحَابُنَا خِلافًا فيمَا لَو لَّخَ ثَوبَ العَبدِ بِمِدَادٍ (١٣)، أو
ألبَسَه ثَوبَ الكُتَّابِ أو الخَبَّازِينَ، وخُيِّلَ كُونُه كَاتِبًا أو خَبَّزًا، فَبَانَ خِلَافُه، أو
أكثَرَ عَلَفَ البَهِيمَةِ حَتَّى انتَفَخَ بَطُها، فَظَنَّها المُشتَرِي حَامِلًا، أو أرسَلَ الزُّنبورَ
في الأصل: ((الثاية والأربعون)). وفي (ش): ((الفائدة الأربعون)).
(١)
(٢)
في (ك٢): ((يثبت)).
(٣) في (م): ((كما)).
(٥) في (ش): ((يمكن)).
في الأصل: ((وصرورتها)».
(٤)
في الأصل، (ك٢): ((فظهر)).
(٦)
في الأصل: ((تناولها))، وفي (ك٢): ((بناؤهما)).
(٧)
(٨) في (م): ((تینك)).
(٩) في الأصل: ((الثالثة)).
(١٠) ليست في الأصل.
(١١) في الأصل: ((خمر)).
(١٢) في الأصل: ((الصورة)).
(١٣) في (ش): ((بالمداد)).

=
٧٣
كِتَابُ البُيُوعِ
عَلى ضَرعِها(١) فَانتَفَخَ، فَظَنَّها لَبونا، والأصَحُّ في هَذِهِ الصُّورِ: أنَّه لَا خِيَارَ
لِتَقْصِيرِ المُشتَرِي. وأثبَتَ المَالِكِيَّةُ(٢) الخِيَارَ فِي تَلَظُخْ(٣) الثَّوبِ بِالمِدَادِ.
■ الثَّانيهُ(٤) والأربَعُونَ: فيه أنَّه إذَا عَلِمَ الثَّصرِيَةَ واختَارَ الرَّدَّ بَعدَ أن
حَلَبَها، رَدَّ(٥) معها صَاعًا من تَمرٍ، وأنَّه لَا فَرقَ في ذلك بَيْنَ الغَنَمِ والإِبِلِ
وغَيرِهمَا مِمَّا ألحِقَ بهمَا، ولَا بَيْنَ أن يَكُونَ اللبَنُ قَلِيلًا أو كَثِيرًا، ولَا بَيْنَ (٦) أن
يَكُونَ الثَّمرُ قُوتَ البَلَدِ أم لا، وهَذَا مَذهَبُ (٢٨١/٦) مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ(٧)،
وأحمَدَ، والليثِ بنِ سَعدٍ، وابنِ أبِي لَيلى وأبِي يُوسُفَ، وأَبِي ثَورٍ، وفُقَهاءِ
المُحَدِّثِينَ، والجُمهور (٨). وقال بَعضُ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةُ: يَرُدُّ صَاعًا من قُوتٍ
البَلَدِ، ولَا يَختَصُّ بِالثَّمرِ (٩)، والتَّنصِيصُ عَلى الثَّمرِ (١٠): إنَّمَا هو لِكَونِه كَانَ
في (١١) ذلك الوقتِ غَالِبَ (١٢) قُوتِ أهلِ المَدِينَةِ. وقال بَعضُ أصحَابِنَا: لَا يَتَقَيَّدُ
ذلك بِصَاعٍ، بَل يَتَقَدَّرُ الواجِبُ بِقَدرِ اللبَنِ، ويَختَلِفُ بِقِلَّتِهِ وكَثَرَتِهِ، فَقَد يَزِيدُ
الواجِبُ عَلَى الصَّاعِ، وقَد يَنْقُصُ. وقال أبو حَنيفَةَ وطَائِفَةٌ من أهلِ العِرَاقِ وبَعضُ
المَالِكِيَّةِ: لَا يَرُدُّ صَاعًا من تَمرٍ (١٣). وهو رِوايَةٌ عن مَالِكِ رَواها عنه أشهَبُ: أنَّه
سُئِلَ عن هَذَا الحديثِ، فقال: قَد سَمِعتُ ذلك ولَيسَ بِالثَّابِتِ، ولَا المُوطَّا عَلَيه،
ولَه اللبَنُ بِمَا عَلَفَ وضَمن. قِيلَ لَه: تَرَاك (١٤) تُضَعِّفُ الحديثَ. فقال: كُلُّ شَيءٍ
يُوضَعُ مَوضِعَه. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٥): هَذِهِ رِوايَةٌ مُنكَرَةٌ، والصَّحِيحُ عن مَالِكِ مَا
رَواه ابنُ القَاسِم أنَّه قال لَه: تأخُذُ (١٦) بهذا الحديثِ؟ قال: نَعَم، أَوَ لِأحَدٍ في
(١) في (ش): ((فخذها أو ضرعها)).
(٣) في (ك٢): ((تلطيخ)).
(٥)
في الأصل: ((و)).
في (ش): ((الشافعي ومالك)).
(٧)
(٢) ينظر: الذخيرة (٦٤/٥).
(٤) في الأصل: ((الرابعة)).
(٦) في (ك٢): ((ولا فرق)).
(٨) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٠/ ١٦٧).
(١٠) في (ش): ((الثمر)).
(٩) في (ش): ((الثمر)).
(١١) من (م).
(١٣) في (ش): ((ثمر)).
(١٥) التمهيد (٢٠٣/١٨٦).
(١٢) ليس في: الأصل.
(١٤) في (م): ((نراك)).
(١٦) في (م): ((نأخذ))، وفي (ش): ((يأخذ)).

=
٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
هَذَا الحديثِ رَأيٌّ؟ قال (١) ابنُ القَاسِم: وأنَا آخُذُ به، إلّا أنَّ مَالِكًا قال لِي: أرَى
لِأهلِ البُلدَانِ إِذَا نَزَلَ بهم هَذَا أن يُعطُوا الصَّاعَ من عَيشِهم، و(٢) أهلُ مِصرَ عَيْشُهم
الحِنطَةُ. ووافَقَ زُفَرُ الجُمهورَ، إلَّا أنَّه خَيَّرَ بَيْنَ رَدِّ صَاعِ تَمرٍ (٣) ونصفِ صَاعٍ بُرِّ،
وقال ابنُ أبِي لَيلى، وأبو يُوسُفَ في أحَدٍ قَولَيهمَا(٤): يَرُدُّ قِيمَةَ صَاعٍ من تَمرٍ.
ورَوى أبو دَاوُد، وابنُ مَاجَه(٥) من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((مَن ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، فَهو
بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإن رَدَّها رَدَّ معها مِثلَ أو مِثَلَي لَبَنِها قَمحًّا)). قال الخَطَّبِيُّ(٦):
لَيسَ إسنَادُه بِذَاكَ.
وقال البَيْهَقِيُّ(٧): تَفَرَّدَ به جُمَيعُ بنُ عُمَيرٍ، قال البُخَارِيُّ(٨): فيه نَظَرٌ.
وقال ابنُ نُمَير(٩): كَانَ من أكذِب [٨٧/٢و] النَّاسِ، كَانَ يَقُولُ: الكَرَاكِيُّ
تُفَرِّغُ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَقَعُ فِرَاخُها. وذَكَرَه ابنُ حِبَّانَ في ((الضُّعَفَاءِ))(١٠)، وقال:
كَانَ رَافِضِيًّا يَضَعُ الحديثَ. وذَكَرَه في ((الثِّقَاتِ))(١١) أيضًا، وقال ابنُ عَدِيٌّ(١٢):
عَامَّةُ مَا يَروِيِهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ. وقال أبو حَاتِمِ (١٣) (١٤): كُوفي صَالِحُ الحديثِ (١٥ من
عَتَق١٥ِ) الشِّيعَةِ. والله أعلم.
■ الثَّالِثَةُ(١٦) والأربَعُونَ: ظَاهرُه أنَّه لَا فَرِقَ في رَدِّ الصَّاعِ بَيْنَ أن يَكُونَ
اللَبَنُ بَاقِيّا(١٧) أم لا. و(١٨) قال أصحَابُنَا(١٩) (٢٠): إنَّ المُشتَرِيَ لَا يُكَلَّفُ رَدَّه، ولَو
كَانَ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعدَ البَيعِ مَلَكُه واختَلَطَ بِالمَبِيعِ وتَعَذَّرَ (٢١) التَّمِيزُ،
(١)
في (م): ((وقال)).
(٣)
في (ش): ((ثمر)).
أبو داود (٣٤٤٦)، وابن ماجه (٢٢٤٠).
(٥)
(٧)
السنن الكبرى (٣١٩/٥).
(٩) ينظر: المجروحين (٢١٨/١).
(١١) الثقات (١١٥/٤).
(١٣) في الأصل، (ح): ((ابن عدي)).
(١٥ - ١٥) في (م): ((عن عنق)).
(١٧) في (ش): ((نافعًا)) .
(١٩) ليست في: الأصل.
(٢١) في (ش): ((بعذر)).
(٢) ليس في: (ش).
(٤) في الأصل: ((قولهما)).
(٦) معالم السنن (١١٥/٣).
(٨) التاريخ الكبير (٢٤٢/٢).
(١٠) المجروحين (٢١٨/١).
(١٢) الكامل (٥٨٨/٢).
(١٤) الجرح والتعديل (٥٣٢/٢).
(١٦) في الأصل: ((الخامسة)).
(١٨) ليس في: (ك٢).
(٢٠) روضة الطالبين (١٢٦/٣).

كِتَابُ البُيُوعِ
٧٥
=
وإِذَا أمسَكَه كَانَ كَمَا لَو (١) تَلِفَ.
وإن أرَادَ رَدَّه فَهَل يُجبِرُ عَلَيهِ البَائِعُ، فيه وجهانٍ:
أحَدُهمَا: نَعَم؛ لِأَنَّه أقرَبُ من بَدَلِه. وأصَخُّهمَا: لَا؛ لِذَهابِ طَرَاوتِهِ، ولَا
(٦/ ٨٢م) خِلَافَ عِندَهم أنَّه لَو حَمُضَ لَم يُكَلَّف أخذَه، والخِلَافُ في إجبَارِ البَائِعِ
عَلَيه عِندَ الحَنَابِلَةِ(٢) أيضًا، والأصَحُّ عِندَهم أيضًا: أنَّه لَا يُجَبَرُ، وزَادَ المَالِكِيَّةُ
عَلى ذلك، فَحَكُوا خَلَافًا في صِحَّةِ رَدِّه بِاتِّفَاقِهِمَا، فقال ابنُ القَاسِمِ: لَا يَصِحُ
رَدُّه، ولَوَ اتَّفَقَا عَلى ذلك؛ لِأَنَّ بَيعُ الطَّعَامِ قَبلَ قَبِضِه. وقال سَحنُونٌ: يَصِحُّ، وهو
إقالةٌ. وجَزَمَ أصحَابُنَا بِجَوازِهِ بِالتَّرَاضِي، وقال البَغَوِيّ وغَيرُه: إنَّه لَا خِلَافَ في
أنَّهمَا لَو تَرَاضَيَا بِغَيرِ الثَّمرِ(٣) من قُوتٍ أو غَيرِهِ، أو عَلى رَدِّ اللبَنِ المَحْلُوبِ عِندَ
بَقَائِهِ جَازَ. وذَكَرَ ابنُ كَجِّ وجهَينٍ في جَوازٍ إبدَالِ الثَّمرِ بِالبُرِّ إذَا تَرَاضَيَا بذلك.
ولَم يَرَ ابنُ حَزمِ الّاهِرِيُّ(٤) أنَّ الثَّمرَ في مُقَابَلَةِ اللبَنِ، بَل أوجَبَ رَدَّ الثَّمرِ
مُطلَقًا، وقال في اللبَنِ الحَاصِلِ وقتَ البَيعِ: يَرُدُّه ولَو تَغَيَّرَ، فَإِن استَهلَكَه رَدَّ بَدَلَه
لَبَّنَّا، وإن نَقَصَ رَدَّ الثَّفَاؤُتَ، ولَا يَرُدُّ مَا حَدَثَ من اللبَنِ بَعدَ الشِّرَاءِ.
] الرَّابِعَةُ (٥) والأربَعُونَ: الحديثُ سَاكِتٌ عَمَّا لَو عَجَزَ عن الثَّمرِ، وقَد
قال المَاوردِيُّ من أصحَابِنَا (٦): يَرُدُّ قِيمَتَه بِالمَدِينَةِ. كَذَا جَزَمَ به عنه (٧) الرَّافِعِيُّ
والنَّووِيُّ(٨)، لَكِنَّه حَكَى في ((الحَاوِي)) وجهَينِ :
أحَدُهمَا: هَذَا .
والثَّاني: أنَّه يَرُدُّ قِيمَتَه بِأقرَبِ بِلَادِ التَّمرِ إلَيه.
وقال الحَنَابِلَةُ (٩): في(١٠) مَوضِعِ العَقدِ، وقَد يُقَالُ: يَجِبُ تَحصِيلُه من أقرَبِ
ليس في: الأصل.
(١)
(٢) المغني (٢١٩/٦).
(٣) في (ش): ((الثمر)). وكذا أخواتها.
(٤) المحلى (٦٦/٩).
(٥) في الأصل: ((السادسة))، وفي (ح): ((الخامسة)).
الحاوي (٢٤١/٥).
الشرح الكبير (٣٣٥/٨)، وروضة الطالبين (١٢٦/٣).
(٨)
(٩) المغني (٢١٩/٦).
(١٠) في (ك٢): ((فيه))، وفي (ح، ش): ((قيمة)).
(٦)
(٧) في (ك، ح): ((عند)).

٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
البِلَادِ إلَيه، وقَد يُقَالُ: إذَا قَدَرَ(١) عَلى الثَّمرِ بَعدَ ذلك دَفَعَه، وأخَذَ القِيمَةَ الَّتي
أعطَاها، فَيَنْظُرُ في ذلك.
■ الخَامِسَةُ(٢) والأربَعُونَ: قَد عَرَفتَ أنَّ نَصَّ هَذَا الحديثِ في الغَنَمِ
والإِبِلِ. وقَد اتَّفَقَ أصحَابُنَا(٣) عَلى إلحَاقِ البَقَرِ بهمَا في الخِيَارِ وفي رَدِّ الصَّاعِ،
بَلِ المَشهورُ عِندَهم تَعَدِّيه إلى سَائِرِ الحَيَوانَاتِ المَأْكُولَةِ، وفي وجهٍ شَاطٌ: يَخْتَصُّ
بِالأنعَامِ؛ ولَو اشتَرَى أَتَانًا فَوجَدَها مُصَرَّةً، فَفيه ◌ِأصحَابِنَا أوجُهُ:
أَصَحُّها: أنَّه يَرُدُّها، ولَا يَرُدُّ لِلَّبَنِ بَدَلًا؛ لِأَنَّ نَجِسٌ، وبه قال الحَنَابِلَةُ(٤).
والثَّاني: يَرُدُّها، ويَرُدُّ بَدَلَه(٥) صَاعًا من تَمْرٍ؛ قاله الإصطَخرِيُّ، لِذَهابه إلى
أَنَّهِ طَاهرٌ مَشرُوبٌ.
والثَّالِثُ: لَا يَرُدُّها أصلًا، لِحَقَارَةِ لَبَّنِها .
ولَو اشتَرَى جَارِيَةً فَوجَدَها مُصَرَّةً، فَفيه أوجُهُ:
أصَحُّها: يَرُدُّها ولَا يَرُدُّ بَدَلَ اللبَنِ؛ لِأَنَّه لَا يُعتَاضُ عنه غَالِبًا، وبه قال
الحَنَابِلَةُ.
والثَّاني: يَرُدُّ(٦)، ويَرُدُّ بَدَلَه.
والثَّالِثُ: لَا يَرُدُّ، بَل يَأْخُذُ الأرشَ.
■ السَّادِسَةُ(٧) والأربَعُونَ: قَد يُقَالُ: إنَّ ظَاهرَ هَذِهِ الرِّوايَةِ أَنَّه لَو اشتَرَى
عَدَدًا من الإِبِلِ أو الغَنَم أو غَيرِها، فَوجَدَ الكُلَّ مُصَرًّا، واختَارَ الرَّدَّ، رَدَّ عن
الجميع (٨) صَاعًا من تَمرٍ؛ سَواءٌ أكَانَ المَبِيعُ اثْنَينِ (٢٨٣/٦) أو ثَلَاثَةً أو أكثَرَ؛ لِأَنَّه
عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ بَعدَ أن نَهَى عن تَصرِيَةِ الإِبِلِ والغَنَمِ، ذَكَرَ أنَّ مَن اشتَرَاها
(١) في (٢٤): ((قرب)).
في الأصل: ((السابعة))، وفي (ح): ((السادسة)).
(٢)
(٣)
روضة الطالبين (١٢٧/٣).
(٤) المغني (٢٢٣/٦).
(٦) في (م): ((يردها)).
(٥)
في الأصل: ((بدلها)).
في الأصل: ((الثامنة))، وفي (ح): ((السادسة)).
(٧)
(٨) في (ح، م): ((المجموع)). وينظر: شرح ابن بطال (٢٨٢/٦).

=
S
٧٧
كِتَابُ البُيُوعِ
وسَخِطَها رَدَّ معها صَاعًا من تَمرٍ؛ وظَاهرُه رَدُّ الصَّاعِ مع الإِلِ أو الغَنَمِ، لَكِن في
الرِّوايَةِ الأُخرَى: (مَن اشتَرَى شَاةً مُصَرَّاً)». فَرَتَبَ هَذَا الحُكمَ عَلى الشَّاةِ
الواحِدَةِ .
وقَد اختَلَفَ المَالِكِيَّةُ في ذلك، فقال بَعضُهم: يَرُدُّ عن كُلِّ(١) واحِدَةٍ صَاعًا
من تَمرٍ. وقال بَعضُهم: بَل يَرُدُّ الصَّاعَ عن جَمِيعِها تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّه لَيسَ بِثَمَنٍ لِلَّبَنِ(٢)
ولَا قِيمَةٍ. ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) الأولَ عن الأكثَرِ من أصحابهم وغَيرِهم، والثّاني
عَمَّن استَعمَلَ ظَواهرَ [٨٧/٢ظ] الآثَارِ؛ وبه قال ابنُ حَزمِ الظّاهِرِيُّ(٤). ونَقَلَ
ابنُ بَطَّالٍ(٥) الثَّاني عن عَامَّةِ الفُقَهاءِ(٦)، والأولُ عن بَعضِ المُتَأْخِّرِينَ، قال:
والَّذِي عَلَيهِ الجَمَاعَةُ أولى بِدَلِيلِ هَذَا الحديثِ. [ونَقَلَ ابنُ قُدَامَةَ(٧): الأولَ عن
مَذْهَبهم وعن الشَّافِعِيِّ. وقال السُّبكِيُّ: لَم أقِف لِأصحَابِنَا عَلى نَقلِ في ذلك](٨).
" السَّابِعَةُ والأربَعُون٩َ): الحديثُ إِنَّمَا وَرَدَ فيمَا إذَا رَدَّها بِسَبَبٍ
التَّصرِيَةِ، فَلَو رَدَّها بِسَبَبٍ آخَرَ، وهَذَا يَتَنَاولُ صُورَتَيْنِ:
إحدَاهمًا: أن تَكُونَ مُصَرَّةً، وَرَضِيَ بِإِمسَاكِها كَذلك، ثم اطَلَعَ بها(١٠) عَلى
عَيْبٍ قَدِيمٍ؛ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ (١١) عَلى أَنَّه يَرُدُّها، ويَرُدُّ بَدَلَ اللبَنِ صَاعًا من تَمرٍ،
وهو المَذهَّبُ عِندَ أصحابه.
الثّانيةُ: أن لَا تَكُونَ مُصَرَّاةَ، فَيَحِلُبَ لَبَنَها ثم يَرُدَّها بِعَيبٍ(١٢): فقال البَغَوِيّ
في ((التَّهِذِيبِ)): يَرُدُّ بَدَلَ اللبَنِ صَاعًا كَالمُصَرَّاةٍ، وحَكَى الشَّيخُ أبو حَامِدٍ عن نَصِّ
الشَّافِعِيِّ: أنَّه لَا يَرُدُّ بَدَلَ اللبَنِ؛ لِأَنَّ قَلِيلٌ غَيرُ مُعتَنَّى بِجَمعِه بِخِلَافِ المُصَرَّةِ،
ورَأى إمَامُ الحَرَمَينِ: تَخرِيجَ ذلك عَلى أَنَّ اللبَنَ هَل يَأْخُذُ قِسطًا من الثَّمَنِ أم لَا؟.
(١) في (ش): ((الكل)).
(٣) التمهيد (٢١١/١٨، ٢١٢).
شرح صحيح البخار لابن بطال (٢٨٢/٦).
(٥)
(٦)
في (ح، ش): ((العلماء)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(١٠) ليست في (ش).
(١٢) في (ش): ((لسبب)).
(٢) في (ح، ش): ((اللبن)).
(٤) المحلى (٦٦/٩).
(٧) المغني (٢٢٢/٦).
(٩ -٩) في الأصل: ((الخمسون)).
(١١) مختصر المزني (ص٨٢).

=
٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَإِن قُلنَا: يَأخُذُ. وهو الأَصَحُّ، رَدَّ بَدَلَه، وإلَّا فَلَا. وقَد يُقَالُ: إنَّ الحديثَ يَدُلُّ
عَلى رَدِّ الصَّاعِ في الصُّورَةِ الأُولى؛ لِأنَّها مُصَرَّاةٌ، وقَد سَخِطَها، لَكِنَّه(١) لَم
يَسخَطها لِأَجلِ التَّصرِيَةَ، بَل لِسَبَبٍ آخَرَ.
وأمَّا الصُّورَةُ الثَّانيةُ، فَلَم يَتَنَاولها الحديثُ، والقِيَاسُ في مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ.
وفي كِتَابِ ابنِ الحَاجِبِ المَالِكِيِّ(٢): فَلَو رَدَّ بِعَيبٍ غَيرِهِ، فَفي الصَّاعِ قَولَانِ.
فَيَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ الصُّورَةَ الأُولى، أو الثَّانيةَ، أو همَا مَعًا. وكَذَا عِبَارَةُ ابنِ حَزْمٍ
الظَّاهِرِيِّ(٣): فَإِن رَدَّها بِعَيبٍ غَيرِ التَّصرِيَةِ لَم يَلزَمه رَدُّ الثَّمرِ ولَا شَيءَ غَيرَ اللبَنِ
الَّذِي كَانَ فِي ضَرعِها إذَا (٤) اشتَرَاها.
(٥الثَّامنةُ والأربَعُونَ(٥): اعتَلَّ الحَنَفيةُ(٦) ومَن وافَقَهم في مُخَالَفَةِ هَذَا
الحدیثِ بِأمرینٍ :
أحَدُهمَا: أنَّه مَنسُوخٌ؛ واختُلِفَ (٢٨٤/٦) في نَاسِخِهِ، فَقِيلَ: هو (٧) قَوله
تَعَالى(٨): ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوفِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].
وجَوابُه: أنَّ ضَمَانَ المُتْلَفَاتِ لَيسَ من بَابِ العُقُوبَاتِ، وأنَّ شَرطَ النَّسخِ
مَعرِفَةُ التَّارِيخِ، ولَيسَ عِندَنَا يَقِينٌ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَأخّرَةٌ عن حَدِيثِ المُصَرَّاةِ.
وبِتَقدِيرِ أن يَكُونَا من بَابٍ واحِدٍ ويُعرَفُ التَّارِيخُ، فَالآيَةُ عَامَّةٌ، وهَذِهِ قَضِيَّةٌ(٩)
خَاصَّةٌ، والخَاصُ مُقَدَّمٌ عَلى العَامِّ. وقِيلَ: إِنَّ النَّاسِخَ لَه مَا نَسَخَ العُقُوبَاتِ في(١٠)
الغَرَامَاتِ بِأكثَرَ من المِثلِ في مَانِعِ الزَّكَاةِ؛ لِأنَّها(١١) تُؤْخَذُ منه مع (١٢) شَطِرِ مَالِهِ،
وفي سَارِقِ الثَّمرِ من غَيرِ الجَرِينِ غَرَامَةٌ مِثِيَّةٌ، وجَلَدَاتٌ نَكَالٌ(١٣)، ونَحُوُ ذلك.
(١) في (ش): (لكن)).
(٣) المحلى (٦٦/٩).
(٥ - ٥) في الأصل: ((الحادية والخمسون))، وفي هامشها: ((الخمسون)).
(٦) ليست في (ش).
(٨) ليست في الأصل.
(١٠) في (ش): ((من)).
(١٢) في الأصل: ((على)).
(٢) جامع الأمهات (ص٢٤٦).
(٤) في (ك٢): ((إذْ)).
(٧) ليست في النسخ.
(٩) في الأصل: ((قصة)).
(١١) في (ح، ش): ((أنها)).
(١٣) في (م): ((تكال)).

كِتَابُ البُيُوعِ
٧٩
=
قال البَيهَقِيُّ(١): وهَذَا تَوهمٌ (٢)، وسِعرُ اللبَنِ في القَدِيم والحديثِ أرخَصُ
من سِعرِ الثَّمرِ، والتَّصرِيَةُ وُجِدَت(٣) من البَائِعِ لَا من المُشتَرِي، فَلَو كَانَ ذلك
عَلى وجه العقوبةِ(٤)، لَأَشبَهَ أن يَجعَلَه لِلمُشتَرِي بِلَا شَيءٍ، أو بِمَا يَنْقُصُ عن قِيمَةِ
اللَبَنِ بِكُلِّ حَالٍ، لَا بِمَا قَد تَكُونُ(٥) قِيمَتُهُ مِثلَ قِيمَةِ اللَبَنِ أو أكثَرَ بِكَثِيرٍ؛ لِأَنَّ إِنَّمَا
يَلْزَمُه رَدُّ مَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ البَيعِ دُونَ مَا حَدَثَ بَعدَه، وهَلَّا جَعَلَه شَبِيهَا بِقَضَاءٍ
النبيِّ لنَّهِ فِي الجَنينِ بِغُرَّةٍ: عَبدٍ أو أمَةٍ، حِينَ لَم يُوقَف عَلى حَدِّه، فَقَضَى فيه بِأمرٍ
يَنْتَهِي إِلَيه (٦)، ثم مَن أخبَرَه (٧ بِأَنَّ قَضَاء٧َ) النبيِّ بَّهِ فِي المُصَرَّاةِ كَانَ قَبلَ نَسخِ
العُقُوبَاتِ في الأموالِ حَتَّى يَجعَلَه(٨) مَنسُوخًا، وأبو هرَيرَةَ من أواخِرِ مَن صَحِبَ
النبيَّ وََّ، وحَمَلَ خَبَرَ التَّصرِيَةِ عنه في آخَرِ عُمُرِهِ، وعَبدُ الله بنُ مَسعُودٍ أفتَى به
بَعدَ رَسُولِ اللهِ وََّ، ولَا مُخَالِفَ لَه في ذلك من الصَّحَابَةِ، فَلَو صَارَ إلى قَولِ
عَبدِ الله ومعه مَا ذَكَرنَا من السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ(٩) الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَها، لَكَانَ(١٠) أولى به
من دَعوى النَّسْخِ بِالثَّوهمِ. انتَهَى.
و(١١) قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ - في ادْعَاءِ النَّسخِ(١٢) -: وهو ضَعِيفٌ، فَإِنَّه
إِثْبَاتُ النَّسخِ بِالإِحْتِمَالِ، وهو غَيْرُ سَائِغ، وقِيلَ: نَسَخَه حَدِيثُ ((النَّهي عن بَيعِ
الكَالِيِّ بالكالئِ))(١٣)؛ لِأَنَّ لَبَنَ المُصَرَّةِ دَينٌ في ذِمَّةِ المُشتَرِي، وإذَا ألزَمنَاه في
ذِمَّتِهِ صَاعًا من تَمرٍ كَانَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً، ودَينًا بِدَينٍ.
قال البَيْهَقِيُّ(١٤): وهَذَا من الضَّربِ الَّذِي تُغني حِكَايَتُه عن جَوابه، أَيُّ بَيعِ
(١) معرفة السنن والآثار (٣٥٦/٤).
(٢) في (م): ((يوهم)).
(٣) في (ش): ((وحديث)).
(٤) في (م): ((التصرية)).
(٥) في (ش): ((یکون)).
(٦) ليس في: (ش).
(٧ - ٧) في (ش): ((بقضاء)).
(٨) في (ح، ش): ((نجعله)).
(٩) في (ح، ش): ((الثانية)).
(١١) ليس في: (ش).
(١٠) في (ك٢، ش): ((كان)).
(١٢) إحكام الأحكام (ص ٥٢٠).
(١٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢١/٤)، والدارقطني (٧١/٣)، والحاكم
(٥٧/٢)، والبيهقي (٢٩٠/٥)، ووقع عند الدارقطني والحاكم: ((موسى بن عقبة)).
وغلطهما البيهقي وغيره.
(١٤) معرفة السنن والآثار (٤ /٣٥٧).

=
٨٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
جَرَى بَينَهمَا عَلى اللبَنِ بِالثَّمرِ حَتَّى يَكُونَ ذلك بَيعَ دَينٍ بِدَينٍ؟ ومن أَتَلَفَ عَلى
غَيرِهِ شَيْئًا، فَالمُتِلِفُ غَيرُ حَاضِرٍ [٨٨/٢و]، والَّذِي يَلزَمُه من الضَّمَانِ غَيْرُ حَاضِرٍ،
فَيَجْعَلُ ذلك دَينًا بِدَينٍ حَتَّى لَا يُوجِبَ (١) الضَّمَانَ، ويَعدِلَ(٢) عن إِيجَابِ الضَّمَانِ
إلى حُكم آخَرَ، وقَد يَكُونُ مَا حَلَبَه(٣) من اللبَنِ حَاضِرًا (٨٥/٦م) عِندَه في آنيتِهِ،
أَفَيحلُّ(٤) ذلك مَحَلَّ الدَّينِ بِالدَّينِ أو يَكُونُ خَارِجًا من ذلك الحديثِ، وذلك
الحديثُ لَو كَانَ يُصَرِّحُ بِنَسخِ حَدِيثِ المُصَرَّةِ لَم يَكُن فيه حُجَّةٌ؛ لِأَنَّه من رِوايَةٍ
مُوسَى بنِ عُبَيدَةَ الرَّبَذِيِّ(٥)، عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ. ومُوسَى هو
ضَعِيفٌ عِندَ أهلِ العِلمِ بِالحديثِ، كَيفَ؟ ولَيسَ في حَدِيثِهِ مِمَّا تَوهَّمَه(٦) قَائِلَ هَذَا
شَيءٌ. والله المُستَعَانُ. انتَهَى.
وقِيلَ: نَسَخَه حَدِيثُ: ((الخَرَاجِ بِالضَّمَانِ))(٧)، والمُشتَرِي ضَامن لِمَا اشتَرَاه،
فَخَرَاجُه(٨) لَه، فَكَيفَ يَغْرَمُ بَدَلَه لِلبَائِعِ؟
وجَوابُه: أنَّ ذلك الحديثَ ورَدَ في شَيءٍ مَخصُوصٍ، وبِتَقدِيرٍ عُمُومِه
فَالمُشتَرِي لَم يَغرَمِ بَدَلَ مَا حَدَثَ عَلى مِلكِه، وإنَّمَا غَرِمَ بَدَلَ اللبَنِ الَّذِي وَرَدَ عَلَيه
العَقدُ، فَلَيسَ هَذَا من ذلك(٩) الحديثِ فِي شَيءٍ .
الأمرُ(١٠) الثّاني: قَالُوا: إنَّه مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الأُصُولِ المَعْلُومَةِ من أوجُهِ (١١).
أحَدُها: أنَّ المَعلُومَ من الأُصُولِ أنَّ ضَمَانَ المِثْلِيَّاتِ(١٢) بِالِمِثلِ، وضَمَانَ
(١) في (م): ((نوجب)). والمثبت كما عند البيهقي.
(٣) في (ش): ((جبله)).
(٢) في (م): ((ونعدل)).
(٤) في (م)، والأصل: ((أفيجعل)).
(٥) في (م)، والأصل، (ح): ((الزيدي))، وفي (ك٢، ش) بدون نقط، والصحيح ما أثبتناه،
وينظر: الأنساب للسمعاني (٧٣/٦)، وتهذيب الكمال (١٠٤/٢٩).
(٦) في (م): ((يوهم)).
(٧) أبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٥٠٢)، وابن ماجه (٢٢٤٣).
(٩) في الأصل: ((هذا)).
(٨) في (م): ((بخراجه)).
(١٠) ليست في (ش).
(١٢) في (ك٢): ((المتلفات)).
(١١) في (ك٢، ش): ((وجوه)).