النص المفهرس
صفحات 21-40
= ٢١ بَابُ النَّذِ وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): رُوِيَ عن أبِي هرَيْرَةَ من ◌ُطُرُقٍ ثَابِتَةٍ صِحَاحِ مُتَواتِرَةٍ. وَلَم يُرِدِ بذلك التَّواتُرَ الَّذِي يَذْكُرُه أهلُ الأُصُولِ، وإِنَّمَا أَرَادَ الشُّهرَةَ. والله أعلمُ. ■ الثَّانِيةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في مَعنَى الاستِئنَاءِ في قَولِه: ((إلَّا المَسجِدَ الحَرَامَ). فقال الجُمهورُ: مَعنَاه: إِلَّ المَسجِدَ الحَرَامَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فيه أفضَلُ من الصَّلَاةِ في مَسجِدِ المَدِينَةِ. حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرّ(٢) عن ابنِ الزُّبَيرِ، وعَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ، وقَتَادَةَ، وسُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، ومن المَالِكِيَّةِ: مُطَرِّفٌ، وابنُ وهبٍ، وجَمَاعَةُ أهلِ الأثَّرِ، وقال به (٣) الشَّافِعِيُّ وأحمَدُ، ويَدُلُّ لَه مَا رَواه الإمَامُ أحمَدُ، والبَزَّارُ في مُسنَدَيهمَا، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))، والبَيْهَقِيُّ في ((سُنَنِه)، وغَيرُهم (٤) عن عَبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا أفضَلُ من ألفِ صَلَاةٍ فيمَا سِواه من المَسَاجِدِ، إِلَّ المَسجِدَ الحَرَامَ؛ وصَلَاةٌ في المَسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ من مِائَةٍ صَلَاةٍ في هَذَا)). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): اختُلِفَ عَلى ابنِ الزُّبَيرِ في رَفِعِه ووقفِهِ، ومَن رَفَعَه أحفَظُ وأثبَتُ من جِهَةِ النَّقلِ، وهو أيضًا صَحِيحٌ في النَّظَرِ؛ لِأَنَّ مِثْلَه لَا يُدرَكُ بِالرَّأيِ، مع شَهادَةٍ أئِمَّةِ الحديثِ لِلَّذِي رَفَعَه بِالحِفِظِ والثِّقَةِ. وقال النَّوِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال والِدِي تَُّهُ في (شَرحِ الترمذيِّ)): رِجَالُه رِجَالُ الصَّحِيحِ، وفي رِوايَةٍ لِلطَّبَرَاني(٦) في هَذَا الحديثِ: ((وَصَلَاةٌ في المَسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ من صَلَاةٍ في مَسجِدِي بِألفٍ صَلَاةٍ». ورَوى ابنُ مَاجَه (٧) عن جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوٍَّ قال: ((صَلَّةٌ في مَسجِدِي أفضَلُ من ألِفِ صَلَاةٍ فيمَا سِواه إلَّ المَسجِدَ الحَرَامَ، وصَلَاةٌ في المَسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ من مِائَةٍ ألِفِ صَلَاةٍ فيمَا سِواه)). قال والِدِي تَخُّْ في (شَرحِ الترمذيِّ)): إسنَادُه جَيِّدٌ. (١) التمهيد (١٧/٦). (٢) التمهيد (٢١/٦). (٣) في (ح): ((وبه قال)). (٤) أحمد (٥/٤)، والبزار (٢١٩٦)، وابن حبان (١٦٢٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٤٦/٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٢٧/٣). (٥) التمهيد (٢٣/٦). الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٦٧٣/٣). (٦) ابن ماجه (١٤٠٦). (٧) ٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلتُ: ويَقَعُ في بَعضٍ نُسَخِ ابنِ مَاجَه: ((من مِائَةٍ صَلَاةٍ». بِدُونِ ألفٍ، والمُعتَمَدُ مَا نَقَلْتُه أولًا؛ والحديثَانِ مَعًا، حَدِيثُ ابنِ الزُّبَيرِ وحَدِيثُ جَابِرٍ، كِلَاهمَا من رِوايَةٍ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ عن صَحَابِيَّةٍ، وذلك غَيرُ قَادِحِ فيهمَا؛ لِأَنَّ عَطَاءً إمَامٌ واسِعُ الرِّوايَةِ، فَيَجُوزُ أن [٧٦/٢ظ] يَكُونَ عِندَه عنهما. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: نَقَلَته ثِقَاتٌ كُلُّهم، وجَائِزٌ أَن يَكُونَ عِندَ عَطَاءٍ في ذلك عنهمَا فَيَكُونَانِ حَدِيثَينِ، وعَلى هَذَا يَحمِلُهُ أهلُ العِلمِ بِالحديثِ. ورَواه الإمَامُ أحمَدُ في ((مُسنَدِه))(٢) من رِوايَةِ عَطَاءٍ عن ابنِ عُمَرَ، وفيه، بَعدَ قَولِه: ((إلَّ المَسجِدَ الحَرَامَ، فَهو أفضَلُ)). قال والِدِي: وإسنَادُهُ صَحِيحٌ. ورَواه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٣) بهذا اللفظِ، ويِلَفِظِ: ((فَإِنَّ الصَّلَاةَ فيه أفضَلُ)). وبِلَفِظِ: ((فَإِنَّه أفضَلُ منه بِمِائَةٍ صَلَاٍ). قال: وهو عِندَهم حَدِيثٌ آخَرُ بِلَا (٤) شَكِّ فيه؛ لِأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ من وُجُوهٍ. وَرَوى الطَّبَرَاني(٥) عن أبِي الدَّردَاءِ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الصَّلاَةُ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ بِمِائَةِ ألْفٍ صَلَاةٍ، والصَّلاةُ في مَسجِدِي (٢٤٨/٦) بِألِفِ صَلَاةٍ، والصَّلَاةُ فِي بَيتِ المَقدِسِ بِخَمسِمِائَةِ صَلَاة)). ورَواه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦) من طَرِيقِ البَزَّارِ. ثم قال: قال البَزَّارُ: هَذَا إسنَادٌ حَسَنٌّ. وفي ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه))(٧) حَدِيثٌ آخَرُ يَقتَضِي تَفضِيلَ الصَّلَاةِ في مَسجِدِ مَكَّةَ، إلَّا أنَّه مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ في قَدرِ الثَّابِ، رَواه عن أنَسٍ مَرَفُوعًا، وفيه: ((وصَلاَتُه في المَسجِدِ الأقصَى بِخَمسِينَ ألِفِ صَلَاةٍ، وصَلَاتُه في مَسجِدِي بِخَمسِينَ ألفِ صَلَاةٍ، وصَلَاَتُه في المَسجِدِ الحَرَامِ بِمِائَةِ ألفٍ صَلَاةٍ». قال والِدِي ◌َّتُهُ: فيه ((أبو الخَطَّابِ الدِّمَشِقِيُّ))، يَحتَاجُ إلى الكشفِ عنه . وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ مَعنَى الاستِثنَاءِ: إِلَّ المَسجِدَ الحَرَامَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ في (١) التمهيد (٢٦/٦). (٢) أحمد (٢٩/٢). (٣) التمهيد (٢٨/٦). (٤) في (٢): ((لا)). (٥) الطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٦٧٥/٣). (٦) التمهيد (٣٠/٦). (٧) ابن ماجه (١٤١٣). بَابُ النَّذِ ٢٣ 22 مَسجِدِي أفضَلُ من الصَّلَاةِ فيه بِدُونِ ألفِ صَلَاةٍ. ذَكَرَ ابنُ عَبدِ الْبَرِّ(١) أنَّ يَحْيَى بِنَ يَحيّى سَألَ عَبدَ الله بنَ نَافِع عن مَعنَى هَذَا الحديثِ، فَذَكَرَ هَذَا، ثم قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: تَأوِيلُ ابنِ نَافِعِ بَعِيدٌ عِندَ أهلِ المَعرِفَةِ بِاللسَانِ. قال: ويَلزَمُه أن يَقُولَ: إنَّ الصَّلاةَ في مَسجِدِ الرَّسُولِ وَ ﴿ أفضَلُ من الصَّلَاةِ في المَسجِدِ الحَرَامِ بِتسعِمِائَةِ ضِعفٍ وتِسعَةٍ وتسعِينَ ضِعفًا، وإذَا كَانَ هَكَذَا، لَم يَكُن لِلمَسجِدِ الحَرَامِ فَضْلٌ عَلى سَائِرِ المَسَاجِدِ إلَّا بِالجُزءِ(٢) اللطِيفِ عَلى تَأْوِيلِ ابنِ نَافِعِ، وحَسبُك ضَعفًا بِقَولٍ يؤُولُ إلى هَذَا. وقال ابنُ بَظَّالٍ (٣) : مَثَّلَ بَعضُ أهلِ العِلمِ بِلِسَانِ العَرَبِ الاِستِنَاءَ في هَذَا الحديثِ بِمِثَالٍ بَيَّنَ فيه مَعنَاه. فَإِذَا قُلتَ: الْيَمَنُ أفضَلُ من جَمِيعِ البِلَادِ بِألفِ دَرَجَةٍ إلَّ العِرَاقَ، جَازَ أن يَكُونَ العِرَاقُ مُسَاوِيًّا لِليَمَنِ، وجَازَ أن يَكُونَ فَاضِلًا، وأن يَكُونَ مَفضُولًا، فَإِن كَانَ (٤) مُسَاوِيًا، فَقَد عُلِمَ فَضلُه، وإن كَانَ فَاضِلًا أو مَفضُولًا، لَم يُعلَم مِقدَارُ المُفَاضَلَةِ بَينَهمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، عَلى عِدَّةِ دَرَجَاتٍ، إمَّا زَائِدَةٌ عَلى ذلك، أو نَاقِصَةٌ عنه . قُلتُ: هَذَا كَلَامٌ فيه إنصَافٌ، بِخِلَافِ كَلَامِ ابنِ(٥) نَافِعٍ، وقَد ◌َامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ(٦) المَسجِدُ الحَرَامُ فَاضِلٌ بِمِائَةِ دَرَجَةٍ، وقَد سَبَقَ ذلكَ؛ فَوجَبَ الرُّجُوعُ إلَیه. ثم قال ابنُ عَبدِ البَرّ(٧): وقَد زَعَمَ بَعضُ المُتَأَخِّرِينَ من أصحَابِنَا: أنَّ الصَّلَاةَ في مَسجِدِ النبيِّ وَّهِ أفضَلُ من الصَّلَاةِ في المَسجِدِ الحَرَامِ بِمِائَةٍ صَلَاةٍ، ومن غَيرِهِ بِألفِ صَلَاةٍ. قال: واحتَجَّ لِذلك بِمَا رَواه سُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ، عن زِيَادِ بنِ سَعدٍ، عن ابنِ عَتيقٍ (٨)، قال: سَمِعت عُمَرَ يَقُولُ: ((صَلَاةٌ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ خَيْرٌ (١) التمهيد (١٨/٦، ١٩). (٢) في (م)، والأصل: ((بالجزاء)). شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٨١/٣). (٣) (٤) في الأصل: ((هذا)). (٥) ليست في (ح). (٦) في (م)، والأصل: ((أنه)). (٧) التمهيد (٢٠/٦). (٨) في النسخ: ((ابن أبي عتيق))، والمثبت من مصادر التخريج. = ٢٤ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ من مِائَةٍ صَلَاةٍ فيمَا سِواه))(١). قال: وتَأولَ بَعضُهم هَذَا الحديثَ أيضًا عن عُمَرَ عَلى أنَّ الصَّلَاةَ في مَسجِدِ النبيِّ (٤٩/٦م) وََّ خَيرٌ من تِسْعِمِائَةِ(٢) صَلَاةٍ في المَسجِدِ الحَرَامِ. قال: وهَذَا كُلُّه تَأوِيلٌ لَا يَعضُدُه دَلِيلٌ، وحَدِيثُ سُلَيمَانَ(٣) بنِ عَتِيقٍ هَذَا لَا حُجَّةَ فيه؛ لِأَنَّه مُختَلَفٌ في إسنَادِه، وفي لَفِظِهِ، وقَد خَالَفَه فيه مَن هو أثبَتُ منه؛ فَمن الاختِلَافِ أنَّ رُوِيَ عنه، عن ابنِ الزُّبَيرِ، عن عُمَرَ، بِلَفِظِ: ((صَلَاةٌ في المَسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ من ألفِ صَلَاةٍ [في مَسجِدِ النبيِّ وَّ). وِلَفِظِ: ((صَلَاةٌ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ من ألفِ صَلَاةٍ] (٤) فيمَا سِواه من المَسَاجِدِ، إلَّا مَسجِدَ رَسُولِ اللهِ وَّرِ، فَإِنَّمَا فَضَّلَه عَلَيه بِمِائَةٍ صَلَاةٍ)). [٧٧/٢ و] قال: فَكَيفَ يَحْتَجُونَ بِحَدِيثٍ قَد رُوِيَ فيه ضِدُّ مَا ذَكَرُوه أيضًا(٥) من رِوايَةٍ الثِّقَاتِ، إلى مَا في إسنَادِه من الاختِلَافِ أيضًا. وقَد ذَكَرَه عَبدُ الرَّزَّاقِ(٦) عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبَرَني سُلَيمَانُ بنُ عَتيقٍ، وعَطَاءٌ عن ابنِ الزُّبَيرِ أنَّهمَا سَمِعَاه يَقُولُ: ((صَلَاةٌ في المَسجِدِ الحَرَامِ خَيرٌ من مِائَةٍ صَلَاةٍ فيه))، ويُشِيرُ إلى مَسجِدٍ المَدِينَةِ. ثم رَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ بِإِسنَادِه عن سُلَيمَانَ بنِ عَتيقٍ، عن ابنِ الزُّبَيرِ، عن عُمَرَ: ((صَلَاةٌ في المَسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ من مِائَةِ ألفِ صَلَاةٍ (٧ فيمَا سِواه(٧) إِلَّا مَسجِدَ رَسُولِ الله وَّرِ؛ فَإِنَّمَا فَضَّلَهُ عَلَيه بِمِائَةٍ صَلَاةٍ)). ثم قال: عَلى أنَّه لَم يُتَابِع سُلَيمَانُ ابْنُ عَتيقٍ عَلى ذِكرِهِ عُمَرَ، وهو مِمَّا أخطَأ فيه عِندَهم وانفَرَدَ به، ومَا انفَرَدَ به فَلَا حُجَّةَ فيه، وإنَّمَا الحديثُ مَحْفُوظٌ عن ابنِ الزُّبَيرِ. انتَهَى. ■ الثَّالِثَةُ(٨): استَدَلَّ به الجُمهورُ بِالتَّقرِيرِ الَّذِي قَدَّمتُه عَلى تَفضِيلِ مَكَّةَ عَلى المَدِينَةِ؛ لِأنَّ الأمكِنَةَ تَشرُفُ بِفَضلِ العِبَادَةِ فيها عَلى غَيرِها مِمَّا تَكُونُ العِبَادَةُ فيه مَرجُوحَةً، وهو مَذهَبُ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ في أَصَحِّ الرِّوايَتَينِ (١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦١/٢). (٣) في (ك٢): ((سلمان)). (٢) في: (ح): ((تسع مائة)). (٤) ما بين المعكوفين ليست في: الأصل. (٥) في (ك٢): ((نصًا)). (٦) المصنف (٩١٣٣، ٩١٣٤). (٨) في الأصل: ((الثانية)). (٧ - ٧) ليست في: (ك٢). بَابُ النَّذِ ٢٥ = عنه، وابنٍ وهبٍ، ومُطَرِّفٍ، وابنٍ حَبِيبٍ، الثَّلَاثَةُ من أصحَابِ مَالِكٍ؛ وحَكَاه الساجِيّ(١) عن عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ، والمَكِّيِّينَ، والكُوفيينَ، وبَعضِ البَصرِيِّينَ، والبَغدَادِيِّينَ، وحَكَاه ابنُ عَبدِ الَبَرِّ (٢) عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابنِ مَسعُودٍ، وأبِي الدَّردَاءِ، وابنِ عُمَرَ، وجَابٍِ، وعَبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ، وقَتَادَةَ؛ لَكِن حَكَى القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ(٣) عن عُمَرَ أنَّ المَدِينَةَ أفضَلُ. وحَكَاه ابنُ بَظَّالٍ(٤) عن عُمَرَ بِصِيغَةِ التَّمرِيضِ، فقال: ورُوِيَ عن عُمَرَ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): وقَد رُوِيَ عن مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَكَّةَ أفضَلُ الأرضِ كُلُّها. قال: ولَكِنَّ المَشهورَ عن أصحابه في مَذهَبه تَفْضِيلُ المَدِينَةِ. ومِمَّا يَدُلُّ لِلجُمهورِ مَا رَواه الترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٦) عن (٥٠/٦م) عَبدِ الله بنِ عَدِيٍّ بنِ حَمَرَاءَ، قال: رَأيت رَسُولَ اللهِ وَه واقِفًا عَلى الحَزورَةِ(٧)، فقال: ((والله إنَّك لَخَيرُ أرض الله(٨)، وأحَبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجتُ منك مَا خَرَجتُ)). قال الترمذيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): هَذَا من أصَحِّ الآثَارِ عن النبيِّ وَ ◌ّ. قال: وهَذَا قَاطِعٌ في مَحَلِّ الخِلَافِ. انتَهَى. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى تَفْضِيلِ المَدِينَةِ عَلى مَكَّةَ، وهو قَولُ مَالِكِ وأهلِ المَدِينَةِ، وحَكَاه زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ (١٠) عن بَعضِ البَصرِيِّينَ والبَغدَادِيِّينَ؛ وتَقَدَّمَ قَولُ مَن حَكَاه عن عُمَرَ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١١): واستَدَلَّ أصحَابُنَا عَلى ذلك بِقَولِهِ وَّهِ: (مَا بَيْنَ قَبِرِي ومنبَرِي رَوضَةٌ من رِيَاضِ الجَنَّةِ))(١٢). قال: ورَكَّبوا عَلَيْه قَولَه وََّ: «مَوضِعُ (١) في الأصل، و(ح): ((الشاجي)). (٢) التمهيد (٣٤/٦). (٣) إكمال المعلم (٥١١/٤)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٩/ ١٦٤). (٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٨١/٣). (٥) التمهيد (٢٨٩/٢). الترمذي (٣٩٢٥)، والنسائي في الكبرى (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣١٠٨). (٦) (٧) في: (ك٢): ((حزورة)). (٨) ليس في: (ك٢). (٩) التمهيد (٣٢/٦، ٣٣). (١١) التمهيد (٢٨٧/٢). (١٠) في (م): ((الساجي)). (١٢) أخرجه أحمد (٦٤/٣)، وأبو يعلى (١٣٤١) عن أبي سعيد. = ٢٦ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ سَوطٍ في الجَنَّةِ خَيرٌ من الدُّنيَا ومَا فيها))(١). قال: وهَذَا لَا دَلِيلَ فيه عَلى مَا ذَهَبوا إلَيه؛ لِنَّه إِنَّمَا أرَادَ به ذَمَّ الدُّنيا والزُّهَدَ فيها والتَّرغِيبَ في الآخِرَةِ، فَأخبَرَ أنَّ اليَسِيرَ من الجَنَّةِ خَيرٌ من الدُّنيَا كُلِّها، وأرَادَ بِذِكرِ السَّوطِ، والله أعلَمُ، التَّقَلِيلَ، لَا أنَّه أرَادَ مَوضِعَ السَّوطِ بِعَينِهِ، بَل مَوضِعَ نِصفِ سَوطِ، ورُبُعِ سَوطٍ من الجَنَّةِ البَاقِيَةِ خَيرٌ من الدُّنيَا الفَانيةِ. ثم قال: ولَا حُجَّةَ لَهم في شَيءٍ مِمَّا ذَهَبوا إلَيه، ولَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ شَيءٍ من البِقَاعِ عَلَى شَيءٍ إلَّا بِخَبَرٍ يَجِبُ التَّسلِيمُ لَه. ثم ذَكَرَ حَدِيثَ ابنِ حَمَرَاءَ المُتَقَدِّمَ، وقال: كَيفَ يُتْرَكُ مِثْلُ هَذَا النَّصِّ الثَّابِتِ، ويُمَالُ إلى تَأوِيلٍ لَا يُجَامَعُ مُتَأوَّلُه عَلَيه؟ ا الزَّابِعَةُ(٢): استَثَنَى القَاضِي عِيَاضٌ(٣) من القَولِ بِتَفْضِيلِ مَكَّةَ الْبُقْعَةَ الَّتي دُفِنَ فيها النبيُّ وَّهَ وضَمَّت أعضَاءَه(٤) الشَّرِيفَةَ، وحَكَى اتِّفَاقَ العُلَمَاءِ عَلى أنَّها أفضَلُ بِقَاعِ الأرضِ، قال النَّووِيُّ في (شَرحِ المُهَذَّبِ))(٥): ولم أرَ لِأصحَابِنَا تَعَرُّضًا لِمَا نَقَلَه. قال(٦) ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): وكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: من فَضلِ المَدِينَةِ عَلى مَكَّةَ أني لَا أعلَمُ بُقْعَةً فيها قَبِرُ نَبِيِّ مَعرُوفٌ غَيْرَها. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: يُرِيدُ مَا لَا يُشَكُّ فيه، فَإِنَّ كَثِيرًا من النَّاسِ يَزْعُم [٧٧/٢ظ] أنَّ قَبَرَ إبرَاهِيمَ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلامُ بِبَيتِ المَقدِسِ، وأنَّ قَبرَ مُوسَى عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ هنَاكَ. ثم ذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هرَيرَةَ المَرُفُوعَ: ((في سُؤَالِ مُوسَى عَلَّا رَبَّه أن يُدنيه من الأرضِ المُقَدَّسَةِ رَمَةً بِحَجٍَ))(٨). ثم قال: إنَّمَا يُحتَجُّ بِقَبرِ رَسُولِ اللهِوَ ◌َّ عَلى من أنكَرَ فَضلَها، أمَّا مَن أقَرَّ به، وأنَّه لَيسَ عَلى وجه الأرضِ أفضَلُ بَعدَ مَكَّةَ منها، فَقَد أَنزَلَها مَنزِلَتَها، واستَعمَلَ القَولَ بِمَا جَاءَ عن النبيِّ نَّهِ في مَكَّةَ وفيها. ثم رَوى (١) أخرجه أحمد (٤٣٨/٢)، والترمذي (٣٠١٣)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨٥) عن أبي هريرة؛ والترمذي (١٦٤٠)، وابن ماجه (٤٣٣٠) عن سهل بن سعد. (٢) في الأصل: ((الثالثة)). (٣) إكمال المعلم (٥١١/٤). (٤) في الأصل: ((اعطاءه). (٥) المجموع (٨/ ٤٧٠). (٦) في (ك٢): ((كان)). (٨) البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢). (٧) التمهيد (٢٨٩/٢). = ٢٧ بَابُ النَّذِ ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) عن عَلِيٍّ بنِ أبِي (٥١/٦م) طَالِبٍ أَنَّه قال: ((إني لَأَعلَمُ أيَّ بُقعَةٍ أحَبَّ إلى الله في الأرضِ، هيَ البَيتُ الحَرَامُ ومَا حَولَه)). ■ الخَامِسَةُ(٢): قال والِدِي كَُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): في حَدِيثٍ عَبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ، وجَابٍِ، وابنِ عُمَرَ، وأَبِي الدَّردَاءِ، وأَنَسِ رِ﴿ُه، مَرفُوعًا: [((إنَّ الصَّلَاةَ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ بِمِائَةِ ألفٍ صَلَاةٍ». وفي حَدِيثِ عُمَرَ مَوقُوفًا](٣) عَلَيه: (أنَّ الصَّلَاةَ فيه خَيرٌ من مِائَةِ صَلَاةٍ)). وهَكَذَا رَواه الطَّبَرَاني في ((الأوسَطِ))(٤) من حَدِيثٍ عَائِشَةَ ﴿هَا، مَرفُوعًا، وفي بَعضِ طُرُقِ أثَرٍ (٥) عُمَرَ: ((إنَّ الصَّلَاةَ في المَسجِدِ الحَرَامِ أفضَلُ (٦) من ألفِ صَلَاةٍ بِمَسجِدِ المَدِينَةِ)). وفي حَدِيثِ الأرقَم: ((إِنَّ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ أفضَلُ من ألفِ صَلَاةٍ بِبَيتِ المَقدِسِ)). رَواه أحمَدُ وغَيرُهُ(٧)، قال: والجَمِعُ بَيْنَ هَذَا وبَينَ مَا تَقَدَّمَ: أن يُحمَلَ أثَرُ عُمَرَ بِاللفظِ الأولِ وحَدِيثُ عَائِشَةَ، عَلى تَقدِيرِ صِحَّتِهِمَا، عَلى أنَّ المُرَادَ: خَيرٌ من مِائَةِ صَلَاةٍ في مَسجِدٍ المَدِينَةِ؛ فَيَكُونُ مُوافِقًا لحديثِ ابنِ الزُّبَيرِ ومَن معه؛ وحَدِيثُ الأرقَمِ وأَثَرُ عُمَرَ بِاللفظِ الثَّاني: يَقتَضِي أن تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي المَسجِدِ الحَرَامِ بِألفِ ألفِ صَلَاةٍ، وإِذَا تَعَذَّرَ الجَمعُ فَيُرجَعُ إلى الثَّرجِيحِ، وأصَحُّ هَذِهِ الأحَادِيثِ حَدِيثُ ابنِ الزُّبَيرِ، وجَابِرٍ (٨)، وابنِ عُمَرَ، وأَبِي الدَّردَاءِ، فَإِنَّ أسَانيدَها صَحِيحَةٌ. قال: وأمَّا الاختِلَافُ في مَسجِدِ المَدِينَةِ، فَأكثَرُ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أنَّ الصَّلَاةَ فيه خَيرٌ من ألفِ صَلَاةٍ، وفي حَدِيثِ أبِي الدَّردَاءِ: ((أنَّها بِألفِ صَلَاةٍ)). من غَيرِ تَفضِيلٍ عَلى الألفِ، وفي حَدِيثِ أنَسٍ عِندَ ابنِ مَاجَه(٩): ((أنَّ الصَّلَاةَ فيه بِخَمسِينَ ألفَ صَلَاةٍ)). وفي حَدِيثِ أبِي ذَرِّ عِندَ الظَّبَرَاني في ((الأوسَطِ))(١٠): (١) التمهيد (٣٤/٦). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٥) في الأصل: ((ابن)). (٦) في الأصل: ((ألف)). (٧) أحمد (٤٥٧/٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦٨٨)، والطبراني في الكبير (٣٠٦/١ (٩٠٧). (٨) ليست في (ك٢). (١٠) المعجم الأوسط (٦٩٨٣، ٨٢٣٠). (٢) في الأصل: ((الرابعة)). (٤) المعجم الأوسط (٦٧٥١). (٩) سبق تخريجه في الفائدة الأولى. = ٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ((أنَّ الصَّلَاةَ فيه أفضَلُ من أربَعِ صَلَواتٍ بِبَيتِ المَقدِسِ)). قال: وقَد اختَلَفَت الأحَادِيثُ في المِقدَارِ الَّذِي تَضَاعَفَ (١) به الصَّلَاةُ في مَسجِدٍ بَيتِ المَقدِسِ، فَعِنْدَ ابنِ مَاجَه(٢) من حَدِيثِ مَيمُونَةَ مَولَاةِ النبيِّ وَّهِ (٣) عن النبيِّ و٣َّ): ((أنَّ الصَّلَاةَ فيه كَألِفِ صَلَاةٍ في غَيرِه)). وعِندَ الطَبَرَاني(٤) في حَدِيثِ أبِي الدَّردَاءِ: ((أَنَّ الصَّلَاةَ فيه بِخَمسِمِائَةِ صَلَاةٍ». وفي حَدِيثِ أنَسٍ عِندَ ابنِ مَاجَه: ((أنَّ الصَّلَاةَ فيه بِخَمسِينَ ألفِ صَلَاةٍ». فَعَلى هَذَا تَكُونُ الصَّلَاةُ بِمَسجِدِ المَدِينَةِ؛ إمَّا بِأربَعَةِ آلافٍ عَلى مُقْتَضَى حَدِيثِ مَيِمُونَةَ، وإمَّا بِألفَيْنِ عَلى مُقْتَضَى حَدِيثِ أبِي الدَّردَاءِ، وإمَّا بِمِائَتي ألفٍ صَلَاةٍ عَلى مُقْتَضَى حَدِيثِ أَنَسٍ. لَكِنَّه في هَذَا الحديثِ سَوى(٥) بَينَ مَسجِدِ المَدِينَةِ وبَينَ مَسجِدٍ بَيتٍ المَقدِسِ، وأصَحُّ طُرُقِ أحَادِيثِ الصَّلَاةِ (٥٢/٦م) بِبَيتِ المَقدِسِ: أنَّها بِألفٍ صَلَاةٍ، فَعَلى هَذَا أيضًا يَستَوِي المَسجِدُ الأقصَى مع مَسجِدِ المَدِينَةِ، وعِندَ أحمَدَ (٦) من حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أو عَائِشَةَ مَرُفُوعًا: ((صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا خَيرٌ من ألِفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِواه، إلَّ المَسجِدَ الأقصَى)). وعَلى هَذَا فَتُحمَلُ هَذِهِ الرِّوايَةُ، عَلى تَقدِيرِ ثُبوتِها، إلَّا المَسجِدَ الأقصَى، فَإِنَّهِمَا مُستَوِيَانِ في الفَضلِ، ولَا مَانِعَ من المَصِيرِ إلى هَذَا؛ أي: فَإِنَّه لَيسَ بِأفضَلَ من ألفِ صَلَاةٍ فيه، بَل هو مُسَاوٍ لَه، وأصَحُّ طُرُقِ أحَادِيثِ التَّضعِيفِ في المَدِينَةِ: أنَّها أفضَلُ من ألفٍ، والأصَحُّ في بَيتِ المَقدِسِ أنَّها بِألفٍ، فَيُمكِنُ أيضًا أن يَكُونَ النَّفَاوُتُ بَيْنَهَمَا بِالزِّيَادَةِ عَلى الألفِ، والله أعلَمُ. انتَهَى كَلَامُ والِدِي ◌َُّهُ. ] السَّادِسَةُ(٧): ظَاهِرُ الحديثِ: أنَّه لَا فَرقَ في تَضعِيفِ الصَّلَاةِ بَينَ الفَرضِ والنَّفَلِ، وبه قال أصحَابُنَا، ومُطَرِّفٌ من المَالِكِيَّةِ. وذَهَبَ الطَّحَاوِيُّ(٨) إلى (١) في (م): ((تضاعفت))، وفي (ح): ((يضاعف)). (٢) ابن ماجه (١٤٠٧). سبق تخريجه في الفائدة الأولى. (٤) (٦) أحمد (٢٧٨/٢). (٨) شرح معاني الآثار (١٢٨/٣). (٣ - ٣) ليس في: الأصل. (٥) ليست في (ك٢). (٧) في الأصل: ((الخامسة)). = ٢٩ بَابُ النَّذرِ اختِصَاصِ التَّضعِيفِ بِالفَرضِ. وهو مُقتَضَى كَلَام ابنِ حَزم الظَّاهرِيِّ(١)؛ لِأَنَّه أُوجَبَ صَلَاةَ [٧٨/٢و] الفَرضِ في أحَدِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِنَذْرِه ذلك، ولَم يُوجِب التَّطَوُّعَ فيها بِالنَّذرِ. قال النَّووِيُّ(٢): وهو خِلَافُ إطلَاقِ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. قُلتُ: قَد يُقَالُ: لَا عُمُومَ في اللفظِ؛ لِأَنَّه نَكِرَةٌ(٣) في سِيَاقِ الإثْبَاتِ، وسَاعَدَ ذلك أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((أفضَلُ صَلَاةِ المَرِهِ فِي بَيتِهِ إِلََّ المَكْتُوبَةَ))(٤). وقَد يُقَالُ: هو عَامٌّ؛ لِنَّه، وإن كَانَ في الإثْبَاتِ، فَهو في مَعرِضِ الاِمِنَانِ. وقال والِدِي ◌َّتُهُ في (شَرحِ الترمذيِّ)): تَكُونُ النَّوافِلُ في المَسجِدِ مُضَاعَفَةً بِمَا ذُكِرَ من ألفٍ في المَدِينَةِ، ومِائَةِ ألفٍ في مَكَّةَ، ويَكُونُ فِعلُها في البَيتِ أفضَلَ، لِعُمُومٍ قَولِه بِّهِ في الحديثِ الصَّحِيحِ: ((أفضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ في بَيتِهِ إلَّا المَكتُوبَةَ)). بَل ورَدَ في بَعضِ ظُرُقِهِ: أنَّ النَّافِلَةَ في البَيتِ أفضَلُ من فِعلِها في مَسجِدِه ◌َلل. السَّابِعَةُ (٥): استُدِلَّ به عَلى أنَّ تَضعِيفَ الصَّلَاةِ في مَسجِدِ المَدِينَةِ يَخْتَصُّ بِمَسجِدِهِ وَّوَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ، دُونَ مَا أُحدِثَ بَعدَه فيه من الزِّيَادَةِ في زَمَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وغَيرِهم؛ لِأنَّ التَّضعِيفَ إِنَّمَا وَرَدَ في مَسجِدِه، وذَاكَ هو مَسجِدُه، وأيضًا فَقَد أكَّدَ ذلك(٦) بِقَولِه في رِوايَةِ الصَّحِيحَينِ: ((مَسجِدِي هَذَا)). وبذلك صَرَّحَ النَّووِيُّ(٧)، وقال: يَنبَغِي أن يَحرِصَ المُصَلِّي عَلى ذلك، ويَتَفَظَّنَ لِمَا ذَكَرتُه. وقال والِدِي تَُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ»: هَذَا شَبِيةٌ بِمَا إذَا اجتَمع الاسمُ والإِشَارَةُ، هَل تَغلِبُ الإشَارَةُ أو الاِسمُ؟ قُلتُ: لَم يَظهَر لِي ذلك، فَالاِسمُ والإشَارَةُ (٦/ ٢٥٣) مُتَّفِقَانِ هنَا؛ لِكَونِه (١) المحلى (١٩/٨). (٣) في (ح): ((يكره)). (٤) تقدم تخريجه في الفائدة الخامسة في الحديث الأول من باب: ((صلاة التطوع)). (٥) في الأصل: ((السادسة)). (٦) ليست في (ك٢). (٧) شرح صحيح مسلم (١٦٦/٩). (٢) شرح صحيح مسلم (٩/ ١٦٤). = ٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أَضَافَ المَسجِدَ إلَيه، وأَشَارَ إلى المَوْجُودِ ذلك الوقتَ، ولَو كَانَ لَفِظُه: ((مَسجِدُ المَدِينَةِ هَذَا)). لَكَانَ من تَعَارُضِ الاِسمِ والإِشَارَةِ. لَكِن يُشكِلُ عَلى هَذَا مَا في (تَارِيخِ المَدِينَةِ)) (١) أَنَّ (٢) عُمَرَ رَبُهُ لَمَّا فَرَغَ من الزِّيَادَةِ في مَسجِدِ النبيِّ يَّ قال: (لَو انتَهَى إلى الجَبَّنَةِ لَكَانَ الْكُلُّ مَسجِدَ رَسُولِ اللهِوَ)). وعن أبِي هرَيرَةَ قال: سَمِعت رَسُولَ اللهِ﴿ يَقُولُ: ((لَو زِيدَ في هَذَا المَسجِدِ مَا زِيدَ كَانَ(٣) الكُلُّ مَسجِدِي)). وفي رِوايَةٍ: «لَو بُنِي هَذَا المَسجِدُ إلى صَنْعَاءَ كَانَ مَسجِدِي)). وعن ابنِ أبِي ذِئبٍ: أَنَّ عُمَرَ رَّ ◌ُه قال: ((لَو مُدَّ مَسجِدُ رَسُولِ اللهِ وَّ إلى ذِي الحُلَيْفَةِ لَكَانَ منه)). وقال عُمَرُ بنُ أبِي بَكرِ المَوصِلِيُّ: بَلَغَنِي عن ثِقَاتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قال: ((مَا زِيدَ في مَسجِدِي فَهو منه، ولَو بَلَغَ مَا بَلَغَ)). فَإن صَحَّ ذلك فَهو (٤) بُشرَى حَسَنَةٌ. ■ الثَّامنةُ(٥): وهَذَا بِخِلَافِ المَسجِدِ الحَرَامِ، فَإِنَّه لَا يَختَصُ التَّضعِيفُ بِالمَسجِدِ الَّذِي كَانَ في زَمَنِهِ وَّهَ، بَل يَشمَلُ (٦) جَمِيعَ مَا زِيدَ فيه؛ لِأنَّ اسمَ المَسجِدِ الحَرَامِ يَعُمُّ الكُلَّ، بَل المَشهورُ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّ التَّضعِيفَ يَعُمُّ جَمِيعَ مَكَّةَ، بَل صَحَّحَ النَّوِيُّ(٧): أنَّه يَعُمُّ جَمِيعَ الحَرَمِ الَّذِي يَحْرُمُ صَيدُه. واعلَم أنَّ لِلمَسجِدِ الحَرَامِ أربَعَ استِعمَالَاتٍ: أحَدُها: نَفسُ الكَعبَةِ؛ كَقَولِهِ(٨) تَعَالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَارِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. الثَّاني: الكَعبَةُ ومَا حَولَها من المَسجِدِ؛ کَقَولِه تَعَالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى ◌ِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]. فَالمُرَادُ نَفسُ المَسجِدِ في(٩) قَولِ أَنَسٍ بِ مَالِكِ، وَرَجَّحَه الطََّرِيُّ (١٠). وفي ((الصَّحِيحِ)) مَا يَدُلُّ لَه، وقِيلَ: أُسرِيَ به (١) لم أجده. (٣) في (ح): (لكان)). في الأصل: ((السابعة)). (٥) (٧) المجموع (٢٩٨/٩). (٩) في: (ك٢، ح): ((من)). (٢) في الأصل: ((عن)). (٤) في (٢٥): ((فهي)). (٦) في: الأصل: ((يشتمل)). (٨) في (ح): (لقوله)). (١٠) تفسير الطبري (٤١١/١٤) وما بعدها. بَابُ النَّذِ ٣١ = من بَيتِ أُمِّ هانِئٍ، وقِيلَ: من شِعبٍ أبِي طَالِبٍ، فَيَكُونُ المُرَادُ عَلى هَذَا فِي هَذِه الآيَةِ مَكَّةَ. الثَّالِثُ: جَمِيعُ مَكَّةَ، ومنه قَوله تَعَالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]. قال ابنُ عَطِيَّةً (١): وعِظَمُ القَصدِ هنَا إنَّمَا هو مَكَّةُ. الرَّابِعُ: جَمِيعُ الحَرَمِ الَّذِي يَحرُمُ صَيدُه، ومنه قوله تَعَالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَرَِّ﴾ [التوبة: ٧]. وإنَّمَا كَانَ عَهِدُهم بِالحُدَيْبِيَةِ، وهيَ من الحَرَمِ، وكَذلك قَوله تَعَالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّه الحَرَمُ جَمِيعُه. ■ التَّاسِعَةُ(٢): قال النَّووِيُّ(٣): قال العُلَمَاءُ: وهَذَا فيمَا يَرجِعُ إلى الثَّوابِ، فَثَوابُ [٧٨/٢ظ] صَلَاةٍ فيه يَزِيدُ(٤) عَلى ثَوابِ ألفٍ فيمَا سِواه، ولَا يَتَعَدَّى ذلك إلى الإجزَاءِ عن الفوائتِ، حَتَّى لَو كَانَ عَلَيْه صَلَاتَانٍ، فَصَلى في مَسجِدِ المَدِينَةِ صَلَاةً لَم تُجِزِه عنهمَا، وهَذَا لَا خِلَافَ فيه. والله أعلمُ. (٥٤/٦م) ■ العَاشِرَةُ(٥): وجه إيرَادِ هَذَا الحديثِ في بَابِ النَّذرِ: أنَّه يَدُلُّ عَلَى فَضلِ الصَّلَاةِ فِي هَذَينِ المَسجِدَينِ: المَسجِدِ الحَرَامِ، ومَسجِدٍ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَلَو نَذَرَ الصَّلَاةَ في أحَدِهمَا لَزِمَه مَا التَّزَمَه؛ لِأَنَّه تَبَيَّنَ(٦) أنَّه قُربَةٌ، وشَأْنُ القُرَبِ أن تَلزَمَ (٧) بِالنَّذرِ. (+ والله تعالى أعلم(1). (١) المحرر الوجيز (٤ /١٤٠). (٢) في الأصل: ((الثامنة)). شرح صحيح مسلم (١٦٦/٩). (٣) (٤) في: (ح): ((تزید)). في الأصل: ((التاسعة)). (٥) (٦) في: (م): (يتبين)) . (٧) في: (ح): ((يلزم)). (٨ - ٨) من (ح). ٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الحديثُ الرَّابِعُ وعن بُرَيدَةَ: أَنَّ أَمَةً سَودَاءَ أَتَتَ رَسُولَ الله ◌َِّهِ، وَرَجَعَ من بَعضٍ مَغَازِيه، فقالت(١): ((إني كُنتُ نَذَرتُ إن رَدَّك الله صَالِحًا أن أضرِبَ عِندَك بِالدُّفِّ)). قال: ((إن كُنتِ فَعَلتِ فَافعَلِي، وإِن كُنتِ لَم تَفْعَلِي فَلَا تَفْعَلِي)). فَضَرَبَتِ، فَدَخَلَ أبو بَكرٍ وهيَ تَضرِبُ، ودَخَلَ غَيرُه وهيَ تَضرِبُ، ودَخَلَ عُمَرُ، قال: فَجَعَلَتُ دُفَّهَا خَلفَها، وهيَ مُقَنَّعَةٌ، فقال رَسُولُ اللهِوَله: ((إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَفرَقُ (٢) منك يَا عُمَرُ، أَنَا جَالِسٌ هَهنَا، ودَخَلَ هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أن دَخَلَتَ فَعَلَت مَا فَعَلَت)). رواه الترمذيُّ، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. فيه فوائدُ: ■ الأُولى: رواه الترمذيُّ في المَنَاقِبِ من ((جَامِعِه))(٣) عن الحُسَينِ بنِ حُرَيثٍ، عن عَلِيٍّ بنِ الحُسَينِ بنِ واقِدٍ، عن أبِيه، [عن عَبدِ الله بنِ بُرَيدَةَ، عن أبِيه](٤)، قال: ((خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَِّ فِي بَعضِ مَغَازِيه، فَلَمَّا انصَرَفَ، جَاءَت جَارِيَةٌ سَودَاءُ، فقالت: ((يَا رَسُولَ الله، إني كُنت نَذَرت إن رَدَّك الله سَالِمًا أن أضرِبَ بَينَ يَدَيك بِالدُّفِّ وأتَغَتَّى)). فقال لَها رَسُولُ اللهِوََّ: ((إِن كُنتٍ نَذَرت فَاضْرِبِي، وإِلَّا فَلَا)). فَجَعَلَت تَضرِبُ، فَدَخَلَ أبو بَكرٍ وهيَ تَضرِبُ، ثم دَخَلَ عَلِيٍّ وهيَ تَضرِبُ، ثم دَخَلَ عُثمَانُ وهيَ تَضرِبُ، ثم دَخَلَ عُمَرُ، فَألْقَت الدُّفَّ تَحتَ اسْتِها، ثم قَعَدَت عَلَيه، فقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ منك ◌َا عُمَرُ، إني كُنتُ جَالِسًا وهيَ تَضرِبُ، فَدَخَلَ أبو بَكرٍ وهيَ تَضرِبُ، ثم دَخَلَ عَلِيٍّ وهيَ تَضرِبُ، ثُمَّ (٦/ ٢٥٥) دَخَلَ عُثمَانُ وهيَ تَضرِبُ، فَلَمَّا دَخَلت أنتَ يَا عُمَرُ ألقَت الدُّفَّ)). قال الترمذيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ من حَدِيثٍ بُرَيدَةَ، وفي البَابِ عن عُمَرَ، وعَائِشَةَ ﴿َّا. (١) في (ح): ((فقال)). الترمذي (٣٦٩٠). (٣) (٢) في الأصل: ((ليفر)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢). = بَابُ النَّذِ ٣٣ ■ الثّانيةُ: قَولُه: ((إنَّ أَمَةً سَودَاءَ)). يَحتَمِلُ: أنَّها بَاقِيَةٌ عَلى الرِّقِّ، ويَحْتَمِلُ: أَنَّه سَمَّاها أمَةً بِاعتِبَارِ مَا مَضَى. وقَولُه: ((ورَجَعَ من بَعضِ مَغَازِيه)) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، و((قَد)) فيه مُقَدَّرَةٌ، تَقدِيرَه: وقَد رَجَعَ. و((الدُّفُّ)) بِضَمِّ الدَّالِ المُهمَلَةِ، وتَشْدِيدِ الفَاءِ، مَعرُوفٌ. وحَكَى أبو عُبَيدِ عن بَعضِهم: أنَّ الفَتحَ فيه لُغَةٌ، ذَكَرَه في ((الصِّحَاح)) (١)، وقال في ((النِّهَايَةِ))(٢) هو بِالضَّمِّ والفَتحِ. وقَولُه: ((إِن كُنتِ فَعَلتٍ))؛ أي: النَّذرَ، وقَولُه: ((فَافعَلِي))؛ أي: فَاضرِبِي، وقَد أوضَحَ ذلك في رِوايَةِ الترمذيِّ، وقَولُه: ((فَجَعَلَت دُفَّها خَلفَها)). لَا يُنَافِي قَولَه في رِوايَةِ الترمذيِّ: ((تَحتَها)). فَيَكُونُ تَحتَها من جِهَةِ ظَهرِها، وقَولُه: ((وهيَ مُقَنَّعَةٌ)). بِتَشدِيدِ النُّونِ وفَتحِها؛ أي: مُستَتِرَةٌ بِقِنَاعِها، وقَولُه: ((لَيَفرَقُ منك)) بِفَتحِ الرَّاءِ؛ أي: يَخَافُ. ■ الثَّالِثَةُ: قَسَمَ أصحَابُنَا الفُقَهاءُ المنذُورَ (٣) إلى: مَعصِيَةٍ، وطَاعَةٍ، ومُبَاحِ، فَمَنَعُوا نَذْرَ المَعصِيَةِ، ثم قَسَّمُوا الطَّاعَةَ إلى: واجِبٍ، فَأبطَلُوا نَذْرَه؛ ومَنْذُوَبٍ مَقصُودٍ، وهو مَا شُرِعَ لِلتَّقَرُّبِ به، وعُلِمَ من الشَّارِعِ الاِهْتِمَامُ بِتَكْلِيفِ الخَلقِ بِإِيقَاعِه؛ كَالصَّومِ والصَّلَاةِ ونَحوِهِمَا، فَجَزَمُوا بِصِحَّةٍ نَذْرِه؛ ومَندُوبٍ لَم يُشرَع (٢٥٦/٦) لِكَونِهِ عِبَادَةً، وإنَّمَا هو أعمَالٌ وأخلَاقٌ مُستَحسَنَةٌ رَغَّبَ الشَّرعُ فيها لِعِظَمٍ فَائِدَتِها، وقَد يَبتَغِي بها وجهَ الله تَعَالى، فَيَنَالُ الثَّوابَ فيها؛ كَعِيَادَةٍ المَرضَى، وزِيَارَةِ القَادِمِينَ، وإفشَاءِ السَّلَامِ. واختَلَفُوا في لُزُومِ ذلك بِالنَّذْرِ عَلى وجهَينِ، والأصَحُّ اللزُومُ(٤). وأمَّا المُبَاحُ الَّذِي لَم يَرِد فيه تَرغِيبٌ؛ كَالأكلِ والنَّومِ والقِيَامِ والقُعُودِ، فَلَو نَذَرَ فِعلَها [٧٩/٢ و] أو تُركَها: لَم يَنعَقِد نَذْرُه. قال الأئِمَّةُ: وقَد يَقصِدُ بِالأكلِ التَّقَوِّي عَلى العِبَادَةِ، وبِالنَّومِ النَّشَاطَ عِندَ التَّهَجِّدِ فَيَنَالُ الثَّوابَ، لَكِنَّ الفِعلَ غَيرُ مَقصُودٍ، والثَّوابُ يَحصُلُ بِالقَصدِ الجَمِيلِ، (١) الصحاح (٤/ ١٣٦٠). (٣) في (م): ((النذور)). (٢) النهاية في غريب الأثر (١٢٥/٢). (٤) ينظر: المجموع (٤٣٦/٨) وما بعدها. = ٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والضَّربُ بِالدُّفِّ هو من الأُمُورِ المُبَاحَةِ، فَإنَّه إن كَانَ في عُرسٍ أو خِتَانٍ: فَهو مَجْزُومٌ عِندَ أصحَابِنَا بِإِبَاحَتِهِ، وإن كَانَ في غَيرِهِمَا، فَأطلَقَ صَاحِبُ ((المُهَذَّبِ))، و((الْبَغَوِيُّ)) وغَيرُهمَا تَحرِيمَه(١)، وقال الإمَامُ والغَزّالِيُّ (٢): حَلَالٌ. وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ في ((المُحَرَّرِ))، و(الشَّرحِ الصَّغِيرِ))، والنَّوِيُّ في ((المنهاجِ))(٣). وقَد يَقتَرِنُ بِالضَّربِ بِالدُّفِّ قَصِدٌ جَمِيلٌ؛ كَجَبرِ يَتِيمَةٍ في عُرسِها، وإظهارٍ السُّرُورِ بِسَلَامَةٍ مَن يَعُودُ نَفعُه عَلى المسلمِينَ، ومن ذلك ضَربُ هَذِهِ المَرأةِ بِالدُّفِّ، فَهو مُبَاحٌ بِلَا شَكٌّ، ولَمَّا قَصَدَت به (٤) إظهارَ السُّرُورِ بِقُدُومِ النبيِّ ◌َِلـ سَالِمًا، حَصَلَ لَها الثَّوابُ بِالقَصدِ الجَمِيلِ، وقَد جَزَمَ أصحَابُنَا في مِثلِ ذلك بِأنَّه لَا يَصِحُّ نَذْرُه، فَلا بُدَّ لَهم من تَخرِيجِ جَوابٍ عن هَذَا الحديثِ، وقَد بَوّبَ عَلَيه البَيْهَقِيُّ في ((سُنَتِهِ))(٥): ((بَابُ مَا يُوفَىَ به من نَذرِ مَا يَكُونُ مُبَاحًا، وإن لَم يَكُن طَاعَةً)). ثم قال بَعدَ ذِكرِ الحديثِ: يُشبه أن يَكُونَ النبيُّ وَهَ إِنَّمَا أذِنَ لَها في الضَّربِ؛ لِأَنَّه أمرٌ مُبَاحٌ، وفيه إظهارٌ لِلفَرَحِ بِظُهورِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَرُجُوعِهِ سَالِمًا، لَا (٦) أنَّه يَجِبُ بِالنَّذرِ. فَتَبوِيبُه يَدُلُّ عَلَىَ أنَّ المَفعُولَ وفَاءٌ لِلنَّذْرِ، وأنَّ بَعضَ المُبَاحَاتِ يَصِحُ نَذْرُه، ويُوفَّى به. وكَلَامُه عَلى الحديثِ يَدُلُّ عَلى أَنَّه بَاقٍ عَلى إِبَاحَتِهِ، ولَم يَفعَل وفَاءً بِالنَّذْرِ، ويَدُلُّ عَلى أَنَّه وفَاءٌ بِالنَّذْرِ قَولُه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إِن كُنتِ نَذَرتِ فَاضِرِيِي))، ويُمكِنُ أن يُقال في تَأوِيلِ الحديثِ شَيءٌ آخَرُ: وهو أنَّه أُرِيدَ بِالنَّذْرِ هنَا الْيَمِينُ، ومَعنَى قَولِها: ((نَذَرتُ)): حَلَفتُ، وقَولُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إِن كُنتِ نَذَرتٍ))؛ أي: حَلَفتِ، وإذنُه في الضَّربِ إذنٌ في البِرِّ وفِعلِ المَحِلُوفِ عَلَيه، وصَحَّ استِعمَالُ النَّذرِ في اليَمِينِ، لِمَا بَينَهمَا من الاشتِرَاكِ، وهو إلزامُ الشَّخصِ نَفسَه بِمَا لَا يَلْزَمُه، وذلك يَكُونُ تَارَةً بِالنَّذرِ، وتَارَةً بِاليَمِينِ، وقَد ورَدَ في الأثَرِ استِعمَالُ (٥٧/٦م) النَّذرِ في الأرشِ، في قَولِ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ: ((إنَّ عُمَرَ وعُثمَانَ قَضَيَا في (١) ينظر: المهذب (٣٢٧/٢)، والمجموع شرح المهذب (٥٥/٢٣). (٣) ينظر: روضة الطالبين (٢٠٦/٨). (٢) الوسيط (٣٥٠/٧). (٤) لیست في (ح). (٦) في (٢٤): (إلا)). (٥) السنن الكبرى (٧٧/١٠). بَابُ النَّذِ ٣٥ المِلطَاةِ(١) بِنِصفِ نَذْرِ المُوضِحَةِ))(٢) فَإذَا سَمَّى الأرشَ نَذْرًا، فَتَسمِيَةُ الْيَمِينِ بذلك أولى؛ لِأنَّها أقرَبُ إلى مَدُلُولِه من الأرشِ. والله أعلمُ. ■ الرَّابِعَةُ: استُدِلَّ به عَلى أنَّ صَوتَ المَرأةِ لَيسَ بِعَورَةٍ، إذا لَو كَانَ عَورَةً مَا سَمِعَه النبيُّ وَّهِ وأقَرَّ أصحَابَه عَلى سَمَاعِه. وهَذَا هو الأصَحُّ عِندَ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ، لَكِن قَالُوا: يَحرُمُ الإصغَاءُ إلَيه عِندَ خَوفِ الفِتنَةِ، ولَا شَكَّ أنَّ الفِتنَةَ في حَقِّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ مَأْمُونَةٌ، وَلَو خَشِيَ أصحَابُه ◌ِ﴿هُ فِتْنَةً مَا سَمِعُوا؛ هَذَا إِن كَانَ حَصَلَ منها صَوتٌ، بِدَلِيلٍ قَولِه في رِوايَةِ الترمذيِّ: ((وأَتَغَنَّى))(٣). ولَيسَت هَذِه اللفظَةُ في ((مُسنَدِ أحمَدَ)، ولَا في رِوايَةٍ واحِدٍ منهمَا: أنَّها تَغَنَّت بِصَوتِها، وحِينَئِذٍ، فَلَيسَ في الحديثِ دَلِيلٌ عَلى مَا ذَكَرْنَاه. ] الخَامِسَةُ: إن قُلتَ: إِذَا كَانَ هَذَا مُبَاحًا، وقَد فُعِلَ بِحُضُورِ النّبِيِّ وَّلـ وإذنِه، فَكَيفَ يُنسَبُ إلى الشَّيطَانِ، ويُؤْتَى (٤) بِمَا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعلَه كَانَ بِتَسوِيلِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عُمَرُ رَُّه، هَرَبَ الشَّيطَانُ لِخَوفِه منه، فَانقَطَعَ ذلك التَّسوِيلُ، ومَا تَرَتَّبَ عَلَيه من الضَّربِ بِالدُّفِّ؟ قُلتُ: يَحْتَمِلُ وجِهَينِ : أحَدُهمَا: أنَّ الأصلَ في الضَّربِ بِالدُّفِّ والغِنَاءِ أنَّه من بَابِ اللهوِ، وأنَّه يَجُرُّ إلى مَا لَا يُرضَى فِعلُه، كَمَا يُقَالُ: الغِنَاءُ بَرِيدُ الزِّنَا. إلَّا أن تَقْتَرِنَ به نيةٌ صَالِحَةٌ تَصرِفُه عن ذلك، كَمَا في هَذِه الحَالَةِ، وقَد كَانَ النبيُّ ◌َ ﴿ عَالِمًا بهذِه القَرِينَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ عُمَرُ نَظَه، وكَانَ من شَأْنِه المُبَادَرَةُ إلى إنكَارٍ مِثلِ هَذَا، والصُّورَةُ أنَّه غَيرُ عَالِمُ بهذِه القَرِينَةِ، فَخَشِيَت من مُبَادَرَتِه أن يُوقِعَ بها مَحذُورًا، فَقَطَعَت [٧٩/٢ظ] مَا هَيَ عَلَيه(٥)، فَأَعلَمَه النبيُّ وَّهِ بِأنَّ الشَّيطَانَ يَخَافُ منه، وإن (١) سيأتي تفسيرها في كتاب: ((الجنايات والقصاص)). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٤٨/٩)، وعبد الرزاق (١٧٣٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٣/٨). بدون ذكر لفظ: ((نذر)). (٣) في (ك٢): ((ولا تغني)). (٥) في (ك٢، ح): ((فیه)). (٤) في (م): ((ویوفی)). = ٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ لَم يَكُن لِلشَّيطَانِ نَصِيبٌ فيمَا كَانَت فيه هَذِهِ المَرأةُ، لَكِنَّ الشَّيءَ بِالشَّيءِ يُذكَرُ، فَشَبَّهَ النبيُّ نَّهِ حَالَتَها في انكِفَافِها عَمَّا كَانَت فيه بِحَالَةِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَخَافُ من عُمَرَ ويَهرُبُ عِندَ حُضُورِهِ. الثَّاني: أنَّ الشَّيطَانَ لَم يَكُن(١) عِندَه هَذِهِ الدَّقِيقَةُ، وهيَ أنَّ مِثلَ هَذَا اللهوِ يَصِيرُ حَسَنَا بِالقَصدِ الجَمِيلِ (٢)، أو لَم يَعرِف حُصُولَ هَذَا القَصدِ، فَلَمَّا حَضَرَ عُمَرُ هَرَبَ هو، لِظَنِّه أنَّ هَذَا اللهو، وإن كَانَ الأمرُ بِخِلَافِهِ. وكَم يَقُوتُ العَارِفِينَ من الدَّقَائِقِ فَضلًا عن الشَّيَاطِينِ. والله أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: ذَكَرَ ابنُ طَاهِرٍ (٣) في ((المُبهَمَاتِ)): أنَّ هَذِهِ المَرأةَ اسمُها: ((سُدَيسَةُ مَولَاةُ حَفْصَةَ))، وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٥٨/٦م) في ((الاستيعَابِ)) (٤): ((سُدَيسَةُ الأنصَارِيَّةُ))، وذَكَرَ أنَّها رَوت عن النبيِّ وَّهِ: ((مَا رَأَى الشَّيطَانُ عُمَرَ إلَّا خَرَّ لوجهه)). وقال: رَوى عنها سَالِمٌ، تُعَدُّ في أهلِ المَدِينَةِ. وقال أبو بَكرِ ابنُ فَتَحُونٍ في (نَقْدِهِ عَلى الاستيعَابِ))(٥): ضَبطُه بِفَتحِ السِّينِ، ورَأيته بِخَطّ ابنِ مُفَرِّجٍ (٦) بِضَمِّ السِّينِ عَلى التَّصغِيرِ. ثم ذَكَرَ ابنُ فَتحُونٍ: أنَّه اختُلِفَ في حَدِيثِها (٧)، فَرُوِيَ عنها عن النبيِّ وَّهِ، وعنها عن حَفْصَةَ، عنه. والله أعلمُ. (١) في (ح): ((تكن)). (٢) في (ح): ((والجميل)). (٣) في الأصل: ((بطال)). (٤) الاستيعاب (٤ /١٨٦٠). (٥) ينظر: الإصابة (٣٠٠/١٢). (٦) في الأصل، والإصابة: ((بن مفرح)). (٧) في الأصل: ((حدیثه)). كِتَابُ البُيُّوعِ ٣٧ كِتَابُ (١) البُيُوعِ الحديثُ الأولُ عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رَسُولَ الله ◌ِّهِ نَھَى عن بَيْعِ حَبَلٍ(٢) الحَبَلَةِ، وكَانَ بِّيِعًا يَبْتَاعُه أهلُ الجَاهِلِيَّةِ؛ كَانَ الرَّجُلُ يَبَتَاعُ الجَزُوَرَ إلى أن تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ (٣ تُنتَجُ الَّتي(٣) في بَطنِها». فيه فوائد: ■ الأُولى: أخرَجَه البُخَارِيُّ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٤) من رِوايَةٍ مَالِكِ. وأخرَجَه الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد(٥) من رِوايَةٍ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ. وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(٦) من رِوايَةِ الليثِ بنِ سَعدٍ. وأخرَجَه الترمذيُّ، والنسائيُّ(٧) من رِوايَةِ أيُّوبَ السَّختياني [كلهم عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه النسائي، وابن ماجه(٨) من رواية أيوب السختياني](٩)، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عُمَرَ. ( الثّانيةُ: ((حَبَلِ الحَبَلَةِ)) بِفَتحِ الحَاءِ والبَاءِ فيهمَا. قال (١) في الأصل: ((باب)). (٢) في الأصل: ((حبلة)). (٣ - ٣) في الأصل: (ينتج الذي)). (٤) البخاري (٢١٤٣)، وأبو داود (٣٣٨٠)، والنسائي (٤٦٣٩). (٥) البخاري (٣٨٤٣)، ومسلم (٥/١٥١٤)، وأبو داود (٣٣٨١). (٦) مسلم (٥/١٥١٤)، النسائي (٤٦٣٨). الترمذي (١٢٢٩)، والنسائي في الكبرى (٦٢١٩). (٧) (٨) النسائي (٤٦٣٧)، وابن ماجه (٢١٩٧). (٩) ما بين المعكوفين من (ك٢). = ٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ القَاضِي عِيَاضٌ (١): و(٢) رَواه بَعضُهم بِإِسكَانِ البَاءِ في الأولِ، وهو قَولُه: ((حَبلٍ))، وهو غَلَظٌ. والصَّوابُ الفَتحُ. قال أهلُ اللغَةِ: الحَبَلَةُ هنَا جَمِعُ حَابِلٍ؛ (٥٩/٦م) كَظَالِمٍ وظَلَمَةٍ، وفَاجِرٍ وفَجَرَةٍ، وكَاتِبٍ وكَتَبَةٍ. قال الأخفَشُ: يُقَالُ: حَبِلَت المَرأةُ، فَهِيَ حَابِلٌ، والجَمِعُ نِسوةٌ حَبَلَةٌ. قال أبو عُبَيدٍ: وإنَّمَا دَخَلَت عَلَيهِ الثَّاءُ لِلإِشعَارِ بِالأُنُوثَةِ فيه. وقال ابنُ الأنبَارِيِّ وغَيرُه: الهاءُ فيه لِلمُبَالَغَةِ. وجَوزَ والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): أن تَكُونَ الحَبَلَةُ جَمعَ حَابِلَةٍ، فَإِنَّ صَاحِبَ ((المُحكَم)(٣) حَكَى أَنَّه يُقَالُ نَادِرًا: امرأةٌ حَابِلَةٌ من نِسوةٍ حَبَلَةٍ. قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٤): واتَّفَقَ أهلُ اللغَةِ عَلى أنَّ الحَبَلَ مُختَصُّ بِالْآَدَمِيَّاتِ، ويُقَالُ في غَيرِهَنَّ: الَّحَملُ، يُقَالُ: حَمَلَتِ المَرأةُ ولَدًا، وحَبِلَت بِولَدٍ، وحَمَلَت الشَّاةُ سَخلَةً، ولَا يُقَالُ: حَبِلَت. قال أبو عُبَيدٍ: لَا يُقَالُ لِشَيءٍ من الحَيَوانِ حُبلى(٥)، إلَّا مَا جَاءَ في هَذَا الحدیث. انتَھی. وفيمَا حَكَاه من الاِتِّفَاقِ نَظَرٌ، فَقَد جَعَلَ صَاحِبُ ((المُحكَم) (٦) هَذَا قَولًا، وحَکَی معه غَیرَه. فقال: وقَد اختُلِفَ في هَذِهِ الصِّفَةِ: أعَامَّةٌ لِلإِنَاثِ، أم خَاصَّةٌ لِبَعضِها(٧)، فَقِيلَ: لَا يُقَالُ لِشَيءٍ من الحَيَوانِ حُبلى إلَّا في هَذَا الحديثِ. وقِيلَ: كُلُّ ذَاتٍ ظُفْرٍ حُبلى. قال: أو ذِيخَةٍ (٨) حُبلى مُجِحَّ(٩) مُقرِبٍ الثَّالِثَةُ: فُسِّرَ في الحديثِ البَيعُ المَنهيُّ عنه بِأن يَبِيعَ شَيْئًا إلى أن تُنْتِجَ النَّاقَةُ، إكمال المعلم (١٣٣/٥). (١) (٣) المحكم (٣٦٠/٣). (٢) ليس في: (ك٢). (٤) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٥٧). (٥) في الأصل، (ك٢، ح): ((حبل)). والمثبت الصواب. (٦) المحكم (٣٦٠/٣). (٧) في (م): ((لبعضهن)). (٨) في الأصل، (٢٥): ((ذبحه)). وفي (م): ((ديحة)). والمثبت من كتب اللغة. (٩) في (م): ((محج)). كِتَّابُ البُيُوعِ ٣٩ ثم تُنتِجُ الَّتي في بَطْنِها، هَكَذَا في رِوايَةِ مَالِكِ، وفي رِوايَةٍ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ عِندَ الشَّيخَينِ: ((كَانَ الجَاهِلِيَّةُ يَتَبَايَعُونَ لَحمَ الجَزُورِ إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ؛ وحَبَلُ الحَبَلَةِ أن تُنتَجَّ النَّاقَةُ، ثم تَحمِلُ الَّتِي نُتِجَت، فَنَهاهم رَسُولُ اللهِ وَّر عن ذلك)). فَاعْتُبِرَ(١) في هَذِهِ الرِّوايَةِ حَملُ الثَّانيةِ دُونَ نِتَاجِها، وهو الَّذِي ذَكَرَه الشَّيخُ أبو إسحاقَ الشِّيرَازِيُّ في ((الثَّنبِيه))(٢)، فقال: وهو أن يَبِيعَ بِثَمَنٍ إلى أن تَحمِلَ هَذِهِ النَّاقَةُ، وَتَلِدَ ويَحْمِلَ(٣) ولَدُها. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): قَد جَاءَ تَفْسِيرُ هَذَا [٨٠/٢و] الحديثِ كَمَا تَرَى في سِيَاقَتِهِ، وإن لَم يَكُن تَفسِيرُه مَرفُوعًا، فَهَذَا من قَولِ ابنِ عَمرٍ، وحَسبُك به(٥). انتَھَی. وبهذَا التَّفسِيرِ أخَذَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ، وهو مَحكِيٍّ عن سَعِيدٍ بِنِ المُسَيِّبِ، فَهَذَا أَحَدُ الأقوالِ في تَفسِيرِه، وهو أصَخُّها، لِمُوافَقَةِ الحديثِ. القَولُ الثَّاني: أنَّه بَيعُ نِتَاجٍ (٦) النِّتَاجِ، وهو الَّذِي فَسَّرَه به (٧) أبو عُبَيدَةً مَعمَرُ بنُ المُثَنَى، وأبو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلّامِ، وابنُ عُلَيَّةَ، وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وإسحَاقُ بنُ رَاهويه، وابنُ حَبِيبٍ من المَالِكِيَّةِ، والترمذيُّ في ((جَامِعِه))، وأبو بَکرِ ابنُ الأنبَارِيِّ، والجَوهَرِيُّ في ((الصِّحَاحِ)) (٨)، وقال النَّورِيُّ في (شَرحِ مسلم))(٩): وهَذَا أَقَرَبُ إلى اللغَةِ، لَكِنَّ الرَّاوِيَ هو ابنُ عُمَرَ ﴿ه، وقَد فَسَّرَه بِالتَّفْسِيرِ الَّأولِ، وهو أعرَفُ. ومَذهَبُ الشَّافِعِيِّ ومُحَقِّقِي الأُصُولِيِّينَ (٦٠/٦م): أنَّ تَفسِيرَ الرَّاوِي مُقَدَّمٌ (١٠) إِذَا لَم يُخَالِفِ الظَّاهرَ. انتَهَى. القَولُ الثَّالِثُ: أَنَّه بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ الأَنعَامِ. صَدَّرَ بِه صَاحِبُ ((المُحكَمِ))(١١) كَلَامَه، فقال: هو أن يُبَاعَ مَا في بَطنِ النَّاقَةِ. قَال والِدِي تَخُْ في (١) في الأصل: ((واعتبر)). (٣) في الأصل، (ح): ((وتحمل)). (٥) ليس في: (ك٢). (٧) ليس في: (ح). (٩) شرح صحيح مسلم (١٥٨/١٠). (١١) المحكم (٣٦٠/٣). (٢) التنبيه (ص٨٩). (٤) التمهيد (٣١٣/١٣). (٦) من هنا تبدأ النسخة (ش). (٨) الصحاح (١٦٦٥/٤). (١٠) ليست في (٢٥). = 5 ٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ (شَرحِ الترمذيِّ)): وهَذَا ضَعِيفٌ، إنَّمَا هَذَا (١) بَيعُ المَضَامِينِ، كَمَا فَسَّرَه به سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وفَرَّقَ بَينَه وبَينَ حَبَلِ الحَبَلَةِ، كَمَا رَواه مَالِكٌ في ((المُوطَّ)(٢) عن ابنِ شِهابٍ، عن سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ أنَّه قال: ((لَا رِبَا في الحَيَوانِ، وإِنَّمَا نُهِيَ من (٣) الحَيَوانِ عن ثَلَاثٍ: عن المَضَامِينِ، والمَلَاقِيحِ، وحَبَلِ الحَبَلَةِ. فَالمَضَامِينُ: مَا في بُطُونِ إِنَاثِ الإِلِ، والمَلَاقِيحُ: مَا في ظُهورِ الجِمَالِ، وحَبَلُ الحَبَلَةِ: بَيعٌ كَانَ أهلُ(٤) الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَه(٥)، كَانَ الرَّجُلُ منهم (٦) يَبَتَاعُ الجَزُورَ إلى أن تُنْتَجَّ النَّاقَةُ، ثم يُنْتَجُ الَّذِي(٧) في بَطِنِها)). قُلتُ: المَشهورُ في المَلَاقِيحِ والمَضَامِينِ عَكسُ مَا فَسَّرَه به سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، فَالمَلَاقِيحُ مَا فِي الْبُطُونِ، والمَضَامِينُ مَا في الظُهورِ. القَولُ الرَّابِعُ: أنَّ الحَبَلَةَ هِنَا شَجَرُ (٨) العِنَبِ، وأنَّ المُرَادَ به بَيْعُ العِنَبِ [قَبلَ (٩)أن يَبْدُو٩) صَلَاحَه، حَكَاه صَاحِبُ ((المُحكَم)) (١٠) أيضًا، فقال: وقِيلَ: مَعنَى حَبَلِ الحَبَلَةِ: حَملُ الكَرمَةِ قَبلَ أن تَبلُغَ](١١)، وجَعَلَ حَمَلَها قَبلَ أن تَبلُغَ حَبلًا، وهَذَا كَمَا نَهَى عن بَيْعٍ تَمرِ النَّخلِ قَبلَ أن يُزْهَى(١٢). انتَهَى. وهَذَانِ القَولَانِ الأخِيرَانِ غَرِيبَانِ. ■ الرَّابِعَةُ: [(١٣) البَيعُ المَذْكُورُ بِالتَّفَاسِيرِ الثَّلَاثَةِ الأُولى مُتَّفَقٌّ عَلى بُطلَانِهِ: أمَّا الأولُ: فَلأَنَّهِ بَيْعٌ بِثَمَنٍ إلى أَجَلٍ مَجهولٍ، والأجَلُ يَأْخُذُ قِسطًا من الثَّمَنِ. وأمَّا الثّاني: فَلِأِنَّه بَيْعٌ مَعدُومٌ ومَجهولٌ، وَغَيرُ مَمِلُوكٍ لِلبَائِعِ، وغَيرُ مَقدُورٍ عَلی تَسلِیمِه. (١) في الأصل: ((هو). (٣) في الأصل: ((عن)). (٥) في الأصل، (ش): ((يبتاعونه)). (٧) في (ش): ((التي)). (٩ - ٩) في الأصل: ((بدو)). (١١) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). (١٣) هنا بداية النسخة (ش). (٢) الموطأ (٦٥٤/٢). (٤) ليست في الأصل. (٦) ليست في (ش). (٨) في (م، ش): ((شجرة). (١٠) المحكم (٣٦٠/٣). (١٢) في (ح): ((تزهي)).