النص المفهرس
صفحات 1-20
يُحَقَّقُ لأَوَلِ مَرَّةٍ عَلَى سِتِ سَخٍ خَطِيَّةٍ طُرْجُ اللَّهِ في ،٧٧) د شَرح التَّقِرِين تَأليفُ الحَافِظِ أبِيُ الفَضْلِ زَيْنِ الدِّيْنِ عَبْدِالرَّحِيْدِ يْنِالحُسَيْنِ العِرَافِيْ ٨٠٦ هـ وَتَتِيمُ وَلَدِهِ لْلِحَافِظِ أبِيْ زُرْعَةٍ وَلِيِّالدِّيْنِ أَحْمَدَ أَبْنِ العِراقِيّ ٨٢٦ هـ تَحَقِيْق مُحَمَّد سَيِّدُبْن عَبْد الفَتَّاحِ دَرْوِيْشٌ الجزءُ الخَامِسُ دارابن الجوزي بشـ 3 07 طَرْحُ النَّشْرِ في ٧٧،٥ ◌َشَرَحُ النَّقِرُ ٥ جَميع الحقُّوُ سَخِفْوَةَ لِالر ابن الجوزيٌ الطّبْعَة الأولى ١٤٣٨هـ حقوق الطبع محفوظة ١٤٣٨هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. رابر للنشر والتوزيع دارابن الجوزي لِلِنَّشرٌّ والتّوزيْع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٥٧ الرمز البريدي: ٣٢٢٥٣ - الرقم الإضافي : ٨٤٠٦ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ جوّال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٨١٤٥١٩ - بيروت هاتف: ٨٦٩٦٠٠ /٠٣ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٣٨٨ تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com بَابُ النَّذِ ٥ بَابُ النَّذرِ الحديثُ الأولُ جَ عن هَمَّام، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((لَا يَأتي ابنَ آدَمَ النَّذرُ [٢/ ٣/أو] بِشَيءٍ لَم (٢٣٦/٦) أكُن قَدْ قَدَّرتُه لَه، ولَكِن يُلفيه(١) النَّذرُ قَد قَدَّرتُه لَه، يُستَخرَجُ به من البَخِيلِ(٢)، يُؤتيني عَلَیه مَا لَم يَكُن آتاني من قَبلُ». فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَه البُخَارِيُّ (٣) من رِوايَة عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ، عن مَعمَرٍ عن هَمَّام. وأخرَجَه أيضًا، من رِوايَةٍ شُعَيبٍ بنِ أبِي حَمزَةَ(٤). وأخرَجَه النسائيُّ(٥) من رِوايَةِ سُفَيَانَ بنِ عُيَينَةَ. وابنُ مَاجَه(٦) من رِوايَةٍ سُفَيَانَ الثَّورِيِّ. ثَلَاثَتُهم عن أبِي الزَّنَادِ. وأخرَجَه مسلمٌ(٧) من رِوايَةِ عَمرِو بنِ أبِي عَمرٍو. كِلَاهِمَا، عن الأعرج، عن أبِي هرَيْرَةَ. وأخرَجَه مسلمٌ أيضًا، والترمذيُّ، والنسائيُّ (٨)، من رِوايَةِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيه، عن أبِي هَرَيْرَةَ بِلَفِظِ: ((لَا تَنذِرُوا؛ فَإِنَّ النَّذرَ لَا يُغني من القَدَرِ شَيْئًا، وإنَّمَا يُستَخرَجُ به من البَخِيلِ)). (١) في (ح): (یکفیه)). البخاري (٦٦٠٩). (٣) (٢) في (ح): ((النخيل)). (٤) البخاري (٦٦٩٤). (٥) النسائي (٣٨١٣). (٦) ابن ماجه (٢١٢٣). مسلم (١٦٤٠/ ٧). (٧) (٨) مسلم (٥/١٦٤٠)، والترمذي (١٥٣٨)، والنسائي (٣٨١٤). = ٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال الترمذيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوى ابنُ أَبِي شَيْبَةَ في ((مُصَنَّفِه)) (١) من طَرِيقِ أبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عن أبِي هَرَيْرَةَ مَرفُوعًا: ((إِيَّاكُم والنَّذرَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُنعِمُ نِعمَةً عَلى الرَّشَا، وإِنَّمَا هو شَيءٌ يُستَخرَجُ به من البَخِيلِ))(٢). ■ الثّانيةُ: النَّذرُ، بِفَتح النُّونِ، وإسكَانِ الذَّالِ المُعجَمَةِ، وحَكَى القَاضِي في ((المَشَارِق)(٣) ضَمَّ النُّونِ أيضًا. وهو غَرِيبٌ، إن لَم يَكُن من خَلَلِ النُّسْخَةِ، قال: وهو مَا يَنذِرُهُ(٤) الإنسَانُ عَلى نَفسِه؛ أي: يُوجِبُه ويُلزِمُه من طَاعَةٍ لِسَبَبٍ يُوجِبُه، لَا تَبَرُّعًا. وقال في ((النِّهايَةِ))(٥): يُقَالُ: نَذَرتُ، أنذِرُ، وأنذُرُ نَذرًا، إذَا أوجَبتَ عَلى نَفسِك تَبَرُّعًا من عِبَادَةٍ أو صَدَقَّةٍ أو غَيرِ ذلك. انتَهَى. وذَكَرَ بَعضُهم: أنَّ النَّذرَ لُغَةً: الوعدُ بِخَيرٍ [أو شَرِّ، وشَرعًا الوعدُ بِخَيرٍ] (٦)؛ وقال الرَّافِعِيُّ من أصحَابِنَا: لَا يَخْفَى أنَّ النَّذْرَ التِزَامُ شَيءٍ وأَنَّه قَد يَصِحُ، وقَد لَا يَصِحُ. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((لَا يَأْتِي ابنَ آدَمَ النَّذرُ)). بِنَصبِ ابنِ آدَمَ عَلى أنَّه مَفْعُولٌ، ورَفع النَّذرِ عَلى أَنَّ فَاعِلٌ. ومَعنَاهِ: أنَّ النَّرَ لَا يَأتي بِشَيءٍ غَيرٍ مُقَدَّرٍ، فَإِنَّه لَا يَقَعُ إلَّا مَا قُدِّرَ، فَلَا يَظُنَنَّ(٧) النَّاذِرُ الَّذِي يُعَلِّقُ طَاعَةً عَلى حُصُولٍ غَرَضٍ لَه؛ كَقَولِه: إن شَفَى الله (٦/ ٣٧م) مَرِيضَي(٨) فَلِلَّه عَلَيَّ كَذَا وكَذَا، أَنَّ النَّذرَ هو الَّذِي حَصَّلَ شِفَاءَ مَرِيضِه، بَل إن قُدِّرَ الشِّفَاءُ فَلا بُدَّ من حُصُولِهِ، سَواءٌ نَذَرَ أُم لَم يَنذِر، وإن لَم يُقَدَّر فَلَا يَحصُلُ، نَذَرَ أم لَم يَنذِر. وهو إشَارَةٌ إلى عَدَمٍ جَدوى النَّذْرِ، والقَصدُ منه: دَفعُ (٩) توهمِ جَاهلٍ يَظُنُّ خِلَافَ ذلك. وقَولُه: ((ولَكِن يُلفيه(١٠) النَّذرُ قَد قَدَّرَتُه لَه)). كَذَا ضَبَطنَاه عن شَيخِنَا والِدِي ◌َّتُهُ وغَيرِهِ بِالفَاءِ، من: ألفَاه، بِمَعنَى: وجَدَه ولَقِيَه، وهو تَأْكِيدٌ لِمَا قَدَّمَه (١) ابن أبي شيبة (٤٣٨/٣). مشارق الأنوار (٨/٢). (٣) النهاية في غريب الأثر (٣٩/٥). (٥) (٧) في (م): ((يظن)). (٩) في الأصل: ((رفع)). (٢) في (ح): ((النحيل)). (٤) في (م)، والأصل: ((ينذر)). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٨) في (م): ((مريضتي)). (١٠) في (ح): ((یکفیه)). = ٧ بَابُ النَّذِ من أنَّ النَّذرَ لَا يَأتي بِغَيرِ المُقَدَّرِ، فَأَّدَه بِأَنَّ النَّذرَ يَجِدُ ذلك الأمرَ مُقَدَّرًا، فَيَقَعُ عَلى وفقِ التَّقدِيرِ، لَا لِأَجلِ النَّذرِ، والمُرَادُ: إِن كَانَ ذلك الأمرُ يَقَعُ، فَهو إخبَارٌ عن إحدَى الحَالَتَيْنِ، وهيَ حُصُولُ المَطلُوبِ. وضَبَطْنَاه في أصلِنَا من ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ، عن مَعمَرٍ: ((وَلَكِن يُلقِيه القَدَرُ)). بِالقَافِ في قَولِه: ((يُلقِيه))؛ والقَدَرُ، بِفَتحِ القَافِ والدَّالِ المُهمَلَةِ. ومَعنَاه: إن صَحَّ أنَّ القَدَرَ هو الَّذِي يُلقِي ذلك المَطلُوبَ ويُوجِدُه، لَا النَّذرُ، فَإِنَّه لَا مَدخَلَ لَه في ذلك، ويُوافِقُه في اللفظِ، ويَدُلُّ لِهَذَا الضَّبطِ قَولُه في رِوايَةِ البُخَارِيِّ أيضًا من طَرِيقِ أبِي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ: ((وَلَكِن يُلقِيه النَّرُ إلى القَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَه))، ومَعنَاه: أنَّ النَّرَ لَا يَصنَعُ شَيئًا، وَإِنَّمَا يُلقِيه إلى القَدَرِ، فَإِن كَانَ قَد قُدْرَ وقَعَ، وإلَّا فَلَا، وبَوّبَ البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِه)) عَلى الرِّوايَةِ الأُولى بِمَا يُوافِقُ مَا قَدَّرتُهُ(١) في مَعنَى الثَّانيةِ، فقال: ((بَابُ إلقَاءٍ العَبدِ النَّذرَ(٢) إلى القَدَرِ)). وذلك يَدُلُّ عَلى صِحَّةٍ ضَبطِ (يُلقِيه)) بِالقَافِ، ولَكِن(٣) لَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ التَّبوِيبِ لِلحديثِ، إِلَّا أن يَكُونَ بِنَصبِ القَدَرِ، فَيَكُونُ بِمَعنَى الرِّوايَةِ الأُخرَى؛ أي: ولَكِن يُلقِيه النَّذرُ القَدَرَ؛ أي: إلى القَدَرِ، فَحَذَفَ حَرفَ الجَرِّ، ونَصَبَ مَا بَعدَه عَلى طَرِيقِ التَّوسُّعِ، وهَذَا مَسمُوعٌ في ألفَاظِ مُقتَصَرٌ فيه عَلى المَسمُوعِ، ولَعَلَّ هَذَا منه، [٢/ ٧٣ظ] ولَم يَقَع هَذَا اللفظُ عِندَ مسلمٍ، ولَم أرَ مَن تَعَرَّضَ لِلِكَلَامِ عَلَيه، والعِلمُ عِندَ الله تَعَالى. وقَولُه: ((يُستَخرَجُ به من البَخِيلِ)) قال النَّوِيُّ(٤): مَعنَاه(٥): أنَّه لَا يَأتي بهذِه القُربَةِ تَطَوُّعًا مَحضًا مُبتَدِثًا، وإنَّمَا يَأتي بها في مُقَابَلَةِ شِفَاءِ المَرِيضِ وغَيرِهِ، مِمَّا يُعَلِّقُ النَّذْرَ عَلَيه. انتَهَى. وقال والِدِي تَّتُهُ في ((شَرح الترمذيُّ)): يَحتَمِلُ أن يُرَادَ هنَا النُّذُورُ المَالِيَّةُ؛ (١) في (ح): ((قررته)). (٢) في النسخ: ((باب إلقاء النذر العبد ... ))، وما في المطبوع هو الموافق لما في الصحيح. (٣) في الأصل، (ك): ((لكن)). (٤) شرح صحيح مسلم (٩٩/١١). (٥) ليس في: الأصل. = ٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ لِأَنَّ البُخلَ إِنَّمَا يُستَعمَلُ غَالِبًا في البُخلِ بِالمَالِ، ويَحتَمِلُ أن يُرَادَ بذلك العِبَادَاتُ كُلُّها، كَمَا قال في الحديثِ الثَّابِتِ: ((البَخِيلُ مَن ذُكِرت عِندَه فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ))(١)، وكَمَا قال في الحديثِ الآخَرِ: ((أبخَلُ النَّاسِ مَن بَخِلَ بِالسَّلام))(٢). (٣٨/٦°م) انتَھَی . وقَولُه: ((يُؤْتِينِي عَلَيهِ(٣) مَا لَم يَكُنْ آَتَانِي من قَبلُ))؛ مَعنَاهِ: أنَّ العَبدَ يُؤتي اللهَ تَعَالى عَلى تَحصِيلِ مَطلُوبه مَا لَم يَكُن أتَاه من قَبلِ تَحصِيلِ مَطلُوبه، فَفيه إشَارَةٌ إلى ذَمِّ ذلك، وأنَّ كَانَ يَنْبَغِي لِلعَبدِ أن يَأتي بِتِلكَ القُربَةِ، سَواءٌ حَصَلَ مَطُلُوبُه أم لَا، فَهَذِهِ هيَ العِبَادَةُ الخَالِصَةُ. والله أعلمُ. ( الرَّابِعَةُ: هَذَا الحديثُ في أصلِنَا، وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)): مَنقُولٌ (٤) عن النبيِّ بَّهِ مِن غَيرِ حِكَايَةٍ لَه عن الله تَعَالى. ولَا يَستَقِيمُ أن يَكُونَ من كَلَامِ النُّبوةِ، لِقَولِه: ((قَد قَدَّرتُه لَه))، وقَولُه: (يُؤْتيني عَلَيه))، ولِهَذَا كَانَ والِدِي ◌َُّ يَقُولُ: لَعَلَّه: ((قال الله تَعَالى)). وأمَّا رِوايَةُ مسلم وغَيرِهِ فَهِيَ واضِحَةٌ؛ لِأنَّه لَيسَ فيها إسنَادُ ضَمِيرٍ إلى الله تَعَالى. ] الخَامِسَةُ: فيه إشَارَةٌ إلى ذَمِّ النَّذرِ، وأنَّه لَا مَنفَعَةَ لَه، وأَنَّه لَا يَصدُرُ إلَّا من بِخَيلٍ لَا يُعطِي الشَّيءَ تَبَرُّعًا، وإنَّمَا يُعطِي شَيئًا في مُقَابَلَةٍ شَيءٍ. وفي ((صَحِيحِ مسلم)) وغَيرِه من طَرِيقِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ التَّصْرِيحُ بِالنَّهي عنه، لَكِن سِيَاقُه يَقتَضِّي أنَّ ذلك إِنَّمَا هو في نَذْرِ المُجَازَاةِ، وهو أن يَلْتَزِمَ قُربَةً في مُقَابَلَةِ حُدُوثِ نِعمَةٍ أو اندِفَاعِ بَلِيَّةٍ، فَإِنَّه هو الَّذِي فيه الأوصَافُ المُقْتَضِيَةُ لِلذَّمِّ المَذكُورَةُ في الحديثِ، أمَّا النَّذرُ المُلتَزَمُ ابتدَاءً من غَيرِ تَعلِيقٍ عَلى شَيءٍ؛ كَقَولِه: لِلَّه عَلَيَّ أن أُصَلِّيَ، أو أُعْتِقَ. فَلَيسَ فيه هَذَا المَعنَى، ولَا يَقتَضِي الحديثُ ذَمَّه، ولَا النَّهيَ عنه، عَلى أنَّ أصحَابَنَا يَرَونَ أنَّ الأولَ، وهو نَذرُ المُجَازَاةِ، أكَدُ من الثَّاني، فَإِنَّهم (١) أخرجه أحمد (٢٠١/١)، والنسائي في الكبرى (٨١٠٠) وابن حبان (٩٠٩)، والحاكم (١/ ٧٣٤) عن الحسين بن علي. (٢) أخرجه أبو يعلى (٦٦٤٩م)، وابن حبان (٤٤٩٨)، والطبراني في الأوسط (٥٥٩١). (٣) ليس في: الأصل. (٤) في: (ك٢، ح): ((منقولًا)). = ٩ بَابُ النَّذِ يَجْزِمُونَ بِصِحَّةِ الأولِ ولُزُومِ الوفَاءِ به عِندَ وُجُودِ المُعَلَّقِ عَلَيه، ولَهم في لُزُومِ الوفَاءِ بِالثَّاني خِلَافٌ، وإن كَانَ الأصَحُّ عِندَهم لُزُومُ الوفَاءِ به أيضًا(١). وقَد يُقَالُ: إِنَّ هَذَا القِسمَ الثَّاني دَاخِلٌ في قَولِه في الحديثِ: ((يُستَخرَجُ به من البَخِيلِ))، وتَقدِيرُه (٢): أنَّ البَخِيلَ لَا يَأْتِي بِالطَّاعَةِ إِلَّ إذَا اَنَّصَفَت بِالوُجُوبِ، فَيَكُونُ النَّذرُ هو الَّذِي أوجَبَ لَه فِعلَ الطَّاعَةِ، لِتَعَلُّقِ الوُجُوبِ به، ولَو لَم يَتَعَلَّق به الوُجُوبُ لَم يَأتِ به، فَيَكُونُ النَّذرُ المُطلَقُ مِمَّا يُستَخِرَجُ به من البَخِيلِ، وقَد أَشَارَ إلى مَا ذَكَرتُه أولًا وآخِرًا الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ القُشَيِرِيُّ في ((شَرحِ العُمْدَةِ»(٣). [وقال الخَطَّابِيُّ قَولُه: (وإنَّمَا يُستَخرَجُ به من البَخِيلِ))، دَلِيلٌ عَلى وُجُوبٍ الوفَاءِ بِالنَّذْرِ] (٤). السَّادِسَةُ: ذَكَرَ النَّووِيُّ في ((الرَّوضَةِ)(٥) حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهَِّهُ نَهَى عن النَّذْرِ (٦))(٧). ولَم يَذكُر لِأصحَابِنَا مَنقُولًا يُوافِقُه، وهو يَقْتَضِي أنَّه لَم يَقِف في ذلك عَلى نَقلٍ. وجَزَمَ في ((شَرِحِ المُهَذَّبِ)) (٨) بِكَرَاهَةٍ النَّذرِ. واستَدَلَّ لَه بِالحديثِ، ثم حَكَى عن الترمذيِّ(٩) أنَّه قال: والعَمَلُ عَلى هَذَا عِندَ بَعضِ أهلِ العِلمِ من أصحَابِ النبيِّ وَّهِ وَغَيرِهم، كَرِهوا النَّذْرَ. وقال عَبدُ الله بنُ المُبَارَكِ: مَعنَى الكَرَاهَةِ في النَّذرِ في الطَّاعَةِ والمَعصِيَةِ، وإن نَذَرَ الرَّجُلُ الطَّاعَةَ(١٠) فَوقَّى به، فَلَه فيه أجرٌ، ويُكرَه لَه النَّذرُ. انتَهَى. فَلَم يَنْقُل في ذلك كَلَامًا عن أصحَابِنَا، وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ) (١١): أنَّ الشَّافِعِيَّ رَوى في ((سُنَّنِ حَرَمَلَةَ)، عن سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبِي هَرَيرَةً حَدِيثَ [٢/ ٧٤و] النَّهي عنه. (١) ينظر: المجموع (٤٤٥/٨). (٣) إحكام الأحكام (ص ٦٧٠). (٥) الروضة (٥٩٦/٢). (٧) أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (٤/١٦٣٩)، وأبو داود (٣٢٨٧). (٨) المجموع (٤٣٤/٨). (١٠) في: (ك٢): ((بالطاعة)). (٢) في (ح، ك٢): ((وتقريره). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢). (٦) في (ك٢): ((النذور)). (٩) الترمذي (٤/ ١١٢). (١١) معرفة السنن والآثار (٣٤١/٧). ١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلتُ: وقَد قَرَّرَ الشَّافِعِيُّ أنَّ كُلَّ مَا رَواه، وعَلِمَه من الحديثِ فَهو مَذْهَبُه وقَائِلٌ به. وقَد نَقَلَ الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ السِّنجِيُّ (١): أنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلى كَرَاهَةٍ الَّذرِ، حَكَاه ابنُ أبِي الدَّم في ((شَرحِ الوسِيطِ)). وجَزَمَ به من المَالِكِيَّةِ القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٢)، وابنُ الحَاجِبِ في ((مُختَصَرِه))، وقال به ابنُ حَزمٍ الظّاهِرِيُّ(٣). وفي (مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ)) (٤) عن أبِي هرَيرَةَ: (لَا أنذِرُ نَذْرًاً أبدًا)). واختَارَ ابنُ أبِي الدَّم أنَّه لَيسَ بِمَكرُوهٍ، ولَكِنَّه خِلَافُ الأولى. وفيه نَظَرٌ، فَإِنَّ هَذَا قَد ورَدَ فيه نَهِيٌّ مَخصُوصٌ، ومَن يُفَرِّقُ بَيْنَ المَكْرُوه وخِلَافِ الأولى يَقُولُ: إِنَّ المَكْرُوهَ مَا فيه نَهِيٌّ خَاصٌّ، وخِلَافُ الأولى مَا لَيسَ فيه نَهِيٌّ خَاصٌّ، وإنَّمَا أُخِذَ من عُمُومٍ، فَهَذَا قَولٌ ثَانٍ. وفي المَسأَلَةِ قَولٌ ثَالِثٌ: وهو أنَّ النَّذرَ مُستَحَبٌّ، جَزَمَ بِه المُتَولِّي، والغَزّالِيُّ، والرَّافِعِيُّ (٥)، فَقَالُوا: إنَّه قُربَةٌ. وكَذَا قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٦) حِينَ ذَكَرَ أنَّ الأَصَحَّ أنَّ التَّلَفّظَ بِالنَّذرِ عَامِدًا في الصَّلَاةِ لَا يُبطِلُها، قال: لِأَنَّه مُنَاجَاةٌ لِلَّه تَعَالى، فَأَشَبَهَ الدُّعَاءَ. وفيه قَولٌ رَابِعٌ: وهو الفَرقُ بَينَ نَذرِ المُجَازَاةِ، فَلَا يُستَحَبُّ، والنَّذرُ المُبْتَدَأُ، فَيُسْتَحَبُّ، جَزَمَ به ابنُ الرِّفْعَةِ في ((المَطَلَبِ))، في الوكَالَةِ، قال: أمَّا كَونُه قُربَةً، فَلَا شَكَّ فيه، إذَا لَم يَكُن مُعَلَّقًا، فَإِن كَانَ مُعَلَّقًا، فَلَا نَقُولُ: إنَّه قُربَةٌ، بَل قَد يُقَالُ بِالكَرَاهَةِ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٧): وفي كَرَاهَةِ النَّذْرِ إشكَالٌ عَلَى القَواعِدِ؛ فَإِنَّ القَاعِدَةَ تَقْتَضِي أنَّ وسِيلَةَ الطَّاعَةِ طَاعَةٌ ووسِيلَةَ المَعْصِيَةِ (١) الحسين بن شعيب بن محمد، أبو علي السِنْجي، بكسر السين المهملة، بعدها نون ساكنة، ثم جيم، وهي من أكبر قرى مرو، فقيه العصر، وعالم خراسان، أول من جمع بين طريقتي العراقيين والخراسانيين، له مصنفات في المذهب، توفي سنة (٤٣٠هـ). طبقات الشافعية الكبرى (٣٤٤/٤). (٢) عارضة الأحوذي (٩/٧). (٤) ابن أبي شيبة (٤٣٨/٣). المجموع (١٦/٤). (٦) (٣) المحلى (٢/٨). (٥) الوسيط (٢٦٥/٧). (٧) إحكام الأحكام (ص ٦٧٠). = ١١ بَابُ النَّذِ مَعصِيَةٌ، ويَعظُمُ قُبِحُ الوسِيلَةِ بِحَسَبٍ عِظَمِ المَفسَدَةِ، وكَذلك تَعظُمُ(١) فَضِيلَةُ الوسِيلَةِ بِحَسَبٍ عِظَمِ المَصلَحَةِ، ولَمَّا كَانَ وَسِيلَةً إلى التِزَامِ قُربَةٍ لَزِمَ عَلى هَذَا أن يَكُونَ قُربَةً إِلَّا أنَّ ظَاهرَ إطلَاقِ الحديثِ دَلَّ عَلى خِلَافِه، واتِّبَاعُ المَنصُوصِ أولى. انتَھَی. [وقال الخَطَّابِيُّ(٢): هَذَا بَابٌ غَرِيبٌ من العِلم، وهو أن يُنهَى عن الشَّيءِ أن يُفْعَلَ حَتَّى إِذَا فُعِلَ وقَعَ واجِبًا)(٣). (٤٠/٦م) ■ السَّابِعَةُ: أجَابَ القَائِلُونَ بِاسْتِحِبَابِ النَّذْرِ عن هَذَا الحديثِ بِأجوِبَةِ : أحَدُها: مَا قاله ابنُ الأثِيرِ في ((النِّهايَةِ))(٤): أنَّ النَّهيَ عنه تَأْكِيدٌ لِأمرِهِ، وتَحذِيرٌ عن التَّهاوُنِ به بَعدَ إيجابه. قال: ولَو كَانَ مَعنَاه الزَّجرَ عنه حَتَّى لَا يُفعَلَ، لَكَانَ في ذلك إبطَالُ حُكمِهِ، وإسقَاطُ لُزُومِ الوفَاءِ به، إذ كَانَ بِالنَّهِيِ يَصِيرُ مَعْصِيَةٌ، فَلَا يَلِزَمُ. قال: وإنَّمَا وجه الحديثِ أنَّه قَد(٥) أعلَمَهم أنَّ ذلك أمرٌ لَا يَجُرُّ لَهم في العَاجِلِ نَفْعًا، ولَا يَصرِفُ عنهم ضَرَّا، ولَا يَرُدُّ قَضَاءً، فقال: لَا تَنذِرُوا عَلى أنَّكُم تُدرِكُونَ بِالنَّذرِ شَيئًا لَم يُقَدِّره الله، أو تَصرِفُونَ به عنكُم مَا جَرَى به القَضَاءُ عَلَيْكُم، فَإِذَا نَذَرْتُم ولَم تَعتَقِدُوا هَذَا، فَاخرُجُوا عنه بِالوفَاءِ، فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوه لازِمٌ لَكُم. ثَانيها: مَا أَجَابَ به المَازَرِيُّ(٦)، فقال: يَحتَمِلُ أن يَكُونَ سَبَبُ النَّهي عن النَّذْرِ كَونَ النَّاذِرِ يَصِيرُ مُلتَزِمًا به، (٧ فَيَأتي به٧) تَكَلُّفَا بِغَيرِ نَشَاطِ. قال: ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَبَبُهُ كَونَه يَأْتِي بِالقُربَةِ الَّتي التَزَمَها في نَذرِهِ عَلى صُورَةِ المُعَاوِضَةِ لِلأمرِ الَّذِي طَلَبَه، فَيَنْقُصُ أجرُه، وشَأنُ العِبَادَةِ أَن تَكُونَ مُتَمَحِّضَةً لِلَّه تَعَالى. (١) غير واضحة في الأصل، و(ك٢)، وفي (ح): ((ومعظم)). (٢) أعلام الحديث (٤/ ٢٢٧). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (٢٥). (٤) النهاية في غريب الأثر (٣٩/٥). (٥) في (ك٢): ((قال)). (٦) المعلم (٢/ ٧٥). (٧ - ٧) ليست في (٢٥). ١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ثَالِثُها: قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): يَحتَمِلُ أنَّ النَّهِيَ لِكَونِهِ قَد يَظُنُّ بَعضُ الجَهَلَةِ أنَّ النَّذرَ يَرُدُّ القَدَرَ، ويَمنَعُ من حُصُولِ المُقَدَّرِ، فَنَهَى عنه خَوفًا من جَاهلٍ يَعتَقِدُ ذلك. قال: وسِيَاقُ الحديثِ يُؤَيِّدُ هَذَا. رَابِعُها: أنَّ النَّهِيَ مَحمُولٌ عَلى مَن عُلِمَ من حَالِهِ عَدَمُ القِيَامِ بِمَا التَّزَمَه، جَمعًا بَينَ الأدِلَّةِ، فَإنَّ قَوله تَعَالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّنْ كَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، يَقْتَضِي اسْتِحِبَابَ النَّذْرِ. والله أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: إن قُلتَ: دَلَّ هَذَا الحديثُ عَلى أنَّ النَّذرَ لَا يَرُدُّ المُقَدَّرَ، وقَد يَكُونُ النَّذِرُ بِالصَّدَقَةِ، وقَد ورَدَ في الحديثِ: ((إنَّ الصَّدَقَةَ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ))(٢)، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «الصَّدَقَةُ [٧٤/٢ظ] تَدفَعُ(٣) مِيتَةَ السُّوءِ)). رَواه الترمذيُّ(٤) من حَدِيثِ أنَسٍ. قُلتُ: لَيسَ مَعنَى هَذَا الحديثِ أنَّ العَبدَ يُقَدَّرُ لَه مِيتَةُ السُّوءِ؛ فَتَدَفَعُها الصَّدَقَةُ، بَل الأسبَابُ مُقَدَّرَةٌ، كَمَا أنَّ المُسَبَِّاتِ (٥) مُقَدَّرَةٌ، فَمَن قُدِّرَ لَه مِيتَةُ السُّوءِ لَا تُقَدَّرُ لَه الصَّدَقَةُ، ومَن لَم تُقَدَّر لَه مِيتَةُ السُّوءِ قُدِّرَت لَه الصَّدَقَةُ. وقال والِدِي تَُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ))، في جَوابه: النَّذرُ لَيسَ تَنجِيزًا لِلصَّدَقَةِ، وإنَّمَا هو كَالوعدِ بها، ورُبَّمَا لَا يَفي بِالنَّذْرِ لِعَجزٍ أو اختِرَامِ أجلٍ، وعَلى تَقْدِيرِ الوفَاءِ به فَالصَّدَقَةُ سَبَبٌ، والأسبَابُ مُقَذَّرَةٌ أيضًا، كَمَا وَرَدَ في الحديثِ : ((أنَّهم قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أرأيتَ رُقَّى نَستَرقِي بها، (٤١/٦م) ودَوَاءَ نَتَدَاوى به، هَل تَرُدُّ من قَدَرِ الله شَيئًا؟ قال: ((هيَ من قَدَرِ الله))(٦)، فَبَيَّنَ أنَّ الأسبَابَ مُقَدَّرَةٌ كَالمُسَبَّيَاتِ. والله أعلمُ. (١) إكمال المعلم (٣٨٨/٥)، ونظر: شرح صحيح مسلم (٩٩/١١). (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦١/٨) (٨٠١٤) عن أبي أمامة، وفي الأوسط (٦٠٨٦) عن أم سلمة، والحاكم (١٢٤/١) عن أنس. (٣) في الأصل: ((ترفع)). (٥) في (ح): ((السيئات)). (٤) الترمذي (٦٦٤). (٦) أخرجه الترمذي (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤٣٧)، والحاكم (٤٠٢/٤). بَابُ النَّذِ ١٣ = الحديثُ الثَّاني وعن سَعِيدٍ، عن أبِي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ وَّرِ قال: «تُشَدُّ الرِّحَالُ إلى ثَلَاثَةٍ مَسَاجِدَ: المَسجِدِ الحَرَامِ، ومَسجِدِي، والمَسجِدِ الأقصى)). قال سُفْيَانُ: ((وَلَا تُشَدُّ إلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ»، سَواءٌ. فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(١) من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، بِلَفِظِ: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ)». وأخرَجَه مسلمٌ، وابنُ مَاجَه (٢) من رِوايَةٍ مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، لَفِظُ مسلم: ((تُشَدُّ الرَّحَالُ))، ولَفظُ ابنِ مَاجَه: ((لَا تُشَدُّ». ورَواه مسلمٌ(٣) من رِوايَةِ سَلمَانَ الأغَرِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، بِلَفِظِ: ((إِنَّمَا يُسَافَرُ إلى ثَلَاثَةٍ(٤) مَسَاجِدَ: مَسجِدِ الكَعبَةِ، ومَسجِدِي، ومَسْجِدٍ إِيلِيَاءَ)). ورَواه البَيهَقِيُّ في ((سُنَتِه)) (٥) من رِوايَةٍ مُسَدَّدٍ، وعَلِيٍّ بنِ المَدِيني، كِلَاهِمَا عن ابنِ عُيَيْنَةَ، بِلَفِظِ: (لَا تُشَدُّ). ثم قال: قال ابنُ المَدِيني: هَكَذَا حَدَّثَنَا بِه سُفَيَانُ هَذِهِ المَرَّةَ عَلى هَذَا اللفظِ، وأكثَرُ لَفِظِهِ: (تُشَدُّ الرِّحَالُ)». ] الثّانيةُ: قَولُه: (تُشَدُّ الرِّحَالُ)). بِالرَّفع لَفِظُه خَبَرٌ، [ومَعنَاه الأمرُ بِشَدِّها إلى هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. وقَولُه في الرِّوايَةِ الأُخرَى: ((لَا تُشَدُّ» هو (٤٢/٦م) خَبَرٌ](٦) أيضًا، ومَعنَاه النَّهيُ، ومَحمَلُه(٧) عِندَ جُمهورِ العُلَمَاءِ: أنَّه لَا فَضِيلَةَ في شَدِّ الرِّحَالِ إلى مَسجِدٍ (١) البخاري (١١٨٩)، ومسلم (٥١١/١٣٩٧)، وأبو داود (٢٠٣٣)، والنسائي (٦٩٩). (٢) مسلم (٥١٢/١٣٢٩٧)، وابن ماجه (١٤٠٩). (٣) مسلم (١٣٩٧ / ٥١٣). (٤) في (ك٢، ح): ((ثلاث)). (٥) السنن الكبرى (١٠/ ٨٢). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٧) في (ك٢): ((وحمله))، وفي (ح): ((ومجمله)). 5 ١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ غَيرِها، لَا أنَّ شَدَّ الرِّحَالِ إلى غَيرِها مُحَرَّمٌ ولَا مَكَرُوهٌ، ويَدُلُّ لِذلك مَا رَواه الإمَامُ أحمَدُ في ((مُسنَدِه))(١) من حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ مَرفُوعًا: ((لَا يَنبَغِي لِلمَطِيِّ أن تُشَدَّ رِحَالُهُ إلى مَسجِدٍ تُبتَغَى فيه الصَّلَاةُ، غَيرَ المَسجِدِ الحَرَامِ والمَسجِدِ الأقصَى، ومَسجِدِي هَذَا)). وفيه شَهرُ بنُ حَوشَبٍ: وثَّقَه أحمَدُ وابنُ مَعِينٍ، وتَكَلَّمَ فيه غَيرُهمَا (٢)، وذَهَبَ الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ (٣): إلى مَا اقْتَضَاه ظَاهرُه أنَّ شَدَّ الرِّحَالِ إلى غَيرِها مُحَرَّمٌ، وأشَارَ القَاضِي عِيَاضٌ(٤) إلى اختيارِهِ. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُ سُفَيَانَ بنِ عُيَينَةَ كََّقُ: ((وَلَا تُشَدُّ إلَّا إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ. سَواءٌ)). مَعنَاه: أنَّ اللفظَ الَّذِي رَواه، وهو قَولُه: ((تُشَدُّ الرِّحَالُ))، وهَذَا اللفظُ الآخَرُ الَّذِي فِيه النَّفْيُ والإثبَاتُ سَواءٌ من حَيثُ المَعنَى، فَإِنَّ الأحكَامَ الشَّرعِيَّةَ إِنَّمَا تُتَقَّى من الشَّارِعِ، وإِذَا(٥) أخبَرَ بِشَدِّ الرِّحَالِ إلى هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، ولَم يَذكُر شَدَّ الرِّحَالِ إلى غَيرِها لَم يَكُن لِشَدِّ الرِّحَالِ إلى غَيرِها فَضلٌ؛ لِأنَّ الشَّرعَ لَم يَجِئ به، وهَذَا أمرٌ لَا يَدخُلُه القِيَاسُ؛ لِأَنَّ شَرَفَ البُقعَةِ إِنَّمَا يُعرَفُ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ عَلَيهِ، وقَد ورَدَ النَّصُّ فِي هَذِهِ دُونَ غَيرِها . ■ الرَّابِعَةُ: فيه فَضِيلَةُ هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، ومَزِيَّتُها عَلى غَيرِها، وذلك لِكَونِها مَسَاجِدَ الأنبِيَاءِ عَلَيهِم الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِفَضلِ الصَّلَاةِ فيها .. ] الخَامِسَةُ: نَبَّهَ بِشَدِّ الرَّحلِ - الَّذِي لَا يُستَعمَلُ غَالِبًا إلَّا في الأسفَارِ - عَلى مَا هو أخَفُّ منه، من(٦) قَصْدِها لِمَن هو قَرِيبٌ منها، بِحَيثُ لَا يَحَاجُ في إتيَانِها إلى شَدِّ رَحلٍ، ودَلَّ ذلك عَلى أنَّ إتيَانَها قُربَةٌ مع القُربِ والبُعدِ، وعَلى كُلِّ حَالٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّه أُرِيدَ بِشَدِّ الرَّحلِ السَّفَرُ قَولُه في رِوايَةِ الأغَرِّ(٧): ((إِنَّمَا یُسَافِرُ)). [٧٥/٢و] (١) أحمد (٦٤/٣). (٢) ينظر: تهذيب الكمال (٥٧٨/١٢ - ٥٨٩). (٣) هو: أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، وينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٩/ ١٦٨). (٥) في: (ح): ((فإذا)). (٤) إكمال المعلم (٤٤٩/٤). (٦) في (م): ((و)). (٧) في (٢٥): ((الأعمش)). بَابُ النَّذِ ١٥ = ■ السَّادِسَةُ: استُدِلَّ به عَلى أنَّ مَن نَذَرَ إتيَانَ المَسجِدِ الحَرَامِ، لِحَجِّ أو عُمَرَةٍ، انعَقَدَ نَذْرُه، ولَزِمَه ذلك؛ لِأَنَّه قُربَةٌ، وشَأنُ القُرَبِ لُزُومُها بِالنَّذْرِ. ] السَّابِعَةُ: واستُدِلَّ به عَلى أَنَّ مَن نَذَرَ إتيَانَه لِلصَّلَاةِ فيه أو الاعتِكَافِ به، لَزِمَه ذلك، وهو كَذلك عِندَ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وأبِي يُوسُفَ، ودَاوُد، والجُمهورِ (١). وحَكَى الطَّحَاوِيُّ(٢) عن أبِي حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٍ: أَنَّ مَن نَذَرَ أن يُصَلِّيَ في مَكَانٍ، فَصَلى في غَيرِهِ أجزَأه، واحتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِذلك: بِأنَّ تَفضِيلَ الصَّلَاةِ في المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ إِنَّمَا هو في الفَرِيضَةِ، بِدَلِيلِ قَولِهِ نَّهِ: ((أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرِهِ فِي بَيتِهِ، إلَّا (٤٣/٦م) المَكتُوبَةَ))(٣). ويُوافِقُه مَا ذَكَرَه ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ(٤) أنَّه لَو نَذَرَ الصَّلَاةَ في أَحَدِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، لَم يَلْزَمه(٥) الصَّلَاةُ فيها إلَّا فِي الفَرضِ، فَإِن كَانَ نَذَرَ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ لَم يَلْزَمه شَيءٌ . ■ الثَّامنةُ: واستُدِلَّ به عَلى أنَّ مَن نَذَرَ إتيَانَه وأطلَقَ، لَزِمَه إتيَانُه بِحَجِّ أو عُمَرَةٍ، وهَذَا هو الصَّحِيحُ عِندَ أصحَابِنَا . ■ التَّاسِعَةُ: واستُدِلَّ به عَلى أَنَّه لَو نَذَرَ إتيَانَه بِلَا حَجِّ ولا عُمرَةٍ، انعَقَدَ نَذْرُه، ولَزِمَه إنيَانُه بِحَجِّ أو عُمرَةٍ، وَلَغَا قَولُه: بِلَا حَجّ ولا عُمرَةٍ؛ لِأنَّ هَذَا هو المَفهومُ من إتّيَانِهِ، فَيَلِغُو(٦) مَا يُخَالِفُه، وهو أحَدُ الوجهَينِ لِأصحَابِنَا، وصَحَّحَه النَّوِيُّ(٧) . ■ العَاشِرَةُ: استُدِلَّ به عَلى أنَّه لَو نَذَرَ الصَّلَاةَ بِمَسجِدٍ(٨) النبيِّ وَّ لَزِمَه ذلك وتَعَيَّنَ لِلصَّلَاةِ فيه، وهو أصَحُّ قَولَي الشَّافِعِيِّ رَُّهُ، وهو مَذهَبُ المَالِكِيَّةِ والحَنَابِلَةِ، لَكِنَّه يَخرُجُ عن نَذْرِهِ بِالصَّلَاةِ في المَسجِدِ الحَرَامِ عَلى أَصَحِّ الوجهَينِ عِندَ أصحَابِنا، وبه قال الحَنَابِلَةُ . (١) ينظر: الإشراف (١٨٠/٧)، والإفصاح (٣٩٣/٢)، وبداية المجتهد (٤٢٦/١). (٢) شرح معاني الآثار (١٢٥/٣ - ١٢٦). سبق تخريجه في الفائدة الخامسة من الحديث الأول في باب صلاة التطوع. (٣) المحلى (١٩/٨). (٤) (٦) في (م): «فليلغ)». (٨) بعده في (ح): ((المدينة لزيارة قبر)). (٥) في: (ح): ((تلزمه)). (٧) المجموع (٤٧٠/٨). ١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ به عَلى أنَّه لَو نَذَرَ إتيَانَ مَسجِدِ المَدِينَةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النبيِّ وََّ لَزِمَه ذلك؛ لِأَنَّه من جُمْلَةِ المَقَاصِدِ الَّتِي يُؤْتَى لَها ذلك المَحَلُّ، بَل هو أعظَمُها، وقَد صَرَّحَ بذلك القَاضِي ابنُ كَجِّ من أصحَابِنَا؛ فقال: عِندِي إِذَا نَذَرَ زِيَارَةَ قَبِ النِبِّ وََّ لَزِمَه الوفَاءُ وجهًا واحِدًا، ولَو نَذَرَ أن يَزُورَ قَبَرَ غَيرِهِ فَوجهانِ. ولِلشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابنِ تَيْمِيَّةَ هِنَا كَلَامُ بَشِعٌ عَجِيبٌ يَتَضَمَّنُ مَنعَ شَدِّ الرَّحلِ لِلْزِّيَارَةِ، وأنَّه لَيْسَ من القُربِ، بَل بِضِدٌّ ذلك(١). ورَدَّ عَلَيه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ في ((شِفَاءِ السَّقَامِ))؛ فَشَفَى صُدُورَ المُؤمنينَ . وكَانَ والِدِي ◌َغْفُهُ يَحْكِي أَنَّه كَانَ مُعَادِلًا لِلشَّيخِ زَينِ الدِّينِ عَبدِ الرَّحمَن(٢) بنِ رَجَبِ الحَنْبَلِيُّ(٣) في التَّوجُّه إلى بَلَدِ الخَلِيلِ عَهُ، فَلَمَّا دَنَا من البَلَدِ قال: نَويتُ الصَّلَاةَ في مَسجِدِ الخَلِيلِ. لِيَحتَرِزَ عن شَدِّ الرَّحلِ لِزِيَارَتِهِ، عَلى طَرِيقَةِ شَيخِ الحَنَابِلَةِ ابنِ تَيمِيَّةَ، قال: فَقُلتُ: نَويت زِيَارَةَ قَبرِ الخَلِيلِ ع ◌َلها، ثم قُلْتُ لَه: أمَّا أنتَ فَقَد خَالَفتَ النبيَّ وَِّ؛ لِأَنَّه قال: ((لَا تُشَدُّ الرَّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاثَةٍ مَسَاجِدَ)». وقَد شَدَدتَ الرَّحلَ إلى مَسجِدٍ رَابِعٍ، وأمَّا أنَا فَاتَّبَعتُ النبيَّ وَّرِ؛ لِأَنَّه قال: (زُورُوا القُبورَ))(٤). أفقال(٥): إِلَّا قُبُورَ الأنِيَاءِ؟ قال: فَبُهتَ. قُلتُ: ويَدُلُّ عَلى أَنَّه لَيسَ المُرَادُ إلَّ اختِصَاصَ هَذِهِ المَسَاجِدِ بِفَضلِ الصَّلَاةِ فيها، وأنَّ ذلك لَم يَرِد في سَائِرِ الأسفَارِ قَولُه في حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ المُتَقَدِّم: (لَا يَنْبَغِي لِلمَطِيِّ أن تُشَدَّ(٦) رِحَالُه (٧ إلى مَسجِدٍ ٧) تُبتَغَى فيه الصَّلَاةُ غَيرَ كَذَا، وَكَذَا)). (١) قلت: الصواب فيها هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام، ولولا أن المقام لا يتسع لأوردت الأدلة على ذلك، ولكن ينظر لزامًا: الرد على الإخنائي، فقد خصصه شيخ الإسلام لهذه المسألة، وكذلك كتاب: ((الصارم المنكي)) لابن عبد الهادي، وينظر: مقدمتنا للطرح (٩٨/١). والله أعلم. (٢) في (م): ((عبد الرحيم)). (٣) ليست في (ك٢). (٤) مسلم (١٠٨/٩٧٦)، وأبو داود (٣٢٣٤)، والنسائي (٢٠٣٣)، وابن ماجه (١٥٦٩). (٥) في الأصل، (ك٢): ((فقال)). (٧ - ٧) في الأصل: ((إلا لمسجد)). (٦) في (ح): ((یشد)). ١٧ بَابُ النَّذِ = فَبَيَّنَ أنَّ المُرَادَ شَدُّ الرَّحلِ إلى مَسجِدٍ (٤٤/٦م) تُبتَغَى فيه الصَّلَاةُ لَا كُلُّ سَفَرٍ (١). والله تعالى أعلمُ. ■ الثّانيةَ عَشْرَةَ: استُدِلَّ به عَلى أنَّه لَو نَذَرَ إتيَانَ المَسجِدِ الأقصَى لِلصَّلَاةِ فيه لَزِمَه ذلك، وهَذَا أَصَحُّ قَولَي الشَّافِعِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ في مَسجِدِ المَدِينَةِ، وبه قال المَالِكِيَّةُ والحَنَابِلَةُ، لَكِنَّه يَخرُجُ عنه بِالصَّلَاةِ في المَسجِدِ الحَرَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وصَحَّحَ النَّورِيُّ (٢) أيضًا أنَّه يَخرُجُ عنه بِالصَّلَاةِ في مَسجِدِ المَدِينَةِ. قال: ونَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ في ((البويطِيَّ))، [٧٥/٢ظ] وبه قال الحَنَفيةُ والحَنَابِلَةُ، وقِيلَ: تَقُومُ الصَّلَاةُ في كُلِّ من المَسجِدَينِ المَذكُورَينِ(٣) مَقَامَ الآخَرِ. وقِيلَ: لَا يَقُومُ أحَدُهَمَا مَقَامَ الآخَرِ. ويَدُلُّ لِلأولِ مَا في ((صَحِيحِ مسلم)) (٤) عن مَيَمُونَةَ عَّ: أنَّها أفتَت امرأةً نَذَرَتِ الصَّلَاةَ في بَيتِ المَقدِسِ أن تُصَلِّيَ في مَسجِدِ النبيِّ وََّه واستَدَلَّت بِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي أفضَلُ من ألِفِ صَلَاةٍ فيمَا سِواه من المَسَاجِد، إلَّا مَسجِدَ الكَعبَةِ)). ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ به عَلى أَنَّه لَو نَذَرَ إتيَانَ مَسجِدِ المَدِينَةِ أو المَسجِدِ الأقصَى لَزِمَه ذلك، وهو أحَدُ القَولَينِ لِلشَّافِعِيِّ؛ حَكَاه عنه البويطِيُّ. والقَولُ الثَّاني: أنَّه لَا يَلزَمُ النَّذرُ بَل يَلْغُو، نَصَّ عَلَيه في ((الأُمِ)(٥)، وهو الأظهَرُ عِندَ العِرَاقِينَ والرُّويَاني وغَيرُهم. فَإِذَا(٦) قُلْنَا بِانعِقَادِ النَّذرِ، فَهَل يَلزَمُه مع الإتيَانِ شَيءٌ آخَرُ؟ فيه خِلَافٌ (١) قال ابن عبد البر في التمهيد (٣٨/٢٣) .: ((قوله: ((خرجتُ إلى الطور)). فقد بان في الحديث: أنه لم يخرج البتة إلا تبركًا به ليصلي فيه، ولهذا المعنى لا يجب الخروج إلا إلى الثلاثة مساجد المذكورة في هذا الحديث)). وقال السندي في حاشية مسند أحمد (٧/٦): قوله: ((لا تعمل))؛ أي: لا تركب المطي إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد، وأبو هريرة قصد الصلاة في الطور، فصار سفره كالسفر إلى المسجد. (٣) ليست في الأصل. (٢) المجموع (٤٦٩/٨). (٤) مسلم (٥١٠/١٣٩٦). (٥) الذي في الأم (٦٦٣/٣) أنه يلزم لكن على جهة الاستحباب. وقال النووي في المجموع (٨/ ٤٦٧) أن الشافعي قال ذلك في الإملاء. فالله أعلم. (٦) في: الأصل: ((فإن)). = 21 ١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ لِأصحَابِنَا، والأصَحُّ عِندَهم: نَعَم؛ لِأَنَّ الإتيَانَ المُجَرَّدَ لَيسَ بِقُربَةٍ، وحِينَئِذٍ، فَالأَصَحُّ أَنَّه يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الاعتِكَافِ والصَّلَاةِ. وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الاعتِكَافُ. وقِيلَ: تَتَعَيَّنُ(١) الصَّلَاةُ. وقال الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ: يَكفي في مَسجِدِ المَدِينَةِ أن يَزُورَ قَبَرَ النبيِّ وَّهِ. وَتَوقَّفَ فيه إمَامُ الحَرَمَينِ من جِهَةِ: أنَّ الزِّيَارَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالمَسجِدِ وتَعِظِيمِه. قال: وقِيَاسُه: أنَّه لَو تَصَدَّقَ في المَسجِدِ أو صَامَ يَومًا كَفَاه. قال الإمَامُ: والظَاهرُ الاكتِفَاءُ بِالزِّيَارَةِ. ■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ به عَلى أنَّه لَو نَذَرَ إتيَانَ غَيرِها من المَسَاجِدِ [لِصَلَاةٍ أو غَيرِهِ، لَم يَلزَمه ذلك، لِتَصرِيحِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِاخْتِصَاصِ هَذِهِ المَسَاجِدِ](٢) بِشَدِّ الرَّحلِ إلَيها، وغَيرُها لَا فَضلَ لِبَعضِها عَلى بَعضٍ، فتَكفي صَلَاتُه في أيِّ مَسجِدٍ كَانَ. قال الثَّورِيُّ(٣): هَذَا مَذهَبُنَا، ومَذهَبُ العُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسلَمَةَ المَالِكِيَّ، فقال: إذَا نَذَرَ قَصدَ مَسجِدٍ قُبَاءَ لَزِمَه قَصدُه؛ لِأَنَّ النبيَّ وََّ كَانَ يَأتيه كُلَّ سَبتٍ رَاكِبًا، ومَاشِيًا. وقال الليثُ بنُ سَعدٍ: يَلزَمُه قَصدُ ذلك المَسجِدِ، أيَّ مَسجِدٍ كَانَ. وقال الحَنَابِلَةُ في أحَدِ الوجهَينِ (٤): يَلزَمُه إذَا لَم يُصَلِّ فيه، ولا في أَحَدِ (٤٥/٦م) المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وإن كَانَ لَا يَنعَقِدُ نَذرُه. وفي وجهٍ آخَرَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيه. وفي ((الجَواهرِ))(٥) لِابنِ شَاسٍ: لَو ذَكَرَ(٦) مَوضِعًا غَيرَ هَذِهِ الثَّلَاثِ(٧)، فَإِن تَعَلَّقَت به عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ به؛ كَرِبَاطٍ أو جِهادٍ نَاجِزٍ، لَزِمَه إتيَانُه. ■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: المُرَادُ بِالمَسجِدِ الحَرَامِ جَمِيعُ الحَرَمِ، ولَا يَخْتَصُّ ذلك بِالمَكَانِ المُعَدِّ لِلصَّلَاةِ فيه. قال أصحَابُنَا: لَو ذَكَرَ (٨) النَّذِرُ بُقْعَةٌ أُخرَى من بِقَاعِ الحَرَمِ؛ كَالصَّفَا والمَروةِ، ومَسجِدِ الخَيفِ(٩)، ومنى، ومُزدَلِفَةً، (١) في: (ح): (يتعين)). (٣) المجموع (٤٧١/٨). (٥) عقد الجواهر (٣٥/٢). في: (م): ((الثلاث)). (٧) في (ح): ((الحيف)). (٩) (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢). (٤) ينظر: المغني (٦٣٨/١٣). (٦) في: الأصل: ((نذر)). (٨) في: الأصل: ((نذر)). بَابُ النَّذِ 5 ١٩ == ومَقَامِ إبرَاهِيمَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، وقُبَّةِ زَمزَمَ وغَيرِها، فَهو كَمَا لَو قال: المَسجِدُ الحَرَامُ، حَتَّى لَو قال: آتِي دَارَ أبِي جَهلٍ، أو دَارَ الخَيزُرَانِ. كَانَ(١) الحُكمُ كَذلك؛ لِشُمُولِ حُرمَةِ الحَرَمِ في تَنفيرِ الصَّيدِ وغَيرِهِ لِلجَمِيعِ، وفي (مُعجَم الطَّبَرَاني الأوسَطِ))(٢) من حَدِيثِ أبِي هِرَيْرَةَ رَُّهُ، مَرفُوعًا: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلََّ إلى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسجِدِ الخَيفِ، ومَسجِدِ الحَرَامِ، ومَسجِدِي)). قال والِدِي ◌َُّ في (شَرحِ الترمذيِّ)): وفي إسنَادِه خَيثَمُ بنُ مَروانَ وهو ضَعِيفٌ. والحديثُ شَاقٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، إلَّا أنَّ الحُكمَ بِالنِّسَبَةِ إلى مَسجِدِ الخَيفِ صَحِيحٌ، لَا بِالنِّسبَةِ إلى الحَصرِ. قال الغَزّالِيُّ(٣) عِندَ ذِكرِ نَذْرٍ إِتَيَانِ المَسَاجِدِ: فَلَو قال: آتِي مَسجِدَ الخَيفِ، فَهو كَمَسجِدِ الحَرَامِ؛ لِأِنَّه من الحَرَمِ. انتَهَى. ■ السَّادِسَةَ عَشَرَ(٤): ذَكَرَ النَّورِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) وغَيرِه(٥): أنَّ تَضعِيفَ الصَّلَاةِ في مَسجِدِ المَدِينَةِ يَختَصُّ بِمَسجِدِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَاَلسَّلَامُ الَّذِي كَانَ في زَمَنِهِ [دُونَ مَا وُسِّعَ(٦) بَعدَه. ومُقتَضَى ذلك أنَّه لَو نَذَرَ الصَّلَاةَ في بُقْعَةٍ من المَسجِدِ مِمَّا هو زَائِدٌ عَلى مَا كَانَ في زَمَنِهِ](٧) عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم يَتَعَيَّن، وكَانَ كَغَيرِهِ من المَسَاجِدِ. وفيه بُعدٌ ونَظَرٌ ظَاهرٌ. [٧٦/٢ و] ■ السَّابِعَةَ عَشَرَ(٨): إن قُلتَ: لِمَ سُمِّيَ المَسجِدَ الأقصى، ولَم يَكُن بَعدَ المَسجِدِ الحَرَامِ غَيْرُه، فَفي ((الصَّحِيحَينِ))(٩) عن أبِي ذَرِّ، قُلتُ: ((يَا رَسُولَ الله، أيُّ: مَسجِدٍ وُضِعَ أولُ؟)). قال: ((المَسجِدُ الحَرَامُ». قُلتُ: ((ثم أيٌّ؟)). قال: ((ثم المَسجِدُ الأقصَى)». قُلت: ((كَم بَينَهمَا؟)). قال: «أربَعُونَ سَنَةً)»؟ قُلتُ: عَلِمَ الله تَعَالى أنَّ مَسجِدَ المَدِينَةِ سَيُبنَى، فَيَكُونُ قَاصِيًّا؛ أي: بَعِيدًا، (١) في (ك٢): ((إن كان)). (٢) المعجم الأوسط (٥١١٠)، وزيادة: ((مسجد الخيف)) منكرة، تفرد به خثيم بن مروان، ولم يسمع من أبي هريرة. ينظر: التاريخ الكبير للبخاري (٢١٠/٣). (٣) الوسيط (٢٧٩/٧). شرح صحيح مسلم (١٦٦/٩). (٥) (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (٢٥). (٩) البخاري (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠). (٤) في: (م): ((عشرة)). (٦) في (م): ((أوسع)). (٨) في: (م): ((عشرة)). ٢٠ 22 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ من مَسجِدٍ مَكَّةَ، ويَكُونُ مَسجِدُ(١) بَيتِ القُدسِ أقصَى، فَسُمِّيَ بذلك بِاعتِبَارِ مَا يَؤُولَ حَالُهُ إِلَيهِ، والله تَعَالى أعلَمُ. ■ الثَّامنةَ عَشَرَ (٢): قال الخَطَّابِيُّ(٣): قال بَعضُ أهلِ العِلمِ: لَا يَصِحُ الإِعْتِكَافُ إلَّا في واحِدٍ من هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وعَلَيه تَأولَ الخَبَرَ. (٤٦/٦م) الحديثُ الثَّالِثُ وعن سَعِيدٍ، عن أَبِي هُرَيرَةَ رَظُه، عن النبيِّ وَّ قال: ((صَلَاةٌ في مَسجِدِي أفضَلُ من ألِفِ صَلَاةٍ فيمَا سِواه، إلّ المَسجِدَ الحَرَامَ)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَه من هَذَا الوجه مسلمٌ، وابنُ مَاجَه(٤) من رِوايَةٍ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ. ومسلمٌ(٥) وحدَه من رِوايَةٍ مَعمَرٍ. كِلَاهمَا عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ. وأخرَجَه البُخَارِيُّ، والترمذيُّ، وابنُ مَاجَه (٦) من رِوايَةِ مَالِكِ عن زَيدِ بنِ رَبَاحِ، وعُبَيدِ الله بنِ أبِي عَبدِ الله الأغَرِّ، كِلَاهمَا عن أبِي عَبدِ الله الأغَرِّ، عن أبِي هُرَيْرَةَ، ولَفظُه عِندَ البُخَارِيِّ والترمذيِّ: ((مَسجِدِي هَذَا)). ورَواه مسلمٌ(٧) من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، والنسائيُّ(٨) من رِوايَةِ سَعدِ بنِ إبراهيمَ، كِلَاهمًا عن أبِي عَبدِ الله الأغَرِّ وأبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، كِلَاهمَا عن أبِي هَرَيْرَةَ. ثم شَكًا في رَفِعِه نَصَّا، فَأخبَرَهمَا عَبدُ الله بنُ إبراهيمَ بنِ قَارِظ؛ أنَّه سَمِعَ أبَا هرَيرَةً يَقُولُ: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَإِني آخِرُ الأنبِيَاءِ، وإنَّ مَسجِدِي آخِرُ المَسَاجِدِ)). ليس في: (ك٢). (١) (٢) في: (م): ((عشرة)). (٣) معالم السنن (٢٢٢/٢). (٤) مسلم (٥٠٥/١٣٩٤)، وابن ماجه (١٤٠٤). (٥) مسلم (١٣٩٤ /٥٠٦). (٦) البخاري (١١٩٠)، والترمذي (٣٢٥)، وابن ماجه (١٤٠٤). مسلم (١٣٩٤/ ٥٠٧). (٧) (٨) النسائي (٦٩٣).