النص المفهرس
صفحات 621-640
= كِتَابُ الأطعِمَةِ ٦٢١ الرَّابِعَةَ عَشرَ (١): وفيه إِيَاحَةُ حَيَوانَاتِ البَحرِ مُطلَقًّا، فَإِنَّهم لَم يَحتَاجُوا في أكلِ هَذَا إلى نَصِّ(٢) يَخُصُّه، فَدَلَّ عَلى الاستِرِسَالِ في أكلِها مُطلَقًا، ولا خِلافَ في حِلِّ السَّمَكِ عَلى اختِلافِ أنواعِه. وأمَّا مَا لَيسَ عَلى صُورَةِ السَّمَكِ، فَفيه عِندَ الشَّافِعِيَّةِ خِلافٌ: قِيلَ: بِالحِلِّ مُطلَقًا، وهو الأصَحُّ المَنصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ، وقِيلَ: بِالتَّحرِيمِ مُطلَقًّا، وقِيلَ: مَا يُؤكَّلُ نَظِيرُه في البَرِّ كَالبَقَرِ والشَّاةِ، فَحَلالٌ، ومَا لا كَخِنْزِيرٍ المَاءِ وكَلبه، فَحَرَامٌ. واستَثنَوا من الحِلِّ أربَعَةً: الضِّفدَعُ، والسَّرَطَانُ، والسُّلَحِفَاةُ، والتِّمسَاحُ؛ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عِندَهم عَلى الصَّحِيحِ المَشهورِ؛ وقال أحمَدُ: كُلُّه مُبَاحٌ إلا الصِّفْدَعَ. وعنه في التِّمسَاحِ: رِوايَتَانِ؛ وأبَاحَ مَالِكٌ حَيَوانَ البَحرِ كُلَّه، حَتَّى الصِّفْدَعَ، وعنه في خِنزِيرِ البَحرِ: قَولانِ، وكَرِهَ تَسمِيَتَه خِزِيرًا؛ وحَرَّمَ أبو حَنِيفَةَ مَا عَدَا السَّمَكَ، وقِيلَ: إِنَّ هَذَا الحديثَ حُجَّةٌ عَلَيهِ، فَإِنَّ هَذَا لا يُسَمَّى سَمَكًا . الخَامِسَةَ عَشرَ: قَولُه: ((حَتَّى صَلَحَت أجسَامُنَا))؛ أي: (١٤/٦م) صَحَّتِ بِالأكلِ، وعَادَت إلى حَالَتِها الأُولى من القُوةِ (٣)، وفي رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ)) من هَذَا الوجه: ((واذَّهَنَا من ودَكِها، حَتَّى ثَابَت أجسَامُنَا))؛ أي: رَجَعَت إلى حَالَتِها (٤) الأُولى من حُسنِ اللونِ والسَّحنَةِ، فَفَائِدَةُ الأكلِ : عَودُ القُوةِ، وفَائِدَةُ الادِّهانِ: عَودُ حُسنِ اللونِ. السَّادِسَةَ عَشرَ: قَولُه: ((فَأخَذَ أبو عُبَيدَةَ ضِلعًا (٥) من أضلاعِه، فَنَصَبَه، ونَظَرَ إلى أطولِ بَعِيرٍ، (فَجَازَ تَحتَه)). كَذَا فِي هَذِه الرِّوايَةِ، الاقتِصَارُ عَلى جَوازِ البَعِيرِ من تَحِه؛ وفي رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ)) من هَذَا الوجه: ((ثم نَظَرَ إلى أطولِ رَجُلٍ](٦) في الجَيشِ، وأطولِ جَمَلٍ (٧)، فَحَمَلَه عَلَيهِ، فَمَرَّ تَحتَه)). فَزَادَ عَلى الجَمَلِ الرَّجُلُ(٨)؛ والظّاهرُ: أنَّ أطولَ رَجُلٍ في الجَيشِ هو فَيْسُ (١) في الأصل: ((حالها)). في الأصل: ((حسن القوة)). (٣) (٥) في الأصل: ((ضلعان)). (٧) في الأصل: ((رجل)). (٢) في الأصل: ((أكل)). (٤) في (م): ((عشرة)). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٨) في الأصل: ((الرجال)). ٦٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ابْنُ سَعدِ بنِ عُبَادَةَ، فَقَد كَانَ مَعرُوفًا بِالظُولِ، ويُقَالُ: إنَّه أطولُ العَرَبِ. السَّابِعَةَ عَشرَ: قَد تَبَّنَ بِرِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ)): أنَّ نَهيَ أبِي عُبَيَدَةً لَه عن النَّحْرِ، إِنَّمَا كَانَ بَعدَ نَحرٍ ثَالِثٍ، فَكَانَ(١) مَجمُوعُ نَحِرِهِ تِسعَ جُزُرٍ. ومن العَجِيبِ مَا حُكِيَ عنه: أنَّه كَانَ لا يَأْكُلُ لَحمَ الجَزُورِ، ومُقتَضَى ذلك: أنَّه لَم يَأْكُل منها شَيْئًا، إلا أن يَكُونَ هَذَا وقتَ ضَرُورَةٍ، غَيَّرَ فيه عَادَتَه لِلاضطِرَارِ، ونَهِيُ أبِي عُبَيدَةً لَه من أجلِ أنَّه لَم يَكُن لَه مَالٌ ذلك الوقتَ، وإنَّمَا أَخَذَ الجُزُرَ بِالدَّينِ، وخَشِيَ أن لا يَقضِيَ أبوه عنه دَينَه، فَيَحصُلَ الضَّرَرُ لَه، ولِصَاحِبِ الذَّينِ، فَرَأى المَصلَحَةَ في مَنْعِه، ولَم يَتَعَيَّن في زَوالِ ضَرَرِ الجَيشِ أن يَكُونَ عَلَى يَدِهِ، وقَد رَزَقَهم الله بِحُسنٍ نيتِه ونيتِهم الرِّزقَ الحَلالَ الواسِعَ الذِي لا منةَ فيه، ولا تَبِعَةَ لأحَدٍ. والله أعلمُ. الحديثُ الثَّالِثُ عن الأعرج، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((طَعَامُ الاثْنَينِ كَافِي الثَّلاثَةَ، وطَعَامُ الثَّلاثَةِ كَافِي الأَربَعَةِ)). فيه فوائدُ: الأولى: أخرَجَه الْبُخَارِيُّ، (١٥/٦م) ومسلمٌ، والترمذيُّ، والنسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبِي هَرَيْرَةَ. ■ الثّانيةُ: فيه الحَضُّ عَلى إطعَامِ الطَّعَامِ، وأنَّه لا يَنبَغِي أن يَمْتَنِعَ صَاحِبُهُ من تَقدِيمِه لِقِلَّتِهِ، فَالقَلِيلُ يَحصُلُ الاكتِفَاءُ به، كَمَا يَحصُلُ الاكتِفَاءُ بِالكَثِيرِ؛ وَلَيسَ المُرَادُ بِالكِفَايَةِ الشِّبَعَ والاستِغِنَاءَ عنه، وإنَّمَا المُرَادُ به قِيَامُ البِنيَةِ وحُصُولُ المَقصُودِ. وقال أبو حَازِم(٣): إذَا كَانَ لا يُغنيك مَا يَكفيك، فَلَيسَ في الدُّنْيَا شَيءٌ (١) في (م): ((عشرة)). (٢) البخاري (٥٣٩٢)، ومسلم (١٧٨/٢٠٥٨)، والنسائي في الكبرى (٦٧٧٣). (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٣٢/٣). كِتَابُ الأطعِمَةِ ٦٢٣ = يُغنيك. ومن كَلامِ بَعضِهم (١): قَنِّع النَّفسَ بِالقَلِيلِ وإلا طَلَبَت منك فَوقَ مَا يَكفيها. ■ الثَّالِثَةُ: إن قُلتَ: يُخَالِفُ هَذَا الحديثُ مَا رَواه مسلمٌ وغَيرُهُ(٢) عن جَابِرِ نَّهِ: أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((طَعَامُ الواحِدِ يَكفي الاثْنَينِ، وطَعَامُ الاثْنَينِ يَكفي الأربَعَةَ، وطَعَامُ الأربَعَةِ يَكفي الثَّمَانيةَ)»؟ قُلتُ: لَيسَ ذلك عَلى التَّحدِيدِ، وإِنَّمَا [٦٧/٢ظ] القَصدُ المُواسَاةُ، وأنَّه يَنبَغِي لِلاثنَينِ إدخَالُ ثَالِثٍ في طَعَامِهِمَا، وإدخَالُ رَابِع أيضًا، بِحَسَبٍ(٣) مَن يَحْضُرُ. ويَدُلُّ لِذلك أنَّ في ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه)) (٤) من حَدِيثِ عُمَرَ مَرفُوعًا: ((إنَّ طَعَامَ الواحِدِ يَكفي الاثنَينِ، وطَعَامَ الاثنَينِ يَكفي الثَّلاثَةَ والأربَعَةَ)). فَجَمع بَينَ مَا في حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ، ومَا في حَدِيثٍ جَابِرٍ فِي حَدِيثٍ واحِدٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّ القَصدَ الحَضُّ عَلى إطعَامِ الطَّعَامِ، ومُواسَاةِ المُحتَاجِ والضَّيفِ عَلى كُلِّ حَالٍ، وحَدِيثُ جَابِرٍ فيه زِيَادَةٌ عَلى حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وإن اتَّحَدَ مَقصُودُهمَا. والله أعلمُ. الرَّابِعَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): ومن هَذَا الحديثِ، (٦ والله أعلَم٦ُ)، أخَذَ عُمَرُ بَّهِ، فِعِلَه عَامَ الرَّمَادَةِ(٧)، حِينَ كَانَ يُدخِلُ عَلى أهلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَهم، ويَقُولُ: لَن يَهلِكَ امُرُؤٌ عن نِصفِ قُوتِه. (١) نسبه الخرائطي في اعتلال القلوب (٧٥) لعلي ( ته . (٢) مسلم (٢٠٥٩/ ١٨٠)، والترمذي (١٨٢٠)، وابن ماجه (٣٢٥٤)، والنسائي في الكبرى (٦٧٧٤) . (٣) في الأصل: ((تحت)). (٥) التمهيد (٢٥/١٩). (٦ - ٦) ليس في: (ك٢). (٤) ابن ماجه (٣٢٥٥). (٧) عام الرمادة: هو العام الثامن عشر من الهجرة، وسمي بذلك للشدة التي كانت على أهل المدينة، فقد أصابتهم مجاعة في عهد عمر رَظ ◌ُه، حتى أكل الناس الميتة، وسميت بـ: الرمادة؛ لأن الريح كانت تسفي مثل الرماد. ينظر: تاريخ الطبري (٩٦/٤)، والبداية والنهاية (٦٨/١٠). ٦٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الحديثُ الرَّابِعُ وعنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((يَأْكُلُ المسلمُ في مِعَّى(١) واحِدٍ، والكَافِرُ في سَبعَةِ أمعَاءٍ)). [رعن(٢) هَمَّام، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الكَافِرُ (١٦/٦م) يَأْكُلُ في سِّبعَةِ أمعَاءٍ](٣)، والمُؤمن يَأْكُلُ فِي مِعَّى واحِدٍ))(٤). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَه البُخَارِيُّ(٥) من الوجه الأولِ من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن أبِي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبِي هَرَيْرَةَ. وأخرَجَه مسلمٌ، والترمذيُّ، والنسائيُّ(٦) من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن سُهَيلِ بنِ أبِي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبِي هرَيرَةَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِوَ ◌ّرِ ضَافَه ضَيفٌ وهو كَافِرٌ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ لَهَ بِشَاةٍ فَحُلِبَت، فَشَرِبَ حِلابَها، ثم أُخرَى، فَشَرِبَه، ثم أُخرَى، فَشَرِبَه، حَتَّى شَرِبَ حِلابَ سَبِعِ شِيَاءٍ، ثم إِنَّه أصبَحَ فَأسلَمَ، فَأَمَرَ لَه رَسُولُ اللهِ وََّ بِشَاةٍ، فَشَرِبَ حِلابَها، ثم أمَرَ بِأُخرَى، فَلَم يَستَتِمَّها، فقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((المُؤمن يَشرَبُ في مِعَى واحِدٍ، والكَافِرُ یَشرَبُ فِي سَبعَةِ أمعَاءٍ)). وأخرَجَه مسلمٌ(٧) أيضًا من رِوايَةِ العَلاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبِيه، عن أبِي هرَيْرَةَ، مُقْتَصِرًا عَلى آخِرِ الحديثِ، دُونَ القِصَّةِ الَّتي في أولِه؛ وأخرَجَه البُخَارِيُّ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٨) من رِوايَةِ عَدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ، عن أبِي حَازِمٍ، عن أبِي هَرَيْرَةَ: ((أنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أكلًا كَثِيرًا، فَأسلَمَ، فَكَانَ يَأْكُلُ (١) في (ك٢): ((وعاء)). ما بين المعكوفين ليس في: (٢٥). (٣) (٢) مكانها بياض في الأصل. (٤) في (ك٢): ((واحدة)). (٥) البخاري (٥٣٩٦). مسلم (١٨٦/٢٠٦٣)، والترمذي (١٨١٩)، والنسائي في الكبرى (٦٨٩٣). (٦) مسلم (٢٠٦٢). (٧) (٨) البخاري (٥٣٩٧)، والنسائي في الكبرى (٦٧٧٢)، وابن ماجه (٣٢٥٦). = كِتَابُ الأطعِمَةِ ٦٢٥ أكلًا قَلِيلًا، فَذُكِرَ ذلك لِلنبيِّ وََّ، فقال: ((إنَّ المُؤمن يَأْكُلُ في مِعَّى واحِدٍ، والكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبعَةٍ أَمعَاءٍ))). ■ الثّانيةُ: ((المِعَى)): بِكَسرِ المِيمِ، وبِالعَينِ المُهمَلَةِ، مَقصُورٌ، وفيه لُغَةٌ أُخرَى: مِعي، بِكَسرِ المِيمِ، وإسكّانِ العَينِ، بَعدَها يَاءٌ؛ حَكَاها صَاحِبُ ((المُحكَمِ))(١) والجَمِعُ أمعَاءٌ مَمْدُودٌ، وهيَ المَصَارِينُ. ■ الثَّالِثَةُ(٢): اختُلِفَ (٦/ ١٧م) في المُرَادِ بهذَا الحديثِ عَلى أقوالٍ: أحَدُها: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣): الإشَارَةُ فيه إلى كَافِرٍ بِعَينِهِ، لا إلی جِنسٍ الكُفَّارِ، ولا سَبِيلَ إلى حَمِلِه عَلى العُمُومِ؛ لأنَّ المُشَاهَدَةَ تَدفَعُه، ألا تَرَى أَنَّه قَد يُوجَدُ كَافِرٌ أَقَلَّ أكلاً (٤) من مُؤمن، ويُسلِمُ الكَافِرُ فَلا يَنْقُصُ أكلُه، ولا يَزِيدُ؟ وفي حَدِيثِ سُهَيلِ بنِ أبِي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبِي هَرَيرَةَ مَا يَدُلُّ عَلى أنَّه في رَجُلٍ بِعَينِهِ، ولِذلك جَعَلَه مَالِكٌ فَي ((مُوطَّئِهِ))(٥) بَعدَه مُفَسِّرًا لَه، وهَذَا عُمُومٌ، والمُرَادُ به الخُصُوصُ، فَكَأنَّه قال: هَذَا إذ(٦) كَانَ كَافِرًا كَانَ يَأْكُلُ في سَبعَةٍ أَمعَاءٍ، فَلَمَّا آمَنَ عُوفي، وبورِكَ لَه في نَفسِه، فَكَفَاه جُزءٌ من سَبعَةِ أجزَاءَ مِمَّا كَانَ يَكفيه إذ(٧) كَانَ كَافِرًا، خُصُوصًا لَه؛ فَكَأنَّه قال: هَذَا الكَافِرُ؛ وهَذَا المُؤمن. انتَهَى. وسَبَقَه إلى ذلك الطَّحَاوِيُّ، فقال: هَذَا الكَافِرُ مَخصُوصٌ؛ حَكَاه عنه ابنُ طَاهِرٍ في ((مُبُهَمَاتِهِ)) . الثَّاني: أنَّ هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلمُؤمن وزُهدِه في الدُّنيًا، ولِلكَافِرِ وحِرصِه عَلَيها، فَكَأنَّ الكَافِرَ، لِحِرصِه عَلى الدُّنيَا وجَمعِها، يَأْكُلُ في سَبعَةِ أَمعَاءٍ، وكَأنَّ المُؤمن، لِزُهدِه في الدُّنيَا وتَقَلُّلِه منها، يَأْكُلُ في مِعَى واحِدٍ، فَلَيسَ المُرَادُ حَقِيقَةً الأمعَاءِ، [٦٨/٢و] ولا حَقِيقَةَ الأكلِ، وإنَّمَا المُرَادُ: الاتِّسَاعُ في الدُّنيَا والتَّقَلُّلُ(٨) (١) المحكم (٢٦٧/٢). (٣) التمهيد (٥٣/١٨). (٥) في (م): ((موطأته)). (٧) في الأصل: ((إذا)). (٢) في الأصل: ((الرابعة)). (٤) ليس في: (ك٢). (٦) في الأصل: ((إذا)). (٨) فى الأصل: ((والتقليل)). = = ٦٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ منها؛ فَكَأنَّه عَبَّرَ بِالأكلِ عن أخذِ الدُّنيَا، وبِالأمعَاءِ عن أسبَابِ ذلك. الثَّالِثُ: أنَّ المُرَادَ به أنَّ الغَالِبَ من حَالِ المُؤمنينَ قِلَّةُ الأكلِ، لِعِلمِهم أنَّ مَقصُودَ الشَّرعِ من الأكلِ مَا يَسُدُّ الجُوعَ، ويُمسِكُ الرَّمَقَ، ويُقَوِّي عَلى عِبَادَةِ الله تَعَالى، وخَوفِهم من حِسَابِ الزِّيَادَةِ عَلى ذلك، بِخِلافِ الكُفَّارِ؛ فَإِنَّهم غَيرُ واقِفِينَ مع المَقصِدِ الشَّرعِيِّ، وإنَّمَا هم تَابِعُونَ لِشَهَواتِ أنفُسِهم، مُستَرسِلُونَ فيها، غَيرُ خَائِفينَ من تَبِعَةِ الحَرَامِ وورطَتِهِ، فَصَارَ أكلُ المُؤمن لِمَا ذَكَرِنَاه إذَا نُسِبَ لأكلِ الكَافِرِ؛ كَأنَّه (١٨/٦م) سُبعُه، ولَيسَ ذلك أمرًا مُطَّرِدًا في حَقِّ كُلِّ مسلمٍ وكَافِرٍ، فَقَد يَكُونُ في المُؤمنينَ مَن يَأْكُلُ كَثِيرًا، بِحَسَبِ العَادَةِ، أو لِعَارِضٍٍ، ويَكُونُ في الكُفَّارِ مَن يَعتَادُ قِلَّةَ الأكلِ، إمَّا لِمُرَاعَاةِ الصِّحَّةِ كَالأَطِبَّاءِ، أو لِلتَّقَلُّلِ (١) كَالرُّهَبَانِ، أو لِضَعفِ المَعِدَةِ، وحِينَئِذٍ، فَهَذَا خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ والسَّبعُ عَلَى سَبِيلِ التَّقرِيبِ دُونَ التَّحدِيدِ. الرَّابِعُ: أنَّ هَذَا تَحضِيضٌ لِلْمُؤمنينَ عَلى قِلَّةِ الأكلِ، إذَا عَلِمُوا أنَّ هَذِهِ صِفَةُ المُؤمن الكَامِلِ الإِيمَانِ؛ وتَنفيرٌ من كَثْرَةِ الأكلِ إِذَا عَلِمُوا أنَّ هَذِهِ صِفَةُ الكُفَّارِ؛ فَإِنَّ نَفْسَ المُؤمن تَنفِرُ من الاتِّصَافِ بِصِفَةِ الْكُفَّارِ (٢)، وهَذَا كَمَا قال الله تَعَالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَ بَأَكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]. الخَامِسُ: أنَّ المُرَادَ به أنَّ المُؤمن يُسَمِّي الله تَعَالى عِندَ طَعَامِهِ، فَلا يَشرَكُه الشَّيْطَانُ فِيه، فَيَقِلُّ أكلُهُ لِذلك(٣)، والكَافِرُ لا يُسَمِّي اللهَ تَعَالى، فَيُشَارِكُه الشَّيْطَانُ فيه؛ وفي ((صَحِيحِ مسلم)) (٤): ((إنَّ الشَّيطَانَ لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ: أن لا يُذكَرَ اسمُ الله عَلَیه)) . السَّادِسُ: أنَّ المُرَادَ بِالمُؤمن هنَا تَامُّ الإِيمَانِ، المُعرِضُ عن الشَّهَواتِ، المُقْتَصِرُ عَلى سَدِّ خَلَّتِهِ، والمُرَادُ بِالكَافِرِ المُتَعَدِّي في طُغْيَانِهِ، المُنْهَمِكُ عَلى الدُّنيَا، الشَّدِيدُ الإعرَاضُ عن الآخِرَةِ، فَأُرِيدَ مُؤمن بِوصفٍ مَخصُوصٍ، وکَافِرٌ (١) في الأصل، و(ح): ((للتقليل)). (٢) في (٢٥): ((الكافر)). (٣) في (ح): ((كذلك)). (٤) مسلم (١٠٢/٢٠١٧). = كِتَابُ الأطعِمَةِ ٦٢٧ بِوصفٍ مخصوص(١). السَّابِعُ: قال النَّوِيُّ(٢): المُختَارُ أنَّ مَعنَاه بَعضُ المُؤمنينَ يَأْكُلُ في مِعَّى واحِدٍ، وأنَّ أكثَرَ الكُفَّارِ يَأْكُلُونَ في سَبعَةٍ أمعَاءٍ، ولا يَلزَمُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ من السَّبعَةِ مِثْلُ مِعَى المُؤمن. ■ الزَّابِعَةُ(٣): اختُلِفَ في المُرَادِ بِالأمعَاءِ السَّبعَةِ، فَحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ (٤) عن أهلِ الطَّبِّ والتَّشْرِيحِ أنَّ أمعَاءَ الإنسَانِ سَبعَةٌ: المَعِدَةُ، ثم ثَلاثَةُ أمعَاءٍ بَعدَها مُتَّصِلَةٌ بها: البَوّابُ(٥)، والصَّائِمُ، والرَّقِيقُ؛ وهيَ كُلُّها رِقَاقٌ، ثم ثَلاثَةٌ غِلاظُ: الأعورُ، والقُولُونُ، والمُستَقِيمُ، وطَرَفُه الدُّبُرُ، وقَد نَظَمَ ذلك والِدِي تَُّهُ في قَولِه : سَبعَةُ أمعَاءٍ لِكُلِّ آدَمِيِّ مَعِدَةٌ بَوّابُها مع صَائِمٍ ثم الرَّقِيقُ أعورُ قَولونُ(٦) مع المُستَقِيمِ مَسلَكُ المَطَاعِمِ قال القَاضِي عِيَاضٌ: فَيَكُونُ عَلى هَذَا مُوافِقًا لِمَا قاله عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أَنَّ الكَافِرَ المَذكُورَ، وإن كَانَ بِعَينِهِ، أو بَعضَ الكُفَّارِ، أو مَن يَأْكُلُ منهم بِشَرَهه، وجَشَعِه، ولا يَذكُرُ اسمَ الله تَعَالى عَلى أكلِه لا يُشبِعُه إلا مَلُ أمعَائِه السَّبعَةِ، (١٩/٦م) كَالأَنعَام وآكِلَةِ الخَضِرِ، والمُؤمن المُقتَصِدُ في أكلِه يُشبِعُه مِلُ مِعَّى واحِدٍ ... إلى آخَرِ كَلامِه. قال: وقِيلَ المُرَادُ بِالسَّبعَةِ: صِفَاتٌ سَبعَةٌ: الحِرصُ، والشَّرَه، وبُعدُ الأمَلِ، والطَّمَعُ، وسُوءُ الطَّعِ، والحَسَدُ، وحُبُّ (٧) السِّمَنِ. قال: وقِيلَ: شَهَواتُ الطَّعَامِ عَلى سَبعَةٍ: شَهوةُ الطَّبعِ، وشَهوةُ النَّفسِ، وشَهوةُ العَينِ، وشَهوةُ الفَم، وشَهوةُ الأُذُنِ، وشَهوةُ الأنفِ، وشَهوةُ الجُوعِ، وهيَ الضَّرُورِيَّةُ الَّتي بها يَأْكُلُ المُؤمن. وأمَّا الكَافِرُ، فَإِنَّه يَأْكُلُ بِجَمِيعِ شَهَواتِه. وحَكَى القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ (٨) قَرِيبًا من هَذَا القَولِ عن بَعضٍ مَشَايِخِ (١) من (ك٢). (٣) في الأصل: ((الخامسة)). (٥) في مصدر التخريج: ((التواب)). (٧) في الأصل، و(ك٢): ((حسب)). (٢) شرح صحيح مسلم (٢٤/١٤، ٢٥). (٤) إكمال المعلم (٥٥٧/٦). (٦) في النسخ: ((قليون)). (٨) عارضة الأحوذي (١٤/٨). = ٦٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ [٦٨/٢ظ] الزُّهدِ، فَذَكَرَ الحَواسَّ الخَمسَ، والحَاجَةَ، والشَّهوةَ. الخَامِسَةُ(١): اختُلِفَ في تَعِينِ الكَافِرِ الَّذِي أسلَمَ، وكَانَ سَبَبَ(٢) وُرُودِ الحديثِ عَلى أقوالٍ : أحَدُها: أنَّه جَهِجَاهٌ الغِفَارِيُّ: رَواه أبو يَعلى، والبَزَّار، والطَّبَرَاني(٣)، واللفظُ لَه، عنه: ((أَنَّه قَدِمَ في نَفَرٍ من قَومِه يُرِيدُونَ الإسلامَ، فَحَضَرُوا مع رَسُولِ اللهِِّ المَغْرِبَ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قال: ((بَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِيَدٍ جَلِيسِه)). فَلَم يَبْقَ في المَسجِدِ غَيرُ رَسُولِ اللهِ وَ لَهُ وَغَيرِي، وكُنتُ رَجُلًا عَظِيمًا طَوِيلًا، لا يُقَدَّمُ عَلَيَّ أَحَدٌ؛ فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلى مَنْزِلِه، فَحَلَبَ لِي عنزًا، فَأَتَيت عَلَيها، حَتَّى حَلَبَ سَبعَ(٤) أعنُزٍ، فَأَتَيْت عَلَيها، ثم بِصَنِيعِ بُرُمَةٍ، فَأَتَيت عَلَيها، وقالت أُمُّ أيمَنَ: ((أجَاعَ الله مَن أجَاعَ رَسُولَ الله وَّهَوَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ)). قال: ((مَه بَا أُمَّ أيمَنَ، أَكَلَ رِزقَه، ورِزْقُنَا عَلى الله). فَأَصْبَحُوا، فَغَدَوا، فَاجتَمع هو وأصحَابُه، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخِرُ(٥) بِمَا أَتَّى عَلَيه، فقال جَهِجَاهُ: ((حَلَبَ (٦) لِي سَبعَ(٧) أعنُزٍ، فَأَتَّيت عَلَيها، وصَنِيعَ بُرِمَةٍ، فَأَتَيْت عَلَيها)). فَصَلَّوا مع رَسُولِ اللهِوَّهِ الْمَغْرِبَ. فقال: ((لِيَأْخُذ ◌ُلُّ رَجُل بِيَدِ جَلِيسِه)). فَلَم يَبقَ في المَسجِدِ غَيْرُ رَسُولِ اللهِوَلَهُ وَغَيرِي، وَكُنتِ رَجُلًا عَظِيمًا طَوِيلًا، لا يُقَدَّمُ عَلَيَّ أحَدٌ، فَذَهَبَ بِي رَسُولُ اللهِوَ ◌ّهِ إِلى مَنْزِلِه، فَحَلَبَ(٨) لِي عنزًا، فَرَوِيت وشَبِعت، فقالت(٩) أُمُّ أيمَنَ: ((يَا رَسُولَ الله، أَلَيسَ هَذَا ضَيفَنَا؟)). فقال رَسُولُ اللهِ وَّةَ: ((إنَّه أكَلَ في مِعَى (١٠) مُؤمن الليلَةَ، وأكَلَ قَبلَ ذلك في مِعَى (١١) كَافِرٍ، الكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبعَةِ أَمعَاءٍ، والمُؤمن يَأْكُلُ في مِعَّى (١٢) واحِد)). وذَكَرَ ابنُ بَشكُوالَ (١٣): أنَّ كَونَ هَذَا المُبهَم هو جَهِجَاهٌ - هو الأكثَرُ في الرِّوايَةِ، (١) في الأصل: ((السادسة)). (٣) أبو يعلى (٩١٦)، والبزار (٢٨٩١ - كشف)، والطبراني في الكبير (٢٧٤/٢) (٢١٥٢). (٥) في (ح): ((يخبز)). (٤) في الأصل: ((سبعة)). (٦) في (ك٢): ((حلبت)). (٨) في (ك٢): ((فحلبت)). (١٠) في (ك٢، ح): ((معاء)). (١٢) في (ك٢، ح): ((معاء)). (٢) ليس في: الأصل. (٧) في الأصل: ((سبعة)). (٩) في (ك٢): ((فقال يا)). (١١) في (ك٢، ح): ((معاء)). (١٣) غوامض الأسماء المبهمة (٢٢٨/١). = ٦٢٩ كِتَابُ الأطعِمَةِ وقال والِدِي تَّتُهُ في ((شَرح الترمذيِّ)): إنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مَدَارَ حَدِيثِه عَلى مُوسَى بِنِ عُبَيَدَةَ الرَّبَذِيِّ، وهو ضَعِيفٌ. الثَّاني: (٢٠/٦م) أنَّه أبو بَصرَةً(١) الغِفَارِيُّ، رَواه أحمَدُ في ((مُسنَدِ))(٢)؛ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، وجَزَمَ به الخَطِيبُ في ((مُبِهَمَاتِه))(٣) . الثَّالِثُ: أَنَّه أبو غَزوانَ، رَواه الطََّرَاني؛ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ (٤). الرَّابِعُ: أنَّه نَضلَةُ بنُ عَمرو (٥). قال والِدِي تَُّهُ: لا يَصِحُ؛ لأنَّه لَيسَ في قِصَّتِهِ(٦): أنَّ ضَافَ النبيَّ وََّ، وإنَّمَا مَرَّ به النبيُّ نَّه بِمَرٍّ، فَسَقَاه وشَرِبَ فَضلَتَه، ثم قال: ((يَا رَسُولَ الله، إن كُنت لأشرَبُ السَّبعَةَ فَمَا أَمْتَلِئُ)). فقال رَسُولُ اللهِ وَلَهُ : ((إنَّ المُؤمن ... )). الحديثَ، رَواه أحمَدُ، والبَزَّارُ(٧)؛ بِإِسنَادٍ رِجَالُه ثِقَاتٌ، فَلا يَكُونُ هو المُبِهَمَ في حَدِيثِ أبِي هَرَيْرَةَ. انتَهَى. الخَامِسُ: أَنَّه ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ . السَّادِسُ: أنَّه بَصرَةُ بنُ أَبِي بَصرَةً(٨) الغِفَارِيُّ، حَكَاهِمَا القَاضِي عِيَاضٌ، والنَّوِيُّ وغَيرُهمَا (٩). وحَكَى ابنُ بَشكُوالَ (١٠): كَونَه ثُمَامَةَ بنَ أُثَالٍ، عن ابنِ (١١) إِسحَاقَ، وصَدَّرَ بِه المَازَرِيُّ(١٢) كَلامَه، وقال والِدِي تَظُْهُ: لَم أجِد في طُرُقٍ الحديثِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَينِ القَولَينِ. السَّادِسَةُ: فيه فَضلُ تَقلِيلِ الأكلِ وذَمُّ كَثرَتِه . (١) في الأصل: ((أبو نضرة)). (٢) أحمد (٣٩٧/٦). (٣) الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة (ص ٨٠ جهاز) (٤) الطبراني في الكبير - كما في مجمع الزوائد (٣٥/٥). (٥) في (م): ((بن عمر)). (٦) في (ح، ك٢): ((قضيته)). (٧) أحمد (٣٣٦/٤)، والبزار (٢٩٠٥ - كشف). (٨) في الأصل: ((نصرة بن أبي نصرة)). (٩) إكمال المعلم (٥٥٦/٦)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢٦/١٤). (١٠) غوامض الأسماء المبهمة (٢٣٢/١). (١٢) المعلم (٢٢٣/٢). (١١) في (ك٢): ((أبي)). ٦٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الحديثُ الخَامِسُ وعنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا جَاءَكُم(١) الصَّانِعُ بِطَعَامِكُم، قَد أغنَى عنكُمْ حَرَّه ودُخَانَه، فَادْعُوه فَليَأْكُل معكُم، وإلا ، فَأَلْقِمُوه في يَدِهِ)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَه البُخَارِيُّ(٢) من رِوايَةِ شُعبَةً(٣)، عن مُحَمَّدٍ بِنِ زِيَادٍ، عن أبِي هُرَيْرَةَ، بِلَفِظِ : ((إِذَا أَتَى أَحَدَكُم خَادِمُه بِطَعَامِه، فَإِن لَم يُجلِسِه معه، فَليُنَاوِله أُكْلَةً أو أُكلَتَينٍ، أو لُقْمَةً أو لُقْمَتَينٍ، فَإِنَّه ولِي حَرَّه وعِلاجَه)). وأخرَجَه مسلمٌ، وأبو دَاوُد(٤) من رِوايَةِ دَاوُد بنِ قَيسٍ، عن مُوسَى بنِ يَسَارٍ، عن أبِي هرَيرَةَ، بِلَفِظِ: ((إِذَا صَنَعَ لأحَدِكُم خَادِمُه طَعَامَه، ثم جَاءَه به، وقَد ولِيَ حَرَّه ودُخَانَه، فَلْيُقِعِده (٥) معه فَلَيَأْكُل، فَإِن كَانَ الطَّعَامُ مَشفُوهًا (٦/ ٢١م) قَلِيلًا، فَلَيَضَع في يَدِهِ منه أُكَلَةً أو أُكلَتَينٍ)). زَادَ مسلمٌ: قال دَاوُد: يَعني لُقْمَةً أو لُقْمَتَينٍ. وأخرَجَه الترمذيُّ، وابنُ مَاجَه(٦) من رِوايَةِ إسمَاعِيلَ بنِ أبِي خَالِدٍ، عن أبيه، عن أبِي [٦٩/٢ و] هَرَيْرَةَ، وقال: ((لُقْمَةً)). وقال الترمذيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ] الثّانيةُ: فيه استِحبَابُ الأكلِ مع الخَادِمِ الَّذِي بَاشَرَ طَبِخَ الطَّعَامِ، وذلك تَواضُعٌ، وكَرٌ في الأخلاقِ، وفي مَعنَى الذَّكَرِ الأُنثَى، وهو في الأُنثَىَ مَحمُولٌ (٧ عَلى مَا٧) إذَا كَانَ السَّيِّدُ رَجُلًا عَلى أن تَكُونَ جَارِيَتَه أو مَحرَمَه، فَإن كَانَت أجنَبِيَّةً فَلَيْسَ لَه ذلك. ■ الثَّالِثَةُ: وفيه أنَّه إذَا لَم يُجلِسه لِلأكلِ معه، إمَّا لِقِلَّةِ الطَّعَامِ، وإمَّا لِسَبَبٍ في الأصل: ((جاء)) . (١) (٢) البخاري (٥٤٦٠). (٣) في (ك٢): ((سعيد)). (٤) مسلم (٤٢/١٦٦٣)، وأبو داود (٣٨٤٦). (٥) في (ك٢): ((فليقعد)). (٦) الترمذي (١٨٥٣)، وابن ماجه (٣٢٨٩). (٧ - ٧) ليست في (ك٢)، وفي (ح): ((فيما)). كِتَابُ الأطعِمَةِ ٦٣١ = آخَرَ؛ استُحِبَّ أن يُطعِمَه منه، ولا يَحرِمُه إِيَّاه، ولَو كَانَ الطَّعَامُ يَسِيرًا؛ كَاللقمَةِ واللقمَتَينِ، وقال الرَّافِعِيُّ: أَشَارَ الشَّافِعِيُّ (١) في ذلك إلى ثَلاثِ احتِمَالاتٍ. أحَدُها: أنَّه يَجِبُ التَّروِيغُ والمُنَاولَةُ، فَإن أجلَسَه معه فَهو أفضَلُ. وثانيها: أنَّ الواجِبَ أحَدُهمَا لا بِعَينِهِ، وأصَحُها (٢): أنَّه لا يَجِبُ واحِدٌ منهمَا، قال: ومنهم مَن نَفَى الخِلافَ في الوُجُوبِ. وذَكَرَ قَولَينِ في أنَّ الإجلاسَ أفضَلُ، أو همَا مُتَسَاوِيَانٍ، والظَّاهرُ الأولُ؛ لِيَتَنَاولَ القَدرَ الَّذِي يَشْتَهيه. انتَهَى. واعتَرَضَ شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ عَلى هَذَا الكَلامِ بِأَمَرَينِ : أحَدُهمَا: أنَّه قَد يَتَوقَّفُ النَّاظِرُ في تَغَايُرِهمَا؛ لأنَّ حَقِيقَةَ الأولِ التَّخِيرُ، والثَّاني كَذلك. قال: والَّذِي تَحَرَّرَ في المُغَايَرَةِ، بَعدَ اتِّحَادِهمَا في وُجُوبِ أَحَدِهِمَا، أنَّ الأولَ يَقُولُ بِأفضَلِيَّةِ الإجلاسِ والثَّانِي يُسَوِّي بَيْنَهمَا . قال(٣): الأمرُ الثَّاني: أنَّ الشَّافِعِيَّ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الثَّلاثَ، ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أنَّ الأولَ واجِبٌ، فَإِنَّه قال في ((المُختَصَرِ))(٤)، بَعدَ ذِكرِ الحديثِ: هَذَا عِندَنَا، والله أعلَمُ، عَلى وجهَينِ : أولاهما: بِمَعنَاه، أنَّ إجلاسَه معه أفضَلُ، فَإِن لَم يَفْعَل، فَلَيسَ بِواجِبٍ، أو يَكُونُ الخِيَارُ بَيْنَ أن يُنَاوِلَه أو يُجلِسَه، (٢٢/٦م) وقَد يَكُونُ أمرُه اختيارًا غَيرَ حَتم. قال: فَقَد رَجَّحَ الاحتِمَالَ الأولَ، فقال: إنَّه أولى بِمَعنَى الحديثِ، ومَعنَى الاحتِمَالِ الأولِ: أنَّ إجلاسَه معه لَيسَ بِواجِبٍ، ولَكِنَّه أفضَلُ، فَإِن لَم يَفعَل فَيَجِبُ أن يُطْعِمَه منه، إذ لَو حُمِلَ ذلك عَلى أنَّهمَا مَعًا غَيرُ واجِبَينٍ، لاتَّحَدَ مع الاحتِمَالِ الثَّاني، قال: فَظَهَرَ أنَّ الرَّاحِحَ عِندَ الشَّافِعِيِّ هو الأولُ عَلى خِلافِ مَا رَجَّحَه الرَّافِعِيُّ. انتَهَی کَلامُه. (١) في (ح): ((الرافعي)). (٢) في النسخ: ((أصحهما))، والمثبت من (م)، هو الأوفق للسياق. في (ح): ((فإن)». (٣) (٤) في (ح): ((المحتضر)). ٦٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الرَّابِعَةُ: يَنبَغِي أن (١) يَكُونَ في مَعنَى طَبَّاخِ الطَّعَامِ حَامِلُه في الأمرَينِ مَعًا: الإجلاسِ معه، والمُنَاولَةِ منه عِندَ القِلَّةِ، لِوُجُودِ المَعنَى فَيه، وهو تَعَلُّقُ نَفسِه به، وشَمُّه رَائِحَتَه، وإِرَاحَةُ صَاحِبِ الطَّعَام من حَمِلِهِ، كَمَا (٢أنَّ في٢) الأولِ إِرَاحَتَه من طَبخِه، وإن كَانَ هَذَا (٣) الثَّانِي أَقَلَّ عَمَّلًا من الأولِ، بَل قَدِ يُقَالُ بِاسْتِحِبَابه في مُطلَقِ الخَادِمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَبِيبُ الترمذيِّ عَلَيه: ((الأكلُ مع المَمْلُوكِ)). · الخَامِسَةُ: ((الصَّانِعُ)). الَّذِي صَنَعَ الطَّعَامَ، وقَولُه: ((وإلا))؛ أي: وإلا (٤) تَدعُوه لِلأكلِ معكُم، إمَّا لِلقِلَّةِ، كَمَا في الرِّوايَةِ الأُخرَى، وإمَّا لِسَبَبٍ آخَرَ؛ وقَولُهُ(٥): ((فَأَلقِمُوه) بِفَتحِ الهَمزَةِ، وكَسرِ القَافِ. ((والأُكَلَةُ)) بِضَمِّ الهَمزَةِ: اللقمَةُ، كَمَا فَسَّرَه رَاوِي الحديثِ؛ وقَولُه: ((مَشفُوهًا)) بِالشِّينِ المُعجَمَةِ، والفَاءِ؛ أي: قَلِيلًا، وأصلُه المَاءُ الَّذِي كَثُرَت عَلَيه الشِّفَاه حَتَّى قَلَّ، فَقَولُه بَعدَه: (قَلِيلًا)) تَفْسِيرٌ لَه، وقِيلَ: أَرَادَ: فَإِن كَانَ مَكثُورًا عَلَيه؛ أي: كَثُرَت أكلَتُه. وجَوزَ والِدِي تَخْتُهُ في قَولِه في رِوايَةِ الترمذيِّ: ((فَإِن أَبَى)) (٦ أنَّ المُرَاد٦َ): فَإِن أَبَى الخَادِمُ، حَيَاءً منه أو تَأْدُّبًا، قال: والظَّاهرُ أنَّ المُرَادَ السَّيِّدُ بِدَلِيلِ غَيرِها من الرِّوايَاتِ. السَّادِسَةُ: فيه أنَّه لا يَجِبُ إطعَامُ(٧) المَمْلُوكِ من جِنْسٍ مَأْكُولِهِ، فَلَه أن يَتَنَاوَلَ الأطعِمَةَ النَّفيسَةَ، ويُطعِمَ رَقِيقَه [مِمَّا دُونَ ذلك. وقَد صَرَّحَ أصحابُنَا بذلك، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٨): عن جَمِيعِ أهلِ العِلمِ، وإن كَانَ الأفضَلُ مُواسَاتَه، قَالُوا: والواجِبُ أن يُطعِمَ رَقِيقَه](٩) من غَالِبِ القُوتِ الَّذِي يَأْكُلُ منه المَمَالِيكُ فِي البَلَدِ، وكَذَا الْأُدْمُ الغَالِبُ، والكِسوةُ الغَالِيَةُ. ] السَّابِعَةُ (١٠): [٦٩/٢ظ] استَدَلَّ ابنُ حَزْمُ(١١) بِقَولِه: ((فَإِن كَانَ الطَّعَامُ (١) غير واضحة في (ك٢). (٣) ليس في: (٢٥). (٥) ليستفي (ك٢). (٦ - ٦) موضعها في الأصل بعد قوله: ((حياء)). (٧) في (ك٢): ((طعام)). (٨) الإشراف (١٨٨/٨). (١٠) ليس في الأصل. (٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢). (١١) المحلى (٤٣٨/٧). (٢ - ٢) غير واضحة في (ك٢). (٤) في (ح): (وإن لا)). = ٦٣٣ كِتَابُ الأطعِمَةِ مَشِفُوهًا)). عَلى أنَّ الأمرَ بِإِكثَارِ المَرَقِ في حَدِيثِ أبِي ذَرِّ (١)، لَيسَ عَلى سَبِيلِ(٢) الوُجُوبِ، وإنَّمَا هو عَلى سَبِيلٍ(٣) الاستِحِبَابِ، وهو كَذلك. والله أعلم. الحديثُ السَّادِسُ (٢٣/٦م) وعن أنَسِ: أنَّ النبيَّ نَّهِ أُتِي بِلَبَنِ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وعن يَمِينِه أعرَابِيٌّ، وعن يَسَارِهِ أبو بَكرٍ، فَشَرِبَ، ثم أعْطَى الأعرَابِيَّ، وقال: ((الأيمَنَ فَالأيمَنَ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه الأئِمَّةُ الستةُ(٤)، خَلا النسائيّ، من هَذَا الوجه، من طَرِيقِ مَالِكٍ. والبُخَارِيِّ(٥) أيضًا من رِوايَةٍ يُونُسَ بِنِ يَزِيدَ. ومسلمٌ(٦) من رِوايَةِ ابنِ عُيَينَةَ. كُلِّهم عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ. وفي رِوايَةِ مسلمٌ من طَرِيقِ ابنِ عُيَينَةً: (فقال لَه عُمَرُ، وأبو بَكرٍ عن شِمَالِه: ((يَا رَسُولَ الله، أعطِ أَبَا بَكرٍ)). فَأعظَاه أعرَابِيًّا عن يَمِينِه)). وأخرَجَه الشَّيخَانِ(٧) أيضًا من رِوايَةِ أبِي طُوالَةَ، واسمُه عَبدُ الله بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَعمٍَ، عن أنَسٍ، وفيه: ((وأبو بَكرٍ عن يَسَارِهِ، وعُمَرُ تُجَاهَه، وأعرَابِيٌّ عن يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قال عُمَرُ: ((هَذَا أبو بَكرٍ)). زَادَ مسلمٌ: ((يُرِيه إِيَّه)). ثم اتَّفَقَا: ((فَأَعطَى الأعرَابِيَّ، وقال: ((الأيمَنُونَ، الأيمَنُونَ، الأيمَنُونَ)). قال أنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فِهِي (٨) سُنَّةٍ)). ولَفظُ البُخَارِيِّ، بَدَلُ قَولِهِ: ((الأيمَنُونَ)) (١) أحمد (١٤٩/٥)، ومسلم (١٤٢/٢٦٢٥)، الترمذي (١٨٣٣)، وابن ماجه (٣٣٦٢). (٢) ليست في الأصل. (٣) غير واضحة في (٢٥). البخاري (٥٦١٩)، ومسلم (١٢٤/٢٠٢٩)، وأبو داود (٣٧٢٦)، والترمذي (١٨٩٣)، (٤) وابن ماجه (٣٤٢٥). البخاري (٥٦١٢). (٥) البخاري (٢٥٧١)، ومسلم (١٢٦/٢٠٢٩). (٧) في (م): ((في)) . (٨) (٦) مسلم (١٢٥/٢٠٢٩). ٦٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثَّالِثَةَ: ((ألا فَيَمنوا))، وفي عَزوِ الشَّيخ تَظْهُ في ((النُّسَخَةِ الكُبرَى)) من الأحكام هَذَا اللفظَ، وهو قَولُ أَنَسٍ: ((فَهِيَ سُنَّةٌ)) ثَلاثًا، لِمسلمٍ فَقَط. نَظَرٌ، فَهو عِندَ الْبُخَارِيِّ أيضًا في الهَبَةِ من ((صَحِيحِه))، والله أعلمُ. الثّانيةُ: فيه جَوازُ شَوبِ اللبَنِ؛ أي: خَلطِه بِالمَاءِ، إذَا كَانَ القَصدُ استِعِمَالَه لِنَفْسِه - أو لأَهلِ بَيتِه - أو لأضيَافِه، وإِنَّمَا يَمتَنِعُ شَوبُه بِالمَاءِ فيمَا إذَا أَرَادَ بَيعَه؛ لأنَّه غِشٌّ. قال النَّووِيُّ(١): قال العُلَمَاءُ: والحِكمَةُ في شَوبه أن يَبْرُدَ، أو يَكْثُرَ، أو لِلمَجْمُوعِ. قُلتُ: وقَد يَكُونُ لَه سَبَبٌ آخَرُ، وهو (٢إزَالَةُ حَمضِه أو تَخفيفُه٢). ■ الثَّالِثَةُ: لَم أَقِف عَلى تَسمِيَةِ هَذَا الأعرَابِيِّ، وفي ((مُسنَدِ أحمَدَ))، و((مُعجَم الطَّبَرَاني))(٣)، واللفظُ لَه، عن عَبدِ الله بنِ أبِي حَبِيبَةَ: ((أَنَّ قِيلَ لَه: مَا تَذْكُرُ مِن رَسُولِ اللهِ وَلَ؟ قال: جَاءَنَا في مَسجِدِنَا بِقُبَاءَ فَجِئت، وأَنَا غُلامٌ(٤) حَدَثُ، حَتَّى جَلَست عن يَمِينِهِ، وجَلَسَ أبو بَكرٍ عن يَسَارِهِ، (٢٤/٦م) قال: ثم دَعَا بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ، ونَاولَني عن يَمِينِه)). ولا يَصِحُ أن يَكُونَ هو المُبِهَمَ في حَدِيثِ أنَسٍ وغَيرِهِ؛ لِكَونِه أنصَارِيًّا من بَنِي عَبدِ الأشهَلِ، فَلا يُقَالُ لَه أعرَابِيٍّ؛ لأَنَّ الأعرَابَ سُّانُ البَوادِي، فَهِيَ قِصَّةٌ أُخرَى، وكَانَ أبو بَكرٍ رَّهِ، فيهما (٥) عن يَسَارِ رَسُولِ الله ◌َلِ﴾. ا الزَّابِعَةُ: فيه أنَّ مَن سَبَقَ إلى مَجلِسِ العَالِمِ أو الكَبِيرِ، وجَلَسَ في مَكَانٍ عَالٍ، لا يُنَخَّى عنه لِمَجِيءٍ مَن هو أعلى منه، فَيَجلِسُ ذلك الجَائِي حَيثُ انتَهَى به المَجلِسُ، ولَو كَانَ دُونَ مَجلِسٍ(٦) مَن هو دُونَه. الخَامِسَةُ: فيه أنَّ السُّنَّةَ الْبُدَاءَةُ في الشُّربِ ونَحوِهِ بِمَن(٧) هو عَلى يَمِينٍ (١) شرح صحيح مسلم (٢٠١/١٣). (٢ - ٢) مكانها في (ك٢): ((تكثيره لكونه لا يكفي من حضر)). (٣) أحمد (٢٢١/٤)، والطبراني - كما في المجمع (١٣١/٥). (٤) في (ك٢): ((أنا وغلام)). (٥) في (م): ((فيها)). (٦) في (ك٢): ((مجلسه)). (٧) في (ح): ((لمن)). = كِتَابُ الأطعِمَةِ ٦٣٥ الكَبِيرِ، وإن كَانَ مَفضُولًا بِالنِّسَبَةِ لِمَن هو عَلى يَسَارِهِ، وهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيه، لَكِنَّه استِحِبَابٌ عِندَ الجُمهورِ. وذَهَبَ ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(١) إلى وُجُوبِه، فقال: لا يَجُوزُ(٢) مُنَاولَةُ غَيرِ الأيمَنِ إلا بإذنِ الأيمَنِ. قال: ومَن لَم يُرِدِ أن يُنَاوِلَ أحَدًا فَلَه ذلك. ا السَّادِسَةُ: قَولُه: ((الأيمَنُ، فَالأيمَنَ)). رُوِيَ بِالرَّفعِ والنَّصبِ، فَالرَّفْعُ عَلى أنَّه خَبَرُ مُبتَدَأٍ مَحذُوفٍ تَقدِيرُه: الأحَقُّ الأيمَنُ، أو نَحوُ ذَلك، ويَدُلُّ لَه قَولُه في الرِّوايَةِ الأُخرَى: ((الأيمَنُونَ، الأيمَنُونَ)) ووجه النَّصبِ، وهو أشهَرُ، إضمَارُ فِعلٍ تَقدِيرُه: أعطِ الأيمَنَ، ونحو ذلك. السَّابِعَةُ: بَيَّنَ النبيُّ ◌َّهَ بِقَولِهِ: ((الأيمَنَ، فَالأيمَنَ)): أنَّ هَذَا سُنَّهُ الشُّربِ العَامَّةِ في كُلِّ مَوطِنٍ، وأنَّ تَقْدِيمَ الَّذِي عَلى يَمِينِهِ لَيسَ لِمَعنَّى فيه، بَل لِمَعنَّى(٣) في تِلكَ الجِهَةِ، وهو فَضلُها عَلى جِهَةِ اليَسَارِ، وفي ذلك تَطيِيبٌ لِخَاطِرٍ مَن هو عَلَى الْيَسَارِ، بِإِعلامِه أنَّ(٤) ذلك لَيسَ تَرجِيحًا لِمَن هو عَلَى الْيَمِينِ، بَل هو تَرجِيحٌ لِجِهَتِه. والله أعلمُ. الثَّامنةُ: [٧٠/٢و] الحديثُ في الشُّربِ، ولا يَختَصُّ الحُكمُ به، بَل الأكلُ ونَحوُه كَذلك، يُبدَأُ فيه بِالأيمَنِ، إذَا لَم يَجتَمِعُوا عَلَيه في حَالَةٍ واحِدَةٍ، وحُكِيَ عن مَالِكِ: تَخصِيصُ ذلك بِالشَّرَابِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥) وغَيْرُه(٦): ولا يَصِحُ هَذَا عن مَالِكِ. وحَكَى ابنُ بَطَّالٍ (٧) عن بَعضِهم أنَّه قال: لا أعلَمُ أحَدًا قاله غَيرَه. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٨): يُشبه أن يَكُونَ قَولُ مَالِكٍ: إنَّ السُّنَّةَ وَرَدَت في الشُّربِ خَاصَّةً، وإِنَّمَا يُقَدَّمُ(٩) الأيمَنُ فَالأيمَنُ فِي غَيرِهِ بِالقِيَاسِ، لا بِسُنَّةِ مَنصُوصَةٍ فيه. قال النَّووِيُّ(١٠): وكَيفَ كَانَ، فَالعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلى استِحِبَابِ التَّيَامُنِ في الشَّرَابِ وأشباهه. (١) المحلى (٥٢١/٧). (٣) في (ح): ((المعنى)). (٥) غير واضحة في (ك٢). شرح صحيح البخاري (٧٤/٦). (٧) (٩) في الأصل، (ح): ((تقدم)). (٢) في (ح): ((تجوز)). (٤) في الأصل: ((بأن)). (٦) التمهيد (١٥٦/٦). (٨) إكمال المعلم (٤٩٩/٦). (١٠) شرح صحيح مسلم (٢٠٢/١٣). ٦٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ التَّاسِعَةُ: إن قُلتَ: هَل قَدَّمَ النبيُّ وَّهَ بَعدَ الأعرَابِيِّ أَبَا بَكرٍ أو عُمَرَ؟ قُلتُ: لَم أقِف في شَيءٍ من ظُرُقِه عَلى التَّصْرِيحِ (٢٥/٦م) بذلك، والظَّاهرُ تَقْدِيمُ عُمَرَ؛ لأنَّ كَانَ جَالِسًا تُجَاهَ النّبِيِّ وَّهِ، فَكَانَ عَلَى يَمِينِ الأعرَابِيِّ، وكَانَ أبو بَكرٍ عَلَى يَمِينِهِ، فَفَعَلَ ذلك عَمَلًا بِقَولِهِ: ((الأيمَنَ، فَالأيمَنَ)). إلا أن يَكُونَ عُمَرُ آثَرَ أبَا بَكرٍ بِنَصِيبه من التَّقْدِيمِ(١) رًَّا. ■ العَاشِرَةُ: (٢) إن قُلت٢َ): كَيفَ الجَمعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا رَواه أبو يَعلى المَوصِلِيُّ في (مُسنَدِه)(٣) من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ بِإسنَادٍ صَحِيحٍ، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهَ إِذَا سَقَى، قال: ((ابدَؤُوا بِالكُبَرَاءِ، أو قال: بِالأكَابِ))؟ قُلتُ: هَذَا مَحمُولٌ عَلى مَا إذَا لَم يَكُنْ عَلى يَمِينِهِ أحَدٌ، بَل كَانَ القَومُ جَالِسِينَ مُتَفَرِّقِينَ، إمَّا بَيْنَ يَدَيه، أو ورَاءَه. وقَد صَرَّحَ بذلك ابنُ حَزم(٤)، فقال: وإن كَانَ بِحَضرَتِه جَمَاعَةٌ، فَإِن كَانُوا كُلُّهم أمَامَه، أو خَلفَ ظَهرِهِ، أو عَلى يَسَارِهِ، فَلْيُنَاوِل الأكبَرَ فَالأكبَرَ، ولا بُدَّ، لِقَولِ رَسُولِ اللهِ وَ فِي حَدِيثِ حُوِيِّصَةَ، ومُحَيِّصَةَ: ((كَبِّرِ الكُبرَ))(٥). قال: فَهَذَا عُمُومٌ لا يَجُوزُ أن يَخرُجَ منه إلا مَا اسْتَثْنَاه نَصِّ صَحِيحٌ (٦)؛ كَالذِي ذَكَرِنَا من مُنَاولَةِ الشَّرَابِ. قال والِدِي تَُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): والاستِدلالُ بِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ المُتَقَدِّمِ(٧) أولى من الاستِدلالِ بِعُمُومِ قِصَّةٍ حُويِّصَةَ ومُحَيِّصَةَ، لِكَونِه وارِدًا في السَّقِيِ، وذَاكَ (٨) في أنَّ الأكبَرَ يَتَولِى الَبِّدَاءَةَ (٩ في الكَلامِ؟). انتَهَى. (١) في (ح): ((المتقدم))، وفي (ك٢): ((التقدم)). (٣) مسند أبو يعلى (٢٤٢٥). (٢ - ٢) ليست في الأصل. (٤) المحلى (٥٢٢/٧). (٥) البخاري (٣١٧٣)، ومسلم (١/١٦٦٩)، وأبو داود (٤٥٢٠)، والترمذي (١٤٢٢)، والنسائي (٤٧٢٤)، وابن ماجه (٢٦٧٧). (٦) في (م): ((صريح). (٨) في (ك٢): ((وذلك)). (٩ - ٩) في (ح): ((بالكلام)). (٧) في (٢٥): ((المقدم)). = كِتَابُ الأطعِمَةِ ٦٣٧ وقال النَّووِيُّ(١): وأمَّا تَقدِيمُ الأفَاضِلِ والكِبَارِ فَهو عِندَ التَّسَاوِي في بَاقِي الأوصَافِ، ولِهَذَا (٢) يُقَدَّمُ الأَعلَمُ والأقرَأُ عَلى الأسَنِّ النَّسِيبِ في الإمَامَةِ في الصَّلاةِ. الحَادِيَةَ عَشْرَة: إن قُلتَ: كَيفَ تَقَدَّمَ عُمَرُ بِالكَلامِ، وقال لِلنبيِّ ◌َ ((أعطِ أَبَا بَكرٍ؟)). مَكَالله قُلتُ: لَم يَفعَل ذلك عَلى سَبِيلِ الإلزَامِ والجَزْمِ، وإنَّمَا قاله تَذْكِيرًا لِلنبيِّ وَّ؛ لِجَوازِ اشتِغَالِهِ عنه، وعَدَمِ رُؤْيَتِه لَه، ولِهَذَا جَاءَ في رِوايَةِ لِمسلم: ((يُرِيه إِيَّاه)). أو قَصَدَ بذلك إعلامَ الأعرَابِيِّ الذِي عَلَى الْيَمِينِ بِجَلالَةٍ أَبِي بَكرٍ ◌َُه. ■ الثّانيةَ عَشْرَة: إن قُلتَ: قَد تَقَرَّرَ أنَّ الأيمَنَ أحَقُّ، وَلَه أن يُؤْثِرَ بِأَحَقِّيَّتِهِ، فَلِمَ لَم يَستَأذِنه النبيُّ وََّ كَمَا فَعَلَ فِي قَضِيَّةِ ابنِ عَبَّاسٍ، حَيثُ كَانَ عَلى يَمِينِهِ، وكَانَ عَلى يَسَارِهِ أشياخٌ، منهم خَالِدُ بنُ الولِيدِ، فَاسْتَأْذَنَ ابنَ عَبَّاسٍ، [وقال: ((أَتَأْذَنُ لِي أن أُعطِيَ هَؤُلاء)). فَامتَنَعَ من الإيثَارِ، فَهَلا استَأَذَنَ الأعرَابِيَّ، كَمَا اسْتَأْذَنَ ابنَ عَبَّاسٍ؟](٣) قُلتُ: الجَوابُ عنه من أوجُهٍ : أحَدُها: قال النَّووِيُّ(٤): قِيلَ: إِنَّمَا استَأْذَنَ الغُلامَ، دُونَ الأعرَابِيِّ، إدلالاً عَلى الغُلام، وهو ابنُ عَبَّاسٍ، وثِقَةً بِطِيبٍ نَفسِه بِأصلِ الاستِئِذَانِ، لا سِيَّمَا (٢٦/٦م) والأشياخُ أقَارِبُه. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٥): وفي بَعضِ الرِّوايَاتِ: ((عَمُّك وابنُ عَمِّك، أَتَأْذَنُ لِي أن أُعطِيَه)). ثَانيها: أن يَكُونَ فَعَلَ ذلك؛ تَطِيبًا لِخَاطِرِ الأشياخِ، فَإِنَّ منهم خَالِدَ بنَ الولِيدِ، وكَانَ حَدِيثَ العَهدِ بِالإسلامِ، مع رِيَاسَتِه في قَومِه، وشَرَفِ نَسَبه، فَأَرَادَ تَألِيفَه بذلك، بِخِلافِ أبِي بَكرِ الصِّدِّيقِ، فَإِنَّه مُطمَئِنُّ الخَاطِرِ، رَاضٍ(٦) بِكُلِّ مَا (١) شرح صحيح مسلم (٢٠٠/١٣). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢). (٥) إكمال المعلم (٤٩٧/٦). (٢ - ٢) في (ح): ((وبهذا)). (٤) شرح صحيح مسلم (٢٠١/١٣). (٦) ليست في الأصل. ٦٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَفْعَلُه النبيُّ وَّهِ، لا يَتَغَيَّرُ لِشَيءٍ من ذلك، وقَد أَشَارَ إلى بَعضِ هَذَا النَّووِيُّ(١) فقال، بَعدَ مَا تَقَدَّمَ: وفَعَلَ ذلك أيضًا تَأْلُّفًا لِقُلُوبٍ [٢/ ٧٠ظ] الأشياخِ، وإعلامًا بِوُدِّهم، وإِيثَارِ كَرَامَتِهم، إذَا لَم يَمنَع منها سُنَّةٌ. ثَالِثُها: أنَّ الأعرَابِيَّ قَد يَكُونُ في خُلُقِهِ جَفَاءٌ ونُفِرَةٌ، كَمَا يَغْلِبُ ذلك عَلى الأعرَابِ، فَخَشِيَ النبيُّ وَّهِ من استِئِذَانِه أن يَتَوهَّمَ إِرَادَةَ صَرفِه إلى أصحابه، ورُبَّمَا سَبَقَ إلى قَلْبِهِ شَيءٌ هَلَكَ به، لِقُربِ عَهِدِهِ بِالجَاهِلِيَّةِ، وعَدَم تَمَكُّنِهِ فِي مَعرِفَةِ أخلاقِ النبيِّ وَّهِ، وقَد تَظَاهَرَت النُّصُوصُ عَلى تَأْلُّفِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ قَلبَ مَن يَخَافُ عَلَيه، ولَعَلَّه كَانَ مِن كُبَرَاءِ قَومِه، ولِهَذَا جَلَسَ عن يَمِينِ النَبِيِّ بَل . (١) شرح صحيح مسلم (٢٠١/١٣). كِتَابُ الصَّيدِ ٦٣٩ كِتَابُ الصَّيدِ الحديثُ الأولُ عن سَالِم، عن أبِيه؛ أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((مَن اقتَنَى كَلبًا، إلا کَلبَ صَيْدٍ أو مَاشِيَةٍ، نَقَصَ من أجرِهِ كُلَّ يَومِ قِيرَاطَانٍ)). وعن(١) نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قَالِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن اقتَنَى كَلِبًا، إِلا كَلبَ مَاشِيَةٍ أَوَّ ضَارِي، نَقَصَ من عَمَلِهِ كُلَّ يَومِ قِيْرَاطَانٍ)). (٢٧/٦م) فيه فوائدُ: الأُولى: أخرَجَه من الطّرِيقِ الأُولى: مسلمٌ، والنسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه من رِوايَةِ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ. والشَّيخَانِ، والنسائيُّ(٣) من رِوايَةٍ حَنْظَلَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ. وزَادَ فيه مسلمٌ: قال سَالِمٌ: وكَانَ أبو هرَيرَةَ يَقُولُ: ((أو كَلبَ حَرثٍ))، وكَانَ صَاحِبَ حَرثٍ. ومسلمٌ، والنسائيُّ(٤) من رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ أبِي حَرمَلَةَ، بِلَفِظِ: ((نَقَصَ من عَمَلِهِ كُلَّ يَومِ قِيرَاطٌ)). قال عَبدُ الله: وقال أبو هَرَيْرَةَ: ((أو كَلبَ حَرثٍ))، ومسلمٌ(٥) من رِوايَةٍ عُمَرَ بُنِ حَمزَةَ بنِ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ؛ أربَعَتِهم عن سَالِم، عن أبيه. وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانيةِ: الشَّيخَانِ (٦) من طَرِيقٍ مَالِكٍ. والترمذيُّ(٧) (٨) من طَرِيقِ أيُّوبَ. كِلاهمَا عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. بياض في الأصل. (١) (٢) مسلم (٥١/١٥٧٤)، والنسائي (٤٢٩٨). (٣) البخاري (٥٤٨١)، ومسلم (٥٤/١٥٧٤)، والنسائي (٤٢٩٥). (٤) النسائي (٤٣٠٢). (٥) مسلم (٥٥/١١٥٧٤). (٦) البخاري (٥٤٨٢)، ومسلم (١٥٧٤/ ٥٠). (٧) في الأصل: ((الثوري)). (٨) الترمذي (١٤٨٧). ٦٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأخرَجَه الشَّيخَانِ (١) من رِوايَةِ عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ. وأخرَجَه مسلمٌ(٢) من رِوايَةِ أبِي الحَكَمِ، عن ابنِ عُمَرَ، بِلَفِظِ: ((مَن اتَّخَذَ كَلبًا، إلا كَلبَ زَرع، أو غَنَم، أو صَيدٍ نَقَصَ من أجرِهِ كُلَّ يَومِ قِيرَاطٌ)). وأبو الحَكَمِ هو عِمرَانُ بنُ الحَارِثِ السَّلَمِيُّ كما ذَكَرَه المِزِّيُّ(٣)، ولَيسِّ لَه عِندَ مسلم سِوی ھَذَا الحدیثِ، وذَكَرَ الَّووِيُّ(٤) أنَّه عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أبِي نُعمِ البَجَلِيُّ، والأولُ أثبَتُ. الثّانيةُ: فيه جَوازُ اقتِنَاءِ الكَلبِ إذَا كَانَ بِإِحدَى صِفَتَينِ : إحداهما: أن يَكُونَ كَلبَ صَيدٍ، وهو المُرَادُ بِالضَّارِي المَذكُورِ في(٥) الرِّوايَةِ الثَّانِيةِ، وسَنَتَكَلَّمُ عَلَيهِ بَعدَ ذلك. الثّانيةُ: أن يَكُونَ كَلبَ مَاشِيَةٍ؛ أي: مُعَدًّا (٦) لِحِفِظِها، وجَمعُ المَاشِيَةِ مَواشٍ، والمُرَادُ بها (٧): الإِبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، والأكثَرُ استِعمَالُها في الغَنَم، وفي رِوايَةٍ أَبِي الحَكَمِ عن ابنِ عُمَرَ: ((غَنَمِّ)) بَدَلُ: ((مَاشِيَةٍ)). ورَوى الترمذيُّ(٨) عن عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحِ: ((أنَّه رَأَخَّصَ في إمسَاكِ الكَلبِ، وإن كَانَ لِلرَّجُلِ شَاةٌ واحِدَةٌ)). وفي رِوايَةٍ أُخرَى، اقتِنَاؤُهُ لِخَصلَةٍ ثَالِثَةٍ، وهو: حِفظُ الزَّرعِ والبَسَاتينِ ونَحوِها. وقَد نَقَلَه ابنُ عُمَرَ وابنُه سَالِمٌ عن رِوايَةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَقَدَّمَ قَولُ سَالِمٍ، وكَانَ - أي: أبو هرَيرَةَ - صَاحِبَ حَرثٍ. وسَبَقَه إلى (٢٨/٦م) ذلك أبوه، فَفي (صَحِيحِ مسلم))(٩) (فَقِيلَ لابنِ عُمَرَ: إنَّ أبَا هَرَيرَةً يَقُولُ: ((أو كَلبَ زَرع)). فقال ابنُّ عُمَرَ: ((إنَّ لأبِي هرَيرَةَ زَرعًا)). قال النَّووِيُّ في ((شَرح مسلم)(١٤): قال العُلَمَاءُ: لَيسَ هَذَا تَوهينًا لِرِوايَةِ أبِي هرَيرَةً، ولا شَكًّا فيها، بَل مَعنَّاه: أنَّه لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرعِ وحَرثٍ اعتَنَى بذلك، وحَفِظَه، وأتقَنَه (١١)، والعَادَةُ: أنَّ المُبتَلى (١) البخاري (٥٤٨٠)، ومسلم (١٥٧٤/ ٥٢). (٢) مسلم (١٥٧٤/ ٥٦). شرح صحيح مسلم (٢٣٦/١٠). (٤) (٦) في (م): ((معد)) . (٨) الترمذي، عقب حديث (١٤٩٠). (٣) تهذيب الكمال (٣١٣/٢٢). (٥) في (٢٥): (وفي)). (٧) في الأصل، (ح): ((هنا)). (٩) مسلم (٥٨/١٥٧٤). (١٠) شرح صحيح مسلم (٢٣٦/١٠). (١١) في (ح): ((أيقنه)).