النص المفهرس

صفحات 601-620

بَابُ العَقِيقَةِ وغَيرِها
٠.
=
وأن يَكُونَ مَبنيًا لِلمَفعُولِ، فَإِنَّ هَذَا الفِعلَ لا يُستَعمَلُ إلا بهذِهِ الصِّيغَةِ.
وإِن كَانَ مَبْنيًا لِلفَاعِلِ، يُقَالُ: نَتَجَتِ النَّاقَةُ إذَا وَلَدَت.
وقَولُه: وفَصَلَه أبو دَاوُد. بِتَخفيفِ الصَّادِ. والطّواغِيتُ هنَا المُرَادُ بها:
الأصنَامُ. ومُفرَدُه: طَاغُوتٌ، وهو مَقلُوبٌ؛ لأنَّه من طَغَى، والطُّغْيَانُ: مُجَاوزَةٌ
الحد. وقَولُه: (نَعتِرُ)) (١)، بِكَسرِ الثَّاءِ، وقَولُه: ((وبَرُوا اللهَ» بِفَتحِ أولِه؛ أي:
أَطِيعُوه. وقَولُه: (نَفْرَعُ)) بِفَتَحِ الرَّاءِ.
( السَّابِعَةُ: قَولُه: ((فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرٌَ))، السَّائِمَةُ الرَّاعِيَةُ، ولَم يَذكُر في
الحديثِ لِذلك عَدَدًا، وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُه))(٢) عن أبِي قِلابَةَ رَاوِي الحديثِ، أَنَّه
قال: ((السَّائِمَةُ مَائَةٌ)) .
ورَوى أبو دَاوُد(٣) أيضًا، بِإسنَادٍ صَحِيحٍ، عن عَائِشَةَ رَِّا، قالت: ((أمَرَنَا
رَسُولُ اللهِوَّلٌ مِن كُلِّ خَمسِينَ شَاةً شَاةٌ)). ورَواه البَيْهَقِيُّ(٤) بهذا اللفظِ، وِلَفِظٍ
آخَرَ: ((أمَرَنَا رَسُولُ الله ◌ََّ بِالفَرَعَةِ من كُلِّ خَمسِينَ واحِدَةٌ)). ورَواه الحَاكِمُ في
(مُستَدرَكِه))(٥) بِلَفِظِ: ((أمَرَ بِالفَرَعِ في كُلِّ خَمسَةٍ واحِدَةٌ)) .
وقال: صَحِيحُ الإِسنَادِ.
ثم يَحتَمِلُ أن يَكُونَ ذِكرُ السَّائِمَةِ خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ، فَلا مَفهومَ لَه،
ويَحْتَمِلُ أن يَتَقَيَّدَ ذلك بها، كَمَا في الزَّكَاةِ، وفي هَذَا اسْتِحبَابُ أن يَتَصَدَّقَ من
كُلِّ مِائَةٍ أو خَمسِينَ أو خَمسٍ بِواحِدَةٍ، وهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلى الزَّكَاةِ. والله أعلمُ.
ا الثَّامنهُ: قَولُه: (تَغذُوهُ مَاشِيَئُك))، بِالذَّالِ المُعجَمَةِ؛ أي: تُرضِعُه
مَاشِيَتُك، وهيَ أُمُّه، لاحتياجِه لِلرَّضَاعَةِ.
وقَولُه: ((استَحمَلَ))، بِفَتحِ الثَّاءِ؛ أي: قَوِيَ عَلى الحَملِ وأطَاقَه، وهو
استَفعَلَ، من الحَملِ، ومَعنَى الحديثِ: أنَّ تَأْخِيرَ ذَبحِ الفَرَعِ إلى أن يَكُمُلَ ويَشَبَعَ
(١) في الأصل: (نعثر)). وفي (ح): ((تعثر)). وفي (ك٢) بغير نقط.
(٣) أبو داود (٢٨٣٣).
(٢) سبق تخريجه في الفائدة الأولى.
(٤) السنن الكبرى (٣١٢/٩).
(٥) الحاكم (٢٣٥/٤).

=
٦٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
من لَبَنِ أُمِّه، ويَجِيءَ وقتُ الحَملِ عَلَيه - أفضَلُ من المُبَادَرَةِ لِذَبحِه في أولٍ
وِلَادَتِه، وخَصَّ ابنَ السَّبِيلِ لِشِدَّةِ (٢٢٥/٥م) احتياجِه أكثَرَ من المُقِيمِ، لِغُربَتِهِ (١)،
ونَفَادِ نَفَقَتِهِ .
التَّاسِعَةُ: استَدَلَّ بِقَولِهِ: ((عَلى أهلِ كُلِّ (٢) بَيتٍ فِي كُلِّ عَام ◌ُضحِيَّةٌ)).
مَن قال بِوُجُوبها، وهو قَولُ أبِي حَنيفَةً(٣)، وقال الجُمهورُ بِاستِحِبَابِهَا، وأجابوا
عن الحديثِ بِضَعِفِه (٤)، كَمَا تَقَدَّمَ. وبِتَقدِيرِ صِحَّتِه، فَالمُرَادُ الاستِحِبَابُ المُؤَكَّدُ
دُونَ الوُجُوبِ، ويَدُلُّ لِذلك أنَّه لَم يَقُل أحَدٌ بِوُجُوبِ العَتيْرَةِ.
العَاشِرَةُ: فيه أنَّ الأُضحِيَّةَ مَشرُوعَةٌ عَلى الكِفَايَةِ، فَيَكفي في تَأْدِّي
مَشْرُوعِيَّتِها أن يُضَحِّيَ الواحِدُ عنه وعن أهلِ بَيتِه بِأُضحِيَّةٍ واحِدَةٍ.
الحَادِيَةَ عَشْرَة: ((الْبَكرُ))، بِالفَتحِ الفَتِيُّ من الإِلِ، والأُنثَى بَكرَةٌ، وفي
رِوايَةٍ لأبِي دَاوُد(٥): ((بَكرًا شُغزُبًا(٦) ابنَ مَخَاضٍ، أو ابنَ لَبوٍ))، وهو بِضَمِّ
الشِّينِ، وإسكانِ الغَينِ، وضَمِّ الزَّايِ المُعجَمَاتِ، بَعدَها بَاءٌ مُوحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ، كَذَا
وقَعَ عِندَ أبِي دَاوُد. قال الحَربِيُّ: الَّذِي عِندِي أَنَّه «زُخِزُبًّا))؛ أي: بِضَمِّ الزَّايِ،
وإسكَانِ الخَاءِ المُعجَمَةِ، ثم زَايٌ مَضمُومَةٌ، ثم بَاءٌ مُوحَّدَةٌ، وهو الَّذِي اشتَدَّ لَحمُه
وغَلُظَ. قال الخَطَّابِيُّ(٧): ويَحْتَمِلُ أن تَكُونَ(٨) الزَّايُ أُبدِلَت شِينًا، والخَاءُ غَيْنًا،
فَصُحِّفَ. وهَذَا من غَرَائِبِ الإبدَالِ.
■ الثّانيةَ عَشْرَة: قَولُه: ((فَيَلصَقَ)) بِفَتحِ أولِه، ((لَحمُه بِوبَرِه)) كَأَنَّ ذلك
كِنَايَةٌ عن هزَالِهِ؛ أي: لا يَكُونُ فيه شَحمٌ يَفصِلُ بَيْنَ لَحمِه وجِلدِهِ، وقَولُه: ((فَتَكفَأ
إِنَاءَك)) بِفَتحِ التَّاءِ والفَاءِ، يُقَالُ: كَفَى (٩) الإِنَاءَ؛ أي: قَلَبَه وكَبَّه. وأكَفَاه؛ أي:
أَمَالَه. وقِيلَ: هَمَا لُغَتَانِ فيهمَا، فَعَلى الثَّاني، يَجُوزُ فيه أيضًا ضَمُّ التَّاءِ، وكَسرُ
(١) في الأصل، (ح): ((بغربته)).
ينظر: المبسوط (٨/١٢).
(٣)
(٥) أبو داود (٢٨٤٢).
معالم السنن (٢٨٧/٤).
(٧)
(٩) في (م): ((كفأ)».
(٢) ليست في: الأصل.
(٤) في (ك٢): (لضعفه)).
(٦) في (م): ((مشغزبًا)).
(٨) في (ح): ((یکون)).

=
بَابُ العَقِيقَةِ وَغَيرِها
٦٠٣
الفَاءِ. ومَعنَاه: أنَّك إذَا ذَبَحت ولَدَ النَّاقَةِ انقَطَعَ لَبَنُها، فَكَفَأْت(١) إِنَاءَ اللبَنِ؛ أي:
قَلَبته عَلى وجهه؛ لأنَّه فَارٌِ من اللبَنِ. وقَولُه: ((وتُولِه نَاقَتَك))؛ أي: تَفْجَعُها بِفَقدِ
ولَدِها حَتَّى يُصِيبَها الولَه، وهو خَبَلُ العَقلِ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٢)، حِينَ
ذَكَرَ هَذَا الحديثَ: وعَلى هَذَا فَالفَرَعُ هنَا إِنَّمَا هو الصَّغِيرُ، ألا تَرَى أَنَّه فَسَّرَه
بذلك، ولا فَرَقَ بَيْنَ أولِ النِّتَاجِ، وبَيْنَ مَا بَعدَه، والمَعرُوفُ عند(٣) أهلِ اللغَةِ أنَّه
أولُ النِّتَاجِ.
قُلتُ: هو صَغِيرٌ مَخصُوصٌ، [٢/ ٦٤و] وهو الَّذِي يَكُونُ أولَ النِّتَاجِ، كَمَا
فَسَّرَه في الحديثِ. واللهُ تعالى أعلَمُ.
(١) في (م): ((فأكفأت)).
(٢) المفهم (٣٨٤/٥).
(٣) في (م): ((عن)).

كِتَابُ الأطعِمَةِ
٦٠٥
(٢/٦م) كِتَابُ الأُطعِمَةِ
الحديثُ الأولُ
عن نَافِعٍ وعَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ ضَ﴿ها: ((أنَّ رَجُلًا نَادَى
رَسُولَ اللهَِّةِ:َ مَا تَرَى في الضَّبِّ؟)). فقال: ((لَستُ بِآكِلِهِ، ولا مُحَرِّمِه)).
فيه فوائدُ :
■ الأُولى: أخرَجَه الأئِمَّةُ الستةُ خَلا أبَا دَاوُد، فَرَواه النسائيّ(١) من هَذَا
الوجه بهذا اللفظِ عن قُتَيبَةَ، عن مَالِكِ، عن نَافِعِ وعَبدِ الله بنِ دِينَارٍ. ورَواه
الترمذيُّ والنسائيُّ(٢) أيضًا عن قُتَيبَةَ، عن مَالِكِ، عَن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ وحدَه،
بِلَفِظِ: إِنَّ النبيَّ وَّرَ سُئِلَ عن أكلِ الضَّبِّ، فقال: ((لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه)). وقال
النسائيّ: ((وهو عَلى المنبَرِ)). وأخرَجَه البُخَارِيُّ(٣) من رِوايَةِ عَبدِ العَزِيزِ بنِ مسلمٍ.
ومسلمٌ(٤) من رِوايَةِ إسمَاعِيلٍ بِنِ جَعَفَرٍ. وابنُ مَاجَه(٥) من رِوايَةِ سُفَيَانَ بنِ عُيَيْنَةً.
كُلُّهم عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، لَفظُ البُخَارِيِّ: ((الضَّبُّ لَستُ آكُلُه ولا أُحَرِّمُه)). ولَفظُ
مسلم: (لَستُ بِآكِلِه، ولا مُحَرِّمِه)). ولَفظُ ابنِ مَاجَه: ((لا أُحَرِّمُ))؛ يَعني: الضَّبَّ.
وأخرَجَه مسلمٌ أيضًا من رِوايَةِ الليثِ بنِ سَعدٍ (٦)، وعُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، وأيُّوبَ
السَّختياني، ومَالِكِ بنِ مِغولٍ، وابنِ جُرَيجٍ، ومُوسَى بنِ عُقبَةَ، وأُسَامَةَ بنِ زَيدِ،
كُلُّهم عن نَافِع. وفي (٧) رِوايَةِ عُبَيدِ الله: ((سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ وََّ، وهو عَلى
(١) النسائي (٤٣٢٦).
البخاري (٥٥٣٦).
(٣)
(٥) ابن ماجه (٣٢٤٢).
(٧) في الأصل: ((من)).
(٢) الترمذي (١٧٩٠)، والنسائي (٤٣٢٥).
(٤) مسلم (٣٩/١٩٤٣).
(٦) مسلم (٤٠/١٩٤٣، ٤١، ٢/٢/١٩٤٣).

5
٦٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المنبَرِ عن أكلِ الضَّبِّ)). وفي رِوايَةِ أُسَامَةَ: ((قَامَ رَجُلٌ فِي المَسجِدِ وَرَسُولُ اللهِ وَل
عَلى المنبَرِ)). وفي رِوايَةِ أيُّوبَ: ((أُتي رَسُولُ الله ◌ِّهَ بِضَبٍّ، فَلَم (٣/٦م) يَأْكُله
ولَم يُحَرِّمه)). واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ(١) من رِوايَةِ الشَّعبِيِّ، عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ
النبيَّ وََّ كَانَ معه نَاسٌ من أصحابه، فيهم سَعدٌ، وأتَوا بِلَحم ضَبِّ، فَنَادَت امرأةٌ
من نِسَاءِ النبيِّ وَّ: إنَّه لَحمُ ضَبِّ، فقال رَسُولُ اللهِ وَّةَ: «كُلُوا، فَإِنَّه حَلالٌ،
[ولَكِنَّه لَيسَ مِن طَعَامِي)). لَفظُ مسلمٍ، وأخرَجَه البُخَارِيُّ فِي خَبَرِ الواحِدِ، ولَفظُه:
((فَإِنَّهِ حَلالٌ](٢). أو قال: لا بَأْسَ به)). شَكَّ فيه.
■ الثّانيةُ: الضَّبُّ دُويبةٌ مَعرُوفَةٌ، والأُنثَى ضَبَّةٌ، قال في ((المُحكَمِ))(٣):
وهو يُشبه الورَلَ(٤). وقال القُرطُبِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٥): هو حِرذَونٌ كَبِيرٌ يَكُونُ
في الصَّحِرَاءِ.
■ الثَّالِثَةُ: فيه إِيَاحَةُ أكلِ لَحمِ الضَّبِّ؛ لأنَّه إذَا لَم يُحَرِّمه فَهو حَلالٌ؛ لأنَّ
الأصلَ في الأشياءِ الإِبَاحَةُ، وعَدَمُ أَكلِه لا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِه، فَقَد يَكُونُ ذلك
لِعِيَافَةٍ أو غَيرِها، وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بذلك في الصَّحِيحِ (٦)؛ أنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ
والسَّلامُ قال: ((لَم يَكُن بِأرضٍ قَومِي؛ فَأْجِدُني أعَافُه)). وقَدْ رَفَعَ قَوله عَلَيه الصَّلاةُ
والسَّلامُ: ((كُلُوا، فَإِنَّه حَلالٌ)) كُلَّ إشكَالٍ، فَهَذَا نَصِّ لا يَقبَلُ التَّأْوِيلَ، وبهذا قال
مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وجُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ، وكَرِهَه
أبو حَنيفَةَ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٧) عن أصحَابِ الرَّأيِ. وحَكَاه ابنُ بَطَّالٍ(٨) عن
الكُوفيينَ. وحَكَى ابْنُ الْمُنذِرِ (٩) عن عَلِيٍّ ◌َّهِ: أنَّه نَهَى عنه. وحَكَى ابْنُ حَزمٍ (١٠)
عن جَابِرٍ أَنَّه قال: ((لا تَطْعَمُوه)).
(١) البخاري (٧٢٦٧)، ومسلم (١٩٤٤/ ٤٢).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) المحكم (١٦٢/٨).
(٤)
في (ح): ((الورك)).
(٥) المفهم (٢٣٠/٥).
البخاري (٥٣٩١)، ومسلم (١٩٤٥/ ٤٣).
(٦)
(٧)
الإشراف (١٦٣/٨).
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤٤٧/٥).
(٨)
(٩) السابق (٨/ ١٦٢).
(١٠) المحلى (٤٣١/٧).

=
كِتَابُ الأطعِمَةِ
٦٠٧٤
وذَهَبَت طَائِفَةٌ إلى تَحرِيمِه، حَكَاهِ المَازَرِيُّ والقَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُهمَا. وقال
الثَّورِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١): أجمَع المسلمُونَ عَلى أنَّ الضَّبَّ حَلالٌ لَيسَ
بِمَكَرُوهٍ، إلا مَا حُكِيَ عنَّ أصحَابٍ أبِي حَنِيفَةً من كَرَاهَتِهِ، وإلا مَا حَكَاهِ القَاضِي
عِيَاضٌ عن قَومِ أنَّهم قَالُوا: هو حَرَامٌ. ومَا أُتُه يَصِحُ عن أحَدٍ، فَإن صَحَّ عن
أَحَدٍ، فَمَحجُوجٌ بِالنُّصُوصِ(٢) وإجمَاعِ(٣) مَن قَبَلَه. انتَهَى.
قُلْت: الكَرَاهَةُ قَولُ الحَنَفيةِ (٤) بِلا شَكٍّ، كَمَا(٥) هو في كُتُبُهم (٦)، واختَلَفُوا
في المَكْرُوه؛ والمَروِيُّ عن مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ: أنَّ كُلَّ مَكرُوهٍ حَرَامٌ. إلا أنَّه لَمَّا
لَم(٧) يَجِد فيه نَصَّا قَاطِعًا لَم يُطلِقِ عَلَيْهِ لَفِظَ الحَرَامِ.
وعن أبِي حَنيفَةَ وأبِي يُوسُفَ: أنَّه إلى الحَرَامِ أَقْرَبُ.
فَظَهَرَ بذلك وُجُودُ (٨) الخِلافِ في تَحرِيمِه أيضًا عِندَ الحَنَفيةِ، ولِهَذَا نَقَلَ
العِمَرَاني في ((البَيَانِ)) عن أبِي حَنِيفَةَ: تَحرِيمَه. وهو ظَاهرُ قَولِ ابنِ حَزْمِ(٩)، ولَم
يَرَ أبو حَنِيفَةَ أكلَه، والخِلافُ عِندَ المَالِكِيَّةِ أيضًا، فَحَكَى ابنُ شَاسٍ وابنُ الحَاجِبِ
فيه، وفي كُلِّ مَا قِيلَ: إنَّه مَمسُوخٌ (١٠) ثَلاثَةَ أقوالٍ: التَّحرِيمُ، والكَرَاهَةُ،
والجوازُ.
الرَّابِعَةُ: (٤/٦م) احتَجَّ [٦٤/٢ظ] مَن قال بِالكَرَاهَةِ أو التَّحرِيمِ بِحَدِيثٍ
زَيدِ بنِ وهبٍ، عن عَبدِ الرَّحمَنِ ابنِ حَسَنَةً(١١)، قال: ((كُنت مع رَسُولِ اللهِّل في
سَفَرٍ، فَأَصَبنَا ضِبَابًا، فَكَانَت القُدُورُ تَغْلِي، فقال رَسُولُ اللهِ وَلَ: (مَا هَذَا؟)) فَقُلنَا(١٢):
(١) شرح صحيح مسلم (٩٩/١٣).
(٢) في (ك): ((بالنص)).
(٣)
في الأصل: ((واجتماع)).
(٥)
في الأصل: ((على ما)).
ينظر: المبسوط (١٩٦/١١)، والهداية (٦٨/٤).
(٦)
(٧)
ليست في (ك).
(٨) في (ك): ((وجوه)).
(٩) نص ابن حزم على حل الضب، المحلى (٤٣١/٧).
(١٠) في (م): ((منسوخ))، وفي (ح): ((ممسوح)).
(١١) حسنة: اسم أمه، وأبوه: عبد الله بن المطاع.
(١٢) في الأصل: ((قلنا)).
(٤) في الأصل: ((أبي حنيفة)).

5
٦٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أصَبنَاها. فقال: ((إنَّ أُمَّةً من بَني إسرَائِيلَ مُسِخَت، وأنَا أخشَى أن تَكُونَ هَذِه))
فَأْكَفَأْنَاها، وإنَّا لَجِيَاءٌ)). رواه ابنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحمَدُ، وأبو يَعلى، والبَزَّارُ،
والبَيْهَقِيُّ(١)، وغَيرُهم(٢)، ورَواه أبو دَاوُد(٣) من رِوايَةِ زَيدِ بنِ وهبٍ، عن
ثَابِتِ بنِ ودِيعَةَ، قال: ((كُنَّا مع رَسُولِ اللهِ وََّ في جَيشٍ، فَأَصَبنَا ضِبَابًا، فَشَويت
منها ضَبًّا، فَأَتَيت رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَوضَعته بَيْنَ يَدَيه، فَأَخَذَ عُودًا، فَعَدَّ به أصَابِعَه،
ثم قال: ((إنَّ أُمَّةً من بَنِي إسرَائِيلَ مُسِخَتِ دَوابَ في الأرضِ، وإني لا أدرِي أَّ
الدَّابِّ هِيَ؟». فَلَم يَأْكُلِ ولَم يَنْهَ)). ورَواه النسائيّ وابنُ مَاجَه(٤) وقَالا: ثَابِتُ بنُ
يَزِيدَ. وهمَا (٥) واحِدٌ، يَزِيدُ أبوه، و(٦) ودِيعَةُ أُمُّه، قاله الترمذيُّ والبَيهَقِيُّ(٧). وقال
المِزْيُّ(٨): هو ثَابِتُ بنُ يَزِيدَ بنِ ودِيعَةَ. قال البُخَارِيُّ(٩): وكَأنَّ(١٠) حَدِيثَ زَيدِ بنِ
وهبٍ عن ثَابِتِ بنِ ودِيعَةَ أصَحُّ، ويَحتَمِلُ عنهمَا جَمِيعًا. انتَهَى. ورَوى البَزَّارُ
وغَيْرُهُ(١١) عن حُذَيفَةَ مَرفُوعًا: ((إنَّ الضَّبَّ أُمَّةٌ مُسِخَت دَوابَّ في الأرضِ)). ورَوى
أبو دَاوُد وابنُ مَاجَه (١٢) عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِبلٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ◌ّرْ نَهَى عن
أكلِ لَحمِ الضَّبِّ)). قال البَيهَقِيُّ(١٣): تَفَرَّدَ(١٤) به إسمَاعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ، وَلَيسَ
بِحُجَّةٍ، ومَا مَضَى في إبَاحَتِه أصَحُّ منه. ورَوى أحمَدُ، وأبو يَعلى، والبَيهَقِيُّ،
وغَيرُهم (١٥) عن عَائِشَةَ، قالت: ((أُهدِيَ لَنَا ضَبٌّ، فَقَدَّمته إلى النبيِّ وََّ، فَلَم
(١) ليست في: الأصل.
(٢) ابن أبي شيبة (٧٨/٨)، وأحمد (١٩٦/٤)، وأبو يعلى (٩٣١)، والبيهقي في الكبرى
(٣٢٥/٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٩٧/٤).
(٣) أبو داود (٣٧٩٥).
(٤) النسائي (٤٣٣١)، وابن ماجه (٣٢٣٨).
(٦) من النسخ.
في (م): ((وابن وديعة، هما)).
(٥)
(٧) الترمذي في العلل الكبير (ص٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى (٣٢٥/٩).
(٩) ينظر: علل الترمذي الكبير (ص٢٩٧).
(٨) تهذيب الكمال (٣٨١/٤ - ٣٨٢).
(١١) البزار (٢٨١٣)، وأحمد (٢٢٠/٤).
(١٠) ليس في: (ك٢).
(١٢) أبو داود (٣٧٩٦).
(١٤) في (ح): ((ينفرد)).
(١٣) السنن الكبرى (٣٢٦/٩).
(١٥) أحمد (١٠٥/٦)، وأبو يعلى (٤٤٦١)، والبيهقي في الكبرى (٣٢٥/٩)، وابن أبي شيبة
(٢٦٧/٨).

=
كِتَابُ الأطعِمَةِ
٦٠٩
يَأْكُلِ منه، فَقُلت: يَا رَسُولَ الله، ألا نُطِعِمُها السُّؤَّالَ؟)). فقال: ((إنَّا لا نُطْعِمُهم مِمَّا لا
نَأْكُلُ)). وأجَابَ الجُمهورُ عن هَذِه الأحَادِيثِ بِمَا سَنَذكُرُه.
أمَّا حَدِيثُ عَبدِ الرَّحمَنِ ابنِ حَسَنَةَ: فَلَيسَ فيه الجَزمُ بِأنَّها مَمسُوخَةٌ،
وإكفَاؤُها إنَّمَا هو عَلى سَبِيلِ الاحتياطِ والورَعِ. وقال ابنُ حَزم(١): هو حَدِيثٌ
صَحِيحٌ إلا أنَّه مَنسُوخٌ؛ لأنَّ فيه إكفَاءَ القُدُورِ بِالضِّبَابِ خَوفَ أنْ يَكُونَ من بَقَايَا
مَسْخِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ. وفي ((صَحِيحِ مسلم))(٢) عن ابنِ مَسعُودٍ قال: قال رَجُلٌ: يَا
رَسُولَ الله، القِرَدَةُ والخَنَازِيرُ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الله(٣) لَم يُهلِك
قَومًا أو يُعَذِّب قَومًا، فَيَجعَل لَهم نَسلًا، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنَازِيرَ كَانَت قَبَلَ ذلك)). ثم
ذَكَرَ (٤) حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ في أكلِ خَالِدِ بنِ الولِيدِ لِلصَّبِّ وَرَسُولُ اللهِوَهِ يَنْظُرُ.
قال: وهَذَا هو النَّاسِخُ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لَم يَجتَمِع مع رَسُولِ اللهِ وَ لَ بِالمَدِينَةِ إلا
بَعدَ الفَتحِ وحُنَينِ والطَّائِفِ، ولَم يَغْزُ بَعدَها إلا تَبَوكَ، ولَم تُصِبهم في تَبَوكَ مَجَاعَةٌ
أصلًا، وَصَحَّ يَقِينًا: أنَّ خَبَرَ ابنِ حَسَنَةَ كَانَ قَبَلَ هَذَا. انتَهَى.
وأمَّا حَدِيثُ حُذَيفَةَ، فَقَد عَارَضَه مَا هو أصَحُّ منه، وهو حَدِيثُ ابنِ مَسعُودٍ
المُتَقَدِّمُ.
[وأمَّا حَدِيثُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ شِبلٍ: فَتَقَدَّمَ عن البَيْهَقِيّ تَضعِيفُه، وكَذَا قال
ابنُ حَزمٍ: فيه ضُعَفَاءُ ومَجهولُونَ](٥).
وأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ: وهو الَّذِي اعتَمَدَه صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٦) في الاستِدلالِ
لِمَذْهَبهم، فقال البَيهَقِيُّ(٧): هو، إن ثَبَتَ، في مَعنَى مَا تَقَدَّمَ من امتِنَاعِه من أكلِه،
ثم فيه أنَّه استَحَبَّ أن لا يُطعِمَ المَسَاكِينَ مِمَّا لا يَأْكُلُ. انتَهَى. وأصلُه قَوله تَعَالى:
﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ (٨) مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم ◌ِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وقَد ظَهَرَ بِحَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ أنَّ احتِمَالَ المَسخِ قَدْ أُمن، وزَالَ الثَّعَلُّلُ به.
(١) المحلى (٤٣٢/٧).
(٢) مسلم (٣٣/٢٦٦٣).
(٣)
ليس في الأصل.
(٤) أي: ابن حزم، والحديث سبق تخريجه في الفائدة الثالثة.
(٦) الهداية (٦٨/٤).
(٥)
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٧) السنن الكبرى (٣٢٥/٩).
(٨) في الأصل: ((الحديث)).

٦١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأمَّا العِيَافَةُ، فَلا تَقتَضِي التَّحرِيمَ، وفي عِبَارَةِ القَاضِي أَبِي بَكرِ ابنِ العَرَبِيِّ
المَالِكِيِّ إشَارَةٌ إلى التَّحرِيم في حَقِّ العَائِفِ، فَإنَّه قال(١): ولَكِن يَبقَى حَلالًا لِمَن
اعتَادَه؛ فَإِن صَحَّ فَسَبَبُه خَشيَةُ الضَّرَرِ بِالقَرَفِ، وقَد استَشكَلَ بَعضُهم قَولَه عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((لَم يَكُن بِأرضِ قَومِي، فَأْجِدُني أعَافُه)). و(٢) قال: إنَّ الضَّبَّ
مَوجُودٌ بِمَكَّةَ؟
وقَد أنكَرَ ذلك ابنُ العَرَبِيِّ، وقال: إنَّ(٣) فيه تَكذِيبَ الخَبَرِ، وأنَّ النَّاقِلَ
لِوُجُودِها بِمَكَّةَ(٤) كَاذِبٌ، أو سُمِّيَت لَه بِغَيرِ اسمِها، أو حَدَثَت بَعدَ [٦٥/٢ و]
ذلك. هَذَا كَلامُه.
والحَقُّ أنَّ قَولَه: (لَم يَكُن بِأرضٍ قَومِي)). لَم يُرِد به الحَيَوانَ، وإِنَّمَا أَرَادَ
أكلَه؛ أي: لَم يَشِع أكلُهُ بِأرضٍ قَومِي. وفي (مُعجَمِ الطَّبَرَاني الكَبِيرِ))(٥) من حَدِيثٍ
مَيمُونَةَ مَرفُوعًا: ((أنَّ(٦) أهلَ تِهامَةَ تَعَافُها))(٧). قال أَبَو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٨): وقَد جَاءَ
فِي غَيْرِ كِتَابٍ مسلم: أنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَرِهَه لِرَائِحَتِه، فقال: ((إني يَحضُرُني
من الله حَاضِرَةٌ)). يُرِيدُ(٩) المَلائِكَةَ، فَيَكُونُ هَذَا كَنَحوِ مَا قال في الثُّومِ: ((إني أُنَاجِي
مَن لا تُتَاجِي))(١٠). قال: ولا بُعدَ في تَعلِيلِ كَرَاهَةِ الضَّبِّ بِمَجْمُوعِها .
الخَامِسَةُ: إن قُلتَ: في ((صَحِيحِ مسلم))(١١) عن يَزِيدَ بنِ الأصَمِّ، قال:
((دَعَانَا عَرُوسٌ بِالمَدِينَةِ، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلاثَةَ عَشَرَ ضَبَّاً، فَآكِلُ وتَارِكٌ، فَلَقِيتُ ابنَ عَبَّاسٍ
من الغَدِ، فَأخبَرَتُه، فَأكثَرَ القَومُ حَولَه، حَتَّى قال بَعضُهم: قال رَسُولُ اللهِ وَلَه :
((لا آكُلُه، ولا أنھَى عنه، ولا أُحَرِّمُه)). فقال ابنُ عَبَّاسٍ: ((بِتسَمَا قُلتُم، مَا بُعِثَ
نَبِيُّ الله ◌َّهِ إِلَّ مُحِلَّا (٦/٦م) ومُحَرِّمًا. ثم ذَكَرَ قِصَّةَ خَالِدِ بنِ الولِيدِ)).
(١) عارضة الأحوذي (٢٩٠/٧).
ليست في: الأصل.
(٣)
المعجم الكبير (٤٣٦/٢٣) (١٠٥٧).
(٥)
(٧) في (ح): ((نعافها)).
(٩) في الأصل: ((يعني)).
(١١) مسلم (١٩٤٨/ ٤٧).
(٢) ليس في: الأصل.
(٤) ليست في: (ك٢).
(٦) في (ح): ((إنا)).
(٨) المفهم (٢٣١/٥).
(١٠) البخاري (٨٥٥)، ومسلم (٥٦٤/ ٧٣).

=
كِتَابُ الأطعِمَةِ
فَكَيفَ الجَوابُ عن إنكَارِ ابنِ عَبَّاسٍ مَا (١) هو ثَابِتٌ فِي هَذَا الحديثِ؟
قُلت: أجَابَ عنه القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٢): بِأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ ظَنَّ أنَّ
المُخبِرَ اعتَقَدَ أنَّه أرَادَ بِقَولَةِ: ((لا آكُلُه)): لا أُحَلِّلُه، وهَذَا لا يَجُوزُ؛ فَلِذلك أنكَرَ
عَلَيه، وإنَّمَا أَرَادَ النبيُّ وَّه ◌ِقَولِهِ: ((لا آكُلُه)) عِيَافَةً، ولا أُحَرِّمُه، ولَكِن يَبقَى حَلالًا
لِمَن اعتَادَه، فَأَمَّا خُرُوجُه عن قِسمِ التَّحلِيلِ والتَّحرِيمِ فَمُحَالٌ.
وقال والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): إنَّ الحديثَ في مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ(٣)
بِلَفِظِ: ((لا آكُلُه، ولا أنھَى عنه، ولا أُحِلُّه، ولا أُحَرِّمُه)). فَسَقَطَ عَلى مسلم لَفظَةُ:
((لا أُحِلُّه)). إمَّا عَلى جِهَةِ السَّهوِ، وإمَّا أسقَطَها لِكَونِها وهمًا مِمَّن رَواها. وإنَّمَا أَنكَرَ
ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيه (٤لأجلٍ قَوله ٤): ((ولا أُحِلُّه)). فَإِنَّه مُخَالِفٌ لإذنِهِ(٥) فيه بِقَولِه: ((كُلُوا)).
الحديثُ الثَّاني
وعن جَابِرِ: (بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِهِ ثَلَاثَمِائَةِ رَاكِب، أمِيرُنَا أبو عُبَيْدَةَ بنُ
الجَرَّاحِ، فَأَقَمنَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى فَنِي زَادُنَا، حَتَّى أَكَلِنَا الخَبَطَ(٦)، ثم إنَّ
البَحرَ ألقَى دَابَّةً يُقَالُ لَها: العنبَرُ. فَأْكَلنَا منه نِصفَ شَهرِ حَتَّى صَلَحَت
أجسَامُنَا، فَأخَذَ أبو عُبَيدَةَ ضِلعًا من أضلاعِه، فَنَصَبَه، ونَظَرَ إلى أطولِ بَعِيرٍ،
فَجَازَ تَحتَه. وكَانَ رَجُلٌ نَحَرَ ثَلاثَةَ جُزُرٍ (٧)، (٨ ثم ثَلاثَةَ جُزُر٨ٍ)، فَنَهاه أبو عُبَيْدَةَ)).
فيه فوائدُ:
· الأُولى: اتَّفَقَ عَلَيه الأئِمَّةُ الستةُ، فَأخرَجَه (٧/٦م) الشَّيخَانِ،
(١) في (ك٢): ((وما)).
(٣) ابن أبي شيبة (٨١/٨).
(٤ - ٤) ليس في: (ك٢)، وفي (م): ((قولة)). (٥) في (ح): ((لا دية)).
(٦) في الأصل: ((الحبط)).
(٨ - ٨) ليس في: (ك٢).
(٢) عارضة الأحوذي (٢٩١/٧).
(٧) في الأصل: ((جزور)).

=
٦١٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والنسائيُّ(١) من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن
جَابِرٍ. وأخرَجَه البُخَارِيُّ(٢) من رِوايَةِ ابنِ جُرَيجٍ، عن عَمرٍو. وأخرَجُوه خَلا
أبَا دَاوُد(٣) من رِوايَةِ وهبٍ بنِ كَيسَانَ، عن جَابِرٍ، وأخرَجَه مسلمٌ، وأبو دَاوُد(٤)
من رِوايَةِ أبِي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ. وأخرَجَه مسلمٌ(٥) فَقَط من رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنٍ
مِقْسَم، عن جَابِرٍ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦) بَعدَ ذِكرِ رِوايَةٍ وهبٍ بنٍ كَيسَانَ: هَذَا
حَدِيثٌ مُجْتَمَعٌ عَلى صِحَّتِهِ.
] الثّانيةُ: قَولُ الشَّيخِ كَخْفُ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)): زَادَ الشَّيخَانِ: ((فَسُمِّيَ
ذلك الجَيشُ: جَيشَ الخَبَطِ(٧)). [هو عِندَهمَا من رِوايَةِ ابنِ عُيَينَةَ، عن عَمرٍو، عن
جَابِرٍ. وقَولُه: وزَادَ أيضًا في رِوايَةٍ: ((ثم ثَلاثَ جَزَائِرَ))؛ يَعني: مَرَّةً ثَالِثَةً](٨). هو
عِندَهمَا من هَذَا الوجه.
وقَولُه: وفي(٩) رِوايَةٍ لَهمَا: ((فَأَكَلَ منها القَومُ ثَمَانِي عَشرَةَ لَيلَةً)). هو
عِندُهمَا من رِوايَةِ وهبٍ بِنِ كَيسَانَ، عن جَابِرٍ. وقَولُه: وفي (١٠) رِوايَةٍ لِمسلم:
(فَأَقَمِنَا عَلَيه شَهرًا)). هو عِندَه من رِوايَةِ أبِي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ. وقَولُه: ولَه: (بَعَثَ
سَرِيَّةً، أنَا فيهم، إلى سِيفِ البَحرِ)). هو عِندَه من رِوايَةٍ وهبٍ بنِ كَيسَانَ. وهو
عِندَ البُخَارِيِّ من هَذَا الوجه، بِلَفِظِ : (بَعَثَ بَعثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، وأنَا فيهم)).
وقَولُه: ((وَلَه: بَعَثَ بَعثًّا إلى أرضٍ جُهَينَةَ)) هو عِندَه من رِوايَةِ عُبَيْدِ الله بنِ مِقْسَمِ،
عن جَابِرٍ. وقَولُه: والرَّجُلُ المُبهَمُ في الحديثِ هو قَيسُ بنُ سَعدِ بنِ عُبَادَةً،
كَمَا رَواه البُخَارِيُّ. هو عِندَه عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ. قال: أخبَرَنَا أبو صَالِحٍ:
(١) البخاري (٤٣٦١)، ومسلم (١٩/١٩٣٥)، والنسائي (٤٣٦٣).
(٢) البخاري (٤٣٦٢).
البخاري (٤٣٦٠)، ومسلم (٢٠/١٩٣٥)، والترمذي (٢٤٧٥)، والنسائي (٤٣٦٢)،
(٣)
وابن ماجه (٤١٥٩).
(٤) مسلم (١٧/١٩٣٥)، وأبو داود (٣٨٤٠).
(٦) التمهيد (١٢/٢٣).
مسلم (٢/١٩٣٥/م).
(٥)
في الأصل: ((الحبط)).
(٧)
(٩) في (م): ((في)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(١٠) في (ك٢): ((في)).

=
كِتَّابُ الأطعِمَةِ
٦١
أنَّ(١) قَيسَ بنَ سَعدٍ قال لأبِيه: كُنت في الجَيشِ فَجَاعُوا. قال: انحَر. قال:
نَحَرت. قال: ثم جَاعُوا. قال: انحَر. قال: نَحَرت. [قال: ثم جاعوا. قال:
انحر. قال: نحرت](٢). ثم جَاعُوا. قال: انحَر. قال: نُهيتُ)) وقَولُه: ولَهمَا
[٦٥/٢ظ] في رِوايَةٍ: «فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ، (٢٨/٦) أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَذَكَرْنَا ذلك
لَه، فقال: «هو رِزقٌ أخرَجَه الله لَكُم، فَهَل معكُم من لَحمِه شَيءٌ فَتُطعِمُونَا؟».
قال: فَأرسَلْنَا إلى رَسُولِ اللهِوَّهِ منه، فَأْكَلَ))(٣). هو عِندَ مسلم من رِوايَةِ أبِي الزُّبَيرِ
عن جَابِرٍ، وهو عِندَ الْبُخَارِيِّ بِمَعنَاه من هَذَا الوجه أيضًا، لَكِنَّه لَيسَ من شَرِطِه،
فَإِنَّه لا يُخَرِّجُ لأبِي الزُّبَيرِ انفِرَادًا، وإنَّمَا يُخَرِّجُ لَه مُتَابَعَةً، وفيه (٤)، في
المَغَازِي(٥)، بَعدَ ذِكرِ رِوايَةِ ابنِ جُرَيجٍ، عن عَمْرٍو، عن جَابِرٍ: فَأَخِبَرَني أبو الزُّبَيرِ
أنَّه سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: ((قال أبو عُبَيْدَةَ: (كُلُوا)). فَلَمَّا قَدِمِنَا المَدِينَةَ ذَكَرنَا ذلك
لِلنبيِّ وََّ، فقال: ((كُلُوا، رِزقًّا أخرَجَه الله لَكُم (٦)، أطعِمُونَا إِن كَانَ معكُم)). فَأَتَاه
بَعضُهم بِعُضوٍ، فَأَكَلَه)). والقَائِلُ: فَأخبَرَني أبو الزُّبَيرِ. هو ابنُ جُرَيجٍ، وقَولُه:
ولِلنسائيّ: ((ونَحنُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضعَةَ عَشَرَ)). هو عِندَه من رِوايَةِ أبِي الزُّبَيرِ، عن
جابرِ.
الثَّالِثَةُ: لَم يُبَيِّن في هَذِهِ الرِّوايَةِ الجِهَةَ الَّتِي بُعِثُوا إِلَيها، وفي
((الصَّحِيحَينِ)) من رِوايَةٍ عَمرٍو، عن جَابِرِ: (نَرصُدُ عِيرًا لِقُرَيشٍ))، وعِندَ مسلم من
طَرِيقِ أبِي الزُّبَيرِ: (نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيشٍ))، وعِندَه أيضًا: ((بَعَثَ بَعثًا إلى أَرضِ
جُهَينَةَ))، وقَد تَقَدَّمَ، ولا مُنَافَاةَ بَينَهمَا، فَالجِهَةُ أرضُ جُهَينَةَ، والقَصدُ تَلَقِّي عِيرِ
قُرَيْشٍ، وهيَ الإِبِلُ المُحَمَّلَةُ لِلطَّعَامِ أو غَيرِهِ. لَكِن في ((كُتُبِ السِّيَرِ))(٧): أنَّ البَعثَ
إلى حَيٍّ من جُهَينَةَ بِالقِيلِيَّةِ مِمَّا يَلِي السَّاحِلَ، بَيْنَها وبَيْنَ المَدِينَةِ خَمسُ لَيَالٍ، وَلَعَلَّ
(١) في الأصل: ((بن)).
(٢) ما بين المعكوفين زيادة من (٢٥).
(٣) في الأصل: ((فأكل منه)).
(٤)
في الأصل، و(٢): ((فعنه))، وفي (ح): ((ففيه)).
(٥) سبق تخريجه في الفائدة الأولى.
(٦) ليست في (ك٢).
(٧) ينظر: المقتفى في سيرة المصطفى (ص١٩٦)، وسبل الهدى والرشاد (١٧٦/٦).

٦١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
البَعثَ لِمَقصِدَينٍ. رَصدُ عِيرٍ قُرَيشٍ، ومُحَارَبَةُ حَيٍّ من جُهَينَةَ. ويُؤَيِّدُ الأولَ:
طُولُ إِقَامَتِهِم عَلى السَّاحِلِ؛ فَإِنَّ فِعلَهم في ذلك فِعلَ مُنتَظِرٍ لأمرٍ من غَيرِ
مُحَارَبَةٍ. والله أعلمُ.
قَالُوا: وكَانَت هَذِهِ السَّرِيَّةُ في شَهرِ (٩/٦م) رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ من الهجرَةِ،
وذلك بَعدَ نَكَثِ قُرَيشِ العَهدَ، وقَبلَ الفَتحِ، فَإِنَّه كَانَ في رَمَضَانَ من السَّنَةِ
المَذكُورَةِ .
الرَّابِعَةُ: في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّهم كَانُوا ثَلَثَمِائَةٍ، وهَذَا هو المشهورُ، وفي
رِوايَةٍ لِلنسائيّ: ((وبِضعَةَ عَشَرَ)). فَإِن صَحَّت هَذِهِ الرِّوايَةُ، فَلَعَلَّه اقتَصَرَ في الرِّوايَةِ
المَشهورَةِ عَلى الثَّلاثِمِائَةِ، استِسهالًا لأمرِ الكَسرِ، والأخذُ بِالزِّيَادَةِ مع صِحَّتِها
واجِبٌ.
الخَامِسَةُ: في هَذِهِ الرِّوايَةِ: أنَّهم كَانُوا رُكبَانًا، ويَشكُلُ عَلَيه قَولُه في
((الصَّحِيحَينِ)) من رِوايَةٍ وهبٍ(١) بنِ كَيسَانَ، عن جَابِرٍ: «نَحمِلُ أزوادَنَا عَلى
رِقَابِنَا)). فَلَو كَانُوا رُكْبَانًا لَمَا احتَاجُوا لحَمَلٍ (٢) أزوادِهِم عَلى رِقَابهم، لا سِيَّمَا مع
قِلَّتِها، ويَدُلُّ عَلى رُكُوبهم قَولُه في بَقِيَّةِ الحديثِ: ((ونَظَرَ إلى أطولِ بَعِيرٍ)). وقَولُه
فيه: ((وكَانَ رَجُلٌ نَحَرَ ثَلاثَةَ جُزُرٍ، ثم ثَلاثَةَ جُزُرٍ)). وذلك يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإِبِلِ
معهم. لَكِنَّ في ((كُتُبِ السِّيَرِ)): أنَّ قَيسَ بَنَ سَعدَ اشتَرَاها من رَجُلٍ من جُهَينَةَ إلى
أجَلٍ، وأنَّه قال: مَن يَشتَرِي مني تَمْرًا بِجُزُرٍ أنحَرُها هنا، وأُوفيه التَّمَرَ بِالمَدِينَةِ؟
فَوَجَدَ رَجُلًا من جُهَينَةَ، فقال لَه الجُهَني: مَا أعرِفُك، فَمَن أنتَ؟ قال: أنَا قَيسُ بنُ
سَعدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ دُلَيمٍ. فَاشتَرَى منه كُلَّ جَزُورٍ بِوسقٍ من تَمرٍ، فَامتَنَّعَ عُمَرُ من
الشَّهادَةِ، وقال: هَذَا لَا مَالَ لَه، إنَّمَا المَالُ لأَبِيه. فقال الجُهَني: والله مَا كَانَ
سَعدٌ لِيُخْنَى(٣) بِابنِهِ. وفَضَلَ معه بَعدَ نَهيٍ أَبِي عُبَيدَةَ جَزُورَانٍ، قَدِمَ بهمَا المَدِينَةَ
ظَهرًا يَتَعَاقَبونَ عَلَيهِمَا، ولَمَّا بَلَغَ سَعدًا قَولُ أبِي عُبَيدَةَ وَعُمَرَ: إنَّه لا مَالَ لَه،
(١) في الأصل: ((ابن وهب)).
(٢) في (م): ((إلى حمل)).
(٣) أي: لم يكن ليسلمه ويخفر ذمته، وأصله من الخنى، وهو الفحش، ومنه قولك: اضنى عليه
الدهر. أي: أهلكه. ينظر: غريب الحديث للخطابي (٢٣٦/٢)، ولابن الجوزي (٣١١/١).

=
كِتَابُ الأطعِمَةِ
٦١٥
قال: فَلَكَ أربَعُ حَوائِطَ؛ أدنَاها حَائِطٌ تَجِدُ منه خَمسِينَ وسقًا. وقَدِمَ الجُهَني،
فَأَوْفَاه، وحَمَلَه، وكَسَاه؛ فَبَلَغَ النّبِيَّ وَ لَ فِعلُ قَيسٍ فقال: ((إنَّ الجُودَ لَمِن شِيمَةٍ(١)
أهلِ ذلك البَيتِ))، وجَاءَ سَعدٌ إلى رَسُولِ اللهَِّ، فقال: مَن يَعذِرُني من ابنِ
الخَطَّابِ، يُبَخِّلُ ابني عَلَيَّ؟
وَعَلَّه (٢) سَمَّاهم رُكَبَانًا بِاعتِبَارِ (٣) تَهَيُّثُهم لِلرُّكُوبِ، وإن لَم يَتَّصِفُوا به (٤)، أو
أَنَّ بَعضَهم كَانَ رَاكِبًا، وبَعضَهم كَانَ مَاشِيًا؛ يَحمِلُ زَادَه عَلى رَقَبَتِه، فَغَلَّبَ في
كِلتّا الرِّوايَتَينِ؛ بِإِطلاقِ صِفَةِ البَعضِ عَلى الكُلِّ.
السَّادِسَةُ: وفيه مَنقَبَةٌ لأبِي عُبَيدَةَ ابنِ الجَرَّحِ، بِتَأْمِيرِهِ عَلى هَذَا الجَيشِ
الَّذِي فيه عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وغَيرُه من أفَاضِلِ الصَّحَابَةِ. وفيه أنَّ الجُيُوشَ لا بُدَّ
[٢/ ٦٦و] لَها من أمِيرٍ يَضبِطُها، وتَنْقَادُ لأمرِهِ ونَهِهِ، وأنَّه يَنْبَغِي أن يَكُونَ الأمِيرُ من
أفضلِھم.
قال أصحَابُنَا: ويُستَحَبُّ لِلرُّفقَةِ في أيِّ سَفَرٍ كَانَ (٦/ ١٠م) وإن قَلُّوا، أن
يُؤَمِّرُوا بَعضَهم عَلَيهم ويَنقَادُوا لَه.
السَّابِعَةُ: قَولُه: ((فَأَقَمنَا عَلى السَّاحِلِ حَتَّى فَنِي زَادُنَا)). الظَّاهرُ أنَّ
إِقَامَتَهم لانِتِظَارِ ذلك العِيرِ، وفي ((صَحِيحِ مسلمٍ)) من طَرِيقِ أبِي الزُّبَيرِ: ((وزَودَنَا
جِرَابًا من تَمْرٍ، لَم يَجِد لَنَا غَيْرَه). وهو بِظَاهِرِهِ مُنَافٍ لِقَولِه في الرِّوايَةِ الأُخرَى
في ((الصَّحِيحِين)): ((نَحمِلُ أزوادَنَا عَلى رِقَابِنَا)). ولِقَولِه في ((الصَّحِيح))(٥) أيضًا:
(فَفَنِي زَادُهم، فَجَمع أبو عُبَيدَةَ زَادَهم في مِزودٍ، فَكَانَ(٦) يَقُوتُنَا، حَتَّى كَانَ يُصِيبُنَا
كُلَّ يَومِ تَمْرَةٌ)). كَذَا فِي رِوايَةٍ مسلمٍ، وعِندَ البُخَارِيِّ: (فَكَانَ مِزودِي تَمرِ)). فَدَلَّ
عَلى أنَّه لَم يَكُن من الأولِ جِرَابًا وَاحِدًا، وإنَّمَا صَارَ كَذلك في آخَرِ الأمرِ حِينَ
(١) في الأصل: ((شيم)).
(٢) في (ك٢): ((لعل)).
(٣)
ليست في (ك٢)، وما بعدها غير واضحة.
(٤)
ليست في الأصل، (ك٢).
في (م)، والأصل: ((الصحيحين)). وهو في مسلم (٢١/١٩٣٥).
(٥)
(٦) في (ك٢): ((فكال)).

=
٦١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَنَائِهِ وَقُرْبِهِ من الفَرَاغِ، وفي رِوايَةٍ أُخرَى لِمسلم: ((كَانَ يُعطِينَا قَبِضَةً قَبِضَةً، ثم
أعطَانَا تَمْرَةً تَمْرَةً)). قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَاتِ: أن يَكُونَ
النبيُّ ◌َّهَ زَودَهم الجِرَابَ زَائِدًا عَلى مَا كَانَ معهم من الزَّادِ من أموالِهِم وَغَيرِها،
مِمَّا واسَاهم به الصَّحَابَةُ، ولِهَذَا قال: ((ونَحنُ نَحمِلُ أزوادَنَا)). قال: ويَحتَمِلُ أنَّه
لَم يَكُن في زَادِهم تَمْرٌ غَيرُ هَذَا الجِرَابِ، وكَانَ معهم غَيرُه من الزَّادِ.
قُلتُ: ولَمَّا قَلَّت أزوادُهم جَمع المَجمُوعَ، فَكَانَ مِزودًا أو مِزودَينٍ.
] الثَّامنةُ: ((الخَبَطُ)): بِفَتح الخَاءِ المُعجَمَةِ، والبَاءِ المُوحَّدَةِ، اسمٌ لِمَا
يُخْبَطُ فَيَتَسَاقَطُ من ورَقِ الشَّجَرِ، وَبِسُكُونِ البَاءِ المَصدَرُ، ولا يَختَصُّ ذلك بِورَقٍ
السَّنِطِ، كَمَا هو مَشهورٌ في بِلادِنَا، بَل هو أعَمُّ من ذلك.
فَإِن قُلتَ: كَيفَ يَتَأْتَّى أكلُ الخَبَطِ، وكَيفَ يَنسَاغُ في الحَلقِ، وإنَّمَا هو من
مَأكُولِ البَهائِمِ؟
قُلتُ: كَانُوا يَبُلُّونَه بِالمَاءِ، كَمَا في ((صَحِيحِ مسلم): ((ثم نَبُلُّه بِالمَاءِ،
فَتَأْكُلُه)). وإِذَا بُلَّ لانَ لِلمَضغِ، وإِنَّمَا صَارُوا لأكلِ الخَبَّطِ عِندَ فَقدِ ((الشَّمرَةِ
الثَّمَرَة))(٢) المُوزَّعَةِ عَلَيهم(٣).
وفيه بَيَانُ مَا كَانَ(٤) الصَّحَابَةُ رُِّهَ عَلَيه(٥) من الجَهدِ، والاجتِهادِ، والصَّبرِ
عَلى الشَّدَائِدِ العِظَام، والمَشَقَّاتِ(٦) الفَادِحَةِ (٧)؛ لإظهارِ الدِّينِ وإطفَاءِ كُلِمَةٍ
المُشرِكِينَ .
■ التَّاسِعَةُ: ((العنبَرُ)): سَمَكَةٌ بَحرِيَّةٌ كَبِيرَةٌ(٨) يُتَّخَذُ من جِلدِها التِّرِسَةُ،
ولِذلك يُقَالُ لِلتُّرسِ: عنبَرٌ. قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ (٩): ولَعَلَّها سُمِّيَت بذلك؛
(١) إكمال المعلم (٣٧١/٦).
(٢)
ليس في: (م). والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٣)
ليست في (ك٢).
(٥)
ليست في (ح).
في (ح): ((القادحة)).
(٧)
(٩) المفهم (٢٢٠/٥).
(٤) بعدها في (ك٢): ((عليه)).
(٦) في الأصل: ((المشاق)).
(٨) ليست في (ك٢).

كِتَابُ الأطعِمَةِ
٦١٧
=
لأنَّها الدَّابَّةُ الَّتِي تُلقِي العنبَرَ، وكَثِيرًا مَا يُوجَدُ العنبَرُ عَلى سَواحِلٍ (١) البَحرِ.
العَاشِرَةُ: قَولُه: ((فَأْكَلنَا منه)). قَد تَبَيَّنَ بِرِوايَةِ مسلم من طَرِيقٍ(٢)
أبِي الزُّبَيرِ: أنَّهم لَم يَأْكُلُوا منه إلا بَعدَ تَرَدُّدٍ، فَفيه قال أبو عُبَيدَةً: ((مَيتَةٌ))، ثم
قال: ((لا، بَل نَحنُ رُسُلُ رَسُولِ الله وََّ، وفي سَبِيلِ الله، وقَد اضطُرِرتُم،
فَكُلُوا)). (١١/٦م) ومَعنَاه: أنَّه قال أولًا بِاجتِهادِهِ: هَذَا (٣) مَيتَةٌ، [والمَيتَةُ حَرَامٌ،
فَلا يَحِلُّ لَكُم أكلُها. ثم تَغَيَّرَ اجتهادُه، فقال: بَل هو حَلالٌ لَكُم، وإن كَانَ
مَيتَةً](٤)؛ لأنَّكُم في سَبِيلِ الله وقَد اضطُرِرتُم، وقَد أبَاحَ الله المَيتَةَ لِمَن كَانَ
مُضطَرًّا غَيرَ بَاغ ولا عَادٍ. وقَد تَبَيَّنَ آخِرًا عِندَ سُؤَالِهِم النبيَّ وَِّ أَنَّه كَانَ حَلالًا
مُطلَقًا، من غَيرِ تَقِيدٍ بِكُونِهم في سَبِيلِ الله، ولا بِكُونِهم مُضطَرِّينَ، فَإِنَّه عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ [صَوّبَ رَأيَهم، وطَيِّبَ خَاطِرَهم بِالأكلِ منه، فَدَلَّ ذلك عَلى حِلِّه
مُطلَقًّا؛ لأنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ](٥) لَم يَكُن مُضطَرًّا.
وفيه إِيَاحَةُ مَيتَةِ البَحرِ، سَواءٌ في ذلك مَا مَاتَ بِنَفسِه، أو بِاصطِيَادٍ، وبهذا قال
مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وأحمَدُ وجُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ (٦). ومِمَّن قال بِإِبَاحَةٍ
الطَّافي، وهو الَّذِي يَمُوتُ في البَحرِ بِلا سَبَبٍ: أبو بَكرِ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ،
وأبو أيُّوبَ الأنصَارِيُّ، وعَطَاءٌ، ومَكحُولٌ، والنَّخَعِيُّ، وأبو ثَورٍ، ودَاوُد، وغَيرُهم،
وقِيلَ في قَوله تَعَالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ. (٧) مَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾(٧)
[المائدة: ٩٦]: إنَّ صَيدَه مَا صِدْتُمُوه، وطَعَامُه مَا قَذَفَه، حَكَاه ابنُ المُنذِرِ
عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِهِ، وابنِ عَبَّاسٍ. وحَكَاه النَّووِيُّ(٨) عنِ الجُمهورِ،
ويَدُلُّ [٢/ ٦٦ظ] لِذلك الحديثُ المَشهورُ: ((هو الطَّهورُ مَاؤُه، الحِلُّ مَيتَتُه))(٩).
(١) في الأصل: ((ساحل)).
(٣) في (ك٢): ((هذه)).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٦) ينظر: الإشراف (٤٦٥/٣، ٤٦٦).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٧ - ٧) زيادة من (م).
(٨) شرح صحيح مسلم (٨٦/١٣).
(٩) أخرجه مالك (٢٢/١)، وأحمد (٣٦١/٢)، وأبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)،
والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦) عن أبي هريرة.
(٢) في (ك٢): ((رواية)).

=
٦١٨
S
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَحَّحَه جَمَاعَةٌ. وقال آخَرُونَ بِتَحْرِيمِ مَا مَاتَ بِنَفسِه، حَكَاه
النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(١) عن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، وجَابِرِ بنِ زَيدٍ، وطَاؤُسٍ،
وأبِي حَنِيفَةَ. وقال ابنُ أَلمُنذِرٍ (٢): وفيمَا طَفَا من السَّمَكِ عَلى المَاءِ قَولٌ ثَانٍ،
وهو أن يُؤكّلَ مَا يُوجَدُ في حَافَتَي البَحرِ، ومَا جَزَرَ عنه، ولا يُؤْكَلُ مَا كَانَ طَافيًا
منه، هَذَا قَولُ جَابِرِ بنِ عَبدِ الله. ورُوِّنَاه عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ ومِمَّن كَرِهَ أن يُؤْكَّلَ الطَّافي
من السَّمَكِ طَاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، وجابر (٣)، وجَابِرُ بنُ زَيدٍ، وأصحَابُ الرأي(٤).
(٥) وقال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ) من الحَنَفيةِ (٦)، بَعدَ تَقِرِيرِه ◌ِلَّ(٧) مَيتَةِ البَحرِ:
ويُكرَه أكلُ الطّافي منه. قال: ومَيتَةُ البَحرِ: مَا لَفَظَه لِيَكُونَ مَوتُه مُضَافًا إلى
البَحرِ، لا مَا مَاتَ فيه من غَيرِ آَفَةٍ. انتَهَى.
وقَد عَرَفتَ الخِلافَ عِندَهم في المَكْرُوه، هَل هو حَرَامٌ، أم لا؟ وتَمَسَّكُوا
بِحَدِيثِ جَابِرٍ، عن النبيِّ: وَلَ: ((مَا القَاه البَحرُ أو جَزَرَ عنه فَكُلُوه، (١٢/٦م) ومَا
مَاتَ فيه فَطَفَا فَلا تَأْكُلُوه)). رواه أبو دَاوُد(٨) من رِوايَةِ يَحيّى بنِ سُلَيمِ الطَّائِفي،
عن إسمَاعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ، عن أبِي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ. وقال: رَواه سُفيَانُ الثَّورِيُّ،
وأيُّوبُ، وحَمَّادٌ عن أبِي الزُّبَيرِ، أوقَفُوه عَلى جَابِرٍ، وقَد أسنَدَ هَذَا الحديثَ أيضًا
من وجهٍ ضَعِيفٍ عن ابنِ(٩) أبِي ذِئبٍ، عن أبِي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ، عن النبيِّ وَّر.
وقال الترمذيُّ(١٠): سَألت البُخَارِيَّ عنه، فقال: لَيسَ بِمَحفُوظِ، ويُروى عن جَابِرٍ
خِلافُه .
وقال البَيهَقِيُّ(١١): يَحيَى بِنُ سُلَيمٍ كَثِيرُ الوهم، سَيِّئُ الحِفِظِ. قال: وقَد
رَوَاه غَيْرُه عن إسمَاعِيلَ بنِ أُمَّيَّةَ مَوقُوفًا عَلى جَابِرٍ. ثم بَسَطَ ظُرُفَه وضَعَّفَها.
(١) السابق.
(٣) من الأصل ومصدر التخريج.
(٥) هنا في الأصل: ((الحادية عشرة)). وعليه سوف يتغير ترقيمها فيما يلي.
(٧) في (ح، ك٢): ((كل)).
(٦) الهداية (٦٩/٤، ٧٠).
(٨) أبو داود (٣٨١٥).
(١٠) العلل الكبير (٤٣٩).
(٢) الإشراف (٤٦٦/٣).
(٤) في (م): ((وأصحابه)).
(٩) ليست في الأصل.
(١١) السنن الكبرى (٢٥٥/٩).

=
كِتَابُ الأطعِمَةِ
٦١٩
وقال النَّوِيُّ(١): وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتَّفَاقِ أئِمَّةِ الحديثِ، لا يَجُوزُ الاحتِجَاجُ به
لَو لَم يُعَارِضِه شَيءٌ، كَيفَ وهو مُعَارَضٌ بِمَا ذَكَرِنَاه؟
الحَادِيَةَ عَشْرَةٍ: قَولُه: ((نصفَ شَهرٍ)). كَذَا في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وهيَ في
((الصَّحِيحَينِ))، وفي رِوايَةٍ أُخرَى في ((الصَّحِيحَينِ)) أيضًا: ((فَأَكَلَ منها الجَيشُ
ثَمَاني عَشرَةَ لَيلَةً)). وفي رِوايَةٍ لِمسلم: ((فَأَقَّمِنَا عَلَيهِ شَهرًا))، وقَد تَقَدَّمَت هَذِهِ
الرِّوايَاتُ. قال النَّووِيُّ (٢): طَرِيقُ الجَمْعِ بَينَ الرِّوايَاتِ: أنَّ مَن رَوى شَهرًا هو
الأصلُ، ومعه زِيَادَةُ عِلمٍ، ومن رَوى دُونَه لَم يَنفِ الزِّيَادَةَ، ولَو نَفَاها قُدِّمَ
المُثبَتُ. والمَشهورُ الصَّحِيحُ عِندَ الأُصُولِيِّينَ: أَنَّ مَفهومَ العَدَدِ لا حُكمَ لَه، فَلا
يَلزَمُ منه نَفيُّ الزِّيَادَةِ، ولَو لَم يُعَارِضِه إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ، كَيفَ وقَد عَارَضَه؟ فَوجَبَ
قَبُولُ الزِّيَادَةِ.
وجَمع القَاضِي عِيَاضٌ بَينَهمَا: بِأن مَن قال: نِصفَ شَهرٍ، أَرَادَ: أَكَلُوا(٣)
منه تِلكَ المُدَّةَ طَرِيًّا، ومَن قال: شَهرًا، أرَادَ: أنَّهم قَدَّدُوه، فَأَكَلُوا (٤) منه بَقِيَّةَ
الشّهرِ قَدِيدًا.
قُلتُ: ويَحتَمِلُ أن يَعُودَ الضَّمِيرُ في قَولِه: ((فَأَقَمنَا عَلَيه شَهرًا)) عَلى
السَّاحِلِ، وكَانُوا في بَعضٍ تِلكَ المُدَّةِ يَأْكُلُونَ الثَّمَرَ ثم الخَبَطَ. وفي بَعضِها يَأْكُلُونَ
لَحمَ العنبَرِ، وبِتَقدِيرِ التَّعَارُضِ، فَرِوايَةُ النِّصفِ والثَّمَانيةَ عَشَرَ أصَحُّ من رِوايَةٍ
الشَّهرِ، فَإِنَّها من رِوايَةِ أبِي الزُّبَيرِ، وهيَ في ((صَحِيحِ مسلم)) خَاصَّةً، والرِّوايَتَانِ
الأُخرَيَانِ في ((الصَّحِيحَينِ)).
■ الثّانيةَ عَشْرَة: احتَجَّ به المَالِكِيَّةُ: عَلى أنَّ المُضطَرَّ يَأْكُلُ من المَيتَةِ
شِبَعَه، لارتِفَاعْ تَحرِيمِها عنه، فَصَارَتِ كَالمُذَكَّاةِ، وعن الشَّافِعِيِّ في ذلك ثَلاثَةٌ
أقوالٍ :
الأولُ: الشِّبَعُ.
(١) شرح صحيح مسلم (٨٦/١٣، ٨٧).
(٣) في (ك٢): ((كلوا)).
(٢) السابق (٨٨/١٣).
(٤) في (ح): ((وأكلوا)).

=
٦٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والثَّاني: الاقتِصَارُ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ.
والثَّالِثُ: إن كَانَ قَرِيبًا من العُمرَانِ، لَم يَحِلَّ الشِّبَعُ، وإلا حَلَّ.
واختَلَفَ أصحَابُه في الرَّاجِحِ من الخِلافِ: وصَحَّحَ النَّووِيُّ(١) من
المُتَأخِّرِينَ الاقتِصَارَ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ (١٣/٦م). [واختَارَ الإمَامُ و(٢) الغَزّالِيُّ: أنَّه إن
كَانَ في بَادِيَةٍ وخَافَ إن تَرَكَ الشِّبَعَ ألا يَقطَعَها ويَهلِكَ، وجَبَ القَطعُ بِأنَّه يَشبَعُ،
وإن كَانَ فِي بَلَدٍ وتَوقَّعَ الطَّعَامَ الحَلالَ قَبَلَ عَودِ الضَّرُورَةِ، وجَبَ القَطعُ بِالاقتِصَارِ
عَلى سَدِّ الرَّمَقِ](٣)، وإن كَانَ لا يَظهَرُ حُصُولُ طَعَامِ حَلالٍ، وأمكَنَه الرُّجُوعُ إلى
المَيتَةِ مَرَّةً بَعدَ أُخرَى، إن لَم يَجِد(٤) الحَلالَ، فَهو مَوضِعُ الخِلافِ، ورَجَّحَ
النَّوِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَرَجَّحَ من الخِلافِ الاقتِصَارَ عَلى سَدِّ الرَّمَقِ كَمَا تَقَدَّمَ،
وقَد يُقَالُ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ هَذَا القَدرَ كَانَ قَدَرَ ضَرُورَتِهم؛ فَإِنَّهم كَانُوا قَد
أشرَفُوا عَلى الهَلاكِ من الجُوعِ والضَّعفِ، وسَقَطَت قُواهم، وهم مُستَقِبِلُونَ سَفَرًا
وعَدُوًّا، فَإِن لَم يَفعَلُوا ذلك، ضَعُفُوا عن عَدُوِّهم، وانقَطَّعُوا عن سَفَرِهم.
] الثَّالِثَةَ عَشرَ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٥): إن قِيلَ: كَيفَ جَازَ لَهم أن
يَأْكُلُوا من هَذِهِ المَيتَةِ إلى شَهرٍ، ومَعلُومٌ أنَّ اللحمَ إِذَا أَقَامَ هَذِهِ المُدَّةَ، بَل أقَلَّ
منها، أنَّه يُنتِنُ، ويَشْتَدُّ نَتَنُه، [٢/ ٦٧ و] فَلا يَحِلُّ الإقدَامُ عَلَيه، كَمَا قال في الصَّيدِ:
((كُلِه مَا لَم يُنِن))(٦)؟
فَالجَوابُ: أن يُقال: لَعَلَّ ذلك لَم يَنتَه نَتنُه إلى حَالٍ يُخَافُ منه الضَّرَرُ،
لِيُرُودَةِ المَوضِعِ؛ أو يُقَالُ: إِنَّهم أكُلُوه طَرِيًّا، ثم مَلَّحُوه وقَدَّدُوه.
قُلتُ: الصَّحِيحُ عِندَ أصحَابِنَا: كَرَاهَةُ أكلِ المُنتِنِ دُونَ تَحرِيمِه، إلا أن
يُخَافَ منه الضَّرَرُ خَوفًا مُعتَمَدًا .
(١) المجموع (٤٥/٩).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٥) المفهم (٢٢١/٥).
(٢) من (ح)، ومصدر التخريج.
(٤) في الأصل: ((نجد)).
(٦) أخرجه أحمد (١٩٤/٤)، ومسلم (٩/١٩٣١)، وأبو داود (٢٨٦١).