النص المفهرس

صفحات 481-500

=
بَابُ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
٤٨١
قال ابنُ شَاسٍ في ((الجَواهرِ)) (١): وإذَا فَرَّعنَا عَلى المَشهورِ؛ أي: عِندَ
المَالِكِيَّةِ، في التَّرِيقِ بَيْنَ الفَرضِ والنَّفَلِ، فَصَلى الفَرضَ فيها، فقال ابنُ حَبيبٍ:
يُعِيدُ أَبَدًا في العَمدِ والجَهلِ. وقال في ((الكِتَابِ)): يُعِيدُ في الوقتِ. وقال أصبَغُ:
تَبطُلُ وتَجِبُ الإِعَادَةُ، وإن ذَهَبَ الوقتُ، لَكِنَّه ذَكَرَ ذلك في مُتَعَمِّدِ الصَّلاةِ فيها،
فقال بَعضُ المُتَأْخِّرِينَ: ظَاهرُ قَولِه أنَّه لَو كَانَ نَاسِيًا لأَعَادَ في الوقتِ؛ لأن النَّاسِيَ
لِلِقِبلَةِ إِنَّمَا يُعِيدُ في الوقتِ، واستُشهدَ بِقَولِه في ((الكِتَابِ)): يُعِيدُ في الوقتِ، كَمَن
صَلى إلى غَيرِ القِيلَةِ. قال: وإنَّمَا يَصِحُّ هَذَا التَّشبيه فيمَن صَلى إلى غَيرِ القِبَلَةِ
نَاسِيًا. انتَهَى .
ويَحصُلُ منه مَذهَبٌ خَامِسٌ، وهو: أنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الفَرضِ والنَّفَلِ إِنَّمَا هو
في الاستِحبَابِ (١٤١/٥م)، (فَلَو صَلى الفَرضَ فيها صَحَّ، وارتَكَبَ خِلافَ
الأولى، وهو القَائِلُ بِالإِعَادَةِ في الوقتِ؛ لأن ذلك عِندَهم لازِمٌ لِلاستِحِبَابِ](٢).
ومَذهَبٌ سَادِسٌ، وهو: التَّفرِيقُ في الفَرضِ بَيْنَ التَّعَمُّدِ والنِّسیَانِ، فَيَصِحُ
مَعَ(٣) النِّسيَانِ دُونَ التَّعَمُّدِ، وتَرَدَّدَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)) (٤) عن
مَالِكٍ، فقال: كَرِهَ الفَرضَ أو مَنَعَه. وعَلَّلَ تَجوِيزَ النَّلِ بِأنَّه مَظِنَّةُ التَّخفيفِ في
الشُّرُوطِ .
(°التَّاسِعَةَ عَشَرَْ): شَرَطَ أصحَابُنَا في صِحَّةِ الصَّلاةِ في الكَعبَةِ: أن
يَستَقْبِلَ جِدَارَها، أو بَابَها، وهو مَردُودٌ أو مَفتُوحٌ، بشرطِ كَونِ عَتَتِه قدرَ ثُلُثَّ ذِرَاعِ
تَقرِيبًا، هَذَا هو الصَّحِيحُ عِندَ أصحَابِنَا، ولَنَا وجهٌ: أنَّه يُشتَرَطُ في العَتَبَةِ أن تَكُونَ
بِقدرٍ قَامَةِ المُصَلِّي طُولًا وعَرضًا، ووجهٌ: أنَّه يَكفي شُخُوصُها بِأيِّ قدرٍ كَانَ، وهَذَا
الشَّرطُ مَأخُوذٌ من الحَدِيثِ؛ لأنه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ صَلى فيها، استَقْبَلَ
أحَدَ (٦) جُدَرَانِها، ومَن لَم يَستَقْبِل الجِدَارَ، أو مَا في مَعنَاهِ، لَم يَستَقبِلِ القِبَلَةَ،
(١) الجواهر (٩٢/١).
(٣) في الأصل: ((في)).
(٥ - ٥) في الأصل: ((الفائدة العشرون)).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤) إحكام الأحكام (ص٤٦٨).
(٦) في الأصل: (بعض)).

=
٤٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وظَاهرُ مَا سَنَحْكِيه في الفَائِدَةِ بَعدَها عن أبي حَنِيفَةَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ مُطلَقًا .
] الفَائِدَةُ(١) العِشرُونَ: قال أصحَابُنَا: الصَّلاةُ فَوقَ ظَهرِ الكَعبَةِ كَالصَّلاةِ
في نَفسِ الكَعبَةِ، فَإن لَم يَكُن بَينَ يَدَيه شَاخِصٌ، لَم تَصِحَّ الصَّلاةُ، عَلى
الصَّحِيحِ، وإن كَانَ شَاخِصٌ من نَفسِ الكَعبَةِ، فَلَه حُكُمُ العَتَبَةِ، إِن كَانَ ثُلُثَّ ذِرَاعِ
جَازَ، وإلا [٢/ ٤٠ظ] فَلا، عَلى الصَّحِيحِ، وفيه الوجهانِ الآخَرَانِ.
وأمَّا المَالِكِيَّةُ، فقال ابنُ شَاسٍ (٢): الصَّلاةُ فَوقَ ظَهرِها مَنهيٌّ عنه، وحَمَلَ(٣)
القَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ النَّهيَ عَلى مَا إذَا لَم يَقُم قائمًا (٤) يَقصِدُه، وحَمْلُ النَّهيِ عَلى
الإطلاقِ رَأيُ الجَمَاعَةِ، وقد حَكَى الإمَامُ أَبُو عَبدِ الله: أنَّ المَشهورَ مَنعُ الصَّلاةِ
عَلى ظَهرِ الكَعبَةِ، وأنَّ ذلك أشَدُّ من مَنع الصَّلاةِ دَاخِلَها، وأنَّ الإِعَادَةَ تَجِبُ فيه
أَبَدًا، وحَكَى عن مُحَمَّدٍ بنِ عَبدِ الحَكَمِ الإجزَاءَ، وحَكَى عن أشهَبَ الإجزَاءَ، إن
كَانَ بَينَ يَدَيه قِطعَةٌ من سطحِها، وبَنَى الخِلافَ عَلى أنَّ المَشرُوعَ اسْتِقِبَالُ بِنَائِها أو
هَوائِها. انتَهَى.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): قال الشَّافِعِيُّ مَن صَلى عَلى ظَهرِها فَصَلاتُه بَاطِلَةٌ؛
لأنه لَم يَستَقِبِل منها شَيئًا، وقال مَالِكٌ: مَن صَلى عَلى ظَهرِها مَكْتُوبَةً، أعَادَ في
الوقتِ، ورَوى عن بَعضٍ أصحَابِهِ يُعِيدُ أَبَدًا. وقال أبُو حَنِيفَةَ: مَن صَلى عَلى
ظَهرِها فَلا شَيءَ عَلَيهِ. انتَهَى.
ومُقتَضَاه أنَّ أبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِصِحَّةِ الصَّلاةِ، ولَو لَم يَستَقِبِل شَيئًا. واللهُ
أعلَمُ .
الحَادِيَةُ(٦) والعِشرُونَ: ذَكَرَ المَالِكِيَّةُ أنَّ الصَّلاةَ (١٤٢/٥م) في الحِجرِ
كَالصَّلاةِ في البَيتِ، وحِينَئِذٍ فَيُفَرَّقُ فيه عِندَهم بَيْنَ الفَرضِ والنَّفَلِ، وقد ثَبَتَ في
(١) في الأصل: ((الحادية و)).
(٢) الجواهر (٩٢/١).
(٣) في (ح): ((فحمل)).
(٤) في (م): ((بما)).
(٥) الاستذكار (١٢٥/١٣)، وينظر: التمهيد (٣١٨/١٥).
(٦) في الأصل: ((الثانية)).

=
٤٨٣
بَابُ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
الحَدِيثِ الصَّحِيحَ(١)؛ أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَرَ عَائِشَةَ بِالصَّلاةِ في الحِجرِ،
وقال: ((إنَّه من البَيتِ)).
الثَّانِيَةُ(٢) والعِشرُونَ: الذَّاهِبُونَ إلى الثَّسوِيَةِ بَيْنَ الفَرضِ والنَّفَلِ في
جَوازٍ فِعلِه في الكَعبَةِ، إِنَّمَا يُسَوُّونَ بَينَهمَا في مُطلَقِ الإِبَاحَةِ، لا في المَرْتَبَةِ
والفَضِيلَةِ، فَأَشهَبُ، مَعَ تَجوِيزِهِ الفَرضَ، يَقُولُ: إنَّ المُستَحَبَّ أَلَّ يَفعَلَه(٣) فيها.
وأصحابُنَا الشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ النَّفَلَ فيها أفضَلُ منه خَارِجَها، وكَذَا الفَرضُ، إن
لَم يَرِجُ(٤) جَمَاعَةً، فَإِن رَجَا، فَخَارِجُها أفضَلُ.
وحَاصِلُ كَلامِهم(٥): تَرجِيحُ الصَّلاةِ دَاخِلَها مُطلَقًّا، إلا إن عَارَضَه
الجَمَاعَةُ، فَهِيَ عِندَهم مُرَجَّحَةٌ في الفَرضِ (٦)، وقد يُستَدَلُّ بِفِعِلِه، عَلَيه الصَّلاةُ
والسَّلامُ، النَّافِلَةَ فيها عَلى استِحِبَابِهِ، ويُقَاسُ بِهِ الفَرضُ، وأمَّا كَونُه، عَلَيه الصَّلاةُ
والسَّلامُ، لَم يَفعَل الفَرضَ فيها، فَلِمُعَارَضَةِ الجَمَاعَةِ، فَإِنَّه لا يَتَأْتَّى لَه، عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلامُ، الصَّلاةُ بِالنَّاسِ جَمِيعِهم فيها، وتَخصِيصُ بَعضِهم بِذلك فيه
إِيحَاشٌ. واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ(٧) والعِشرُونَ: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمْدَةِ» (٨):
فيه دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الصَّلاةِ بَيْنَ الأسَاطِينِ والأعمِدَةِ، وإِن كَانَ يَحْتَمِلُ (٩أن
يَكُون٩َ) صَلى في الجِهَةِ التي بَيْنَهمَا، وإن لَم يَكُن في مُسَامَتَتِهما (١٠) حَقِيقَةً، وقد
ورَدَت في ذلك كَرَاهَةٌ، فَإِن لَم يَصِحَّ سَنَدُها، قُدِّمَ هَذَا الحَدِيثُ، وعُمِلَ بِحَقِيقَةِ
قَولِهِ: (بَينَ العَمُودَينِ)) وإن صَحَّ سَنَدُها، أُوِّلَ بِمَا ذَكَرْنَاه، أنَّه صَلى في سَمتِ مَا
بَيْنَهمَا وإِن كَانَت آثَارٌ، قُدِّمَ المُسنَدُ عَلَيها)). انتَهَى.
(١) البخاري (١٥٨٤)، وأبو داود (٢٠٢٨)، والترمذي (٨٧٤).
(٣) في (ك٢): ((يفعل)).
(٢)
في الأصل: ((الثالثة)).
في (٢٥): ((ترج)).
(٤)
(٥) في الأصل: ((أمرهم)).
(٦)
في (ك٢): ((النفل)).
(٨) إحكام الأحكام (ص٤٦٨).
(١٠) في (م): ((مسامتتها)).
(٧) في الأصل: ((الرابعة)).
(٩ - ٩) في الأصل: ((أنه)).

٤٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفيه نَظَرٌ: فَإِنَّ مَن كَرِهَ الصَّلاةَ بَيْنَ الأسَاطِينِ، إنَّمَا هو في صَلاةِ الجَمَاعَةِ؛
لأن الأسَاطِينَ تَقَطَعُ الصُّفُوفَ، فَأَمَّا مَن صَلى بَيْنَها مُنْفَرِدًا، أو في جَمَاعَةٍ، وكَانَ
الإمَامُ هو الواقِفُ بَينَها أو المَأْمُومِونَ(١)، ولَم يَكثُرُوا، بِحَيثُ تَحُولُ الأُسطُوانَةُ
بَيْنَهم، فَلا أعلَمُ أَحَدًا كَرِهَه، فَلَم (٢) تَتَوَارَد صُورَةُ الحَدِيثِ مَعَ صُورَةِ الكَرَاهَةِ عَلى
مَحَلِّ واحِدٍ، وقد أشَارَ لِذلك البخاريُّ(٣) بِتَبِيبِهِ عَلى هَذَا الحَدِيثِ: (بَابُ الصَّلاةِ
بَيْنَ السَّوارِي فِي غَيرِ جَمَاعَةٍ».
ا الرَّابِعَةُ (٤) والعِشرُونَ: ((المَرمَرَةُ))، بِرَاءٍ ومِيمٍ مُكَرَّرَتَينٍ: واحِدَةٌ
المَرمَرِ، وهو نَوعٌ من الرُّخَام صُلبٌ. قاله في ((النِّهايَةِ)) (٥)، وأَطلَقَ الجَوهَرِيُّ (٦) أنَّه
الرُّخَامُ، وحَكَاه في ((المَشَارِقِ))(٧) عن الكِسَائِيّ.
وأمَّا قَولُه في رِوايَةِ الدَّارَقُطِنِيِّ (٨): ((استَقبَلَ الجَزْعَةَ))، فَهِيَ بِفَتحِ الجِيمِ،
وإسكَانِ الزَّايٍ، واحِدَةُ الجَزِعِ، وهو الخَرَزُ اليَمَانِيُّ، فَيَحْتَمِلُ أنَّهَ سَمَّى (٩)
المَرمَرَةَ: جَزعَةً. عَلى طَرِيقِ النَّشبيه، ويَحتَمِلُ أنَّه كَانَ في ذلك المَوضِعِ مَرمَرَةٌ
وجَزْعَةٌ، فَذَكَرَ الرَّاوِي كُلَّ منهمَا في مَرَّةٍ. والله تعالى أعلمُ.
(١) في (م): ((المأمومين)).
البخاري، كتاب الصلاة، باب (٩٦).
(٣)
(٥) النهاية (٣٢١/٤).
مشارق الأنوار (٣٧٧/١).
(٧)
(٩) في (م): (يسمي)).
(٢) في الأصل: ((فلو)).
(٤) فى الأصل: ((الخامسة)).
(٦) الصحاح (٨١٤/٢).
(٨) سنن الدارقطني (٢/ ٥١).

بَابُ الهَدي
٤٨٥
=
بَابُ الهَدي
الحَدِيثُ الأولُ
عن هَمَّام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: بَينَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً، قال
لَه رسولُ اللهِّ ◌َِّ: ((ويلَك، اركَبها)). [٤١/٢و] قال: بَدَنَةٌ، يَا رسولَ اللهِ.
قال: ((ويلَك، اركَبها، ويلَك، اركَبها)).
وعن الأعرَج، عن أبي هُرَيرَةَ: أنَّ رسولَ اللهِ بَلَهَ رَأْىِ رَجُلا يَسُوقُ
بَدَنَةً، فقال لَه: ((اركَبها)). فقال: يَا رسولَ الله، إنَّها بَدَنَةٌ. فقال: ((اركَبها،
ويَلَك)). في الثَّانِيَةِ، أو الثَّالِئَةِ.
فيه فوائدُ:
الأُولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأُولى مسلمٌ(١) عن مُحَمَّدِ بنِ رَافِعٍ، عن
عَبدِ الرَّزَّاقِ .
وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبُو دَاوُد، والنسائيُّ(٢) من
طَرِيقِ مَالِكٍ.
ومسلمٌ(٣) من طَرِيقِ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ الحِزَامِيِّ.
وابنُ مَاجَه(٤) من طَرِيقِ سُفيَانَ الثَّورِيِّ. ثَلاثَثُهم، عن أبي الزِّنَادِ، عن
الأعرجِ.
(١) مسلم (٣٧٢/١٣٢٢).
(٢) البخاري (١٦٨٩)، ومسلم (٣٧١/١٣٢٢)، وأبو داود (١٧٦٠)، والنسائي (٢٧٩٨).
(٤) ابن ماجه (٣١٠٣).
(٣) مسلم (٣٧١/١٣٢٢).

٤٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأخرَجَه البخاريُّ(١) أيضًا من رِوايَةٍ يَحيَى بنِ أبي كُثَيِّرٍ، عن عِكرِمَةَ، عن
أبي هُرَیرَةَ.
ورَواه أبُو الشَّيخِ ابنُ حَيَّانَ في ((الضَّحَايَا)) من رِوايَةِ سُفيَانَ الثَّورِيِّ، عن أبي
الزِّنَادِ، عن مُوسَى بن(٢) أبي عُثمَانَ، عن أبيه، عن أبي هرَيرَةَ. كَذَا ذَكَرَ
والِدِي ◌َّتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)). ورَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٣) هَذِهِ
الرِّوايَةَ، فَصَرَّحَ فيها بِأَنَّه ابنُ عُيَيْنَةَ. ورَواه ابنُ أبي شَيبَةً في ((مُصَنَّفِه)) (٤) من رِوايَةٍ
عَجلانَ مَولى المُشمَعِلِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ. (١٤٤/٥م)
] الثَّانِيَةُ: المُرَادُ بِالبَدَنَة هنَا: الواحِدَةُ من الإِبِلِ المُهدَاةِ إلى البَيتِ
الحَرَامِ، ويَقَعُ هَذَا اللفظُ عَلى الذَّكَرِ والأُنثَى، بِالاتِّفَاقِ، كَمَا نَقَّلَه النَّوِيُّ
وغَيْرُه(٥)، ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٦) قَولَا إِنَّها تَخْتَصُ بِالأُنثَى، ورَدَّه.
وهَل تَختَصُّ في أصلِ وضعِها بِالإِبِلِ، أم تُستَعمَلُ فيها وفي البَقَرِ، أم
فيهما(٧) وفي الغَنَم؟ فيه خِلافٌ، تَقدمَ في الجُمُعَةِ في الحَدِيثِ الرَّابِعِ، ولَو
استُعمِلَتِ البَدَنَةُ هَا في أصلٍ مَدُلُولِها لَم يَحصُل (٨) الجَوابُ بِقَولِهِ: ((إنَّها بَدَنَةٌ))،
[لأنَّ كَونَها من الإِبِلِ مُشَاهَدٌ مَعلُومٌ، والذِي ظَنَّ أنَّه خَفي من أمرِها كَونُها هَديًا .
فَدَلَّ بِقَولِهِ: ((إنَّها بَدَنَةٌ))](٩) عَلى أنَّها مُهدَاةٌ، وقَولُه في الرِّوايَةِ الأُولى: (بَدَنَةٌ))،
بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبتَدٍَ مَحذُوفٍ؛ أي: هيَ بَدَنَةٌ.
الثَّالِثَةُ: والمُرَادُ بِالتَّقَلِيدِ: أن يُعَلَّقَ (١٠) في أعنَاقِها مَا يُستَدَلُّ بِه عَلى
إهدَائِها، وفيه دَلِيلٌ عَلى استِحِبَابِ تَقَلِيدِ الهَديِ، وسَيَأتي إيضَاحُه في الحَدِيثِ
الذِي بَعدَه .
(١) البخاري (١٩٠٦).
التمهيد (٢٩٧/١٨).
(٣)
(٢) في الأصل، (م): ((عن)).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٨٣٠/٣).
شرح صحيح مسلم (٦٥/٩).
(٥)
(٦) التمهيد (١٧ /٤١٥).
(٧)
في (م): ((فیھا)).
(٨) في (ك٢): ((يجعل)).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(١٠) في (ك٢): ((تعلق)).

=
بَابُ الهَدي
٤٨٧
الرَّابِعَةُ: فيه جَوازُ رُكُوبِ الَدي، وقد قَسَّمَ أصحَابُنَا الهَديَ إلى مُتَطَوعِ
بِهِ، ومَنذُورٍ، فَالأولُ: بَاقِ عَلى مِلكِ المُهدَى لَه، فَلَه التَّصَرُّفُ فيه بِمَا يَشَاءُ.
والثَّانِي: خَارِجٌ عن مِلكِه بِالنَّذرِ، وفيه خِلافٌ لِلعُلَمَاءِ، ولَمَّا لَم يَسْتَفْصِلِ النَّبِيُّ وَلـ
صَاحِبُ هَذَا الهَدي عن ذلك، دَلَّ عَلى أنَّ الحُكمَ لا يَختَلِفُ، وأَنَّه يَجُوزُ لَه
رُكُوبُه في الحَالَتَيْنِ .
والخِلافُ الَّذِي فِي الحَالَةِ الثَّانِيَةِ مَذَاهِبُ:
أحَدُها: الجَوازُ مُطلَقًّا، وهَذَا هو الذِي جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، والنَّووِيُّ في
((الرَّوضَة) في كِتَابِ ((الضَّحَابَا))(١)، وحَكَاه النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٢) عن
المَاوردِيِّ، والقَفَّالِ. وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٣) عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، وأحمَدَ،
وإسحَاقَ. وَكَذَا حَكَاه النَّووِيُّ في ((شَرحَي(٤) مسلم، والمُهَذَّبٍ)) (٥) عنهم، وعن
مَالِكٍ (١٤٥/٥م) في رِوايَةٍ، وعن أهلِ الظَّاهرِ. وحِّكَاه الخَطَّابي(٦) عن أحمَدَ،
وإسحَاقَ. وصَرَّحَ عنهمَا بِأَنَّهمَا لَم يَشتَرِطَا منه حَاجَةً إلَيهما (٧) .
الثَّانِي: الجَوازُ بشرطِ الاحتياجِ لِذلك، ولا يَركِبُها من غَيرِ حَاجَةٍ، قال
النَّوِيُّ في (شَرحِ مسلم)) (٨): إنَّه مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَلَه في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٩)
عن تَصرِيحِ الشَّيخِ أبي حَامِدٍ، والبَندَنِيجِيّ، والمُتَولِّي، وصَاحِبِ البَيَانِ، وآخَرِينَ.
قال: وهو ظَاهرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّه قال: يَركَبُ الهَديَ إذَا اضطُرَّ إلَيه. وقال
الرُّويَانِيُّ: إنَّ تَجوِيزَ الرُّكُوبِ من غَيرِ ضَرُورَةٍ خِلافُ النَّصِّ.
قال شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ: فَعَلَى هَذَا، لا يَجُوزُ ذلك لِلقَادِرِ
عَلى المَشىٍ، إذَا رَكِبَ مُتَرَفِّهَا؛ ككَثِيرٍ من النَّاسِ، ولا (١٠ لِلقَادِرِ عَلى غَيرِها ١٠)
بِمِلكِ أو إِجَارَةٍ، وفي الإِعَارَةِ نَظَرٌ. انتهى.
(١) روضة الطالبين (٤٩٥/٢).
(٣) الإشراف (٣٤٧/٣).
(٥)
شرح صحيح مسلم (٧٤/٩)، والمجموع (٣٣٤/٨).
(٦)
معالم السنن (١٥٥/٢).
(٨) شرح صحيح مسلم (٩/ ٧٤).
(١٠ - ١٠) ليس في: (ح).
(٢) المجموع (٣٣١/٨).
(٤) في (ك٢): ((شرح)).
(٧) في (ك٢): ((إليها)).
(٩) المجموع (٣٣١/٨).

٤٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وتَقِيدُ الجَوازِ بشرطِ الحَاجَةِ هو المَشهورُ من مَذْهَبِ مَالِكِ وأحمَدَ. قال(١) ابنُ
شَاسٍ في ((الجَواهرِ)): ولا يَركَبُها إلا أن يَحتَاجَ إلى رُكُوبِها، فَيَركَبَها، ثُمَّ يَنْزِلَ إِذَا
استَرَاحَ، وقال ابنُ القَاسِم: إذَا رَكِبَها لَم يَلزَمه أن يَنزِلَ، وإن استَرَاحَ. انتَهَى. وكَأَنَّ
ابنَ القَاسِمِ اعتَبَرَ الحَاجَةَ في الابتِدَاءِ، دُونَ الدَّوامِ، وجَزَمَ المَجدُ ابنُ تَيمِيَّةَ في
((المُحَرَّرِ))(٢) بِجَوازِ رُكُوبِها مَعَ الحَاجَةِ [٤١/٢ظ]، مَا لَم يَضُرَّ بِها، وبِهَذَا قال
ابنُ المُنذِرِ وجَمَاعَةٌ، ورَواه ابنُ أبي شَيبَةَ(٣) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، وعُروةَ بنِ الزُّبَيرِ،
وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ، ومُجَاهدٍ. وحَكَاه التِّرمِذِيُّ(٤) عن الشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وإسحَاقَ.
الثَّالِثُ: الجَوازُ بشرطِ الاضطِرَارِ(٥) لِذلك، وهو (٦) الذِي يَقتَضِيه نَصُ
الشَّافِعِيِّ الذِي قدمتُ ذِكرَه، وإن كَانَ النَّوِيُّ استَشهَدَ بِهِ لِلتَّجوِيزِ بشرطِ الحَاجَةِ،
فَقد عُلِمَ أنَّ الضَّرُورَةَ أشَدُّ من الحَاجَةِ، وكَذَا نَقَلَه ابنُ المُنذِرِ عن الشَّافِعِيِّ،
فقال: وقال الشَّافِعِيُّ: يَركَبُها إذَا اضطُرَّ، رُكُوبًا غَيرَ فادِحِ(٧)، ولا يَركَبُها إلا من
ضَرُورَةٍ، وكَذَا حَكَى الخَطَّابِي عن الشَّافِعِيِّ، ورَواه مَالِكٌ في ((المُوطَّ))(٨) عن
عُروةً بنِ الزُّبَيرِ. وجَزَمَ بِذلك صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٩) من الحَنَفيةِ، فقال: ومَن
سَاقَ (١٠) بَدَنَةً(١١)، فَاضطُرَّ إلى رُكُوبِها رَكِبَها، وإن استَغْنَى عنها لَم يَركَبها. لَكِنَّه
قال بَعدَ ذلك: إلا أن يَحتَاجَ إلى رُكُوبِها. واستَدَلَّ(١٢) لَه بِهَذَا الحَدِيثِ، وقال:
وتَأْوِيلُه أنَّه كَانَ عَاجِزًا مُحتَاجًا. انتَهَى.
وهَذَا يَقْتَضِي أنَّ الضَّرُورَةَ والحَاجَةَ عِندَه(١٣) شَيءٌ واحِدٌ هنَا، ويُوافِقُ التَّعبيرَ
(١) في (ح): ((قاله)). وينظر: الجواهر (٣١٠/١).
(٢) المحرر (٢٥٠/١).
(٤)
الترمذي (عقب حديث - ٩١١).
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٨٢٩/٣ - ٨٣٠).
(٥) في (ح): ((الإضرار)).
(٦)
في (٢): ((وهذا)).
فدحه الأمر؛ أي: أثقله، القاموس المحيط (٢٤٨/١).
(٧)
(٨) الموطأ (٣٧٩/١).
(٩) الهداية (١٨٧/١).
(١٠) في أصل (ك٢): ((وسائق)). ثم قال في الحاشية: ((لعله: ساق)).
(١١) في الأصل، (ح): ((بدنه)).
(١٣) ليس في: (ك٢).
(١٢) ليست في: الأصل.

٤٨٩٩
بَابُ الهَدي
بِالضَّرُورَةِ كَلامُ النَّووِيِّ في ((شَرح مسلم))، فَإِنَّه بَعدَ (١٤٦/٥م) حِكَايَةِ المَذْهَبَينِ
الأولَينِ قال: وقال أبُو حَنِيفَةَ: لاَ يَركَبُهاً، إلَّا أَلَّا يَجِدَ منه بُدًّا. ويُوافِقُه قَولُ ابنِ
المُنذِرِ في ((الإشرَافِ))(١) وقال أصحَابُ الرَّأيِ: لا يَركَبُها، وإن احتَاجَ، ولَم يَجِد
منه بُدًّا [حَمَلَ عَلَيه ورَكِبَه.
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةً(٢) عن الشَّعبي قال: لا يَركَبُ البَدَنَةَ، ولا يَحمِلُ
عَلَيها، إلا من أمرٍ لا يَجِدُ منه](٣) بُدَّا. وحَكَاه الخَطَّابي(٤) عن الثَّورِيِّ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): الذِي ذَهَبَ إلَيه مَالِكٌ، (٦ وأَبُو حَنِيفَة٦ً)، والشَّافِعِيُّ،
وأصحابُهم، وأكثَرُ الفُقَهاءِ كَرَاهيَةُ رُكُوبِ الهَديِ من غَيرِ ضَرُورَةٍ.
الرَّابِعُ: مَنعُ رُكُوبِها مُطلَقًّا، قال ابنُ المُنذِرِ(٧). وقال الثَّورِيُّ في قَولِه:
﴿لَكُمْ فِيَهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]. قال: الولَدُ، واللبَنُ، والرُّكُوبُ، فَإِذَا سُمِّيَت بُدنًا
ذَهَبَتْ (٨) المَنَافِعُ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٩) عن مُجَاهدٍ: ﴿لَكُ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ
مُسَتَّى﴾ [الحج: ٣٣]))، قال: في ألبَانِها، وظُهورِها، وأوبَارِها، حَتَّى تُسَمَّى بُدنًا،
(١٠ فَإِذَا سُمِّيَت بُدنًا ١٠)، فَمَحِلُّها إلى البيتِ العَتيقِ.
الخَامِسُ: وُجُوبُ رُكُوبِها، حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ، والقَاضِي عِيَاضٌ(١١)، فَمَن
قال بِالجَوازِ مُطلَقًا: تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ، فَإِنَّهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمَرَ
بِذلك، والأمرُ هنَا لِلإِبَاحَةِ، ولَم يُقَيِّد ذلك بشَيءٍ. ومَن فَيَّدَ الجَوازَ بِالحَاجَةِ أو
الضَّرُورَةِ، قال: هَذِه واقِعَةٌ مُحتَمَلَةٌ، وقد دَلَّت رِوايَةٌ أُخرَى عَلى أنَّ هَذَا الرَّجُلَ
كَانَ مُحتَاجًا لِلرُّكُوبِ، أو مُضطَرًّا لَه.
(١) الإشراف لابن المنذر (٣٤٧/٣)، ومسلم بشرح النووي (٧٤/٩).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٨٣١/٣).
(٤) معالم السنن (١٥٥/٢).
(٦ - ٦) ليست في: (ك٢).
(٨) في الأصل: ((دبت)).
(١٠ - ١٠) ليست في (ك٢).
(١١) التمهيد (٢٩٧/١٨)، وإكمال المعلم (٤١٠/٤).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٥) التمهيد (٢٩٧/١٨).
(٧) الإشراف (٣٤٧/٣).
(٩) مصنف ابن أبي شيبة (٨٢٩/٣).

٤٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
رَوى النسائيُّ (١) عن أنَسٍ: ((أَنَّ النَّبِي وَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةٌ(٢)، وقد
جَهِدَه المَشيُّ، قال: ((اركَبها)). الحَدِيثَ.
وفي ((صَحِيحِ مسلم))(٣) عن أبي الزُّبَيرِ، قال: سَمِعت جَابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ سُئِلَ
عن رُكُوبِ الهَدي، فقال: ((سَمِعت النَّبِي ◌َّهُ يَقُولُ: ((اركَبها بِالمَعرُوفِ، إِذَا
أُلْجِئت إلَيها، حَتَّى تَجِدَ ظَهرًّا))). ورَواه مسلمٌ أيضًا من هَذَا الوجه بِدُونِ قَولِه:
((إذَا أُلْجِئْت إلَيها)).
ومَن مَنَعَ مُطلَقًّا، فَهَذَا الحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيهِ، ولَعَلَّه لَم يَبلُغه، ولَعَلَّ أَحَدًا لَم
يَقُل بِهَذَا المَذهَبِ، ويَكُونُ مَعنَى قَولِ الثَّورِيِّ: ذَهَبَتِ المَنَافِعُ؛ أي: بِالمِلكِ، وإن
بَقِيَت بِالارتِفَاقِ، ومَن أوجَبَ، فَإِنَّه حَمَلَ الأمرَ عَلى الوُجُوبِ، ووجهه أيضًا
مُخَالَفَةُ مَا كَانَت الجَاهِلِيَّةُ عَلَيه من إكرَامِ الْبَحِيرَةِ، والسَّائِبَةِ، والوصِيلَةِ، والحَامِي،
وإهمَالِها بِلا رُكُوبٍ. ودَلِيلُ الجُمهورِ، أنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ أهدَى، ولَم
يَرَكَبِ هَديَهِ، ولَم يَأمُرُ النَّاسَ (٤) بِرُكُوبِ الْهَدَايَا. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرّ الخِلافَ في
الهَديِ الواجِبِ والتَّطَوُّعِ .
■ الخَامِسَةُ: مَحَلُّ جَوازٍ رُكُوبِ الهَديِ، مَا لَم يَضُرَّ بِه الرُّكُوبُ، وهَذَا
(١٤٧/٥م) مُتَّفَقٌ عَلَيه بَيْنَ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ وغَيرِهم، وعَلَيه يَدُلُّ قَولُه عَلَيهِ الصَّلاةُ
والسَّلامُ في حَدِيثِ جَابِرٍ : ((اركَبها بِالمَعرُوفِ)). قال أصحَابُنَا، والحَنَفيةُ: ومَتَى
نَقَصَت بِالرُّكُوبِ ضَمن النُّقْصَانَ. ومُقْتَضَى نَقلِ ابنُ عَبدِ البَرّ(٥) عن مَالِكِ أنَّه لا يَضمَنُ.
السَّادِسَةُ: قال أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ(٦)، والحَنَفيةُ: كَمَا يَجُوزُ رُكُوبُها،
يَجُوزُ الحَمِلُ عَلَيها، [رواه ابنُ أبي شَيبَةَ(٧) عن عَطَاءٍ، والشعبي(٨)](٩) ومَنَعَ مَالِكٌ
(١) النسائي (٢٨٠٠).
(٣) مسلم (٣٧٥/١٣٢٤).
(٥) التمهيد (١٨/ ٢٩٧).
مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٨٣٠، ٨٣١).
(٧)
(٨) في الأصل، (م): ((طاوس)). بدل: ((الشعبي)).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٢) في (٢٥): ((بدنه)).
(٤) ليست في: الأصل.
(٦) ليست في: الأصل.

=
٤٩١
بَابُ الهدي
الحَمَلَ عَلَيها، وقال: و(١) لا يَركَبُها بِالمَحمَلِ. حَكَاه ابنُ [٤٢/٢و] المُنذِرِ (٢)،
وظَاهرُ إطلاقِ أصحَابِنَا: أنَّه لا تَحْجِيرَ عَلَيه في كَيفيةِ الرُّكُوبِ، فَلَه أن يَرَكَبَها كَيفَ
شَاءَ، مَا لَم يَضُرَّ بِها، وهو ظَاهرُ إطلاقِ الحَدِيثِ، والحَمَلُ مَقِيسٌ عَلى الرُّكُوبِ،
ويَعُودُ في الحَمَلِ مَا سَبَقَ من تَجوِيزِهِ مُطلَقًّا، أو بِقَيدِ الحَاجَةِ أو الضَّرُورَةِ.
] السَّابِعَةُ: قال أصحَابُنَا: كَمَا يَجُوزُ لَه الرُّكُوبُ بِنَفسِهِ، يَجُوزُ لَه إِقَامَةٌ
غَيرِه في ذلك مَقَامَ نَفْسِه بِالعَارِيَّةِ، فَلَه أن يُغِيرَها لِرُكُوبٍ غَيرِهِ.
وقِيَاسُ قَولِهم: جَوازُ إِعَارَتِها لِلحَملِ أيضًا، ويَعُودُ فيه مَا سَبَقَ [من
الإطلاقِ، أو اعتِبَارِ (٣) الحَاجَةِ أو الضَّرُورَةِ](٤)، وحَكَى ابنُ المُنذِرِ (٥) عن
الشَّافِعِيِّ؛ أنَّه قال: لَه (٢) أن يَحمِلَ المُعيَا (٧) والمُضطَرَّ عَلى هَديِه(٨)، وهو شَاهدٌ
لِمَا قُلْنَاه، ومَنَعُوا إجَارَتَها؛ لأنها بَيعٌ لِلمَنَافِعِ، ونَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ(٩) الإجمَاعَ
عَلى هَذَا، وقد يُستَشكَلُ عَلى هَذَا جَوازُ الإِعَارَةِ، ويُقَالُ: مَنعُ الإِجَارَةِ يَدُلُّ عَلى
أَنَّه لَم يَملِكِ المَنفَعَةَ، وإنَّمَا مَلَكَ(١٠) أن يَنتَفِعَ، ومُقتَضَى ذلك امتِنَاعُ الإعَارَةِ،
كَمَا يَمتَنِعُ عِندَ أصحَابِنَا إِعَارَةُ المُستَعَارِ، لَكِنَّهم وجَّهوا الإِعَارَةَ بِأَنَّها إرفَاقٌ،
فَجُوِّزَت كَمَا يَجُوزُ لَه الإرفَاقُ(١١) بِها.
] الثَّامنةُ: ألحَقَ أصحَابُنَا بِالْهَدَايَا في ذلك الضَّحَايَا، فَيَعُودُ فيها جَمِيعُ مَا
سَبَقَ من الرُّكُوبِ وفُرُوعِه.
■ التَّاسِعَةُ: أَشَارَ البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) (١٢) إلى إلحَاقِ الوقفِ في ذلك
بِالهَديِ، فَبَوبَ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ: ((بَابُ هَل يَنْتَفِعُ الواقِفُ بِوقفِه))، قال: ((وقد اشتَرَطَ
(١) ليس في: (٢٥).
في الأصل: ((واعتنا)).
(٣)
(٥)
الإشراف (٣٤٧/٣).
في الأصل: ((المعنى)).
(٨) بعده في (ك٢): ((الحاجة أو الضرورة، ورواه ابن أبي شيبة عن عطاء والشعبي)).
(٩) إكمال المعلم (٤ /٤١٠).
(١١) في (ك٢): ((الإرتفاق)).
(١٢) البخاري، كتاب الوقف، قبل حديث (٢٧٥٤).
(٢) الإشراف (٣٤٧/٣).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٦) بعده في (ك٢): ((من الإطلاق أو اعتبار)).
(٧)
(١٠) في (٢٥): ((منع)).

٤٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عُمَرُ نَّه؛ لا جُنَاحَ عَلى مَن ولِيَه أن يَأْكُلَ، وقد يَلِي الواقِفُ وغَيرُه. قال: وكَذلك
مَن جَعَلَ بَدَنَةً أو شَيئًّا لِلَّهِ، فَلَه أن يَنَتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ غَيْرُه وإن لَم يَشتَرِط)). انتَهَى.
وقد قال أصحَابُنَا: يَجُوزُ أن يَنتَفِعَ الواقِفُ بِأوقَافِهِ العَامَّةِ؛ كآحَادِ النَّاسِ؛
كالصَّلاةِ في بُقعَةٍ جَعَلَها مَسجِدًا، أو الشُّربِ من بِئِرٍ وقَفَها، والمُطَالَعَةِ فِي كِتَابٍ
وقَفَه عَلى المسلمِينَ، والشُّربِ من كِيزَانٍ سَبَّلَها عَلى العُمُومِ، والطّبخِ في قِدرٍ
وقَفَها عَلى العُمُوم (١٤٨/٥م) أيضًا، والمَشهورُ عِندَهم مَنعُ(١) وقفِ الإنسَانِ عَلى
نَفْسِه، وهو المَنصُوْصُ لِلشَّافِعِيِّ، ومَعَ ذلك، فَاختَلَفُوا فِيمَا لَو شَرَطَ الواقِفُ النَّظَرَ
لِنَفسِه، وشَرَطَ أُجرَةً، هَل يَصِحُّ هَذَا الشَّرطُ؟ وقال النَّووِيُّ(٢): الأرجَحُ هنَا
جَوازُه، قال الشَّيخُ أبُو عَمروِ (٣) ابنُ الصَّلاحِ: ويَتَقَيِّدُ ذلك بِأُجرَةِ المِثلِ.
واختَلَفُوا(٤) أيضًا فيمَا لَو وقَفَ عَلى الفُقَرَاءِ، ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا، هَل يَجُوزُ لَه
الأخذُ من ذلك؟ تَفرِيعًا عَلى مَنعِ الوقفِ عَلى النَّفْسِ، قال الرَّافِعِيُّ: ويُشبِه أن
يَكُونَ الأصَحُّ الجَوازَ. وَرَجَّحَ الغَزَّالِيُّ المَنعَ؛ لأنَّ مُطلَقَه يَنصَرِفُ إلى غَيرِهِ.
العَاشِرَةُ: قَولُه: ((ويلَك)). كَلِمَةٌ تُستَعمَلُ في التَّغلِيظِ عَلى المُخَاطَبِ،
وأصلُها لِمَن وقَعَ في هَلَكَةٍ، وهو يَستَحِقُّها، فَهِيَ كَلِمَةُ عَذَابٍ، بِخِلافِ (ویحَ)).
فَهِيَ كَلِمَةُ رَحمَةٍ. وفيها هنَا وجهانِ :
أحَدُهَمَا: أنَّها عَلى بَابِها الأصلِيِّ، ثُمَّ يُحتَمَلُ أن يَكُونَ ذلك لأمرٍ دُنِيَوِيٌّ،
وهو أنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مُحتَاجًا إلى الرُّكُوبِ، فَقد(٥) وقَعَ(٦) في تَعَبِ وجَهدٍ،
ويَدُلُّ لِذلك قَولُه في رِوايَةِ النسائيّ (٧) من حَدِيثٍ(٧) أنَسٍ: (وقد جَهِدَه المَشيُ)).
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لأمرٍ دِينِيٍّ، وهو مُرَاجَعَتُه لِلنَّبِيَِّ، وتَأُّرُ امِثَالِهِ أمرَه.
فَإِن قُلتَ: هَذَا الأمرُ إِنَّمَا هو لِلإِيَاحَةِ عِندَ الجُمهورِ، فَكَيفَ استَحَقَّ الذَّمَّ
بِتَركِ المُبَاحِ الذِي لا حَرَجَ فيه؟
(١) في (ح): ((المنع)).
(٣) في الأصل: ((عمر)).
(٥) في (ك٢): ((قد)).
(٧ - ٧) في الأصل: ((في رواية)).
(٢) روضة الطالبين (٣٨٣/٤).
(٤) بعده في (م): ((في ذلك)).
(٦) في الأصل: ((يقع)).

=
كر
٤٩٣
بَابُ الهدي
قُلتُ: لِمَا فُهمَ منه من تَوقُّفِه في الإِبَاحَةِ، حَيثُ صَارَ يُعَارِضُ أمرَ النَّبِي ◌َِّه
لَّه بِالرُّكُوبِ بِقَولِه: ((إنَّها بَدَنَةٌ))؛ يُشِيرُ بِذلك إلى أنَّه لا يُبَاحُ رُكُوبُها لِكَونِها هَديًا .
فَإِن قُلتَ: مُعَارَضَتُهُ النَّبِيِ ◌ّهِ فِي الإِبَاحَةِ شَدِيدَةٌ، تُؤَدِّي إلى الكُفرِ، فَكَيفَ
مَخلصُ(١) هَذَا الرَّجُلِ منها؟
قُلتُ: مَا عَارَضَ عِنَادًا، بَل ظَنَّ أنَّ النبيَّ ◌َلهَ لَم يَعلَم أنَّها هَديٌّ، فَلَمَّا عَلِمَ
النَّبِيِ وَ ذلك، وقال لَه: ((اركَبها، وإن كَانَت بَدَنَةً)). بَادَرَ لامتِثَالِ أمرِهِ وَرَكِبَ،
وقال أبُو هَرَيرَةَ رَُّبهِ: ((فَلَقد رَأيتُهُ رَاكِبَها، يُسَايِرُ النبيَّ [٤٢/٢ظ] وََّ، والنَّعلُ في
عُنُقِها)). رَواه البخاريُّ(٢) من رِوايَةِ عِكرِمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
فَإِن قُلتَ: في الرِّوايَةِ الأُولى أَنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَدَأه بِقَولِه:
((ويلَك)). ثُمَّ قاله لَه في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ، والثَّالِثَةِ، وفي الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّه قال لَه ذلك
في الثَّانِيَةِ، أو الثَّالِثَةِ، فَكَيفَ الجَمِعُ بَيْنَهمَا؟
قُلتُ: يَحتَمِلُ أنَّه قال لَه ذلك في الأُولى لأمرٍ دُنيَوِيٍّ، وهو مَا حَصَلَ لَه من
الجَهدِ والمَشَقَّةِ بِالمَشي، وقال لَه ذلك في الثَّانِيَةِ أو الثَّالِثَةِ لأمرٍ دِينِيٍّ، وهو
مُرَاجَعَتُه لَه، وتَأُخُرُ امتِثَالِ أمرِهِ.
الوجه الثَّانِي: أنَّه لَم يُرِد (٣) (١٤٩/٥م) بِهَذِهِ اللفظَةِ مَوضُوعَها الأصلِيَّ، بَل
هِيَ مِمَّا يَجِرِي عَلى لِسَانِ العَرَبِ في المُخَاطَبَةِ، من غَيرِ قَصدٍ لِمَدُلُولِهِ، كَمَا قِيلَ
في قَولِه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: (تَرِبَت يَدَاك))(٤)، ((أَفْلَحَ وأبيه))(٥)، ((عَقرَى،
حَلقَى))(٦). وكَمَا تَقُولُ العَرَبُ: ((لا أُمَّ لَه))، ((لا أبَ لَه))، ((قَاتَلَه الله، مَا أشجَعُه))،
ونَظَائِرُ ذلك مَعرُوفَةٌ. والله أعلَمُ. وفي رِوايَةِ ابنِ مَاجَه(٧): ((ويحَك)).
(١) في (ح): ((يخلص)).
(٣) في (ح): ((يرده)).
(٥)
مسلم (٩/١١).
سبق تخريجه في الحديث الثاني، باب: طواف الحائض.
(٧) سبق تخريجه في الفائدة الأولى.
(٢) سبق تخريجه في الفائدة الأولى.
(٤) البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (٣٢/٣١٣).
(٦)

٤٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحَدِيثُ الثَّانِي
حَ عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ قالت: ((إن كُنتُ لأفتِلُ قَلَائِدَ هَدي النَّبِي وَلِّ ،
ثُمَّ يَبْعَثُ(١) بِها، فَمَا يَجِتَنِبُ(٢) شَيْئًا مِمَّا يَجِتَنِبُ المُحرِمُ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه البخاريُّ، ومسلمٌ، وأَبُو دَاوُد، والنسائيُّ، وابنُ
مَاجَه(٣) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ .
ومسلمٌ، والنسائيُّ(٤) من رِوايَةِ سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ .
ومسلمٌ(٥)، فَقَط من رِوايَةٍ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ. كُلُّهم عن الزّهرِيِّ، عن عُروةَ،
وفي رِوايَةِ الليثِ، ويُونُسَ ضَمُّ عَمَرَةَ إِلَيه كِلاهمَا، عن عَائِشَةَ.
وأخرَجَه مسلمٌ(٦) من رِوايَةٍ حَمَّادِ بنِ زَيدٍ، عن هشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه،
عن عَائِشَةَ .
واتَّفَقَ عَلَيه الأئِمَّةُ السِّنَّةُ(٧) من رِوايَةِ القَاسِم. ومن رِوايَةِ الأسودِ(٨).
وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ (٩) من رِوايَةِ مَسرُوقٍ.
وأخرَجَه مسلمٌ (١٠) من رِوايَةٍ أبي قِلابَةَ. كُلُّهم عن عَائِشَةَ، وألفَاظُهم
(١٥٠/٥م) مُتَقَارِبَةٌ، والمَعنَى واحِدٌ.
(١) في (ح): ((نبعث)).
(٢) في (ح): ((نجتنب)).
(٣) البخاري (١٦٩٨)، ومسلم (٣٥٩/١٣٢١)، وأبو داود (١٧٥٨)، والنسائي (٢٧٧٤)،
وابن ماجه (٣٠٩٤).
(٤) مسلم (٣٦٠/١٣٢١)، والنسائي (٢٧٩٣).
(٥)
مسلم (٣٥٩/١٣٢١).
(٦) مسلم (٣٦٠/١٣٢١).
البخاري (١٦٩٦) ومسلم (٣٦١/١٣٢١)، وأبو داود (١٧٥٩) والترمذي (٩٠٨)،
(٧)
والنسائي (٢٧٧٥)، وابن ماجه (٣٠٩٨).
البخاري (١٧٠٢)، ومسلم (٣٦٥/١٣٢١)، وأبو داود (١٧٥٥)، والترمذي (٩٠٩)،
(٨)
والنسائي (٢٧٧٧) وابن ماجه (٣٠٩٥).
(٩) البخاري (١٧٠٤)، ومسلم (١٣٢١/ ٣٧٠)، والنسائي (٢٧٧٦).
(١٠) مسلم (٣٦٣/١٣٢١).

=
كم
٤٩٥
بَابُ الهدي
] الثَّانِيَةُ: فيه استِحبَابُ بَعثِ الهَديِ إلى الحَرَمِ، وإن لَم يُسَافِرِ مَعَه
مُرسِلُه، ولا أحرَمَ في تِلكَ السَّنَةِ.
فَإِن قُلتَ: قَولُها رِّنَا مِن رِوايَةِ مَسرُوقٍ عنها: ((فَتَلتُ لِهَدِي النَّبِيَِّ؛
يعني(١): القَلائِدَ، قَبلَ أن يُحرِمَ)) يَقتَضِي أَنَّه أحرَمَ بَعدَ ذلك، وهَذَا اللفظُ في
«صحيح البخاريِ)).
قُلتُ: يَحْتَمِلُ أنَّ مُرَادَها قَبلَ السَّنَةِ التي أحرَمَ فيها، ويَحتَمِلُ أنَّها أخبَرَت
فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ عن حَالِهِ فِي سَنَةِ إِحرَامِه، وفي الرِّوايَةِ الأُخرَى عن حَالِه في سَنَةٍ
أُخرَى، ويُصَرِّحُ بِأَنَّه فَعَلَ ذلك في السَّنَةِ التي لَم يُحرِمِ فيها قَولُها ◌ََّا، من رِوايَةِ
عَمْرَةَ عنها: (ثُمَّ بَعَثَ بِها مَعَ أبي)). وهو في ((الصَّحِيحَينِ))، والمُرَادُ: أَنَّه بَعَثَ
بِها مَعَ أبيها أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ نَّهِ، فِي حَجَّتِهِ سَنَةَ تِسعٍ، وفي ((الصَّحِيحِ))(٢)
أيضًا: (ثُمَّ بَعَثَ بِها إلى البَيتِ وأقَامَ بِالمَدِينَةِ)). وهيَ صَرِيحَةٌ فيمَا ذَكَرْنَاه. واللهُ
أعلَمُ.
■ الثَّالِثَةُ: وفيه استِحبَابُ تَقلِيدِ الهَديِ، وهو أن يَجعَلَ في عُنُقِه مَا
يُستَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّه هَديٌّ، وهو مُتَّفَقٌ عَلَيه في الإِبِلِ والبَقَرِ، واختَلَفُوا في
اسْتِحِبَابِ تَقلِيدِ الغَنَمِ (٣)، فقال بِهِ الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجُمهورُ، ورَواه ابنُ أبي
شَيبَةَ(٤) عن عَائِشَةَ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ: لَقد رَأيتُ الغَنَمَ يُؤتَى بِها مُقَلَّدَةً. وعن
أبي جَعفَرٍ: رَأيت الكِبَاشَ مُقَلَّدَةً. وعن عَبدِ الله بنِ عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ: إنَّ الشَّاةَ
كَانَت تُقَلَّدُ. وعن عَطَاءٍ: رَأيت أُنَاسًا من أصحَابِ النَّبِي ◌َّهِ يَسُوقُونَ الغَنَمَ
مُقَلَّدَةً. وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ عن إسحَاقَ، وأبي ثَورٍ، قال: وبِهِ أَقُولُ. وإلَيه ذَهَبَ
ابنُ حَبيبٍ من المَالِكِيَّةِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها لا تُقَلَّدُ، كَمَا أنَّها لا تُشعَرُ، وهو مَذهَبُ أبي حَنِيفَةً،
ومَالِكِ، وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ عن أصحَابِ الرَّأيِ، وَرَواه ابنُ أبي شَيبَةً عن ابنِ عُمَرَ،
(١) في (ح)، ومصدر التخريج: (تعني)).
(٣) ينظر: الإشراف (١٨٨/٣).
(٢) البخاري (١٦٩٩).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٥٠٩/٣، ٥١٠).

=
=
٤٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ. ويُوافِقُه كَلامُ البخاريِّ، فَإِنَّه بَوبَ عَلى هَذَا الحَدِيثِ: ((فَتَلُ
القَلَائِدِ لِلْبُدنِ والبَقَرِ))؛ فَحَمَلَ الحَدِيثَ عَلَيهِمَا، ولَم يَذْكُرِ الغَنَمَ (١).
وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٢): هو؛ أي: تَقلِيدُ الغَنَمِ: مَذْهَبُنَا
ومذهب(٣) العُلَمَاءِ(٤) كَافَّةً مَن السَّلُفِ والخَلَفِ، إلا مَالِكًا، فَإِنَّه لا يَقُولُ
بِتَقلِيدِها(٥) [٤٣/٢ و]. انتَهَى.
ويَرُدُّ عَلَيهِ ابْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وأَبُو حَنِيفَةَ، ومَن وافَقَه من أصحَابٍ
الرَّأيِ، وقد نَقَلَه هو في مَوضِعِ (٦) آخَرَ من ((شَرحِ مسلم))(٧) عن أبي حَنِيفَةَ، وظَاهرُ
هَذَا الحَدِيثِ مُوافِقٌ لِلجُمهورِ؛ لأنها لَم تَخْصَّ بِذَّلك هَديًا دُونَ هَديٍ، وقد
صَرَّحَت بِالغَنَمِ فِي رِوايَةِ (١٥١/٥م) الأسودِ عنها، فقالت: «كُنت أفتِلُ فَلَائِدَ الغَنَمِ
لِلنَّبِيِمَ ﴿)). لَفظُ البخاريِّ، ولَفظُ مسلم: ((لَقد رَأيتنِي أفتِلُ القَلَائِدَ لِهَديٍ
رسولِ اللهِ وَّ﴿ من الغَنَم))، ولَفظُ التِّرمِذِيِّ: (كُنت أفِلُ قَلَائِدَ هَدي رسولٍ وََّ كُلِّها
غَنَمًا)). وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقَولُها (٨): ((كُلِّها)) بِالجَرِّ، كَأنَّها تَأْكِيدٌ لِلِفَلائِدِ، أو
لِلْهَديِ، بِاعتِبَارِ المَعنَى.
وقَولُها: ((غَنَمَا))، نُصِبَ عَلى الحَالِ أو الثَّمييزِ (٩). وحَكَى ابْنُ حَزمُ(١٠) عن
بَعضِهم أنَّه أولَ هَذَا الحَدِيثَ عَلى أنَّ مَعنَاه: أنَّها فَتَلَت قَلائِدَ الهَديِ من الغَنَمِ؛
أي: من صُوفِ الغَنَم، ويرُدُّه (١١) رِوايَةُ الأسودِ عنها: ((أهدَى رسولُ اللهِ وَلِ مَرَّةً
إلى البَيتِ غَنَمَّا، فَقَلَّدَها)). لَفِظُ مسلم (١٢)، وفي لَفِظِ لَه (١٣): ((كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاةَ،
(١) بلى، قد ذكر الغنم، فقد بوب بعده بثلاثة أبواب: ((باب تقليد الغنم))، وأورد الحديث
برقم (١٧٠١ - ١٧٠٤).
شرح صحيح مسلم (٢٢٨/٨).
(٢)
(٣)
غير واضحة في النسخ، وفي (م): ((علل))، والمثبت من مصدر التخريج.
(٤)
قبلها في الأصل: ((الرابعة)).
في (ك٢): ((مواضع)).
(٦)
(٨) في (م): ((قوله)) .
(١٠) المحلى (١١٣/٧).
(١٢) مسلم (٣٦٧/١٣٢١).
(٥) في (ح): ((بتقليد هذا)).
(٧) شرح صحيح مسلم (٩/ ٧٢).
(٩) ليست في الأصل، وفي (م): ((التميز)).
(١١) في (م)، الأصل: ((رده)).
(١٣) مسلم (٣٦٨/١٣٢١).

بَابُ الهَدي
كم
٤٩٧
فَنْرسِلُ(١) بِها، و(٢) رسولُ اللهِوَّرِ حَلالٌ لَم يَحرُم منه شَيءٌ)). وفي لَفِظِ
لِلبخاريِّ(٣): ((كُنت أفتِلُ قَلائِدَ النَّبي ◌َّهَ فَيُقَلِّدُ الغَنَمَ)). ولَفِظُ أبي دَاوُد: ((إنَّ
رسولَ اللهِ وَّ أهدَى غَنَمًا مُقَلَّدَةً)). وهَذِه الألفَاظُ لا تَحتَمِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ الذِي
ذَكَرَه هَذَا القَائِلُ، وقال ابنُ حَزم بَعدَ ذِكرِهِ: وهَذَا استِسهالٌ لِلكَذِبِ البَحتِ خِلافَ
مَا رَواه النَّاسُ عنها من إهدَائِهِ فَلاَ، الغَنَمَ المُقَلَّدَةَ.
ومَا ذَكَرته أولًا من الاتِّفَاقِ عَلى تَقلِيدِ البَقَرِ، قد نَصَّ عَلَيهِ غَيْرُ واحِدٍ، لَكِنَّ
ابنَ حَزم الظَّاهِرِيَّ خَالَفَ فيه، فقال: إنَّها لا تُقَلَّدُ، لِعَدَم وُرُودِهِ. ولَم أعتَبِره؛
لأَنِّي لَمْ أَرَ لَه فيه سَلَفًا، ثُمَّ إنَّ البَقَرَ دَاخِلَةٌ في عُمُومِ الهَديِ المَذْكُورِ في هَذَا
الحَدِيثِ وغَيرِهِ، وتَنَاولَها أيضًا قَولُها ◌َّا: ((فَتَلت قَلائِدَ بُدنِ رسولِ اللهِ وَ، ثُمَّ
أشعَرَها وقَلَّدَها))(٤)، بِنَاءً عَلى القَولِ بِاندِرَاجِ البَقَرِ في البُدنِ، واللفظُ المَذْكُورُ في
((الصَّحِيحَينِ) من رِوايَةِ أفلَحَ عن القَاسِمِ عنها، فَعَزوُ الشَّيخِ كَُّهُ في ((النُّسَخَةِ
الكُبرَى)) من الأحكَامِ هَذِهِ الرِّوايَةَ لِمسلمٍ فَقَط، فيه نَظَرٌ.
الزَّابِعَةُ(٥): لَم يَتَبَيَّن في هَذِهِ الرِّوايَةِ جِنسُ القَلَادة(٦) المَفْتُولَةِ، وفي
((الصَّحِيحَينِ))(٧) من رِوايَةِ ابنِ عَونٍ، عن القَاسِمِ، عن عَائِشَةَ قالت: ((فَتَلت
قَلَائِدَها (٨) من عِهنٍ كَانَ عِندِي)). لَفظُ البخاريِّ، وَلَفِظُ مسلم: ((أَنَا فَتَلت تِلكَ
الفَلائِدَ من عِهنٍ كَانَ عِندِنا (٩)). وقد اختُلِفَ في العِهنِ، بِكَسَرِ العَينِ المُهمَلَةِ،
وإسكَانِ الهاءِ، فَقِيلَ: هو الصُّوفُ. وقِيلَ: الصُّوفُ المَصُوغُ ألوانًا .
وقد ذَكَرَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ(١٠) أنَّ التَّقلِيدَ بِالخُيُوطِ المَفْتُولَةِ يَكُونُ فِي الغَنَمِ،
فَيُقَلِّدُها إمَّا بِذلك، وإمَّا بِخُربٍ (١١) القِرَبِ، بِضَمِّ الخَاءِ المُعجَمَةِ، وهيَ عُرَاها
(١) في (م): ((فيرسل)).
(٣)
البخاري (١٧٠٢).
في الأصل: ((الخامسة)).
(٥)
(٧) البخاري (١٧٠٥)، ومسلم (١٣٢١/ ٣٦٤).
(٨) في (ك٢): ((قلائد)).
(١٠) ينظر: المجموع (٣٢٢/٨).
(٢) ليس في: (م).
(٤) غير واضحة في: (ك٢).
(٦) في (م): ((القلائد)).
(٩) في (م): ((عندي)).
(١١) في (ح): ((بخرت)).

=
٤٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وآذَانُها، وأمَّا الإِبِلُ والبَقَرُ، فَقَالُوا: يُستَحَبُّ (١٥٢/٥م) تَقلِيدُها بنَعلَينِ من هَذِهِ
النِّعَالِ التي تُلبَسُ في الرِّجَلَينِ في الإحرَامِ، ويُستَحَبُّ أن يَكُونَ لَهَما (١) قِيمَةٌ،
ويَتَصَدَّقُ بِهِمَا عِنْدَ ذَبِحِ الهَديِ.
قال(٢) المَالِكِيَّةُ(٣): ولَو اقتَصَرَ عَلى النَّقلِيدِ بنَعل واحِدٍ جَازَ، والأولُ
أفضَلُ. وقال أصحَابْنَا: إنَّه لا تُقَلَّدُ(٤) الغَنَمُ النَّعلَ، لِثقلِه(٥) عَلَيها، بِخلافِ الإِبِلِ
والبَقَرِ، ولَم أرَهم قَالُوا: إنَّه لا تُقَلَّدُ الإِبِلُ والبَقَرُ بِالخُربِ والخُيُوطِ، بَل استَحَبُّوا
أن يَكُونَ بِالنِّعَالِ، وسَكَتُوا عن نَفيِ مَا عَدَاها .
وهَذَا الحَدِيثُ صَرِيحٌ في تَقلِيدِ الإِبِلِ بِالخُيُوطِ، ولا سِيَّمَا الرِّوايَةُ الْمُتَقدمَةُ:
((فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدنِ رسولِ الله ◌ِّهَ، ثُمَّ أشعَرَها وقَلَّدَها)). ومن المَعلُوم أنَّ الإشعَارَ
لا يَكُونُ في الغَنَمِ، وتَنَاولُ(٦) لَفِظِ: ((الْبُدنِ)) لِلإِبِلِ، مُتَّفَقٌ عَلَيه، وإنَّمَا الخِلافُ في
إطلاقِهِ عَلى غَيرِها، كَمَا تَقدمَ. والله أعلمُ.
وقال بَعضُ المَالِكِيَّةِ بِكَرَاهَةِ (٧) تَقلِيدِ النِّعَالِ والأوِبَارِ(٨)، وقال [٤٣/٢ظ] ابنُ
حَبيبٍ: اجعَل(٩) القَلَائِدَ (١٠ مما شئت"١).
الخامسة(١١): فيه استِحِبَابُ فَتلِ القَلائِدِ لِلهَديِ، واستِخدَامِ الإنسَانِ
أهلَه في مِثْلِ هَذَا .
السَّادسةُ(١٢): هَذَا الذِي ذَكَرنَاه من استِحِبَابِ تَقلِيدِ الهَديِ، إنَّمَا رَأيتُ
أصحَابَنَا الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوه في الهَديِ المُتَطَوعِ بِهِ والمَنذُورِ، وقَسَّمَ المَالِكِيَّةُ (١٣) دِمَاءَ
الحَجِّ إلى هَديٍ ونُسُكٍ، وقَالُوا: إنَّ الهَديَ جَزَاءُ الصَّيدِ، ومَا وجَبَ لِنَقصٍ في
(١) في (م): ((لها)).
(٣) ينظر: الكافي (٤٠٢/١).
(٥) في (م): ((لنقله)).
(٧) في (ح): ((بكراهته)).
(٩) في الأصل: ((احبل)).
(٢) في (ح): ((فقال)).
(٤) في (ح): ((يقلد)).
(٦) في (ح): ((ويتأول)).
(٨) في (ح): ((الأوتار)).
(١٠ - ١٠) في (م): ((من مسد)). وينظر: الجواهر لابن شاس (٣٠٥/١).
(١١) في (م): ((السادسة)).
(١٣) ينظر: الكافي (١/ ٤٠٢).
(١٢) في (م): ((السابعة)).

بَابُ الهَدي
٤٩٩
حَجِّ أو عُمرَةٍ؛ كدَمِ القِرَانِ والتَّمَتُّع والفَسَادِ والفَواتِ وغيرِها. وقَالُوا: إنَّ النُّسُكَ
مَا وجَبَ لالقَاءِ التَّفَثِ وطَلَبِ الرَّفَاهَيَةِ من المَحْظُورِ المُنجَبِرِ. وجَعَلُوا التَّقلِيدَ من
سُنَّةِ الهدي.
وقال الحَنَفيةُ (١): إنَّ التَّقلِيدَ إِنَّمَا يَكُونُ في هَديِ المُتعَةِ والتَّطَوُّعِ والقِرَانِ،
دُونَ دَمِ الإحصَارِ والجِمَاعِ والجِنَايَاتِ. وفَرَّقُوا بَينَها بِأنَّ الأولَ دَمُ نُسُكٍ، وفي
التَّقلِيدِ إظهارُه وتَشهيرُه، فَيَلِيقُ بِه. وأمَّا الثَّانِي، فَإِنَّ سَبَبَه الجِنَايَةُ، والسَّتْرُ أَليَقُ
بِها، قَالُوا: ودَمُ الإحصَارِ جَائِزٌ فَأُلحِقَ بِها .
وذَكَرَ ابنُ حَزم الظَّاهرِيُّ(٢) هَذَا التَّفصِيلَ عن أبي حَنِيفَةَ، ثُمَّ قال: وقال
مَالِكٌ(٣)، والشَّافِعِيُّ: يُقَلَّدُ كُلُّ هَدي ويُشعَرُ. قال: وهَذَا هو الصَّوابُ، لِعُمُومٍ
فِعلِ الَّبِيِ نَِّ. انتَهَى.
وفيمَا ذَكَرَه نَظَرٌ، فَإِنَّه لا عُمُومَ في فِعلِ النَّبِيِ وَلَِّه والهَدِيُ الذِي سَاقَه،
إِنَّمَا كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ، ولَم يَكُن عن شَيءٍ من الدِّمَاءِ الواجِبَةِ المَذْكُورَةِ، والدِّمَاءُ
الواجِبَةُ لا تُسَاقُ مَعَ الحَاجِّ من الأولِ؛ لأنه لا يَدرِي هَل يَحصُلُ لَه مَا يُوجِبُها،
أم لا، ولَم أرَ(٤) أصحَابَنَا تَعَرَّضُوا لِذلك، كَمَا تَقدمَ، فَيَنبَغِي تَحْقِيقُه. واللهُ أعلمُ.
السابعة (٥): قَولُه: ((ثُمَّ يَبعَثُ بِها))؛ أي: مُقَلَّدَةً، كَمَا هو مُصَرٌَّ
(١٥٣/٥م) بِه في ((الصَّحِيحَينِ)) من رِوايَةٍ أفلَحَ، عن القَاسِم، عن عَائِشَةَ، قالت:
(فَتَلتُ قَلَائِدَ بُدنِ رسولِ اللهِ وَّهَ بِيدَيَّ. ثُمَّ أشعَرَها، وقَلَّدَها، ثُمَّ بَعَثَ بِها إلى
البَيتِ)) الحَدِيثَ. وفيه: أنَّه إذَا أرسَلَ هَديَه أشعَرَه وقَلَّدَه من بَلَدِه، ولَو أخَذَه مَعَه،
أَخَّرَ التَّقلِيدَ والإشعَارَ إلى حِينٍ يُحرِمُ من المِيقَاتِ أو غَيرِهِ.
■ الثَّامنةُ(٦): وفيه: أنَّ مَن أرسَلَ هَديًا إلى الكَعبَةِ، لا يَصِيرُ مُحرِمًا
بِمُجَرَّدِ(٧) ذلك، ولا يُجرَى عَلَيه حُكُمُ الإحرَامِ، ولا يَلزَمُه أن يَجتَنِبَ شَيئًا مِمَّا
(١) ينظر: المبسوط (١٢٤/٤).
(٣)
في الأصل: ((المالكية)).
(٥) في (م): ((الثامنة)).
(٧) في (ح): ((مجرد)).
(٢) المحلى (١١٢/٧ - ١١٣).
(٤) ليست في: الأصل.
(٦) في (م): ((التاسعة)).

٥٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يَجْتَنِبُه المُحرِمُ، وسَواءٌ قَلَّدَ هَديَه أم لَم يُقَلِّده. وبِهَذَا قال جُمهورُ العُلَمَاءِ من
السَّلَفِ والخَلَفِ، وهو مَذهَبُ الأَئِمَّةِ الأربَعَةِ، وقال ابنُ المُنذِرِ (١): كَانَ ابنُ عُمَرَ
يَقُولُ: إن قَلَّدَ هَديَه فَقد أحرَمَ. وبِهِ قال النَّخَعِيُّ، والشَّعبيُّ. وقال عَطَاءٌ: سَمِعنَا
ذلك. وقال الثَّورِيُّ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ: إِذَا قَلَّدَ هَديَهِ(٢) فَقد(٣) وجَبَ عَلَيه، وبِهِ
قال أصحَابُ الرَّأيِ. انتَهَى.
وحَاصِلُ كَلامِهِ قَولانِ :
أَحَدُهمَا: أنَّه يَصِيرُ مُحرِمًا. والثَّانِي: أنَّه يَجِبُ عَلَيه الإحرَامُ، وعَدَّهمَا
ابنُ المُنذِرِ قَولًا واحِدًا، فَإِنَّه قال بَعدَ ذلك: وفيه قَولُ ثَانٍ. فَحَكَى المَذهَبَ
المَشهورَ، وكَأنَّ مُرَادَ الأخِيرَينِ: وجَبَ عَلَيه حُكُمُ الإحرَامِ؛ لأنه قد صَارَ مُحرِمًا،
فَتَتَّحِدَ المَقالتَانِ حِينَئِذٍ. وقال الخَطَّابي (٤) عن أصحَابِ الرَّأيِ، تَفرِيعًا عَلى مَا تَقْدَمَ
نَقلُه عنهم: فَإِن لَم تَكُن لَه ◌ِيَّةٌ، فَهو بِالْخِيَارِ بَيْنَ حَجٍّ وعُمَرَةٍ.
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٥): أَنَّه إذَا قَلَّدَ هَديَه فَقد أحرَمَ؛ عن ابنِ عُمَرَ، وابنٍ
عَبَّاسٍ، والشَّعبي، وسَعِيدٍ بنِ جُبَيْرٍ، وسَعدِ (٦) بنِ قَيسٍ، ومَيمُونَ بنِ أبي
شَبِيبٍ(٧). وأَنَّه إذَا قَلَّدَ فَقد وجَبَ عَلَيه الإحرَامُ عن ابنِ عَبَّاسٍ. وهَذَا يَدُلُّ عَلى
التَّوِيلِ الذِي قدمته، وأنَّ المُرَادَ بِالعِبَارَتَينِ شَيءٌ واحِدٌ، لِكَونِهِمَا مَعًا عن ابنِ
عَبَّاسٍ.
ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ أيضًا(٨): أنَّه إذَا قَلَّدَ وهو يُرِيدُ الإحرَامَ [فَقد أحرَمَ.
عن ابنِ عَبَّاسٍ، وأبي الشَّعثَاءِ، وعَطَاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهدٍ. وأنَّه إذَا قَلَّدَ، وهو
يُرِيدُ الإِحرَامَ] (٩) فَقد وجَبَ عَلَيه الإحرَامُ. عن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ. وَكَذَا حَكَى
(١) الإشراف (١٨٩/٣).
(٢) ليست في: (ك٢، ح).
(٣) بعدها في (م): ((أحرم وبه قال النخعي والشعبي. وقال عطاء)). وهو تكرار للجملة
قبلها .
(٤) معالم السنن (١٥٥/٢).
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٤٨١/٣ - ٤٨٣).
(٧) في الأصل: ((شيبة)).
(٦) في الأصل، (ح): ((سعيد)).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٨) ليس في: (م).