النص المفهرس

صفحات 461-480

=
٤٦
بَابُ طَوافِ الحَائِضِ
الطَّرِيقِ فَهِيَ ضَرُورَةٌ ويُفسَخُ الكِرَاءُ بَينَهمَا. قال ابنُ شَاسِ: وإذَا قُلنَا بِرِوايَةٍ
ابنِ القَاسِمِ، فَجَاوزَ الدَّمُ مُدَّةَ الحَبسِ، فَهَل تَطُوفُ، أو تَفسَخُ (١) الكِرَاءَ؟ قَولانِ.
السَّادِسَةُ: فيه أنَّ طُوافَ الودَاعِ غَيْرُ واجِبٍ عَلى الحَائِضِ، فَلَها النَّفرُ
من غَيرِ أن تَفْعَلَه ولا دَمَ عَلَيها، وبِهَذَا قال جُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ.
قال ابنُ عَبدِ البَرّ(٢): هو مُجتَمَعٌ(٣) من فُقَهاءِ الأمصَارِ، وجُمهورُ العُلَمَاءِ عَلَيه،
لا خِلافَ بَينَهم فيه. انتَهَى. وحَكَى الطَّحَاوِيُّ (٤) عن طَائِفَةٍ وُجُوبَه عَلَيها كَغَيرِها .
وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، و((النسائيّ)) (٥) عن الحَارِثِ بنِ عَبدِ الله بنِ أوسٍ،
قال: ((أَتَيت عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَسَألته عن المَرأةِ تَطُوفُ بِالبَيتِ يَومَ (٦النَحرِ، ثُم٦ّ)
تَحِيضُ. قال: ((لِيَكُن آخِرُ عَهدِها بالبَيتِ))(٧) قال: فقال الحَارِثُ: كَذلك أفتَانِي
رسولُ اللهِ وَ لَهُ. قال: فقال عُمَرُ: ((أَرَبتَ(٨) عن يَدَيك، سَألتنِي عن شَيءٍ سَألتَ
عنه رسولَ اللهِ وَلَهَ لِكَيمَا أُخَالِفُ؟!)).
وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٩) عن عِكرِمَةَ: أَنَّ أهلَ المَدِينَةِ سَأَلُوا ابنَ عَبَّاسٍ
رًَّا، (١٢٧/٥م) عن امرأةٍ طَافَت، ثُمَّ حَاضَت. قال لَهم: (تَنْفِرُ)). قَالُوا: لا نَأخُذُ
بِقَولِكَ، ونَدَعُ قَولَ زَيدٍ. قال: ((إذَا(١٠) قدمتُم المَدِينَةَ، فَسَلُوا)). فَقدمُوا المَدِينَةَ،
فَسَأْلُوا، فَكَانَ فِيمَن (١١) سَألُوا أُم سُلَيمٍ، فَذَكَرَت حَدِيثَ صَفِيةً.
لَكِن قد رَجَعَ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ عن ذلك، فَفي (صَحِيحِ مسلمٍ»(١٢) عن
طَاؤُوسٍ، قال: كُنتُ مَعَ ابنِ عَبَّاسٍ، إذ قال زَيدُ بنُ ثَابِتٍ: ((تُفتيَّأَن تَصدُرَ
الحَائِضُ قَبلَ أن يَكُونَ آخِرَ عَهدِها بِالبَيتِ؟)) فقال لَه ابنُ عَبَّاسٍ: ((أمَّا لا، فَسَل
(٢) الاستذكار (٣٢١/٤).
(١) في الأصل: ((يفسخ)).
(٣) في (م): ((مجمع)). وفي الاستذكار: ((مجتمع عليه)).
(٤) شرح معاني الآثار (٢٣٢/٢).
(٥) أبو داود (٢٠٠٤)، والنسائي في الكبرى (٤١٨٥).
(٦ - ٦) في (م): ((التحريم)).
(٧) في (ك٢، ح، م): ((في البيت)).
(٨) في (م): ((أرأيت)) و((أربت)): دعاء عليه، كأنه يقول: سقطت آرابك؛ أي: أعضائك.
(٩) البخاري (١٧٥٨، ١٧٥٩).
(١٠) في (ح): ((فإذا)).
(١١) فى الأصل: ((ممن)).
(١٢) مسلم (٣٨١/١٣٢٨).

٤٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فُلانَةَ الأنصَارِيَّةَ، هَل أمَرَها بِذلك رسولُ الله ◌ِيَ؟)) قال: فَرَجَعَ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ إلى
ابنِ عَبَّاسٍ يَضحَكُ، وهو يَقُولُ: ((مَا أَرَاك إلا قد صَدَقَت)).
وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)) وغَيرِه(١) عن طَاؤُوسٍ، قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ في
أولِ أمرِهِ: ((إنَّها لا تَنْفِرِ))، ثُمَّ سَمِعته يَقُولُ: (تَنْفِر، إنَّ النبيَّ وَهْ رَأَخَّصَ لَهَنَّ)) .
وفي (مُصَنَّفِ ابنِ أَبِي شَيْبَةً))(٢): أنَّ ابنَ عُمَرَ كَانَ يُقِيمُ عَلى الحَائِضِ سَبعَةً
أيَّامِ حَتَّى تَطُوفَ طَوافَ يَومِ النَّحرِ. وقال ابنُ المُنذِرِ: رُوِّيِنا عن زَيدٍ، وابنِ عُمَرَ
الرُّجُوعَ، وتَرَكًا قَولَ عُمَرَ لِلْثَّابِتِ(٣) عن النَّبِيِّهِ. وقال الشَّافِعِيُّ كَُّ: وكَأنَّ
ابنَ عُمَرَ، والله أعلَمُ، سَمِعَ الأمرَ بِالودَاعِ، ولَم يَسمَعِ الرُّخصَةَ لِلحَائِضِ، فقال بِهِ
عَلَى العَامِّ، فَلَمَّا بَلَغَته الرُّخصَةُ ذَكَرَها. حَكَاهِ البَيْهَِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٤).
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(٥) عن القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ: يَرحَمُ (٦) اللهُ عُمَرَ،
كَانَ أصحَابُ مُحَمَّدٍ وَّهَ يَقُولُونَ: قد (٧فَرَغَتَ. إلا ٧) عُمَرَ، فَإِنَّه كَانَ يَقُولُ:
((يَكُونُ آخِرُ عَهدِها بِالبَيتِ)).
السَّابِعَةُ: قد يُستَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّ طَوَافَ الودَاعِ غَيرُ واجِبٍ مُطلَقًّا، إذ لَو
وجَبَ لَم يَسقُط عن الخَائِضِ؛ كطَوافِ الرُّكنِ، وقد يُقَالُ: إنَّمَا سَقَطَ عن الحَائِضِ
لِلْعُذرِ، مَعَ وُجُوبِهِ عَلى غَيرِها. ويُوافِقُ الثَّانِيَ مَا في ((الصَّحِيحَينِ))، وغَيرِ هِمَا(٨)
عن ابنِ عَبَّاسٍ ﴿ه، قال: ((أُمِرَ النَّاسُ أن يَكُونَ آخِرُ عَهدِهم بِالبَيتِ، إلا
الحَائِضَ)). ورَوى التِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ، والحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(٩) عن ابنِ
عُمَرَ بِّهَا قال: ((مَن حَجَّ البَيتَ فَلَيَكُن آخِرُ عَهدِه بِالبَيتِ، إلا الحُيَّضَ، ورَخَّصَ
لَهِنَّ رسولُ اللهِ وَلَه)). قال التِّرمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عَلى هَذَا عِندَ
(١) البخاري (٣٣٠)، والنسائي في الكبرى (٤١٩٧).
(٣) في (ح): ((الثابت)).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٥٥٢/٣).
(٤)
معرفة السنن والآثار (٤ /١٥٠).
(٥) مصنف ابن أبي شيبة (٥٥٢/٣).
(٦)
في (م): ((أيرحم)) .
(٧ - ٧) في الأصل: ((يرغب إلا)).
(٨)
البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨/ ٣٨٠)، والنسائي في الكبرى (٤١٩٩).
(٩) الترمذي (٩٤٤)، والنسائي في الكبرى (٤١٩٦)، والحاكم (٤٩٦/١).

٤٦٣
بَابُ طَوافِ الحَائِضِ
أهلِ العِلم. وقال الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرطِ الشَّيخَينِ. [٣٦/٢ظ]
انتَھَی .
وجُمهورُ العُلَمَاءِ عَلى وُجُوبٍ طَوافِ الودَاعِ عَلَى غَيرِ الخَائِضِ، وبِه قال
أَبُو حَنِيفَةَ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ، وأَبُو ثَورٍ، وهو أَصَحُّ قَولَي الشَّافِعِيِّ. وحَكَاه
ابنُ المُنذِرِ عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، (١٢٨/٥م) والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وسُفيَانَ الثَّورِيِّ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ إلى أنَّه غَيرُ واجِبٍ، واستَحسَنَه ابنُ المُنذِرِ. وحَكَى عن مُجَاهدٍ
رِوايَةً مُوافِقَةً لَه، وأُخرَى مُوافِقَةً لِلجُمهورِ. ومِمَّن حَكَى عنه عَدَمَ وُجُوبِهِ أيضًا
عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ، ودَاوُدِ الظَّاهِرِيُّ.
] الثَّامنةُ: قَولُه: ((أفَاضَت)). أي: طَافَت طُوافَ الإِفَاضَةِ، وهو الذِي
يُسَمَّى طَوَافَ الزِّيَارةِ (١)، وهو طَوافُ الرُّكنِ، وسُمِّيَ بِذلك لأنَّ الغَالِبَ أنَّهُ يُفعَلُ
يَومَ النَّحرِ، يُفيضُ الحَاجُ من منى إلى مَكَّةَ، فَيَطُوفُ، ثُمَّ يَرجِعُ، والإِفَاضَةُ:
الزَّحفُ والدَّفِعُ في السَّيرِ بِكَثْرَةٍ. ومنه: الإِفَاضَةُ من عَرَفَةَ. ولا تَكُونُ(٢) إلا عن
تَفَرُّقٍ وجَمعٍ، وأصلُ الإِفَاضَةِ: الصَّبُّ، فَاستُعِيرَت لِلذَّفع في السَّيرِ، وأصلُه:
أَفَاضَ نَفسَه، أو رَاحِلَتَه، فَرَفَضُوا ذِكرَ المَفْعُولِ، حَتَّى أشبَهَ غَيرَ المُتَعَدِّي.
التَّاسِعَةُ: قال أصحَابُنَا: إن نَفَرَت المُستَحَاضَةُ فِي يَومِ حَيضِها فَلا ودَاعَ
عَلَيها، وإن نَفَرَت في يَومِ ظُهرِها لَزِمَها طَوافُ الودَاعِ، وكَانَ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا نَفَرَت
في يَومِ ظُهرِها، وكَانَت تَخشَى تَلوِيثَ المَسجِدِ لَو دَخَلَته، أن يَكُونَ حُكمُها في
سُقُوطٍ طَوافِ الودَاعِ عنها حُكمَ الحَائِضِ، وإن صَحَّ هَذَا، التَحَقَ بِهِ كُلُّ مَن بِه
جِرَاحَةٌ نَضَّاحَةٌ (٣) يُخشَى من دُخُولِه المَسجِدَ تَلوِيتُه بِها. واللهُ أعلمُ.
العَاشِرَةُ: في ((صَحِيحِ مسلم))(٤) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ إِبرَاهِيمَ التَّيمِيِّ،
عن أبي سَلَمَةَ، عن عَائِشَةَ: ((أنَّ رسُولَ اللهِ وَ﴿ أَرَادَ من صَفيةً بَعضَ مَا يُرِيدُ
الرَّجُلُ من أهلِه، فَقَالُوا: إنَّها حَائِضٌ، يَا رسولَ الله. قال: ((وإنَّها لَحَابِسَتُنَا)).
(١) في (م): ((الزيادة)).
(٣) في (ح): ((نضاخة)).
(٢) في (ح): ((يكون)).
(٤) مسلم (٣٨٦/١٢١١).

=
٤٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قَالُوا: يَا رسولَ الله، إنَّها قد زَارَت يَومَ النَّحرِ. قال: ((فَلَفِرِ مَعَكُم)).
وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُشكَلَةٌ؛ لأنه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَم يَكُنْ عَلِمَ بِأنَّها طَافَت
طَوَافَ الإِفَاضَةِ، كَمَا اتَّفَقَت عَلَيه سَائِرُ الرِّوايَاتِ، فَكَيفَ يُرِيدُ وِقَاعَها، وحُكمُ
الإِحَرَامِ في حَقِّها بِالنِّسَبَةِ إلى الوِقَاعِ بَاقٍ قَبَلَ الطّوافِ؟
وجَوابُه: أنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ظَنَّ أنَّها طَاهرَةٌ، وأنَّها طَافَت طَوَافَ
الإِفَاضَةِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَه أنَّها حَائِضٌ، تَوهَّمَ حِينَئِذٍ أنَّها لَم تَطْف طُوافَ الإِفَاضَةِ،
فَمَا حَدَثَ لَه هَذَا الَّوهُمُ إلا بَعدَ عِلمِه بِأنَّها حَائِضٌ، فَلَم يَجْتَمِع إرَادَةُ الوِقَاعِ،
وتَوهُمُ عَدَمِ الطَّوافِ فِي زَمَنٍ واحِدٍ، واللهُ أعلَمُ .
عَلى أنَّ قَولَه في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((حِينَ أرَادَ أن يَنْفِرَ))، تُنَافي بِظَاهِرِها إِرَادَةَ
وِقَاعِها، فَإِنَّ تِلكَ الحَالَةَ، وهيَ وقتُ النَّفرِ(١)، لا يَتَهَيَُّ فيها هَذَا، ويُوافِقُ ذلك
رِوايَةَ الأسودِ، عن عَائِشَةَ، قالت: ((لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ وَ أَن يَنِفِرَ، إذَا صَفيةُ عَلى
بَابٍ خِبَائِها كَئِيبَةٌ حَزِينَةً، فقال: ((عَقرَى (١٢٩/٥م) حَلقَى، إنَّكِ لَحَابِسَنُنَا)).
الحَدِيثَ. وهو في ((الصَّحِيحِ))(٢)، فَلَعَلَّ الرِّوايَةَ التي فيها إرَادَةُ الوِقَاعِ وهمٌّ، ولَم
أقِف عَلَيها في ((صَحِيحِ البخاريِّ))، فَفي ذِكرٍ عَبدِ الغَنِيِّ المَقدِسِيَّ لَها في
((العُمْدَةِ))، نَظَرٌ(٣). والله أعلمُ.
الحَادِيَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((فَأَمَرَها بِالخُرُوجِ)). يَحتَمِلُ أنَّه أمرُ إِيَاحَةٍ،
ويَحْتَمِلُ أَنَّه أمرُ إِيجَابٍ، لا(٤) لأجلِ النُّسُكِ، بَل لِحَقِّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ،
في كَونِها زَوجَتَه. واللهُ تعالى أعلَمُ.
(١) في (٢٤): ((السفر)).
(٢) تقدم تخريجها في الفائدة الأولى.
(٣) الرواية في البخاري (١٧٣٣) من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي سلمة،
عن عائشة، بلفظها .
(٤) ليست في: (ح).

بَابٌ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
٤٦٥
=
بَابُ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
عن(١) نَافِعٍ، عن ابنٍ عُمَرَ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ دَخَلَ الكَعبَةَ، هو
وأُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، وَعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ، وبِلالُ بنُ رَبَاحِ، فَأغلَقَاها عَلَيه، ومَكَثًا
فيها. قال عَبدُ الله بنُ عُمَرَ: فَسَألتُ بِلالَا حِّينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ
رسولُ اللهِ وَلّهِ؟ فقال: جَعَلَ عَمُودًا عن (٢) يَسَارِهِ، وعَمُودَينٍ(٣) عن يَمِينِهِ،
وثَلاثَةَ أَعمِدَةٍ [٣٧/٢و] ورَاءَه، وكَانَ البَيتُ يَومَئِذٍ عَلى سِنَّةٍ أعمِدَةٍ، ثُمَّ
صَلى)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبُو دَاوُد، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقٍ
مَالِكٍ.
وأخرَجَه البخاريُّ، ومسلمٌ(٥) أيضًا من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ.
والبخاريِّ(٦) من طَرِيقٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، وجُويرِيةً(٧) بنِ أسمَاءَ، وفُلَيحِ بنُ
سُلَيْمَانَ، ويُونُسَ بِنِ يَزِيدَ .
ومسلمٌ، وأبُو دَاوُد(٨) من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنُ عُمَرَ.
(١) ليس في: الأصل.
(٢) في الأصل: ((على)).
(٣) في (ح): ((عمود)).
البخاري (٥٠٥)، ومسلم (٣٨٨/١٣٢٩)، وأبو داود (٢٠٢٣) والنسائي (٧٤٨).
(٤)
(٥)
البخاري (٤٦٨)، ومسلم (٣٨٩/١٣٢٩).
البخاري (٥٠٦) عن موسى، (٥٠٤) عن جويرية، (٤٤٠٠) عن فليح، (٢٩٨٨) عن يونس.
(٦)
في الأصل و(م): ((جویرة)).
(٧)
(٨) مسلم (٣٩١/١٣٢٩)، وأبو داود (٢٠٢٥).

٤٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ومسلمٌ، والنسائيُّ(١) من طَرِيقِ (١٣٠/٥م) عَبدِ الله بنِ عَونٍ .
وابنُ مَاجَه(٢) من طَرِيقِ حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ، كُلِّهم عن نَافِعِ.
وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ(٣) من طَرِيقِ سَالِمٍ بنِ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ.
والبخاريُّ، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ مُجَاهدٍ.
والنسائيُّ(٥) من طَرِيقِ ابنِ أبِي مُلَيكَةً، كُلُّهم عن ابنِ عُمَرَ.
ورَوى التِّرمِذِيُّ(٦) من حَدِيثِ عَمرِو (٧) بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن بِلالٍ:
((أنَّ النبيَّ ◌َّهِ صَلَى فِي جَوفِ الكَعبَةِ)). وقال: حَدِيثُ بِلالٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
■ الثَّانِيَةُ: فيه استِحِبَابُ دُخُولِ الكَعبَةِ اقتِدَاءً بِهِ، عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ،
وهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيه، وقد ورَدَ التَّرغِيبُ فيه في حَدِيثٍ رَواه البَيْهَقِيُّ (٨) من حَدِيثِ ابنِ
عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ الله وَّ: ((مَن دَخَلَ البَيتَ، دَخَلَ في حَسَنَةٍ وَخَرَجَ من
سَيِّئَةٍ مَغْفُورًا لَه)). قال البَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عَبدُ اللهِ بنُ المُؤَمَّلِ، وهو ضَعِيفٌ. [وقال
المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ](٩)، ومَحَلُّ اسْتِحبَابِهِ إذَا لَم يُؤذِ بِدُخُولِه
أحَدًا، لِزَحمَةٍ ونَحوِها. قال الشَّافِعِيُّ تَخْتُهُ(١٠): واستُحِبَّ دُخُولُ البَيتِ إِن كَانَ لا
يُؤْذِي أحَدًا بِدُخُولِهِ.
ورَوى أبُو دَاوُد، والتِّرمِذِيُّ، وابنُ مَاجَه (١١)، عن عَائِشَةَ مَّا، قالت: خَرَجَ
النَّبِيُّ ◌َ﴿ من عِندِي وهو قَرِيرُ العَينِ طَيِّبُ النَّفسِ، فَرَجَعَ(١٢) إِلَيَّ وهو حَزِينٌ،
فَقُلتُ لَه: فقال: ((إِنِّ دَخَلتُ الكَعبَةَ، وودِدتُ أنِّي لَم أكُن فَعَلتُ، إِنِّي أَخَافُ أن
(١) مسلم (٣٩٢/١٣٢٩)، والنسائي (٢٩٠٥).
(٢) ابن ماجه (٣٠٦٣).
البخاري (١٥٩٨)، ومسلم (٣٩٣/١٣٢٩)، والنسائي (٦٩١).
(٣)
(٤)
البخاري (٣٩٧)، والنسائي (٢٩٠٨).
(٥) النسائي (٢٩٠٧).
(٧) في الأصل: ((عمر)).
(٦)
الترمذي (٨٧٤).
(٨) السنن الكبرى (١٥٨/٥).
(١٠) ينظر: معرفة السنن والآثار (١٤٣/٤).
(١١) أبو داود (٢٠٢٩)، والترمذي (٨٧٣)، وابن ماجه (٣٠٦٤).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(١٢) في (ك٢): ((ثم رجع)).

=
٤٦٧
بَابٌ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
أكُونَ أتعَبتُ أُمَّتي من بَعدِي)). لَفِظُ التِّرمِذِيِّ، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ورَواه
الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه))(١)، وصَحَّحَه] (٢)، ولَعَلَّ مَعنَاه: إتعَابُهم بِتَجَشُّمِ المَشَفَّةِ في
الدُّخُولِ، مَعَ تَعَسُّرِ ذلك.
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيبَةَ))(٣) عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: يَا أيُّها النَّاسُ، إنَّ
دُخُولَكُم البَيتَ لَيسَ من حَجِّكُم في شَيءٍ. وعن إبراهيمَ النَّخَعِيّ، في الحَاجِّ: إن
شَاءَ دَخَلَ الكَعبَةَ، وإن شَاءَ لَم يَدخُلها. وعن خَيثَمَةَ: لا يَضُرُّك (١٣١/٥م) والله
أَلَّا تَدخُلَه. وعن عَطَاءٍ: إن شِئت فَلا تَدخُلُه. ومَا ذَكَرَه هَؤُلاءِ لا يُنَافِي اسْتِحِبَابَ
دُخُولِه، وإِنَّمَا ذَكَرُوا ذلك لِئَلا يُتَوهَّمَ وُجُوبُه، و(٤) أيضًا؛ فَإِنَّه لَيسَ من جُمْلَةِ
المَنَاسِكِ، بَل هو مُستَحَبٌّ مُستَقِلٌّ. واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: دُخُولُه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، الكَعبَةَ كَانَ في الفَتحِ، كَمَا هو
في ((الصَّحِيحَينِ))(٥) من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، ولَم يَدخُلِ الكَعبَةَ في عُمَرَتِه، [كَمَا في
((الصَّحِيحَينِ)) (٦) عن عَبدِ الله بنِ أبي أوفَى ◌ُِّهَا، ولَم يُنقَل، فيمَا أَعلَمُ، دُخُولُه في
حَجِّه، ولَعَلَّ تَركَ الدُّخُولَ في عُمرَتِه](٧) وحَجَّتِه(٨)، لِئَلا يُتَوهَّمَ كَونُه من
المَنَاسِكِ، وَلَيسَ منها، وإِنَّمَا هو سُنَّةٌ مُستَقِلَّةٌ، كَمَا قدمته (٩).
وقال البَيْهَقِيُّ(١٠): دُخُولُه كَانَ في حَجَتِهِ، وحَدِيثُ ابنِ أبي أوفَى في عُمَرَتِه
فَلَا مُعَارَضَةَ بَينَهمَا. ومَا ذَكَرَه من أنَّ دُخُولَه في حَجَّتِهِ مَرَدُودٌ، وإنَّمَا كَانَ في
الفَتحِ، كَمَا قدمته. وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١١): لا خِلافَ في أنَّ دُخُولَه
كَانَ يَومَ الفَتحِ، ولَم يَكُن في حَجَّةِ الودَاعِ. ثُمَّ قال بَعدَ ذلك: قال العُلَمَاءُ:
وسَبَبُ عَدَمِ دُخُولِه؛ أي: في عُمَرَتِهِ، مَا كَانَ في البَيتِ من الأصنَامِ والصُورِ، ولَم
(١) المستدرك (٤٧٩/١).
مصنف ابن أبي شيبة (٥٥١/٣).
(٣)
(٥)
تقدم تخريجه في الفائدة الأولى.
(٦)
البخاري (١٦٠٠)، ومسلم (١٣٣٢ /٣٩٧).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٩) في (ح): «قدمه)).
(١١) شرح صحيح مسلم (٨٨/٩).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٤) ليس في: (م).
(٨) في (ك٢، ح): ((وحجه)).
(١٠) السنن الكبرى (١٥٩/٥).

=
٤٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يَكُن المُشْرِكُونَ يَترُكُونَه لِيُغَيِّرَها، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ تَعَالى عَلَيه مَكَّةَ، دَخَلَ البَيتَ،
وصَلى فيه، وأزَالَ الصُّورَ قَبلَ دُخُولِهِ. قُلتُ: لَو كَانَ المَعنَى مَا ذَكَرَه، لَدَخَلَ في
حَجَّةِ الودَاعِ، فَلَعَلَّ المَعنَى الذِي أبدَيته أوجَهَ، واللهُ أعلمُ.
وقال أبُو الولِيدِ الأزرَقِيُّ في ((تَارِيخِ مَكَّةَ)) (١): حَدَّثَنِي جَدِّي، قال: سَمِعتُ
سُفَيَانَ يَقُولُ: سَمِعتُ(٢) غَيرَ واحِدٍ من أهلِ العِلم يَذْكُرُونَ أنَّ رسولَ اللهِوَ إِنَّمَا
دَخَلَ الكَعبَةَ مَرَّةً واحِدَةً عَامَ الفَتحِ، ثُمَّ حَجَّ [٣٧/٢ظ] فَلَم يَدخُلها .
قال والِدِي ◌َّتُهُ، في ((إحيَاءِ القَلبِ المَيْت بِدُخُولِ البَيت)): وإنَّمَا أُرِيدَ
بِذلك بَعدَ الهجرَةِ، فَأمَّا قَبلَ الهجرَةِ، وهو بِمَكَّةَ، [فَفي ((طَبَقَاتِ ابنِ سَعدٍ))(٣)
عن عُثمَانَ بنِ طَلحَةَ، في أثْنَاءِ قِصَّةٍ (٤)؛ أنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، دَخَلَها،
عَلى أنَّ (١٣٢/٥م) في بَعضِ الرِّوايَاتِ: أنَّه دَخَلَها يَومَ الفَتحِ مَرَّتَينٍ. رَواه
الدَّارَ قُطِيُّ (٥) عن ابنِ عُمَرَ ◌ُِّهَا، قال: ((دَخَلَ النَّبِيُّ وَ الْبَيْتَ، ثُمَّ خَرَجَ، وبِلالٌ
خَلفَه، فَقُلتُ لبِلالٍ: هَل صَلى رسولُ اللهِ وَ لاَ؟ قال: لا. فَلَمَّا كَانَ من الغَدِ
دَخَلَ، فَسَألْتُ بِلالًا: هَل صَلى؟ قال: نَعَم)). قال: وقد ورَدَ أيضًا مَا يَدُلُّ عَلى
أنَّه دَخَلَها في حَجَّةِ الودَاعِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ الذِي ذَكَرتُه في الفَائِدَةِ قَبلَها،
وفيه: ((إِنِّي دَخَلتُ الكَعبَةَ)) وكَأنَّ وجهَ ذلك: أنَّ عَائِشَةَ رَِّا إِنَّمَا (٦) كَانَتْ مَعَه
في حَجَّةِ الودَاعِ. واللهُ أعلَمُ](٧) .
الرَّابِعَةُ: قال المُهَلَّبُ، شَارِحُ البخاريِّ(٨): إدخَالُ النَّبِيِّ ◌َزْ مَعَه هَؤُلاءِ
الثَّلاثَةَ، لَمَعَانٍ تَخْصُّ كُلَّ واحِدٍ منهم، فَأمَّا دُخُولُ عُثمَانَ: فَلِخِدمَتِهِ البَيتَ في
الغَلقِ والفَتحِ والكُنسِ، ولَو لَم يَدخُله لِغَلقِ بَابِها؛ لَتَوهَّمَ النَّاسُ أنَّه عَزَلَه، وأمَّا
بِلالٌ: فَمُؤَذِّنُه وخَادِمُ أمرٍ صَلاتِه، وأمَّا أُسَامَةُ: فَمُتَولِّي خِدمَةِ مَا يَحتَاجُ إِلَيه، وهم
تاريخ مكة (٢٨٦/١).
(١)
الطبقات (١٣٦/٢، ١٣٧).
(٣)
(٥) سنن الدارقطني (٥١/٢).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٢) ليس في: (ح).
(٤) في (ح): (قصته)).
(٦) في الأصل: ((أنها)).
(٨) نقله عنه ابن بطال في شرح البخاري (١١٦/٢).

=
٤٦٩
بَابٌ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
خَاصَّتُهُ، فَلِلإِمَامِ أن يَستَخِصَّ خَاصَّتَه بِبَعضِ مَا يَستَتِرُ بِهِ عن النَّاسِ. انتهى.
وفي ((سُنَنِ النسائيّ)) (١) من رِوايَةِ ابنِ عَوٍ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: (دَخَلَ
رسولُ اللهِ وَّهِ البَيتَ، ومَعَه الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ، وأُسَامَةُ بنُ زَيدٍ،
وعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ، وبِلالٌ)) الحَدِيثَ. فَزَادَ مَعَهم الفَضلَ، وهو غَرِيبٌ، وقد رَواه
النسائيُّ(٢) من هَذَا الوجه أيضًا، ولَيسَ فيه ذِكرُ الفَضلِ. انتهى.
وفي (مُسنَدِ أحمَدَ)(٣) من رِوايَةِ مُجَاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسِ رًِّا، قال: حَدَّثَنِي
أخِي الفَضلُ بنُ عَبَّاسٍ، وكَانَ مَعَه حِينَ دَخَلَها: ((أنَّ النبيَّ ◌َِّ لَم يُصَلِّ في
الكَعبَةِ، ولَكِنَّه لَمَّا دَخَلَها وقَعَ سَاجِدًا بَيْنَ العَمُودَينِ، ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو)). وهَذِهِ
الرِّوايَةُ شَاكَّةٌ من وجهَينٍ: دُخُولُ الفَضلِ مَعَهم، والاقتِصَارُ عَلى السُّجُودِ .
وفي ((صَحِيحِ مسلم)) (١٣٣/٥م) من رِوايَةِ سَالِمٍ، عن أبيه في الحَدِيثِ
المُتَقدمِ: ((ولَم يَدخُلها مَعَهمَّ أحَدٌ)).
■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((فَأَغْلَقَاها عَلَيه)). كَذَا في هَذِهِ الرِّوايَةِ بِالتَّثْنِيَةِ،
والضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلى المَذكُورَينِ آخِرًا، وهمَا: عُثمَانُ وبِلالٌ، وفي رِوايَةٍ للبخاريِّ،
ومسلم: ((فَأغلَقُوا عَلَيهم)) (٤). وفي رِوايَةٍ لِمسلم: ((فَأغلَقَها)). والضَّمِيرُ عَائِدٌ
لِعُثْمَانَ، فَإِنَّه في تِلكَ الرِّوايَةِ أقرَبُ مَذْكُورٍ، وفي رِوايَةٍ لَه(٥) التَّصْرِيحُ بِذلك، قال
فيها : ((وأجَافَ عَلَيهِم عُثْمَانُ بنُ طَلحَةَ الْبَابَ)).
والجَمِعُ بَيْنَ هَذِه الرِّوايَاتِ: أنَّ عُثمَانَ هو المُبَاشِرُ لِلإِغلَاقِ؛ لأنها وظِيفَتُه،
ولِهَذَا انفَرَدَ بِالفَتحِ، وأمَّا ضَمُّ بِلالٍ إِلَيه في رِوايَةٍ، فَلَعَلَّه سَاعَدَه في ذلك، وأمَّا
الرِّوايَةُ التي نُسِبَ فيها ذلك إلى الجَمِيعِ، فَوجه نِسَبَتِه إلى غَيرِ عُثمَانَ لِلأمرِ(٦)
بِذلك، فَالفِعلُ يُنسَبُ تَارَةً إلى فَاعِلِهِ، وتَارَةً إلى الآمِرِ بِهِ، واللهُ أعلمُ.
(١) النسائي (٢٩٠٦).
(٣) أحمد (٢١١/١).
(٥) أي: في رواية مسلم (٣٩٢/١٣٢٩).
(٦) في (ك٢): ((الأمر)).
(٢) النسائي (٢٩٠٥).
(٤) في الأصل: ((عليه)).

٤٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
السَّادِسَةُ: قال ابنُ بَطَالٍ (١): وأمَّا غَلقُ البَابِ، واللهُ أعلَمُ، حِينَ صَلى
(٢) في البيت٢ِ)، لِثَلا يَظُنَّ النَّاسُ أنَّ الصَّلاةَ فِيه سُنَّةٌ، فَيُلزَمُونَ ذلك. وقال النَّووِيُّ
في ((شَرحِ مسلم))(٣): إنَّمَا أغلَقَها فِلَّا لِيَكُونَ أسكَنَ لِقَلبِهِ، وأجمَعَ لِخُشُوعِه،
ولِثَلا يَجتَمِعَ النَّاسُ ويَدخُلُوه، أو يَزْدَحِمُوا فَيَنَالُهم ضَرَرٌ، ويَتَهَوشَ عَلَيهِ الحَالُ
بِسَبَبِ لَغَطِهم. انتَهَى.
ومَا ذَكَرَه النَّوِيُّ أَظهَرُ، ومَا ذَكَرَه ابنُ بَطَّالٍ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهِ، عَلَيه الصَّلاةُ
والسَّلامُ، لا تَخفَى (٤) صَلاتُه في البَيتِ، وقد شَاهَدَها جَمَاعَةٌ، ونَقَلُوها. [وقِيلَ:
إِنَّمَا أغلَقَها لِيُصَلِّيَ إلى جَمِيع جِهاتِها، فَإِنَّ الْبَابَ إذَا كَانَ مَفتُوحًا وَلَيسَ أمَامَه قدرُ
مُؤْخِرَةِ الرَّحُلِ لَم تَصِحَّ الصَّلاةُ. حَكَاه المُحِبُّ الظَّبَرِيُّ](٥). [٣٨/٢ و]
السَّابِعَةُ: فيه اختِصَاصُ جَمَاعَةٍ بِدُخُولِهِم الكَعبَةَ، وإغلاقِها عَلَيهم،
[وفي (تَارِيخِ الأَزْرَقِيّ)) (٦): أنَّ خَالِدَ بنَ الولِيدِ كَانَ يَومَئِذٍ بِالْبَابِ يَذُبُّ النَّاسَ](٧).
■ الثَّامنةُ: وفيه إغلاقُ الكَعبَةِ، ويُقَاسُ بِها غَيرُها من المَسَاجِدِ، وقد
قِيلَ في قَوله تَعَالى: ﴿فِ بُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]. أنَّ المُرَادَ بِه
إغلاقُها في غَيرٍ وقتِ الصَّلاةِ. وبَوبَ البخاريُّ في ((صَحِيحِه))(٨) عَلى هَذَا
الحَدِيثِ: (بَابُ الأبوابِ والغَلْقِ لِلكَعبَةِ والمَسَاجِدِ)). وقال ابنُ بَطَّالٍ (٩): اتَّخَاذُ
الأبوابِ لِلمَسَاجِدِ واجِبٌ لِتُصَانَ عن مَكَانِ الرِّيَبِ، وتُنَزَّهَ عَمَّا لا يَصلُحُ فيها
من غَيرِ الطَّاعَاتِ.
■ التَّاسِعَةُ: لَم يُبَيِّن في هَذِهِ الرِّوايَةِ مُدَّةَ مُكثِه فيها، وفي رِوايَةٍ للبخاريِّ:
((فَمَكَثَ فيها نَهارًا طَوِيلًا)).
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١١٧/٢).
(٢ - ٢) في الأصل: ((بالبيت)).
(٤) في (م): ((يخفى)).
(٦) تاريخ مكة (٢٧٧/١).
البخاري، كتاب الصلاة، باب (٨١).
(٨)
(٩) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١١٦/٢).
(٣) شرح صحيح مسلم (٨٤/٩).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).

=
٤٧١
بَابٌ دُخُولِ الكَعبَةِ وَالصَّلاةِ فيها
العَاشِرَةُ: فيه رِوايَةُ الصَّاحِبِ عن الصَّاحِبِ، وفيه قَبُولُ خَبَرِ الواحِدِ،
ولا يُقَالُ: كَيفَ يُثبِتُونَ خَبَرَ (١٣٤/٥م) الواحِدِ بِخَبَرِ الواحِدِ؟ لأنَّ هَذَا فَردٌ من
أفرَادٍ يَحصُلُ من مَجمُوعِها الَّواتُرُ، فَيُنَبَّه(١) عَلَيهِ لِيُحفَظَ، ويُضَمَّ إِلَيهِ غَيْرُه.
الحَادِيَةَ عَشَرَ: في هَذِه الرِّوايَةِ إثْبَاتُ صَلاتِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ،
في الكَعبَةِ، وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ)) وغَيرٍهٍ(٢) عن ابنِ عَبَّاسٍ ◌ِّها: ((أنَّ
رسولَ اللهِ وَّهَ دَخَلَ البَيتَ فَكَبَّرَ في نَواحِيه، ولَم يُصَلِّ فيه)). ورَواه مسلمٌ بِلَفِظِ:
((ودَعًا ولَم يُصَلِّ))، وإِنَّمَا تَلَقَّى ابنُ عَبَّاسِ ذلك عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، فَفي ((صَحِيحٍ
مسلم)(٣) عنه أخبَرَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ : ((أنَّ النبيَّ ◌َ لَمَّا (٤) دَخَلَ البَيتَ دَعًا(٥) في
نَواحِيه كُلِّها، ولَم يُصَلِّ فيه حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ في قِبَلِ البَيتِ رَكَعَتَينٍ،
وقال: ((هَذِهِ القِلَةُ)). والعَمَلُ عَلى الإثْبَاتِ، فَإنَّه مُقدمٌ عَلى النَّفيِ.
قال ابنُ بَطَّالٍ(٦): الآثَارُ (٧أنَّه صَلى٧) أكثَرُ، ولَو تَسَاوت في الكَثرَةِ لَكَانَ
الأخذُ بِالمُثبِتِ أولى من النَّافِي، فَقد (٨) روى أنَّه، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، صَلى
في البَيتِ غَيرُ بِلالٍ جَمَاعَةٌ، منهم: أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، وعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وجَابِرٌ،
وشَيبَةُ بنُ عُثمَانَ، وعُثمَانُ بنُ طَلحَةَ، من طُرُقٍ حِسَانٍ، ذَكَرَها الطَّحَاوِيُّ كُلَّها في
(شَرحِ مَعَانِي الْآثَارِ))(٩) .
[وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١٠): رِوايَةُ أَنَّه صَلى أولى من رِوايَةِ أنَّه لَم يُصَلِّ؛ لأنها
زِيَادَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَلَيْسَ قَولُ مَن قال: لَم يَفعَل بِشَهادَةٍ] (١١).
وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١٢): أجمَعَ أهلُ الحَدِيثِ عَلى الأخذِ بِرِوايَةٍ
(١) في الأصل: ((فنبه)).
(٢) البخاري (١٦٠١)، ومسلم (٣٩٦/١٣٣٠)، وأبو داود (٢٠٢٧)، والنسائي (٢٩١٧).
(٤) ليس في: الأصل.
(٣) مسلم (٣٩٥/١٣٣٠).
(٥) في الأصل: ((ودعا)).
(٧ - ٧) ليس في: (ح).
(٩) شرح معاني الآثار (٣٨٩/١).
(١١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٦) شرح صحيح البخاري (٢/ ٥٧).
(٨) في (ح): ((قد)).
(١٠) التمهيد (٣١٦/١٥، ٣١٧).
(١٢) شرح صحيح مسلم (٨٢/٩).

=
٤٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بِلالٍ؛ لأنه مُثبِتٌ؛ فَمَعَه زِيَادَةُ عِلم؛ فَوجَبَ تَرجِيحُه. وكَذَا حَكَى ابنُ العَرَبي(١)
عن العُلَمَاءِ، ثُمَّ قال: وهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لَو كَانَ الخَبَرُ عن اثنَيْنِ، [فَأْمَّا وقد اختَلَفَ
قَولُ ابْنِ عُمَرَ، فَأثبَتَ مَرَّةً وَنَفَى أُخرَى، وقَولُ النَّفي رِوايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلا أدرِي
مَا هَذَا. انتَهَى. وفيه نَظَرٌ من وجهَينِ :
أحَدُهمَا: أنَّه لا فَرِقَ في ذلك بَيْنَ أن يَكُونَ الخَبَرُ عن واحِدٍ أو اثْنَينٍ](٢)،
فَالإِثْبَاتُ مُقدمٌ، ولَو كَانَ الاختلافُ عَلى واحِدٍ .
الثَّانِي: أنَّ ذِكرَ ابنِ عُمَرَ سَهوٌ، فَإِنَّه لَم يَرِد عنه النَّفَيَ، ولَعَلَّه أرَادَ أُسَامَةَ،
فَسَبَقَ قَلَمُه إلى ابنٍ عُمَرَ، فَأمَّا نَفيُ أُسَامَةَ فَقد سَبَقَ، وأمَّا إثْبَاتُه فَرَوى الإمَامُ
أحمَدُ في ((مُسنَدِه))(٣) عن أبي الشَّعَاءِ، قال: ((خَرَجت حَاجًّا، فَجِئت حَتَّى دَخَلتُ
البَيتَ، فَلَمَّا كُنتِ بَيْنَ السَّارِيَتَينِ، مَضَيت حَتَّى لَزِمت الحَائِطَ، فَجَاءَ ابنُ عُمَرَ
فَصَلى إلى جَنْبِي، فَصَلى أربعًا، فَلَمَّا صَلى، قُلتُ لَه: أينَ صَلى رسولُ اللهِ وَيه
من البَيتِ؟ فقال: أخبَرَنِي أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ أَنَّه صَلى هَهنَا. فَقُلتُ: كَم صَلى؟.
فقال: عَلى هَذَا أجِدُنِي ألُومُ نَفسِي، أنِّي مَكَثت مَعَه عُمرًا فَلَم أساله كُم صَلى؟)).
(١٣٥/٥م) ويُوافِقُ هَذِه الرِّوايَةَ لَفظُ رِوايَةِ مسلم، من رِوايَةِ عَبدِ الله بنِ عَونٍ،
عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ، فَإِنَّ فيها بَعدَ ذِكرٍ أُسَامَةً وبِلالٍ وعُثمَانَ: ((فَقُلت: أينَ
صَلى النَّبِ وَّهَ؟)) قَالُوا: ((هاهنَا)). قال (٤): ((ونَسِيتُ أن أسألَهم: كُم صَلى؟)).
ومُقتَضَاها: نِسَبَةُ ذلك إلى جَمِيعِهم، والمَشهورُ عن أُسَامَةَ النَّفيُ، كَمَا
تَقدمَ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٥): إنَّ أهلَ الحَدِيثِ وهَّنُوا هَذِه الرِّوايَةَ، فقال
الدَّارَ قُطِيُّ (٦): وهمَ ابنُ عَونٍ هنَا، وخَالَفَه غَيرُه، فَأسنَدُوه عن بِلالٍ وحدَه.
قال القَاضِي (٧): وهَذَا هو الذِي ذَكَرَه مسلمٌ في بَاقِي الظُّرُقِ، إلا أنَّ في
رِوايَةٍ حَرَمَلَةَ [٣٨/٢ظ] عن ابنِ وهبٍ: فَأخبَرَنِي بِلالٌ، أو عُثمَانُ بنُ طَلحَةَ، هَكَذَا
(١) عارضة الأحوذي (١٠٣/٤).
(٣) أحمد (٢٠٤/٥).
(٥) إكمال المعلم (٤٢٣/٤)، وفيه: ((وهّموا)).
(٦) التتبع (٢٠٠).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٤) ليس في: (ك٢).
(٧) إكمال المعلم (٤٢٤/٤).

=
کے
٤٧٣
بَابُ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
هو عِندَ عَامَّةِ شُيُوخِنَا، وفي بَعضِ النُّسَخ: وعُثمَانُ. قال: وهَذَا يَعضُدُ رِوايَةً
ابنِ عَونٍ، والمَشهورُ انفِرَادُ بِلالٍ بِرِوايَةِ ذلك.
■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: إن قُلتَ: كَيفَ الجَمِعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ بِلالٍ ونَفِي أُسَامَةُ، مَعَ
دُخُولِهِمَا مَعَ النَّبِنَّهِ فِي مَرَّةٍ واحِدَةٍ؟
قُلتُ: أُجِيبَ عنه پِأوجُهٍ :
أحَدُها: قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(١): وأمَّا نَفيُ أُسَامَةَ فَسَبَبُه: أنَّهم
لَمَّا دَخَلُوا الْكَعبَةَ أغلَقُوا الْبَابَ، واشتَغَلُوا بِالَّدُّعَاءِ، فَرَأى أُسَامَةُ النبيَّ نَوَ يَدْعُو،
ثُمَّ اشْتَغَلَ أُسَامَةُ بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَّةٍ من نَواحِي البَيتِ، والنَّبِيُّ وََّ فِي نَاحِيَةٍ أُخرَى،
وبِلالٌ قَرِيبٌ منه، ثُمَّ صَلى النَّبِيُّ وَهَ، فَرَآهَ بِلالٌ لِقُربِه، ولَم يَرَه أُسَامَةُ لِبُعدِهِ
واشتِغَالِهِ، وكَانَت صَلاتُه(٢) خَفِيفَةً، فَلَم يَرَها أُسَامَةُ لإغَلَاقِ البَابِ، مَعَ بُعدِه
واشتِغَالِهِ بِالدُّعَاءِ، وجَازَ لَه نَفْيُها؛ عَمَلًا بِظَنِّه، وأمَّا بِلالٌ فَتَحَقَّقَها فَأَخِبَرَ بِها .
الثَّانِي: أنَّه يَحتَمِلُ أن يَكُونَ أُسَامَةُ غَابَ عنه بَعدَ دُخُولِه لِحَاجَةٍ، فَلَم يَشْهَد
صَلاتَه، أجَابَ بِهِ الشَّيخُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ.
قال والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)): ويَدُلُّ له(٣) مَا رَواه أَبُو بَكرِ ابنُ المُنذِرِ
من حَدِيثِ أُسَامَةَ: أنَّ النَّبِيِوَلَهَ رَأى صُورًا في الكَعبَةِ، فَكُنت آتيه بِمَاءٍ في الدَّلوِ
يَضرِبُ بِهِ الصُّورَ، قال: فَقد أخبَرَ أُسَامَةُ أَنَّه كَانَ يَخرُجُ لِنَقلِ المَاءِ، وكَانَ ذلك
كُلُّه يَومَ الفَتحِ.
الثَّالِثُ: قال ابنُ حِبَّنَ في ((صَحِيحِه))(٤): الأشبَه عِندِي أن يُحمَلَ الخَبَرَانِ
عَلى دُخُولَينٍ مُتَغايرِينٍ(٥): أحَدُهمَا: يَومَ الفَتحِ وصَلى فيه. والآخَرُ: في حَجَّةِ
الودَاعِ، ولَم يُصَلِّ فيه من غَيرِ أن يَكُونَ بَينَهمَا تَضَادٌّ. وكَذَا قال المُهَلَّبُ شَارِحُ
(١) شرح صحيح مسلم (٨٢/٩).
(٢) في (ك٢، ح): ((صلاة).
(٣) ليس في: (م).
(٤) صحيح ابن حبان عقب حديث (٣٢٠٨).
(٥) في (م): (متقاربين))، والمثبت من النسخ ومصدر التخريج.

=
٤٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
البخاريِّ: يَحتَمِلُ أن يَكُونَ دَخَلَ مَرَّتَينٍ، صَلى في إحدَاهمَا، ولَم يُصَلِّ في
الأُخرَى. قال المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: ويَتَأْيَّدُ ذلك بِمَا أخرَجَه الشَّيخَانِ عن
إسمَاعِيلَ بنِ أبي خَالِدٍ، قال: ((قُلتُ لِعَبدِ الله (١٣٦/٥م) بنِ أبي أوفَى: أَدَخَلَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ الْبَيْتَ في عُمَرَتِهِ؟)) قال: ((لا)). قال: فَتَعَيَّنَ الدُّخُولُ في الحَجِّ والفَتحِ.
قال والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): مَا جَمَعَ بِهِ ابنُ حِبَّانَ مُخَالِفٌ لِمَا في
((الصَّحِيحِ))، من كَونِ اخْتِلافِ بِلالٍ وأُسَامَةَ إنَّمَا هو في دُخُولٍ واحِدٍ، وهو يَومُ
الفَتحِ. نَعَم، الاختِلَافُ الذِي عن أُسَامَةَ في صَلاتِهِ يَجُوزُ أن يُجمَعَ بَيْنَهمَا بِأنَّه في
دُخُولَينِ، إمّا في سُفْرَةٍ، أو في (١) سُفْرَتَيْنٍ.
قُلتُ: وقد تَقدمَ في الفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ عن سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن غَيرِ واحِدٍ من
أهلِ العِلمِ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ إِنَّمَا دَخَلَ الكَعبَةَ مَرَّةً واحِدَةً، عَامَ الفَتحِ، ثُمَّ حَجَّ
فَلَم يَدخُلها .
الرَّابِعُ: أَنَّ المُرَادَ بِإِثْبَاتِ بِلالِ الصَّلَاةُ اللُّغَوِيَّةُ، وهيَ الدُّعَاءُ، لا الصَّلاةُ
الشَّرعِيَّةُ، حَكَاه والِدِي تَظْهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) عن بَعضٍ مَن مَنَعَ الصَّلاةَ في
الكَعبَةِ. قال: وهو جَوابٌ فَاسِدٌ، يَرُدُّه قَولُ ابنِ عُمَرَ في ((الصَّحِيحِ)): ((ونَسِيتُ أن
أسألَه كَم صَلى)). وقَولُه في بَعضٍ طُرُقِه في ((صَحِيحِ البخاريِّ)): ((إنَّه صَلى
رَكَعَتَينٍ)). وسَيَأْتِي بَيَانُه بَعدَ ذلك.
■ الثَّالِثَةَ(٢) عَشَرَ: قَولُه: ((جَعَلَ عَمُودًا عن يَسَارِهِ، وعَمُودَينِ عن يَمِينِهِ،
وثَلاثَةَ أَعمِدَةٍ وَرَاءَه)). كَذَا في رِوايَةِ البخاريِّ عن إسمَاعِيلَ بنِ أبي أُويسٍ، وكَذَا
في(٣) رِوايَةِ أبي دَاوُد عن القَعنَبِي، كِلاهمًا عن مَالِكِ، وفي رِوايَةِ البخاريِّ، عن
عَبدِ الله بنِ يُوسُفَ، عن مَالِكِ: ((جَعَلَ عَمُودًا عن يَسَارِهِ، وعَمُودًا عن يَمِينِهِ)).
وفي رِوايَةٍ مسلمٍ، عن يَحيَى بنِ يَحيَى، عن مَالِكِ: ((عَمُودَينِ عن يَسَارِهِ، وعَمُودًا
عن یَمِینِه)) .
(١) ليس في: (ك٢).
(٣) ليس في: (ك٢).
(٢) في الأصل: ((الرابعة)).

=
بَابٌ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
٤٧٥
ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ)) (١) اللفظَ الأولَ عن الأكثَرِ من رُواةٍ
((المُوطَّ))، منهم: يَحيّى بنُ يَحيَى الأندَلُسِيُّ، والقَعنَبي، وابنُ القَاسِم،
وأبُو مُصعَبٍ، وابنُ بُكَير، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وإسحَاقُ بنُ سُلَيمَانَ،
وأحمَدُ بنُ إسمَاعِيلَ، وابنُ مَهدِيٍّ، من رِوايَةِ أحمَدَ بنِ سِنَانِ القَطَّانِ عنه،
والشَّافِعِيُّ، من رِوايَةِ أبي يَحيَى مُحَمَّدٍ بِنِ سَعِيدِ العَطَّارِ عنه.
ونَقَلَ اللفظَ الثَّانِي [٣٩/٢و] عن إسحَاقَ بنِ الطَّبَّاعِ، ومَكِّيٍّ بنِ إبرَاهيمَ،
وأبي قِلابَةَ؛ عن بِشرِ بنِ عُمَرَ، وبُندَارٍ، عن ابنِ مَهدِيٌّ؛ كُلُّهم عن مَالِكِ.
ونَقَلَ اللفظَ الثَّالِثَ عِن يَحيّى بنِ يَحيَى النَّيْسَابُورِيِّ، وبُندَارٍ، عن بِشرِ بنِ عُمَرَ،
والرَّبيعِ، عن الشَّافِعِيِّ، كُلُّهم عن مَالِكِ.
قال: ورَواه عُثمَانُ بنُ عُمَرَ، عن مَالِكِ، فقال فيه: ((جَعَلَ عَمُودَينِ عن
يَمِينِهِ، وعَمُودَينِ عن يَسَارِه)). وقال: ولَم يُتَابِع عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ. قال: والرِّوايَةُ
الأُولى أولى بِالصَّوابِ، إن شَاءَ الله.
وصَحَّحَ (١٣٧/٥م) البَيْهَقِيُّ(٢) أيضًا هَذِهِ الرِّوايَةَ. قال والِدِي رَُّهُ، في
(شَرحِ التِّرمِذِيِّ): وهيَ مُوافِقَةٌ لِكَونِهِ مُقَابِلَ البَابِ. وفي رِوايَةٍ في ((الصَّحِيحِ))
أيضًا: ((صَلى بَيْنَ العَمُودَينِ اليَمَانِيَينِ)) .
وإِذَا تَقَرَّرَ تَرجِيحُ الرِّوايَةِ الأُولى، فَلا يُنَافيها قَولُه في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((عَمُودًا
عن يَمِينِهِ، وعَمُودًا عن يَسَارِه))؛ لأن مَعنَاها: صَلى بَيْنَ عَمُودَينٍ، وإن كَانَ بِجَانِبٍ
أَحَدِ العَمُودَينِ عَمُودٌ آخَرُ، ولا قَولُه في الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ: ((بَينَ العَمُودَينِ
الْيَمَانِيَينِ)). فَإنَّ العُمُدَ الثَّلاثَةَ: أَحَدُها يَمَانِيٌّ، وهو الأقرَبُ إلى الرُّكنِ اليَمَانِيِّ (٣).
والآخَرُ: وهو الأقرَبُ إلى الحَجَرِ شَامِيٍّ. والأوسَطُ بَيْنَهمَا، إن قُرِنَ بِالأولِ قِيلَ:
الْيَمَانِيَّانِ، وإن قُرِنَ بِالثَّانِي قِيلَ: الشَّامِيَّانِ. ذَكَرَه المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وهو واضِحٌ،
وأمَّا الرِّوايَةُ الثَّالِئَةُ، فَإِنَّه يَتَعَذَّرُ الجَمِعُ بَيْنَها وبَينَ الأُولى، فَهِيَ ضَعِيفَةٌ لِشُذُوذِها،
ومُخَالَفَتِها رِوايَةَ الأكثَرِينَ، كَمَا تَقْدمَ.
(١) التمهيد (٣١٣/١٥، ٣١٤).
(٣) في (ك٢): ((الركنين اليمانيين)).
(٢) السنن الكبرى (٣٢٦/٢).

٤٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأمَّا الرِّوايَةُ الرَّابِعَةُ: فَهِيَ مَقطُوعُ بِوهمِها، إذ لَيسَ هنَاكَ أربَعَةُ أعمِدَةٍ، حَتَّى
يَكُونَ عن يَمِينِهِ اثنَانٍ، وعن يَسَارِهِ اثنَانِ.
الرَّابِعَةَ(١) عَشَرَ: لَم يُفصِح في هَذِهِ الرِّوايَةِ عن القدرِ الذِي بَيْنَه وَبَيْنَ
الجِدَارِ، لَكِنَّه مَعلُومٌ من كَونِه كَانَ بَيْنَ العَوامِيدِ المُتَقَدمَةِ(٢)، فَإِنَّ مِقْدَارَ مَا بَيْنَها
وبَيْنَ الجِدَارِ مَعْرُوفٌ، وقد أفصَحَ عن ذلك في رِوايَةِ أبي دَاوُد في ((سُنَّتِه))(٣)، عن
عَبدِ الله بنِ(٤) مُحَمَّدٍ بنِ إسحَاقَ الأذرِمِيِّ، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهدِيٍّ، عن
مَالِكٍ، قال فيها: (ثُمَّ صَلى وبَيْنَه وبَيْنَ القِبِلَةِ ثَلاثَةُ أذرُعِ)).
وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥) أنَّ ابنَ عُفَيرٍ، وابنَ وهبٍ، وشَبَّابَةَ بنَ سَوَّارٍ؛ رَووها
عن مَالِكِ گذلك. انتھی.
[ورَواه النسائيُّ من رِوايَةِ ابنِ القَاسِمِ عن مَالِكِ، وفيه: ((وجَعَلَ(٦) بَيْنَه وبَيْنَ
الجِدَارِ نَحوًا من ثَلاثَةِ أذرُع))](٧). ويُوافِقُ ذلك مَا في ((صَحِيحِ البخاريِّ))، من
طَرِيقٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعِ: ((أنَّ عَبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَخَلَ الكَعبَةَ، مَشَى
قِبَلَ وجهه حِينَ(٨) يَدخُلُ، وجَعَلَ البَابَ قِبَلَ ظَهرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَه وبَيْنَ
الجِدَارِ الذِي قِبَلَ وجهه قَرِيبٌ من ثَلاثَةِ أذرُعِ صَلى، يَتَوَخَّى المَكَانَ الذِي أخبَرَه بِه
بِلالٌ رَّهِ: أنَّ النَّبِيِ وَّهِ صَلى فيه)). قال: ((ولَيسَ عَلى أحَدٍ بَأسٌ إن صَلى في
أيِّ نَواحِي البَيتِ شَاءَ)) .
وفي (تَارِيخِ مَكَّةَ)) لِلأزْرَقِيّ (٩): ((أَنَّ مُعَاوِيَةَ سَألَ ابنَ عُمَرَ ﴿ه: أينَ صَلى
رسولُ اللهِ وَّه عَامَ دَخَلَها؟ قال: بَينَ العَمُودَينِ المُقدمَينِ، اجعَل بَينَك وبَينَ
الجِدَارِ ذِرَاعَينٍ، أو ثَلاثَةً)).
وهَذِه الرِّوايَاتُ مُوافِقَةٌ في المَعنَى (١٣٨/٥م) لِلرِّوايَةِ المَشهورَةِ، فَإِنَّ بَيْنَ
في الأصل: ((الخامسة)).
(١)
(٣)
أبو داود (٢٠٢٤).
(٥) سبق تخريجه في الفائدة السابقة.
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٩) تاريخ مكة للأزرقي (٢٨٣/١).
(٢) في (ك٢، ح): ((المقدمة)).
(٤) ليست في: الأصل.
(٦) في الأصل: ((فجعل)).
(٨) في (ك٢): ((حتى)).

=
بَابُ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
٤٧٧
العَوامِيدِ المُقدمَةِ(١) وبَينَ الجِدَارِ هَذَا القدرُ، ويَنبَغِي تَحَرِّي هَذِهِ البُقْعَةِ لِلصَّلاةِ
فيها، وقد يُقَالُ: بِأنَّ الصَّلاةَ فيها أفضَلُ من غَيرِها من بِقَاعِ الكَعبَةِ، لِلانِّبَاعِ، وقد
يُقَالُ: إِنَّمَا فَعَلَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذلك اتَّفَاقًا، لا أنَّه مَقَصُودٌ، فَيَكُونُ كَالأُمُورِ
الجِيَّةِ (٢). واللهُ أعلمُ.
[وقال والِدِي تَُّهُ في ((إحيَاءِ القَلبِ المَيتِ)): يَنبَغِي ألَّا يَجعَلَ بَيْنَه وبَينَ
الجِدَارِ أقَلَّ من ثَلاثَةِ أذرُع، فَإِمَّا أن يُصَادِفَ مُصَلاه، أو يَقَعَ وجهه وذِرَاعَاه في
مَكَانٍ قدميه، فَهو أولى منَ النَّقدمِ عنه](٣) .
الخَامِسَةَ (٤) عَشَرَ: إن قُلتَ: لِمَ لَم يَقرَب عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ من
السُّرَةِ، مَعَ أمرِهِ بِذلك في غَيرِ هَذَا الحَدِيثِ؟
قُلتُ: جَوابُه من وجهَينِ :
أحَدُهمَا: أنَّ مَحَلَّ ذلك مَا إذَا [٣٩/٢ظ] خَشِيَ المُرُورَ بَينَه وبَينَ السُّترَةِ،
وهَذَا هِنَا مَأْمُونٌ لإغلاقِ الْبَابِ، وانِصَارِ الكَائِنِينَ(٥) في البَيتِ في تِلكَ الحَالَةِ.
ثَانِيهِمَا: أنَّ المُرَادَ بِالقُربِ أن يَكُونَ بَيْنَه وبَيْنَ السُّتَرَةِ ثَلاثَةُ أذرُعِ فَمَا دُونَها،
وقد دَلَّت الرِّوايَةُ المُتَقدمَةُ عَلى أَنَّه كَانَ بَيْنَه وبَينَ الجِدَارِ هَذَا المِقَدَارُ، وقد استَدَلَّ
النسائيّ في ((سُنَتِهِ)) بِهَذِهِ الرِّوايَةِ عَلى أنَّ هَذَا القدرَ هو حَدُّ الدُّنُوِّ من السُّتَرَةِ.
السَّادِسَةَ(٦) عَشَرَ: لَم يُبَيِّن في هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا في أكثَرِ الرِّوايَاتِ
عَدَدَ رَكَعَاتِ صَلاتِه، بَل في ((الصَّحِيحَينِ)) عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: ((ونَسِيتُ أن
أسألَه؛ يعني: بِلالًا، كَم صَلى؟» لَكِن في أوائِلِ الصَّلاةِ من ((صَحِيحٍ
البخاريٍّ))(٧): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحِيَّى، عن سَيفٍ، قال: سَمِعت مُجَاهدًا قال:
((أُتي ابنُ عُمَرَ بِّهَا، فَقِيلَ لَه: هَذَا رسولُ اللهِ وَّهَ دَخَلَ الكَعبَةَ. قال ابنُ عُمَرَ:
(١) في الأصل: ((المتقدمة)).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٥) في الأصل، (ح): ((الكاتبين)).
(٧) تقدم تخريجه في الفائدة الأولى.
(٢) في (ح): ((الجلية)).
(٤) في الأصل: ((السادسة)).
(٦) في الأصل: ((السابعة)).

=
=
٤٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَأقبَلت والنَّبِيِ ◌ّه قد خَرَجَ، وأَجِدُ بِلالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَينِ، فَسَألْتُ بِلالًا، فَقُلتُ:
صَلى رسولُ الله ◌َّ في الكَعبَةِ؟ قال: نَعَم، رَكعَتَيْنِ بَينَ السَّارِيَتَينِ اللَتَيْنِ عَلى
يَسَارِهِ إذَا دَخَلت، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلى في وجه الكَعبَةِ رَكعَتَينٍ)).
ومَا أدرِي مَا أَقُولُ في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وقد أعَادَها البخاريُّ في بَابٍ: مَا جَاءَ في
التَّطَوُّعِ مَثنَى مَثنَى(١)، رَواها عن أبي نُعَيم، [عن سَيفٍ. ولَيسَ فيها هَذِه الزِّيَادَةُ،
وهيَ أَنَّ صَلاتَه في الكُعبَةِ كَانَت رَكعَتّينِ، نَعَم رَواها النسائيُّ(٢) من رِوايَةِ
أبي نُعَيمٍ)](٣)، وفيها ذِكرُ الرَّكعَتَينِ، ورَوى النسائيُّ أيضًا، عن ابنٍ أبي مُلَيكَةَ؛ أنَّ
ابن عُمَرَ بِّهَا، قال: ((دَخَلَ رسولُ الله ◌َّهِ الكَعبَةَ)). الحَدِيثَ، وفيه: ((فَسَألْتُ بِلالًا،
هَل صَلى رسولُ الله (١٣٩/٥م) وَ ◌َّ فِي الْكَعَبَةِ؟ قال: نَعَم، رَكعَتَينِ بَينَ السَّارِيَتَيْنِ)).
ولَم يَستَحضِرِ النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)» (٤) رِوايَةَ البخاريِّ، فَاقْتَصَرَ عَلَى ذِکرِ
مَا في ((سُنَنِ أبِي دَاوُد)»(٥) ؛ بِإسنَادٍ فيه ضَعَّفٌ(٦)، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ صَفْوانَ،
قال: ((قُلْتُ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَله: كَيْفَ صَنَعَ رسولُ اللهِ وَّهَ حِينَ دَخَلَ الكَعبَةَ؟
قال: صَلى رَكَعَتَينٍ)). ورَواه ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٧) من هَذَا الوجه عن
صَفْوانَ، أو ابنِ صَفوانَ: ((أَنَّ النَّبِيِ نَّهِ صَلى في البَيتِ رَكَعَتَيْنِ حِينَ دَخَلَه)). ولَم
أتَوقَّف في رِوايَةِ البخاريِّ لاستِغرَابِ كَونِهِ، عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ، صَلَى رَكعَتَيْنِ،
فَإِنَّ هَذَا هو المَعرُوفُ من عَادَتِه، إنَّمَا تَوقَّفتُ(٨) فيها لِقَولِ ابنِ عُمَرَ: ((ونَسِيت أن
أسألَه: كَم صَلى؟)). [وهو في ((الصَّحِيحَينِ)).
وقال والِدِي ◌َّتُهُ في ((إحيَاءِ القَلبِ المَيتِ)): يَحتَمِلُ أنَّه لَم يَسأله عن
ذلك، وإنَّمَا أخبَرَهُ بِهِ بِلالٌ بِغَيرِ سُؤَالٍ. وفيه بُعدٌ؛ لأنه لَم يَكُنْ حِينَئِذٍ يَلُومُ نَفسَه
عَلى تَركِ السُّؤَالِ، لِحُصُولِ مَقصُودِه بِدُونِهِ، ويَحتَمِلُ أنَّ ابنَ عُمَرَ حَدَّثَ بِه من (٩)
(١) البخاري (١١٧١).
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٣)
(٥)
أبو داود (٢٠٢٦).
مصنف ابن أبي شيبة (١٢/٤).
(٧)
(٩) في (ح): ((مرة)).
(٢) تقدم تخريجه في الفائدة الأولى.
(٤) شرح صحيح مسلم (٨٤/٩).
(٦) في (ك٢): ((ضعيف)).
(٨) في (ك٢): ((توقف)).

=
بَابُ دُخُولِ الكَعبَةِ والصَّلاةِ فيها
٤٧٩
قَبلِ أن يَسألَ بِلالًا، ثُمَّ سَألَ بِلالًا بَعدَ ذلك، أو حَدَّثَ(١) بِه بِلَالٌ بَعدَ ذلك،
فَذَكَرَ فيه أنَّه صَلَى رَكعَتَينٍ. وفيه بُعدٌ أيضًا؛ لأنَّ بَعضَ مَن حَدَّثَه عنه بِكُونِه لَم
يَسأل بِلالًا عن ذلك، إنَّمَا سَمِعَ منه بَعدَ وفَاةِ بِلالٍ، ويَحتَمِلُ أنَّ ابنَ عُمَرَ، وإن
سَمِعَ من بِلالِ أنَّه صَلَى رَكعَتَينٍ، لَم يَكتَفِ بِذلك في أنَّه لَم يُصَلِّ غَيرَهمَا؛ لأن
مَن صَلى أربَعًا أو أكثرَ، يَصْدُقُ عَلَيه أنَّه صَلى رَكعَتَينٍ، عَلى القَولِ بِأنَّ مَفهومَ
العَدَدِ لَيسَ بِحُجَّةٍ، كَمَا هو المُرَجَّحُ في الأُصُولِ، فَيَكُونُ الَّذِي نَسِيَ أن يَسألَه
عنه: هَل زَادَ عَلَى الرَّكعَتَينِ شَيْئًا، أم لا. انتَهَى](٢).
السَّابِعَةَ(٣) عَشَرَ: يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ هَذِهِ الصَّلاةُ تَحِيَّةَ الكَعبَةِ، ولا
يُقَالُ: قد حَصَلَتِ التَّحِيَّةُ بِالطَّافِ الذِي أَتَى بِهِ قَبلَ دُخُولِها، فَقد قال أصحَابُنَا:
إنَّ الطّوافَ بِالمَسجِدِ الحَرَامِ يَقُومُ مَقَامَ التَّحِيَّةِ؛ لأن الكَعبَةَ في حُكمِ مَسجِدٍ
مُنْفَرِدٍ عَمَّا حَولَها، وقد يُقَالُ: مَا كَانَ في تِلكَ المَرَّةِ طَافَ قَبلَ الدُّخُولِ، ولا
صَلى في المَسجِدِ [٤٠/٢ ]، فَكَانَت تِلكَ (٤) الرَّكعَتَانِ هي(٥) تَحِيَّةُ المَسجِدِ
العَامِّ. واللهُ أعلمُ.
الثَّامنةَ(٦) عَشرَ: فيه جَوازُ الصَّلاةِ في الكَعبَةِ، وهَذِهِ الصَّلاةُ، وإن
كَانَت نَافِلَةً، فَالفَرِيضَةُ في مَعنَاها؛ لأن الأصلَ استِواءُ الفَرضِ والنَّفَلِ في الأركَانِ
والشَّرَائِطِ، إلا مَا اسْتُثنِيَ بِدَلِيلٍ، وبِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ، والثَّوريُّ(٧) وأَبُو حَنِيفَةً
وأحمَدُ، والجُمهورُ، كَمَا حَكَاه النَّووِيُّ (٨)، وقال التِّرمِذِيُّ (١٤٠/٥م): والعَمَلُ
عَلَيه عِندَ أكثَرِ أهلِ (٩) العِلم، لا يَرَونَ بِالصَّلاةِ في الكَعبَةِ بَأْسًا، وقال مَالِكُ بنُ
أَنَسٍ: لا بَأسَ بِالصَّلاةِ النَّافِلَةِ (١٠) في الكَعبَةِ، وكَرِهَ أن تُصَلى المَكتُوبَةُ في
(١) في (ح): (حدثه)).
(٣) في الأصل: ((الثامنة)).
(٥)
في (ح): ((هما)).
في الأصل، (م): ((النووي)). وهو تصحيف.
(٧)
(٨) شرح صحيح مسلم (٩/ ٨٣).
(١٠) ليست في: الأصل.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢).
(٤) ليست في: (ح).
(٦) في الأصل: ((التاسعة)).
(٩) ليس في (ح).

٤٨٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الكَعبَةِ(١). وقال الشَّافِعِيُّ: لا بَأسَ أن تُصَلى (٢) المَكْتُوبَةُ والتَّطَوُّعُ في الكَعبَةِ؛ لأن
حُكَمَ المَكْتُوبَةِ والنَّافِلَةِ في الطَّهَارَةِ والقِبَلَةِ سَواءٌ. انتَهَى.
وقال بِجَوازِ الصَّلاةِ مُطلَقًّا (٣في الكَعبَة٣ِ) من المَالِكِيَّةِ: أشهَبُ، وصَحَّحَه
منهم ابنُ العَرَبِي، وابنُ عَبدِ البَرِّ (٤)، والمَشهورُ من مَذهَبِ مَالِكِ: جَوازُ صَلاةِ
النَّافِلَةِ فيها، والمَنعُ من الفَرضِ والسُّنَنِ؛ كَالوِتِرٍ، وَرَكَعَتَي الفَجرِ، وَرَكعَتَّي
الطّوافِ. وقَيِّدَ ابنُ بَطَّالٍ(٥) عنه ذلك بِالطّوافِ الواجِبِ.
وإطلاقُ التّرمِذِيِّ عن مَالِكِ تَجوِيزَ النَّافِلَةِ تَّبِعَه عَلَيْه ابنُ العَرَبِي، فَيَحْتَمِلُ أَنَّه
مُقَيِّدٌ بِمَا حَكَيْتُه، ويَحْتَمِلُ أنَّ الرِّوايَةَ عن مَالِكٍ في ذلك مُختَلِفَةٌ، وقد حَكَى عن
عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ تَجوِيزَ الثَّفلِ فيها دُونَ الفَرضِ، فَإِن (٦) كَانَ يَقُولُ بِه عَلى
إطلاقِهِ فَهو مَذهَبٌ ثَالِثٌ فِي المَسألَةِ.
وفيها مَذهَبٌ رَابِعٌ، وهو: مَنعُ الصَّلاةِ فيها مُطلَقًّا، حَكَاهِ القَاضِي عِيَاضٌ(٧)
عن ابنِ عَبَّاسٍ، وهو أحَدُ القَولَينِ عن مَالِكِ، كَمَا حَكَاه ابنُ العَرَبي، وقال بِهِ من
أصحَابِهِ أصبَغُ، وحَكَاه ابنُ بَطَالٍ عن مُحَمَّدِ بنِ جَرِيرِ الطَّبَرِيِّ، وقال بِهِ بَعضُ
الظَّاهِرِيَّةِ، وتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ بِأنَّ اللهَ تَعَالى أمَرَ بِاستِقِبَالِه، والمُصَلِّي فيه مُستَدبِرٌ
لِبَعضِه .
ورَوى الأزْرَقِيُّ (٨) أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قال لِسِمَاكِ الحَنَفي: انتَمَّ بِهِ كُلِّه ولا تَجعَلَنَّ
شَيئًا منه خَلفَك. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: لا يَصِحُّ فِي هَذِهِ المَسألَةِ إلا أحَدُ قَولَينِ: إمَّا
الصِّحَّةُ مُطلَقًا، أو الفَسَادُ مُطلَقًا، والصَّوابُ عِندِي: قَولُ الصِّحَّةِ مُطلَقًا. ثُمَّ بَسَطَ
ذلك.
(١) ما بين القوسين ليس في: (ح).
(٢) في (ح): ((يصلي)).
(٣ - ٣) ليست في: (ك٢).
(٤) عارضة الأحوذي (١٠٣/٤)، والتمهيد (٣١٩/١٥).
(٥)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٧/٢).
في (ك٢): «فإنه)).
(٦)
(٨) تاريخ مكة للأزرقي (٢٨٦/١).
(٧) إكمال المعلم (٤ /٤٢١).