النص المفهرس
صفحات 321-340
= بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٢١ ((المُغنِي))(١): ومِمَّن رُوِيَ عنه اختيارُ التَّمَتُّع ابنُ عُمَرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيرِ وعَائِشَةُ، والحَسَنُ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، وجَابِرُ بنُ زَيدٍ، وسَالِمٌ، والقَاسِمُ، وعِكرِمَةُ، وهو أحَدُ قَولَي الشَّافِعِيِّ. وحَكَاه الثّرمِذِيُّ عنه، وعن أحمَدَ، وإسحَاقَ، وأهلِ الحَدِيثِ. قال الحَنَابِلَةُ: ثُمَّ الأفضَلُ بَعدَ التَّمَتُّح، الإفرَادُ، ثُمَّ القِرَانُ. الثَّالِثُ: أنَّ القِرَانَ أفضَلُ، وهَذَا قَولُ أبي حَنِيفَةَ. وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٢) عن سُفِيَانَ الثَّورِيِّ، وإسحَاقَ بنِ رَاهويه، ثُمَّ قال: لَا شَكَّ أنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا. انتَهَى. وهو قَولٌ لِلشَّافِعِيِّ، وقال بِه من أصحَابِنَا: المُزَنِيُّ، وأبُو إسحَاقَ المَروزِيِّ، وإلَيه ذَهَبَ ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ كَمَا تَقدمَ. والمَشهورُ عِندَ الحَنَفيةِ أنَّ الأفضَلَ بَعدَ القِرَانِ، التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الإفرَادُ، وعن أبي حَنِيفَةَ أنَّ الإفرَادَ أفضَلُ من التَّمَتُّعِ. الرَّابِعُ: أَنَّه إن سَاقَ الهَديَ فَالقِرَانُ أفضَلُ، وإن لَم يَسُقه فَالتَّمَتُّعُ أفضَلُ، حَكَاهِ المَرُّوذي(٣)؛ عن أحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ . الخَامِسُ: أنَّ الأنواعَ الثَّلَاثَةَ سَواءٌ في الفَضِيلَةِ لَا فَضِيلَةً لِبَعضِها عَلى بَعضٍ، حَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ(٤) عن بَعضِ العُلَمَاءِ. السَّادِسُ: أنَّ التَّمَتُّعَ والقِرَانَ سَواءٌ(٥)، وهَمَا أفضَلُ من الإفرَادِ، حُكِيَ عن أبي يُوسُفَ. وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ (٢٧/٥م) وأصحابُه الإفرَادَ بأنَّه الأكثَرُ في الرِّوايَاتِ فِي حَجَّةِ النَّبِوَسِهَ، وبِأنَّ رُواتَه أَخُصُّ بِالنَّبِيِ نَّهَ فِي هَذِهِ الحَجَّةِ؛ فَإِنَّ منهم جَابِرًا وهو أحسَنُهم سِيَاقَةً لِحَجَّةِ النَّبِي ◌َِّ؛ فَإِنَّه ذَكَرَها من أولِ خُرُوجِه من المَدِينَةِ إلى فَرَاغِه، وهَذَا يَدُلُّ عَلى ضَبطِه لَها واعتِنَائِهِ بِها، ومنهم ابنُ عُمَرَ، وقد قال: ((كُنت تَحتَ نَاقَةِ النَّبِي ◌َِهِ يَمَسُّنِي لُعَابُها أسمَعُه يُلَبِي بِالحَجِ)). ومنهم عَائِشَةُ، وقُربُها من النَّبِيِ وََّ واطَّلَاعُها عَلى بَاطِنِ أمرِهِ وفِعلِه في خَلوتِه (١) المغني (٨٢/٥). (٣) في (م): ((المروزي))، وهو تصحيف. (٥) بعده في الأصل: ((وهما سواءٌ)). (٢) الإشراف (١٩٨/٣). (٤) إكمال المعلم (٢٣٩/٤). ٣٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وعَلَانِيَتِهِ كُلُّهُ مَعْرُوفٌ، مَعَ فِقِهها وعَظِيمٍ فِطَتِها، ومنهم ابنُ عَبَّاسٍ رَُتِهِ، وهو بِالمَحَلِّ المَعرُوفِ من الفِقه والفَهم الثَّاقِبِ مَعَ كَثرَةِ بَحثِه وحِفِظِه أحوالَ النَّبيِ وَلِّ التي لَم يَحفَظها غَيْرُه، وبِأنَّ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ ﴿ّه بَعدَ [٨/٢و] النَّبِيِوََّ أَفَرَدُوا الحَجَّ وواظَبُوا عَلَيه، فَلَو لَم يَكُن هو الأفضَلَ عِندَهم، وعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيِوَلِّ فَعَلَه لَم يُواظِبُوا عَلَيهِ، وكَيفَ يُظَنُّ بِهِم المُواظَةُ عَلى خِلَافِ فِعِلِه، أو أنَّهم خَفي عَلَيهم جَمِيعِهِم فِعلُه . وأمَّا الخِلَافُ عن عَلِيٍّ وغَيرِهِ، فَإِنَّمَا فَعَلُوه لِبَيَانِ الجَوازِ، وبِأنَّ الإفرَادَ لَا يَجِبُ فيه دَمُ بِالإِجمَاعِ لِكَمَالِهِ بِخِلَافِ التَّمَنُّعِ والقِرَانِ، فَمَا لَا يَحتَاجُ إلى جَبٍ أفضَلُ، وبِإجمَاعِ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ الإفرَادِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وكَرِهَ عُمَرُ، وعُثمَانُ، وَغَيرُهمَا التَّمَتُّعَ، وبَعضُهم القِرَانَ(١) أيضًا وإن جَوزُوه. واحتَجَّ مَن رَجَّحَ التَّمَثُعَ بِكَونِه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ تَمَنَّاه بِقَولِه: (لَو اسْتَقبَلتُ من أمرِي مَا اسْتَدبَرتُ لَم أسُق الهَديَ ولَجَعَلتُها عُمرَةً)). وأجَابَ أصحَابُنَا عن ذلك(٢): بِأنَّ سَبَبَه أنَّ مَن(٣) لَم يَكُن مَعَه هَدِيٌّ أُمِرُوا بِجَعلِها عُمرَةً، فَحَصَلَ لَهم حُزنٌ حَيثُ لَم يَكُن مَعَهم هَدِيٌّ فَيُوافِقُونَ النَّبِيِ نََّ في البَقَاءِ عَلى الإحرَامِ؛ فَتَأْسَّفَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ حِينَئِذٍ عَلى فَواتِ مُوافَقَتِهِم؛ تَطِيبًا لِنُفُوسِهِم ورَغْبَةً فيمَا فيه مُوافَقَتُهم، لَا أنَّ التَّمَتُّعَ دَائِمًا أفضَلُ. قال القَاضِي حُسَينٌ(٤) من أصحَابِنَا: ولِأَنَّ ظَاهرَ هَذَا الحَدِيثِ غَيرُ مُرَادٍ بِالإِجمَاعِ؛ لِأنَّ ظَاهرَه أنَّ سَوقَ الهَديِ يَمنَعُ انعِقَادَ العُمرَةِ. وقد انعَقد الإجمَاعُ عَلى خِلَافِه، واحتَجَّ مَن رَجَّعَ القِرَانَ بِالأحَادِيثِ السَّابِقَةِ وبِقَولِه تَعَالى: ﴿وَأَنْقُواْ اٌلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، واشتُهرَ عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ: أنَّ إتمَامَهمَا أن تُحرِمَ بِهِمَا من دُويرَةِ أهلِك(٥). وقَالُوا: إنَّ الدَّمَ الَّذِي عَلى القَارِنِ لَيسَ دَمَ جُبرَانُ، بَل (١) بعده في (ح): ((أفضل)). ولا معنى لها في السياق. (٢) المجموع (١٥٤/٧). (٣) ليس في: الأصل. (٤) في (ح): ((الحسين)). (٥) ابن أبي شيبة (٤٨٠/٣) عن علي. والشافعي في الأم (٢٥٤/٧) عن عمر. ط المعرفة - بيروت. = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٢٣ دَمُ عِبَادَةٍ، والعِبَادَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِالبَدَنِ والمَالِ أفضَلُ من المُختَصَّةِ بِالْبَدَنِ . وأجَابَ أصحَابُنَا عن أحَادِيثِ (٢٨/٥م) القِرَانِ: بِأنَّها مُؤَولَةٌ، وبِأنَّ أحَادِيثَ الإفرَادِ أكثَرُ وأرجَحُ، وعن الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأَنَّه لَيسَ فيها إلَّ الأمرُ بِإتمَامِهما (١) ولَا يَلَزَمُ منه قَرنُهمَا في الفِعلِ. فَهو كَقَولِه تَعَالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَّةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾. [البقرة: ٤٣]. وأمَّا المَروِيُّ عن عُمَرَ وعَلِيٍّ ◌ِّهَا فَمَعنَاه الإحرَامُ بِكُلِّ منهمَا من دُويرَةِ أهلِه؛ يَدُلُّ عَلَيه أنَّه صَحَّ عن عُمَرَ كَرَاهَتُه لِلتَّمَثُّع وأمرُه بِالأفرادِ، واستَدَلَّ أصحَابُنَا عَلى (٢) أنَّ الدَّمَ الذِي عَلى القَارِنِ دَمُ جُبرَانٍ لَا نُسُكٍ: بِأَنَّ الصِّيَامَ يَقُومُ مَقَامَه عِندَ العَجزِ، ولَو كَانَ دَمَ نُسُكِ لَم يَقُم مَقَامَه كَالأُضحِيَّةِ، قال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ)) من الحَنَفيةِ(٣): وقِيلَ: الاختِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلى أنَّ القَارِنِ عِنْدَنَا يَطُوفُ طَوَافَينِ ويَسعَى سَعَيَينٍ، وعِندَه طَوافًا واحِدًا وسَعيًا واحِدًا. ] الخَامِسَةُ: قد يُستَدَلُّ بِهِ عَلى تَرجِيحِ الإفرَادِ عَلى التَّمَتُّعِ والقِرَانِ(٤) ولَو لَم يَعتَمِر في تِلكَ السَّنَةِ، وبِه قال القَاضِي حُسَينٌ، والمُتَولِّي من الشَّافِعِيَّةِ، ولَكِن الأكثَرُونَ عَلى أنَّ شَرطَ تَفضِيلِه عَلَيهمَا أن يَعتَمِرَ من سَنَتِهِ فَلَو أخّرَ العُمرَةَ عن تِلكَ السَّنَةِ فَكُلٌّ منهمَا أفضَلُ منه لِلإتيَانِ فيهمَا بِالنُّسُكَيْنِ. وذَكَرَ النَّووِيُّ(٥) أنَّ مَا قالاه شَاةٌ ضَعِيفٌ. وبَحَثَ شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإسنَوِيُّ في ((المُهمَّاتِ)) أنَّه إذَا قَرَنَ أو تَمَثَّعَ ثُمَّ اعتَمَرَ بَعدَه كَانَ أفضَلَ من الإفرَادِ، وفيه نَظَرٌ لِأَنَّ الكَلَامَ في أَدَاءِ النُّسُكَينِ، وهَذَا قد أدَّى ثَلَاثَةً فَهِيَ غَيرُ الصُّورَةِ المُتَكَلَّم فيها. واللهُ أعلمُ. وقال ابنُ قُدَامَةً في ((المُغنِي)) (٦)، في تَرجِيحِ مَذهَبِه في التَّمَتُّعِ: المُفرِدُ إِنَّمَا يَأْتِي بِالحَجِّ وحدَه، وإن اعتَمَرَ بَعدَه من التَّعِيمِ: فَقد اختَلَفَ في إجزَائِها عن عُمَرَةٍ الإسلام، وكَذلك اختُلِفَ في إجزَاءِ عُمرَةِ القِرَانِ، ولَا خِلَافَ في إجزَاءِ التَّمَتُّعِ عن الحَجِّ والعُمرَةِ جَمِيعًا. انتهى. (١) في (ك، م): ((بإتمامها)). (٣) الهداية (١ / ١٥٤). المجموع (١٤٣/٧). (٥) (٢) في (م): ((عن)). (٤) ليس في: (ح). (٦) المغني (٨٥/٥). ٣٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الحَدِيثُ الثَّانِي جَّ عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ قالت: ((خَرَجنَا مَعَ رسولِ اللهِ وَس (٢٩/٥م) عَامَ حَجَّةٍ الودَاعِ فَأهلَلتِ بِعُمرَةٍ، ولَم أكُن سُقتُ الهَديَ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن كَانَ مَعَه الهَدِيُّ فَلِيُهلَّ بِالحَجِّ مَعَ عُمرَتِهِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ منهمَا جَمِيعًا)) قالت: فَحِضتُ، فَلَمَّا دَخَلَت لَيلَةُ عَرَفَةَ، قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي كُنتُ أهلَلتُ بِعُمرَةٍ فَكَيفَ أصنَعُ بِحَجَّتِي؟ قال: ((انقُضِي رَأْسَك [٨/٢ظ] وامتَشِطِي، وأمسِكِي عن العُمرَةِ، وأهلِّي بِالحَجِ)). فَلَمَّا قَضَيتِ حَجَّتي أمَرَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أبي بَكرٍ فَأَعْمَرَنِي من التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمرَتي التي سَكَتُّ عنها)). فيه فوائدُ: الأُولى: أخرَجَه مسلمٌ(١) من هَذَا الوجه عن عَبدِ بنِ حُمَيدٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، إلّا أنَّ في رِوايَتِهِ: (أمسَكت عنها)) مَكَانَ: ((سَكَتُّ عنها)). واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ (٢) من رِوايَةِ مَالِكِ وعُقَيلِ بنِ خَالِدٍ . وأخرَجَه البخاريُّ (٣) من رِوايَةِ إبراهيمَ بنِ سَعدٍ. ومسلمٌ(٤) من رِوايَةٍ سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، كُلُّهم عن الزُّهرِيِّ، وفي رِوايَةِ مَالِكٍ: ((فَطَافَ الذِينَ أهَلُوا بِالعُمرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوافًا آخَرَ بَعدَ أن رَجَعُوا من منى، وأمَّا الذِينَ جَمَعُوا بَينَ الحَجِّ والعُمرَةِ طَافُوا طَوافًا واحِدًا)). (١) مسلم (١١٣/١٢١١). (٢) البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (١١١/١٢١١) من طريق مالك، والبخاري (٣١٩)، ومسلم (١١٢/١٢١١) من طريق عقيل. (٣) البخاري (٣١٦). (٤) مسلم (١٣٥/١٢١٢). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٢٥ الثَّانِيَةُ: حَجَّةُ الودَاعِ كَانَت سَنَةَ عَشرٍ من الهجرَةِ، سُمِّيَت بِذلك لأنَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ ودَّعَ النَّاسَ فيها، ولَم يَحُجَّ بَعدَ الهجرَةِ غَيرَها . ■ الثَّالِثَةُ: فيه أنَّ عَائِشَةَ مَا كَانَتْ فِي حَجَّةِ الودَاعِ مُحرِمَةً بِعُمَرَةٍ، وَرَوى القَاسِمُ عنها أنَّها قالت: ((خَرَجَنَا مَعَ رسولِ اللهِ ﴿ وَلَا نَرَى إِلَّ الحَجَّ))(١). وفي رِوايَةٍ: ((لَا نَذْكُرُ (٢) إلَّا الحَجَّ))(٣)، وفي رِوايَةٍ: ((لَبَّيْنَا بِالحَجِّ)) (٤)، وفي رِوايَةٍ: «مُھَلِینَ بِالحَجِ))(٥) . ورَوى الأسودُ، وعَمرَةُ عنها: ((و(٦) لَا نُرَى إلّا أنَّه الحَجُّ))(٧). وقد جَمَعَ ذلك مسلمٌ في ((صَحِيحِه))، وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٨): اختَلَفَت الرِّوايَاتُ عن عَائِشَةَ فيمَا أحرَمَت بِهِ اختِلَافًا كَثِيرًا، واختَلَفَ العُلَمَاءُ في ذلك: فقال مَالِكٌ: لَيسَ العَمَلُ عَلى حَدِيثِ عُروةَ، [عن عَائِشَةَ، عِندَنَا قديمًا ولَا حَدِيثًا. وقال بَعضُهم بِتَرجِيحِ (٩) أنَّها كَانَت مُحرِمَةً بِحَجِّ؛ لأنها رِوايَةُ عَمرَةَ، والأسودِ، والقَاسِمِ، وغَلَّطُوا عُروةَ في العُمرَةِ، مِمَّن ذَهَبَ إلى هَذَا القَاضِي إسمَاعِيلُ، وَرَجَّعُوا الرِّوايَةَ غَيْرَ (٣٠/٥م) عُروةَ عَلى رِوايَتِه؛ لأن عُروةَ] (١٠) قال في رِوايَةِ حَمَّادِ بنِ زَيدِ، عن هِشَام، عنه: حَدَّثَنِي غَيرُ واحِدٍ أَنَّ النَّبِيِوَ قَال لَها: ((دَعِي عُمرَتَك)). فَقد بَانَ أنَّه لَمْ يَسمَعِ الحَدِيثَ منها. قال القَاضِي عِيَاضٌ: ولَيسَ هَذَا بِواضِحٍ؛ لِأَنَّه يُحتَمَلُ أنَّها مِمَّن حَدَّثَته (١١) ذلك، قَالُوا أيضًا: ولِأَنَّ رِوايَةَ عَمْرَةَ، والقَاسِمِ نَسَّقَت عَمَلَ عَائِشَةَ في الحَجِّ من أولِه إلى آخِرِهِ، ولِهَذَا قال القَاسِمُ عن رِوايَةِ عَمرَةَ: أَنبَأْتكَ (١٢) بِالحَدِيثِ عَلى وجهه. وقَالُوا: ولِأَنَّ رِوايَةً عُروةَ إنَّمَا أخبَرَ فيها عن آخِرِ أمرِ عَائِشَةَ، والجَمِعُ بَيْنَ (١) مسلم (١١٩/١٢١١). (٣) مسلم (١٢٠/١٢١١). البخاري (١٧٨٨)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٣). (٥) (٦) ليس في: الأصل. (٨) إكمال المعلم (٢٣١/٤). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: (الأصل). (١١) في (ك، م): ((حدثه)). (١٢) في (م): ((نبأتك)). (٢) في (ح): ((يذكر)). (٤) مسلم (١٢١/١٢١١). (٧) مسلم (٨/١٢١١ ١٢، ١٢٥). (٩) في (ح): ((يترجح)). = ٣٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الرِّوايَاتِ مُمكِنٌ فَأَحرَمت أولًا بِالحَجِّ، كَمَا صَحَّ عنها في رِوايَةِ الأكثَرِينَ، وكَمَا هو الأصَحُّ من فِعلِ النَّبيِ وَّهَ وأكثَرِ أصحَابِهِ، ثُمَّ أحرَمت بِالعُمرَةِ حِينَ أمَرَ النَّبِيُّ بَّهِ أصحَابَه بِفَسخِ الحَجِّ إلى العُمرَةِ، وَكَذَا فَسَّرَه القَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ، فَأَخِبَرَ عُروةُ بِاعتِمَارِها في آخِرِ الأمرِ، ولَم يَذكُر أولَ أمرِها . قال القَاضِي: وقد يُعَارَضُ هَذَا بِمَا صَحَّ عنها في إخبَارِها عن فِعلِ الصَّحَابَةِ واختِلَافِهم في الإحرَامِ، وإنَّمَا أحرَمَت هيَ بِعُمرَةٍ، فَالحَاصِلُ أنَّها أحرَمَت بِحَجِّ ثُمَّ فَسَخَته إلى عُمرَةٍ حِينَ أُمِرَ النَّاسُ بِذلك، فَلَمَّا حَاضَت وتَعَذَّرَ عَلَيها إتمَامُ العُمرَةِ والتَّحَلُّلُ منها وإدرَاكُ الإحرَامِ بِالحَجِّ أمَرَها النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالإِحرَامِ بِالحَجِّ فَأَحرَمَت بِهِ، فَصَارَت مُدخِلَةٌ لِلحَجِّ عَلى العُمرَةِ وَقَارِنَةَ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ (١)، عَمَّن رَجَّحَ رِوايَةً عُروةً في إحرَامِها بِعُمرَةٍ: أنَّ جَابِرًا رَوى ذلك أيضًا، قَالُوا: ولَيسَ في قَولِها: ((كُنَّا مُهَلِّينَ بِالحَجِّ)). و((خَرَجنَا لَا نَرَى إِلَّ الحَجَّ)). بَيَانُ أنَّها كَانَت هيَ مُهلَّةً بِالحَجِّ، وإنَّمَا هو استِدلَالٌ لِاحتِمَالِ أن تُرِيدَ خَرَجَ رسولُ اللهِ وَّرَ وأصحَابُه، وتُرِيدُ بَعضَهم أو أكثَرَهم، ولَيسَ الاستِدلَال المُحتَمَلُ لِلتَّأْوِيلِ كَالتَّصرِيحِ. ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): الاضطِرَابُ عن عَائِشَةَ في حَدِيثِها هَذَا في الحَجِّ عَظِيمٌ، وقد أكثَرَ العُلَمَاءُ فِي تَوجِيه الرِّوايَاتِ فيه، ودَفَعَ بَعضُهم بَعضًا بِبَعضِ، ولَم يَستَطِيعُوا الجَمِعَ بَيْنَها، ورَامَ قَومُ الجَمِعَ في بَعضٍ مَعَالِيها. ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ في قَولِ مَالِكِ: لَيسَ العَمَلُ عَلَيه قديمًا ولَا(٣) حَدِيثًا. يُرِيدُ: لَيسَ العَمَلُ عَلَيه في رَفْضِ العُمرَةِ (٣١/٥م) لِأَنَّ العَمَلَ عَلَيه عِندَه في أشياءَ كَثِيرَةٍ (٤) [٩/٢و]. ا الرَّابِعَةُ: أصلُ الإهلَالِ (٥) رَفعُ الصَّوتِ بِالتَّلبيةِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فيه بِإِطَلَاقِه عَلى مُطلَقِ الإِحرَامِ، وإن لَم يَكُن فيه رَفعُ صَوتٍ. (١) التمهيد (٢٢١/٨). (٣) ليست في: (ح). (٥) في الأصل: ((الإحلال)). (٢) التمهيد (٢٢٦/٨). (٤) التمهيد (٢٢٧/٨). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٢٧ الخَامِسَةُ: قَولُها: ((ولَم أكُن سُقت الهَديَ)). تَوِئَةً لِمَا تُرِيدُ الإخبَارَ بِهِ من استِمِرَارِها عَلى تَمحِيضٍ(١) العُمرَةِ، وأنَّها (٢) لَم تُدخِل عَلَيها الحَجَّ؛ لأنه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ إِنَّمَا أمَرَ بِضَمِّ الحَجِّ إلى العُمَرَةِ مَن كَانَ مَعَه هَديٌّ . والهَديُ بِإِسكَانِ الدَّالِ وتَخفيفِ اليَاءِ، وبِكَسرِ الدَّالِ وتَشدِيدِ اليَاءِ لُغَتَانِ مَشهورَتَانٍ، الأُولى أفصَحُ وأشهرُ، وهو اسمٌ لِمَا يُهدَى إلى الحَرَمِ من الأنعَامِ، وسَوقُ الهَديِ سُنَّةٌ لِمَن أرَادَ الإِحرَامَ بِحَجٍّ أو عُمرَةٍ. ا السَّادِسَةُ: قَولُه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((مَن كَانَ مَعَه الهَدِيُّ فَليُهلِل بِالحَجِّ مَعَ عُمرَتِهِ، ثُمَّ(٣) لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ منهمَا جَمِيعًا)). قال القَاضِي عِيَاضٌ (٤): الذِي تَدُلُّ عَلَيه نُصُوصُ الأحَادِيثِ في ((صَحِيحَي البخاريِّ ومسلم)) وغَيرِهِمَا من رِوايَةٍ عَائِشَةَ، وجَابِرٍ وغَيرِهِمَا: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ إِنَّمَا قال لَهم هَذَا القَولَ بَعدَ إحرَامِهم بِالحَجِّ، وفي مُنتَهَى سَفَرِهم ودُنُوِّهم من مَكَّةً بِسَرِفَ، كَمَا جَاءَ في رِوايَةِ عَائِشَةَ، أو بَعدَ طَوافِهِم بِالبَيتِ وسَعيِهم، كَمَا جَاءَ في رِوايَةِ جَابِرٍ، ويُحتَمَلُ تَكرِيرُه الأمرَ بِذلك مَرَّتَينِ في مَوضِعَينٍ(٥)، وأنَّ العَزِيمَةَ كَانَت آخِرًا، حِينَ أمَرَهم بِفَسخِ الحَجِّ إلى العُمرَةِ. السَّابِعَةُ: قال المَالِكِيَّةُ، والشَّافِعِيَّةُ، والجُمهورُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ دَالَّةٌ عَلى أنَّ السَّبَبَ في بَقَاءِ مَن سَاقَ الهَديَ عَلى إحرَامِه حَتَّى يَحِلَّ(٦) من الحَجِّ؛ كونُه أدخَلَ الحَجَّ عَلى العُمرَةِ، وأَنَّه لَيسَ السَّبَبُ في ذلك مُجَرَّدَ سَوقِ الهَدي، كمَا (٧) يَقُولُه أَبُو حَنِيفَةَ، وأحمَدُ، ومَن وافَقَهمَا: أنَّ المُعتَمِرَ المُتَمَتِّعَ إذَا كَانَ مَعَه هَدِيٌّ لَا يَتَحَلَّلُ من عُمرَتِهِ حَتَّى يَنحَرَ هَديَه يَومَ النَّحرِ، وهم تَمَسَّكُوا بِقَولِه في رِوايَةٍ عُقَيلٍ، عن الزُّهرِيِّ، وهيَ في ((الصَّحِيحَينِ))، فقال رسولُ اللهَوَّل: ((مَن أَحْرَمَ بِعُمرَةٍ وَلَم يُهدِ فَلَيَحلِل، ومَن أحرَمَ بِعُمرَةٍ وأهدَى فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنحَرَ هَدَه، ومَن أهَلَّ بِحَجِّ فَليُتِمَّ (١) في الأصل: (تمحيص)). (٣) ليس في: الأصل. (٥) في (ح): ((الموضعين)). (٧) في (م): ((فما)). (٢) في الأصل: ((وإنما)). (٤) إكمال المعلم (٤/ ٢٣٧). (٦) في الأصل: ((يهل)). = كم ٣٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ حَجَّه)). وهيَ ظَاهرَةٌ في الدَّلَالَةِ لِمَذهَبِهم، لَكِن تَأولَها (٣٢/٥م) أصحَابُنَا عَلى أَنَّ مَعنَاها: ومَن أحرَمَ بِعُمرَةٍ وأهدَى فَليُهلَّ(١) بِالحَجِّ ولَا يَحِلَّ حَتَّى يَنحَرَ هَدیَه، واستَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ هَذَا التَّأوِيلِ بِالرِّوايَةِ التي تُكُلِّمَ (٢) عَلَيها، وقَالُوا: هَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌّ؛ لأن القَضِيَّةَ واحِدَةٌ والرَّاوِيَ واحِدٌ، فَيَتَعَيَّنُ الجَمِعُ بَيْنَ الرِّوايَتَينِ، واللهُ أعلمُ. · الثَّامنةُ: قَولُها: ((فَلَمَّا دَخَلَت لَيلَةُ عَرَفَةَ)). يُحتَمَلُ أنَّ مَعنَاه قَرُبَت وشَارَفَت، فَإِنَّ مَحِلَّ استِحِبَابِ الإِحرَامِ بِالحَجِّ يَومَ التَّروِيَةِ عِندَ الشُّرُوع في التَّوجُّه إلى منى، ويَدُلُّ لِذلك قَولُه في حَدِيَثِ جَابِرٍ: إنَّ عَائِشَةَ قالت لِلنَّبِيِ وَّ في شَكواها: ((والنَّاسُ يَذهَبُونَ إلى الحَجِّ الآنَ)). وقَولُها: ((إنِّي كُنت أهلَلت بِعُمرَةٍ؛ أي: مُفرِدَةً، ولَم أُدخِل عَلَيها الحَجَّ)). وقَولُها: (فَكَيفَ أصنَعُ بِحَجَّتي))؛ أي: بِالحَجَّةِ التي قَصَدت تَحصِيلَها والإتيَانَ بِها، إذ الفَرضُ أنَّها لَم تَكُن مُحرِمَةً بِحَجّ؛ فَأْضَافَتِ الحَجَّةَ إِلَيها بِهَذَا الاعتِبَارِ . ■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((انقُضِي رَأْسَك)). بِالقَافِ والضَّادِ المُعجَمَةِ؛ أي: حِلِّي ضَفْرَه، وقَولُه: ((وامتَشِطِي))؛ أي: سَرِّحِي بِالمُشْطِ. العَاشِرَة: قَولُه: ((وأمسِكِي عن العُمرَةِ))؛ أي: عن إتمَام أفعَالِها، وهيَ الطّوافُ، والسَّعيُ، وتَقصِيرُ الشَّعرِ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ مُبَيِّنَةٌ مَعنَى قَولِه في الرِّوايَةِ الأُخرَى: ((ارفُضِي عُمرَتَك)). وفي رِوايَةٍ أُخرَى: ((دَعِي عُمرَتَك)). ودَالَّةٌ عَلى أَنَّه لَيسَ المُرَادُ بِرَفضِها إِيطَالَها بِالكُلِّيَّةِ والخُرُوجِ منها، وإِنَّمَا مَعنَاه: رَفضُ(٣) العَمَلِ فيها وإتمَامُ أفعَالِها، ويَدُلُّ لِذلك أيضًا مَا في ((صَحِيحِ مسلم)» (٤) من رِوايَةٍ عَبدِ الله بنِ طَاؤُسٍ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ؛ أنَّها أهَلَّتِ بِعُمَّرَةٍ فَقدَّمَت ولَم تَطْف بِالبَيتِ حَتَّى حَاضَت، فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّها وقد أهَلَّت بِالحَجِّ، فقال لَها النَّبِيُّ بَّهَ يَومَ النَّفرِ: ((يَسَعُك [٩/٢ظ] طَوافُك لِحَجِّك وعُمرَتِك)) فَأْبَت؛ فَبَعَثَ بِها(٥) مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ إلى التَّنْعِيمِ واعتَمَرَت بَعدَ الحَجِّ. فَهَذِهِ رِوايَةٌ صَرِيحَةٌ في أنَّ عُمرَتَها بَاقِيَةٌ (٢٣٣/٥) صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ، لِقَولِه: ((يَسَعُك طَوافُك لِحَجِّك وعُمرَتِك)). (١) في الأصل: ((فليهلل)). (٣) في الأصل: ((برفض)). (٥) ليس في: الأصل. (٢) في (ح): ((نتكلم)). (٤) مسلم (١٢١١/ ١٣٢). بَابٌ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٢٩ وقد عُلِمَ أنَّ الأعمَالَ الشَّرعيَّة لَا يَجُوزُ الخُرُوجُ منها، إمَّا مُطلَقًّا أو الواجِبَاتُ منها، ويَزِيدُ الحَجُّ والعُمرَةُ عَلى غَيرِهمَا بِأنَّهمَا لِشِدَّةِ تَشَبُّتِهمَا ولُزُومِهمَا لَا يَصِحُ الخُرُوجُ منهمَا بِنِيَّةِ الخُرُوجِ، وإِنَّمَا يُخرَجُ منهمَا بِالثَّحَلُّلِ بَعدَ فَرَاغِهمَا، وهَذَا الذِي ذَكَرْنَاه من تَأْوِيلِ هَذَا اللفظِ أولى من إبطَالِهِ وَرَدِّه ونَسَبَةِ عُروةٌ لِلوهم(١) فيه، كَمَا حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ عن بَعضِهم، ثُمَّ أيَّدَه بِأنَّ حَمَّادَ بنَ زَيدٍ رَوى هَذَاَ الحَدِيثَ عن هشَامِ بنِ عُروةً، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، وفيه قال عُروةُ: فَحَدَّثَنِي غَيرُ واحِدٍ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قَال لَها: ((دَعِي عُمرَتَكِ، وانقُضِي رَأْسَكِ، وامتَشِطِي، وافعَلِي مَا يَفعَلُ الحَاجُ المسلمُونَ في حَجِّهم))(٢). قالت: ((فَأَطَعت اللهَ ورسولَه، فَلَمَّا كَانَ لَيلَةَ الصَّدِ أَمَرَ رسولُ اللهِ وَلَّهَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أبي بَكرٍ فَأَخِرَجَها إلى التَّنْعِيمِ فَأَهَلَّت بِعُمَرَةٍ)). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: فَفي هَذِه الرِّوايَةِ عِلَّةُ اللفظِ الدَّالِ عَلى رَفضِ العُمرَة؛ لأنه كَلَامٌ لَم يَسمَعه عُروةُ من عَائِشَةَ، وإن كَانَ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ قد انفَرَدَ بِذلك فَإِنَّه ثِقَةٌ فِيمَا نَقَلَ. انتَهَى. فَالتَّأْوِيلُ أولى من الرَّدِّ، واللهُ أعلَمُ. الحَادِيَةَ عَشْرةَ: إن قُلتَ: أمرُها بِنَقضِ رَأسِها والامتِشَاطِ ظَاهرٌ في إِيطَالِ العُمرَةِ، إذَ البَاقِي في الإحرَامِ لَا يَفعَلُ مِثلَ ذلك خَشِيَةً انتِتَافِ الشَّعرِ . قُلت: لَا يَلزَمُ من ذلك إبطَالَّ العُمرَةِ، فَإِنَّ نَقضَ الرَّأسِ والامتِشَاطَ جَائِزَانٍ في الإِحَرَامِ؛ إذَا لَم يُؤَدِّ إلى انتِتَافِ شَعرٍ، لَكِن يُكرَه الامتِشَاطُ لِغَيرِ عُذرٍ. وقِيلَ: إِنَّ عَائِشَةَ رُِّهَا كَانَ بِها عُذرٌ من أذَّى بِرَأسِها فَأُبِيحَ لَها الامتِشَاطُ، كَمَا أُبِيحَ لِكَعبِ بنِ عُجرَةَ الحَلقُ لِلأَذَى(٣)، وقال بَعضُهم: لَيسَ المُرَادُ بِالامتِشَاطِ هنَا حَقِيقَةَ الامتِشَاطِ بِالمِشْطِ، بَل تَسرِيحُ الشَّعرِ بِالأصَابِعِ لِلغُسلِ لِإِحرَامِها بِالحَجِّ، لَا سِيَّمَا أن كَانَت لَبَّدَتِ رَأسَها كَمَا هو السُّنَّهُ لِفِعلِ النَّبِيِّ نَّهِ لَه، فَلَا يَصِحُّ غُسلُها إِلَّا بِإِيصَالِ المَاءِ إلى جَمِيعِ شَعرِها، ويَلزَمُ من هَذَا نَقْضُه، واللهُ أعلمُ. (١) في الأصل: ((إلى الوهم)). (٢) التمهيد (٢٢٦/٨)، وأخرجه أبو داود (١٧٧٨) من طريق سليمان بن حرب، عن حماد، وليس فيه هذه الزيادة. (٣) البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١)، وأبو داود (١٨٥٧)، والترمذي (٩٥٣)، والنسائي (٢٨٥١)، وابن ماجه (٣٠٧٩). ٣٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثَّانِيَةَ عَشْرةَ: قَولُه: ((وأهلِّي بِالحَجِّ))؛ أي: مُدخِلَةً لَه عَلى العُمرَةِ، وحِينَئِذٍ فَتَصِيرُ قَارِنَةً بَعدَ أَن كَانَت مُتَمَتِّعَةً، وهو جَائِزٌ بِالإجمَاعِ إذَا كَانَ قَبلَ الطّوافِ، وإنَّمَا فَعَلَت ذلك لِأَنَّه تَعَذَّرَ عَلَيها إتمَامُ العُمرَةِ والتَّحَلَّلِ (٣٣٤/٥) منها لِلحَيضِ الطَّارِئِ المَانِعِ لَها من الطّافِ. ■ الثَّالِثَةَ عَشْرةَ: قَولُها: ((فَلَمَّا قَضَيتُ حَجَّتي أمَرَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أبي بَكرٍ فَأْعمرنِي)). قد تَبَيَّنَ في رِوايَةٍ أُخرَى في ((الصَّحِيح)) سَبَبُ ذلك، وهو أنَّها قالت لِلنَّبِّ وَّهَ: ((يَرجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وعُمَرَةٍ وأرجَعَ بِحَجٍّ؟)). وهو مُشكِلٌ، إذ قد حَصَلَت لَها العُمرَةُ التي أدخَلَت عَلَيها الحَجَّ، فَإِنَّها لَم تُبطِلها كَمَا تَقَدمَ، وأُجِيبَ عنه بِأَنَّ مَعنَاه: يَرجِعُ النَّاسُ بِحَجِّ مُفرِدٍ عن عُمَرَةٍ، وعُمرَةٍ مُفرِدَةٍ عن حَجِّ، وأرجِعُ ولَيسَت لِي عُمرَةٌ مُنفَرِدَةٌ؟ حَرَصَت بِذلك عَلى تَكْثِيرِ الأفْعَالِ، كَمَا حَصَلَ لِسَائِرِ أُمَّهاتِ المُؤمنينَ وغَيرِهنَّ(١) من الصَّحَابَةِ الذِينَ فَسَخُوا الحَجَّ إلى العُمرَةِ، وأتَمُّوا العُمرَةَ وتَحَلَّلُوا منها قَبلَ يَومِ الثَّروِيَةِ، ثُمَّ أحرَمُوا بِالحَجِّ من مَكَّةَ يَومَ التَّروِيَةِ؛ فَحَصَلَت لَهِم حَجَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ وعُمَرَةٌ مُنفَرِدَةٌ . وأمَّا عَائِشَةُ فَإِنَّمَا حَصَلَ لَها عُمرَةٌ مُندَرِجَةٌ فِي حَجَّةٍ بِالقِرَانِ، وتَقدمَ أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال لَها يَومَ النَّفرِ: ((يَسَعُك طَوافُك لِحَجِّك وعُمَرَتِك))؛ أي: وقد تَمَّا وحُسِبَا لَك، فَأَبَت وأرَادَت عُمرَةً مُنفَرِدَةً كَمَا حَصَلَ لِيَقِيَّةِ النَّاسِ، وهَذَا مَعنَى قَولِها: ((مَكَانَ عُمرَتي التي سَكَتُّ عنها))؛ أي: التي سَكَتُ عن أعمَالِها فَلَمْ أُتِمَّها مُنْفَرِدَةً، بَل مَضمُومَةً لِلحَجِّ(٢)، وهو مَعنَى قَولِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ [١٠/٢و] في رِوايَةٍ أُخرَى: ((هَذِهِ مَكَانَ عُمرَتِك)). وفي هَذَا تَصرِيحٌ بِالرَّدِّ عَلى مَن قال: القِرَانُ أفضَلُ، وقد تقدمَ الخِلافُ في ذلك. الرَّابِعَةَ عَشَرَ: فيه الخَلوةُ بِالمَحَارِمِ، والرُّكُوبُ مَعَهم، وفي رِوايَةٍ أُخرَى في ((الصَّحِيحِ)) (٣): أنَّه أردَفَها ورَاءَه. (١) في الأصل: ((وغيرهم)). (٣) البخاري (١٧٨٦)، ومسلم (١٢١١/ ١١٣). (٢) في الأصل: ((إلى الحج)). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٣١ الخَامِسَةَ عَشَرَ: إنَّمَا أَمَرَه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ بِإِخرَاجِها في العُمرَةِ إلى التَّنعِيم لِأنَّه أدنَى الحِلِّ، ومَن كَانَ بِمَكَّةً وأرَادَ الإِحرَامَ بِعُمرَةٍ، فَمِيقَاتُه لَها أدنى الحِلَّ، ولَا يَجُوزُ أن يُحرِمَ بِها في الحَرَمِ، والمَعنَى في ذلك الجَمعُ في نُسُكِ العُمرَةِ بَينَ الحِلِّ(١) والحَرَم، كَمَا أَنَّ الحَاجَّ يَجمَعُ بَينَهمَا، فَإِنَّ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وهيَ من الحِلِّ، ثُمَّ يَدخُلُ مَّةَ لِلطَّوافِ وغَيرِهِ، فَلَو خَالَفَ وأحرَمَ بِها في الحَرَمِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الحِلِّ قَبلَ الطّوافِ أجزَأه ولَا دَمَ عَلَيه، وإن لَم يَخرُجُ وطَافَ وسَعَى وحَلَقَ، فَفيه قَولَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أحَدُهمَا: لَا تَصِحُّ عُمرَتُه حَتَّى يَخرُجَ إلى الحِلّ ثُمَّ يَطُوفُ ويَسعَى ويَحلِقُ. والثَّانِي: تَصِحُ(٢) وعَلَيهِ دَمٌ لِتَركِهِ المِيقَاتَ. وهَذَا الثَّانِي: هو الأصَحُّ عِندَ أصحَابِنَا، وبِه قال جُمهورُ (٣٥/٥م) العُلَمَاءِ، وقال مَالِكٌ: لَا يُجزِئُه حَتَّى يَخرُجَ إلى الحِلِّ، وقال عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحِ: لَا شَيءَ عَلَيه. السَّادِسَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ أفضَلَ جِهاتِ الحِلِّ لِلإِحرَامِ بِالعُمرَةِ منها التَّنعِيمُ، وبِه قال الشَّيخُ أبُو إسحَاقَ الشِّيرَازِيُّ من الشَّافِعِيَّةِ(٣)، والأصَحُّ عِندَهم أنَّ الأفضَلَ الإحرَامُ بِها من الجِعِرَّانَةِ، لِكَونِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ فَعَلَه، ثُمَّ من التَّنْعِيمِ؛ لِكَونِه أمَرَ بِهِ، ثُمَّ من الحُدَيبيةِ؛ لِكَونِه هَمَّ بِهِ، وقَالُوا: إِنَّمَا أمَرَ عَبْدُ الرَّحمَنِ بِالتَّنْعِيمِ لِتَسُّرِهِ، فَإِنَّه أقرَبُ الجِهاتِ كَمَا تَقْدمَ. ا السَّابِعَةَ عَشَرَ: زَادَ بَعضُهم عَلى هَذَا فقال: إنَّه يَتَعَيَّنُ التَّنْعِيمُ لِلإِحرَامِ بِالعُمرَةِ منه. وحَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ(٤) عن مَالِكِ، وأنَّه مِيقَاتُ المُعتَمِرِينَ من مَكَّةَ، قال النَّووِيُّ في ((شَرح مسلم))(٥): وهَذَا شَاةٌّ مَرُدُودٌ، والذِي عَلَيه الجَمَاهيرُ: أنَّ جَمِيعَ جِهاتِ الحِلِّ سَواءٌ، ولاَ يَختَصُّ بِالتَّعِيمِ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّامنةَ عَشَرَ: في قَولِها في رِوايَةِ مَالِكٍ: ((وأمَّا الذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمرَةِ طَافُوا طَوافًا واحِدًا))، دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَارِنَ يَكفيه طَوافٌ واحِدٌ عن (١) في الأصل: ((الحج)). (٢) في (ح): ((يصح)). (٣) التنبيه (ص١٠٨)، وقال في التهذيب (٢٠٣/١): الأفضل أن يحرم من الجعرانة ثم من التنعيم. (٤) إكمال المعلم (٢٤٤/٤). (٥) شرح صحيح مسلم (١٥٢/٨). = ٣٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ طَوافِ الرُّكنِ، وأنَّه (١) يَقتَصِرُ عَلى أَفعَالِ الحَجِّ وتَندَرِجُ أفعَالُ العُمرَةِ كُلُّها(٢) في أفْعَالِ الحَجِّ، وبِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ كَُّهُ، وهو مَحكِيٍّ عن ابنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وعَائِشَةَ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، وسَالِمٍ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومُجَاهِدٍ، والزِّهرِيِّ، وأبي جَعفَرٍ، وعَطَاءٍ، وَاوُسٍ، وكَانَ يَحلِفُ بِالله إنَّه لَم يَطْف أحَدٌ من الصَّحَابَةِ لِلحَجِّ والعُمرَةِ إلَّا طَوافًا واحِدًا، رَواها ابنُ أبي شَيبَةَ(٣)، وبِهِ قال مَالِكٌ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ، ودَاوُد. وقال أبُو حَنِيفَةَ: يَلزَمُه طَوَافَانِ وسَعيَانٍ، وهو مَحكِيٍّ عن عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ، وابنِ مَسعُودٍ، والحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، والشَّعبيِّ، والأسودِ، والحَكَم بنِ عُتَيبَةَ، وإبراهيمَ النَّخَعِيّ، وأبي جَعفَرٍ، وحَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمَانَ، رَواه عنهم ابنُ أَبِي شَيبَةَ(٤). الحَدِيثُ الثَّالِثُ عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، عن حَفِصَةَ زَوجِ النَّبِي وَلِّ أنَّها قالت لِرسولِ اللهِ وَلَو (٥/ ٢٣٦): مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا ولَمَ تَحِلَّ أنتَ من عُمرَتِك؟ فقال: ((إِنِّي لَبَّدتُ رَأْسِي وقَلَّدَتُ هَدِي فَلَا أحِلُّ حَتَّى أنحَر)). فيه فوائدُ: · الأُولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ، وأبُو دَاوُد، والنسائيُّ(٥) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكِ، وفي رِوايَةِ البخاريِّ وهيَ عن إسمَاعِيلَ بنِ أبي أُويسٍ، وعَبدِ الله بنِ يُوسُفَ، ورِوايَةِ النسائيّ وهيَ من طَرِيقِ ابنِ القَّاسِمِ: ((مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمرَةٍ». وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ (٦) عن ابنِ وهبٍ أَنَّه رَواه عن مَالِكِ بِهَذِه الزِّيَادَةِ، (١) في الأصل: ((فإنه)). (٢) ليس في: الأصل. مصنف ابن أبي شيبة (٧٣١/٣). (٣) مصنف ابن أبي شيبة (٧٣٢/٣)، وينظر: الإشراف (٢٧٨/٣ - ٢٧٩). (٤) البخاري (١٥٦٦)، ومسلم (١٧٦/١٢٢٩)، وأبو داود (١٨٠٦)، والنسائي (٢٧٨٠). (٥) التمهيد (٢٩٧/١٥). (٦) = كم ٣٣٣ بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ وأنَّه رَواه بِدُونِها القَعنَبي، ويَحيّى بنُ بُكَير، وأبُو مُصعَبٍ، وعَبدُ الله بنُ يُوسُفَ، ويَحْيَى بِنُ يَحيَى، وغَيرُهم، قال: والمَعنَى واحِدٌ عِندَ أهلِ العِلم. [١٠/٢ظ] قال: ولَم يَخْتَلِف (١) الرُّواةُ عن مَالِكٍ في قَولِه: ((ولَم تُحِلَّ أنتَ من عُمرَتِك)). قال: وزَعَمَ بَعضُ النَّاسِ أَنَّه لَم يَقُل أحَدٌ في هَذَا الحَدِيثِ عن نَافِعٍ: ((ولَم تُحِلَّ أنتَ من عُمرَتِك))، إلَّا مَالِكٌ وحدَه. قال: وقد رَواها غَيرُ مَالِكِ؛ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وأيُّوبُ السَّختيانِيُّ، وهَؤُلَاءِ هم حُفَّاظُ أصحَابٍ نَافِعٍ، والحُجَّةُ فيه عَلى مَن خَالَفَهم، ورَواه ابنُ جُرَيجٍ عن نَافِعِ فَلَم (٢) يَقُل: ((من عُمرَتِكَ))، وزِيَادَةُ مَالِكِ مَقْبُولَةٌ لِحِفِظِه وإتقَانِهِ لَو انفَرَدَ بِها، فَكَيفَ وقد تَابَعَه مَن ذَكَرنَا. قال: ومَا أعلَمُ أحَدًا في قديم الدَّهرِ ولَا حَدِيثِهِ رَدَّ حَدِيثَ خَفْصَةَ هَذَا بِأَنَّ مَالِكًا انفَرَدَ بِقَولِهِ: ((من عُمرَتِك)) إلَّا هَذَا الرَّجُلُ(٣). انتهى بِمَعنَاه. وذَكَرَ بَعضُهم أنَّ هَذَا الذِي أَشَارَ إلَيه ابنُ عَبدِ البَرِّ هو الأصِيلِيُّ، ورِوايَةٌ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ هَذِهِ رَواها مسلمٌ، وابنُ مَاجَه(٤) وفيها: ((من عُمرَتِك)). ورَواها البخاريُّ(٥) بِدُونِ قَولِها: ((من عُمَرَتِك)). ولَفظُ الشَّيخَينِ فيها: ((فَلَا أحِلُّ حَتَّى أحِلَّ من الحَجّ)). وفي لَفِظٍ لِمسلم (٦): ((حَتَّى أنحَرَ)) كَرِوايَةِ مَالِكِ، وَكَذَا فِي رِوايَةِ ابنِ مَاجَه، ورِوايَةُ ابنِ جُرَيجِ أخرَجَها مسلمٌ (٧)، وأخرَجَ البخاريُّ(٨) مِثْلَها من طَرِيقٍ مُوسَى (٣٧/٥م) بنِ عُقبَةً عن نَافِعٍ، وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ(٩) رِوايَةً مُوسَى بنِ عُقبَةَ، ثُمَّ قال: وكَذلك رَواه شُعَيبُ بنُ أبي حَمزَةَ، عن نَافِعِ لَم يَذْكُرًا(١٠) فيه العُمرَةَ. واللهُ أعلمُ. وفيه إشَارَةٌ إلى الاختِلَافِ في ذِكرِ (١١) هَذِه اللفظَةِ، فَفيه مَيلٌ لِمَا تَقدمَ عن الأصیلِيِّ. (١) في (ح): ((تختلف)). (٣) التمهيد (٢٩٨/١٥ - ٢٩٩). (٤) مسلم (١٧٧/١٢٢٩)، وابن ماجه (٣٠٤٦). (٥) البخاري (١٦٩٧). مسلم (١٧٩/١٢٢٩). (٧) (٩) السنن الكبرى (١٣/٥). (١١) في الأصل: ((ذلك)). (٢) في الأصل: ((ولم)). (٦) مسلم (١٧٨/١٢٢٩). (٨) البخاري (٤٣٩٨). (١٠) في (م): ((یذکر)). ٣٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي رِوايَةٍ مسلمٍ عن يَحْيَى بِنِ يَحيَى عن مَالِكِ(١): أنَّ حَفصَةَ قالت. فَجَعَلَه من مُسنَدِ ابنِ عُمَرَ، وَكَذَا في ((صَحِيحِ مسلم)) من طَرِيقِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وفي حَدِيثِ الْبَاقِينَ عن ابنِ عُمَرَ، عن حَفْصَةَ، وفي رِوايَةٍ مُوسَى بنِ عُقبَةَ، وابنٍ جُرَيجٍ: حَدَّثَنِي حَفْصَةٌ. ■ الثَّانِيَةُ: تَمَسَّك بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ فِي حَجَّةِ الودَاعِ مُتَمَّتِّعًا، لِكَونِهِ أقَرَّ عَلى أنَّه مُحرِمٌ بِعُمرَةٍ، والتَّمَتُّعُ هو الإحرَامُ بِالعُمرَةِ في أشهرِ الحَجِّ، وطَعنُ مَن طَعَنَ في قَولِه: ((من عُمَرَتِك)) غَيْرَ مُلتَفَتٍ إلَيه كَمَا تَقدمَ. لَكِنَّ هَذَا التَّمَسُّكَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّه لَو لَم يَكُن إِلَّ هَذَا اللفظُ لَا حتَمَلَ التَّمَتُّعَ والقِرَانَ، فَتَعَيَّنَ بِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ في رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ: ((حَتَّى أحَلَّ من الحَجِّ)). أنَّه كَانَ قَارِنًا وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) كَمَا تَقْدمَ . ■ الثَّالِثَة: ورَتَّبُوا عَلى هَذَا أنَّ المُتَمَتِّعَ لَا يَحِلُّ من عُمرَتِهِ إذَا كَانَ مَعَه هَديٌ حَتَّى يَنحَرَه يَومَ النَّحرِ، وهو مَذهَبُ أبي حَنِيفَةَ، وأحمَدَ (٢)، فَإِنَّه جَعَلَ العِلَّة في بَقَائِهِ عَلى إِحْرَامِه الهَديَ، وأخبَرَ أنَّه لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنحَرَه، وأجَابَ الجُمهورُ عنه بِأنَّه لَيسَ العِلَّةُ في ذلك سَوقَ الهَديِ، وإِنَّمَا السَّبَبُ فيه إدخَالُه الحَجَّ عَلى العُمرَةِ، ويَدُلُّ لِذلك قَولُه في رِوايَةِ (٣ عُبَيدِ الله٣) بنِ عُمَرَ: ((حَتَّى أحِلَّ من الحَجِ)). وعَبَّرَ عن الإحرَامِ بِالحَجِّ بِسَوقِ الهَديِ؛ لأنه كَانَ مُلَازِمًا لَه في تِلكَ الحَجَّةِ، فَإِنَّه قال لَهم: ((مَن كَانَ مَعَه الهَديُ فَليُهلَّ بِالحَجِّ مَعَ عُمرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ (٤حَتَّى يَحِل٤َّ) منهمَا جَمِيعًا)). كَمَا تَقْدمَ في حَدِيثِ عَائِشَةً. الزَّابِعَةُ: وتَمَسَّك بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا، وهو تَمَسٌُّ قَوِيٌّ، ومَا أدرِي مَا يَقُولُ مَن ذَهَبَ إلى التَّمَتُّع؟ هَل يَقُولُ استَمَرَّ عَلى (١) في حاشية (م): ((كذا في جميع النسخ)). انتهى. وهو في صحيح مسلم (١٢٢٩/١٧٦) عن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وليس مرسلا كما تُوهمه عبارة المصنف. (٢) المبسوط (٣٠/٤)، المغني (٨٦/٥). (٤ - ٤) ليس في: الأصل. (٣ - ٣) فى الأصل: ((ابن عبيد)). بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٣٥ العُمرَةِ خَاصَّةً ولَم يُحرِمِ بِالحَجِّ أصلًا، فَيَكُونُ لَم يَحُجَّ في تِلكَ السَّنَةِ، وهَذَا لَا يَقُولُه أحَدٌ، أو (١) أدخَلَ عَلَيها الحَجَّ فَصَارَ قَارِنًا وصَحَّ مَا قاله هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ لِلِقِرَانِ حَالَتَينِ : إحدَاهمَا: أن يُحرِمَ بِالنُّسُكَيْنِ ابْتِدَاءً . والثَّانِي: أن يُحرِمَ بِالعُمرَةِ ثُمَّ يُدخِلُ عَلَيها الحَجَّ. وقَولُه في رِوايَةِ عُبَيدِ الله (٢) بنِ عُمَرَ: ((حَتَّى أَحَلَّ من الحَجِ))، صَرِيحٌ في أنَّه كَانَ قَارِنًا، وقَولُها: ((من(٣) عُمرَتِك))؛ أي: العُمرَةِ المَضمُومَةِ إلى الحَجِّ، قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم) (٤) (٣٨/٥م): هَذَا دَلِيلٌ لِلمَذهَبِ الصَّحِيحِ المُختَارِ أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ كَانَ قَارِنًا في حَجَّةِ الودَاعِ . الخَامِسَةُ: إن قُلت: مَا مَعنَى قَولِه في رِوايَةِ البخاريِّ وغَيرِهِ: (بِعُمرَةٍ))؟ وكَيفَ(٥) يَلتَئِمُ هَذَا مَعَ قَولِه بَعدَه: ((من عُمَرَتِك)). كَيفَ يُهِلُّ (٦) بِعُمَرَةٍ ويَحِلُّ منها؟ قُلت: الصَّحَابَةُ ﴿ُه حَلُّوا بِعُمَرَةٍ، فَإِنَّهم فَسَخُوا الحَجَّ إِلَيها، فَأَتَوا بِأَعمَالِها وتَحَلَّلُوا منها، ولَولَا ذلك لَاستَمَرُّوا عَلى [١١/٢و] الإحرَامِ حَتَّى يَأْتُوا بِأَعمَالِ الحَجِّ، فَكَانَ إِحرَامُهم بِعُمرَةٍ سَبَبًّا لِسُرعَةِ حِلِّهم، وأمَّا هو عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ فَإِنَّه أدخَلَ العُمرَةَ عَلى الحَجِّ، فَلَم يَفِده الإحرَامُ بِالعُمَرَةِ سُرعَةَ الإِحلَالِ لِبَقَائِهِ عَلى الحَجِّ، فَشَارَكَ الصَّحَابَةَ في الإحرَامِ بِالعُمَرَةِ، وفَارَفَهِم بِبَقَائِهِ عَلى الحَجِّ وفَسخِهم لَه، وهَذَا الذِي ذَكَرته من إدخَالِه العُمرَةَ عَلى الحَجِّ هو المُعتَمَدُ، وعَكَسَ الخَطَّبي ذلك فقال في الكَلَام عَلى هَذَا الحَدِيثِ(٧): هَذَا يُبَيِّنُ لَك أنَّه كَانَت هنَاكَ عُمرَةٌ ولَكِنَّه أدخَلَ عَلَيها الحَجَّ فَصَارَ قَارِنًا. ثُمَّ حَكَى الإِتِّفَاقَ عَلى جَوازٍ إدخَالِ الحَجِّ عَلى العُمرَةِ قَبلَ الطَّوافِ، والخِلَافُ في إدخَالِها عَلى الحَجِّ مَنَعَه مَالِكٌ، (١) في (م): ((و)). (٣) في الأصل: ((من)). (٥) في الأصل: ((فكيف)». (٧) معالم السنن (١٦٩/٢). (٢) ليس في: الأصل. (٤) شرح صحيح مسلم (٢١١/٨، ٢١٢). (٦) في الأصل: (يحل)). ٣٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والشَّافِعِيُّ، وأجَازَه أصحَابُ الرَّأيِ. هَذَا كَلَامُه، ومَن يَمنَعُ إدخَالَ العُمرَةِ عَلى الحَجِّ يُجِيبُ عن هَذَا الحَدِيثِ عَلى مَا قَرَّرتُه أولًا: بِأنَّ هَذَا من خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الحَجَّةِ، فَقد وقَعَت فيها أُمُورٌ غَرِيبَةٌ. واللهُ أعلمُ. السَّادِسَةُ: الذَّاهِبُونَ إلى الإفرَادِ أجَابُوا عن هَذَا الحَدِيثِ بِأجوِيَّةٍ: أحَدُها: أنَّها أرَادَت بِالعُمرَةِ مُطلَقَ الإِحرَامِ، رَوى البَيْهَقِيُّ(١) بِإسنَادِه عن الشَّافِعِيِّ أنَّه قال: فَإِن قِيلَ: فَمَا قَولُ حَفْصَةَ لِلنََِّ: ((مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا ولَم تَحلِل من عُمرَتِك؟)) قِيلَ: أكثَرُ النَّاسِ مَعَ النَّبِيِّ وَ لَم يَكُن مَعَه هَديٌّ، وكَانَت حَفِصَةُ مَعَهم، فَأُمِرُوا أن يَجعَلُوا إِحرَامَهم عُمرَةً ويَحِلُّوا، فقالت: لِمَ تَحَلَّلَ النَّاسُ ولَم تَحلِل من عُمرَتِك؟ يعني: إِحرَامَك الذِي ابتَدَأته وهم بِنَّةٍ واحِدَةٍ. واللهُ أعلَمُ. فقال: (لَبَّدَتِ رَأْسِي وقَلَّدتُ هَدِي، فَلَا أحِلُّ حَتَّى أنحَرَ بُدنِي)) يَعنَي، واللهُ أعلَمُ، حَتَّى يَحِلَّ الحَاجُّ؛ لأن القَضَاءَ نَزَلَ عَلَيه أن يَجعَلَ مَن كَانَ مَعَه هَديٌ إحرَامَه حَجًّا، وهَذَا من سَعَةٍ لِسَانِ العَرَبِ الذِي يَكَادُ يُعرَفُ بِالجَوابِ فيه. انتَهَى كَلَامُه. ثَانِيها: أنَّها أرَادَت بِالعُمرَةِ الحَجَّ؛ لِأنَّهمَا يَشتَرِكَانِ في كَونِهِمَا قَصدًا . ثَالِثُها: أنَّها ظَنَّت (٣٩/٥م) أنَّه مُعتَمِرٌ. رَابِعُها: أنَّ مَعنَى قَولِها: ((من عُمرَتِك))؛ أي: لِعُمرَتِك، بِأن تَفسَخَ حَجَّكَ إلى عُمرَةٍ كَمَا فَعَلَ غَيرُك(٢)، قال النَّووِيُّ في ((شَرح مسلم))(٣)، بَعدَ ذِكرِهِ هَذِه الأجوٍبَةَ: وكُلُّ هَذَا ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ مَا سَبَقَ؛ يَعنِي: القِرَأَنَ. السَّابِعَةُ: إن قُلتَ: إذَا كَانَ الرَّاجِحُ أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا، فَلِمَ رَجَّحَ المَالِكِيَّةُ، والشَّافِعِيَّةُ الإفرَادَ عَلى الْقِرَانِ (٤) وغَيرِهِ؟ قُلتُ: أجَابَ عن ذلك النَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٥): بأنَّ تَرجِيحَ الإفرَادِ لِنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ اختَارَه أولًا، وإنَّمَا أدخَلَ عَلَيه العُمرَةَ لِمَصلَحَةٍ وهيَ (١) معرفة السنن والآثار (٥١٧/٣). (٣) شرح صحيح مسلم (٢١٢/٨). (٥) المجموع (١٥٥/٧). (٢) في الأصل: ((غيره). (٤) في الأصل: ((الإقران)). = بَابُ إفرَادِ الحَجِّ والتَّمَتُّعِ والقِرَانِ ٣٣٧ بَيَانُ جَوازِ الاعتِمَارِ في أشهرِ الحَجِّ، وكَانَت العَرَبُ تَعتَقِدُه من أفجَرِ الفُجُورِ، وقد تَقدمَ ذلك. ا الثامنة: قَولُه: ((إِنِّي لَبَّدتُ رَأْسِيٍ)). بِتَشدِيدِ البَاءِ المُوحَّدَةِ وبِالدَّالِ المُهمَلَةِ؛ أي: شَعرَ رَأسِي، وتَلبيدُ الشَّعرِ: أن يُجعَلَ فيه شَيءٌ من صَمغ أو نَحوِهِ عِندَ الإِحرَامِ؛ [لِيَنضَمَّ الشَّعرُ ويَلتَصِقَ بَعضُه بِبَعضِ احتِرَازًا عن تَعَظُنِهِ (١) وتَقَمُّلِهِ، وإِنَّمَا يَفعَلُ ذلك من يَطُولُ مُكثُه في الإِحرَامِ](٢)، وفي هَذَا الحَدِيثِ استِحِبَابُه، والمَعنَى فيه الإبقَاءُ عَلى الشَّعرِ، وقد نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ وأصحابُه. التَّاسِعَةُ: الهَديُّ، بِإِسكَانِ الدَّالِ وتَخفيفِ اليَاء، وبِكَسرِ الدَّالِ وتَشدِيدٍ اليَاءِ، لُغَتَانِ. وتَقلِيدُه: أن يُعَلِّقَ عَلَيهِ شَيئًا يُعرَفُ بِهِ كَونُه هَديًّا، فَإِن كَانَ من الإبِلِ أوٍ (٣) البَقَرِ استُحِبَّ تَقلِيدُه بِنَعلَينِ من النِّعَالِ التي تُلبَسُ في الرِّجِلَيْنِ في الإحرَامِ، ويُستَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِمَا عِندَ ذَبِحِ الهَديِ، وإن كَانَ من الغَنَمِ استُحِبَّ تَقلِيدُه بِخُرَبٍ (٤) القِرَبِ، بِضَمِّ الخَاءِ المُعجَمَةِ وَفَتَحِ الرَّاءِ، وهيَ: عُرَاها وآذَانُها، وبِالخُيُوطِ المَفْتُولَةِ، ونَحوِها(٥) . وقد اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلى استِحِبَابِ سَوقِ الْهَديِ، وعَلى استِحِبَابِ تَقلِيدِ الإِبِلِ والبَقَرِ، واختَلَفُوا في استِحِبَابِ تَقْلِيدِ الغَنَمِ، فقال بِهِ الشَّافِعِيُّ، والجُمهورُ، وقال مَالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ: لَا يُستَحَبُّ (٦). ■ العَاشِرَةُ: يَجُوزُ في قَولِها: ((ولَم تحِلَّ)، وفي قَولِه: ((فَلا أحِلٌ))، فَتْحُ أولِه وضَمُّه عَلى أنَّ ثُلَائِيٍّ ورُبَاعِيٍّ، وهَمَا لُغَتَانِ فيه، والفَتحُ أوفَقُ لِقَولِها حَلُّوا . (١) في (ح): ((تمعطه)). (٣) في (م): ((و)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٥) ينظر: تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (ص١٧٣). (٤) في (ح): ((بخرت)). (٦) ينظر: الإشراف (١٨٨/٣). ٣٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ (١ بَابُ [١١٢ظ] مَا يَحرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاحُ لَه (٤٠/٥م) الحَدِيثُ الأولُ عن١) سَالِم، عن أبيه، قال: سَأَلَ رَجُلٌ رسولَ اللهِ وَلَّ: مَا يَلْبَسُ المُحرِمُ من الثِّيَابِّ؟ وقال سُفيَانُ مَرَّةً: مَا يَترُكُ المُحرِمُ من الثَِّابِ؟ فقال: ((لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، ولا البُرُنُسَ، ولا السَّرَاوِيلَ، ولا العِمَامَةَ، ولا ثَوبًّا مَسَّه الورسُ ولا الزَّعِفَرَانُ، ولا الخُفَّينِ، إلا لِمَن لا يَجِدُ نَعلَينٍ، فَمَن لَم يَجِد نَعَلَيْنِ فَلَيَلْبَس الخُفَّينِ، ولَيَقطَعهمَا حَتَّى يَكُونَا أسفَلَ من الكَعبَينِ)). لَم يَقُل الشَّيخَانِ: ((مَا يَترُُ)). وعن(٢) نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أنَّ رَجُلًا سَأَلَ رسولَ اللهِ وَلَ: مَا يَلْبَسُ المُحرِمُ من الثِّيَابِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَلبَسُ القُمُصَ، ولا العَمَائِمَ، ولا السَّرَاوِيلاتِ، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفَافَ، إلا أحَدٌ (٤١/٥م) لا يَجِدُ نَعَلَينٍ، فَلَيَلْبَس خُفَّيْنٍ، وليَقطَعهما(٣) أسفَلَ من الكَعَبَينِ، ولا تَلَبَسُوا من الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّه زَعفَرَانٌ ولا ورسٌ )). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأُولى البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبُو دَاوُد، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ، ولَفظُ أبي دَاوُد: ((مَا يَترُكُ المُحرِمُ من (١ - ١) مكانه بياض في: الأصل. (٣) في (م): ((وليقطعها)). (٢) بياض في: الأصل. (٤) البخاري (٥٨٠٦)، ومسلم (٢/١١٧٧)، وأبو داود (١٨٢٣)، والنسائي (٢٦٦٦). = بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلى المُحرِمِ ويُبَاُ لَه ٣٣٩ الثِّيَابِ))، ولَفِظُ البَاقِينَ: ((مَا يَلبَسُ))، وأَبُو دَاوُد قد رَواه عن أحمَدَ، ومُسَدَّدٍ، كِلَاهِمَا عن ابنِ عُيَينَةَ، وقد بَيَّنَ أحمَدُ في ((مُسنَدِه)(١): أنَّ الاختِلَافَ في ذلك من سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ نَفسِه، كَمَا في الأصلِ . وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الشَّيخَانِ، وأَبُو دَاوُد، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٢) من طَرِيقِ مَالِكِ. وأخرَجَ ابنُ مَاجَه(٣) أيضًا منه قَولَه: ((مَن لَم يَجِد نَعلَينِ فَليَلبَس خُفَّينٍ، وليَقطَعهمَا أسفَلَ من الكَعَبَينِ))؛ من طَرِيقِ مَالِكِ عن نَافِعِ، وعَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ . وأخرَجَه البخاريُّ، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختيانِيَّ. وأخرَجَه البخاريُّ(٥) من طَرِيقِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وجُويرِيَةً (٦) بنِ أسمَاءَ. وأخرَجَه مسلمٌ(٧) من طَرِيقِ الضَّخَّاكِ بنِ عُثْمَانَ(٨). وأخرَجَه النسائيُّ(٩) من رِوايَةٍ عُبَيدِ اللهِ(١٠) بنِ عُمَرَ، وعَبدِ (١١) اللهِ بنِ عَوٍ، وعُمَرَ بنِ نَافِعِ كُلُّهم عن نَافِعِ (١٢) . وأخرَجَه أيضًا البخاريُّ، وأبُو دَاوُد، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ (١٣) من طَرِيقٍ الليثِ بنِ سَعدٍ، عن نَافِعٍ، وفيه: ((ولا تَنْتَقِبُ المَرأةُ المُحرِمَةُ، ولا تَلْبَسُ القُفَّزَينِ)» . [وقال البخاريُّ: («تَابَعَه مُوسَى بنُ عُقبَةَ، وإسمَاعِيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ، (١) مسند أحمد (٨/٢)، وهو قوله: وقال سفيان مرة. (٢) البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١/١١٧٧)، وأبو داود (١٨٢٤)، والنسائي (١٦٦٨)، وابن ما جه (٢٩٢٩). (٣) ابن ماجه (٢٩٣٢). (٥) البخاري (١٣٤، ٥٨٠٥). (٤) البخاري (٥٧٩٤)، والنسائي (٢٦٧٥). (٦) في الأصل: ((وجويرة)). ذكره المزي في: تحفة الأشراف (٧٧٠٢)، وقال: لم يذكره إلا خلف الواسطي وحده. (٧) ليس في: الأصل. (٨) (٩) النسائي (٢٦٧٤، ٢٦٧٦، ٢٦٧٧). (١١) في (ح): ((عبيد)) . (١٠) ليس في: الأصل. (١٢) قال في حاشية (م): في نسخة ((مالك)). (١٣) البخاري (١٨٣٨)، وأبو داود (١٨٢٥)، والترمذي (٨٣٣)، والنسائي (٢٦٧٢). ٣٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وجُويرِيَةُ(١)، وابنُ(٢) إسحَاقَ في: النِّقَابِ(٣) والقُفَّازَينِ] (٤). وقال عُبَيدُ الله: ((ولا ورسَ)). وكَانَ يَقُولُ: ((لا تَنْتَقِبُ المُحرِمَةُ ولا تَلبَسُ (٤٢/٥م) القُفَّازَينِ)». وقال مَالِكٌ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((لا تَنتَقِبُ المُحرِمَةُ)). وتَابَعَه لَيثُ بنُ أبي سُلَيمٍ. انتَھَی. وقال أَبُو دَاوُد: وقد رَوى هَذَا الحَدِيثَ حَاتِمُ بنُ إسمَاعِيلَ، ويَحيَى بنُ أيُّوبَ، عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعِ عَلى مَا قال الليثُ، ورَواه مُوسَى بنُ طَارِقٍ، عن مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، مَوقُوفًا عَلى ابنِ عُمَرَ. وكذلك رَواه عُبَيدُ الله بنُ عُمَرَ، ومَالِكٌ، وأيُّوبُ مَوقُوفًا(٥). وإبراهيمُ بنُ سَعِيدِ المَدَنِيُّ(٦)، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِّ وََّ: ((المُحرِمَةُ لا تَنتَقِبُ ولا تَلبَسُ القُفَّزَينِ)). قال أَبُو دَاوُد: إبراهيمُ بنُ سَعِيدِ المَدَنِيُّ (٧)؛ شَيخٌ من أهلِ المَدِينَةِ لَيْسَ لَه كَبِيرُ (٨) حَدِيثٍ. ثُمَّ رَوى أبُو دَاوُدَ(٩) رِوايَةَ إبرَاهِيمَ هَذِهِ، ثُمَّ رَوى أَبُو دَاوُدَ أيضًا من طَرِيقِ ابنِ إسحَاقَ، قال: فَإِنَّ نَافِعًا مَولى عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي عن عَبدِ الله بنِ عُمَرَ؛ أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ وَّهِ: (نَهَى النِّسَاءَ في إحرَامِهِنَّ عن القُفَّزَينِ والنِّقَابِ، ومَا مَسَّ الورسَ والزَّعفَرَانَ من الثِّيَابِ، ولتَلبَس بَعدَ ذلك مَا أحَبَّت من ألوانِ التِّيَابِ مُعَصفَرًا، أو خَزَّا، أو حُلِيًّا، أو سَرَاوِيلَ، أو قَمِيصًا))(١٠) وفي بَعضٍ نُسَخِه: ((أو خُفَّا ذَهَبًا)). ورَواه الحَاكِمُ في (مُستَدرَكِه))(١١) بِلَفِظِ: ((أو خُفِّ)). وقال: صَحِيحٌ عَلى شَرطِ مسلمٍ . (١) في: (ح): ((جويرة)). (٢) في: (م): ((وأبو)). (٣) في: (ح): ((الثقات)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. في: الأصل: ((مرفوعًا)). والصواب المثبت. (٥) (٦) في: الأصل، (ح): ((المديني)). قال في همع الهوامع (٤٠٠/٣): فرقوا بين المنسوب إلى المدينة النبوية وبين المنسوب إلى مدينة المنصور؛ فقالوا في الأول: مدني. وفي الثاني: مديني. (٧) في: الأصل، (ح): ((المديني)). (٨) في: (م): ((كثير)). والمثبت موافق للمصادر. (٩) أبو داود (١٨٢٦). (١١) المستدرك (٤٨٦/١). (١٠) أبو داود (١٨٢٧).