النص المفهرس
صفحات 261-280
بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٦١ = طَرِيقِ يُونُسَ بِنِ يَزِيدَ. ومن طَرِيقِ عُقَيلٍ بِنِ خَالِدٍ، ثَلاثَتُهُم عَنِ الزُّهرِيِّ. الثَّانِيَةُ: قَالَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(١): هَذَا الحَدِيثُ من (١٨٠/٤م) مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ عَائِشَةَ رِّنَا لَم تُدَرِكِ هَذَّهِ القضيةَ(٢)، فَتَكُونُ سَمِعَتها من النَّبِّ ◌ََّ أو من صَحَابِيٍّ، ومُرسَلُ الصَّحَابِيِّ [٣١٧/١و] حُجَّةٌ عِندَ جَمِيعِ العُلَمَاءِ، إلا مَا انْفَرَدَ به الأستَاذُ أبُو إسحَاقَ الإسفَراينِيّ(٣). قُلتُ: إِنَّمَا أرسَلَت عَائِشَةَ رِثُهَا صَدرَ الحَدِيثِ، ثُمَّ صَرَّحَت بِرِوايَةِ بَاقِهِ، وهو أكثَرُهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ بِقَولِها: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((فَقُلت: مَا أَنَا بِقَارِئٍ)). فَإِن قُلتَ: قَد عَادَت إلَى الإرسَالِ من قَولِها: ((فَرَجَعَ بِها تَرجُفُ بَوادِرُهُ)). قُلت: بَل هِيَ مُستَمِرَّةٌ على الرَّفع، فَإِنَّ لَفظَ الحَدِيثِ: قَالَ: ((فَرَجَعَ بِها)). فَلا يُمكِنُ أن يَكُونَ فَاعِلُ قَالَ ضَمِيرًا يَعُودُ على عَائِشَةَ، إذ لَو كَانَ كَذَلِكَ لأَنَّثَهُ، وإِنَّمَا هُو عَائِدٌ على النَّبِّ وََّ، وأتَى به بِلَفِظِ الغَائِبِ، كَقَولِ القَائِلِ: قَالَ زَيدٌ إِنَّهُ فَعَلَ كَذَا وكَذَا. واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: فيهِ أنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وحِيٍّ، وَكَذَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ تَلا قَوله تَعَالَى: ﴿إِّ أَرَبِى فِىِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، والوحيُّ في كَلامِ العَرَبِ يَنْطَلِقُ على الكِتَابِ، والإشَارَةِ، والكِتَابَةِ، والرِّسَالَةِ، والإلهام، والكَلامِ الخَفي، وكُلِّ مَا ألقَيته إلَى غَيرِك: ذَكَرَهُ الجَوهَرِيُّ وغَيرُهُ(٤)، وقَالَ في ((المَشَارِقِ))(٥) : أصلُهُ الإعلامُ في خَفَاءٍ وسُرعَةٍ، ثُمَّ هُو في حَقِّ الأنبِيَاءِ على ضُرُوبٍ؛ فَمنهُ سَمَاعُ الكَلامِ القَدِيمِ، ووحيُّ رِسَالَةٍ بِواسِطَةِ مَلَكِ، ووحيٌّ يُلقَى (٦) بِالقَلبِ، والوحِيُّ إِلَى غَيرِ الأنبِيَاءِ (٤/ ١٨١م)، بِمَعنَى الإلهامِ، كَالوحيٍ إِلَى النَّحلِ، وبِمَعنَى الإشَارَةِ: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِحُواْ بَكْرَةً وَعَشِيًّا (٨)﴾ [مريم: ١١]. وقِيلَ في هَذَا: إنَّهُ كَتَبَ، وبِمَعنَى الأمرِ كَقَولِهِ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِِّنَ﴾ [المائدة: ١١١]. قِيلَ: أَمَرتهم. وقِيلَ: ألهَمتهم. انتَهَى. (١) شرح صحيح مسلم (٢/ ١٩٧). (٢) في (م): ((القصة)). (٣) في (م): ((الاسفراييني)). (٤) الصحاح (٢٥٢٠/٦)، ولسان العرب (٣٧٩/١٥). (٥) مشارق الأنوار (٢٨٢/٢). (٦) في (ك): ((يلق)). ٢٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقَد جَمَعَ الله لِنَبِّهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منهُ مَرَاتِبَ عَدِيدَةً؛ جَمَعَها السُّهَيلِيُّ في ((الرَّوضِ الأَثْفِ)) (١) سَبعَةً: أحَدُها: الرُّؤْيَا كَمَا ذَكَرته. الثَّانِي: أن يَنْفُثَ في رَوعِهِ الكَلامَ نَفْئًا، كَمَا قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ رَوَحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفسًا لَن تَمُوتَ حَتَّى تَستَكمِلَ رِزقَها، فَاتَّقُوا اللهَ وأجمِلُوا في الطَّلَبِ))(٢). وقَالَ مُجَاهِدٌ وأكثَرُ المُفَسِّرِينَ في قَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]: هُو أن يَنْفُثَ فِي رُوعِهِ بِالوحيٍ. الثَّالِثُ: أن يَأْتِيَهُ الوحيُّ في مِثْلِ صَلصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أشَدُّهُ عَلَيهِ، وقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ لِيستجمِع(٣) قَلبه عِندَ تِلكَ الصَّلصَلَةِ، فَيَكُونُ أوعَى لِمَا يَسمَعُ. الرَّابِعُ: أَن يَتَمَثَّلَ لَهُ المَلَكُ رَجُلاً، فَقَد كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ دِحِيَةَ بنِ خَلِيفَةَ. الخَامِسُ: أن يَتَرَاءَى لَهُ جِبرِيلُ في صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ الله فيها؛ لَهُ سِتُمِائَةٍ جَنَاحٍ. السَّادِسُ: أن يُكَلِّمَهُ الله تَعَالَى من ورَاءِ حِجَابٍ، إمَّا في اليَقِظَةِ كَمَا في لَيلَةِ الإسرَاءِ، وإمَّا في النَّومِ كَمَا قَالَ في حَدِيثِ مُعَاذٍ الَّذِي رَواهُ التِّرمِذِيُّ (٤): ((أَتَانِي رَبِّي في أحسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: فيمَ يَختَصِمُ المَلأ (٤/ ١٨٢م) الأعلَى)). الحَدِيثَ. السَّابِعُ: نُزُولُ إسرَافيلَ عَلَّا بِكَلِمَاتٍ من الوحي قَبلَ جِبرِيلَ، فَقَد ثَبَتَ بِالْطُرُقِ الصِّحَاحِ (٥) عَن عَامِرِ الشَّعِبِيِّ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ لَهُ وُكِّلَ به إسرَافيلُ، فَكَانَ يَتَرَاءَى لَهُ ثَلاثَ سِنِينَ، ويَأْتِيهِ بِالكَلِمَةِ من الوحيٍ والشَّيءٍ، ثُمَّ وُكِّلَ به جِبرِيلُ، فَجَاءَهُ بِالقُرآنِ والوحيٍ)). قَالَ السُّهَيَلِيُّ: فَهَذِهِ سَبعُ صُورٍ في كَيفيةِ نُزُولِ الوحي على مُحَمَّدٍ وَ لَم أَرَ (١) الروض الأنف (٤٠١/١). (٢) ابن أبي شيبة (٢٢٧/١٣)، والحاكم (٤/٢). (٣) في (م): ((لمجتمع)). (٤) الترمذي (٣٢٣٣). (٥) أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير (١٦٩/٣ - ١٧٠). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٦ أَحَدًا جَمَعَها كَهَذَا الجَمعِ. انتَهَى. وقَد جَمَعَها الإمَامُ شَمسُ الدِّينِ بنُ قَيِّم الجَوزِيَّةِ في ((الهَدِي النَّبَوِيِّ»(١)، وكَأَنَّهُ أخَذَها من السُّهَيلِيِّ، إلا أنَّهُ لَم يَذْكُر هَذَا السَّابِعَ، وغَايَرَ بَيْنَ أمرَينِ مِمَّا تَقَدَّمَ هُمَا واحِدٌ، فَجَاءَت سَبعَةٌ مَعَ إسقَاطِهِ، فَقَالَ: السَّادِسَةُ: مَا أوحَاهُ إلَيهِ وهو فَوقَ السَّمَواتِ لَيلَةَ المِعرَاجِ من فَرضِ الصَّلاةِ وغَيرِها . السَّابِعَةُ: كَلامُ اللهِ سُبحَانَهُ لَهُ منهُ بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ، كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بِنَ عِمرَانَ، وهَذِهِ المَرتَّبَةُ ثَابِتَةٌ لِمُوسَى قَطعًا بِنَصِّ القُرآنِ، وتُبُوتُها لِنَبِّنَا عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هُو في حَدِيثِ الإسرَاءِ انتَهَى. فَإِن أَرَادَ مَا أوحَاهُ إلَيهِ جِبْرِيلُ عَهُ فَهُو دَاخِلٌ فيمَا تَقَدَّمَ؛ لأنَّهُ إمّا أن يَكُونَ جِبرِيلُ في تِلكَ الحَالَةِ على صُورَتِهِ الأصلِيَّةِ أو على صُورَةِ الآدَمِيِّ، [٣١٧/١ظ] وكِلاهُمَا قَد تَقَدَّمَ ذِكرُهُ، وإن أرَادَ وحِيَ اللهِ بِلا واسِطَةٍ، وهو الظَّاهِرُ، فَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي بَعدَها، كَمَا قَدَّمته. ثُمَّ قَالَ: وقد (٢) زَادَ بَعضُهُم مَرتَبَةً ثَامنةً: وهِيَ تَكلِيمُ اللهِ لَهُ كِفَاحًا بِغَيرٍ حِجَابٍ، وهَذَا على مَذهَبٍ مَن يَقُولُ إِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأَى رَبَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى، وهِيَ مَسألَةُ خِلافِ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وإِن كَانَ جُمُهُورُ الصَّحَابَةِ؛ بَل كُلُّهُم مَعَ عَائِشَةَ رِثُهَا، كَمَا حَكَاهُ عُثمَانُ بنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ إجمَاعًا لِلصَّحَابَةِ. انتَھَی . ويُحتَمَلُ أنَّ ابنَ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ أرَادَ بِالمَرتَبَةِ السَّادِسَةِ وَحَيَ جِبرِيلَ عَلِ، وغَايَرَ بَينَهُ وبَينَ مَا قَبلَهُ بِاعتِبَارِ مَحَلِّ الإِيحَاءِ؛ أي: كَونِهِ كَانَ فَوقَ السَّمَواتِ، بِخِلافٍ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ كَانَ في الأرضِ، ولا يُقَالُ: يَلزَمُ عَلَيهِ أن تَتَعَدَّدَ أقْسَامُ الوحيٍ بِاعتِبَارِ البُقْعَةِ الَّتِي جَاءَ فيها جِبِرِيلُ إلَى النَّبِيِّ عَلَيهِمَا الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو غَيرُ مُمكِنٍ؟ (١) زاد المعاد (٧٨ - ٨٠). (٢) من: (الأصل). وهو موافق للمصدر. ٢٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ لأنَّا نَقُولُ: غَايَرَ الوحيُّ الحَاصِلُ في السَّمَاءِ غَيْرَهُ؛ بِاعتِبَارِ مَا فِي رُؤيَةِ تِلكَ المَشَاهِدِ من الغَيبِ، فَهُو نَوعٌ غَيرُ الأرضِ على اختِلافِ بِقَاعِها، وفيهِ نَظَرٌّ. والله أعلمُ. واعلَم أنَّ الرُّؤْيَا إن كَانَت لِنَبِيِّ فَهِيَ وحيٌّ، وإن كَانَت لِغَيرِهِ فَلَيسَت وحَيًّا، وأمَّا قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّهُ لَم يَبقَ من مُبَشِّرَاتِ النُّبُوةِ إلا الرُّؤْيَا (٤/ ١٨٣م) الصَّالِحَةُ)) (١)؛ فَإِنَّهُ سَمَّى مَا يَقَعُ لِغَيرِ الأنبِيَاءِ من الرُّؤْيَا مُبَشِّرَاتِ النُّبُوةِ على طَرِيقِ التَّشِيهِ، فَإِنَّها لَيسَت من النُّبُورةِ، لَكِنَّها تُشِهُها في صُورَتِها وصِحَّتِها . فَإِن قُلتَ: قَد بَقِيَ ممَّا (٢) يُشبِهُ وحِيَ النُّبُوةِ ولَيسَ منها: الإلقَاءُ في الرَّوعِ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَالَ: ((كَانَ فيمَا مَضَى من الأمَم مُحَدَّثُونَ من غَيرٍ أن يَكُونُوا أنبِيَاءَ، فَإِن يَكُنْ فِي هَذِهِ الأَمَّةِ أحَدٌ فَعُمَرُ) (٣)، فَكَيفَ حَصَرَ النَّبِيُّ وَّ ذَلِكَ في الرُّؤْيَا؟ قُلتُ: الرُّؤْيَا عَامَّةٌ في حَقِّ كُلِّ مُسلِمٍ، لا تَختَصُّ بِأهلِ الوِلايَةِ، ثُمَّ إِنَّ لَها تَأْوِيلًا(٤) وحُكمًا يُرجَعُ فيهِ إلَى أهلِ العِلمِ به، ويُوقَفُ عِندَمَا يَقُولُونَ فِيهِ، بِخِلافٍ الإلقَاءِ في الرَّوعِ، فَإِنَّهُ مَخصُوصٌ بِخَواصِّ أهلِ الوِلايَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَيسَ على صِخَّتِهِ دَلِيلٌ، ولا يَرجِعُ إِلَى قَاعِدَةٍ، ولَيْسَ لَهُ أهلُ عِلمِ يُرجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَيْهِم، فَاسْتِفَادَةُ المُغَيِّبَاتِ منه (٥) عَزِيزَةٌ بِخِلَافِ الرُّؤْيَا كَمَا قَدَّمته. واللهُ أعلمُ. الرَّابِعَةُ: قَولُها: ((من الوحي): ذَكَرَ أبُو عَبدِ اللهِ القَزَّازُ(٦) أنَّ ((من)) هُنَا لِبَيَانِ الجِنسِ، كَأنَّهُ قَالَ من جِنسِ الوحيٍ، وَلَيسَت من الوحيٍ، فَتَكُونُ ((من)) (١) مسلم (٢٠٧/٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦)، والنسائي (١٠٤٤)، وابن ماجه (٣٨٩٩) عن ابن عباس. (٢) في (ك)، (م): ((ما)). (٣) البخاري (٣٤٦٩)، ومسلم (٢٣/٢٣٩٨) عن أبي هريرة. (٤) في (م): ((تأويلان». (٥) ليست في (م). (٦) هو: محمد بن جعفر القزاز، القيرواني، أبو عبد الله التميمي، النحوي، شيخ اللغة في المغرب، كان إماما علامة، قيمًا بعلوم العربية، له تصانيف نفيسة، توفي سنة اثنتا عشرة وأربع مائة بالقيروان. السير (٣٢٦/١٧)، إنباه الرواة (٨٤/٣)، بغية الوعاه (٧١/١). = ٢٦٥ بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ لِلتَّبَعِيضِ، ولذلك قَالَ: ((في النَّوم)) ورُؤْيَا الأنبِيَاءِ في الصِّحَّةِ كَالوحي، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (١): قَد جَاءَ الحَدِيثُ أَنَّها جُزءٌ من أجزَاءِ النُّبُوةِ، فَلا يَبعُدُ أن تَكُونَ من لِلتَّبِعِيضِ. قُلتُ: ويُمكِنُ أن تَكُونَ(٢) لِبَيَانِ الجِنسِ، مَعَ الجَزمِ بِأنَّ الرُّؤْيَا وحيٌّ. الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((الصَّادِقَةُ)) كَذَا في رِوايَةِ المُصَنِّفِ، وفي (٣) رِوايَةِ مُسلِم هُنَا، والبُخَارِيِّ في التَّفسِيرِ والتَّعبِيرِ (٤)، وفي رِوايَتِهِ هُنَا: ((الصَّالِحَةُ)) وهُمَا بِمَعَنَّى، قَالَ أهلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ: رَأى في مَنَامِهِ رُؤْيَا بِلا تَنِينٍ، على وزنِ فُعَلَى كَحُبَلَى، وجَمعُها رُؤَّى بِالتَّنِينِ، على وزنِ رُغَی. السَّادِسَةُ: المَشْهُورُ استِعِمَالُ الرُّؤْيَا في الحُلمِيَّةِ خَاصَّةً، فَقَولُهُ: ((في الثَّومِ)) تَأكِيدٌ، لَكِنَّها قَد تُستَعمَلُ مَصدَرًا لِرَأى مُطلَقًا، ولَو كَانَت في اليَقِظَةِ، فَالتَّقِدُ حِينَئِذٍ بِقَولِهِ: ((في الثَّومِ» لا بُدَّ منهُ. ■ السَّابِعَةُ: ((فَلَقُ الصُّبحِ)): بِفَتحِ الفَاءِ واللامِ، وآخِرُهُ قَافٌ: ضِيَاؤُهُ، ويُقَالُ: فَرَقُ الصُّبح أيضًا، وإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا في الشَّيءِ الواضِحِ البَيِّنِ. الثَّامنةُ: ذَكَرَ بَعضُهُم أنَّ مُدَّةَ الوحِي إِلَى النَّبِّ وََّ بِالرُّؤْيَا قَبلَ الوحي إِلَيهِ لِمَجِيءِ المَلَكِ إلَيهِ (٥) سِتَّةُ أشهُرٍ، وجَعَلَ هَذَا تَوجِيهًا لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ الرُّؤْيَا جُزءٌ من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزءًا من النُّبُوةِ)) (٦)؛ لأنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعدَ النُّبُوةِ ثَلاثٌ وعِشرُونَ سَنَةً، فَنِصِفُ سَنَّةٍ هِيَ جُزءٌ من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزءًا، وهَذَا (١٨٤/٤م) مُحتَمَلٌ. التَّاسِعَةُ: قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُهُ(٧): إنَّمَا أبتُدِىَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالرُّؤْيَا، لِئَلا يَفْجَأهُ المَلَكُ ويَأْتِيَهُ صَرِيحُ النُّبُوةِ بَغتَةً، فَلا تَحتَمِلُها قُوى (١) إكمال المعلم (٤٧٩/١). (٢) في (م): ((يكون)). (٣) ليست في (الأصل). (٤) تقدم تخريجه في الفائدة الأولى. (٥) ليست في (الأصل). (٦) البخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٧/٢٢٦٤) عن أنس. (٧) إكمال المعلم (٤٧٩/١)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٩٨/٢). كم ٢٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ البَشَرِيَّةِ، فَبُدِئَ بِأوائِلِ خِصَالِ النُّبُوةِ وتَبَاشِيرِ الكَرَامَةِ [٣١٨/١و] من صِدقِ الرُّؤْيَا، ومَا جَاءَ في الحَدِيثِ الآخَرِ من رُؤيَةِ الضَّوءِ وسَمَاعِ الصَّوتِ وَسَلامِ الحَجَرِ والشَّجَرِ عَلَيهِ بِالنُّبُوةِ (١). العَاشِرَةُ: جَاءَ في حَدِيثٍ: ((أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أَنزِلَ عَلَيْهِ صَدرُ سُورَةِ اقْرَأْ في النَّومِ)). رَواهُ البَيهَقِيُّ في ((دَلائِلِ النُّبُوةِ))(٢) من طَرِيقِ ابنِ إسحاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبدُ المَلِكِ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ أبِي سُفْيَانَ بنِ العَلاءِ بنِ جَارِيَةَ الثَّقَفي، وكَانَ واعِيَهُ، عَن بَعضِ أهلِ العِلم، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّه يَخرُجُ إلَى حِرَاءَ في كُلِّ عَامِ (شَهرًا من السَّنَةِ)(٣) يَنسُكُ فيهِ)). الحَدِيثُ، وفيهِ: ((حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهِرُ الَّذِيَ أرَادَ الله تَعَالَى به (٤) مَا أرَادَ من كَرَامَتِهِ من السَّنَةِ الَّتِي بُعِثَ فيها، وَذَلِكَ الشَّهرُ رَمَضَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ لِهِ كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوارِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُ بِأهلِهِ، حَتَّى إذَا كَانَت (٥) اللَّيلَةُ الَّتِي أكرَمَهُ الله تَعَالَى فيها بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ العِبَادَ به، جَاءَهُ جِبِرِيلُ عَلَّ بِأمرِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ بَله: ((فَجَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَقَالَ: ((اقرَأ)). فَقُلت: (و(٦) مَا أَقرَأُ؟». فَغَتَّنِ، حَتَّى ظَنَنت أنَّهُ المَوتُ، ثُمَّ كَشَفَهُ عَنِّ، فَقَالَ: ((اقرَأ)). فَقُلت: ((ومَا أَقْرَأ؟)) فَعَادَ لِي بِمِثْلٍ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ((اقرَأْ)) فَقُلتُ: ((ومَا أَقرَأ؟)) ومَا أَقُولُها إلا تَنَخِّيَّا أن يَعُودَ لِي بِمِثِلِ الَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: ﴿أَقْرَأْ بِأُسْمِ رَيِّكَ الَّذِى ◌َلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ٢ أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمَ @﴾ [العلق: ١ - ٥] ثُمَّ انتَهَى، فَانصَرَفَ عَنِّي، وهَبَبتُ من نَومِي، كَأَنَّمَا صُوِّرَ فِي قَلْبِي كِتَابًا)) .. الحَدِيثَ. فَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ هَذَا هُو الإنزَالُ المَذكُورُ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وتَكُونَ هَذِهِ الرِّوايَةُ شَاذَّةً لِمُخَالَفَتِها لِلرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فيها أنَّ إنزَالَ ذَلِكَ كان(٧) في اليَقِظَةِ . (١) أخرجه مسلم (٢/٢٢٧٧)، وينظر: دلائل النبوة للبيهقي (٥/٦). (٢) دلائل النبوة (١٤٦/٢ - ١٤٧). (٣) في (م): ((من السنة شهراً)). (٤) ليست في (الأصل). (٥) في (الأصل): ((كان)). ليست في (الأصل). (٦) (٧) من (الأصل). = ٢٦٧ بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ويُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا إنزَالٌ مُتَقَدِّمٌ على نُزُولِها عَلَيهِ فِي الْيَقِظَةِ، فَتَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ الواحِدَةُ فِي النَّومِ، ثُمَّ(١) الأخرَى فِي الْيَقِظَةِ. واللهُ أعلمُ. الحَادِيَةَ عَشرَ: الخَلاءُ، بِفَتحِ الخَاءِ والمَدِّ: الخَلوةُ. قَالَهُ النَّوِيُّ(٢)، ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ به المَكَانُ الخَالِي الَّذِي لَيسَ فيهِ أحَدٌ، والمَعنَيَانِ مُتَقَارِبَانٍ، لَكِنَّهُمَا مُتَغَايِرَانٍ، قَالَ الخَطَّابِيُّ(٣): حُبِّبَت العُزْلَةُ إِلَيهِ؛ لأنَّ مَعَها فَرَاغَ القَلبِ، وهِيَ مُعِينَةٌ على التَّفَكُّرِ(٤)، وبِها يَنقَطِعُ عَن مَأْلُوفَاتِ البَشَرِ، ويَتَخَشَعُ(٥) قَلبُهُ، وقَالَ بَعضُهُم: المَواهِبُ الرَّبَّانِيَّةُ تَكُونُ مَعَ العُزلَةِ، ثُمَّ تَلا قَوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَعْتََّهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٩]، وقَالَ النَّووِيُّ(٦): هُو شَأْنُ الصَّالِحِينَ وعِبَادُ اللهِ العَارِفِينَ. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: حِرَاءُ بِكُسرِ الحَاءِ(٧) المُهمَلَةِ، وتَخفيفِ الرَّاءِ، وبِالمَدِّ، وهو مَصرُوفٌ مُذَكَّرٌ على الصَّحِيحِ المَشهُورِ، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ(٨): فِيهِ لُغَتَانِ، التَّذكِيرُ والتَّأْنِيثُ، والتَّذكِيرُ أكثَرُ، فَمَن ذَكَّرَهُ صَرَفَهُ، ومَن أَنَّثَهُ لَم يَصرِفهُ، أرَادَ الْبُقْعَةَ أو الجِهَةَ الَّتِي فيها الجَبَلُ. قَالَ القَاضِي: وقَالَ بَعضُهُم فيهِ: حَرَى، بِفَتحِ الحَاءِ والقَصرِ، وهَذَا لَيسَ بِشَيءٍ، قَالَ أبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ والخَطَّابِيُّ وغَيرُهُمَا (٩): أصحَابُ الحَدِيثِ والعَوامِّ يُخْطِئُونَ فِي حِرَاءَ فِي ثَلاثَةِ مَواضِعَ، يَفتَحُونَ الحَاءَ وهِيَ مَكْسُورَةٌ، ويَكْسِرُونَ الرَّاءَ وهِيَ مَفتُوحَةٌ، ويَقِصُرُونَ الألِفَ وهِيَ مَمْدُودَةٌ. وحِرَاءُ جَبَلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ ثَلاثَةُ أمَيَالٍ عَن يَسَارِ الذَّاهِبِ من مَكَّةَ إِلَى منى، وفي هَذَا الحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُ. ■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: ((الثَّحَنُّثُ))، بِالحَاءِ المُهمَلَةِ، والنُّونِ، والنَّاءِ المُثَلَّثَةِ، فَسَّرَهُ في الحَدِيثِ بِأَنَّهُ التَّعَبُّدُ، وهو كَذَلِكَ، وأصلُ الحِنثِ: الإثمُ، فَمَعنَى (١) في (الأصل): (و)). (٣) أعلام الحديث (١/ ١٢٧). (٥) في (الأصل): ((يتشجع)). (٧) ليست في (الأصل). (٩) معالم السنن (٣٠٦/٤). (٢) شرح صحيح مسلم (١٩٨/٢). (٤) في (الأصل): (التكفر)). (٦) شرح صحيح مسلم (١٩٨/٢). (٨) إكمال المعلم (١/ ٤٨٠). = ٢٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَتَحَنَّثُ: يَتَجَنَّبُ(١) الحِنثَ، فَكَأنَّهُ بِعِبَادَتِهِ يَمنَعُ نَفسَهُ من الإثم، ومِثْلُهُ: يَتَحَرَّجُ: يَتَجَنَّبُ الحَرَجَ، ويَتَأَثَّمُ: يَتَجَنَّبُ الإثمَ. وقَولُهُ: ((اللَّيَالِيَ ذَواتِ العَدَدِ)) يَتَعَلَّقُ(٢) بِقَولِهِ: ((يَتَحَنَّثُ)) ظَرفٌ لَهُ؛ أي: يَتَحَنَّثُ اللَّيَالِيَ، ولا يَصِحُّ أن يَتَعَلَّقَ بِالنَّعَبُّدِ، فَإِنَّهُ يَلزَمُ عَلَيهِ تَقِيدُ [٣١٨/١ظ] التَّحَنُّثِ بِكَونِهِ تَعَبُّدًا لَيَالِيَ ذَواتِ عَدَدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل هُو التَّعَبُّدُ وإن قَلَّ، وهَذَا التَّفْسِيرُ اعتَرَضَ في أثْنَاءِ كَلام عَائِشَةَ، وأصلُهُ: فَيَتَحَنَّثُ فيهِ اللََّالِيَ ذَواتِ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ من ((دَلائِلِ النُّبُوةِ) لِلْبَيْهَقِيِّ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلهَ يَخْرُجُ إلَى حِرَاءَ في كُلِّ عَامِ شَهرًا من السَّنَّةِ يَنسُكُ فِيهِ)). وكَذَا رَوى ابنُ إسحَاقَ(٣) من رِوايَةِ عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ مُرَسَلًا: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَهَ يُجَاوِرُ في حِرَاءَ من (٤) كُلِّ سَنَةٍ شَهرًا))، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٥) من حَدِيثٍ جَابِرٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((جَاورت بِجِرَاءَ شَهرًا، فَلَمَّا قَضَيتِ جِوارِي نَزَلت))، وذَكَرَ (٦) الحَدِيثَ، فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ تِلكَ اللَّيَالِيَ كَانَت شَهرًا . الرَّابِعَةَ عَشرَةَ: فيهِ أنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَانَ يَتَعَبَّدُ قَبلَ النُّبُوةِ، وليت شِعرِي كَيفَ تِلكَ العِبَادَةُ؟ وأيُّ أنواعِها هِيَ؟ وعلى أيِّ وجهٍ فَعَلَها؟. يَحْتَاجُ ذَلِكَ لِنَقْلٍ، ولا أستَحضِرُهُ الآنَ(٧). وهَل كَانَ مُكَلَّفَا قَبلَ النُّبُوةِ بِشَرِيعَةِ (١٨٦/٤م) أحَدٍ من الأنِيَاءِ المُتَقَدِّمِينَ، أم لا، وإنَّمَا كَانَ يَتَعَبَّدُ على سَبِيلِ التَّبَرُّع؟ هَذِهِ مَسألَةُ خِلافٍ في الأصُولِ، رَجَّحَ القَاضِي أَبُو بَكرِ البَاقِلانِيُّ المَنعَ من ذَلِكَ، وعَزَاهُ لِجُمُهُورِ المُتَكَلِّمِينَ، ورَجَّحَ ابنُ الحَاجِبِ وغَيرُهُ تَكلِيفَهُ بِشَرعِ مَن قَبلَهُ، وَتَوقَّفَ فِي ذَلِكَ إِمَامُ الحَرَمَينِ، والغَزَالِيُّ، والآمِدِيُّ. (١) في (الأصل): (يجتنب)). (٢) في (ك): ((متعلق)). (٣) سيرة ابن هشام (٢٣٦/١). (٤) في (الأصل): ((في)). (٥) البخاري (٤٩٢٢)، ومسلم (١٦١/ ٢٥٧). (٦) في (الأصل): ((فذكر)). (٧) ينظر لذلك: التوضيح لابن الملقن (٢٥٤/٢ - ٢٥٦) = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجاورَةِ ٢٦٩ وحَيثُ قُلنَا بِتَكلِيفِهِ بِشَرع مَن قَبلَهُ، فَقِيلَ: هُو آدَم. وقِيلَ: نُوحٌ. وقِيلَ: إبرَاهِيمُ. وقِيلَ: مُوسَى. وقِيلَ: عِيسَى. وقِيلَ: جَمِيعُ الشَّرَائِعِ شَرِعٌ لَهُ. وغُلِّطَ هَذَا القَولُ، فَإِنَّ شَرَائِعَهُم تَخْتَلِفُ في الفُرُوعِ، فَلَو كُلِّفَ بِجَمِيعِها لَزِمَ أن يُخَاطَبَ في الفِعلِ الواحِدِ بِأمرَينِ مُتَنَافيينٍ، وهو بَاطِلٌ! فَلَعَلَّ مُرَادَ هَذَا القَائِلِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، فَيَعمَلُ بِأَيُّهَا شَاءَ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (١): ولا خِلَافَ بَينَ أهلٍ التَّحقِيقِ أنَّهُ قَبَلَ نُبُوتِهِ عَلَّ وسَائِرِ الأنْبِيَاءِ، مُنشَرِحُ الصَّدرِ بِالتَّوحِيدِ والإِيمَانِ بِاللهِ، لا يَلِيقُ به الكُفرُ، ولا الشَّكُّ فِي شَيءٍ من ذَلِكَ، ولا الجَهلُ به، ولا خِلَافَ في عِصمَتِهِم من(٢) ذَلِكَ، خِلافًا لِمَن جَوزَهُ. انتَهَى. الخَامِسَةَ عَشرَ: قَالَ بَعضُهُم: تَزَوُّدُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِي تَحَنُّثِهِ - يَرُدُّ قَولَ الصُّوفيةِ: إنَّ مَن أخلَصَ الله وَكَ أَنزَلَ اللهُ عَلَيْهِ طَعَامًا . والنَّبِيُّ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَانَ أولَى بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ؛ لأنَّهُ أفضَلُ البَشَرِ، وكَانَ يَتَزَودُ. السَّادِسَةَ عَشرَ: قَولُها: ((ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ))، هِيَ بِنتُ خُويلِدِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابٍ، زَوجُ النَّبِيِّ وََّ، تَزَوجَها وهو ابنُ خَمسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وهِيَ أمُّ أولادِهِ كُلِّهِم، إلا إبرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ من مَارِيَّةً، وهِيَ(٣) أولُ أزواجِهِ، ولَم يَتَزَوجِ غَيرَها في حَيَاتِها، وأقَّامَت مَعَهُ أربعًا وعِشرِينَ سَنَةً وأشهُرًا، ثُمَّ تُوُفيت قَبلَ الهِجَرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ على الصَّحِيحِ المَشهُورِ بَعدَ وفَاةِ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامِ، وهِيَ أفضَلُ أمَّهاتِ المُؤمنينَ على الصَّحِيحِ المُختَارِ، وقِيلَ: عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْهُنَّ أجمَعِينَ، والمُرَادُ بِرُجُوعِهِ إلَى خَدِيجَةَ الرُّجُوعُ إِلَى مَنْزِلِهِ. السَّابِعَةَ عَشرَ: الضَّمِيرُ فِي قَولِها: ((فَيَتَزَودُ لِمِثلِها»، يَعُودُ إِلَى اللَّيَالِي، ويُفهَمُ من هَذَا الكَلامِ أنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يَكُن يَقتَصِرُ في المُجَاورَةِ على شَهرٍ في السَّنَةِ؛ بَل كَانَ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ منهُ، وقَد تَقَدَّمَ مَا في ذَلِكَ، والزَّادُ، كَمَا قَالَ (١) إكمال المعلم (٤٨٢/١). (٣) مكانها في (الأصل): ((القبطية، وهو)). (٢) في (الأصل): ((في)). = ٢٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أهلُ اللُّغَةِ (١): الطَّعَامُ الَّذِي يَستَصِحِبُهُ المُسَافِرُ. الثَّامنةَ عَشرَ: قَولُها: ((حَتَّى فَجِتَهُ))، بِكَسرِ الجِيمِ، وبَعدَها هَمزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وفيهِ لُغَةٌ ثَانِيَةٌ: ((فَجَاءُ) بِفَتحِ الجِيمِ والهَمِزَةِ، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَكَاهُمَا (٤ / ١٨٧م) الجَوهَرِيُّ وغَيْرُهُ(٢)، ومَعنَاهُ: جَاءَهُ بَغتَةً. وهو كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يَكُن مُتَوفِّعًا لِلوحي، وفي رِوايَةِ البُخَارِيِّ: ((حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ). والمُرَادُ: الأمرُ الحَقُّ، وهو الوحيُّ الكَرِيمُ، وكَانَ ذَلِكَ في شَهرٍ رَمَضَانَ، كَمَا تَقَدَّمَ في الرِّوايَةِ الَّتِي ذَكَرَها (٣) من ((دَلائِلِ النُّبُوةِ) لِلبَيْهَقِيِّ، وكَانَ يَومَ الاثْنَيْنِ، فَفي ((صَحِيحٍ مُسلِم)) (٤) عَن أبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَن صَومٍ يَومِ الاثْنَينِ، فَقِالَ(5): ((فيهِ وُلِدتُ، وفيهِ أنزِلَ عَلَيّ)) . ■ التَّاسِعَةَ عَشرَ: [٣١٩/١و] ((الغَارُ)) بِالغَينِ المُعجَمَةِ، والمَغَارُ، بِزِيَادَةِ مِيم أولَهُ، والمَغَارَةُ، بِزِيَادَةٍ مِيم أولَهُ وهاءٍ آخِرَهُ، بِمَعنّى واحِدٍ، قَالَ الجَوْهَرِيُّ(٦): هُو كَالكَهفِ في الجَبَّلِ. قَالَ: والكَهفُ: كَالبَيتِ المَنْقُورِ في الجَبَلِ، وقَالَ في ((المُحكّم))(٧): الغَارُ كَالكَهفِ في الجَبَلِ . وقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: هُو شِبهُ البَيتِ فيهِ. وقَالَ ثَعلَبُّ: هُو المُنخَفَضُ في الجَبَلِ، وكُلُّ مُطمَئِنٍّ من الأرضِ غَارٌ. انتَهَى. وقَالَ ابنُ الأثِيرِ في ((النِّهايَةِ))(٨): هُو الكَهفُ. زَادَ النَّووِيُّ(٩): والنَّقبُ في الجَبَلِ (١٠). كَذَا في (شَرحِ مُسلِم))، وقَالَ في ((شَرِحِ البُخَارِيِّ)): هُو النَّقْبُ في الجَبَلِ، وهو قَرِيبٌ من مَعنَى الكَهفِ. العِشرُونَ: ((فَجَاءَهُ المَلَكُ)). هُو بِفَتحِ اللامِ، وهو جِبرِيلُ هُنَا بِلاَ خِلافٍ . (١) ينظر: معجم العين للخليل (٣٧٧/٧). (٢) الصحاح (٦٢/١)، والنهاية في غريب الأثر (٤١٢/٣)، ولسان العرب (١٢٠/١). (٣) في (ك): ((ذكرناها)). (٤) مسلم (١١٦٢/ ١٩٧). (٥) في (م): ((فقيل)). (٦) الصحاح (٧٧٣/٢). المحكم (٥١/٦). (٧) (٨) النهاية في غريب الأثر (٣٩٥/٣). (٩) شرح صحيح مسلم (١٩٨/٢). (١٠) في (الأصل): ((جبل)). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٧١ الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: قَولُهُ: ((فَقُلت: مَا أَنَا بِقَارِئٍ؟)). قَالَ النَّوِيُّ(١): مَعْنَاهُ: لا أحسِنُ القِرَاءَةَ، فَمَا نَافيةٌ هَذَا هُو الصَّوابُ، وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٢) فيها خِلافًا بَينَ العُلَمَاءِ، منهُم مَن جَعَلَها نَافِيةً، ومنهُم مَن جَعَلَها استِفِهامِيَّةً، وضَعَّفُوهُ بِإِخَالِ البَاءِ في الخَبَرِ، قَالَ القَاضِي: ويُصَحِّحُ قَولَ مَن قَالَ استِفِهامِيَّةٌ رِوايَةٌ مَن رَوى: ((مَا أقرَأْ». ويَصِحُ أن تَكُونَ ((مَا)) في هَذِهِ الرِّوايَةِ أيضًا نَافِيَةً. انتَهَى. وَكَذَا فَسَّرَ السُّهَيِيُّ وغَيرُهُ(٣) قَولَهُ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))، بِأَنَّ مَعنَاهُ: مَا أحسِنُ القِرَاءَةَ. ولا يَتَعَيَّنُ عِندِي مَعَ النَّفي أن يَكُونَ هَذَا مَعنَاهُ، فَيُحتَمَلُ أنَّ جِبِرِيلَ عَلَلاَّ أَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ مَا (١٨٨/٤م) يُلِقِيهِ إِلَيهِ، فَامْتَنَعَ من ذَلِكَ، وقَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))؛ أي: ما (٤) أطِيعُك في قِرَاءَةِ مَا تُلقِيهِ إِلَيَّ وتُقرِتُنِي إِيَّاهُ. ولِهَذَا رَتَّبَ عَلَيهِ الغَظَّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَحِينَئِذٍ وافَقَ النَّبِيُّ ◌َل على مُتَابَعَتِهِ في القِرَاءَةِ، فَقَرَأْ جِبِرِيلُ وَتَبِعَهُ النَّبِيُّ ◌َه فِي ذَلِكَ المَقْرُوءِ، ويُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الأولَ إِنَّمَا يَستَمِرُّ على أن يَكُونَ جِبِرِيلُ عَلَا يَأْمُرُهُ بِقِرَاءَةِ شَيءٍ من عِندِهِ غَيْرَ الَّذِي يُلقِيهِ إلَيهِ، فَحِينَئِذٍ يَحسُنُ جَوابُ النَّبِّ وَِّ لَهُ: بِأَنِّي لا أحسِنُ القِرَاءَةَ، وهو بَعِيدٌ، فَكَيفَ يُكَلِّفُهُ قِرَاءَةً ولا قُرآنَ عِندَهُ، إنَّمَا يُكَلِّفُهُ قِرَاءَةَ مَا يُلقِيهِ إلَيهِ، فَامتَنَعَ النَّبِيُّ ◌َِّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ أجَابَ إلَیهِ. فَإِن قُلتَ: يَلزَمُ على مَا ذَكَرَتَهُ من الاحتِمَالِ مَحذُورٌ، وهو مُخَالَفَةُ النَّبِيِّ ◌َهُ لِلمَلَكِ فِيمَا يَأْتِيهِ به عَنِ اللهِ تَعَالَى؟ قُلتُ: لَم يَتَحَقَّق أولًا أنَّهُ مَلَكٌ، ولا أنَّ(٥) المَأمُورُ به عَن اللهِ تَعَالَى، وتَمَامُ القِصَّةِ مَعَ خَدِيجَةَ وورَقَةً يَدُلُّ على ذَلِكَ. ■ الثَّانِيَةُ والعِشرُونَ: قَولُهُ: (فَقَطَّنِي)) بِالغَينِ المُعجَمَةِ والطَّاءِ المُهمَلَةِ، مَعْنَاهُ: ضَمَّنِي وعَصَرَنِي، يُقَالُ: غَظَّهُ، وغَتَّهُ، وضَغَطَهُ، وعَصَرَهُ، وخَنَقَهُ، وغَمَزَهُ، (١) السابق (١٩٩/٢). (٣) الروض الأنف (٤٠٣/١). (٥) في (م): ((أنه)). (٢) إكمال المعلم (٤٨٢/١). (٤) في (م): ((لا)). ٢٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ كُلُّهُ بِمَعنّى واحِدٍ، وقَولُهُ: ((حَتَّى بَلَغَ مني الجَهدَ)) يَجُوزُ في الجِيمِ الفَتحُ والضَّمُّ لُغَتَانِ، وهو الغَايَةُ والمَشَقَّةُ، ويَجُوزُ في الدَّالِ النَّصبُ والرَّفعُ، فَالأولُ: على أنَّ فَاعِلَ (بَلَغَ)) ضَمِيرٌ يَعُودُ على جِبرِيلَ؛ أي: بَلَغَ جِبرِيلُ مني الجَهدَ. والثَّانِي: على أنَّ الجَهدَ فَاعِلٌ؛ أي: بَلَغَ الجَهدُ مني مَبلَغَهُ وَغَايَتَهُ. قَالَ النَّووِيُّ(١): ومِمَّن ذَكَرَ الوجهَينِ في نَصبِ الدَّالِ ورَفعِها صَاحِبُ ((التَّحرِيرِ)) وغَيْرُهُ. وقَولُهُ: (ثُمَّ أرسَلَنِي))؛ أي: أطلَقَنِي. قَالَ النَّووِيُّ: قَالَ العُلَمَاءُ: والحِكمَةُ في الغَطِّ شَغْلُهُ عَنِ الإِلِتِفَاتِ، والمُبَالَغَةُ في أمرِهِ بِإِحِضَارٍ قَلبه لِمَا يَقُولُهُ لَهُ، وكَرَّرَهُ ثَلاثًا مُبَالَغَةً فِي التَّنِهِ، فَفيهِ: أنَّهُ يَنْبَغِي لِلمُعَلِّمِ أن يَحتَاطَ في تَنِيه المُتَعَلِّمِ، وأمرِهِ بِإِحضَارِ قَلبه. وقَالَ السُّهَيِلِيُّ(٢): كَأنَّ في ذَلِكَ إظهارًا لِلشِّدَّةِ والجَدِّ في الأمرِ، وأن يَأْخُذَ الكِتَابَ بِقُوةٍ، ويَترُكَ الأَنَاةَ، فَإِنَّهُ أمرٌ لَيسَ بِالهُويَنَى. قَالَ: وعلى رِوايَةِ ابنِ إسحَاقَ: ((أنَّ ذَلِكَ كَانَ في نَومِهِ))، يَكُونُ في تِلكَ الغَظَّاتِ الثَّلاثِ من التَّأْوِيلِ ثَلاثُ شَدَائِدَ يُبَلَى بِها أولا، ثُمَّ يَأْتِي [٣٠٩/١ظ] الفَرِجُ والرَّوحُ، وكَذَلِكَ كَانَ لَقِيَ هُو وأصحابُهُ شِدَّةً من الجُوعِ في شِعبِ الخَيفِ (٣)، حِينَ تَعَاقَدَت قُرَيشٌ أن لا يَبِيعُوا مِنْهُم، ولا يَترُكُوا مِيرَةً تَصِلُ إلَيهِم، وشِدَّةً أخرَى من الخَوفِ والإِيعَادِ بِالقَتل ،ِ وشِدَّةً أخرَى من الإجلاءِ عَن أحَبِّ الأوطَانِ إِلَيهِ، ثُمَّ كَانَتِ العَاقِبَةُ لِلمُثَّقِينَ. انتَھَی . وعلى مَا قَدَّمته في الفَائِدَةِ قَبلَها من الاحتِمَالِ تَكُونُ حِكْمَةُ الغَطِّ الزَامُهُ بِالتَّلَقِّي عَنْهُ، والمُتَابَعَةِ لَهُ في القِرَاءَةِ واللهُ تَعَالَى أعلَمُ. ■ الثَّالِثَهُ والعِشرُونَ: قَالَ السُّهَيِيُّ (٤): انْتَزَعَ بَعضُ التَّابِعِينَ، وهو شُرَيحٌ القَاضِي، من هَذَا أن لا يُضرَبَ الصَّبِيُّ على القُرآنِ إلا ثَلاثًا، كَمَا غَظَّ جِبِرِيلُ مُحَمَّدًا لَّهِ ثَلاثًا . (١) شرح صحيح مسلم (١٩٩/٢). (٣) في (ك): ((الحيف)). (٢) الروض الأنف (٤٠٥/١). (٤) السابق. = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٧٣ الرَّابِعَةُ والعِشرُونَ: قَالَ المُهَلَّبُ: فيهِ من الفِقْهِ أنَّ الإنسَانَ يُذَكَّرُ ويُنَبَّهُ إلَى فِعلِ الخَيرِ بِمَا عَلَيهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ. الخَامِسَةُ والعِشرُونَ: فيهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ على (١٨٩/٤م) أنَّ أولَ مَا نَزَلَ من القُرآنِ: ﴿أَقْرَأْ﴾، وقَد صَحَّ ذَلِكَ عَن عَائِشَةَ، ورُوِيَ عَن أبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ، وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، قَالَ النَّوِيُّ(١): وهو الصَّوابُ الَّذِي عَلَيهِ الجَمَاهِيرُ من السَّلَفِ والخَلَفِ. وفيهِ قَولانِ آخَرَانٍ. أحَدُهُمَا: أنَّ أولَ مَا نَزَلَ: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ رَواهُ مُسلِمٌ في ((صَحِيحِهِ))(٢)؛ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، وأَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، قَالَ النَّووِيُّ(٣): وهو ضَعِيفٌ؛ بَل بَاطِلٌ، وإِنَّمَا نَزَلَت بَعدَ فَتَرَةِ الوحىٍ. ثَانِيهِمَا: أنَّ أولَ مَا نَزَلَ سُورَةُ الفَاتِحَةِ، قَالَه (٤) بَعضُ المُفَسِّرِينَ، وورَدَ فيهِ حَدِيثٌ رَواهُ البَيْهَقِيُّ في ((دَلَائِلِ النُّبُوقِ)) (٥)، وقَالَ: هَذَا مُنقَطِعْ، فَإِن كَانَ مَحفُوظًا، فَيُحْتَمَلُ أن يَكُونَ خَبَرًا عَن نُزُولِها بَعدَ مَا نَزَلَت عَلَيهِ ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾ و﴿بَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (®). وقَالَ النَّوِيُّ(٦) بَعدَ ذِكرِهِ هَذَا القَولَ: بُطلانُهُ أَظهَرُ من أن يُذكَرَ. ا السَّادِسَةُ والعِشرُونَ: وقَالَ أَبُو الحَسَنِ بنُ القَصَّارِ من المَالِكِيَّةِ: فيهِ رَدِّ على الشَّافِعِيِّ في قَولِهِ: إنَّ ((بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ)). آيَةٌ من كُلِّ سُورَةٍ، وهَذِهِ أولُ سُورَةٍ نَزَلَت عَلَيهِ، لَم يُذكّر فيها بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ النَّوِيُّ(٧): وجَوابُ المُشِتِينَ لَها أنَّها لَم تَنزِل أولًا؛ بَل نَزَلَت البَسمَلَةُ في وقتٍ آخَرَ، كَمَا نَزَلَ(٨) بَاقِي السُورَةِ في وقتٍ آخَرَ. وقَالَ السُّهَيِيُّ (٩): في قَولِهِ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وُجُوبُ استِفتَاحِ القِرَاءَةِ بِبَسمِ الله، غَيرَ أنَّهُ أمرٌ مُبهَمٌ، لَم يُبَيَّن لَهُ بِأَيِّ اسم من أسمَاءِ رَبه يُفتَتَحُ؟ (١) شرح صحيح مسلم (١٩٩/٢). (٣) شرح صحيح مسلم (٢٠٧/٢). (٥) دلائل النبوة (١٥٨/٢ - ١٥٩). شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٠٠). (٧) (٩) الروض الأنف (٤٠٣/١). (٢) مسلم (٢٥٥/١٦١ - ٢٥٧). (٤) في (م): ((قال)). (٦) شرح صحيح مسلم (٢٠٨/٢). (٨) في (الأصل): ((نزلت)). = ٢٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ حَتَى جَاءَ البَيَانُ بَعدُ في قَولِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤١]، ثُمَّ قَولُهُ: ﴿وَإِنَُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ [النمل: ٣٠]. ثُمَّ كَانَ بَعدَ ذَلِكَ يَنزِلُ جِبْرِيلُ عَلَّ عليه(١) بِبَسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ مَعَ كُلِّ سُورَةٍ، وقَد ثَبَتَت في سَوادِ المُصحَفِ بِإِجمَاعِ من الصَّحَابَةِ على ذَلِكَ، فَهِيَ من القُرآنِ. قَالَ: ولا نَلتَزِمُ قَولَ الشَّافِعِيِّ: إنَّها آيَةٌ من كُلِّ سُورَةٍ، ولا من الفَاتِحَةِ؛ بَل هِيَ آيَّةٌ من كِتَابِ الله مُقتَرِنَةٌ مَعَ السُّورَةِ، وهو قَولُ دَاوُد وأبِي حَنِيفَةَ، وهو قَولٌ بَيِّنُ القُوةِ لِمَن أَنصَفَ. قُلتُ: إِذَا كَانَ جِبِرِيلُ عَلَا نَزَلَ بِها مَعَ كُلِّ سُورَةٍ، فَهِيَ من السُّورَةِ، إذ لَيسَت سُورَةً مُنفَرِدَةً بِالإجمَاعِ، وإلا؛ يَزِيدُ عَدَدُ السُّورِ عَمَّا ذَكَرُوهُ زِيَادَةً كَثِيرَةً. واللهُ أعلمُ. السَّابِعَةُ والعِشرُونَ: قَالَ السُّهَيِيُّ(٢): في قَولِهِ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ [العلق: ١]؛ أي: إنَّك لا تَقرَأهُ بِحَولِك، ولا بِصِفَةِ نَفسِك، ولا بِمَعرِفَتِك، ولَكِن اقرَأْ مُفتَتِحًا بِاسم رَبِّك، مُستَعِينًا به، فَهُو يُعَلِّمُك، كَمَا خَلَقَك، وكَمَا نَزَعَ عَنك عَلَقَ الدَّم ومَغمَزَ الشَّيطَانِ، بَعدَ (١٩٠/٤م) مَا خَلَقَهُ فيك، كَمَا خَلَقَهُ في كُلِّ إنسَانٍ. فَالآيَتَانِ المُتَقَدِّمَتَانِ لِمُحَمَّدٍ، والآخِرَتَانِ لأمَّتِهِ، وهُمَا قَولُهُ: ﴿ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِ جَ عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَ ®َ﴾ [العلق: ٤، ٥]؛ لأنَّها كَانَت أمَّةً أمِّيَّةً لا تَكْتُبُ، فَصَارُوا أهلَ كِتَابٍ وأصحَابَ فَلَمٍ، فَتَعَلَّمُوا القُرآنَ بِالقَلَمِ، وتَعَلَّمَهُ نَبِيُّهُمْ تَلَقِّيًا من جِبرِيلَ، نَزَلَ على قَلبه بإذنِ اللهِ لِيَكُونَ من المُرسَلِينَ. انتَهَى. ] الثَّامنةُ والعِشرُونَ: قَولُهُ: ((فَرَجَعَ بِها))؛ أي: بِالْآيَاتِ المَذْكُورَةِ (٣) من قَولِهِ: ﴿اقْرَأْ﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿يَعَمْ ﴾﴾، والرَّجَفَانُ الاضطِرَابُ وشِدَّةُ الحَرَكَةِ. [٣٢٠/١ و] التَّاسِعَةُ والعِشرُونَ: قَولُهُ: (بَوادِرُهُ))، كَذَا في رِوايَةِ المُصَنَّفِ ومُسلِم في ((صَحِيحِهِ))، وهو بِفَتحِ البَاءِ المُوحَّدَةِ، وكُسرِ الدَّالِ، بَعدَها رَاءٌ مُهمَلَةٌ، جَمعٌ (١) من (الأصل) ومصدر التخريج. (٣) في (الأصل): ((المذكورات)). (٢) الروض الأنف (١/ ٤٠٣). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٧٥ بَادِرَةٍ، وهِيَ اللَّحمَةُ الَّتِي بَيْنَ المَنكِبِ والعُنُقِ تَضطَرِبُ عِندَ فَزَعَ الإنسَانِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وسَائِرُ أهلِ اللُّغَةِ والغَرِيبِ (١)، وفي رِوايَةِ البُخَارِيِّ ومُسلِم أيضًا: ((يَرَجُفُ فُؤَادُهُ)) وهو القَلبُ على المَشهُورِ، وقِيلَ: بَاطِنُهُ. وقِيلَ: غِشَاؤُهُ. وقِيلَ: عَينُهُ. وقِيلَ: القَلبُ مُضغَةٌ من الفُؤَادِ مُعَلَّقَةٌ بِالنِّيَاطِ. ولا تَنَافي بَينَ الرِّوايَتَينِ، فَكَأنَّ الرَّجَفَانَ في البَوادِرِ والفُؤَادِ، ولَعَلَّ رَجَفَانَ الفُؤَادِ مُلازِمٌ لِرَجَفَانِ البَوادِرِ. واللهُ أعلَمُ. قَالَ النَّووِيُّ(٢): وعِلمُ خَدِيجَةَ بِرَجَفَانِ فُؤَادِهِ؛ الظَّاهِرُ(٣) أنَّها رَأَتَهُ حَقِيقَةٌ، ويَجُوزُ أَنَّها لَم تَرَهُ، وعَلِمَتْهُ بِقَرَائِنِ وصُورَةِ الحَالِ . ■ الثَّلاثُونَ: قَولُهُ: ((زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي)) كَذَا هُو في الرِّوايَاتِ مُكَرَّرًا مَرَّتَينٍ، ومَعنَاهُ: غَطّونِي بِالثِّيَابِ ولُقُونِي بِها؛ والرَّوْعُ، بِفَتحِ الرَّاءِ وبِالعَينِ المُهمَلَةِ: الفَزَعُ. الحَادِيَةُ والثَّلاثُونَ: قَالَ بَعضُهُم: في كَونِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يُخبِرِ بِشَيءٍ؛ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوعُ - دَلِيلٌ على أنَّهُ لا يَنبَغِي أن يُسألَ الفَازِعُ عَن شَيءٍ من أمرِهِ مَا دَامَ في حَالِ فَزَعِهِ، وحُكِيَ عَن مَالِكِ وغَيرِهِ: أنَّ المَذعُورَ لا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ ولا إقرَارٌ ولا غَيْرُهُ فِي حَالِ فَزَعِهِ. الثَّانِيَةُ والثَّلاثُونَ: قَولُهُ: ((قَد خَشِيتُ على نَفسِي)». قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ (٤): لَيسَ هُو بِمَعنَى الشَّكِّ فِيمَا أتَاهُ من اللهِ، لَكِنَّهُ رُبَّمَا خَشِيَ أنَّهُ لا يَقوى على مُقَاومَةِ هَذَا الأمرِ، ولا يَقدِرُ على حَمَلِ أعبَاءِ الوحِي فَتَزْهَقُ نَفسُهُ، أو يَكُونُ هَذَا لأولِ مَا رَأى التَّبَاشِيرَ في النَّومِ والْيَقِظَةِ، وسَمِعَ الصَّوتَ قَبلَ لِقَاءِ المَلَكِ، وتَحَقُّقِهِ (٥) رِسَالَةَ رَبه، فَيَكُونُ خَافَ أَن يَكُونَ من الشَّيطَانِ، فَأمَّا مُنذُ جَاءَهُ المَلَكُ بِرِسَالَةِ رَبه سُبحَانَهُ وتَعَالَى فَلا يَجُوزُ عَلَيهِ الشَّكُّ فيهِ، ولا يَخشَى من تَسَلُّطِ (١) ينظر: النهاية في غريب الأثر (١٠٦/١)، والصحاح (٥٧٨/٢). (٣) في (م): ((والظاهر)). (٢) شرح صحيح مسلم (٢٠٥/٢). (٤) إكمال المعلم (٤٨٤/١ - ٣٨٥). (٥) في (ك): ((ويحققه)). = ٢٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الشَّيْطَانِ عَلَيهِ، وعلى هَذَا (١٩١/٤م) الطَّرِيقِ يُحمَلُ جَمِيعُ مَا وَرَدَ من مِثلِ هَذَا في حَدِيثِ المَبعَثِ. قَالَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(١): وهَذَا الاحتِمَالُ الثَّانِي ضَعِيفٌ؛ لأنَّهُ خِلافُ تَصرِيحِ الحَدِيثِ بِأَنَّ هَذَا كَانَ بَّعدَ غَطِّ المَلَكِ، وإتِيَانِهِ بـ ﴿اقْرَأْ بِأَسْمٍ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]. انتَهَى. و(٢) قَالَ في شَرح البُخَارِيِّ، بَعدَ نَقلِهِ كَلامَ القَاضِي: ويَكُونُ مَعنَى خَشِيتُ على نَفسِي أَنَّهُ يُخبِرُها بِمَا حَصَلَ لَّهُ أولًا من الخَوفِ، لا أنَّهُ في الحَالِ خَائِفٌ. وقَالَ السُّهَيِيُّ(٣): تَكَلَّمَ العُلَمَاءُ في مَعنَى هَذِهِ الخَشِيَةِ بِأقوالٍ كَثِيرَةٍ: فَذَهَبَ أَبُو بَكرِ الإِسمَاعِيلِيُّ إِلَى أنَّها كَانَت قَبلَ أن يَحصُلَ لَهُ(٤) العِلمُ بِأنَّ الَّذِي جَاءَهُ مَلَكٌ من عِندِ اللهِ، وكَانَ أَشَقُّ شَيءٍ عَلَيهِ أن يُقَالَ عَنهُ: مَجِنُونٌ. قَالَ: وَلَم يَرَ الإسمَاعِيلِيُّ أنَّ هَذَا مُحَالٌ في مَبدَإِ الأمرِ؛ لأنَّ العِلمَ الضَّرُورِيَّ قَد لا يَحصُلُ دَفعَةً واحِدَةً، وضَرَبَ مَثَلًا بِالبَيتِ من الشِّعرِ تَسمَعُ أولَهُ فَلا تَدرِي أَنَظمٌ هُو أم نَثْرٌ، فَإِذَا استَمَرَّ الإنشَادُ عَلِمتَ قَطعًا أنَّهُ قَصَدَ به قَصدَ الشِّعرِ، كَذَلِكَ لَمَّا استَمَرَّ الوحيُّ واقتَرَنَت به القَرَائِنُ المُقتَضِيَةُ لِلعِلمِ القَطعِيِّ حَصَلَ العِلمُ القَطعِيُّ، وقَد أثْنَى اللهُ عَلَيهِ بِهَذَا العِلم، فَقَالَ: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ إلَى قَولِهِ: ﴿وَمَلَّكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فَإِيمَانُهُ عَلَّ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ إِيمَانٌ كَسبِيٍّ مَوعُودٌ عَلَيهِ بِالثَّابِ الجَزِيلِ، كَمَا وعَدَ على سَائِرِ أفعَالِهِ المُكتَسَبَةِ كَانَت من أفعَالِ القَلبِ أو الجَوارِحِ. قَالَ: وقَد قِيلَ في قَولِهِ: ((لَقَد خَشِيتُ على نَفسِي))؛ أي: خَشِيتُ(٥) أن لا أنتَهِضَ بِأَعبَاءِ النُّبُوةِ، وأن أضعُفَ عَنها؛ ثُمَّ أزَالَ الله خَشيَتَهُ، وَرَزَقَهُ الأيدَ والقُوةَ والثَّبَاتَ والعِصمَةَ، وقَد قِيلَ: إنَّ خَشيَتَهُ كَانَت من قَومِهِ أن يَقتُلُوهُ، ولا غَرو، فَإِنَّهُ بَشَرٌ يَخْشَى من القَتلِ والإذَايَةِ الشَّدِيدَةِ مَا يَخْشَاهُ البَشَرُ، ثُمَّ يُهَوِّنُ عَلَيهِ الصَّبرُ فِي ذَاتِ اللهِ كُلَّ خَشِيَة، ويَجلِبُ إلَى قَلبه كُلَّ شُجَاعَةٍ وقُوةٍ. انتَهَى. (١) شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٠٠). (٣) الروض الأنف (٤١١/١). (٥) بعدها في (ك): ((على نفسي)). (٢) من (ك). (٤) ليست في (الأصل). بَابُ الاعتِكَافِ والمُجاورَةِ ٢٧٧ الثَّالِثَةُ والثَّلاثُونَ: فِيهِ أنَّهُ(١) مَن نَزَلَت به مُلِمَّةٌ يَنبَغِي لَهُ أن يُشَارِكَ فيها مَن يَثِقُ بِنُصحِهِ وَرَأْيِهِ ومَعرِفَتِهِ. الزَّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: قَولُها: ((كَلَّا)) بِفَتحِ الكَافِ، وتَشدِيدِ اللامِ مَقْصُورٌ، وهِيَ هُنَا كَلِمَةُ نَفي وإبعَادٍ وهو أحَدُ مَعَانِيها، وقَد تَكُونُ بِمَعنَى حَقًّا، وبِمَعنَى ألا(٢) الاستفتاحية، وقَولُها: [٣٢٠/١ظ] ((أبشِر)) يَجُوزُ فيهِ قَطعُ الهَمْزَةِ ووصلُها، يُقَالُ: بَشَّرته وأبشَرتُهُ وبَشَّرته. بِمَعَنَّى، ثَلاثُ لُغَاتٍ. الخَامِسَةُ والثَّلاثُونَ: قَولُها: ((لا يُخزِيك الله)(٣) ضَبَطَنَاهُ فِي رِوايَتِنَا بِضَمِّ اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ، وإسكَانِ الخَاءِ المُعجَمَةِ، وبَعدَ الزَّايِ يَاءٌ مُثَنَّةٌ من تَحتُ أيضًا، (١٩٢/٤م) من الخِزى، وهو الفَضِيحَةُ والهَوانُ، وقَد عَرَفت: أنَّ رِوايَتْنَا هِيَ من طَرِيقِ مَعمٍَ، لَكِن مُسلِمٌ في ((صَحِيحِه)) رَواهُ بِهَذَا اللَّفِظِ من طَرِيقِ يُونُسَ وعُقَيلٍ، ورَواهُ من طَرِيقِ مَعمَرٍ بِلَفِظِ: ((يُحِنُك))؛ بِالحَاءِ المُهمَلَةِ والنُّونِ، ويَجُوزُ حِينَئِذٍ فَتَحُ أولِهِ وضَمُّ ثَالِثِهِ، وضَمُّ أولِهِ وكَسرُ ثَالِثِهِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: من الحُزنِ: حَزَنَهُ وأحزَنَهُ، ثُلاثِيٍّ ورُبَاعِيٌّ، هَكَذَا ضَبَطَهُ القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ(٤) عَنْ رِوايَاتٍ مُسلِم تَخْتُ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ وقَعَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ الخَلَلُ، أو في ضَبطِنَا، أو عَن مَعمَرِ رِوایَتَانِ. السَّادِسَةُ والثَّلاثُونَ: قَولُها: ((إِنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ))؛ بِكَسرِ الهَمزَةِ على الابتِدَاءِ . قَالَ النَّوِيُّ(٥): كَذَا الرِّوايَةُ، وهو الصَّوابُ. انتَهَى. وصِلَةُ الرَّحِم: الإحسَانُ إِلَى الأقَارِبِ على حَسَبِ حَالِ الواصِلِ والمَوصُولِ، فَتَارَةً يَكُونُ بِالمَالِ، وتَارَةً يَكُونُ(٦) بِالخِدمَةِ، وتَارَةً بِالزِّيَارَةِ والسَّلامِ، وغَيِرِ ذَلِكَ. السَّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: قَولُها: (وتَصدُقُ الحَدِيثَ))، بِفَتح أولِهِ، وإسكانِ في (ك): ((أن)) . (١) (٢) ليس في: (م). (٣) ليست في: (ك). (٤) إكمال المعلم (٤٨٥/١)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٢٠١/٢). (٥) شرح صحيح مسلم (٢٠٢/٢). (٦) ليست في (الأصل). = = ٢٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثَانِيهِ، وضَمِّ ثَالِثِهِ، يُقَالُ: صَدَقَ الحَدِيثَ، وصَدَقَ في الحَدِيثِ. يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وبِحَرفِ الجَرِّ. ■ الثَّامنةُ والثَّلاثُونَ: (الكَلُّ)) بِفَتح الكَافِ، وتَشْدِيدِ اللام، وأصلُهُ النِّقَلُ، ومنهُ قَوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئِهُ﴾ [النحل: ٧٦]، وهو من الكَلالِ، وهو الإعيَاءُ، ويَدْخُلُ في حَملِ الكَلِّ: الإنفَاقُ على الضَّعِيفِ، واليَتِيمِ، والعِيَالِ، وغَيرِ ذَلِكَ. ■ التَّاسِعَةُ وِالثَّلاثُونَ: قَولُها: ((وتَقِي الضَّيفَ))؛ بِفَتحِ أولِهِ، (١ قال أهل اللغة١): يُقَالُ: قَرَيتُ الضَّيفَ، أقرِبِهِ، بِفَتحِ الهَمزَةِ، قِرَى، بِكَسرِ القَافِ مَقصُورٌ، وبِفَتحِها مَمْدُودٌ، ويُقَالُ لِلطَّعَامِ الَّذِي يُضَيَّفُ به (٢): قِرَى، بِالكَسرِ والقَصرِ، ويُقَالُ لِفَاعِلِهِ : قَارٍ، كَقَاضٍ. ■ الأربَعُونَ: ((التَّوائِبُ)) جَمِعُ نَائِبَةٍ، وهِيَ الحَادِثَةُ، وإِنَّمَا قَالَت: ((نَوائِبُ الحَقِّ))؛ لأنَّ النَّائِبَةَ قَد تَكُونُ في الخَيرِ، وقَد تَكُونُ في الشَّرِّ، قَالَ لَبِيدٌ : نَوائِبُ من خَيرٍ وشَرِّ كِلاهُمَا فَلا الخَيرُ مَمْدُودٌ، ولا الشَّرُّ لازِبُ الحَادِيَةُ والأربَعُونَ: قَالَ النَّووِيُّ(٣): قَالَ العُلَمَاءُ: مَعنَى كَلام خَدِيجَةَ رِّنَا: ((إنَّك لا يُصِيبُك مَكْرُوهٌ))، لَمَّا جَعَلَ اللهُ فيك(٤) من مَكَارِمِ الأخلاقِ وكَرَمِ الشَّمَائِلِ، وذَكَرت ضُرُوبًا من ذَلِكَ، وفي هَذَا دَلالَةٌ على أنَّ مَكَارِمَ الأخلاقِ وخِصَالَ الخَيرِ - سَبَبٌ لِلسَّلامَةِ من مَصَارِعِ السُّوءِ. الثَّانِيَةُ والأربَعُونَ: فيهِ مَدُ الإنسَانِ في وجهِهِ فِي بَعضِ الأحوالِ؛ لِمَصلَحَةٍ تَقتَضِي ذَلِكَ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ(٥): ولَيسَ بِمُعَارِضٍ (١٩٣/٤م) لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((احثُوا التُّرَابَ في وُجُوهِ المَدَّاحِينَ))(٦) وإنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إذَا مَدَحُوا بِالْبَاطِلِ، وبِمَا لَيسَ في المَمْدُوحِ. (١ - ١) ليست في (م). (٣) شرح صحيح مسلم (٢٠٢/٢). (٥) شرح ابن بطال (٣٨/١). (٢) في (الأصل)، (ك): ((يضيفه). (٤) في (م): ((فيهم)). (٦) مسلم (٦٨/٣٠٠٢)، وأبو داود (٤٨٠٤)، والترمذي (٢٣٩٣)، وابن ماجه (٣٧٤٢). = كمـ ٢٧٩ بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ا الثَّالِثَةُ والأربَعُونَ: وفيهِ تَأْنِيسُ مَن حَصَلَت لَهُ مَخَافَةٌ من أمرٍ، وتَبَشِيرُهُ، وذِكرُ أَسَبَابِ السَّلامَةِ له(١). الرَّابِعَةُ والأربَعُونَ: وفِيهِ دَلِيلٌ على كَمَالٍ خَدِيجَةً ◌ِْهَا، وجَزَالَةِ رَأيِها، وقُوةِ نَفسِها، وثَبَاتِ قَلبِها، وعِظَمٍ فِقهِها . الخَامِسَةُ والأربَعُونَ: قَولُهُ: ((وهو ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ)). يُكتَبُ بِالأَلِفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ عَلَمَينِ. ■ السَّادِسَةُ والأربَعُونَ: قَولُها: ((وكَانَ امرَءًا تَنَصَّرَ في الجَاهِلِيَّةِ))؛ أي: صَارَ نَصرَانِيًّا، وتَرَكَ عِبَادَةَ الأوثَانِ، وَفَارَقَ طَرَائقَ(٢) الجَاهِلِيَّةِ. والجَاهِلِيَّةُ: مَا كَانَ قَبلَ نُبُوةِ رَسُولِ الله وَ له، لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من فَاحِشِ الجَهالاتِ، قَالَّهُ النَّوِيُّ(٣). قُلتُ: ظَاهِرُ كَلامِهِم فيمَن عَاشَ من الصَّحَابَةِ رِّه ◌ِتِّيْنَ سَنَةً في الإسلامِ، وسِتِينَ سَنَةً في الجَاهِلِيَّةِ، كَحَكِيمٍ بِنِ حِزَامٍ وغَيرِهِ، أنَّ(٤) مُرَادُهُم بِالجَاهِلِيَّةِ مَا قَبَلَ فُشُوِّ الإِسلام، فَإِنَّ هَؤُلاءِ المَذكُورِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَاتُوا سَنَةَ أربَعٍ وخَمسِينَ من الهِجِرَةِ، فَسَمَّوا الزَّائِدَ على سِتِّ سِنِينَ مِمَّا قَبلَ الهِجرَةِ [٣٢١/١و] جَاهِلِيَّةً، لانِشَارِ الجَاهِلِيَّةِ، وفُشْوِّ أمرِها قَبَلَ فُشُوِّ أمر(٥) الإسلامِ. واللهُ أعلمُ. السَّابِعَهُ والأربَعُونَ: قَولُها: ((وكَانَ يَكتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، فَكَتَبَ بِالعَرَبِيَّةِ من الإِنجِيلِ مَا شَاءَ الله أن يَكتُبَ)) هَكَذَا هُو في رِوايَتِنَا، ورِوايَةٍ مُسلِمٍ، وفي رِوايَةِ البُخَارِيِّ في أولِ ((صَحِيحِهِ)): ((يَكتُبُ الكِتَابَ العِبرَانِيَّ، فَيَكتُبُ من الإِنجِيلِ بِالعِبرَانِيَّةِ)). قَالَ النَّووِيُّ (٦): وكِلاهُمَا صَحِيحٌ، وحَاصِلُهُمَا أنَّهُ تَمَكَّنَ من مَعرِفَةِ دَينِ النَّصَارَى، بِحَيثُ صَارَ يَتَصَرَّفُ في الإِنجِيلِ، فَيَكتُبُ أيَّ مَوضِعِ شَاءَ منهُ بِالعِبرَانِيَّةِ إن شَاءَ، وبِالعَرَبِيَّةِ إن شَاءَ. واللهُ أعلمُ. (١) ليست في (م). (٣) شرح صحيح مسلم (٢٠٢/٢). (٥) ليست في (م). (٢) في (م): ((طريق)). (٤) في (م): ((أم)). (٦) شرح صحيح مسلم (٢٠٣/٢). ٢٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ا الثَّامنةُ والأربَعُونَ: قَولُها: ((أَيْ))، بِفَتحِ الهَمِزَةِ، وإسكَانِ الْيَاءِ، حَرفُ نِدَاءٍ لِلْبَعِيدِ مَسَافَةً أو حُكمًا، فَنَادَتهُ نِدَاءَ البَعِيدِ مَعَ قُربه(١)؛ لأنَّهُ في حُكمِ البَعِيدِ لِضَرُورَةٍ، فَإِنَّهُ كَانَ أعمَى كَمَا في الحَدِيثِ، وقَولُها: ((ابنَ عَمِّ) مَنصُوبٌ على النِّدَاءِ، وهَكَذَا في ((الصَّحِيحَينِ))، وفي رِوايَةٍ أخرَى في ((صَحِيحِ مُسلِم): ((أي عَمِّ)). قَالَ النَّووِيُّ(٢): وكِلاهُمَا صَحِيحٌ؛ لأنَّهُ ابنُ عَمِّها حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ وَّرَقَةُ بنُ نَوَلِ بنِ أَسَدٍ، وهِيَ خَدِيجَةُ بِنتُ خُويلِدِ بنِ أسَدٍ، وسَمَّتَهُ عَمَّا مَجَازًا لِلاحتِرَامِ، وهَذِهِ (٤/ ١٩٤م) عَادَةُ العَرَبِ في آدَابِ خِطَابهم، يُخَاطِبُ الصَّغِيرُ الكَبِيرَ بـ: ((يَا عَمِّ) احتِرَامًا لَهُ، ورَفعًا لِمَرتَبَتِهِ، ولا يَحصُلُ هَذَا الغَرَضُ بِقَولِها: ((يَا ابنَ عَمِّ)) فَعلى هَذَا تَكُونُ تَكَلَّمت بِاللَّفْظَينِ. واللهُ أعلمُ. التَّاسِعَةُ والأربَعُونَ: قَولُ ورَقَةَ: ((ابنَ أخِي))، مَنصُوبٌ على النِّدَاءِ، وحَرفُ النِّدَاءِ مَحذُوفٌ؛ أي: يَا ابنَ أخِي، والصَّحِيحُ عِندَ ابنِ مَالِكٍ: جَوازٌ حَذْفِ حَرفِ النِّدَاءِ مَعَ اسمِ الجِنسِ على قِلَّةٍ، وِفَاقًّا لِلكُوفِينَ(٣). وقَالَ البَصرِيُّونَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، إلا في شُذُوذٍ أو ضَرُورَةٍ. الخَمسُونَ: ((النَّامُوسُ)»، بِالنُّونِ والسِّينِ المُهمَلَةِ، المُرَادُ به هُنَا جِبِرِيلُ فَلَّ، كَمَا نَقَلَ النَّوِيُّ(٤) الاتِّفَاقَ عَلَيهِ، قَالَ الهَرَوِيُّ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّهُ بِالغَيبِ والوحي. قَالَ أهلُ اللُّغَةِ والغَرِيبِ(٥): النَّامُوسُ فِي اللُّغَةِ: صَاحِبُ سِرِّ الخَيرِ، والجَاسُوسُ: صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ، ويُقَالُ: نَمَسَتُ السِّرَّ، بِفَتحِ النُّونِ والمِيمِ، أَنَمِسُهُ، بِكَسرِ المِيمِ، نَمسًا؛ أي: كَتَمته، ونَمَستُ الرَّجُلَ، ونَامَستُهُ: سَارَرته . (١) في (الأصل): ((قرب)). (٣) قال ابن مالك: (٢) السابق. وغير مندوب، ومضمر، وما جامستغانًّا قد يعرّى فاعلما وذاك في اسم الجنس. وينظر: شرح ابن عقيل (٢٣٤/٢). (٤) شرح صحيح مسلم (٢٠٣/٢). (٥) غريب الحديث للخطابي (٨٤/١)، والنهاية في غريب الأثر (١١٩/٥).