النص المفهرس
صفحات 241-260
بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٤١ (١٦٥/٤م) بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ (١الحديث الأول١) دَ عَنْ عُروةَ، عَنِ عَائِشَةَ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَهَ كَانَ يَعتَكِفُ العَشرَ الأواخِرَ من رَمَضَانَ؛ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ رٍَّ)). فیهِ فَوائِدُ: ■ الأولَى: أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ(٢)؛ (من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، كَمَا أخرَجَهُ المُصَنِّفُ، وقَالَ التِّرمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. واتَّفَقَ عَلَيهِ الشَّيخَانِ وأَبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ(٣)) (٤)؛ من طَرِيقِ عُقَيلٍ، عَن الزُّهرِيِّ، عَن عُروةَ، عَن عَائِشَةَ، بِزِيَادَةِ : (ثُمَّ اعتَكَفَ أزواجُهُ من بَعدِهِ». ولَهُ عَن عَائِشَةَ طُرُقٌ أخرَى في ((صَحِيحٍ مُسلِمٍ) وغَيرِهِ(٥)، ورَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ(٦)؛ من رِوايَةِ ابنِ جُرَيجِ عَن الزُّهرِيِّ بِلَفِظِ: ((ثُمَّ اعتَكَفَهُنَّ(٧) أزواجُهُ من بَعدِهِ، وأنَّ السُّنَّةَ لِلمُعتَكِفِ أن لا يَخرُجَ إلا لِحَاجَةٍ الإِنسَانِ، ولا يَتَبَعُ جِنَازَةً، ولا يَعُودُ مَرِيضًا، ولا يَمَسُّ (٨) امرَأَةً، ولا يُبَاشِرُها، ولا اعتِكَافَ إلا في مَسجِدٍ جَمَاعَةٍ، ويُؤْمَرُ مَن اعتَكَفَ أن يَصُومَ)). قَالَ الدَّارَقُطِيُّ: (١ - ١) من: (ك). (٢) الترمذي (٧٩٠)، والنسائي في الكبرى (٣٣٣٥). (٣) البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (٥/١١٧٢)، وأبو داود (٢٤٦٢)، والنسائي في الكبرى (٣٣٣٨). (٤) ما بين القوسين ليس في: (الأصل). (٥) مسلم (٤/١١٧٢) عن هشام (٣/١١٧٢). (٦) الدار قطني (٢٠١/٢). (٨) في (م): ((يلمس)). (٧) في (الأصل): ((اعتكفن)). = ٢٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يُقَالُ: إنَّ قَولَهُ: ((وأنَّ السُّنَّةَ لِلمُعتَكِفِ .... إلَى آخِرِهِ)) لَيسَ من قَولِ النَّبِّ وََّ، وأَنَّهُ من كَلامِ الزُّهرِيِّ، ومَن أدَرَجَهُ في الحَدِيثِ فَقَد وهَمَ، وهِشَامُ بنُ سُلَيمَانَ لَم یَذكُرُهُ. انتَهَى. ورَوى أبُو دَاوُدُ(١)؛ من طَرِيقٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ إسحَاقَ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنِ عُروةَ، عَن عَائِشَةَ أَنَّها قَالَت: ((السُّنَّةُ على المُعتَكِفِ أن لا يَعُودَ مَرِيضًا))، وذَكَرَ نَحو مَا تَقَدَّمَ. قَالَ أَبُو دَاوُد: غَيرُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ إسحَاقَ لا يَقُولُ فيهِ: قَالَت: (السُّنَّةُ ... )). جَعَلَهُ قَولَ عَائِشَةَ، وقَالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): لَم يَقُل أحَدٌ في حَدِيثٍ عَائِشَةَ هَذَا: ((السُّنَّة ... ))(٣) إلا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ إسحَاقَ، ولا يَصِحُ الكَلامُ عِندَهُم إلا من قَولِ الزُّهرِيِّ، وبَعضُهُ (١٦٦/٤م) من كَلامِ عُروةَ. انتَهَى. الثَّانِيَةُ: الاعتِكَافُ فِي اللُّغَةِ: الحَبس والمُكثُ واللُّزُومُ؛ وفي الشَّرعِ: المُكثُ في المَسجِدِ من شَخصٍ مَخصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخصُوصَةٍ؛ سُمَِّ بِذَلِكَ لِمُلازِمَةِ المَسجِدِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقَالَ: [الأنبياء: ٥٢]، وقَالَ: ﴿فَأَتَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعَّكُفُونَ هَذِهِ التَّمَائِلُ الَّي أَنْتُمْ لَهَا عَكِفُونَ (بَهَا﴾ عَلَ أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. قَالَ الشَّافِعِيُّ في سُنَنِ حَرَمَلَةَ: الاعتِكَافُ: لُزُومُ المَرِهِ شَيئًا، وحَبسُ نَفسِهِ عَلَيهِ، بِرَّا كَانَ أو [٣١٣/١و] إثمًّا. وأمَّا المُجَاورَةُ فَهِيَ بِمَعنَاهُ، صَرَّحَ غَيرُ واحِدٍ من أهلِ اللُّغَةِ والغَرِيبِ: بِأنَّها الاعتِكَافُ في المَسجِدِ، منهُم الجَوهَرِيُّ في ((الصِّحَاحِ))، وابنُ الأثِيرِ في ((النِّهَايَةِ» (٤)، وحِينَئِذٍ فَلا مَعنَى لِعَطِفِها عَلَيهِ في تَبِیبِ الشَّيخِ كَُّهُ، وكَأنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَها لِذِكرِها في حَدِيثِ حِرَاءَ، في قَوله عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((جَاورت بِجِرَاءَ شَهرًا))(٥)، ولَيسَ حِرَاءُ مَسجِدًا، فَلا يَكُونُ فيهِ (١) أبو داود (٢٤٧٣). (٢) التمهيد (٣٣٠/٨). (٣) ليست في: (م). (٤) الصحاح (٦١٨/٢)، والنهاية في غريب الأثر (٣١٣/١). (٥) يأتي تخريجه في الحديث الثالث. بَابُ الاعتِكَافِ والمُجاورَةِ ٢٤٣ اعتِكَافٌ، فَدَلَّ على أنَّ المُجَاورَةَ فيهِ لَيسَت بِمَعنَى الاعتِكَافِ، وقَد قَالَ القَاضِي في ((المَشَارِقِ))(١): إنَّها بِمَعنَى المُلازَمَةِ والاعتِكَافِ على العِبَادَةِ والخَيرِ. ولَم يُقَيِّد ذَلِكَ بِمَسجِدٍ، لَكِن قَالَ بَعدَهُ: والجِوارُ الاعتِكَافُ هُنَا. انتَهَى. وقَد يُقَالُ: إنَّ المَكَانَ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ وَ يُلازِمُهُ من حِرَاءَ مَسجِدٌ، أو يَكُونُ الحَدِيثُ حُجَّةً لِمَن جَوزَ اعْتِكَافَ الرَّجُلِ في مَسجِدٍ بَيتِهِ، وهو المَكَانُ الذي (٢) أَعَدَّهُ فيهِ لِلصَّلاةِ، على مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَلا تَكُونُ المُجَاورَةُ فيهِ إلَّا في مَسجِدٍ كَالاعتِكَافِ. والله أعلمُ. وحَكَى والِدِي تَُّ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) خِلافًا في أنَّ المُجَاورَةَ الاعتِكَافُ أو غَيْرُهُ، فَقَالَ عَمُرُو بنُ دِينَارٍ: الجِوارُ(٣) والاعتِكَافُ واحِدٌ، وسُئِلَ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاحِ: أَرَأيت الجِوارَ والاعتِكَافَ أَمُختَلِفَانٍ، هُمَا أم (٤) شَيءٌ واحِدٌ؟ قَالَ: بَل هُمَا مُخْتَلِفَانٍ، كَانَت بُيُوتُ النَّبِّ ◌َ فِي المَسجِدِ، فَلَمَّا اعتَكَفَ فِي شَهرِ(٥) رَمَضَانَ، خَرَجَ من بُيُوتِهِ إِلَى بَطنِ المَسجِدِ فَاعتَكَفَ فيهِ. قِيلَ لَهُ: فَإِن قَالَ إنسَانٌ: عَلَيَّ اعتِكَافُ أيَّامٍ. فَفي جَوفِ لا بُدَّ؟ قَالَ: نَعَم، وإن قَالَ: عَلَيَّ جِوارُ أيَّامٍ. فَبَابُهُ، أو في جَوفِهِ إِنْ شَاءَ. كَذَا رَواهُ عَبدُ الرَّزَّاقِ(٦) في المُصَنَّفِ عَنْهُمَا . قَالَ والِدِي: وقَولُ عَمرِو بنِ دِينَارٍ هُو المُوافِقُ لِلأحَادِيثِ. انتَهَى. وذَهَبَ أبُو القَاسِمِ السُّهَيلِيُّ إلَى الثَّانِي، فَقَالَ في ((الرَّوضِ)»(٧): إنَّ بَينَهُمَا فَرفًا، وهو أنَّ الاعتِكَافَ لا يَكُونُ إلا دَاخِلَ المَسجِدِ، والجِوارُ قَد يَكُونُ خَارِجَهُ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبدِ البَرّ وغَيْرُهُ. انتَهَی. ■ الثَّالِثَةُ: (١٦٧/٤م) فيهِ استِحِبَابُ الاعتِكَافِ في الجُمْلَةِ، وهو مُجمَعٌ عَلَيْهِ، كَمَا حَكَاهُ غَيرُ واحِدٍ، وحَكَى ابْنُ العَرَبِيِّ(٨) عَن أصحابهم أنَّهُم يَقُولُونَ في كُتُبهم: الاعتِكَافُ جَائِزٌ. قَالَ: وهو جَهلٌ. انتَهَى. (١) مشارق الأنوار (١٦٤/١). (٣) في (م): ((والجوار)). (٥) ليس في: (الأصل). (٧) الروض الأنف (٣٩٨/١). (٢) من: (الأصل). (٤) في (ك): ((أو)). (٦) عبد الرزاق (٨٠٠٣). (٨) عارضة الأحوذي (٢/٤). ٢٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي ((المُدَونَةِ))(١) عَن مَالِكِ: لَم يَبلُغنِي أنَّ أحَدًا من السَّلَفِ ولا مِمَّن أدرَكته اعتَكَفَ؛ إلا أبُو بَكرِ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، ولَيسَ بِحَرَامِ، ولَكِن لِشِدَّتِهِ، وأنَّ لَيَلَهُ ونَهَارَهُ سَواءٌ، فَلا يَنْبَغِي لِمَن لا يَقْدِرُ أن يَفِي بِشُرُوطِهِ - أَن يَعتَكِفَ. وفي ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه))(٢) عَنِ ابنِ عَبَّاسِ ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَ ◌ِّ قَالَ في المُعتَكِفِ: ((هُو يَعكُفُ الذُّنُوبَ ويُجرَى لَهُ من الحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الحَسَنَاتِ كُلِّها)). فيهِ فَرِقَدُ السَّبَخِيُّ(٣)، ضَعِيفٌ؛ ورَوى أبُو الشَّيخِ ابنُ حَيَّنَ(٤) في فَضَائِلِ الأعمَالِ عَن أبِي بَكرٍ، قَالَ: خَبَّرَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَنَّهُ مَن اعتَكَفَ يَومًا وَلَيلَةً يُرِيدُ بِذَلِكَ وجهَ اللهِ رََّ خَرَجَ من ذُنُوبِه كَيَومٍ وَلَدَتَهُ أُّهُ))، وهو ضَعِيفٌ أيضًا (٥) . الرَّابِعَةُ: وفيه (٦) تَأكُّدُه في العَشرِ الأواخِرِ من رَمَضَانَ، وسَبَبُهُ: طَلَبُ لَيلَةِ القَدرِ، فَإِنَّها عِندَ الشَّافِعِيِّ وآخَرِينَ مُنحَصِرَةٌ في العَشرِ الأخِيرِ، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٧) عَن أبِي سَعِيدِ الخُدرِيِّ رَبِهِ، قَالَ: ((اعتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَالم العَشرَ الأوسَطَ من رَمَضَانَ، فَخَرَجُنَا صَبِيحَةَ عِشرِينَ، (فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَهـ صَبِيحَةَ عِشِرِينَ) (٨)، فَقَالَ: ((إِنِّي أرِبت لَيلَةَ القَدرِ، وإِنِّي نَسِيتها، فَالتَمِسُوها في العَشرِ الأواخِرِ في وِترٍ، فَإِنِّي أرِيت أَنِّي أسجُدُ في مَاءٍ وطِينٍ، ومَن كَانَ اعتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِوَ لِ فَلَيَرجِعِ))، فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسجِدِ، ومَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَت سَحَابَةٌ، فَمَطَرَت، وأقِيمَت الصَّلاةُ، وسَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ في الطِّينِ والمَاءِ، حَتَّى رَأيت الطِّينَ في أرنَبَتِهِ وجَبِهَتِهِ))، وفي رِوايَةٍ: ((من صُبحٍ إحدَى وعِشرِينَ))، وفي لَفِظِ لِمُسلِمِ: أنَّ [٣١٣/١ظ] رَسُولَ اللهِ وَ اعْتَكَفَ العَشرَ الأولَ من رَمَضَانَ، ثُمَّ اعتَكَفَ العَشرَ الأوسَطَ. الحَدِيثُ، وفيهِ: فَقَالَ: ((إِنِّي اعتَكَفت العَشرَ الأولَ التَمِسُ هَذِهِ اللَّيلَةَ، ثُمَّ اعتَكَفت العَشرَ الأوسَطَ، ثُمَّ أَتَيت، فَقِيلَ لِي: (١) المدونة (٢٩٩/١). (٣) في (م): ((السنجي)). والصواب المثبت، وهو فرقد بن يعقوب السبخي الحائك. (٤) في (م): ((حبان)) . (٦) في (م): ((وفي)). (٨) ما بين القوسين ليس في: (الأصل). (٢) ابن ماجه (١٧٨١). (٥) في (م): ((أيضًا، وهو ضعيف)). (٧) تقدم تخريجه في باب: ((ليلة القدر)). بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٤٥ إنَّها في العَشرِ الأواخِرِ. فَمَن أحَبَّ منكُم أن يَعتَكِفَ فَلَيَعتَكِف)). فَاعتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ)) الحَدِيثَ، ورَوى أبُو الشَّيخِ من حَدِيثِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ مَرَفُوعًا: ((اعتِكَافُ عَشرٍ فِي رَمَضَانَ بِحَجَّتَيْنٍ وعُمرَتَيْنِ)). وهو ضَعِيفٌ، وَرَواهُ الطَّبَرَانِيُّ (١) أيضًا بِدُونِ لَفظَةِ ((عَشرٍ)). الخَامِسَةُ: العَشرُ الأواخِرُ هِيَ اللَّيَالِيُّ، وكَانَ يَعتَكِفُ الأيَّامَ مَعَها أيضًا، فَلَم يَكُن يَقتَصِرُ على اعتِكَافِ اللَّيَالِي، وإِنَّمَا اقْتَصَرَ (١٦٨/٤م) على ذِكرِها، على عَادَةِ العَرَبِ في التَّرِيخِ بِها، وهَذَا يَدُلُّ على دُخُولِهِ مَحَلَّ الاعتِكَافِ قَبلَ غُرُوبِ الشَّمسِ لَيلَةَ الحَادِي والعِشرِينَ، وإلا لَم يَكُن اعتَكَفَ العَشرَ بِكَمَالِها، وهَذَا هُو المُعتَبَرُ عِندَ الجُمْهُورِ لِمَن أرَادَ (عَشرًا أو شَهرًا، وبه قَالَ الأَئِمَّةُ الأربَعَةُ(٢)، وحَكَاهُ التِّرمِذِيُّ عَنِ الثَّورِيِّ(٣)، وقَالَ آخَرُونَ: بَل يَبدَأ)(٤) الاعتِكَافَ من أولِ النَّهارِ، وهو قَولُ الأوزَاعِيِّ، وأبِي ثَورٍ، وإسحَاقَ بنِ رَاهويهِ، وابنٍ المُنذِرِ(٥)، واللَّيثُ بنُ سَعدٍ في أحَدٍ قَولَيهِ، وحَكَاهُ التِّرمِذِيُّ عَن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ، وحَكَاهُ النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ)) (٦) عَن الثَّورِيِّ، وصَحَّحَهُ ابنُ العَرَبِيِّ(٧)، وقَالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨): لا أعلَمُ أحَدَاً من فُقَهاءِ الأمصَارِ قَالَ به إلا الأوزَاعِيَّ واللَّيثَ، وقَال به طَائِفَةٌ من التَّابِعِينَ. انتَهَى. واحتَجُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ في ((الصَّحِيحَينِ)) (٩): ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَرَادَ أن يَعتَكِفَ صَلَّى الصُّبحَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعتَكَفَهُ)). وتَأولَهُ الجُمُورُ على أنَّهُ دَخَلَ المُعتَكَفَ، وانقَطَعَ فيهِ، وتَخَلَّى بِنَفسِهِ بَعدَ صَلاتِهِ الصُّبحَ، لا أنَّ ذَلِكَ وقتُ ابتِدَاءِ الاعتِكَافِ؛ بَل كَانَ من قَبلِ المَغرِبِ مُعتَكِفًا لابِثًا في المَسجِدِ، فَلَمَّا صَلَّى الصُبحَ انفَرَدَ. (١) المعجم الكبير (١٢٨/٣) (٢٨٨٨)، وفيه لفظة: ((عشر)). (٢) ينظر: الإشراف (١٦١/٣). (٣) الترمذي، عقب حديث (٧٩١). (٤) الفقرة التي بين القوسين مكانها في (م) بعد قوله: ((لم يكن يعتكف)). (٥) الإشراف (١٦١/٣). (٧) عارضة الأحوذي (٥/٤). (٨) التمهيد (١٩٦/١١)، والاستذكار (٣٥٧/٣). (٦) شرح صحيح مسلم (٦٨/٨). (٩) البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (٦/١١٧٢). ٢٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ السَّادِسَةُ: فيهِ جَوازُ أن يُقَالَ: ((رَمَضَانُ)) من غَيرِ ذِكرِ الشَّهرِ، وبه قَالَ البُخَارِيُّ(١)، ونَقَلَهُ النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(٢) عَن المُحَقِّقِينَ قَالُوا: ولا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ. وقَالَت طَائِفَةٌ: لا يُقَالُ رَمَضَانُ علَّى انفِرَادِهِ، وإِنَّمَا يُقَالُ: شَهرُ رَمَضَانَ، وهو قَولُ المَالِكِيَّةِ(٣)، وتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِأنَّ رَمَضَانَ اسمٌ من أسمَاءِ اللهِ تَعَالَى، فَلا يُطلَقُ على غَيرِهِ إلا بِقَيدٍ، وقَالَ أكثَرُ أصحَابِنَا وابنُ الْبَاقِلانِيِّ: إِن كَانَ هناك(٤) فَرِينَةٌ تَصرِفُهُ إِلَى الشَّهرِ فَلا كَرَاهَةَ، وإلا فَيُكرَهُ، فَيُقَالُ: صُمِنَا رَمَضَانَ. وَنَحوهُ، ويُكرَهُ: جَاءَ رَمَضَانُ. ونَحوُهُ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَذَاهِبَ. قَالَ النَّووِيُّ: والأولُ هُو الصَّوابُ، والمَذهَبَانِ الأخِيرَانِ(٥) فَاسِدَانٍ؛ لأنَّ الكَرَاهَةَ إِنَّمَا تَثبُتِ بِنَهِي شَرعِيٍّ، ولَم يَثبُت فيهِ نَهِيٌّ، وقَولُهُم: إنَّهُ اسمُ من أسمَاءِ اللهِ تَعَالَى لَيسَ بِصَّحِيحٍ، ولَم يَصِحَّ فيهِ شَيءٌ، وإن كَانَ قَد جَاءَ فيهِ أثرٌ ضَعِيفٌ(٦)، وأسمَاءُ اللهِ تَعَالَى تَوقِيفيةٌ، لا تُطلَقُ إلا بِدَلِيلٍ صَحِيحِ، ولَو ثَبَتَ أنَّهُ اسمٌ لَم يَلزَم منهُ كَرَاهَةٌ . انتَھَى. السَّابِعَةُ: في قَولِها: ((حَتَّى قَبَضَهُ الله))، استِمرَارُ هَذَا الحُكمِ وعَدَمُ نَسخِهِ، وأَّدَت ذَلِكَ بِقَولِها: (ثُمَّ اعتَكَفَ أزواجُهُ من بَعدِهِ)». فَأَشَارَت إلَى استِمرَارِ حُكمِهِ حَتَى في حَقِّ النِّسَاءِ، فَكُنَّ أَمَّهاتُ المُؤمِنِينَ يَعتَكِفْنَ بَعدَ النَّبِيِّ (١٦٩/٤م) وَّ من غَيرِ نَكِيرٍ، وإن كَانَ هُو في حَيَاتِهِ قَد أنكَرَ عَلَيهِنَّ الاعتِكَافَ بَعدَ إذنِهِ لِيَعضِهِنَّ، كَمَا هُو في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فَذَاكَ لِمَعنّى آخَرَ، وهو كَمَا قِيلَ(٧): خَوفُ أن يَكُنَّ غَيرَ مُخلِصَاتٍ في الاعتِكَافِ؛ بَل أرَدنَ القُربَ منهُ لِغَيْرَتِهِنَّ عَلَيهِ، أو لِغَيْرَتِهِ عَلَيهِنَّ، أو ذَهابِ المَقصُودِ من الاعتِكَافِ بِكُونِهِنَّ مَعَهُ في المُعتَكَفِ، أو لِتَضِيقِهِنَّ المَسجِدَ بِأَبنَتِهِنَّ. والله أعلمُ. (١) البخاري، كتاب الصيام، باب (٥)، عند حديث (١٨٩٨). (٢) شرح صحيح مسلم (١٨٧/٧). (٣) ينظر: الذخيرة (٤٨٦/٢). (٤) في (م): ((مثال)). أخرجه البيهقي في الكبرى (٢٠١/٤). (٦) (٥) في (الأصل): ((الآخران)). (٧) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٦٩/٨). بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٤٧ الثَّامنةُ: وفيهِ اسْتِحِبَابُ الاستِمرَارِ على مَا اعتَادَهُ من فِعلِ الخَيرِ وأَنَّهُ لا يَقْطَعُهُ، وقَد قَالَ النَّبِيُّ وَ لِعَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: ((يَا عَبدَ الله، [٣١٤/١و] لا تَكُن مِثلَ فُلانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَهُ)(١) . التَّاسِعَةُ: يُستَئِنَى مما(٢) ذَكَرته من استِمرَارِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ على ذَلِكَ إِلَى وفَاتِهِ سَنَةَ تَرَكَ ذَلِكَ لِمَعنَّى، وعُوِّضَ عَنْهُ بَعدَ ذَلِكَ، رَوى البُخَارِيُّ ومُسلِمٌ(٣) عَنْ عَائِشَةَ رَِّا قَالَت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِوَ لَهَ إِذَا أَرَادَ أن يَعتَكِفَ صَلَّى الفَجرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعتَكَفَهُ، وإِنَّهُ أمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ لَمَّا أَرَادَ الاعتِكَافَ في العَشرِ الأواخِرِ من رَمَضَانَ، فَأَمَرَتِ زَينَبَ بِخِبَائِها فَضَرَبَ، وأمَرَ غَيرُها من أزواجِ النَّبِيِّ ◌ََِّ بِخِبَائِها فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَِّ الفَجرَ نَظَرَ، فَإِذَا الأخبِيةَ، فَقَالَ: ((البِرَّ تُرِدنَ)؟ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وتَرَكَ الاعتِكَافَ في شَهرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعتَكَفَ في العَشرِ الأولِ من شَوالٍ)). (٤َلَفظُ مُسلِمٍ، وقَالَ البُخَارِيُّ: «اعتَكَفَ عَشرًا من شَوالٍ))٤)، وفي لَفِظِ لَهُ: «اعتَكَفَ في آخِرِ العَشرِ من شَوالٍ)). العَاشِرَةُ: في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)) وغَيرِهِ (٥) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَظُهُ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَعتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشِرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فيهِ اعتَكَفَ عِشرِينَ))، وهَذَا لا يُنَافي الحَدِيثَ الَّذِيِّنَحنُ في شَرحِهِ؛ لأنَّهُ لَم يَحصُر اعتِكَافَهُ في العَشرِ الأواخِرِ، بِحَيثُ إِنَّهُ لا يَعتَكِفُ غَيرَها، وإنَّمَا أخبَرَ بِمُواظَبَتِهِ عَلَيها، وذَلِكَ لا يُنَافي فِعلَها مَعَ زِيَادَةٍ أخرَى، وقَد تَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ التَّعوِيضُ عَنْ عَامّ قَبَلَهُ لَم يَعتَكِف فيهِ، وفي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُد)) وغَيرِهِ(٦) عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ («كَانَ يَعتَكِفُ العَشرَ الأواخِرَ من رَمَضَانَ فَلَم يَعتَكِف عَامًا، فَلَمَّا كَانَ في العَامِ المُقبِلِ اعْتَكَفَ عِشرِينَ لَيلَةً)). (١) البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١٨٥/١١٥٩). (٢) في (الأصل): ((ما)). وفي (م): ((بما)). (٣) تقدم تخريجه في الفائدة الخامسة. (٤ - ٤) ما بين القوسين ليس في: (الأصل). (٥) البخاري (٢٠٤٤)، وأبو داود (٢٤٦٦)، وابن ماجه (١٧٦٩). (٦) أبو داود (٢٤٦٣)، وابن ماجه (١٧٧٠)، وابن حبان (٣٦٦٣)، والحاكم (٤٣٩/١). = ٢٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ(١): يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ هِيَ العَشرُ الَّتِي تَرَكَ من أجلِ أزواجِهِ، فَاعتَكَفَ عَشرًا من شَوالٍ، واعتَكَفَ عِشرِينَ من العَامِ الثَّانِي، لِيَقْضِيَ العَشرَ في الشَّهرِ، كَمَا كَانَ (١٧٠/٤م) بَدَأها فيهِ . قُلت: يَرُدُّ ذَلِكَ قَولُهُ(٢) في حَدِيثٍ أُبَيِّ المَذكُورِ في ((سُنَنِ ابْنِ مَاجَه))، و(صَحِيحِ ابنِ حِبَّنَ))، والحَاكِم: ((فَسَافَرَ عَامًا، فَلَم يَعتَكِف)) وهو صَرِيحٌ في أنَّ مَانِعَهُ من الاعتِكَافِ ذَلِكَ العَامِ السَّفَرُ، وفي ((صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ))(٣) أيضًا عَن أَنَسِ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا كَانَ مُقِيمًا يَعتَكِفُ العَشرَ الأواخِرَ من رَمَضَانَ، فَإذَا سَافَرَ اعتَكَفَ من العَامِ المُقبِلِ عِشِرِينَ)). ويُحتَمَلُ أنَّ سَبَبَ اعتِكَافِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العَامِ الَّذِي قُبِضَ فيهِ عِشْرِينَ المُبَالَغَةُ في التَّقَرُّبِ، لاستِشِعَارِهِ قُربَ وفَاتِهِ، كَمَا («كَانَ يَعرِضُ القُرآنَ على جِبْرِيلَ عَلَّ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مَرَّةً واحِدَةً، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فيهِ عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَينٍ))(٤). ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ في ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه)) في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ بَعدَ الجُمَلَةِ الَّتِي نَقَلنَاها من ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)): ((وكَانَ يَعرِضُ عَلَيهِ القُرآنَ في كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فيهِ عَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَينٍ)) . الحَادِيَةَ عَشَرَ(٥): فيهِ رَدٌّ على أحَدٍ قَولَي سَحْنُونٍ: أنَّهُ لا تَجُوزُ(٦) إِمَامَةُ المُعتَكِفِ. فَإِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمَّا كَانَ يَعتَكِفُ كَانَ مُستَمِرًّا على إِمَامَتِهِ بِالنَّاسِ بِلا شَكٍّ، وقَد أجمَعُوا على خِلافِ هَذِهِ المَقَالَةِ. والله أعلمُ. ■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ(٧): في تِلكَ الزِّيَادَةِ جَوازُ اعتِكَافِ النِّسَاءِ، وهو كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٨): ولَو ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أنَّ الاعتِكَافَ لِلنِّسَاءِ مَكرُوهٌ بِهَذَا الحَدِيثِ؛ يَعْنِي: الحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ في الفَائِدَةِ التَّاسِعَةِ، لَكَانَ مَذْهَبًا، ولَولا أنَّ (١) عارضة الأحوذي (٦/٤). (٢) في (ك): ((يجوز)). (٣) ابن حبان (٣٦٦٢). (٤) البخاري (٤٩٩٨)، والنسائي (٣٣٢٩)، وابن ماجه (١٧٦٩). (٥) في (م): ((عشرة)) . (٦) من: (الأصل). (٧) في (م): ((عشرة)). (٨) التمهيد (١٩٣/١١). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجاورَةِ ٢٤٩ ابنَ عُيَينَةَ، وهو حَافِظُ، ذَكَرَ فيهِ أنَّهُنَّ استَأْذَنَّهُ في الاعتِكَافِ، لَقَطَعت بِأنَّ الاعتِكَافَ لِلنِّسَاءِ في المَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزٍ، ومَا أَظُنُّ استِذَانَهُنَّ مَحْفُوظًا، ولَكِنَّ ابنُ عُيَينَةَ حَافِظٌ، وقَد تَابَعَهُ الأوزَاعِيُّ وابنُ فُضَيلٍ على أنَّ استِئِذَانَهُنَّ لا يَرفَعُ مَا ظَنَّهُ بهنَّ، وهو أعلَمُ بهِنَّ. انتَهَى. وقَالَ الشَّافِعِيُّ(١) بَعدَ ذِكرِهِ الحَدِيثَ المَذكُورَ: فَبِهَذَا كَرِهتُ اعتِكَافَ المَرأةِ إلا في مَسجِدٍ بَيتِها، ووذَلِكَ أنَّها (٢) إذَا صَارَت إلَى مُلازَمَةِ المَسجِدِ المَأْهُولِ لَيلا ونَهارًا كَثُرَ مَن يَرَاها ومَن [٣١٤/١ظ] تَرَاهُ. انتَهَى. وبَوَّبَ البَيْهَقِيُّ فِي سُنَتِهِ(٣) على هَذَا الحَدِيثِ: ((بَابُ مَن كَرِهَ اعتِكَافَ المَرأةِ)). ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ (٤): لا شَكَّ فِي أَنَّ اعْتِكَافَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَانَ في مَسجِدِهِ، وكَذَا اعتِكَافُ أزواجِهِ، فَأَخِذَ منهُ اختِصَاصُ الاعتِكَافِ بِالمَسَاجِدِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في مَسجِدِ البَيتِ، وهو المَوضِعُ المُهَيَُّ لِلصَّلاةِ(٥) فِيهِ، لا في حَقِّ الرَّجُلِ ولا في حَقِّ (١٧١/٤م) المَرأةِ، إذ لَو جَازَ في البَيتِ لَفَعَلُوهُ ولَو مَرَّةً، لِمَا في مُلازَمَةِ المَسجِدِ من المَشَقَّةِ، لا سِيَّمَا في حَقِّ النِّسَاءِ، وفي ((الصَّحِيحِ)) (٦) عَن نَافِعِ: ((وَقَد أَرَانِي عَبدُ الله المَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعتَكِفُ فيهِ رَسُولُ اللهِ وَل ◌ِ من المَسْجِدِ)). وبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، ودَاوُد، والجُمْهُورُ(٧)، وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ(٨): يَصِحُّ اعتِكَافُ المَرأةِ في مَسجِدٍ بَيتِها. وهو قَولٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ(٩): وحُكِيَ عَن أبِي حَنِيفَةَ أنَّها لا يَصِحُّ اعتِكَافُها في مَسجِدٍ الجَمَاعَةِ. وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ (١٠) عَنِ أبِي حَنِيفَةً والكُوفيينَ مُطلَقًّا أنَّهُم قَالُوا: لا تَعتَكِفُ إلا في مَسجِدٍ بَيتِها، ولا تَعتَكِفُ في مَسجِدٍ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ حَكَى عَن (١) ينظر: معرفة السنن والآثار (٤٦٤/٣). في (الأصل)، (م): («بأنها)). والمثبت موافقٌ لمعرفة البيهقي. (٢) (٣) السنن الكبرى (٣٢٣/٤). (٥) في (ك): ((الصلاة)). (٧) ينظر: الإفصاح (٢٦١/١). (٩) المغني (٤ / ٤٦٤). (٤) في (م): ((عشرة)). (٦) مسلم (٢/١١٧١). (٨) المبسوط (١١٠/٣). (١٠) التمهيد (١٩٥/١١). ٢٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أصحَابِ أبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ لَها الاعتِكَافَ في المَسجِدِ مَعَ زَوجِها، وجَوزَهُ بَعضُ المَالِكِيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ لِلرَّجُلِ أيضًا في مَسجِدٍ بَيتِهِ، وهَذَا يَرُدُّ على الخَطَّابِيِّ(١) في قَولِهِ: لَم يَختَلِفُوا أنَّ اعتِكَافَهُ في بَيْتِهِ غَيرُ جَائِزٍ. ثُمَّ اختَلَفَ الجُمُورُ المُشتَرِطُونَ لِلِمَسجِدِ العَامِّ(٢)، فَقَالَ مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وجُمهُورُهُم: يَصِحُ الاعتِكَافُ في كُلِّ مَسجِدٍ. قَالَ أصحَابُنَا: ويَصِحُ في سَطْحِ المَسجِدِ وَرَحِبَتِهِ. وقَالَ أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ: يَخْتَصُّ بِمَسجِدٍ تُقَامُ فيهِ الجَمَاعَةُ الرَّاتِبَةُ إلا في حَقِّ المَرأةِ (٣)؛ فَيَصِحُّ فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ، وقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِمَسجِدٍ تُصَلَّى (٤) فِيهِ الصَّلوات(٥) كُلُّها؛ أي: في حَقِّ الرَّجُلِ، وقَالَ الزُّهرِيُّ وَآخَرُونَ: يَختَصُّ بِالجَامِعِ الَّذِي تُقَامُ فيهِ الجُمُعَةُ، وهو رِوايَةٌ عَن مَالِكِ، وقَالَت طَائِفَةٌ: يَخْتَصُّ بِالمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ (٦): المَسجِدِ الحَرَامِ، ومَسجِدِ المَدِينَةِ، والمَسجِدِ الأقصَى. حُكِيَ ذَلِكَ عَن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ، وقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ: لا اعتِكَافَ إلا في مَسجِدٍ نَبِيٍّ، وهو بِمَعنَى الَّذِي قَبلَهُ، ولِهَذَا جَعَلَهُمَا ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٧) قَولًا واحِدًا، وقَالَ عَطَاءٌ: لا يَعتَكِفُ إلا في مَسجِدٍ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. حَكَاهُ الخَطَّابِيُّ(٨). الرَّابِعَةَ عَشَرَ (٩): استَدَلَّ به على أنَّهُ لا يُشتَرَطُ لِصِحَّةِ الاعتِكَافِ الصَّومُ، وذَلِكَ من وجهَينِ : أحَدُهُمَا: أنَّهُ اعتَكَفَ لَيْلًا أيضًا، مَعَ كَونِهِ فيهِ غَيرَ صَائِمٍ، ذَكَرَهُ ابنُ المُنذِرِ (١٠). ـا ثَانِيهِمَا: أنَّ صَومَهُ في شَهرِ رَمَضَانَ إِنَّمَا كَانَ لِلشَّهرِ؛ لأنَّ الوقتَ مُستَحَقٌّ لَهُ، ولَم يَكُن لِلاعتِكَافِ، ذَكَرَهُ المُزَنِيّ والخَطَّابِيُّ(١١) وبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ (١) معالم السنن (١٣٨/٢). (٣) ليست في: (الأصل). (٥) في (م): ((الصلاة)). (٧) التمهيد (٣٢٥/٨). (٩) في (م): ((عشرة)). (١١) معالم السنن (١٣٧/٢). (٢) ينظر: الإشراف (١٦٠/٣ - ١٦١). (٤) في (ك): (يصلى)). (٦) في (م): ((الثلاث)). (٨) معالم السنن (١٣٨/٢). (١٠) الإشراف (١٥٩/٣). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٥١ وأحمَدُ(١) في أصَحِّ الرِّوايَتَينِ عَنْهُ، وحَكَاهُ الخَطَّابِيُّ عَنِ عَلِيٍّ وابنِ مَسعُودٍ والحَسَنِ البَصرِيِّ، وقَالَ مَالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ والجُمهُورُ: يُشتَرَطُ لِصِحَّةِ الاعتِكَافِ الصَّومُ، والمَسألَةُ مُقَرَّرَةٌ في كُتُبِ الخِلافِ. واللهُ أعلمُ. (٤/ ١٧٢م) الحَدِيثُ الثَّانِي وعَنها: «أَّها كَانَت تُرَجِّلُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ وهو مُعتَكِفٌ، يُنَاوِلُها رَأْسَهُ، وَهِيَ فِي حُجرَتِها، والنَّبِيُّ وَّهِ فِي المَسجِدِ)). فیهِ فَوائِدُ: الأولَى: أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ من هَذَا الوجهِ من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ(٢)، وأخرَجَهُ البُخَارِيُّ من طَرِيقِ هِشَامٍ، وهو ابنُ يُوسُفَ الصَّنعَانِيُّ، كِلاهُمَا عَن مَعَمَرٍ. وأخرَجَهُ الأَئِمَّةُ السِّنَّةُ(٣) منَ طَرِيقِ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ. والتِّرمِذِيُّ والنَّسَائِيُّ (٤) أيضًا من طَرِيقِ مَالِكِ. ثَلاثَتُهُم عَنِ الزُّهرِيِّ. ورَواهُ عَنِ الزُّهرِيِّ أيضًا غَيرُ واحِدٍ(٥)، ولَهُ عَن عَائِشَةَ طُرُقُ أخرَى في ((الصَّحِيحَينِ)) وغَيرِ هِمَا (٦)، وفي رِوايَةِ اللَّيْثِ عِندَ الأَئِمَّةِ السِّتَّةِ، وكَذَا في رِوايَةِ التِّرمِذِيِّ من طَرِيقِ مَالِكٍ عُروةَ وعَمرَةَ، كِلاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وأخرَجَ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وغَيرِهِ رِوايَةَ مَالِكِ، وفيها: عَن عُروةَ عَن عَمْرَةَ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوجُهٍ من الاختِلافِ فيهِ على مَالِكِ، هَل رَواهُ الزُّهرِيُّ، عَن عُروةَ، أو عَن عُروةَ وعَمْرَةَ، أو عَن عُروةَ، عَن عَمْرَةَ. وقَالَ التِّرمِذِيُّ: هَكَذَا رَوى غَيرُ واحِدٍ عَن مَالِكِ؛ يَعْنِي: عَن عُروةَ وعَمْرَةَ، (٢) النسائي في الكبرى (٣٣٧٦). (١) ينظر: الإفصاح (٢٦١/١). (٣) البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٧/٢٩٧)، وأبو داود (٢٤٦٨)، والترمذي (٨٠٥)، والنسائي (٢٧٧٤)، وابن ماجه (١٧٧٦). (٤) الترمذي (٨٠٤)، والنسائي (٢٧٦). (٥) البخاري (٢٠٤٦)، والنسائي (٣٨٤) عن معمر، عن الزهري. (٦) سيأتي ذكر بعضها في كلامه. = = ٢٥٢ كم طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ورَوى بَعضُهُم عَن مَالِكٍ، عَن ابنِ [٣١٥/١و] شِهابٍ، عَن عُروةَ، عَن عَمْرَةَ، عَن عَائِشَةَ . والصَّحِيحُ عَن عُروةَ وعَمْرَةَ عَن عَائِشَةَ، وهَكَذَا رَوى اللَّيْثُ بنُ سَعدٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَن عُروةً وعَمرَةَ عَن عَائِشَةَ. انتَهَى. وقَالَ البُخَارِيُّ: هُو صَحِيحٌ عَن عُروةً وعَمَرَةَ، ولا أعلَمُ أَحَدًا قَالَ: عَن عُروةَ عَنْ عَمَرَةَ. غَيرَ مَالِكِ وعُبَيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ. وقَالَ أَبُو دَاوُد: لَم يُتَابِعِ أحَدٌ مَالِكًا على عُروةَ عَن عَمَرَةَ. وقَالَ الدَّارَقُطِنِيُّ في ((العِلَلِ))(١): رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وأبُو أويسٍ عَن الزُّهرِيِّ، عَن عُروةَ، عَن عَمَرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ وكَذَلِكَ رَواهُ مَالِكٌ في ((المُوطَّ))، رَواهُ عَنْهُ القَعنَبِيُّ، ويَحْيَى بنُ يَحيَى؛ يَعنِي: النَّسَابُورِيَّ، ومَعنُ بنُ عِيسَى، وأبُو مُصعَبٍ، (١٧٣/٤م) ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وَرَوحُ بنُ عُبَادَةَ، وخَالِدُ بنُ مَخلَدٍ، ومَنصُورُ بنُ سَلَمَةَ، وإسحَاقُ بنُ الطَّبَّاعِ؛ وخَالَفَهُم عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ مَهدِيٍّ، والولِيدُ بنُ مُسلِم، وعِيسَى بنُ خَالِدٍ، والحَجَبِيُّ، فَرَووهُ عَن مَالِكِ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَن عُروةَ، لَمْ يَذكُرُوا فيهِ عَمْرَةَ. قُلت: رَوَاهُ هَكَذَا النَّسَائِيُّ(٢) من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهدِيٍّ، وقُتَيبَةَ، ومَعنٍ، ثَلاثَتِهِم عَن مَالِكِ. قَالَ الدَّارَ قُطِنِيُّ: وقِيلَ: عَن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، عَن مَالِكِ، عَن الزُّهرِيِّ، عَن عَمْرَةَ، عَن عَائِشَةَ، ولَم يُذكَر فيهِ عُروةٌ، ورُوِيَ عَن عَبدِ المَلِكِ بنِ عَبدِ العَزِيزِ بنِ المَاجِشُونِ فَوَهَمَ فيهِ وهمَّا قَبِيحًا، فَقَالَ: عَن مَالِكٍ، عَن سُهَيلٍ بِنِ أبِي صَالِحٍ، عَن عُروةَ، عَن عَمْرَةَ، عَن عَائِشَةَ. (٣ورَواهُ ابنُ وهبٍ عَن مَالِكِ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ، ويُونُسَ بنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهرِيِّ، عَن عُروةَ وعَمْرَةَ، كِلاهُمَا عَن عَائِشَةً(٣). قَالَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٤): أدخِلَ حَدِيثُ بَعضِهِم في بَعضٍ، وإنَّمَا يُعرَفُ جَمِعُ عُروةَ وعَمَرَةَ لِيُونُسَ واللَّيْثِ، لا لِمَالِكِ. وكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ(٥)؛ كَأنَّهُ(٦) حَمَلَ رِوايَةً مَالِكِ على رِوايَةِ اللَّيثِ ويُونُسَ. ثُمَّ قَالَ الدَّارَقُطِنِيُّ: وكَذَلِكَ قَالَ شَبِيبُ بنُ سَعِيدٍ (١) العلل للدار قطني (٣٩١٤). (٣ - ٣) ما بين القوسين سقط من: (الأصل). (٤) التمهيد (٣١٧/٨). (٦) في (الأصل): ((انه)). (٢) النسائي (٢٧٦، ٢٧٧). (٥) السنن الكبرى (٣١٥/٤). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٥٣ عَنْ يُونُسَ، وكَذَا قَالَ القَعنَبِيُّ وابنُ رُمح عَنِ اللَّيثِ، عَنِ الزُّهرِيِّ. وَكَذَا قَالَ عَبدُ العَزِيزِ بنُ الحُصَينِ عَنِ الزُّهرِيِّ، كُلُّهُم قَالُوا: عَن عُروةَ وعَمرَةَ عَن عَائِشَةَ. ورَوَاهُ زِيَادُ بنُ سَعدٍ، والأوزَاعِيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ إسحَاقَ، ومُحَمَّدُ بنُ مَيسَرَةَ، وهو ابنُ أبِي حَفصَةَ، وسُفيَانُ بنُ حُسَينٍ، وعَبدُ اللهِ بنُ بُدَيلُ بنٍ ورفَاءَ، عَن الزُّهرِيِّ، عَن عُروةَ، عَن عَائِشَةَ. وقَالَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ(١): كَذَا رَواهُ جُمُهُورُ رُواةِ المُوظَّ عَن عُروةً عَنِ عَمْرَةَ وهو المَحفُوظُ لِمَالِكِ عِندَ(٢) أكثَرِ رُواتِهِ، وقَالَ أكثَرُ أصحَابِ ابنِ شِهابٍ عَنْهُ، عَن عُروةَ، عَن عَائِشَةَ. ثُمَّ حَكَى عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهدِيٍّ، أنَّهُ قَالَ: قُلت لِمَالِكِ: عَن عُروةَ عَن عَمْرَةَ. وأعَدت عَلَيهِ. فَقَالَ: الزُّهرِيُّ، عَن عُروةَ، عَن عَمَرَةَ، أو الزُّهرِيِّ، عَن عَمَرَةَ. ثُمَّ حَكّى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) عَن مُحَمَّدِ بنِ يَحيَى الذُّهلِيِّ: أنَّهُ ذَكَرَهُ في عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهرِيِّ عَنِ جَمَاعَةٍ من أصحابه: منْهُم يُونُسُ، والأوزَاعِيُّ، واللَيثُ، ومَعمَرٌ، وسُفَيَانُ بنُ حُسَينٍ، والزُّبَيدِيُّ. ثُمَّ قَالَ (٤): اجتَمَعَ(٥) هَؤُلاءِ كُلُّهُم على خِلافِ مَالِكِ، فَجَمَعَ يُونُسُ واللَّيِثُ عُروةً وعَمْرَةَ، واجتَمَعَ مَعمَرٌ والأوزَاعِيُّ وسُفيَانُ بنُ حُسَينٍ عَلى (٦) عُروةَ، عَن عَائِشَةَ. قَالَ: والمَحفُوظُ عِندَنَا حَدِيثُ هَؤُلاءِ. قَالَ(٧): والَذي(٨) أُنكِرُ على مَالِكٍ ذِكرُ عَمْرَةَ لا غَيرُ؛ لأنَّ تَرجِيلَ عَائِشَةَ رَسُولَ اللهِ، وهو مُعتَكِفٌ لا يُوجَدُ (٤/ ١٧٤م) إلا في حَدِيثِ عُروةً وحدَهُ. قُلت: وُجِدَ من حَدِيثِ عَمْرَةَ أيضًا. وقَد تَقَدَّمَ أنَّ جَمَاعَةً رَووهُ عَنْهُمَا، وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) من طَرِيقِ اللَّيثِ عَنْهُمَا، كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): وقَد رَوَاهُ عَنْهُ ابنُهُ هِشَامٌ، وَتَمَّيمُ (١٠) بِنُ سَلَمَةَ، وفي حَدِيثِهِمَا: ((وأنَا حَائِضٌ))، ولَيسَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الزُّهرِيِّ من وجهٍ يَبُتُ. (١) التمهيد (٣١٧/٨). (٣) التمهيد (٣١٨/٨). (٥) في (الأصل): ((أجمع)). (٧) التمهيد (٣٢٢/٨). (٩) التمهيد (٣٢٣/٨). (٢) في (الأصل): ((عن)). (٤) السابق (٣٢٠/٨). (٦) في (م): ((عن)). (٨) في (الأصل): ((والدي)). وهو تصحيفٌ. (١٠) في (م): ((تمام)). = ٢٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلت: الرِّوايَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكرُها من ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)) من طَرِيقِ مَعمَرٍ، عَن الزُّهرِيِّ، فيها: ((وهِيَ حَائِضٌ))، وقَد رَواها غَيْرُ البُخَارِيِّ أيضًا بِهَذَا اللَّفِظِ. والله أعلمُ. قَالَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ: وقَد رَواهُ الأسودُ بنُ يَزِيدَ، عَن عَائِشَةَ مِثلَ رِوايَةٍ عُروةً سَواءً، إلا أنَّ في حَدِيثِ الأسودِ: ((يُخرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ))، وفي حَدِيثِ عُروةَ: ايُدنِي)). قُلت: رِوايَةُ الأسودِ وهِشَامِ بنِ عُروةَ عَن أبِيهِ كِلاهُمَا في ((الصَّحِيحَينِ))(١)، وقَد رَواهُ عَن عُروةَ أيضًا - وفيهِ: ((وأنَا حَائِضٌ)) - مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ نَوفَلِ، رَواهُ مُسلِمٌ في ((صَحِيحِهِ)) وغَيرِهِ(٢) . الثَّانِيَةُ: قَولُها: ((تُرَجِّلُ)) بِفَتحِ الرَّاءِ، وكَسرِ الجِيمِ، وتَشدِيدِها؛ أي: تُسَرِّحُ، [٣١٥/١ظ] وهو على حَذْفِ مُضَافٍ؛ أي: شَعرَ رَأسِ رَسُولِ اللهِ وَّ، فَفيهِ مَحْذُوفَانٍ، كَمَا قِيلَ(٣) في قَوله تَعَالَى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦]؛ أي: من أثَرِ حَافِرٍ فَرَسِ الرَّسُولِ، وقَالَ في ((النِّهايَةِ)) تَبَعًا لِلهَرَوِيِّ(٤): التَّرجِيلُ تَسرِيحُ الشَّعرِ وتَنِظِيفُهُ وتَحسِينُهُ. وقَالَ في ((المَشَارِقِ))(٥): رَجَّلَ شَعرَهُ؛ أي: مَشَطَهُ وأرسَلَهُ، ويُقَالُ: شَعرٌ رَجِلٌ، بِكَسرِ الجِيمِ، وفَتحِها وضَمِّها، ثَلاثُ لُغَاتٍ، إِذَا كَانَ بَينَ السُّبُوطَةِ والجُعُودَةِ. قُلت: وفيهِ لُغَةٌ رَابِعَةٌ، وهِيَ إسكَانُ الجِيمِ، حَكَاها في ((المُحكَم))(٦)، ثُمَّ قَالَ في ((المَشَارِقِ)): قَالَ الجَوهَرِيُّ: التَّرجِيلُ: بَلُّ الشَّعرُ ثُمَّ يُمَشَّطُ. قُلتَ: لَم أَرَ ذَلِكَ في ((الصِّحَاحِ))، وجَزَمَ به ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧) . ■ الثَّالِثَةُ: فيهِ استِحِبَابُ تَسرِيحِ الشَّعرِ، وإذَا لَم يَتْرُكُ النَّبِيُّ بَهَ ذَلِكَ في (١) البخاري (٢٩٩)، ومسلم (١٠/٢٩٧) عن الأسود، والبخاري (٢٩٥)، ومسلم (٩/٢٩٧) عن هشام. (٢) مسلم (٨/٢٩٧)، وأبو عوانة (٦٨٣). (٤) النهاية (٢٠٣/٢). (٦) المحكم (٣٨٢/٧). (٣) ليست في الأصل، وفي (م): ((قال)). (٥) مشارق الأنوار (٢٨٢/١). (٧) التمهيد (٣٢٣/٨). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٥٥ زَمَنِ الاعتِكَافِ، مَعَ قِصَرِهِ واشْتِغَالِهِ بِالْعِبَادَةِ، فَفي غَيرِهِ أولَى، وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُ))(١) عَن أبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: (مَن كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَليُكرِمهُ))، وفيهِ (٢) أيضًا من حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلِ ((الثَّهيُ عَن التَّرجِيلِ إلا غِبَّ))، ورَوى ابنُ طَاهِرٍ فِي كِتَابِ ((صِفَةِ التَّصَوُّفِ))(٣) من حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ: ((أنَّ النَّبِيَّ وَلَِّ كَانَ لا يُفَارِقُ مُصَلاهُ سِواكُهُ ومِشِطُهُ))، ورَواهُ الظَّبَرَانِيُّ في ((الأوسَطِ))(٤)؛ من حَدِيثٍ عَائِشَةَ. قَالَ والِدِي تَخْهُ: وإسنَادُهُمَا ضَعِيفٌ. الرَّابِعَةُ: لَفِظُ رِوايَةِ المُصَنِّفِ مُحتَمِلٌ؛ لِتَسرِيحِ شَعرِ الرَّأسِ ولِتَسرِيحِ شَعرِ اللِّحيَةِ، وكَذَا لَفِظُ البُخَارِيِّ من طَرِيقِ مَعمَرٍ: ((أنَّها كَانَت تُرَجِّلُ النَِّيَّ نَ)، (٤/ ١٧٥م) لَكِن بَقِيَّةُ ألفَاظِ ((الصَّحِيحَينِ)) مُتَعَيِّنَةٌ في شَعرِ الرَّأسِ، كَقَولِها: ((يُدنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأَرَجّلُهُ))؛ فَإِن حَمَلتِ الأولَى على بَقِيَّةِ الرِّوايَاتِ وفَسَّرت بِها، فَتَسرِيحُ شَعرِ اللِّحيَةِ بِالقِيَاسِ، ورَوى التِّرمِذِيُّ في ((الشَّمَائِلِ))(٥) بِإسنادٍ ضَعِيفٍ من حَدِيثِ أَنَسٍ: ((أنَّ النَّبِيَّ نَّ كَانَ يُكثِرُ دَهنَ رَأْسِهِ وتَسرِيحَ لِحِيَتِهِ)). لَكِن مَا كَانَ النَّبِيُّ وَل يَكِلُ تَسرِيحَ لِحَيَتِهِ إِلَى أحَدٍ، وإنَّمَا كَانَ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفسِهِ، بِخِلافِ شَعرِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يَعسُرُ مُبَاشَرَةُ تَسرِيحِهِ، ولا سِيَّمَا في مُؤَخَّرِهِ، فَلِهَذَا كَانَ يَستَعِينُ عَلَيهِ بِزَوجَاتِهِ . الخَامِسَةُ: وفيهِ أنَّ الاشتِغَالَ بِتَسرِيحِ الشَّعرِ لا يُنَافي الاعتِكَافَ، قَالَ الخَطَّابِيُّ(٦): وفي مَعنَاهُ حَلقُ الرَّأسِ وتَقلِيمُ الأظفَارِ وتَنِظِيفُ البَدَنِ من الشَّعَثِ والدَّرَنِ(٧). انتَهَى. ويُؤْخَذُ من ذَلِكَ جَوازُ فِعلِ سَائِرِ الأمُورِ المُبَاحَةِ؛ كالأكلِ والشُّربِ وكَلامِ الدُّنيَا، وعَمَلِ الصَّنعَةِ من خِيَاطَةٍ، وغَيرِها، وبِهَذَا صَرَّحَ أصحَابُنَا وغَيْرُهُم، وعَنْ (١) أبو داود (٤١٦٣). (٢) السابق (٤١٥٩). (٣) أخرجه ابن طاهر، كما في تخريج الإحياء (١/ ١٣٧) وضعفه. (٤) المعجم الأوسط (٦٣٦٧). (٥) الشمائل للترمذي (٣٣). (٦) معالم السنن (١٤٠/٢). (٧) في (الأصل): ((والدهن)). ٢٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مَالِكٍ كَظْهُ(١): أنَّهُ لا يَشتَغِلُ في مَجَالِسِ العِلم، ولا يَكْتُبُهُ(٢)، وإن لَم يَخرُج من المَسجِدِ. والجُمهُورُ على خِلافِهِ، وهَذَا الحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيهِ، فَإِنَّ الاشتِغَالَ بِالعِلمِ وكِتَابَتِهِ أهَمُّ من تَسرِيحِ الشَّعرِ. السَّادِسَةُ: وفيهِ أنَّ مُمَاسَّةَ المُعتَكِفِ لِلنِّسَاءِ و(٣) مُمَاسَّتَهُنَّ لَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيرِ شَهوةٍ لا يُنَافِي اعتِكَافَهُ(٤)، وهو كَذَلِكَ بِلا خِلافٍ، فَإِن كَانَ بِشَهوةٍ فَهُو حَرَامٌ، وهَل يَبطُلُ به الاعتِكَافُ؟ يُنظَرُ، فَإن اقتَرَنَ به إنزَالٌ بَطَلَ(٥) الاعتِكَافُ، وإلا فَلا، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وأحمَدَ وأبِي حَنِيفَةَ وغَيرِهِم (٦)، وقَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ به الاعتِكَافُ، وإن لَم يُنزِل. وأمَّا الجِمَاعُ في الاعتِكَافِ فَهُو حَرَامٌ مُفسِدٌ لَهُ بِالإِجمَاعِ مَعَ التَّعَمُّدِ (٧)، فَإن كَانَ نَاسِيًا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لا يُفسِدُ الاعتِكَافَ. وقَالَ مَالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وأحمَدُ: يُفسِدُ. ] السَّابِعَةُ: قَالَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ(٨): فيهِ أنَّ الْيَدَينِ من المَرأةِ لَيسَتَا بِعَورَةٍ، ولَو كَانَتَا عَورَةً مَا بَاشَرَتَهُ بهمَا في اعتِكَافِهِ؛ لأنَّ المُعتَكِفَ مَنِهِيٌّ عَن المُبَاشَرَةِ، قَالَ الله وَى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَكِّقُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. واعتَرَضَهُ والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ))، فَقَالَ: إِن كَانَت المُبَاشَرَةُ المَنْهِيُّ عَنها تَخْتَصُّ بِالعَورَةِ، فَلَو قَبَّلَ المُعتَكِفُ لَم يَكُن بِذَلِكَ آتِيًّا لِمَا نُهِيَ عَنْهُ! لأنَّ الوجهَ لَيسَ [٣١٦/١و] بِعَورَةٍ، وهو لا يَقُولُ به، فَإِنَّ مَذهَبَ إمَامِهِ: أنَّ القُبلَةَ مُبطِلَةٌ لِلاعتِكَافِ، أمَّا مَن يَحمِلُ المُبَاشَرَةَ على الجِمَاعِ فَلا إشكَالَ في أنَّهُ غَيرُ مُبطِلٍ، إلا أن يَتَّصِلَ به (١٧٦/٤م) الإنزَالُ، فَالمُرَجَّحُ حِينَئِذٍ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ البُطلانُ. وحَكَى ابنُ العَرَبِيِّ(٩) عَنِ الشَّافِعِيِّ: أنَّ النَّهيَ عَنِ المُبَاشَرَةِ هُو على (١) ينظر: الإشراف (١٦٧/٣). في (الأصل): ((بكتبه)). وينظر: شرح البخاري لابن بطال (١٧٢/٤). (٢) (٣) في (الأصل): ((أو)). (٤) في (الأصل): ((الاعتكاف)). (٥) في (ك)، (م): «أبطل)). (٦) ينظر: الإشراف (١٦٥/٣)، والإفصاح (٢٦٥/١). الإشراف (١٦٤/٣). (٧) (٩) عارضة الأحوذي (٥/٤). (٨) التمهيد (٣٢٤/٨). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٥٧ الخُصُوصِ في الوطءِ، ثُمَّ قَالَ: وعَجِبنَا لَهُ كَيفَ يُحمَلُ اللَّمسُ هُنَاكَ على اللَّمسِ بِقَصدٍ وبِغَيرِ قَصدٍ، ويَقُولُ المُبَاشَرَةُ هُنَا على (١) الجِمَاعِ قَالَ: وهَذِهِ المُنَاقَضَةُ لَيسَ لَهُ عَنِها مَرَامٌ. هَذَا كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ. وهو مَرَدُودٌ، وأيُّ مُنَاقَضَةٍ في هَذَا، والمُبَاشَرَةُ واللَّمسُ أمرَانٍ مُختَلِفَانٍ في اللَّفِظِ والمَعنَى، فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ ◌َُّ كُلَّ مِنهُمَا على اللائِقِ به، أمَّا حَملُ المُبَاشَرَةِ على الجِمَاعِ: فَهُو قَولُ تُرجَمَانِ القُرآنِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، وقَالَ به أيضًا عَطَاءُ بنُ أبِي رَبَاحِ، والضَّحَّاكُ، والرَّبِيعُ بنُ أنَسٍ، وآخَرُونَ. ونفَى(٢) ابنُ المُنذِرِ في ذَلِكَ الخِلافِ، فَقَالَ في ((الإشرَافِ))(٣): المُبَاشَرَةُ الَّتِي نَهَى الله عَنها المُعتَكِفَ الجِمَاعُ، لا اختِلافَ فيهِ أعلَمُهُ. انتَهَى. وأمَّا كَونُهُ يَرَى النَّقَضَ بِاللَّمسِ وإِن كَانَ بِغَيرِ قَصدٍ، فَالأحدَاثُ كُلُّها كَذَلِكَ، لَو خَرَجَ حَدَثُهُ بِلا قَصدِ انتَقَضَ وُضُوءُهُ بِالإجمَاعِ، وغَايَةُ مَا يَتَعَلَّقُ به ابنُ العَرَبِيِّ صِيغَةُ المُفَاعَلَةِ في قَوله تَعَالَى: ﴿أَوْ لَمَسُْمُ الْنِسَآءَ﴾ [النساء: ٤٣]. وقَد عَرَفَ أنَّ المُفَاعَلَةَ قَد تَخْرُجُ عَنِ بَابِها؛ كَقَولِك(٤): عَاقَبت اللِّصَّ وطَارَقتُ النَّعلَ، وهِيَ هُنَا كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَو لَمَسَ امَرَأْتَهُ بِلَا حَائِلٍ مُتَلَّذِّذًّا بِها وهِيَ نَائِمَةٌ انتَقَضَ وُضُوءُهُ، ولَو جَامَعَها وهِيَ كَذَلِكَ - بَطَلَ اعتِكَافُهُ، وَيَدُلُّ لذلك قِرَاءَةٌ حَمِزَةً والكِسَائِيِّ(٥): ((أو لمَستُم (٦) النِّسَاءَ)) [النساء: ٤٣]، وهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلقِرَاءَةِ الأخرَى، ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ لا يَخْصُ المُبَاشَرَةَ المُحَرَّمَةَ في الاعتِكَافِ بِالجِمَاعِ؛ بَل يُعَدِّيهِ إِلَى المُبَاشَرَةِ بِشَهوةٍ أيضًا، وإن لَم يَكُن جِمَاعٌ؛ كَالقُبلَةِ واللَّمسِ بِشَهوةٍ، فَيُحَرِّمُ ذَلِكَ. وهَل يَفسُدُ به الاعتِكَافُ إن فَعَلَهُ؟ المُرَجَّحُ عِندَ أصحَابِ الشَّافِعِيِّ: أنَّهُ إن اقْتَرَنَ به إنزَالٌ أفسَدَ الاعتِكَافَ، وإلا فَلا، وقَد تَقَدَّمَ ذَلِكَ. (١) ليست في (الأصل)، وفي مصدر التخريج: ((من)). (٢) في (م): ((و کفی)). (٣) الإشراف (١٦٤/٣). (٤) في (الأصل)، (م): ((كقوله)). (٥) ينظر: النشر (١٨٨/٢). (٦) في (م): ((لا مستم). والصواب المثبت. ينظر: النشر (٢٥٠/٢). ٢٥٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثَّامنةُ: وفيهِ أنَّهُ لا بَأسَ بِاستِخدَامِ الزَّوجَةِ في مِثلِ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَيسَ فيهِ نَقصٌ ولا هَتكُ حُرمَةٍ ولا إضرَارٌ بِها، وقَّالَ النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(١): فيهِ (٢) جَوازُ استِخدَامِ الزَّوجَةِ في الغُسلِ والطَّبخِ والخَبزِ وغيرِها بِرِضَاها، وعلى هَذَا تَظَاهَرَت (٣) دَلائِلُ السُّنَّةِ وعَمَلُ السَّلَفِ وإجْمَاعُ الأمَّةِ، وأَمَّا بِغَيرِ رِضَاها فَلا يَجُوزُ؛ لأنَّ الواجِبَ عَلَيها تَمكِينُ الزَّوجِ من نَفسِها ومُلازَمَةُ بَيتِهِ فَقَط. انتَهَى. وهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إِنَّمَا هُو بِطَرِيقِ القِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنصُوصًا، وشَرطُ القِيَاسِ (٤/ ١٧٧م) مُسَاواةُ الفَرعِ لِلأصلِ، وفي الفَرعِ هُنَا زِيَادَةٌ مَانِعَةٌ من الإلحَاقِ، وهِيَ المَشَقَّةُ الحَاصِلَةُ من الغُسلِ والطَّبخ، ونَحوِهِمَا فَلا يَلزَمُ من استِخِدَامِها في الأمرِ الخَفيفِ احْتِمَالُ ذَلِكَ في الثَّقِيلِ الشَّدِيدِ، ولَسنَا نُنكِرُ هَذَا الحُكمَ، فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وإنَّمَا الكَلامُ في الاستدلالِ من الحَدِيثِ. واللهُ أعلمُ. ■ التَّاسِعَةُ: استَدَلَّ به الخَطَّابِيُّ(٤) على أنَّ المُعتَكِفَ مَمنُوعٌ من الخُرُوجِ من المَسجِدِ إلا لِغَائِطِ أو بَولٍ، ووجهُهُ: أنَّهُ لَو جَازَ لَهُ الخُرُوجُ لِغَيرِ ذَلِكَ لَمَا احْتَاجَ إلَى إخرَاجِ رَأْسِهِ من المَسجِدِ خَاصَّةً، ولَكَانَ يَخرُجُ بِجُمْلَتِهِ لِيَفْعَلَ حَاجَتَهُ من تَسرِيحِ رَأْسِهِ فِي بَيتِهِ، وقَد أَّدَتِ ذَلِكَ بِقَولِها في بَقِيَّةِ الحَدِيثِ: ((وكَانَ لا يَدخُلُ البَيتَ إلا لِحَاجَةِ الإِنسَانِ)). وهِيَ(٥) في ((الصَّحِيحَينِ))، وقَد يُقَالُ: هَذَا فِعلٌ لا يَدُلُّ على الوُجُوبِ. وجَوابُهُ أَنَّهُ بَيَّنَ به الاعتِكَافَ المَذكُورَ في القُرآنِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ على أنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ الاعتِكَافِ، وهَيئَتُهُ المَشرُوعَةُ (٦). واللهُ أعلمُ. ] العَاشِرَةُ: وفيهِ أَنَّ إخرَاجَ الرَّأسِ من المَسجِدِ لا يَبطُلُ به الاعتِكَافُ، وتُقَاسُ (٧) به بَقِيَّةُ الأعضَاءِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيهِ [٣١٦/١ظ] في الأيمَانِ: لَو حَلَفَ لا يَدخُلُ بَيْتًا، فَأَدخَلَ فيهِ بَعضَ أعضَائِهِ كَرَأْسِهِ - لَم يَحنَث، وبِهَذَا صَرَّحَ أصحَابُنَا، فَقَالُوا: لَو أدخَلَ في الدَّارِ يَدَهُ أو رَأْسَهُ أو إحدَى رِجَلَيهِ لَم يَحَث، وكَذَا لَو مَدَّ (١) شرح صحيح مسلم (٢٠٨/٣). (٣) في (الأصل): ((تظافرت)). (٥) في (ك): ((وهو)). (٧) في (ك): ((ويقاس)). (٢) ليست في (الأصل). (٤) معالم السنن (١٤٠/٢). (٦) في (ك): ((المشرعة)). = بَابُ الاعتِكَافِ والمُجَاورَةِ ٢٥٩٤ رِجِلَيهِ وأدخَلَهُمَا الدَّارَ وهو قاعد (١) خَارِجُها لَم يَحِنَث، وإنَّمَا يَحِنَثُ إذَا وضَعَهُمَا في الدَّارِ واعتَمَدَ عَلَيهِمَا، أو حَصَلَ في الدَّارِ مُتَعَلِّقًّا(٢) بِشَيءٍ، وكَذَا في الحَلِفِ على الخُرُوجِ منها، وقَالَ الْبَغَوِيّ في (فَتَاوِيهِ)): فيمَا لَو أدخَلَ رِجلاً واحِدَةً إن اعتَمَدَ على الخَارِجَةِ؛ أي: كَانَ قُواهُ عَلَيها، بِحَيثُ لَو رَفَعَ الدَّاخِلَةَ لَم يَسقُط فَلَم يَدخُل، وإن اعتَمَدَ على الدَّاخِلَةِ فَقَد دَخَلَ. وهو حَسَنٌ. وقَالَ شَيخُنَا الإسنَوِيُّ في ((المُهِمَّاتِ)): لَو اضطَجَعَ وأخرَجَ بَعضَ بَدَنِهِ، فَيُحتَمَلُ اعتِبَارُ الأكثَرِ بِالمِسَاحَةِ(٣)، ويُتَّجَهُ اعتِبَارُهُ بِالفِعلِ؛ لاستِقِرَارِهِ في الحَقِيقَةِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الاعتِمَادَ على الرِّجلِ. الحَادِيَةَ عَشرَ: هَذَا يَدُلُّ على أنَّ عَائِشَةَ مِؤُّنَا لَم تَكُنْ تَعتَكِفُ مَعَهُ كُلَّمَا كَانَ يَعتَكِفُ، وهو كَذَلِكَ، وقَد تَبَيَّنَ بِالرِّوايَاتِ الآخَرِ أنَّها كَانَتْ حِينَئِذٍ حَائِضًا، ولَعَلَّ ذَلِكَ هُو المَانِعُ من اعتِكَافِها، وفيها دَلِيلٌ على أنَّهُ لا بَأسَ بِمُمَاسَّةِ الحَائِضِ في تَرجِيلِ شَعرِ الرَّأسِ وغَسلِهِ، ونَحوِ ذَلِكَ، وهو (١٧٨/٤م) أمرٌ مُجمَعٌ عَلَيهِ. ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَ: الحُجْرَةُ، بِضَمِّ الحَاءِ المُهمَّلَةِ، وإسكانِ الجِيمِ البَيتُ، سُمِّيَت بِذَلِكَ لِنَائِها بِالحِجَارَةِ أو لِمَنِعِها المَالَ(٤)، قَولانِ لأَهلِ اللُّغَةِ، وأضَافَ الحُجرَةَ إِلَى عَائِشَةَ رِّنَا بِاعتِبَارِ سَكَنِها بِها، وإلا فَهِيَ لِلنَّبِّ وََّ، ومن هَذَا قَوله تَعَالَى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. الحَدِيثُ الثَّالِثُ وعَنها، قَالَت: أولُ مَا بُدِىَ به رَسُولُ اللهِ وَّهِ من الوحي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ (٥) في النَّومِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَت مِثلَ فَلَقِ الصُّبحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيهِ الخَلاءُ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فيه، وهو التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَواتِ العَدَدِ، ويَتَزَودُ لذلك، ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَودُ لِمِثلِها، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ (١) ليست في (م). (٢) في (الأصل): ((متغلقا)). (٣) في (الأصل): ((في المساحة)). (٤) في (الأصل): ((الما)). (٥) فى (الأصل): ((الصالحة)). وهما روايتان. ٢٦٠ طرح التثريب في شَرْحِ التّقْرِیبِ وهو في غَارِ حِرَاءَ، فَجَاءَهُ المَلَلُكُ فِيهِ، فَقَالَ: ((اقرَأ)). فَقَالَ رسُولُ الله(١) ◌َتْ: ((فَقُلت: مَا أَنَا بِقَارِئٍ)). قَالَ: ((فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مني الجَهدَ، ثُمَّ أرسَلَنِي))، فَقَالَ: ((اقرَأ)). فَقُلت: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ)). فغطّي الثانية حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني، فقال: ((اقرأ)). فقلت: ((ما أنا بقارئ)) فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مني الجَهدَ، ثُمَّ أرسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿مَا لَمْ يَعَمْ ﴾﴾ [العلق: ١ -٥]، قَالَ: فَرَجَعَ (١٧٩/٤م) بِها تَرجُفُ(٢) بَوادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ على خَدِيجَةَ، فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِ)) فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوعُ، فَقَالَ: ((يَا خَدِيجَةُ، مَالِي))، وأخبَرَها الخَبَرَ، قَالَ: ((وَقَد خَشِيتُ عَلَّ)) فَقَالَت لَهُ: (كَلا، أبشِر، فَواللهِ لا يُخْزِيك اللهُ أَبَدًا، إِنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصدُقُ الحَدِيثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَقرِي الصَّفَ، وتُعِينُ على نَوائِبِ الحَقِّ). ثُمَّ انطَلَقَت به خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَت به ورَقَةَ بنَ نَوفَلِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى بنِ قَصِيٍّ، وهو ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أخِي أبِيها، وكَانَ امرَأَ تَنَصَّرَ في الجَاهِلِيَّةِ، وكَانَ يَكتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، فَكَتَبَ بِالعَرَبِيَّةِ من الإِنجِيلِ مَا شَاءَ الله أن يَكتُبَ، وكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَد عَمِيَ، فَقَالَت خَدِيجَةُ: (أي ابنَ عَمِّ، اسمَع من ابنِ أخِيك)) فَقَالَ ورَقَةُ: ((ابنَ أَخِي مَا تَرَى)). فَأْخِبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ مَا رَأْى، فَقَالَ ورَقَةُ: ((هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنزِلَ على مُوسَى، يَا لَيتَنِي فيها جَذَعًا أَكُونُ حَيَّا حِينَ يُخرِجُك قَومُك)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أو مُخرِجِيَّ هُم؟)) فَقَالَ ورَقَةُ: ((نَعَم، لَم يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئت به إلا عُودِيَ، وإن يُدرِكِنِي يَومُك أَنصُرك نَصرًا مُؤَزَّرًا)). فیهِ فَوائِدُ: الأولَى: أخرَجَهُ الشَّيخَانِ(٣) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عَن مَعمَرٍ. ومن (١) في (م): ((الرسول)). (٢) في (م): ((ترتجف)). (٣) البخاري (٦٩٨٢)، ومسلم (٢٥٣/١٦٠) من طريق عبد الرزاق، والبخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (٢٥٢/١٦٠) من طريق يونس، والبخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٤) من طريق عقيل.