النص المفهرس

صفحات 221-240

=
٢٢١
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
عَلى أنَّ مَحَلَّهَا مُنحَصِرٌ في العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضَانَ، والأولُ، وهُو انحِصَارُهَا
في أوتَارِ العَشرِ الأخِيرِ، قَولٌ [٣٠٨/١ظ] حَكَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ وغَيْرُهُ(١)، ونَصَّ
عَلَيه أحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ (٢)، فَقال: هيَ في العَشْرِ الأواخِرِ في وِترٍ مِن الليَالِي، لَا
يُخِطِئُ، إن شَاءَ الله. وأمَّ انحِصَارُهَا في السَّبعِ الأواخِرِ، فَلَا نَعلَمُ الآنَ قَائِلًا بِهِ،
ولنَحِكِ المَذَاهبَ فِي هَذِهِ المَسألَةِ :
فَأحَدُهَا: أنَّهَا في السَّنَةِ كُلِّهَا، وهُو مَحكِيٍّ عن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ ◌َُته،
وتَابَعَهُ أَبُو حَنِيفَةً، وصَاحِبَاهُ(٣)؛ لَكِن في ((صَحِيحِ مُسلِمٌ))، وغَيرِه (٤) عن
زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، قال: سَألت أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، فَقُلت(٥): إنَّ أخَاك ابنَ مَسعُودٍ يَقُولُ:
مَن يَقُمِ الحَولَ يُصِب لَيلَةَ القَدرِ. فَقال (١٥٢/٤م) تَظْهُ: أَرَادَ أن لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ،
أمَّا أنَّهُ عَلِمَ أنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وأَنَّهَا في العَشرِ الأواخِرِ، وأَنَّهَا لَيلَةُ سَبِعٍ وعِشِرِينَ.
ثُمَّ حَلَفَ - لَا يَستَئِنِي - إِنَّهَا لَيلَةُ سَبِعٍ وِشرِينَ، فَقُلت: بِأيِّ شَيءٍ تَقُولُ ذَلِكَ
يَا أَبَا المُنذِرِ؟ قال: بِالعَلَامَةِ أو بِالآيَةِ، الَّتِي أخبَرَنَا رَسُولُ اللهِ لَّهِ، أَنَّهَا تَطلُعُ
يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا. ويَشهَدُ لِمَا فَهِمَهُ أُبَيِّ رَّهِ مِن كَلَامِ عَبدِ الله: مَا رَواهُ أحمَدُ
في ((مُسنَدِه))(٦) عن أبي عَقرَبَ، قال: غَدَوتُ إلى ابنِ مَسعُودٍ ذَاتَ غَدَاةٍ في
رَمَضَانَ، فَوَجَدتُهُ فَوقَ بَيتٍ جَالِسًا، فَسَمِعنَا صَوتَهُ وهُو يَقُولُ: صَدَقَ الله، وبَلَّغَ
رَسُولُهُ. فَقُلْنَا: سَمِعِنَاكَ تَقَولُ: صَدَقَ الله، وبَلَّغَ رَسُولُهُ. فَقال: إنَّ رَسُولَ اللهَِ
قال: ((لَيلَةُ القَدرِ في النِّصفِ مِن السَّبعِ الأواخِرِ مِن رَمَضَانَ، تَطلُعُ الشَّمسُ(٧)
غَدَاتَئِذٍ صَافيةً، لَيسَ لَهَا شُعَاعٌ)). فَنَظَرَتُ إلَيْهَا، فَوجَدْتُهَا كَمَا قال رَسُولُ اللهِوَلّ)).
ورَواهُ البَزَّارُ في ((مُسَدِه)» (٨) بِنَحوِهِ.
(١) إكمال المعلم (١٤٥/٤)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٥٧/٨).
(٢) المغني (٤٤٩/٤).
(٣) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٨/ ٥٧)، وذكر السرخسي: أن المذهب أنها في
رمضان. وقال أبو حنيفة: تنتقل. وقال الصاحبان: لا تنتقل. المبسوط (١٢٨/٣).
(٤) مسلم (٢٢٠/٧٦٢)، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٣٣٥١)، وابن حبان (٣٦٨٩).
(٥)
(٦) أحمد (٤٠٦/١).
ليست في: الأصل.
(٧) ليست في: الأصل.
(٨) البزار (١٦٢٢).

٢٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفي (مُعجَم الطَّبَرَانِيّ))(١)؛ عن ابنِ مَسعُودٍ رَبُه، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِله
عن لَيْلَةِ القَدرِ. فَقَال: ((أيُّكُم يَذْكُرُ لَيلَةَ الصَّهَبَاواتِ؟)) فَقال عَبدُ الله: أنَا بِأبي أنتَ
وأُمِّي يَا رَسُولَ الله، حِينَ طَلَعَ الفَجرُ، وذَلِكَ لَيلَةُ سَبِعٍ وعِشِرِينَ. والحَدِيثُ رَواهُ
أحمَدُ، وغَيْرُهُ(٢). لَكِن لَم أرَ التَّصرِيحَ بِلَيلَةِ سَبعٍ وعِشرِينَ، إلّ في ((مُعجَم
الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ))، فَلِذَلِكَ اقتَصَرتُ عَلى عَزوِهِ إلَيه.
القَولُ الثَّانِي: أنَّهَا في شَهرِ رَمَضَانَ كُلِّه، وهُو مَحكِيٍّ عن ابنِ عُمَرَ ﴿ًّا،
وطَائِفَةٍ مِن الصَّحَابَةِ، وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُ))(٣) عن ابنِ عُمَرَ، قال: سُئِلَ
رَسُولُ اللهِوَِّ عِن لَيْلَةِ القَدرِ، وأنَا أسمَعُ، قال: ((هيَ في كل(٤) رَمَضَانَ)).
و(٥) قال أبُو دَاوُد: ورُوِيَ مَوقُوفًا عَلَيه.
قُلتُ: والحَدِيثُ مُحتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ، بِأن يَكُونَ مَعنَاهُ: أنَّهَا تَتَكَرَّرُ وتُوجَدُ في
كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ، لَا أَنَّهَا وُجِدَت مَرَّةً في الدَّهرِ، فَلَا يَكُونُ فيه دَلِيلٌ
لِهَذَا القَولِ، وكَذَلِكَ مَا رَواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)) (٦) عن الحَسَنِ - وهُو
البَصرِيُّ - قال: لَيلَةُ القَدرِ في كُلِّ رَمَضَانَ. مُحتَمِلٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ، وقال
المَحَامِلِيُّ في ((التَّجرِيدِ))(٧): مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ أنَّ لَيلَةَ القَدرِ تُلتَمَسُ في جَمِيعٍ
شَهرٍ رَمَضَانَ، وآَكَدُهُ العَشرُ الأُخَرُ، وآكَدُهُ لَيَالِي الوِترِ مِن العَشرِ الأواخِرِ .
انتَھَی .
والمَشهُورُ مِن مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اختِصَاصُهَا بِالعَشرِ الأواخِرِ، كَمَا سَيَأْتِي.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا أولُ لَيلَةٍ مِن شَهرٍ رَمَضَانَ، وهُو مَحكِيٍّ عن أبي رَزِينٍ
العُقَيِلِيِّ، أحَدِ الصَّحَابَةِ هُّه.
الرَّابِعُ: أنَّهَا في العَشرِ الأوسَطِ والأواخِرِ، حَكَاهُ (١٥٣/٤م) القَاضِي عِيَاضٌ
(١) المعجم الكبير (١٥٢/١٠) (١٠٢٨٩).
(٢) أحمد (٣٧٦/١)، وأبو يعلى (٥٣٩٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٩٣/٣).
(٤) من (ك)، ومصدر التخريج.
(٣) أبو داود (١٣٨٧).
(٥)
ليست في (ك).
(٧) ينظر: المجموع (٤٩٠/٦).
(٦) ابن أبي شيبة (٥١٤/٢).

=
٢٢٣
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
وغَيرُهُ(١)، ويَرُدُّهُ مَا في ((الصَّحِيحِ)) (٢): عن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ: مِن قَولِ
جِبْرِيلَ عَلَُّ لِلنَِّنَّه لَمَّا أن اعتَكَفَ العَشرَ الأوسَطَ: ((إِنَّ الَّذِي تَطلُبُ أمَامَك)).
الخَامِسُ: أَنَّهَا(٣) في العَشرِ الأواخِرِ فَقَط. ويَدُلُّ لَهُ قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ
والسَّلامُ: ((التَمِسُوهَا في العَشرِ الأواخِرِ))، وقَولُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إِنِّي
اعتَكَفت العَشرَ الأُولَ، ألتَمِسُ هَذِه الليلَةَ، ثُمَّ إِنِّي اعتَكَفت العَشرَ الأوسَطَ، ثُمَّ
أَتَيت، فَقِيلَ لِي: إنَّهَا في العَشرِ الأواخِرِ)). وكِلَاهُمَا في ((الصَّحِيحِ))(٤). وبِهَذَا قال
جُمُهُورُ العُلَمَاءِ.
السَّادِسُ: أَنَّهَا تَخْتَصُ بِأوتَارِ العَشرِ الأخِيرِ، وعَلَيه يَدُلُّ حَدِيثُ ابنٍ عُمَرَ
الأولُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وفي (مُسنَدِ أحمَدَ))، و((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ))(٥) عن عُبَادَةَ بنِ
الصَّامِتِ نَّهِ: أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عِن لَيْلَةِ القَدرِ، فَقال: ((في رَمَضَانَ،
فَالتَمِسُوهَا في العَشرِ الأَواخِرِ، فَإِنَّهَا في وِترٍ، في [٣٠٩/١و] إحدَى وعِشرِينَ، أو
ثَلَاثٍ وعِشرِينَ، أو خَمسٍ وعِشرِينَ، أو سَبعٍ وعِشرِينَ، أو تِسعِ وعِشرِينَ، أو في
آخِرٍ لَيلَةٍ، فَمَن قَامَهَا ابْتِغَاءَهَا ثُمَّ وُفِّقَت لَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَّنِهِ ومَا تَأْخَّرَ)). فيه
عَبدُ الله بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، وهُو حَسَنُ الحَدِيثِ(٦). وفي قَولِه: ((أو في آخِر
لَيلَةٍ) سُؤَالٌ؛ لِأَنَّهَا لَيسَت وِترًا، إن كَانَ الشَّهرُ كَامِلًا. وقَد قال أولًا: ((فَإِنَّهَا في
وترٍ))، وإِن كَانَ نَاقِصًا، فَهِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وعِشِرِينَ، فَلَا مَعنَى لِعَطِفِهَا عَلَيهَا .
وجَوابُهُ أنَّ قَولَهُ: ((أو في آخِرٍ لَيلَةٍ)) مَعطُوفٌ عَلى قَولِه: ((فَإِنَّهَا في وِتِرٍ))
لَا عَلى قَولِه: ((أو تِسع وعِشِرِينَ))، فَلَيسَ تَفْسِيرًا لِلوِتْرِ، بَل مَعْطُوفًا عَلَيْه.
السَّابِعُ: أنَّهَا تَختَصُّ بِإِشفَاعِه لِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ في ((الصَّحِيحِ))(٧):
((التَمِسُوهَا في العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضَانَ، والتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ، والسَّابِعَةِ،
(١) إكمال المعلم (١٤٥/٤)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٨/ ٥٧).
(٣) ليست في: الأصل.
(٢) البخاري (٨١٣).
(٤)
مسلم (٢١٥/١١٦٧).
(٥) أحمد (٣١٨/٥)، والطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (٤٠٨/٣).
(٧) مسلم (٢١٧/١١٦٧).
(٦) ينظر: التقريب (٣٦١٧).

٢٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والخَامِسَةِ))، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّكُم أعلَمُ بِالعَدَدِ مِنَّا، قال: أجَل، نَحنُ أحَقُّ
بِذَلِكَ(١) مِنكُم. قال: قُلتُ: مَا التَّاسِعَةُ، والسَّابِعَةُ، والخَامِسَةُ؟ قال: إذَا مَضَت
واحِدَةٌ وعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَانِ وعِشْرُونَ وهيَ النَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَت(٢) ثَلَاثٌ
وعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمسٌ وعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا الخَامِسَةُ.
الثَّامِنُ: أنَّهَا لَيْلَةُ سَبِعَ(٣) عَشِرَةً، وهُو مَحْكِيٍّ عن زَيدِ بنِ أرقَمَ، وابنٍ مَسعُودٍ
أيضًا، والحَسَنِ البَصرِيِّ. فَفي ((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ))، وغَيرِه (٤) عن زَيدِ بنِ أرقَمَ،
قال: مَا أشُكُ، ومَا (٥) أمتَرِي أَنَّهَا لَيلَةُ سَبعَ عَشْرَةَ، لَيلَةَ أُنزِلَ القُرآنُ، وَيَومَ التَّقَى
الجَمِعَانِ، وعن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ: أنَّهُ كَانَ يُحِي لَيلَةَ سَبعَ عَشرَةَ، [فَقِيلَ لَهُ: تُحيِي
لَيلَةَ سَبعَ عَشرَةَ؟](٦)، قال: إنَّ فيهَا نَزَلَ القُرآنُ، وفي صَبيحَتِهَا فُرِّقَ بَيْنَ الحَقِّ
والبَاطِلِ، وكَانَ يُصبحُ فيهَا (٤/ ١٥٤م) بَهِيجَ(٧) الوجه)) (٨).
التَّاسِعُ: أَنَّهَا لَيلَةُ تِسعَ عَشرَةَ، وهُو مَحكِيٍّ عن عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِبٍ،
وابنِ مَسعُودٍ أيضًا .
العَاشِرُ: أنَّهَا تُطلَبُ في لَيلَةِ سَبِعَ عَشرَةَ، أو إحدَى وعِشرِينَ، أو ثَلَاثٍ
وعِشرِينَ. حُكِيَ عن عَلِيٍّ، وابنٍ مَسعُودٍ أيضًا، ويَدُلُّ لَهُ مَا في ((سُنَنِ أبِي دَاوُه))(٩)
عن ابنِ مَسعُودٍ قال: قال لَنَا رَسُولُ اللهِ وَّهُ فِي لَيْلَةِ القَدرِ: ((اطلُبُوهَا لَيلَةَ سَبِعَ
عَشرَةَ مِن رَمَضَانَ، ولَيلَةَ إحدَى وعِشِرِينَ، ولَيلَةَ ثَلَاثٍ وعِشِرِينَ)). ثُمَّ سَكّتَ.
الحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهَا لَيلَةُ إحدَى وعِشْرِينَ، ويَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أبي سَعِيدِ الثَّابِتُ
في (الصَّحِيحِ)) (١٠) الَّذِي فيه: ((وإِنِّي أُرِيتُهَا لَيلَةَ وِتِرٍ ، وأَنِّي أسجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا في
مَاءٍ وطِينٍ))، فَأَصْبَحَ مِن لَيْلَةِ إحدَى وعِشْرِينَ، وقَد قَامَ إلى الصُّبحِ، فَمَطَرَت
(١) في الأصل: ((بذاك)).
في الأصل: ((سبعة)).
(٣)
(٥)
فى الأصل: ((ولا)).
في الأصل: ((مبهج)).
(٩) أبو داود (١٣٨٤).
(١٠) البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (٢١٣/١١٦٧).
(٢) في الأصل: ((مضی)).
(٤) المعجم الكبير (١٩٨/٥) (٥٠٧٩).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٨) الطبراني في الكبير (١٣٥/٥) (٤٨٦٥).
(٧)

=
بَابُ لَيلَةِ القَدِ
٢٢٥
السَّمَاءُ، فَوَكَفَ المَسجِدُ، فَأْبِصَرت الطِّينَ والمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِن صَلَاتِهِ،
وجَبِينُهُ ورَوثةُ(١) أنفِه فيهَا الطِّنُ والمَاءُ، وإِذَا هِيَ لَيلَةُ إحدَى وعِشْرِينَ مِن العَشرِ
الأواخِرِ .
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهَا لَيلَةُ ثَلَاثٍ وعِشرِينَ، وهُو قَولُ جَمعٍ كَثِيرِينَ(٢) مِن
الصَّحَابَةِ وغَيرِهم، ويَدُلُّ لَهُ مَا رَواهُ مُسلِمٌ في ((صَحِيحِه)(٣) عن عَبَدِ الله بنِ أُنَيسٍ:
أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قال: ((أُرِيتُ لَيلَةَ القَدرِ، ثُمَّ أُنسِيتُهَا، وأرَانِي صَبِيحَتَهَا (٤) أسجُدُ
في مَاءٍ وطِينٍ))، قال: فَمُطِرِنَا لَيلَةَ ثَلَاثٍ وعِشرِينَ، فَصَلَى بِنَا رَسُولُ اللهَِه
فَانْصَرَفَ، وإِنَّ أثَرَ المَاءِ والطِّينِ عَلى جَبهَتِهِ(٥) وأنفِه.
وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))(٦) عنهُ أيضًا، قال: قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ لِي بَادِيَةً
أَكُونُ فيهَا، وأنَا أُصَلِّي فيهَا بِحَمْدِ الله، فَمُرِي بِلَيْلَةٍ أَنزِلُهَا إلى هَذَا المَسجِدِ،
فَقال: ((انزِل لَيلَةَ ثَلَاثٍ وعِشِرِينَ)).
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهَا لَيلَةُ أربَع وعِشرِينَ، وهُو مَحكِيٍّ عن بِلَالٍ، وابنِ عَبَّاسٍ،
وقَتَادَةَ، والحَسَنُ.
وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٧) عن ابنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا عَلَيه: التَمِسُوا لَيلَةَ القَدرِ
في أربَعِ وعِشرِينَ. ذَكَرَهُ عَقِبَ حَدِيثِهِ: ((هيَ في العَشرِ، في سَبعٍ تَمِضِينَ، أو سَبِعٍ
تَبقَينَ)). (١٥٥/٤م) وظَاهرُهُ [٣٠٩/١ظ]: أنَّهُ تَفسِيرٌ لِلحَدِيثِ، فَيَّكُونُ عُمدَةً، وفيّ
(مُسنَدِ أحمَدَ)(٨) عن بِلَالٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِوَّرِ قال: «لَيلَةُ القَدرِ لَيلَةُ أربَعِ
وعِشرِینَ)).
الرَّابِعَ عَشَرَ: أنَّهَا لَيلَةُ خَمسٍ وعِشرِينَ، حَكَاهُ ابنُ العَرَبي في ((شَرحِ
التِّرمِذِيِّ»(٩)، قال: وفي ذَلِكَ أثّرٌ.
في (م): ((وأرنبة))، و((روثة أنفه)) هى: طرفه.
(١)
(٢) في الأصل: ((كثير)).
(٤)
ليست في: الأصل.
(٦) أبو داود (١٣٨٠).
(٨) أحمد (١٢/٦).
(٣) مسلم (٢١٨/١١٦٨).
(٥) في الأصل: ((جبينه)).
(٧) البخاري، عقب حديث (٢٠٢٢).
(٩) عارضة الأحوذي (٩/٤).

٢٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّهَا لَيلَةُ ثَلَاثٍ وعِشِرِينَ، أو سَبعٍ وعِشرِينَ، وهُو مَحكِيٍّ عن
ابنِ عَبَّاسٍ، ويَدُلُّ لَهُ مَا في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(١) عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: قال
رَسُولُ اللهِ وَّرِ: ((هيَ في العَشرِ فِي سَبِعٍ تمضِينَ، أو سَبِعٍ يَبقَينَ))؛ يَعنِي: لَيلَةَ
القَدرِ .
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهَا لَيلَةُ سَبعٍ وعِشرِينَ، وبِه قال جَمعٌ كَثِيرُونَ مِن الصَّحَابَةِ
وغَيرِهم، وكَانَ أُبَيّ بنُ كَعبٍ يَحِلِفُ عَلَيْه كَمَا تَقَدَّمَ.
وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٢) عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ: كَانَ عُمَرُ، وحُذَيفَةُ،
وأُنَاسٌ مِن أصحَابِ رَسُولِ اللهِ وَّهُ لَا يَشُكُّونَ فِيهَا، لَيلَةَ سَبع وعِشِرِينَ. وحَكَاهُ
الشَّاشِيُّ في ((الحِليَةِ)) (٣) عن أكثَرِ العُلَمَاءِ، وقال النَّووِيُّ في ((َشَرحِ المُهَذَّبِ))(٤):
إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَقْلِ الجُمهُورِ.
وقَد ورَدَت أحَادِيثُ صَرِيحَةٌ في أنَّهَا لَيلَةُ سَبِعٍ وعِشرِينَ، فَفي ((سُنَنِ
أبي دَاوُد))(٥) عن مُعَاوِيَةَ مَرفُوعًا: (لَيلَةُ القَدرِ لَيلَةُ سَبعَ وعِشرِينَ))، وفي ((مُسنَدٍ
أحمَدَ))(٦) عن ابنِ عُمَرَ مَرفُوعًا: ((مَن كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلَيَتَخَّرَّهَا لَيلَةَ سَبع وعِشِرِينَ))،
وفي ((المُعجَم الأوسَطِ))(٧) لِلطَّبَرَانِيِّ عن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ مَرُفُوعًا: ((الْتَمِسُوا لَيلَةَ
القَدرِ لَيلَةَ سَبْعِ وعِشرِينَ))، واستَدَلَّ ابنُ عَبَّاسِ عَلى ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالى خَلَقَ
السَّمُواتِ سَبعًا، والأرَضِينَ سَبعًا، والأيَّامَ سَبعةً (٨)، وأنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ مِن سَبعٍ،
وجُعِلَ رِزقُهُ في سَبع، ويَسجُدُ عَلى سَبعَةِ أعضَاءٍ، والطّوافُ سَبعٌ، والجِمَّارُ
سَبعٌ (٩). واستَحسَنَ ذَلِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، واستَدَلَّ بَعضُهُم عَلى ذَلِكَ: بِأنَّ عَدَدَ
(١) البخاري (٢٠٢٢).
(٢) ابن أبي شيبة (٥١٢/٢).
حلية العلماء (١٧٨/٣)، ولم يحكه إلا عن أُبي، وابن عباس.
(٣)
(٤)
المجموع (٦ /٤٩٤).
(٥) أبو داود (١٣٨٦).
(٦)
أحمد (٢٧/٢).
لم أجده في الأوسط، وإنما هو في المعجم الصغير (٢٨٥).
(٧)
(٨)
في (م): ((سبعًا)).
(٩) أخرجه عبد الرزاق (٧٦٧٩)، والطبراني في الكبير (٢٦٤/١٠) (١٠٦١٨)، والبيهقي في
الكبرى (٣١٣/٤).

=
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
٢٢٧
كَلِمَاتِ السُّورَةِ إلى قَولِه: ﴿هِىَ﴾ [القدر: ٥] سَبعٌ وعِشرُونَ، وفيه إشَارَةٌ إلى ذَلِكَ،
وحُكِيَ ذَلِكَ عن ابنِ عَبَّاسٍ نَفسِه؛ حَكَاهُ عنهُ ابنُ العَرَبِي، وابنُ قُدَامَةً(١). وقال
ابْنُ عَطِيَّةَ في ((تَفسِيرِه)(٢) بَعدَ نَقلِ ذَلِكَ، ونَظِيرَينٍ لَهُ: وهَذَا مِن مُلَحِ التَّفسِيرِ،
ولَيسَ مِن مَتِيِنِ (٣) العِلمِ. وحَكَاهُ ابنُ حَزمٍ(٤) عن ابنِ بُكَير المَالِكِيِّ، وبَالَغَ في
إِنكَارِهِ، وقال: إنَّهُ مِن طَرائِفٍ(٥) الوسواسِ، ولَو لَم يَكُن فيه أكثَرُ مِن دَعواهُ: أَنَّهُ
وقَفَ عَلى مَا غَابَ مِن ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِوَِّ. انتَهَى.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهَا لَيلَةُ تِسِعِ وعِشِرِينَ، حَكَاهُ ابنُ العَرَبي(٦).
الثَّامِنَ عَشَرَ: أنَّهَا آخِرُ لَيلَةٍ، حَكَاهُ(٧) القَاضِي عِيَاضٌ وغَيْرُهُ(٨)، ويَتَدَاخَلُ
هَذَا القَولُ مَعَ الَّذِي قَبلَهُ إذَا كَانَ الشَّهرُ نَاقِصًا، ورَوى مُحَمَّدُ بنُ نَصرِ المَروزِيُّ
في (١٥٦/٤م) ((الصَّلَاةِ))(٩) مِن حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ مَرفُوعًا: ((التَمِسُوا لَيلَةَ القَدرِ آخِرَ
لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ»، وفي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ الثَّانِي الأمرُ بِتَحَرِّيهَا في السَّبعِ الأواخِرِ،
ولَم أرَ قَائِلًا بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وإِذَا عَدَدنَاهُ قَولًا كَانَ تَاسِعَ عَشَرَ.
وإِن نَظَرْنَا لِمَا تَدُلُّ عَلَيه الأحَادِيثُ، وإِن لَم يَقُل بِهِ أحَدٌ، اجتَمَعَت
مِن ذَلِكَ أقوالٌ أُخَرُ، فَنَذْكُرُهَا مَعَ ذِكرِ مَا يَدُلُّ عَلَيهَا، وإِن لَم نَقِف عَلى
القَولِ بِهَا.
العِشرُونَ: أَنَّهَا لَيلَةُ اثْنَينٍ وعِشرِينَ، أو ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ، في ((سُنَنِ
أبي دَاوُ))(١٠) عن عَبدِ الله بنٍ أُنَيسٍ، قال: كُنت في مَجلِسٍ بَنِي سَلِمَةَ، وأنَا
أصغَرُهُم، فَقَالُوا: مَن يَسألُ لَنَا رَسُولَ اللهِ وَّ عِن لَيلَةِ القَدرِ، وذَلِكَ صَبِيحَةً
(١) عارضة الأحوذي (٩/٤)، والمغني (٤٥١/٤).
(٣) في (م): ((متعين)).
(٢) المحرر الوجيز (٦١/١).
(٤) المحلى (٣٥/٧).
(٥) في (م): ((طوائف)).
(٦) عارضة الأحوذي (٩/٤)، وقد وقع تصحيف في مطبوعة العارضة، فقال: ((الثامن: أنها
ليلة سبع وعشرين)). وقد ذكر قبلها في القول السابع أنها ليلة سبع وعشرين.
(٧) في (م): ((حكاها)).
(٩) مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص٢٥٣).
(٨) إكمال المعلم (١٤٦/٤).
(١٠) أبو داود (١٣٧٩).

=
٢٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إحدَى وعِشْرِينَ، فَخَرَجت فَوافَيت مَعَ رَسُولِ اللهِوَلَّهِ صَلَاةَ المَغْرِبِ ... فَذَكَرَ
الحَدِيثَ. وفيه: أرسَلَنِي إِلَيك رَهٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ، يَسألُونَك عن لَيلَةِ القَدرِ .
فَقال: ((كَم الليلَةَ؟». قُلتُ: اثْتَتَانِ وعِشْرُونَ. قال: ((هيَ الليلَةُ))، ثُمَّ رَجَعَ فَقال:
((أو القَابِلَةُ)) يُرِيدُ: لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وعِشِرِينَ.
الحَادِي والعِشرُونَ: لَيلَةُ إحدَى، أو ثَلَاثٍ، أو خَمسٍ، أو سَبعٍ وعِشرِينَ،
أو آخِرُ لَيلَةٍ، في ((جَامِعِ التِّرمِذِيِّ»(١) [٣١٠/١و] عن أبي بَكرَةَ نَّهِ، قال: مَا أَنَا
بِمُلتَمِسِهَا، لِشَيءٍ سَمِعته مِن رَسُولِ اللهِوَله إلَّ في العَشرِ الأواخِرِ، فَإِنِّي سَمِعتُه
يَقُولُ: ((التَمِسُوهَا لِتِسعِ يَبقَينَ(٢)، أو سَبِعٍ يَبقَينَ، أو خَمسٍ يَبقَينَ، أو ثَلَاثٍ، أو
آخِرِ لَيلَةٍ)). قال التِّرِمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الثَّانِي والعِشرُونَ: لَيلَةُ إحدَى، أو ثَلَاثٍ، أو خَمسٍ وعِشرِينَ، في ((صَحِيحٍ
البُخَارِيِّ)) (٣) عن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِيُخْبِرَ بِلَيَلَةِ القَدرِ،
فَتَلَاحَى رَجُلَانٍ مِن المُسلِمِينَ، فَقال النَّبِي ◌ِِّ: ((إِنِّي خَرَجت لِأُخبِرَكُم بِلَيلَةٍ
القَدرِ ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَت، وعَسَى أن يَكُونَ(٤) خَيرًا فَالتَمِسُوهَا في
التَّاسِعَةِ، والسَّابِعَةِ، والخَامِسَةِ)).، فَالظَّاهرُ: أنَّ المُرَادَ: في التَّاسِعَةِ تَبقَى،
لِتَقدِيمِه(٥) التَّاسِعَةَ عَلى السَّابِعَةَ، وهيَ عَلى الخَامِسَةِ، ويَدُلُّ لَهُ مَا في ((سُنَنِ
أبي دَاوُ))(٦) عن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِي وَلَ قال: ((التَمِسُوهَا في العَشرِ الأواخِرِ مِن
رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدرِ في تَاسِعَةٍ تَبقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبقَى، في خَامِسَةٍ تَبقَى))، وفي
((المُدَونَةِ)) (٧): قال مَالِكٌ تَخْهُ فِي قَولِ النَّبِيِ نََّ: ((التَمِسُوا لَيلَةَ القَدرِ فِي التَّاسِعَةِ
والسَّابِعَةِ والخَامِسَةِ)): فَأَرَى، واللهُ أعلمُ، أنَّ التَّاسِعَةَ: لَيلَةُ إحدَى وعِشرِينَ،
والسَّابِعَةَ: لَيلَةُ ثَلَاثٍ وعِشْرِينَ، والخَامِسَةَ: لَيلَةُ خَمسٍ وعِشِرِينَ. يُرِيدُ في هَذَا
عَلى نُقْصَانِ الشّهرِ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ ابنُ حَبيبٍ.
الترمذي (٧٩٤).
(١)
(٣)
البخاري (٢٠٢٣).
في (م): ((لتقدیم)).
(٥)
(٧) المدونة (٢٣٩/١).
(٢) في الأصل: ((بقين)).
(٤) في (ك): ((تكون)).
(٦) أبو داود (١٣٨١).

=
٢٢٩
3
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
الثَّالِثُ والعِشرُونَ (١٥٧/٤م): لَيلَةُ ثَلَاثٍ، أو خَمسٍ وعِشرِينَ، في ((مُسنَدِ
أحمَدَ)(١) عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ: أنَّ رَسُولَ الله ◌َّهَ سُئِلَ عن لَيْلَةِ القَدرِ، فَقال: ((هِيَ
في العَشرِ الأواخِرِ، ثُم (٢) في الثَّالِثَةِ، أو الخَامِسَةِ))، فَالظَّاهرُ: أنَّ المُرَادَ قُم في
الثَّالِثَةِ تَمِضِي، لِتَقَدِيمِه لَهَا عَلى الخَامِسَةِ.
الرَّابعُ والعِشرُونَ: لَيلَةُ السَّابِعِ، أو التَّاسِعِ والعِشِرِينَ، في ((مُسنَدِ أحمَدَ)»
وغَيرِه (٣) عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قال فِي لَيْلَةِ القَدرِ: ((إِنَّهَا لَيلَةٌ سَابِعَةٍ،
أو تَاسِعَةٍ وعِشرِينَ، إِنَّ المَلَائِكَةَ تِلكَ الليلَةَ في الأرضِ أكثَرُ مِن عَدَدِ الحَصَى))،
وفي رِوايَةِ الطَّبَرَانِيِّ في ((مُعجَمِهِ الأوسَطِ)) (٤): ((مِن عَدَدِ النُّجُومِ).
الخَامِسُ والعِشرُونَ: أَنَّهَا في أوتَارِ العَشرِ الأخِيرِ، أو في لَيلَةٍ سَبِعَ عَشرَةً،
أو تِسْعَ عَشرَةَ، في ((مُعجَمِ الطَّيَرَانِيِّ الأوسَطِ))(٥)، عن أبي هُرَيرَةً: أنَّ النَّبِيّ ◌َِل
قال: ((التَمِسُوا لَيلَةَ القَدرِ فِي سَبعَ عَشرَةَ، أو تِسعَ عَشرَةَ، أو إحدَى وعِشرِينَ، أو
ثَلَاثٍ وعِشرِينَ، أو خَمسٍ وعِشِرِينَ، أو سَبِعٍ وعِشِرِينَ، أو تِسعٍ وعِشرِينَ)).
السَّادِسُ والعِشرُونَ: أولُ لَيلَةٍ مِن شَهرِ رَمَضَانَ، أو لَيلَةُ التَّاسِعِ، أو الرَّابِعَ
عَشَرَ، أو لَيْلَةُ إحدَى وعِشِرِينَ، أو آخِرُ لَيْلَةٍ، رَوى ابنُ مَرَدُويه في ((تَفْسِيرِ))(٦)، عن
أَنَسِ بنِ مَالِكِ، عن النَّبِيِوَِّ، قال: ((التَمِسُوا لَيلَةَ القَدرِ في أولٍ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ،
وفي تِسعَةٍ، وفي أربَعَ عَشرَةً، وفي إحدَى وعِشِرِينَ، وفي آخِرِ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ)) .
وهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلى أَنَّهَا تَلزَمُ لَيَلَةً بِعَيْنِهَا، كَمَا هُو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وغَيرِهِ، وبِهِ
قال ابنُ حَزم(٧)، والصَّحِيحُ في(٨) مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ: أنَّهَا تَختَصُّ بِالعَشرِ الأخِيرِ،
وأنَّهَا في الأَوتَارِ أرجَى مِنهَا في الأشفَاعِ، وأرجَاهَا (٩) لَيلَةُ الحَادِي والعِشرِينَ،
(١) أحمد (٢٣٤/٥).
(٢) ليست في مصدر التخريج.
(٣) أحمد (٥١٩/٢)، والطيالسي (٢٦٦٨)، والبزار (٩٤٤٧).
(٤) المعجم الأوسط (٢٥٢٢).
(٥) المعجم الأوسط (١٢٨٤).
(٦) ابن مردويه، كما في الدر المنثور (٥٤٥/١٥).
(٧) المحلى (٣٣/٧).
(٩) في الأصل: ((فأرجاها)).
(٨) في الأصل: ((من)).

=
٢٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والثَّالِثِ والعِشرِينَ، وحَكَى التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِه)) (١) عن الشَّافِعِيِّ تَخْتُهُ، أنَّهُ قال في
اخْتِلَافِ الأحَادِيثِ فِي ذَلِكَ: كَانَ هَذَا عِندِي، واللهُ أعلَمُ، أنَّ النَّبِيِ وَّهَ كَانَ يُجِيبُ
عَلى نَحوِ مَا يُسألُ عنهُ، يُقَالُ لَهُ: نَلتَمِسُهَا فِي لَيَلَةِ كَذَا. فَيَقُولُ: ((التَمِسُوهَا فِي لَيلَةٍ
كَذَا)). قال الشَّافِعِيُّ: وأقوى الرِّوَايَاتِ عِندِي فيهَا لَيلَةُ إحدَى وعِشرِينَ. وحَكَى
البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٢) عن الشَّافِعِيِّ في القَدِيمِ: أنَّهُ قال: وكَأَنِّي(٣) رَأيت، واللهُ
أعلَمُ، أقوى الأحَادِيثِ فيه لَيلَةُ إحدَى وعِشرِينَ، وَلَيلَةُ ثَلَاثٍ وعِشِرِينَ. انتَهَى.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِن العُلَمَاءِ إلى أنَّهَا تَنْتَقِلُ، فَتَكُونُ سَنَةً فِي لَيلَةٍ، وسَنَةً في
لَيَلَةٍ أُخرَى، وهَكَذَا. ورَواهُ ابنُ أبي شَيبَةً في ((مُصَنَّفِه)) (٤) عن أبي قِلَابَةَ، وهُو قَولُ
مَالِكِ، وسُفيَانَ الثَّورِيِّ، وأحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، (١٥٨/٤م) وإِسحَاقَ بنِ رَاهويه،
وأبي ثَورٍ [١/ ٣١٠ظ]، وغَيرِهم. وعَزَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستِذْكَارِ))(٥) لِلشَّافِعِيِّ،
ولَا نَعرِفُهُ عنهُ، ولَكِن قال بِهِ مِن أصحَابِهِ المُزَنِيّ، وابنُ خُزَيمَةَ(٦)، وهُو المُختَارُ
عِندَ النَّوِيِّ وغَيرِه(٧). واستَحسَنَهُ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(٨)، لِلجَمعِ بَيْنَ الأحَادِيثِ
الوارِدَةِ في ذَلِكَ، فَإِنَّهَا اختَلَفَت اختِلَافًا لَا يُمكِنُ مَعَهُ الجَمْعُ بَيْنَهَا إلَّا بِذَلِكَ،
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩): الأغلَبُ مِن قَولِه: ((في السَّبعِ الأواخِرِ)) أنَّهُ فِي ذَلِكَ العَامِ،
واللّهُ أعلَمُ، لِئَلَا يَتَضَاذَّ مَعَ (١٠) قَولِه: ((في العَشرِ الأواخِرِ)) ويَكُونُ(١١) قاله وقَد
مَضَى مِن الشَّهرِ مَا يُوجِبُ قَولَ ذَلِكَ. انتَهَى.
وإِذَا فَرَّعِنَا عَلى انِتِقَالِهَا فَعَلَيه أقوالٌ:
أحَدُهَا: أنَّها (١٢) تَنْتَقِلُ، فَتَكُونُ إمَّا فِي لَيْلَةِ الحَادِي والعِشرِينَ، أو الثَّالِثِ
والعِشرِينَ، أو الخَامِسِ والعِشرِينَ.
(١) الترمذي، عقب حديث (٧٩٢).
(٣)
في الأصل: ((إني)).
(٥)
الاستذكار (٤١٣/٣).
(٧) شرح صحيح مسلم (٥٧/٨).
(٩) الاستذكار (٤٠٨/٣).
(١١) في الأصل، (ك): ((أو يكون))، والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(١٢) في (م): («أنه)).
(٢) معرفة السنن والآثار (٤٥٣/٣).
(٤) ابن أبي شيبة (٧٦/٣).
(٦) صحيح ابن خزيمة (٣٢٧/٣، ٣٢٩).
(٨) إحكام الأحكام (ص٤٣٦).
(١٠) ليست في: الأصل.

=
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
٢٣١
الثَّانِ: أنَّهَا في لَيلَةِ الخَامِسِ والعِشرِينَ، أو السَّابِعِ والعِشرِينَ، أو التَّاسِعِ
والعِشرِينَ، وكِلَاهُمَا في مَذهَبِ مَالِكٍ. قال ابنُ الحَاجِبِ (١): وقَولُ مَن قال مِن
العُلَمَاءِ: إنَّهَا في جَمِيعِ العَشرِ الأواخِرِ (٢)، أو في جَمِيعِ الشَّهرِ، ضَعِيفٌ.
الثَّالِثُ: أنَّهَا تَنتَقِلُ في العَشرِ الأخِيرِ، وهَذَا قَولُ مَن قال بِانتِقَالِهَا مِن
الشَّافِعِيَّةِ .
الرَّابعُ: أنَّهَا تَنتَقِلُ في جَمِيعِ الشَّهرِ، وهُو مُقتَضَى كَلَامِ الحَنَابِلَةِ، قال
ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٣): يُستَحَبُّ طَلَبُهَا في جَمِيعِ لَيَالِيٍ رَمَضَانَ، وفي العَشرِ
الأواخِرِ (٤) آكَدُ، وفي لَيَالِي الوِترِ مِنهُ آكَدُ. ثُمَّ حَكَى قَولَ أحمَدَ: هيَ في العَشرِ
الأواخِرِ في وِترٍ مِن الليَالِي لَا تُخِطِئُ إن شَاءَ الله. وقَد قَدَّمت ذَلِكَ عنهُ، ومُقْتَضَاهُ
اختِصَاصُهَا بِأوْتَارِ العَشرِ الأخِيرِ، فَإِذَا انضَمَّ إِلَيهِ القَولُ بِانتِقَالِهَا، صَارَ هَذَا قَوْلًا
خَامِسًا عَلى الانتِقَالِ، فَتَنضَمُّ(٥) هَذِهِ الأقوالُ الخَمسَةُ لِمَا (٦) تَقَدَّمَ، فَتَكُونُ أحَدًا
وثَلَائِينَ قَولًا، وقال ابنُ العَرَبي (٧)، بَعدَ حِكَايَتِه ثَلَاثَةً عَشَرَ قَولَا مِمَّا حَكَيْنَاهُ:
والصَّحِيحُ مِنْهَا أَنَّهَا لَا تُعلَمُ. انتَهَى.
[وَهُو مَعنَى قَولِ بَعضِ أهلِ العِلمِ: أخفَى اللهُ تَعَالى هَذِه الليلَةَ عن عِبَادِه،
لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلى فَضلِهَا، ويُقَصِّرُوا فِي غَيرِهَا، فَأَرَادَ مِنْهُم الجِدَّ في العَمَلِ أَبَدًا] (٨)
انتهى. وهَذَا يَحسُنُ أن يَكُونَ قَولًا ثَانِيًا وثَلَائِينَ، وهُو الكَفُّ عن الخَوضِ فِيهَا،
وأنَّهُ لَا سَبِيلَ إلى مَعرِفَتِهَا .
وقال ابنُ حَزم الظّاهِرِيُّ(٩): هيَ في العَشرِ الأواخِرِ في لَيلَةٍ واحِدَةٍ بِعَيْنِهَا،
لَا تَنْتَقِلُ أبَدًا، إلَّا أنَّهُ لَا يُدرَى أَيُّ لَيلَةٍ هيَ مِنْهُ، إلَّا أنَّهَا في وِترٍ مِنْهُ ولا بُدَّ،
(١) جامع الأمهات (ص٨٩).
(٣) المغني (٤٤٩/٤).
(٤) في الأصل: ((الآخر))، وفي (م): ((الأخير)).
(٥)
في الأصل: ((فنضم)) .
(٧) عارضة الأحوذي (٩/٤).
(٩) المحلى (٣٣/٧).
(٢) في (ك): ((الآخر)).
(٦) في الأصل: ((إلى ما)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.

=
٢٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَإِن كَانَ الشَّهرُ تِسعًا وعِشرِينَ، فَأولُ العَشرِ الأواخِرِ لَيلَةُ عِشِرِينَ مِنْهُ، فَهِيَ إِمَّا لَيلَةُ
عِشْرِينَ، وإِمَّا لَيلَةُ اثنَيْنِ وعِشِرِينَ، وإِمَّا لَيلَةُ أَرَبَعِ وعِشرِينَ، وإِمَّا لَيلَةُ سِتّ (١٥٩/٤م)
وعِشِرِينَ، وإِمَّا لَيلَةُ ثَمَانٍ وعِشرِينَ؛ لِأَنَّ هَذِه الأوتَارَ مِن العَشرِ، وإِن كَانَ الشَّهِرُ
ثَلَاثِينَ، فَأولُ العَشرِ الأواخِرِ لَيلَةُ إحدَى وعِشرِينَ، فَهِيَ أمَّا لَيلَةُ إحدَى وعِشِرِينَ،
وإِمَّا لَيلَةُ ثَلَاثٍ وعِشرِينَ، وإِمَّا لَيلَةُ خَمسٍ وعِشرِينَ، وإِمَّا لَيلَةُ سَبعٍ(١) وعِشْرِينَ
وإِمَّا لَيلَةُ تِسعِ وعِشِرِينَ؛ لِأَنَّ هَذِه أوتَارُ العَشرِ بِلَا شَكِّ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ أبي سَعِيدٍ
المُتَقَدِّم، وحَمَّلَهُ عَلى أَنَّ رَمَضَانَ كَانَ تِسعًا وعِشرِينَ، وهُو مَسَلَكٌ غَرِيبٌ(٢) بَعِيدٌ،
وبِهِ كَمُلَّت الأقوالُ في هَذِهِ المَسألَةِ ثَلَاثَةً وَثَلَائِينَ قَولًا. واللهُ أعلَمُ.
( السَّابِعَةُ: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في (شَرحِ العُمدَة)(٣): فيه دَلِيلٌ عَلى
عِظَمِ الرُّؤْيَا، والاستِنَادِ إِلَيْهَا في الاستِدلَالِ عَلى الأُمُورِ الوُجُودِيَّاتِ، وعَلى مَا لَا
يُخَالِفُ القَواعِدَ الكُلِّيَّةَ مِن غَيرِهَا. وقَد تَكَلَّمَ الفُقَهَاءُ فيمَا لَو رَأَى النَّبِيَّ ◌َ ◌َّ في
المَنَامِ، وأمَرَهُ بِأمرٍ، هَل يَلزَمُ ذَلِكَ؟ وقِيلَ فيه: إنَّ ذَلِكَ إمَّا أن يَكُونَ مُخَالِفًا (٤)
لِمَا ثَبَتَ عِنْهُ نَّهَ مِن الأحكَامِ في اليَقِظَةِ أو لَّا، فَإِن كَانَ مُخَالِفًا، عُمِلَ بِمَا ثَبَتَ
فِي الْيَقِظَةِ؛ لِأنَّا وإِن قُلنَا: إنَّ مَن رَأَى النَّبِيِ نَ ◌ّهَ عَلى الوجه المَنقُولِ مِن صِفَتِهِ،
فَرُؤْيَاهُ حَقٌّ، فَهَذَا مِن قَبِيلِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ والعَمَلِ بِأرجَحِهِمَا، ومَا ثَبَتَ في
البَفِظَةِ فَهُو أرجَحُ، وإِن كَانَ غَيرَ مُخَالِفٍ لِمَا ثَبَتَ في اليَقِظَةِ: فَفيه خِلَافٌ،
والاِسْتِنَادُ إلى الرُّؤْيَا هُنَا في أمرٍ ثَبَتَ استِحِبَابُهُ مُطلَقًّا، وهُو طَلَبُ لَيلَةِ القَدرِ،
وإِنَّمَا تُرَجَّحُ السَّبعُ الأواخِرُ بِسَبَبِ المَرَائِي الدَّالَّةِ عَلى كُونِهَا في السَّبعِ الأواخِرِ،
[٣١١/١و] وهُو استِدلَالٌ عَلى أمرٍ وُجُودِيٍّ، لَزِمَهُ اسْتِحِبَابٌ شَرعِيٍّ مَخصُوصٌ
بِالتَّأْكِيدِ بِالنِّسَبَةِ إلى هَذِه الليَالِي، مَعَ كُونِه غَيرَ مُنَافٍ لِلقَاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ الثَّابِتَةِ مِن
اسْتِحِبَابِ طَلَبٍ لَيلَةِ القَدرِ. انتَهَى.
ونَقَلَ ابنُ الصَّلَاحِ في ((فوائدِ الرِّحَلَةِ)) عن كِتَابِ ((آدَابِ الجَدَلِ)) لِأبي إِسْحَاقَ
(١) في (م): ((تسع)).
(٣) إحكام الأحكام (ص ٤٣٤).
(٢) ليست في: الأصل.
(٤) في الأصل: ((أن يكون ذلك مخالفًا)).

=
٢٣٣
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
الإسفَرابِينِيّ وجهَينٍ فيمَا إذَا رَأى شَخصِّ النَّبِيِ وَّهَ في النَّوم، وقال لَهُ: غَدًا مِن
رَمَضَانَ. هَل يُعمَلُ بِهِ أم لا؟ وحَكَى القَاضِي عِيَاضُ الإِجمَاعَ عَلى أنَّهُ لَا يُعمَلُ بِهِ.
الحَدِيثُ الثَّالِثُ
عن(١) أبي سَلَمَةَ: أنَّ أَبَا هُرَيرَةَ أخبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَه قال:
((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ (١٦٠/٤م) إِيمَانًا واحتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ، ومَن
قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا واحتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ)).
فيه(٢) فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَهُ الشَّيخَانِ(٣) مِن طَرِيقِ هِشَامِ الدَّستُوائِيِّ، عن يَحَيَى بِنِ
أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ. وفي رِوايَتِهِمَا مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ: ((مَن
صَامَ رَمَضَانَ)). وإِن كَانَ المِزِّيُّ ذَكَرَ في ((الأطرَافِ)) (٤): أنَّ في رِوايَةٍ مُسلِمٍ مِن
هَذِهِ الطَّرِيقِ: ((مَن قَامَ رَمَضَانَ)) فَهُو وهمّ. وقَد تَبِعَهُ والِدِي تَظْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقال
في النُّسخَةِ الكُبرَى مِن ((الأحكام)): وقال البخاريُّ: ((مَن صَامَ رَمَضَانَ)). انتَهَى.
فَاقتَضَى أنَّ مُسلِمًا قال: ((مَن قَامَ رَمَضَانَ))، كَرِوايَةِ المُصَنَّفِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ،
إلَّا أن يُرِيدَ أنَّهُ قال ذَلِكَ مِن طَرِيقٍ أُخرَى، وقَد قال ذَلِكَ البخاريُّ مِن طَرِيقٍ
أُخرَى، كَمَا سَأَذْكُرُهُ، واللهُ أعلمُ.
وأخرَجَهُ البخاريُّ وغَيرُهُ(٥) مِن طَرِيقِ سُفَيَانَ ابنِ عُيَيْنَةَ.
ومسلمٌ وغَيرُهُ(٦) مِن طَرِيقِ مَعمَرٍ؛ كِلَاهُمَا عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن
(١) بياض في: الأصل.
(٢) بياض في: الأصل.
(٣) البخاري (١٩٠١)، ومسلم (١٧٥/٧٦٠).
(٤) تحفة الأشراف (١١/ ٨٠) (١٥٤٢٤).
البخاري (٢٠١٤)، أبو داود (١٣٧٢)، والنسائي في الكبرى (٢٥١٣).
(٥)
(٦) مسلم (١٧٤/٧٥٩)، وأبو داود (١٣٧١)، والترمذي (٨٠٨).

٢٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أبي هُرَيْرَةَ. ذَكَرَ البخاريُّ الجُمْلَتَينِ، إلَّا أنَّ لَفظَهُ: ((مَن صَامَ رَمَضَانَ»، واقتَصَرَ
مسلمٌ عَلى الأُولى، ولَفِظُهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِن غَيرِ
أن يَأْمُرَهُم فيه بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ(١): ((مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ
مِن ذَنِه))؛ فَتُوُفِي رَسُولُ الله ◌ِّهِ والأمرُ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأمرُ عَلَى ذَلِكَ في
خِلَافَةِ أبي بَكرٍ، وصَدرًا مِن خِلَافَةِ عُمَرَ)). ورَواهُ البخاريُّ(٢) مِن طَرِيقٍ عُقَيلٍ، عن
الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ
لِرَمَضَانَ: ((مَن قَامَهُ إِيمَانًا واحتِسَابًا: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِه)). ورَواهُ أحمَدُ في
(مُسنَدِ)(٣) مِن رِوايَةِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن مُحَمَّدٍ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن
أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قال: ((مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحتِسَابًا: غُفِرَ لَهُ
مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ (١٦١/٤م) ومَا تَأْخَّرَ)). وقَد ورَدَ غُفرَانُ مَا تَأخَّرَ في (٤) قِيَامِ لَيلَةِ القَدرِ
أيضًا، لَكِنَّهُ مِن حَدِيثِ صَحَابي آخَرَ، وسَأذكُرُهُ(٥) بَعدَ ذَلِكَ. وأخرَجَ الشَّيخَانِ(٦)
أيضًا مِن طَرِيقِ مَالِكِ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن حُمَيدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبي هُرَيرَةً:
أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّه قال: ((مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِه))،
وفي ((صَحِيحٍ مُسلِم))(٧) أيضًا مِن طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ
مَرفُوعًا: ((مَن يَقُم لَيِلَةَ القَدرِ، فَيُوافِقُهَا)). أرَاهُ قال (٨): ((إِيمَانًا واحتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ)).
الثَّانِيَةُ (٩): قَولُهُ: ((إِيمَانًا))؛ أي: تَصدِيقًا بِأنَّهُ حَقٌّ وطَاعَةٌ، وقَولُهُ:
((واحتِسَابًا))؛ أي: طَلَبًا لِرضَى(١٠) الله تَعَالى وثَوابِهِ، لَا بِقَصدِ رُؤيَةِ النَّاسِ، ولَا
غَيرَ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ الإِخَلَاصَ، والإِحْتِسَابُ مِن الحَسَبِ، وهُو العَدُّ،
كَالاعتِدَادِ: مِن العَدِّ، وإِنَّمَا قِيلَ لِمَن يَنْوِي بِعَمَلِه وجهَ الله: احْتَسَبَهُ. لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ
أَن يَعتَدَّ عَمَلَهُ فَجُعِلَ في حَالِ مُبَاشَرَةِ الفِعلِ، كَأنَّهُ مُعتَدٌّ بِه.
(١) في (ك): ((فنقول)).
(٣) أحمد (٣٨٥/٢).
(٥) في الأصل: ((سأذكر)).
(٧) مسلم (١٧٦/٧٦٠).
(٩) بياض في: الأصل.
(٢) البخاري (٢٠٠٨).
(٤) في (م): ((من)) .
(٦) البخاري (٣٧)، ومسلم (١٧٣/٧٥٩).
(٨) من مصدر التخريج.
(١٠) في (م): ((لمرضاة)).

=
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
٢٣٥
] الثَّالِثَةُ(١): لَيسَ المُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ قِيَامَ جَمِيع [٣١١/١ظ] لَيلِهِ، بَل
يَحصُلُ ذَلِكَ بِقِيَامٍ يَسِيرٍ مِن الليلِ، كَمَا فِي مُطلَقِ التَّهَجُّدِ، وبِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ ورَاءَ
الإِمَام، كَالمُعتَادِ فِي ذَلِكَ، وبِصَلَاةِ العِشَاءِ والصُّبحِ في جَمَاعَةٍ، لِحَدِيثٍ
عُثْمَانَ بنِ عَفَّنَ قال: قال رَسُولُ اللهِ بَّهِ: (مَنْ صَلَى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا
قَامَ نِصفَ الليلِ، ومَن صَلى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلى الليلَ كُلَّهُ)) رَواهُ
مُسلِمٌ في ((صَحِيحِه))(٢) بِهَذَا اللفظِ، ((وأبُو دَاوُد)(٣)، بِلَفِظِ: ((مَن صَلى العِشَاءَ
فِي جَمَاعَةٍ، كَانَ كَقِيَامِ نِصِفِ لَيلَةٍ، ومَن صَلى العِشَاءَ والفَجرَ في جَمَاعَةٍ، كَانَ
کَقِيَامِ لَيلَةٍ)».
وكَذَا لَفِظُ التِّرمِذِيِّ(٤): ((ومَن صَلى العِشَاءَ والفَجرَ في جَمَاعَةٍ)). ورِوايَةٌ
(مُسلِمٍ)) في ذَلِكَ مَحمُولَةٌ عَلى رِوايَتِهِمَا، فَمَعنَى قَولِه: ((ومَن صَلى الصُّبحَ في
جَمَاعَةٍ))؛ أي: مَعَ كَونِه كَانَ صَلى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ، وكَذَلِكَ جَمِیعُ مَا ذَكَرِنَاهُ
يَأْتِي فِي تَحصِيلِ قِيَامِ لَيْلَةِ القَدرِ. وقَد رَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِهِ الكَبيرِ))(٥)، عن
أبي أُمَامَةَ رَّه قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ صَلى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ، فَقَد أَخَذَ
بِحَظِّه مِن لَيلَةِ القَدرِ))، لَكِن في إسنَادِهِ مَسلَمَةُ بنُ عَلِيٍّ، وهُو ضَعِيفٌ.
وذَكَرَهُ مَالِكٌ في ((المُوطَّ) (٦) بَلَاغًا عن سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ، أنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
مَن شَهدَ العِشَاءَ مِن لَيلَةِ القَدرِ، فَقَد أخَذَ بِحَظّه مِنْهَا)). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٧) : مِثلُ
هَذَا لَا يَكُونُ رَأيًا، ولَا يُؤخَذُ إلَّا تَوقِيفًا. ومَرَاسِيلُ (١٦٢/٤م) سَعِيدٍ أَصَحُ
المَرَاسِيلِ. انتَهَى.
وقال الشَّافِعِيُّ كَخَذْتُهُ في (كِتَابِهِ القَدِيم)): مَن شَهدَ العِشَاءَ والصُّبحَ لَيلَةَ
القَدرِ، فَقَد أخَذَ بِحَظّه مِنهَا. ولَا يُعرَفُ لَهُ في الجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ، وَقَد ذَكَرَ
الَّووِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)» (٨) أنَّ مَا نَصَّ عَلَيهِ في القَدِيمِ، ولَم يَتَعَرَّض لَهُ في
(١) بياض في: الأصل.
(٣) أبو داود (٥٥٥).
(٥)
المعجم الكبير (١٧٩/٨) (٧٧٤٥).
(٧) الاستذكار (٤١٦/٣).
(٢) مسلم (٦٥٦/ ٢٦٠).
(٤) الترمذي (٢٢١).
(٦) الموطإ (٣٢١/١).
(٨) المجموع (٤٩٠/٦).

٢٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الجَدِيدِ بِمُوافَقَةٍ وَلَا بِمُخَالَفَةٍ (١): فَهُو مَذهَبُهُ بِلَا خِلَافٍ، وإِنّمَا رَجَعَ في (٢)
القَدِيمِ عن قَدِيمِ، نَصَّ في الجَدِيدِ عَلى خِلَافِه، ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِه
الأوسَطِ))(٣) بِإِسِنَادٍ فيه ضَعفٌ، عن ابنِ عُمَرَ ﴿ه قال: قال رَسُولُ اللهِ وَهُ:
((مَنْ صَلى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ، وصَلى أربَعَ رَكَعَاتٍ قَبلَ أن يَخرُجَ مِن المَسجِدِ،
كَانَ كَعَدلِ لَيلَةِ القَدرِ))، وهَذَا أبلَغُ مِن الحَدِيثِ الَّذِي قَبلَهُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ:
تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ لَيْلَةِ القَدرِ، وإِن لَم يَكُن ذَلِكَ فِي لَيلَةِ القَدرِ، فَمَا الّنُّ بِمَا إذَا
كَانَ ذَلِكَ (٤) فِيهَا؟ .
الزَّابِعَةُ: قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(٥): المُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ
التَّرَاوِيحِ. واتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلى استِحِبَابِهَا، واختَلَفُّوا في أنَّ الأفضَلَ صَلَاتُهَا مُنْفَرِدًا
في بَيتِه، أو (٦) في جَمَاعَةٍ في المَسجِدِ؟ فَقال الشَّافِعِيُّ، وجُمْهُورُ أصحَابِهِ،
وأَبُو حَنِيفَةَ، وأحمَدُ، وبَعضُ المَالِكِيَّةِ، وغَيرُهُم: الأفضَلُ صَلَاتُهَا جَمَاعَةً، كَمَا
فَعَلَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ والصَّحَابَةُ طَه، واستَمَرَّ عَمَلُ المُسلِمِينَ عَلَيه؛ لِأنَّهُ مِن
الشَّعَائِرِ الظَّاهرَةِ فَأَشْبَهَ صَلَاةَ العِيدِ. وقال مَالِكٌ، وأبُو يُوسُفَ، وبَعضُ الشَّافِعِيَّةِ،
وغَيْرُهُم: الأفضَلُ فُرَادَى في البَيتِ، لِقَولِهِ وََّ: ((أفضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرِهِ في
بَيْتِهِ إلَّا المَكتُوبَةَ))(٧). انتَهَى كَلَامُ النَّووِيِّ، وقَد عَرَفت أنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَخْتَصُّ
بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، كَمَا ذَكَرَتَهُ، ثُمَّ قال العِرَاقِيُّونَ والصَّيدَلَانِيُّ وغَيرُهُم: هَذَا
الخِلَافُ فيمَن يَحِفَظُ القُرآنَ، ولَا يخَافُ(٨) الكَسَلَ عنهَا، ولَا تَخْتَلُّ(٩) الجَمَاعَةُ
في المَسجِدِ بِتَخَلُّفِهِ، فَإِن فُقِدَ بَعضُ هَذَا، فَالجَمَاعَةُ أفضَلُ قَطعًا. وأطلَقَ جَمَاعَةٌ
مِن أصحَابِنَا ثَلَاثَةَ أوجُهٍ، ثَالِثُهَا هَذَا الفَرقُ. والله أعلمُ.
الخَامِسَةُ (١٠): قَولُهُ: ((غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِه)). ظَاهرُهُ تَنَاوُلُهُ
في الأصل: ((بموافقة)).
(١)
(٣)
المعجم الأوسط (٥٢٣٩).
(٢) في (م، ك): ((من)).
(٤) ليست في: الأصل.
(٥)
شرح صحيح مسلم (٣٩/٦).
(٦) في (ك): ((أم)).
(٧) أحمد (١٨٢/٥)، والبخاري (٧٣١).
(٨) في (م): ((يخالف)).
(٩) في (م): ((يختل))، وفي الأصل ((نحتل)). (١٠) بياض في: الأصل.

=
كمـ
٢٣٧
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
الصَّغَائِرَ والكَبَائِرَ، وإِلى ذَلِكَ جَنَحَ ابنُ المُنذِرِ (١)، فَقال: هُو قَولٌ عَامٌّ يُرجَى
لِمَن قَامَهَا إِيمَانًا واحتِسَابًا، أن يُغفَرَ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِه، [٣١٢/١و] صَغِيرِهَا
و گَبيرِها .
وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(٢): المَعرُوفُ عِندَ الفُقَهَاءِ: أنَّ هَذَا مُختَصِّ
بِغُفرَانِ الصَّغَائِرِ دُونَ الكَبَائِرِ. قالَ بَعضُهُم: ويَجُوزُ أن يُخَفِّفَ مِن الكَبَائِرِ إِذَا لَم
يُصَادِف صَغِيرَةً. وقال في ((شَرحِ المُهَذَّبِ))(٣): قال إمَامُ الحَرَمَينِ (٤): كُلُّ مَا يَرِدُ
(٤/ ١٦٣م) في الأخبَارِ مِن تَكفيرِ الذُّنُوبِ، فَهُو عِندِي مَحمُولٌ عَلى الصَّغَائِرِ دُونَ
المُوبِقَاتِ. قال النَّوِيُّ: وقَد ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مَا يُؤَيِّدُهُ، فَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ
عُثْمَانَ رَبِهِ، قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((مَا مِن امرِئٍ مُسلِم تَحضُرُهُ
صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحسِنُ وُضُوءَهَا، وخُشُوعَهَا، ورُكُوعَهَا، إلَّا كَانَتْ لَهُ كَّفَّارَةً لِمَا
قَبَلَهَا، مَا لَم تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وذَلِكَ الدَّهرَ كُلَّهُ)). رَواهُ مُسلِمٌ(٥).
وعن أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيِوَ لَ قَالَ: ((الصَّلَواتُ الخَمسُ، والجُمُعَةُ إلى
الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهَا مِن الذُّنُوبِ، إِذَا اجْتُنِبَت
الكَبَائِرُ))(٦). قال النَّووِيُّ: وفي مَعنَى هَذِهِ الأحَادِيثِ تَأْوِيلَانِ:
أحَدُهُمَا: تُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ، بِشَرطِ ألَا يَكُونَ هُنَاكَ كَبَائِرُ، فَإِن كَانَتِ كَبَائِرُ، لَم
يُكَفَّر شَيءٌ، لَا الكَبَائِرُ ولَا الصَّغَائِرُ.
والثَّانِي: وهُو الأصَحُّ المُختَارُ، أنَّهُ يُكَفِّرُ كُلَّ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ، وتَقدِيرُهُ:
تُغْفَرُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا إِلََّ الكَبَائِرَ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٧) رَُّهُ: هَذَا المَذكُورُ في
الأحَادِيثِ مِن غُفرَانِ الصَّغَائِرِ (٨) دُونَ الكَبَائِرِ، هُو مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ، وأَنَّ الكَبَائِرَ
إِنَّمَا يُكَفِّرُهَا(٩) التَّوبَةُ، أو رَحمَةُ الله تَعَالى.
(١) الإشراف (١٧٢/٣).
(٣) المجموع (٤٣١/٦).
(٥)
مسلم (٧/٢٢٨).
إكمال المعلم (١٥/٢).
(٧)
(٩) في (م): ((تكفرها)).
(٢) شرح صحيح مسلم (٤٠/٦).
(٤) نهاية المطلب (٧٣/٤).
(٦) مسلم (١٦/٢٣٣).
(٨) في الأصل: ((الذنوب الصغائر)).

٢٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
السَّادِسَةُ(١): في ((مُسنَدِ أحمَدَ)) و((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الكَبيرِ)) (٢) عن
عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَبِهِ: أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللهِوَّه عن لَيْلَةِ القَدرِ، فَقال
رَسُولُ اللهِ وََّ: ((فِي رَمَضَانَ)). فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفيه: ((فَمَن قَامَهَا ابْتِغَاءَهَا إِيمَانًا
واحتِسَابًا، ثُمَّ وُفِّقَت لَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ ومَا تَأْخَّرَ)).
فيه عَبدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ بنِ عَقِيلٍ (٣)، وحَدِيثُهُ حَسَنٌ، وفيه زِيَادَةُ: ((ومَا تَأْخَّرَ))،
وقَد يَستَشكِّلُ مَعنَى مَغفِرَةٍ مَا تَأْخَّرَ مِن الذُّنُوبِ، وهُو كَقَولِهِ وَّرَ فِي حَدِيثٍ
أبِي فَتَادَةَ: ((صِيَامُ عَرَفَةَ أَحتَسِبُ عَلى الله أن يُكَفِّرَ السَّنَّةَ الَّتِي قَبلَهُ والسَّنَّةَ الَّتِي
بَعدَهُ))(٤). فَتَكفيرُ السَّنَةِ الَّتِي بَعدَهُ، كَمَغفِرَةِ المُتَأخِّرِ مِن الذُّنُوبِ، وقَد قال
السَّرَخسِيُّ(٥) مِن أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في مَعنَى تَكفيرِ السَّنَةِ
المُستَقبَلَةِ: فَقال بَعضُهُم: إذَا ارتَكَبَ فيهَا مَعصِيَةً جَعَلَ اللهُ تَعَالى صَومَ عَرَفَةَ
المَاضِي كَفَّارَةً لَهَا، كَمَا جَعَلَهُ مُكَفِّرًا لِمَا قَبلَهُ في السَّنَةِ المَاضِيَةِ. وقال بَعضُهُم:
مَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ تَعَالى يَعصِمُهُ في السَّنَةِ المُستَقبَلَةِ عن ارتِكَابٍ مَا يُحوِجُهُ إلى كَفَّارَةٍ.
وأطلَقَ المَاوردِيُّ في ((الحَاوِي))(٦) في السَّنَتَيْنِ مَعًا تَأْوِيلَينِ:
أحَدُهُمَا: أنَّ اللهَ تَعَالى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنٍ.
والثَّانِي: أنَّهُ يَعصِمُهُ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ، فَلَا يَعْصِي فيهمَا .
وقال صَاحِبُ ((العِدَّةِ): في تَكفيرِ السَّنَةِ الأُخرَى يَحتَمِلُ (١٦٤/٤م) مَعنَّينِ:
أحَدُهُمَا: المُرَادُ السَّنَةُ الَّتِي قَبَلَ هَذِهِ فَيَكُونُ مَعنَاهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَتَيْنِ.
والثَّانِي: أنَّهُ أَرَادَ سَنَةً مَاضِيَةً وسَنَةً مُستَقبَلَةً. قال: وهَذَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ في
شَيءٍ مِن العِبَادَاتِ، أَنَّهُ يُكَفِّرُ الزَّمَانَ المُستَقْبَلَ، وإِنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ بِرَسُولِ اللهِ وََّ،
(١) بياض في: الأصل.
(٢) أحمد (٣١٨/٥)، والطبراني في الكبير، كما في مجمع الزوائد (١٧٨/٣)، وقد تقدم
تخريجه .
(٣) ينظر: تهذيب الكمال (٧٨/١٦).
(٤) أخرجه مسلم (١٩٦/١١٦٢)، وأبو داود (٢٤٢٥)، والترمذي (٧٤٩).
(٥) ينظر: المجموع (٤٣١/٦).
(٦) الحاوي (٤٧٢/٣).

=
كم
٢٣٩
بَابُ لَيلَةِ القَدرِ
غَفَرَ الله لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ ومَا تَأْخَّرَ، بِنَصِّ القُرآنِ العَزِيزِ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ النَّوِيُّ في
(شَرِحِ المُهَذَّبٍ))(١)، وهَذَا يَأْتِي مِثْلُهُ هُنَا، فَيَكُونُ مَغْفِرَةُ مَا تَأْخَّرَ مِن الذُّنُوبِ، إمَّا أن
يُرَادَ بِهَا العِصمَةُ مِن الذُّنُوبِ حَتَّى لَا يَقَعُ فيهَا، وإِمَّا أن يُرَادَ بِهِ تَكفيرُهَا وَلَو وقَعَ
فِيهَا، ويَكُونُ المُكَفِّرُ مُتَقَدِّمًا عَلى المُكَفَّرِ، واللهُ أعلَمُ [٣١٢/١ظ].
السَّابِعَةُ(٢): قَولُهُ: ((مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ)) مَعَ قَولِه: ((مَن قَامَ رَمَضَانَ)).
قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(٣): قَد يُقَالُ: إنَّ أحَدَهُمَا يُغنِي عن الآخَرِ. وجَوابُهُ
أن يُقال: قِيَامُ رَمَضَانَ، مِّن غَيرِ مُوافَقَّةٍ لَيلَةِ القَدرِ ومَعرِفَتِهَا، سَبَبٌ لِغُفرَانِ
الذُّنُوبِ، وقِيَامُ لَيَلَةِ القَدرِ لِمَن وافَقَهَا وعَرَفَهَا سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ، وإِن لَم يَقُم غَيْرَهَا .
قُلتُ: الأحسَنُ عِندِي: الجَوابُ بِأَنَّهُ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ ذَكَرَ لِلغُفْرَانِ
طَرِيقِینَ :
أحَدُهُمَا: يُمكِنُ تَحصِيلُهَا يَقِينًا، إلَّا أنَّهَا طَوِيلَةٌ شَاقَّةٌ، وهيَ قِيَامُ شَهرٍ
رَمَضَانَ بِكَمَالِهِ.
والثَّانِي: لَا سَبِيلَ إلى اليَقِينِ فِيهَا، إنَّمَا هُو الظَّنُّ والتَّخِمِينُ؛ إلَّا أَنَّهَا
مُخْتَصَرَةٌ قَصِيرَة، وهيَ قِيَامُ لَيلَةِ القَدرِ خَاصَّةً، ولَا يَتَوقَّفُ حُصُولُ المَغْفِرَةِ بِقِيَامِ
لَيلَةِ القَدرِ عَلى مَعرِفَتِهَا، بَل لَو قَامَهَا غَيرَ عَارِفٍ بِهَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ،
لَكِن بِشَرطِ: أن يَكُونَ إِنَّمَا قَامَ بِقَصدِ ابْتِغَائِهَا، وقَد ورَدَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ في حَدِيثٍ
عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عِندَ أحمَدَ والطَّبَرَانِيِّ(٤) مَرفُوعًا: ((فَمَن قَامَهَا ابتِغَاءَهَا إِيمَانًا
واحتِسَابًا، ثُمَّ وُفِّقَتِ لَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِهِ، ومَا تَأْخَّرَ).
فَإِن قُلتَ: قَد اعتَبَر شَرطًا آخَرَ، وهُو أن تُوفَّقَ لَهُ. وكَذَا في ((صَحِيحٍ
مُسلِم))، في رِوايَةٍ: ((مِن بَقُم لَيلَةَ القَدرِ، فَيُوافِقُهَا)). و(٥) قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ
مُسلِمََّ (٦): مَعنَى يُوافِقُهَا: يَعلَمُ أنَّهَا لَيلَةُ القَدرِ .
(١) ينظر: المجموع (٤٣١/٦).
(٣) شرح صحيح مسلم (٤١/٦).
(٥) ليست في (م).
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمة.
(٤) تقدم تخريجه.
(٦) شرح صحيح مسلم (٤١/٦).

٢٤٠
كمـ
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قُلتُ: إِنَّمَا مَعنَى تَوفيقِهَا لَهُ، أو مُوافَقَتِهِ لَهَا: أن يَكُونَ الواقِعُ أنَّ تِلكَ الليلَةَ
الَّتِي قَامَهَا، بِقَصدِ لَيلَةِ القَدرِ (١)، هيَ لَيْلَةُ القَدرِ فِي نَفْسِ الأمرِ، وإِن لَم يَعلَم هُو
ذَلِكَ. ومَا ذَكَرَهُ النَّوِيُّ مِن(٢) أنَّ مَعنَى المُوافَقَةِ: العِلمُ بِأَنَّهَا لَيلَةُ القَدرِ. مَرُدُودٌ،
ولَيسَ في اللفظِ مَا يَقتَضِي هَذَا، ولَا المَعنَى يُسَاعِدُهُ.
(١) ليست في: الأصل.
(٢) في الأصل: ((في).