النص المفهرس
صفحات 161-180
= ١٦ كتابُ الصّيامِ هؤلاءِ الصَّحابَةِ، فَذَكَرَ أنَّ الرِّوايَةَ في ذلك عن عمرَ مُنقَطِعَةٌ؛ فإنَّها من روايَةٍ مکحولٍ عنه. ولم یُدرِکه(١). وأنَّ ابنَ الجَوزِيِّ إنَّما نقَلَ ذلك عن علِيٍّ؛ لأنَّه قالَ: أصومُ يومًا من شعبانَ أحَبُّ إلَيَّ من أن أفطِرَ يومًا من رمَضانَ. قالَ والِدي: وهو مُنقَطِعٌ، ثمَّ إنَّه إنَّما قالَه عندَ شهادَةٍ واحِدٍ على رؤيَةِ الهلالِ لا في الغَيمِ كما رواه الدارقطنيُّ في ((سُنَنِهِ))(٢) مُبَيِّنَا، ولا يحِلُّ الاختِصارُ على هذا الوجه؛ لأنَّه يُخِلُّ بالمَعنَى. قالَ والِدي: والمَعروفُ عن عمرَ، وعَلِيٍّ (١١١/٤م) خِلافُ ذلك؛ ففي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شيبةَ))(٣) عن كُلِّ منهُما أنَّه كانَ يخطُبُ إذا حضَرَ رمَضانُ فِيَقولُ: ألا لا تقَدَّموا الشَّهرَ، إذا رأيتُم الهلالَ فصوموا، وإذا رأيتُم الهلالَ فأفطِروا، فإن أغمِيَ عَلَيكم فأتِمّوا العِدَّةَ. ومُستَنَدُ(٤) ابنِ الجَوزِيِّ في نقلِ ذلك عن أنَسٍ ما رواه عن يحيى بنِ أبي(٥) إسحاقَ أنَّه قالَ: رأيت الهلالَ إمّا عندَ الظُّهرِ، وإمّا قريبًا منه، فأفطَرَ ناسٌ من النّاسِ، فأتَينا أنَسَ بنَ مالِكِ، فأخبَرناه برؤيَةِ الهلالِ وبِإفطارٍ من أفطَرَ، فقالَ: هذا اليَومُ يكمُلُ لي أحَدٌ وَثَلاثونَ يومًا؛ وذلك أنَّ الحَكَمَ بنَ أيّوبَ أرسَلَ إلَيَّ قبلَ صيامٍ النّاسِ: إِنِّي صائمٌ غَدًا، فَكَرِهت الخِلافَ عَلَيه، فصُمت وأنا مُتِمٌّ صومَ يومي هذا إلى الليلِ . قالَ والِدِيّ رَُّهُ: هذا لم يفعله للغَيم، وإنَّما فعَلَه كراهيةً للاختِلافِ على الأميرِ، وهو ابنُ عمِّ الحَجّاجِ بنِ يوسُفَ الثَّقَفي، فهو موافِقٌ لرِوايَةٍ عن أحمَدَ: إِنَّ (١) أخرجه أبو حفص العكبري، كما في درء اللوم والضيم (ص٥٢، ٥٣) من طريق مكحول، أن عمر بن الخطاب نظرته كان يصوم إذا كانت السماء في تلك الليلة متغيمة، ويقول: ليس هذا بالتقدم، ولكنه التحري. (٢) سنن الدار قطني (٢/ ١٧٠). (٤) في الأصل: ((ومسند)). (٣) مصنف ابن أبي شيبة (٣٦/٤). (٥) ليس في (م، ك)، والمثبت موافق لما في مصنف ابن أبي شيبة (٦٥/٣)، وينظر: تهذيب الكمال (١٩٩/٣١). = ١٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الخيرَةَ إلى الأميرِ (١) في صيام ليلَةِ الغَيمِ فلَم يصُمه أنَسٌ عن رمَضانَ، وقَد أَفَطَرَ النّاسُ ذلك اليَومَ. وأرادَ أنَسٌ تركَ الخِلافِ على أميرِه(٢). قالَ والِدي ◌َّتُهُ: والمَعروفُ عن أبي هريرةَ خِلافُ ما نقَلَه عنه كما في ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شيبة))(٣) عنه أنَّه قال:َ نهَى أن يتَعَجَّلَ قبلَ رمَضانَ بَيَومٍ أو يومَينٍ. لكِن روى ((البيهقيُّ» (٤) عنه من روايَةِ أبي مريَمَ عنه: لأن أصومَ اليوم(٥) الذي يُشَكُّ فيه من شعبانَ أحَبُّ إلَيَّ من أن أفطِرَ يومًا من رمَضانَ. ثمَّ قالَ البيهقيُّ: كذا رويَ عن أبي هريرةَ بهَذا الإسنادِ، ورِوايَةُ [٢٩٦/١ظ] أبي سلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَّهَ في النَّهي عن التَّقَّدُّمِ إلّا أن يوافِقَ صومًا كانَ يصومُه أصَخَّ من ذلك. انتَهَى. قالَ والِدي تَُّهُ: وأمّا أثَرُ مُعاويةَ. فإنَّه ضَعيفٌ لا يصِحُ، وقَد رواه ابنُ الجَوزِيِّ في ((العِلَلِ المُتَناهية)»(٦) من روايَةِ مكحولٍ عنه. وضَعَّفَه. قالَ: وأمّا أثَرُ عمرو بنِ العاصِي، فلم أرَ له إسنادًا . قالَ: وأمّا الحَكَمُ بنُ أيّوبَ، فهو الثَّقَفي وهو من التّابِعِينَ، كما ذَكَرَه ابنُ حِبّانَ في ثِقَاتِ التّابِعِينَ(٧). قالَ: فلَم يقُل به أحَدٌ من العَشَرَةِ الذينَ ذَكَرَهم ابنُ الجَوزِيِّ، إلّا ابنَ عمرَ، وعائشَةً(٨)، وأسماءَ(٩)، واختُلِفَ عن أبي هريرةَ كما تقَدَّمَ. قالَ البيهقيُّ (١٠): ومُتَابَعَةُ السُّنَّةِ الثابِتَةِ وما عَلَيه أكثَرُ الصَّحَابَةِ وعَوامّ أهلِ العِلمِ أولى بنا. انتَهَى. وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(١١): لم يُتابع ابنَ عمرَ على تأويلِه ذلك فيما علِمتُ، في الأصل: ((للأمير)). (١) مصنف ابن أبي شيبة (٣٥/٤). (٣) (٥) ليس في (م). الثقات (٤ /١٤٥). (٧) (٩) السابق. (١١) التمهيد (٣٤٧/١٤). (٢) في (م): ((أمره)). (٤) السنن الكبرى (٢١١/٤). (٦) العلل المتناهية (٨٧٤). (٨) السنن الكبرى للبيهقي (٢١١/٤). (١٠) السنن الكبرى (٢١١/٤). = ١٦٣ كتابُ الصّيامِ إلّا طاوسٌ، وأحمَدُ بنُ حنبلَ. ورويَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ مثلُه، وعن عائشَةَ نحوه. انتَهَى . وذَهَبَت فِرقَةٌ ثالِثَةٌ إلى أنَّ معنَى الحديثِ: قدِّروه بحِسابِ المَنازِلِ، حكاه النوويُّ في ((شرحٍ مسلم)) (١)، عن ابنِ سُرَيجٍ وجَماعَةٍ: منهم مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله، وابنُ قُتَيبَةَ، وآخَرونَ. وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(٢): رويَ عن مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ. وليسَ بصحيحٍ عنه. ولَو صحَّ ما وجَبَ اتِّباعُه علَيه لشُذوذِه فيه ولِمُخالَفَةِ الحُجَّةِ له. ثمَّ حكَى عن ابنِ قُتَيِبَةَ مثلَّهُ، وقالَ: ليسَ هذا من شأنِ ابنِ قُتَيبَةً، ولا هو ممَّن يُعرَّجُ علَيه في هذا البابِ. ثمَّ حكى عن ابنِ خوازَ مندادَ(٣) أنَّ حكاه عن الشافعيِّ، ثمَّ قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ : والصحيحُ عنه في كُتُبِهِ وعِندَ أصحابِهِ وجُمهورِ العلماءِ: خِلافُه. قلتُ: لا يُعرَفُ ذلك عن الشافعيِّ أصلًا، واللهُ أعلمُ. وبالَغَ ابنُ العربيِّ في ((العارِضَةِ))(٤) في إنكارٍ (٥) مقالَةِ ابنِ سُرَيجٍ [هذِه، وقالَ(٦) المازَرِيُّ(٧) عن الجُمهورِ: ولا يجوزُ أن يكونَ المُرادُ حِسابَ المُنَجِّمينَ؛ لأنَّ النّاسَ لو كُلِّفوا به ضاقَ عَلَيهم؛ لأنَّه لا يعرِفُه إلّا أفرادٌ، والشَّرعُ إِنَّما يُعَرِّفُ النّاسَ بما يعرِفُه جماهيرُهم. وحَكَى ابنُ العربيّ (٨) عن ابنِ سُرَيج](٩) أنَّ قولَه: ((فاقدُروا)) خِطابٌ لمَن خصَّه اللهُ بهَذا العِلم، وقَولُه: ((فأكمِلُوا الْعِدَّةَ). خِطابٌ للعامَّةِ، قالَ ابنُ العربيّ: فكأنَّ وجوبَ رمَضانَ جعَلَه مُختَلِفَ الحالِ، يجِبُ على قوم بحِسابِ الشَّمسِ والقَمَرِ، وعَلى آخَرينَ بحِسابِ الجُمَلِ! إنَّ هذا لبَعيدٌ عن النُّبَلاءِ فكَيفَ عن العلماءِ؟ وقالَ ابنُ الصلاحِ في ((مُشكِلِ الوسيطِ)»: معرِفَةُ منازِلٍ القَمَرِ هو معرِفَةُ سيرِ الأهلَّةِ، وهو غَيرُ المَعرِفَةِ بالحِسابِ على ما أشعَرَ به كلامُ (١) شرح النووي على مسلم (١٨٩/٧). (٢) التمهيد (٣٥٢/١٤). في الأصل: ((خواز بنداد)). وفي (م): ((خويز منداد)). (٣) (٤) عارضة الأحوذي (٢٢٣/٣). (٦) في (م): ((وقال)). (٨) عارضة الأحوذي (٢٠٧/٣، ٢٠٨). (٥) في (م): ((إنكاره)). (٧) المعلم (٣٠٠/١). (٩) ليس في: الأصل. ١٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الغَزّالِيِّ في الدَّرسِ؛ فالحِسابُ أمرٌ دَقيقٌ يختَصُّ بمَعرِفَتِهِ الآحادُ، والمَعرِفَةُ بالمَنازِلِ كالمحسوسِ يشتَرِكُ في دركه(١) الجُمهورُ ممَّن يُراقِبُ النُّجومَ. انتَهَى. فَمَعِرِفَةُ مِنازِلِ القَمَرِ هي التي قالَ بها ابنُ سُرَيجٍ، ثمَّ إِنَّه لم يقُل بها في حقِّ كُلِّ أَحَدٍ، وإنَّما قالَ بها في حقِّ العارِفِ بها خاصَّةً، ولَم يقُل بوجوبِ الصَّومِ على العارِفِ بها، وإنَّما قالَ بجوازِهِ له، كذا ذَكَرَ الرُّويانِيُّ(٢) عنه. ونَقَلَ الجَوازَ أيضًا عن اختيارِ القَفّالِ، والقاضي أبي الطَيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وحَكَى الشَّيخُ فِي الْمَذْهَبِ عن ابنِ سُرَيجٍ لُزومَ الصَّوم في هذِهِ الصّورَةِ، وإذا جَمَعت بينَ مسألَتَي الحاسِبِ والمُنَجِّم، ونَظَّرت فيهما بالنِّسبَةِ إلى أنفُسِهما وإلى غَيرِهما، وبِالنِّسَةِ إلى الجَوازِ والوجوبِ، حصَلَ لك في ذلك في مذهَبِ الشافعيِّ تَُّهُ أوجُهُ جمَعَها النوويُّ في (شرحِ المهذَّب))(٣) مُلَخَّصَةً بعدَ بسِطِها: أصَخُّها: لا يلزَمُ الحاسِبُ ولا المُنَجِّمُ ولا غَيْرُهُما بذلك، ولَكِن يجوزُ لهُما دونَ غَيرِهما، ولا يُجزيهما عن (١١٣/٤م) فرضِهما. والثاني: يجوزُ(٤) لهُما ويُجزيهما . والثالِثُ: يجوزُ للحاسِبِ ويُجزيه، ولا يجوزُ للمُنَجِّمِ. والرّابِعُ: يجوزُ لهُما ويَجوزُ لغَيرِهما تقليدُهُما . والخامِسُ: يجوزُ لهُما ولِغَيرِهما تقليدُ الحاسِبِ دونَ المُنَجِّمِ. وأهمَلَ النوويُّ من الأوجُه وجوبَ الصَّوم. وقَد حكاه حينَ بسَطَ الكَلامَ قبلَ ذلك؛ فحَكَى عن صاحِبٍ (المهَذبٍ))(٥) أنَّه قالَ: إذا غُمَّ الهلالُ وعُرِفَ رَجُلٌ بالحِسابِ ومَنازِلِ القَمَرِ: أنَّه من رمَضانَ فوجهانِ . قالَ ابنُ سُرَيجٍ: يلزَمُه الصَّومُ؛ لأنَّه عرَفَ الشَّهرَ بدَليلٍ؛ فأشبَهَ من عرَفَه بالبَيِّنَةِ. وقالَ غَيرُه: لا يصومُ؛ [٢٩٧/١و] لأنّا لم نتَعبد إلّ بالرّؤيَةِ. (١) في (م): ((ذكره)). (٣) المجموع (٢٨٤/٦، ٢٨٩، ٢٩٠). (٥) المهذب (١٨٠/١). (٢) بحر المذهب (٢٨١/٤). (٤) في (م): ((تجوز)). = كتابُ الصّيامِ ١٦٥ قالَ النوويُّ: ووافَقَ صاحِبَ ((المَذهَبِ)) على هذِهِ العِبَارَةِ جماعَةٌ. ثُمَّ حكَى عن صاحِبِ ((البَيانِ))(١) أنَّه قالَ: قالَ ابنُ الصَّبّاغ: أمّا بالحِسابِ فلا يلزَمُه، بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا. وذَكَرَ صاحِبُ ((المَذهَبِ)): أنَّ الوجهَينِ في الوجوبِ. ثمَّ حكَى عن الرّافِعِيِّ(٢) أنَّه قالَ: لا يجِبُ بما يقتضيه حِسابُ المُنَجِّمِ علَيه ولا على غَيرِهِ الصَّومُ. قالَ الرّويانِيُّ(٣): وكَذا من عرَفَ منازِلَ القَمَرِ لا يلزَمُه الصَّومُ به، على أصَحِّ الوجهَينِ. قالَ: وأمّا الجَوازُ فتَكَلَّمَ على ذلك. وحَكَى ابنُ الصلاحِ عن الجُمهورِ: منعَ الحاسِبِ والمُنَجِّم من الصَّوم في حقِّ أنفُسِهما، على خِلافِ ما صحَّحَهُ النوويُّ في ((شرحِ المَهَذبِ)). ولِلمَسألَةِ نظيرٌ مذكورٌ في الصلاةِ وهو ما لو عِلِمَ المُنَجِّمُ دُخولَ الوقتِ بالحِسابِ. فالمَذهَبُ: أَنَّه يعمَلُ به بنَفسِه ولا يعمَلُ به غَيرُه كما في ((التَّحقيقِ)) للنَّوِيِّ(٤) تبعًا لصاحِبِ ((البَيانِ)) (٥)، ومَعنَى العَمَلِ به على طريقِ الجَوازِ كما في الصِّيامِ، واللهُ أعلمُ. ورَجَّحَ ابنُ دَقيقِ العيدِ في ((شرحِ العُمدَةِ)»(٦) وجوبَ الصَّومِ على الحاسِبِ في الصّورَةِ المَذكورَةِ. فقالَ: وأمّا ما دَلَّ الحِسابُ على أنَّ الهلالَ قد طلَعَ من الأفُقِ على وجهٍ يُرَى لولا وجودُ المانِعِ كالغَيمِ، فَهَذا يقتَضي الوجوبَ لوجودٍ السَّبَبِ الشَّرعِيِّ، قالَ: وليسَ حقيقَةُ الرّؤْيَةِ تُشتَرَطُ (٧) في اللُّزومِ؛ لأنَّ الاتِّفَاقَ على أنَّ المَحبوسَ في المَطمورَةِ إذا عِلِمَ بإكمالِ المُدَّةِ أو الاجتِهادِ بالأماراتِ أنَّ اليَومَ من رمَضانَ وجَبَ عَلَيه الصَّومُ، وإن لم يرَ الهلالَ ولا أخبَرَه من رآهُ. قالَ والِدِي تَُّ في ((شرحِ الترمذيِّ)): المَحبوسُ في المَطمورَةِ معذورٌ، فَيَجِبُ عَلَيه الاجتهادُ في دُخولِ الوقتِ، ويَجِبُ عَلَيه العَمَلُ بما أدَّى إِلَيه اجتِهادُه، فإن تبَيَّنَ خطَؤُه بَيَقينٍ أعادَ، وحُصولُ الغَيمِ في المَطالِعِ (١١٤/٤م) أمرٌ مُعتادٌ، (١) البيان للعمراني (٤٨٤/٣). (٣) بحر الذهب (٢٨٢/٤). (٥) البيان (٣٦/٢). (٧) في (ك): ((يشترط)). (٢) الشرح الكبير (٢٦٦/٦). (٤) ينظر: روضة الطالبين (٢٩٧/١). (٦) إحكام الأحكام (ص ٤٠٥). = ١٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والسَّبَبُ الشَّرعِيُّ للوجوبِ إنَّما هو الرّؤيَةُ، لا علمُ ذلك بالحِسابِ لقَولِه عَلَيه الصلاةُ والسلامُ في الحديثِ الصحيح: ((إنّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نحسِبُ ولا نكتُبُ))(١). الحدیثَ، انتَهَى. وقَد ظَهَرَ بما بسَطاه صِحَّةُ مذهَبِ الجُمهورِ في تعليقِ الحُكمِ بالرّؤْيَةِ دونَ غَيرِها، وبِه قالَ مالِكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفَةً وجُمهورُ العلماءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ . الرابعةُ: تكَلَّمنا في المَسألَةِ المُتَقَدِّمَةِ على أنَّه لا يلزَمُ الصَّومُ، ولا يُثبُتُ كونُ اليَومِ من رمَضانَ بغَيرِ رؤيَةٍ لا بتَقديرٍ تحتَ السَّحابِ في الغَيمِ ولا بُرُجوعِ إلى حِسابٍ، بقِيَ أمرٌ آخَرُ، وهو جوازُ صومِه عن رمَضانَ، ومُقتَضَى الحديثِ منعُ ذلك؛ لأنَّه صومٌ قبَلَ الرّؤْيَةِ وهو مذهَبُ الشافعيِّ وغَيرِهِ، وقالوا: لا ينعَقِدُ صومُه ولا يُجزِكُه إن ظَهَرَ أنَّه من رمَضانَ، واقتَصَرَ الحَنَفيةُ على الكَراهَةِ، وقالوا: إن ظَهَرَ أنَّه من رمَضانَ أجزأه عنه، وإن ظَهَرَ أنَّه من شعبانَ كانَ تطَوّعًا(٢). الخامِسَةُ: ومُقتَضَى الحديثِ منعُ صومِه عن غَيرِ رمَضانَ أيضًا، وقَد جوزَ المالِكيةُ والشافعيَّةُ صومَه عن قضاءٍ أو نذرٍ أو كفّارَةٍ، وتَطَوُّعًا إذا وافَقَ وِردَه. واختَلَفوا في جوازِ التَّطَوُّعِ بصَومِه بلا سَبَبٍ: فمَنَعَه الشافعيَّةُ وقالوا: بتَحريمِه، فإن صامَه فالأصَحُّ عندَهم بُطلانُه، والمَشهورُ عن المالِكيةِ جوازُهُ، وقالَ محمدُ بنُ مسلَمَةً بكَراهَتِهِ، وكَرِهَ الحَنَفيةُ صومَه عن واجِبٍ آخَرَ، ولَم يكرَهوا التَّطَوُّعَ لصَومِه، ثمَّ إنَّ ذلك كُلَّه مفروضٌ في يومِ الشَّكِّ لا في مُطلَقِ الثَّلاثينَ من شعبانَ. قالَ أصحابُنا: ويَومُ الشَّكِّ يومُ الثَّلاثينَ من شعبانَ إذا تُحُدِّثَ برؤيَتِهِ، أو شهدَ بها من لا يثبُتُ بقَولِه، فإن(٣) لم يتَحَدَّث برؤيَتِهِ أحَدٌ فليسَ يومَ شكِّ، ولَو (١) جزء من حديث ابن عمر الذي تقدم ذكره، وهذه اللفظة: أخرجها البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٥/١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩)، والنسائي في المجتبى (٢١٤٠)، وفي الكبرى (٢٤٦١، ٢٤٦٢، ٥٨٥٣). (٢) ينظر: الإشراف لابن المنذر (١١٧/٣)، وحكى الإجزاء فيه أيضًا عن الشافعي. (٣) في الأصل: ((فإنه)). = كما ١٦٧ كتابُ الصّيامِ كانَتِ السَّماءُ مُغَيِّمَةً. وقالَ المالِكيةُ: هو يومُ الثَّلاثينَ من شعبانَ إذا كانَتِ السَّماءُ مُغَيِّمَةً . السادِسَةُ: قوله: ((لا تصوموا حتى ترَوا الهلالَ)). لا يُمكِنُ أن يكونَ معناه رؤيَةُ جميع النّاسِ، بحَيثُ يحتاجُ كُلُّ فردٍ في وجوبِ الصَّومِ علَيه إلى رؤيَةٍ الهلالِ، بل المُعتَبَرُ رؤيَةُ بعضِهم، وهو العَدَدُ الذي تثبُتُ به الحُقوقُ وهو عدلانِ لقَولِه تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَولُه علَيه الصلاةُ والسلامُ للمُدَّعي: ((شاهداك))(١). إلّا أنَّ هلالَ رمَضانَ [٢٩٧/١ظ] يُكتَفَى في ثُبُوتِه بعَدلٍ واحِدٍ عندَ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ للحديثِ الذي رواه أصحابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةٍ))، (٤/ ١١٥م) وابنُ حِبّانَ في ((صحيحِه))، والحاكِمُ في (مُستَدرَكِه))(٢) من حديثٍ ابنِ عباسٍ قالَ: جاءَ أعرابي إلى النبيِّ وَّ فقالَ: إِنِّي رأيتُ الهلالَ، قالَ: ((أَتَشْهَدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ؟ أَتَشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله؟)) قالَ: نعَم، قالَ: ((يا بلالُ أَذِّن في النّاسِ أن يصوموا(٣) غَدًا)). ورَوى أبو داود، وابنُ حِبّانَ، في ((صحيحِه))، والحاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) (٤) عن ابنِ عمرَ قالَ: تراءَى النّاسُ الهلالَ، فأخبَرت رسولَ اللهِ وَل﴿ أَنِّي رأيته، فصامَ وأمَرَ النّاسَ بصيامِهِ. قالَ الترمذيُّ: والعَمَلُ على هذا الحديثِ عندَ أكثَرِ أهلِ العِلم، قالوا: تُقبَلُ شهادَةُ رجُلٍ واحِدٍ في الصِّيامِ، وبِهِ يقولُ ابنُ المُبارَكِ والشافعيُّ وأحمَدُ. انتَهَى. وما حكاه عن الشافعيّ هو أشهَرُ قولَيه عندَ أصحابِه وأصَحُّهُما، لكِن آخِرُ قولَيه: أَنَّه لا بُدَّ من عدَلَينٍ. ففي ((الأمِ))(٥) قالَ الرَّبيعُ: قَالَ الشافعيِّ بعدُ: لا يجوزُ على رمَضانَ إلّا شاهدانِ . (١) البخاري (٢٦٧٠)، ومسلم (١٣٨/٢٢١). (٢) أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٢١١٢)، وابن ماجه (١٦٥٢)، وابن حبان (٣٤٤٦)، والحاكم (٤٢٤/١). (٣) في الأصل: ((تصوموا)). (٤) أبو داود (٢٣٤٢)، وابن حبان (٣٤٤٧)، والحاكم (٤٢٣/١). (٥) الأم (٢٣٢/٣). ١٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وإذا قُلنا: يُقبَلُ في ذلك الواحِدُ فهَل هو روايَةٌ أو شهادَةٌ؟ خِلافٌ عندَ الشافعيَّةِ، والأصَحُّ عندَهم: أنَّه شهادَةٌ(١) فلا يُقبَلُ قولُ العَبدِ والمَرأةِ؛ نصَّ علَيه الشافعيُّ في ((الأمِّ)). وهَل يُشتَرَطُ لفظُ الشَّهادَةِ؟ قالَ الجُمهورُ: هو على الوجهَينِ في كونِه روايَةً أو شهادَةً، ولا فرقَ على القَولَينِ بينَ أن تكونَ السَّماءُ مُصحيةً أو مُغَيِّمَةً، ووافَقَ الحَنَفيةُ الجُمهورَ على الاكتِفاءِ في ثُبوتِ هلالِ رمَضانَ بعَدلٍ واحِدٍ، لكِن خصّوا ذلك بما إذا كانَ بالسَّماءِ علَّةٌ من غَيم أو غُبارٍ أو نَحوِ (٢) ذلك، وإلّا لم يُقْبَل إلّا من جمعِ كثيرٍ يقَعُ العِلمُ بِخَبَرِهم، وأجْرَوهُ مُجرَى الرِّوايَةِ، فَقَبِلوا فيه الرَّجُلَ والمَرأةَ والحُرَّ والعَبدَ. وقالوا: لا يختَصُّ بَلَفِظِ الشَّهادَةِ، وذَهَبَت المالِكيةُ إلى أنَّه لا يثبُتُ إلّا بشاهدَينِ كسائرِ الشُّهودِ، وقالَ به أيضًا الأوزاعيُّ، وإسحاقُ بنُ راهويه. وعَدَّى أبو ثورٍ الثُبوتَ بشاهدٍ واحِدٍ إلى شوّالٍ أيضًا، وعَدّاه بعضُ أصحابِنا إلى ذي الحَجَّةِ لما فيه من عبادَةِ الحَجِّ، وذلك يرد(٣) قولَ الترمذيِّ: لم يختَلِف (٤) أهلُ العِلمِ في الإفطارِ أنَّه لا يُقبَلُ فيه إلّا شهادَةُ رجُلَينٍ . السابِعَةُ: قد يستَدِلُّ به من ذَهَبَ إلى أنَّه إذا رُئيَ الهلالُ بَبَلَدٍ لم يلزم أهلَ بلَدٍ أخرَى لم يرِد فيها الصَّومُ لقَولِه: ((حتى ترَوا الهلالَ». وأهلُ تلك البَلدَةِ لم يرَوهُ. وقَد يستَدِلُّ به من قالَ بتَعَدِّيه إلى بقِيَّةِ البِلادِ، فإنَّه مصروفٌ عن ظاهرِهِ؛ إذ لا يتَوقَّفُ الحالُ على رؤيَةِ كُلِّ واحِدٍ على انفرادِه كما تقَدَّمَ، فلا معنَى لَقييدِه بالبَلَدِ، بل إذا ثبَتَ بقَولٍ من يثبُتُ بقَولِه في الشَّريعَةِ تعَذَّى حُكمُه إلى سائرٍ المُكَلَّفِينَ. وقَد اختَلَفَ العلماءُ في هذِهِ المَسألَةِ على مذاهبَ: فَبَعْضُهم بالَغَ في ذلك وجَعَلَ لكُلِّ أهلٍ بَلَدٍ رؤيَتَهم لا يتَعَدّاهم ذلك إلى غَيرِهم، وأصلُ ذلك ما في ((صحيحِ مسلم))(٥) وغَيرِه عن كُرَيبِ مولى ابنِ عباسٍ (١) ليس في الأصل. (٣) في (م): ((برد)). (٥) مسلم (٢٨/١٠٨٧). (٢) في (م): ((ونحو)). (٤) في الأصل: ((تختلف)). = كتابُ الصّيامِ ١٦٩ في استِهلالِه رمَضانَ بالشّام ليلَةَ الجُمُعَةِ، ثمَّ قُدومِه المَدينَةَ، فسألَه ابنُ عباسٍ فأخبَرَه، فقالَ ابنُ عباسٍ: لَكِنّا رأيناه ليلَةَ السَّبتِ، فلا نزالُ نصومُ حتى نُكمِلَ العِدَّةَ أو نراهُ. وقالَ: هَكَذا أمَرَنا رسولُ اللهِ مَّهِ. قَالَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدّينِ في ((شرحٍ العُمدَةِ))(١): ويُمكِنُ أَنَّه أرادَ بذلك هذا الحديثَ العامَّ يعني قوله: ((لا تصوموا حتى ترَوا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى ترَوهُ)). لا حديثًا خاصًّا بِهَذِهِ المَسأَلَةِ، قالَ: وهو الأقرَبُ عندي. انتَهَى. وقَد حكَى ابنُ المُنذِرِ (٢) هذا المَذهَبَ عن عكرِمَةَ، والقاسِمِ، وسالِمٍ، وإسحاقَ بنِ راهويه. وحَكاه الترمذيُّ(٣) عن أهلِ العِلم، ولَم يحكِ سِواهُ. وحَكاه الماوردِيُّ(٤) وجهًا في مذهَبِ الشافعيِّ. وقالَ آخَرونَ: إذا رُئِيَ ببَلدَةٍ لزِمَ أهلَ جميعِ البِلادِ الصَّومُ، وهو مذهَبُ مالِكٍ، [٢٩٨/١ و] وأبي حنيفَةَ، وأحمَدَ، والليثِ بنِ سعدٍ. وحَكاه ابنُ المُنذِرِ (٥) عن أكثَرِ الفقهاءِ، وبِه قالَ بَعضُ الشافعيَّةِ، فإنَّهم قالوا: إن تقارَبَت البَلَدانِ فحُكمُهُما حُكُمُ الْبَلَدِ الواحِدِ، وإن تباعَدَتا وجهانِ : أصَخُّهُما: عندَ الشَّيخ أبي حامِدٍ، والشَّيخِ أبي إسحاقَ، والغَزّالِيِّ(٦)، والشّاشِيّ، والأكثرينَ: أنَّه لا يجِبُ الصَّومُ على أهلِ البَلَدِ الآخَرِ . والثاني: الوجوبُ، وإِلَيه ذَهَبَ القاضي أبو الطَّيِّبِ والرّويانِيُّ(٧)، وقالَ: إِنَّه ظاهرُ المَذهَبِ. واختارَه جميعُ أصحابِنا. وحَكَاه البَغَوِيّ عن الشافعيِّ نفسِه. وعَلى الأولِ: ففي ضَبطِ البُعدِ أوجُهُ: أحَدُها: وبِهِ قَطَعَ العِراقيونَ، والصَّيدَلانِيُّ، وغَيرُهم: أنَّ التَّاعُدَ أن تختَلِفَ المَطالِعُ كالحِجازِ والعِراقِ وخُراسانَ، والتَّقارُبَ أن لا تختَلِفَ كبغدادَ والكوفَّةِ (١) إحكام الأحكام (ص ٤٠٥). (٣) جامع الترمذي عقب حديث (٦٩٣). (٥) الإشراف (١١٢/٣). (٧) بحر المذهب (٢٧١/٤). (٢) الإشراف (١١٢/٣). (٤) الحاوي (٤٠٩/٣). (٦) الوجيز (٢٣٦/١). = ١٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والرَّيِّ وقَزوينَ، وصَحَّحَه النوويُّ في ((الرَّوضَةِ))، و((المِنهاجِ))، و((شَرِحٍ المُهَذَّبِ)) (١). والثاني: أنَّ التَّباعُدَ مسافَةُ القَصرِ، وبِهَذا قطَعَ إمامُ الحَرَمَينِ، واذَّعَى الاتّفاقَ علَيه، والغَزّالِيُّ والبَغَوِيُّ. وصَحَّحَه الرّافِعِيُّ في ((شرحِه الصَّغير)) و((المُحَرَّرِ)) والنوويُّ في ((شرحٍ مسلمٍ))(٢). والثالِثُ: اعتبارُه باتِّحادِ الإقليم(٣) واختِلافِهِ، وحَكَى السَّرَخِسِيُّ وجهًا آخَرَ: أنَّ كُلَّ(٤) بَدٍ لا يُتَصَورُ خفاؤُه عنهم بلا عارِضٍٍ يلزَمُهم دونَ غَيرِهم(٥)، وقالَ ابنُ الماجِشونِ من المالِكيةِ: إن ثبَتَ بأمرٍ شائع لزِمَ البَعيدَ، وإن ثبَتَ عندَ الحاكِم بشَهادَةِ (١١٧/٤م) شاهدَينِ كسائرِ الأحكامِ لم يلزَم من خرَجَ من وِلايَتِه إلّا أن يكونَ أميرَ المؤمِنِينَ، فَيَلْزَمُ القَضاءَ جماعَتُهم إذا كتَبَ بما عندَه من شهادَةٍ أو رؤيَةٍ إلى من لم (٦) يثبُتُ عندَه. حكاه ابنُ شاسٍ في ((الجَواهرِ))(٧). وقَد حصَلَ في المَسألَةِ المَذكورَةِ سبعَةُ أقوالٍ (٨). ] الثامِنَةُ: استُدِلَّ به على وجوبِ الصَّومِ على المُنْفَرِدِ برؤيَةٍ هلالٍ رمَضانَ، وعَلى وجوبِ الإفطارِ على المُنْفَرِدِ برؤيَةِ هلالِ شوّالٍ وإن لم يثبت ذلك بقَولِه، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربَعَةِ في هلالِ رمَضانَ. واختَلَفوا في الإفطارِ برؤيَةٍ هلالِ شوّالٍ وحدَه، فقالَ الثَّلاثَةُ: لا يُفطِرُ؛ بل يستَمِرُّ صائمًا احتياطًا للصَّومِ، وقالَ الشافعيُّ: يلزَمُه الفِطرُ، ولَكِن يُخفيه لئَّا يُتَّهَمَ، وهو مُقتَضَى قولِه: ((ولا تُفطِروا حتى ترَوه)). وذَهَبَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، وإسحاقُ بنُ راهويه إلى أنَّه (١) روضة الطالبين (٢١٢/٢)، ومنهاج الطالبين (ص٧٤)، والمجموع (٢٨٠/٦). (٢) نهاية المطلب (١٧/٤)، والوجيز (٢٣٦/١)، والمحرر (ص١٠٨)، ومسلم بشرح النووي (٢٧٧/٧) .. في (م): ((الأقاليم)) . (٣) ينظر: المجموع للنووي (٢٨٢/٦). (٥) (٧) عقد الجواهر الثمينة (٢٤٧/١). (٤) ليس في الأصل. (٦) في (ك، م): ((لا)). (٨) ينظر: المجموع شرح المهذب (٢٨٠/٦ - ٢٨٢). = ١٧١ كتابُ الصّيامِ لا يصومُ برؤيَتِه وحدَه، وعن أحمَدَ: أنَّه لا يصومُ إلّ في جماعَةِ النّاسِ، ورويَ نحوُه عن الحَسَنِ، وابنِ سيرينَ(١). ] التّاسِعَةُ: يتناولُ الحديثُ رؤيَتَه ليلًا ونَهارًا، لكِنَّه إذا رُئيَ نهارًا فهو اللََّلَةِ المُستَقْبَلَةِ، فإن كانَ ذلك يومَ الثَّلاثينَ من شعبانَ لم يصوموا، وإن كانَ يومَ الثَّلاثينَ من رمَضانَ لم يُفطِروا، وسَواءٌ كانَ ذلك قبلَ الزَّوالِ أو بعدَه، هذا هو المَشهورُ في المَذاهبِ الأربَعَةِ، وحُكِيَ عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأَنَسٍ، والأوزاعيِّ، والليثِ بنِ سعدٍ، وإسحاقَ بنِ راهويه. وذَهَبَ سُفيانُ الثوريُّ، وأبو يوسُفَ، وبَعضُ المالِكيةِ إلى أنَّه إن رُئِيَ قبلَ الزَّوالِ فهو لَّيَلَةِ الماضيةِ، وهو روايَةٌ عن أحمَدَ، وبِهِ قالَ(٢) ابنُ حزمٍ(٣) الظَّاهِرِيُّ(٤). العاشِرَةُ: قولُه: ((فإن غُمَّ علَيكم)) بضَمِّ الغَينِ المُعجَمَةِ وتَشديدِ الميم؛ أي: الهلالُ، معناه: حالَ بينَكم وبَينَه غَيمٌ، يُقالُ: غُمَّ وأغمِيَ وغُمِيَ وغُمِّيَ (٥) بتَخفيفِ الميم وتَشديدِها، والغَينُ مضمومَةٌ فيهما، وهو من قولِك: غَمَمت الشَّيءَ إذا غَّته فهو مغمومٌ(٦)، ويُقالُ أيضًا: غَبِي بِفَتحِ الغَينِ المُعجَمَةِ وكَسرِ الباءِ الموحَّدَةِ أي خفي، ورَواه بعضُهم: غُبِي بضَمِّ الغَينِ وتَشديدِ الباءِ الموحَّدَةِ لما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وهُما من الغَباءِ بالمَدِّ وهو شِبه الغُبرَةِ في السَّماءِ. وذَكَرَ القاضي أبو بكرِ بنُ(٧) العربيّ(٨) أنَّه رويَ [٢٩٨/١ظ] فيه أيضًا: ((فإن عُمِّيَ عَلَيْكُم)). بالعَينِ المُهمَلَةِ من العَمَى، قَالَ: وهو بمَعناهُ؛ لأنَّ ذَهابُ البَصَرِ عن المُشاهَداتِ أو ذَهابُ البَصيرَةِ عن المعقولاتِ. (١) ينظر: الإشراف (١١٣/٣، ١١٤). (٢) ليس في: الأصل. ينظر: الإشراف (١١٤/٣)، والمحلى (٢٣٩/٦)، والمجموع (٢٧٩/٦). (٣) (٤) ليس في: الأصل. (٥) ليس في: الأصل. لسان العرب (٤٤١/١٢)، والقاموس المحيط (٢٢٢/٤). (٦) (٧) ليس في الأصل. عارضة الأحوذي (٢٠٥/٣). (٨) ١٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الحديثُ الرّابِعُ وعن عُروةَ، عن عائشةَ قالَت: فَلَمّا مضَت تِسعُ وعِشرونَ ليلَةً، دَخَلَ علَيَّ رسولُ الله ◌ِِّ، قالَت: بدأ بي. فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّك أقسَمتَ أن لا تدخُلَ علينا شهرًا، وإنَّك قد دَخَلت عن تِسع وعِشرينَ أعُدُّهُنَّ! فقالَ: ((إنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرينَ))(١). كذا رواه مسلمٌ. فيه فوائدُ: الأولى: أخرَجَه ((مسلمٌ)» في الصَّومِ عن عبدِ بنِ حُمَيدٍ (٢)، وفي الطَّلاقِ عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ وابنِ أبي عمرَ(٣): ثلاثَتُهم عن عبدِ الرَّزّاقِ. وفي روايَته(٤) في الصَّومِ في أولِ الحديثِ عن الزهريِّ: أنَّ النبيَّ نَ ◌ّهِ أَقسَمَ أن لا يدخُلَ على أزواجِه شهرًا. قالَ الزهريُّ: فأخبَرَني عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ، عن عائشَةَ. فَذَكَرَت هذا الحديثَ. وذَكَرَه في الطَّلاقِ عِقِبَ حديثِ الزهريِّ، عن عُبَيدِ الله [بنِ عبدِ الله](٥) بنِ أبي ثورٍ، عن ابنِ عباسٍ في سؤالِه عمرَ عن المَرأتَينِ من أزواجِ النبيِّ وَّرِ اللَتَينِ قالَ اللهُ: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُّكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. الحديثُ الطّويلُ، وفي آخِرِهِ: وكانَ أقسَمَ أن لا يدخُلَ علَيهنَّ شهرًا من شِدَّةٍ موجِدَتِهِ عَلَيهنَّ حتى عاتَبَه اللهُ رَ، ثمَّ ذَكَرَ هذا الحديثَ. وأخرَجَه ((الترمذيُّ))(٦) أيضًا في التَّفسيرِ من طريقِ عبدِ الرَّزّاقِ بَنَحوِهِ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ. وأخرَجَه ((النسائيّ))(٧) أيضًا من طريقِ عبدِ الأعلى، عن معمَرٍ. واتَّفَقَ الشَّيخانِ(٨) على هذِه القِصَّةِ من حديثِ أمِّ سلَمَةَ: أنَّ النبيَّ مَ وَ آلى من (١) بعدها في (م): ((كذا)). وكُتب فوقها في الأصل، (ك) كليهما: ((كذا)). وهي في صحيح مسلم: ((وعشرون)). (٢) مسلم (٢٢/١٠٨٣). (٣) مسلم (٣٥/١٤٧٥). (٤) في (م): ((رواية)). ما بين المعكوفين ليس في الأصل. والمثبت الصواب. (٥) (٦) الترمذي (٣٣١٨). (٨) البخاري (١٩١٠)، ومسلم (٢٥/١٠٨٥). (٧) سنن النسائي (٢١٣٠). كتابُ الصّيامِ ١٧٣ نِسائه شهرًا، فلَمّا مضَى تِسِعَةٌ وعشرونَ يومًا (١) غدا أو راحَ، فقيل له: إنَّك حلَفتَ أن لا تدخُلَ شهرًا، فقالَ: ((إنَّ الشَّهرَ يكونُ تِسعَةً وعِشرينَ يومًا))، لفظُ البخاريِّ. وأخرَجَها البخاريُّ(٢) أيضًا من حديثٍ أَنَسٍ قَالَ: آلى رسولُ اللهِ وَّهِ من نِسائه، وكانَت انفَكَّت رجلُه، فأقامَ في مشرُبَةٍ تِسعًا وعِشرينَ ليلَةً (١١٩/٤م)، ثمَّ نزَلَ فقالوا: يا رسولَ الله آلَيتَ شهرًا. فقالَ: ((إنَّ الشَّهرَ يكونُ تِسعًا وعِشرينَ)). ورويَت القِصَّةُ أيضًا من حديثٍ عمرَ في ((الصحيحَينِ))(٣)، وجابِرٍ في ((صحيحٍ مسلم)) (٤)، وغَيرِهِ وغَيرِهما(٥). ] الثانيةُ: استُشكَلَ قولُها: ((فَلَمّا مضَت تِسعٌ وعِشرونَ ليلَةً دَخَلَ عَلَيَّ))؛ لأنَّ مُقتَضاه: أنَّه دَخَلَ في اليَومِ التّاسِعِ والعِشرينَ، فلَم يكُن ثمَّ شهرٌ لا على الكَمالِ ولا على النُّقصانِ. وجَوَابُه: أنَّ المُرادَ فَلَمّا مضَت تِسعٌ وعِشرونَ ليلَةً بأيّامِها؛ فإنَّ العَرَبَ تؤرِّعُ بالليالي وتَكونُ الأيّامُ تابِعَةً لها، ويَدُلُّ لذلك قولُه في حديثٍ أمِّ سَلَمَةَ عندَ البخاريِّ وَغَيرِهِ، فَلَمّا مضَى تِسِعَةٌ وعِشرونَ يومًا . فإن قلتَ: ففي ((صحيحِ مسلم)) من حديثٍ جابِرٍ في هذِهِ القِصَّةِ: فَخَرَجَ إلَينا صباحَ تِسعِ وعِشرينَ. وهو صريحٌ فِي أَنَّه كانَ دُخولُه في التّاسِعِ والعِشرينَ. قلتُ: قد أولَه النوويُّ في ((شرحِ مسلم)» (٦): على أنَّ معناه صباحُ الليلَةِ التي بعدَ تِسعَةٍ وعشرينَ يومًا وهي صبيحَةُ ثَلاثينَ، ودَعاه إلى ذلك الجَمعُ بينَ الرِّواياتِ، فإنَّ قولَه: فلَمّا مضَى تِسعَةٌ وعِشرونَ يومًا، يقطَعُ النِّزاعَ في ذلك، وكَذا قالَ القاضي عياضٌ(٧) بعدَ ذِكرِه اختلافَ الرِّواياتِ في ذلك: معناه كُلُّه بعدَ تمامٍ تِسِعَةٍ وعِشرينَ يومًا، يدُلُّ عَلَيه روايَةُ: فَلَمّا مضَى تِسعٌ وعِشرونَ يومًا . (١) ليس في (م). (٢) البخاري (١٩١١). (٣) البخاري (٨٩، ٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣)، ومسلم (٣٠/١٤٧٩). (٤) مسلم (٢٩/١٤٧٨). أخرجه البخاري (٥٢٠٣) من حديث ابن عباس. (٥) (٦) شرح النووي على مسلم (١٩٦/٧). (٧) إكمال المعلم (١٥/٤، ١٦). ١٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثالِثَةُ: صرَّحَ في هذا الحديثِ بأنَّ حلِفَه عليه الصلاةُ والسلامُ كانَ على الامتناعِ من الدُّخولِ على أزواجِه شهرًا، فَتَبَيَّنَ أنَّ قولَه في حديثٍ أمِّ سلَمَةَ وأَنَسٍ وغَيرِهما: آلَى النبيُّ وَّهُ مِن نِسائه. أريدَ به ذلك ولَم يُرِد به الحَلِفَ على الامتناعِ من الوطءِ، والرِّواياتُ يُفَسِّرُ بعضُها بعضًا؛ فإنَّ الإيلاءَ في اللُّغَةِ: مُطلَقُ الحَلِفِ، لكِنَّه مُستَعمَلٌ في عُرفِ الفقهاءِ في حلِفٍ مخصوصٍ، وهو الحَلِفُ على الامتناعِ من وطءٍ زوجَتِه مُطلَقًّا أو مُدَّةً تزيدُ على أربَعَةِ أشهُرٍ، فلا يُستَعمَلُ الإيلاءُ عندَهم فيما عدا ذلك، فالإيلاءُ(١) على الوجه المَذكورِ حرامٌ؛ لما فيه من إيذاءِ الزَّوجَةِ، وليسَ هو المَذكورُ في الحديثِ، ولَو حلَفَ على الامتِناعِ [٢٩٩/١ و] من وطءِ الزَّوجَةِ أربَعَةَ أشهُرٍ فما دونَها لم يكُن حرامًا، وتَعديتُه في حديثٍ أمِّ سلَمَةَ وغيرِها بمَن يدُلُّ على ذلك؛ لأنَّه راعَى المَعنَى وهو الامتناعُ من الدُّخولِ وهو يَتَعَدَّى بمِن(٢). الرابعةُ: فيه جوازُ هجرانِ المسلم فوقَ ثلاثَةِ أيّام إذا تعَلَّقَت بذلك مصلَحَةٌ دينيةٌ من صلاح حالِ المَهجورِ وغَيْرٍ ذلك، ومِن(٣) ذلك ما إذا كانَ (١٢٠/٤م) المَهجورُ مُبتَدِعًا أو مُجاهرًا بالظلم والفُسوقِ، فلا يحرُمُ مُهاجَرَتُهُ. وأمّا قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا هجرَةَ بينَ المسلمينَ فوقَ ثلاثَةٍ أيّام))(٤). فمَحَلُّه ما إذا كانَ الهجرانُ لحُظوظِ النَّفْسِ وتَعنتاتِ أهلِ الدُّنيا . قالَ النوويُّ في ((الزَّوضَةِ))(٥): قالَ أصحابُنا وغَيرُهم: هذا في الهجرانِ لغَيرِ عُذرٍ شرعِيٍّ، فإن كانَ عُذرٌ بأن كانَ المَهجورُ مذمومَ الحالِ لبِدعَةٍ أو فِسقٍ أو نحوِهما، أو كانَ فيه صلاحٌ لدينِ الهاجِرِ أو المَهجورِ، فلا يحرُمُ. وعَلى هذا (١) في (ك، م): ((والإيلاء)). (٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٦٢/١). (٣) في الأصل: ((وفي)). (٤) أخرجه البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥/٢٥٦٠) من حديث أبي أيوب، وأخرجه مسلم (٢٧/٢٥٦٢) من حديث أبي هريرة. (٥) الروضة (٦٧٤/٥، ٦٧٥). = ١٧٥ كتابُ الصّيامِ يُحمَلُ ما ثبَتَ من هَجرِ النبيِّ وََّ كعبَ بنَ مالِكٍ وصاحِبَيه، ونَهِهِ وَّرِ الصَّحَابَةَ عن كلامِهم(١)، وكَذا ما جاءَ من هجرانِ السَّلَفِ بعضِهم بعضًا انتَهَى. الخامِسَةُ: فيه منقَبَةٌ لعائشَةَ رِّنَا؛ لبَدائه(٢) عليه الصلاةُ والسلامُ بالدُّخولِ علَيها قبلَ بقيةِ زوجاتِه . السادِسَةُ: هذا الحديثُ محمولٌ عندَ الفقهاءِ على أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ أقسَمَ على تركِ الدُّخولِ على أزواجِه شهرًا بعَينِهِ بالهلالِ، وجاءَ (٣) ذلك الشَّهرُ ناقِصًا، فَلَو تمَّ ذلك الشَّهرُ ولَم يرَ الهلالَ فيه ليلَةَ الثَّلاثينَ لمَكَثَ ثلاثينَ يومًا، أمّا لو أقسَمَ على تركِ الدُّخولِ علَيهنَّ شهرًا مُطلَقًا لم ينطَبِقِ الحَلِفُ فيه على أولِ الهلالِ لم يَبَرَّ إلّا بشَهرٍ تامٌّ بالعَدَدِ، هذا هو الذي نعرِفُه لأصحابِنا وغَيرِهم، فإن كانَ أحَدٌ من الفقهاءِ يقولُ بالاكتِفاءِ بتِسعَةٍ وعشرينَ يومًا، ولَو كانَ ذلك في أثناءِ شهرٍ فهَذا الحديثُ حُجَّةٌ له. فإن قلتَ: إذا كانَ المَحلوفُ عَلَيه شهرًا بعَينِهِ بالهلالِ، وقَد رُئِيَ لتَمامِ تِسْعَةٍ وعِشرينَ يومًا فما وجه السّؤالِ عنهُ، وقَد كمُلَ الشَّهرُ بالرّؤْيَةِ؟ قلتُ: يحتَمِلُ أوجُهَا : أحَدُها: أنَّ السائلَ لم يعلَم بأنَّه شهرٌ يُعَيِّنُه (٤) بالهلالِ، بل ظَنَّ أنَّه شهرٌ عَدَدِيٌّ فَنَى على ذلك سؤالَهُ. ثانيها: لعَلَّ السائلَ لم يعلَم قبلَ ذلك الحُكمَ الشَّرعِيَّ، وهو أنَّ الشَّهرَ المُعتَبَرَ بعَينِهِ (٥) بالهلالِ لا يُعتَبَرُ فيه العَدَدُ، وإنَّما يُعتَبَرُ فيه الهلالُ حتى بيَّنَه له الشّارِعُ في هذا الحديثِ. ثالِثُها: يُحتَمَلُ أنَّ السائلَ عَرَفَ أنَّ المَحلوفَ عَلَيه شهرٌ بعَينِهِ(٦) بالهلالِ، (١) أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩/ ٥٣). (٢) في (ك): ((بداته)) . (٣) في (م): ((وجاءه)). (٤) الباء في الأصل لا نقط فيها، وفي (ك): ((يعينه)). (٥) الباء في الأصل لا نقط فيها، وفي (م): ((يعينه)). الباء في الأصل لا نقط عليها . (٦) = = ١٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وعَرَفَ أنَّ المُعتَبَرَ فيه الهلالُ دونَ العَدَدِ، ولَكِنَّهم لم يكونوا رأوا الهلالَ لمانِعٍ من غَيمٍ أو غَيرِهِ، أو لم ينتَصِبوا لرؤيَتِه لكَونِه ليسَ رمَضانَ ولا شعبانَ، وعَلِمَ النبيُّ وَّ بالغَيبِ انقِضاءَ الشَّهرِ بوحي فأخبَرَ به، ويَدُلُّ لذلك قولُه في حديثِ ابنِ عباسٍ عندَ النسائيّ(١): ((أتاني جِبريلُ عَلَّهُ فقالَ: الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرونَ)). السابِعَةُ: قولُه: ((إنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرينَ)) كذا في أصلِنا ((وعِشرينَ)). وكأنَّه خبَرُ ((كانَ)) المُقَدَّرَةِ، تقديرُه يكونُ تِسعًا وعِشرينَ، ويَدُلُّ لهَذا قولُه في حديثٍ أمِّ سلَمَةَ، وأنَسٍ، وغَيرِهما: ((إنَّ الشَّهرَ يكونُ تِسعًا وعِشرينَ))، وحَذفُ كانَ واسمِها وإبقاءُ عمَلِها إنَّما هو كثيرٌ بعد إن أو لو، لكِنَّه قد ورَدَ بعدَ غَيرِهما كما في قولِ الشّاعِرِ : مِن لَدُ شَولًا فَإِلى ائتلَائِهَا(٢) أي: من لدُن كانَت هي شولًا، فإلى أن تلاها ولَدُها، وعَلى هذا فقَولُه: (تِسعٌ)) (٣) منصوبٌ، [٢٩٩/١ظ] واستَغنى عن كتابَتِه بالألِفِ بجَعلٍ فَتحَتَيْنِ عِلَيه، كما هو اصطِلاحٌ لِبَعضِ النّاسِ. ولا جائزَ أن يكونَ مرفوعًا . ] الثامِنَةُ: إن قلتَ: ظاهرُه حصرُ الشَّهرِ في تِسعِ وعِشرينَ، معَ أنَّه لا ينحَصِرُ فيه فقَد يكونُ ثلاثينَ . قلتُ: عنه أجوبةٌ : أحَدُها: أنَّ المَعنَى كما تقَدَّمَ أنَّ الشَّهرَ يكونُ تِسِعَةً وعِشرينَ يومًا؛ وحينئذٍ فلا إشكالَ في ذلك. ثانيها: أنَّ الأَلِفَ واللامَ فيه(٤) للعَهدِ، والمُرادُ أنَّ هذا الشَّهرَ الذي أقسَمَ على الامتناعِ من الدُّخولِ فيه تِسعَةٌ وعشرونَ يومًا . ثالِثُها: أنَّه بنَى ذلك على الغالِبِ الأكثرِ؛ لأنَّ مجيءَ الشَّهرِ تِسعًا وعِشرينَ (٥) (١) النسائي (٢١٣٢). (٢) البيت منسوب لسيبويه، ينظر: سر صناعة الإعراب (١٩٨/٢)، والمحكم (١٢١/٨)، واللسان (٣٧٤/١١)، وخزانة الأدب (٢٣/٤). (٣) هكذا ضبطت في (ك). (٥) في (ك، م): ((تسعٌ وعشرون)). (٤) زيادة في (ك). = LE ١٧٧ كتابُ الصّيامِ في زمَنِه عليه الصلاةُ والسلامُ كانَ أكثَرَ من ثلاثينَ. وفي ((سُنَنِ أبي داود))، و((الترمذيِّ)) (١) عن ابن مسعودٍ قالَ: ما صُمت معَ النبيِّ ◌َلهَ تِسعًا وعِشرينَ أكثَرَ ممّا صُمنا ثلاثينَ، وكَذا في ((سُنَنِ ابنِ ماجَه))(٢) عن أبي هريرةَ. رابِعُها: قالَ القاضي أبو بكرٍ ابنُ العربيّ(٣): معناه حصرُه من أحَدٍ طَرَفَيه وهو النُّقصانُ؛ أي: إنَّه يكونُ تِسعًا وعِشرينَ وهو أقَلُّهُ، وقَد يكونُ ثلاثينَ وهو أكثَرُه، فلا تأخذوا أنتُم بصَومِ الأكثَرِ أنفُسَكم احتياطًا، ولا تقصُروا على الأقَلِّ تخفيفًا، ولَكِن اربِطوا عبادَتَكم برؤيَتِه، واجعَلوا عبادَتَكم مُرتَبِطَةً ابتِداءً وانتِهاءً باستِهِلالِهِ. انتَهَى . الحديثُ الخامِسُ عن همّام، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((إذا نودِيَ الصَّلاةِ صلاةِ الصُّبح وأحَدُكم جُنُبٌ، فلا يصُم يومَئذٍ)). ذَكَرَه ((البخارُّ)) تعليقًا (١٢٢/٤م). ووَصَلَه ((ابنُ ماجَه)). وهو منسوخٌ أو مرجوحٌ، وقَد رجَعَ عنه أبو هريرةَ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: ذَكَرَه البخاريُّ في ((صحيحِه)) (٤) تعليقًا، فقالَ: وقالَ همّامٌ، و(٥) ابنُ عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن أبي هريرةَ: كانَ النبيُّ وَّهِ يَأْمُرُ بالفِطرِ. والأولُ أُسنَدُ. (١) أبو داود (٢٣٢٢)، والترمذي (٦٨٩). (٢) ابن ماجه (١٦٥٨). (٣) عارضة الأحوذي (٢٠٤/٣). (٤) البخاري عقب حديث (١٩٢٦). فأما رواية همام، فقد تقدم تخريجها في صدر حديث الباب. وأما رواية ابن عبد الله بن عمر - على الإبهام من غير تعيين أي بنيه هو - فأخرجها عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن عبد الله بن عمر به - كما في الفتح. وينظر لزامًا: التمهيد (٤٢٣/١٧). (٥) ليس في (م). ١٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ورَواه النسائيّ في ((سُنَّنِهِ الكُبرَى))، وابنُ ماجَه في ((سُنَنِه))(١)؛ من روايَةِ سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن عمرٍو بنِ دينارٍ، عن يحيى بنِ جعدَةَ، قالَ: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عمرَ. والقارِئُ قالَ: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: لا ورَبِّ هذا البَيتِ ما أنا قلتُ: من أدرَكَه الصُّبحُ وهو جُنُبٌ فلا يصُم، محمدٌ وَرَبِّ الكَعبَةِ قالَهُ. لفظُ النسائيّ، ولَفظُ ابنِ ماجَه بمعناهُ. ورَواه النسائيّ في ((الكُبرَى))(٢) أيضًا من روايَةِ شُعَيبٍ بنِ أبي حمزَةَ، عن الزهريِّ، عن عبدِ الله [بنِ عبدِ الله](٣) بنِ عمرَ: أنَّه احتَلَمَ ليلًا (٤) في رمَضانَ، فاستَيقَظَ قبلَ أن يطلُعَ الفَجرُ، ثمَّ نامَ قبلَ أن يغتَسِلَ فَلَم يستَيقِظ حتى أصبَحَ، قالَ: فَلَقيتُ أبا هريرةَ حينَ أصبَحتُ فاستَفتَيتُه في ذلك، فقالَ: أفطِر؛ فإنَّ رسولَ الله ◌َّ﴿ كَانَ يأمُرُ بالفِطرِ إذا أصبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا. قَالَ عبدُ الله بنُ عبدِ الله: فجِئت عبدَ اللهَ بنَ عمرَ، فَذَكَرت له الذي أفتاني به أبو هريرةَ فقالَ: أقسِمُ بالله لئن أفطرت لأوجِعن شبيبتك(٥)، صُم فإن بدا لك أن تصومَ يومًا آخَرَ فافعَل. ثمَّ رواه النسائيّ(٦) أيضًا من روايَةٍ عُقَيلٍ، عن الزهريِّ، عن عُبَيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ (١٢٣/٤م) فَذَكَرَ مثلَهُ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(٧): اختُلِفَ عن ابنِ شِهابٍ في اسمِ ابنِ عبدِ الله بنِ عمرَ [هذا؟ فقيل: عبد الله، وقيل: عبيد الله، وكلاهما ثقة ثبت. انتهى. (١) النسائي في الكبرى (٢٩٢٤)، وابن ماجه (١٧٠٢). (٢) السنن الكبرى (٢٩٢٥). ملاحظة: وقع خطأ في تحفة الأشراف (١٣٩/١٠، ١٤٠، ٢٤٥) ح (١٣٥٧٨، ١٤١١٩)، وهو: ((عبد الله بن عبد الله بن عمر)) جعله: ((عبد الله بن عُبَيد الله بن عمر)) - (مصغرًا) - وهو تصحيف واضح يخالف ما جرى عليه المزي في ترتيبه للتحفة، وقد وقع هذا الخطأ على الصواب في مخطوطة البرزالي للتحفة (ج١١/٦ ق). وينظر: تهذيب الكمال (١٨٠/١٥)، (٧٧/١٩). (٣) ما بين المعكوفين ليس في الأصل. (٤) في الأصل: ((يومًا)). (٥) فى (م): ((متنيك)). والمثبت كما في الكبرى. (٦) السنن الكبرى (٢٩٢٥). (٧) الاستذكار (٢٨٨/٣). = كتابُ الصّيامِ ١٧٩ وكذلك قال البخاري: ((وابن عبد الله بن عمر))](١) فلَم يُسَمِّه، وقَولُ البخاريِّ والأولُ أسنَدُ، أشارَ به إلى ما رواه قبلَه عن عائشَةَ، وأمِّ سلَمَةً ضُهَا أَنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ كَانَ يُدرِكُه الفَجرُ وهو جُنُبٌ من أهلِه ثمَّ يغتَسِلُ ويَصومُ. وأنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ الحارِثِ بنِ هشامٍ ذَكَرَ ذلك لمَروانَ بنِ الحَكَمِ، فقالَ له مروانُ: أقسِمُ بالله لتُقَرِّعن بها أبا هريرةَ، فَذَكَرَ له عبدُ الرحمنِ قولَ عائِشَة وأمِّ سلَمَةَ. فقالَ: كذلك حدَّثَني الفَضلُ بنُ عباسٍ، وهو أعلَمُ (٢). وأخرَجَه مسلمٌ(٣) أيضًا وفي روايَتِه: فقالَ أبو هريرةَ: أهُما قالَتاه لك؟ قالَ: نعَم. قالَ: هُما أعلَمُ، ثمَّ ردَّ أبو هريرةَ ما كانَ يقولُ في ذلك إلى الفَضلِ بنِ العباسِ، فقالَ: سمِعت ذلك من الفَضلِ ولَم أسمَعه من النبيِّي ◌ِّ، فَرَجَعَ أبو هريرةً عمّا كانَ يقولُ في ذلك الحديثِ. [١/ ٣٠٠و] وفي ((سُنَنِ النسائيّ الكُبرَى))(٤) أنَّ أبا هريرةَ قالَ: هي - يعني: عائشَةَ - أعلَمُ بِرَسولِ اللهِّهِ منّا، إنَّما كانَ أسامَةُ بنُ زيدٍ حدَّثَني بذلك. وفي «صحيحٍ مسلم))(٥) وغَيرِه من روايَةِ أبي يونُسَ مولى عائشَةَ، عن عائشَةَ رَّ: أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رسولِ اللهِ وَّهُ يستَقْتيه، وهي تسمَعُ من وراءِ البابِ. فقالَ: يا رسولَ الله تُدرِكُني الصلاةُ وأنا جُنُبٌ فأصومُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وأنا تُدرِكُني الصلاةُ، وأنا جُنُبٌ فأصومُ)). فقالَ: لستَ مثلَنا يا رسولَ الله، قد غَفَرَ اللهُ لك ما تقَدَّمَ من ذَنبِك وما تأخّرَ، فقالَ: ((والله إنِّي لأرجو أن أكونَ أخشاكم لله وأعلَمَكم بما أتقي)). (١) ما بين المعكوفين ليس في (م). (٢) البخاري (١٩٢٦). قال في المشارق (٢٧٤/٢): وهو أعلم، كذا للمروزي، والجرجاني، وأبي ذر، وعامة الرواة، وفي رواية ابن السكن: وهن أعلم، وهو الصواب؛ يعني: أمهات المؤمنين. انتهى. قلتُ: وفي نسخة بهامش اليونينية: ((وهن))، وفي نسخة: ((وهي))، وكلتاهما موافق للروايات الآتي تخريجها بعد هذه. وينظر كذلك: الفتح (١٧٣/٤). (٣) مسلم (١١٠٩/ ٧٥). (٥) مسلم (٧٩/١١١٠). (٤) السنن الكبرى (٢٩٣١). ١٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثانيةُ: فيه نهيُ من أجنَبَ ليلاً واستَمَرَّ جُنُبًا فَلَم يغتَسِل حتى طلَعَ الفَجرُ عن الصَّوم، وظاهرُه: يقتضي أنَّه لا فرقَ بينَ أن يكونَ ذلك باختيارِه كالجِماعِ، أو بغَيرِ اختيارِه لاحتِلامِ، ولا بينَ صومٍ رمَضانَ وغَيرِهِ، وقَد كانَ يذهَبُ إلى هذا المَذهَبِ أبو هريرةَ رَنْهِ ويَقولُ: إنَّه لو صامَ لم يصِحَّ صومُه. هذا هو الأشهَرُ عنه عندَ أهلِ العِلم، كما قالَه ابنُ المُنذِرِ (١). وحَكَى النوويُّ في ((شرحٍ المُهَذَّبِ))(٢): أنَّ ابنَ المُنذِرِ حكاه عن سالِمٍ بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، والذي حكاه ابنُ المُنذِرِ عنه: ما سأحكيه عنه بعدَ ذلك. قالَ النوويُّ في ((شرح مسلم)) (٣): وحُكِيَ عن الحَسَنِ بنِ صالِحٍ بنِ حِيٍّ. وفيه قَولٌ ثانٍ: أنَّه إنَ علِمَّ بِجَنابَتِه ثمَّ نامَ حتى أصبَحَ من غَيرِ اغتِسالٍ فهو مُفِطِرٌ، وإن لم يعلَم حتى أصبَحَ فهو صائمٌ. قالَ ابنُ المُنذِرِ: رويَ ذلك عن أبي هريرةً(٤) أيضًا، وطاوس(٥)، ومُروةَ بنِ الزُّبَيرِ (٦). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ، (١٢٤/٤م) والنوويُّ في ((شرحٍ مسلم))(٧): وحُكِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيّ. وفيه قولٌ ثالِثٌ: أنَّه يُتِمُّ صومَه ويَقضيه. حكاه ابنُ المُنذِرِ (٨)، عن سالِمٍ بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، والحَسَنِ البَصرِيِّ في قولٍ، وذَكَرَ النوويُّ في ((شرحٍ مسلمٍ). : (٩) أنَّه حُكِيَ أيضًا عن الحَسَنِ بنِ صالِحِ بنِ حيٍّ. وفيه قولٌ رابعٌ: أنَّه يُجزِئُه في التَّطُوُّعِ ويَقضي في الفَرضِ. حكاه ابنُ المُنذِرِ (٢) المجموع (٦/ ٣٢٧). (١) الإشراف (١٣٥/٣). شرح النووي على مسلم (٢٢٢/٧). (٣) أخرجه ابن المنذر - كما في المجموع (٣٢٧/٦)، والفتح (٤ /١٤٧) - وقال الحافظ: (٤) ولم يصح عنه. انتهى. وأعله بأنه من رواية أبي المهزم عنه، وهو ضعيف عن أبي هريرة. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣١/٤). (٥) (٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٤٠٥). (٧) التمهيد (٤٢٤/١٧)، وشرح النووي على مسلم (٢٢٢/٧). (٨) الإشراف (١٣٥/٣). شرح النووي على مسلم (٢٢٢/٧). وقد تعقب الحافظ في الفتح (١٤٧/١) حكاية هذا (٩) القول: بأن الطحاوي قد نقل عنه الاستحباب، وبأن ابن عبد البر نقل عنه، وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون النفل.