النص المفهرس
صفحات 121-140
= كمـ ١٢١ بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُّفِ السؤالِ وهي: أنَّ الَيَدَ العُليا أفضَلُ مِن اليَدِ السُّفلى، والمُكتَسِبُ يدُه عُليا إن تصَدَّقَ، وكَذا إن لم يتَصَدَّق، وفَسَّرنا العُليا بالمُتَعَفِّفَةُ عن السؤالِ، فقَد يُستَدَلُّ بِهَذا على ترجيح الروايةِ التي فيها: ((اليَدُ العُليا بالمُتَعَفِّفَةِ) تفضيل؛ لأنَّه لا يلزَمُ مِن الاكتِسابِ الصدقةُ، لكِن تَبَيَّنَ بِرِوايَةِ مسلمٍ أنَّ تفضيلَ الاكتِسابِ هو للصَّدَقَةِ والاستِغناءِ عن النّاسِ، وكَما أنَّه لا يلزَمُ مِن الاكتِسابِ الصدقةُ، لا يلزَمُ مِن الاكتِسابِ التَّعَفُّفُ عن السؤالِ، فرُبَّ مُكتَسِبٍ مُكتَفٍ يسألُ تَكَثُّرًا، واللهُ أعلَمُ. الحَديثُ الثامِنُ جَّ عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ بنَ الخَطّابِ حمَلَ على فرَسٍ في سبيلِ الله فوجَّدَه يُباعُ، فأرادَ أن يبتاعَه، فسألَ رسولَ اللهِ وَ عِن ذَلكَ فقال: ((لا تبتَعه ولا تعُد في صَدَقَتِك)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: اتَّفَقَ عليه الشيخانِ وأبو داود(١) مِن (٨٦/٤م) هَذا الوجه مِن طريقِ مالِكِ. وأخرَجَه الشيخانِ(٢) أيضًا مِن رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ عمرَ. وأخرَجَه مسلمٌ (٣) مِن رِوايَةِ الليثِ بنِ سعدٍ؛ ثَلاثَتُهُم، عن نافِعٍ. وأخرَجَه البخاريُّ والنسائيُّ(٤) مِن رِوايَةِ عُقَيلٍ، عن الزهريِّ، عن سالم، عن أبيه بلَفِظِ: أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ تصَدَّقَ بِفَرَسٍ في سبيلِ اللهِ الحَديثُ. وَأُخرَجَه مسلمٌ(٥) مِن رِوايَةِ عبدِ الرَّزاقِ، عن مَعمَرٍ، عن الزهريِّ، عن سالِمٍ، عن أبيه. وأخرَجَه الترمذيُّ والنسائيُّ(٦) مِن هَذا الوجه فجَعَلاه مِن مُسنَدِ عمرَ، وأخرَجَه الشيخانِ والنسائيُّ (١) البخاري (٢٩٧١، ٣٠٠٢)، ومسلم (٣/١٦٢١)، وأبو داود (١٥٩٣). (٢) البخاري (٢٧٧٥)، ومسلم (١٠٠/١٦٢١). (٣) مسلم (٠٠٠/١٦٢١). (٥) مسلم (٤/١٦٢١). (٤) البخاري (١٤٨٩)، والنسائي (٢٦١٦). (٦) الترمذي (٦٦٨)، والنسائي (٢٦١٥). = ١٢٢ S طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وابنُ ماجَه(١) مِن رِوايَةِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، قال: سَمِعت عمرَ يقولُ: حمَلتُ على فَرَسٍ في سبيلِ الله، فأضاعَه الذي كانَ عِندَه، فأرَدت أن أشتريه وظَنَنت أنَّه يبيعُه برُخصٍ [٢٨٨/١ظ]؛ فسألت النبيَّ نَّه، فقال: ((لا تشتَرٍ ولا تعُد في صَدَقَتِك، وإن أعطاكَه بدِرهَم، فإنَّ العائدَ في صَدَقَتِهِ كالعائدِ في قيئه)) لفظُ البخاريِّ، وفي لفظِ للشَّيخَينِ: ((كَالكَلبِ يعودُ في قيئه)). وأخرَجَه ابنُ ماجَه (٢) مِن رِوايَةِ عمرَ بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه، عن عمرَ. وذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ (٣) أنَّ الحَديثَ عِندَ جُمهورِ رواةِ (الموطّ) في(٤) ((مُسنَدِ ابنِ عمرَ)) كَما رويناه، إلّا مَعنَ بنَ عِيسَى(٥)؛ فإنَّه رواه عن مالِكٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ. فجَعَلَه مِن مُسنَدٍ عمرَ، وكَذلكَ اختُلِفَ على عُبَيدِ الله بنِ عمرَ؛ فَرَواهُ القَطَّانُ وعَلِيُّ بنُ عاصِمٍ (٦)، عنه في (٧) مُسنَدِ ابنِ عمرَ، ورَواه ابنُ نُمَيرٍ(٨)، عنه مِن مُسنَدِ عمرَ، قال: ورَواه يحيى بنُ سعيدٍ(٩)، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، فقال(١٠): ((لا تشتَرِه ولا شيئًا مِن نِتَاجِه)). وكذا رواه الشافعيُّ والحُمَيدِيُّ(١١)، عن ابنِ عُيَينَةَ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، عن عمرَ. انتَهَى. ويوافِقُ هاتَينِ الروايتينِ: ما رواه ابنُ ماجَه(١٢) في ((سُنَتِه))، عن الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ: أنَّه حمَلَ على فرَسٍ يُقالُ له: غَمَرٌ أو غمرَةٌ (١٣)، فرأى مُهرًا أو مُهرَةً مِن أفلائها يُباعُ يُنسَبُ إلى فَرَسِه؛ فنهى عنها . الثانيةُ: قولُه: «حمَلَ على فَرَسٍ في سبيلِ الله)). (١) البخاري (٢٩٧٠، ٣٠٠٣)، ومسلم (١/١٦٢٠، ٢)، والنسائي (٢٦١٤)، وابن ماجه (٢٣٩٠). (٢) ابن ماجه (٢٣٩٢). (٣) التمهيد (٧٤/١٤، ٧٥). (٥) الدارقطني في العلل (١٥/٢، ١٦). (٤) في (م، ك): ((من)). (٦) رواية القطان تقدمت من رواية الشيخين، ورواية علي بن عاصم لم أقف عليها . (٨) المنتقى لابن الجارود (٣٦٢). (٩) الطحاوي في المشكل (٥٠٢٣). (٧) في (ك): ((من)). (١١) السنن المأثورة للشافعي (٣٨٠)، والحميدي (١٥). (١٠) بعدها في (م): ((فیه)). (١٢) ابن ماجه (٢٣٩٣). (١٣) في (م، ك): ((عمرة)). = بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُفِ ١٢٣ قال القاضي عياضٌ(١): في مَعنَى الحَملِ هُنا تأويلانِ: أحَدُهُما: هبّتُه وتملیکُه له للجهادِ. والثاني: تحبيسُه عليه، وقال القاضي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٢): الحَملُ على ثَلاثَةِ أنواعٍ : أولُها: أن يحبِسَ عليه فرَسًا لا يُباعُ ولا يوهَبُ، ولَكِن يغزو عليه خاصَّةً ويُركَبُ في الجِهادِ لا غَیْرُ. والثاني(٣): أن يتَصَدَّقَ به عليه لوجه الله تعالى. الثالثُ: أن یھَبَه له. قُلت: فزادَ احتِمالًا ثالثًا وهو الصدقةُ، والفَرقُ بَيْنَها وبَينَ الهِبَةِ: أنَّها الثَّمليكُ تقَرُّبًا إلى الله تعالى وطَلَبًا لثَوابِ الآخِرَةِ، (٢٨٧/٤) والهبَةُ أَعَمُّ مِن ذلكَ. فالفَرقُ بَينَهُما: هو الفَرقُ بَيْنَ العامِّ والخاصِّ، فهي داخِلَةٌ في الهِبَةِ التي ذَكَرَها القاضي عياضٌ. ثمّ قال ابنُ العَرَبي (٤): فأمّا إن حمَلَه عليه على أنَّه حبسٌ لا يُباعُ ولا يوهَبُ، فذاكَ لا يُشتَرَى أَبَدًا [وإن كانَ صَدَقَّةً، ففي كِتابِ ابنِ عبدِ الحَكْمِ : لا يُشتَرَى أَبَدًا](٥). وقال بَعدَه: تركُه أفضَلُ، وهو صَريحُ مَذهَبِ مالِكِ والشافعيِّ والليثِ، ولِذلكَ لم يفسَخوا البَيعَ. وقال، في كِتابِ محمدٍ: إذا حمَلَ على الفَرَسِ لا للسَّبيلِ ولا للمَسكَنَةِ، فلا بأسَ أن يشتريه. قُلتُ: فأشارَ بما نقَلَه عن كِتابِ محمدٍ إلى الهبَةِ التي ليسَتِ صَدَقَةً، وحاصِلُ كَلامِهِ: الجَزمُ بِمَنعِ البَيعِ بتَقديرِ الوقفِ، وبِجَوازِهِ بتَقديرِ الهَبَةِ، والخِلافِ بتَقديرِ الصدقةِ، ثمَّ قال بَعدَ ذلكَ: فأمّا إذا قال هو لك في سبيلِ الله، فقال مالِكٌ: له بَيْعُه ولَو أسقَط(٦) كَلِمَةً لك لرَكِبَه ورَدَّهُ. وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفَةَ: هو مِلكُ له. وإذا قال: إذا بَلَغت به رأسَ (١) إكمال المعلم (٣٤٢/٥). (٣) في (ك): ((الثاني)). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (٢) عارضة الأحوذي (١٧٤/٣). (٤) عارضة الأحوذي (١٧٤/٣). (٦) في (م): ((أسقطت)). = ١٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مَغْزاك فهو لك؛ فاتَّفَقوا على أنَّه لا يجوزُ إلّا الليثُ؛ لأنَّه وإن كانَ مُخاطَرَةً فَلَيسَ في بَيعِ، وكانَ ابنُ عمرَ يقولُ: إذا بَلَغت وادِيَ القُرَى فشأنُك به، وفي ذلكَ كلِّه خِلافٌ، ولَم يعلَم كيفيةَ فعلِ عمرَ، فلا يعلَمُ إلى أيِّ شيءٍ يرجِعُ جوابُه. ثمَّ حکَی عن بَعضِ النّاسِ أَنَّه قال: إذا حمَلَه عليه في سبيلِ الله فلا يُباعُ أبدًا، قال: وهَذا خطأ مُخالِفٌ الحَديثِ؛ فإنَّ النبيَّ وََّ مَنَعَ مِنه عمرَ خاصَّةً، وعَلَّلَ بِعِلَّةٍ تختَصُّ به دونَ سائرِ النّاسِ، وهو أنَّه عودٌ في الصدقةِ (١)، انتَهَى. وفي هذا الإطلاقِ الذي حكاه عن بَعضِ النّاسِ مَنعُ البَيعِ ولَو كانَ هبَةً، لكِنَّه خطّأه كَما عرَفتَ، ثمَّ(٢) صَرَّحَ في الحَديثِ بأنَّه صَدَقَةٌ، فانتَفَى احتِمالُ الهبّةِ الخاليةِ عن الصدقةِ، والرّاجِحُ [٢٨٩/١و] مِن هَذِه الاحتِمالاتِ في هَذِه الواقِعَةِ أنَّه تمليكٌ بقَصدِ ثَوابِ الآخِرَةِ، فهو هبَةٌ وهو صَدَقَةٌ. وبِذلكَ جزَمَ النوويُّ(٣) في ((شرح مسلم))، فقال: مَعناه تصَدَّقت به ووهَبته لمَن يُقاتِلُ عليه في سبيلِ الله . وقال والِدِي ◌َّتُهُ في ((شرحِ الترمذيِّ)): الظّاهرُ: أنَّ عمرَ لم يجعَله حبسًا مُطلَقًا؛ أي: على جميعِ الغُزاةٍ مِن غَيرِ تعيينٍ واحِدٍ ولا حبَسَه على مَن حمَلَه عليه؛ لأنَّه لو وقَعَ ذلكَ لَامتَنَعَ بَيْعُهُ، وإنَّما مَنَعَه مِن شِرائه فقَط ولَم يمنَعه مِن بَيْعِه لِغَيرِهِ، فدَلَّ على أنَّه كانَ مِلكًا لمَن حمَلَه عليه. انتَهَى. ومَن جعَلَه وقفًا قال: إنَّما صَحَّ بَيْعُهُ؛ لأنَّه ضاعَ بحَيثُ لا يصلُحُ لسَبيلِ الله. وتَجويزُ البَيعِ في هَذِهِ الصّورَةِ قولُ عبدِ المَلِكِ بنِ حبيبٍ. وقال ابنُ القاسِمِ والجُمهورُ (٨٨/٤م): لا يُباعُ. قال ابنُ العَرَبي (٤): وهو صَحيحٌ؛ لأنَّه إذا لم يصلُح للكَرِّ والفَرِّ صَلَحَ للحَملِ؛ وكُلٌّ في سبيلِ الله، انتَهَى. وهَذا الذي نقَلته عن ابنِ حبيبٍ وغَيرِه تبِعتُ فيه ابنَ العَرَبِي. وعَكَسَ ذلكَ (١) عارضة الأحوذي (١٧٤/٣، ١٧٥). (٣) شرح النووي على مسلم (١١/ ٦٢). (٢) بعدها في (م، ك): («أنه)). (٤) عارضة الأحوذي (١٧٦/٣). = بابٌ فضلِ الصدقةِ والتَّعَقُّفِ ١٢٥ القاضي عياضٌ(١)، فنَقَلَ عن ابنِ حبيبٍ مَنعَ بَيعِه في هَذِهِ الصّورَةِ. وعن مالِكٍ تجويزُهُ، وبَقي مِن احتِمالاتِ هَذِه الواقِعَةِ: أن يكونَ أعطاه (٢) له على سبيل العارِيَّةِ. وهَذا مَدفوعٌ بكونِه باعَه؛ فإنَّ العارِيَّةَ مَردودَةٌ غَيرُ مَملوكَةٍ، كَما أنَّ احتِمالَ الوقفِ مَدفوعٌ بذلكَ، وهَذِهِ الصّورَةُ هي التي ذَكَرَها ابنُ العَرَبي في قوله: هي (في سبيلِ الله)) ولَم يقُل: ((لك)). الثالِثَةُ: قولُه: ((لا تبتَعه ولا تعُد في صَدَقَتِك)). نھيُ تنزيهٍ لا تحریم، فيُكرَه لمَن تصَدَّقَ بِشَيءٍ أو أخرَجَه في زكاةٍ أو كَفّارَةٍ أو نذرٍ ونَحوِ ذلكَ مِن القُرُباتِ: أن يشتَرِيه مِمَّن دَفَعَه هو إلَيه، أو يتَّهَبَه أو يتَمَلَّكَه باختيارِهِ مِنْهُ. فأمّا إذا ورِثَه مِنه فلا كَرَاهَةَ فيه، وكَذا لو انتَقَلَ إلى ثالِثٍ ثمَّ اشتَراه مِنه المُتَصَدِّقُ فلا كَراهَةَ. قال النوويُّ في ((شرح مسلم))(٣): هَذا مَذهَبُنا ومَذهَبُ الجُمهورِ. وقال جماعةٌ مِن العلماءِ: النَّهيُ عن شِراءِ صَدَقَتِه للتَّحريمِ. انتَهَى. وقال الترمذيُّ بَعدَ رِوايَةِ هَذا الحَديثِ: والعَمَلُ على هَذا عِندَ أكثَرِ أهلِ العِلمِ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ(٤): وكُلُّ العلماءِ يقولونَ: إذا رجَعَت إلَيه بالميراثِ طابَت له، إلّا ابنَ عمرَ فإنَّه كانَ لا يحبِسُها إذا رجَعَت إلَيه بالميراثِ، وتابَعَه الحسنُ بنُ حيٍّ. ثمَّ قال ابنُ عبدِ البَرِّ: يحتَمِلُ فعلُ ابنِ عمرَ أن يكونَ ورَعًا لا أنَّه رآه واجِبًا. وحَكَى والِدِي ◌َغْتُهُ في ((شرحِ الترمذيِّ)) عن بَعضِ العلماءِ كَراهَةَ شِرائه مِن ثَالِثٍ انتَقَّلَ إلَيه مِن المُتَصَدِّقِ به عليه لرُجوعِه فيما ترَكَه لله تعالى، كَما حُرُمَ على المُهاجِرِينَ سُكنَى مكةَ بَعدَ هجرَتِهم مِنها لله تعالى. فإن قُلتَ: ما الجَمعُ بَيْنَ هَذا وبَينَ حديثِ: ((لا تحِلُّ الصدقةُ لغَنِيِّ إلّا لِخَمسَةٍ. لغازٍ في سبيلِ الله، أو لعامِلٍ عليها، أو لرجلِ اشتَراها بمالِهِ)) الحَديثُ، رواه مالِكٌ في ((الموطّأ)) مِن رِوايَةِ عطاءِ بنِ يسارٍ مُرسَلًا، ووصَلَه (١) إكمال المعلم (٣٤٢/٥). (٢) في (م): ((إعطاؤه)). (٣) شرح النووي على مسلم (٦٢/١١). (٤) التمهيد (٢٦٠/٣، ٢٦١). = ١٢٦ 3 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ أبو داود بذِكرِ أبي سعيدِ الخُدرِيِّ فيه (١). قُلتُ: فیه وجهانِ : أحَدُهُما: أنَّ حديثَ البابِ أخَصُّ مِن ذلكَ الحَديثِ، فيحملُ قولُه: ((أو لرجلٍ اشتَراها بمالِه))، على ما إذا اشتَراها غَيرُ المُتَصَدِّقِ بها أو اشتَراها المُتَصَدِّقُ بها مِن غَيرِ مَن تصَدَّقَ بها عليه. والمَعنَى(٢): أنَّه إذا اشتراها المُتَصَدِّقُ بها مِن المُتَصَدَّقِ بها عليه رُبَّما حاباه في ثَمَنِها؛ لمِنَّتِه المُتَقَدِّمَةِ (٨٩/٤م) عليه؛ فيَكونُ رُجوعًا في الصدقةِ بقَدرِ المُحاباةِ، وقَد تقَدَّمَ أنَّ في ((الصَّحيحَينِ)) [٢٨٩/١ظ] في رِوايَةٍ: ((وظَنَنت أنَّه يبيعُه برُخصٍ)). فيُحتَمَلُ أن يُرادَ بَيعُه برُخصٍ لعمرَ خاصَّةً لسَبقِ مِنَّتِه عليه كَما تقَدَّمَ. ويُحتَمَلُ أن يُرادَ بَيعُه برُخصٍ مُطلَقًا لَكُونِهِ أضاعَه، فنَقَصَ ثَمَنُه للنَّقصِ الذي حصَلَ فيه، وقَد تقَدَّمَ أنَّ في ((الصَّحيحَينِ)) أيضًا: فأضاعَه الذي كانَ عِندَه، وَرَجَّحَ والِدي تَُّ هَذا الاحتِمالَ الثاني، فقال: إنَّه الظّاهرُ. وَرَجَّحَ القاضي عياضٌ(٣) أنَّ المُرادَ بإضاعَتِهِ أنَّه لم يُحسِن القيامَ عليه، ثمَّ ذَكَرَ احتِمالًا آخَرَ: أنَّ المُرادَ إضاعَتُه في استِعمالِهِ فيما حُبِسَ لهُ. ثانيهما: أنَّ النَّهيَ في حديثِ البابِ للتَّنزيه كما تقَدَّمَ عن الجُمهورِ، والذي في ذلكَ الحَديثِ حِلُّه وهو (٤) صادِقٌ مَعَ الكَراهَةِ. وحَكَى ابنُ العَرَبي(٥) عن قومٍ أَنَّ حديثَ البابِ ناسِخٌ لذلكَ الحَديثِ. وهو مِرودٌ؛ فإنَّ النَّسخَ لا بُدَّ فيه مِن مَعرِفَةِ التاريخِ، وقَد استَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى التَّحريمِ بقَولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((فإنَّ العائدَ في صَدَقَتِهِ کالعائدِ في قیئه)). قال قتادَةُ (٦): ولا نعلَمُ القَيءَ إلَّا حرامًا، ومَن ذَهَبَ إلى الكَرَاهَةِ أَخَذَ بالروايةِ التي فيها: ((كالكَلبٍ يعودُ في قيئه))، وقال: فعلُ الكَلبِ لا يوصَفُ بتَحريمِ؛ إذ لا تكليفَ عليه، فالمُرادُ التَّفيرُ مِن العَودِ بتَشبيهه بهَذا المُستَقذَرِ، واللهُ أعلمُ. (١) مالك في الموطأ (٢٦٨/١)، وأبو داود (١٦٣٥). (٢) في الأصل: ((والمغنى))، وبعدها في (م، ك): ((فيه)). (٣) إكمال المعلم (٣٤٢/٥). (٤) في (ك): ((وهذا)). (٥) عارضة الأحوذي (١٧٦/٣). (٦) أبو داود عقب حديث (٣٥٣٨). = ١٢٧ بابُ فضلِ الصدقةِ والتَّعَفُّفِ الرّابِعَةُ: أشارَ النبيُّمَ له بقَولِه: ((ولا تعُد في صَدَقَتِك))، إلى العِلَّةِ في نهِهِ عن الابتياعِ وهو أنَّه عودٌ في الصدقةِ . فإن قُلتَ: فإذا كانَ الابتياعُ عودًا في الصدقةِ؛ فما وجه عطفِه عليه؟ قُلتُ: هو مِن عطفِ العامِّ على الخاصِّ، والمَعنَى: لا تعُد في صَدَقَتِك بِطَريقِ الابتياعِ ولا غَيرِهِ. الخامِسَةُ: استُدِلَّ بقَولِه في رِوايَةٍ للشيخَينِ (١): ((وإن أعطاكَه بدِرهَم)). على أنَّه يجوزُ لصاحِبِ السِّلعَةِ: أن يبيعَها بغَبنِ فاحِشٍ ولا رُجوعَ له في ذلكَ، وبهذا قال جُمهورُ العلماءِ. وقال البغدادِيّونَ مِن المالِكيةِ: مَتَى انتَهَى الغَبْنُ لُّلُثِ فَلَه الرُّجوعُ في البَيعِ، وجَعَلوا قولَه في هَذا الحَديثِ: ((وإن أعطاكَه بدِرهَم)) ضَربَ مَثَلٍ لا حقيقَةً. وقال الجُمهورُ: لا مانِعَ مِن الحَقيقَةِ، فلا يعدِلُ عنها بغَيرِ دَليلٍ، واللهُ أعلمُ. السادِسَةُ: استدلَّ به على أنَّ المَنافِعَ في ذلكَ كالأعيانٍ، فلَو تصَدَّقَ على شخصٍ بغَلَّةِ سِنينَ لم يشتَرِ المُتَصَدِّقُ مِنه تِلكَ الغَلَّةَ، وبه قال ابنُ حبيبٍ مِن المالِكيةِ، وقال ابنُ المَوّازِ: لا بأسَ بذلكَ(٢). السابِعَةُ: استُدِلَّ به على مَنعِ الرُّجوعِ في (٩٠/٤م) الصدقةِ وعَلى مَنعِ الرُّجوع في الهَبَةِ مُطلَقًا. وبهذا قال مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ والجُمهورُ، إلّا في هَبَةِ الوالِدِ لولَدِهِ، فَلَه الرُّجوعُ فيها (٣) لقَولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لا يحِلَّ لرجلٍ أن يُعطي عطيةً ثمَّ يرجِعَ فيها إلّا الوالِدُ فيما يُعطي وَلَدَهُ)) رواه أصحابُ («السننِ الأربَعَةِ)(٤)؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ وابنِ عبّاسٍ، وقال الترمذيُّ: حسَنٌ صَحيحٌ. والأصَحُّ عِندَ أصحابِنا: جوازُ رُجوعِ الوالِدِ فيما تصَدَّقَ به على ابنِهِ، ونَصَّ (١) في (م): ((الشيخين)). (٢) ينظر: إكمال المعلم (٣٤٥/٥). (٣) ينظر: جامع الأمهات (ص ٤٥٥)، والمجموع شرح المهذب (٣٨٣/١٥)، والمحرر في الفقه (٣٧٥/١). (٤) أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (١٢٩٩، ٢١٣٢)، وابن ماجه (٢٣٧٧)، والنسائي (٣٦٩٢)، (٣٧٠٥)، وفي الكبرى (٦٥٢٠، ٦٥٣٤). = ١٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عليه الشافعيُّ، ومَنَعَ المالِكِيةُ ذلكَ. وعَكَسَ الحَنَفيةُ هَذا، فقالوا: بجَوازِ الرُّجوعِ في هبَةِ الأجنبي، ومَنَعوا الرُّجوعَ في هبَةِ ذي الرَّحِمِ المَحرَمِ وفي هبَةِ أحَدٍ الزَّوجَينِ للآخَرِ. وعن أحمدَ بنِ حنبَلٍ رِوايَتانِ فِي رُجوعِ المَرأةِ فيما وهَبَته لزَوجِها بِمَسأَلَتِهِ، ومَنَعَ بَعضُ السَّلَفِ الرُّجوعَ في الهَبَةِ مُطلَقًّا، ولَو أنَّها مِن الوالِدِ لولَدِه واتِّاعُ الحَديثِ أولى. الثامِنَةُ: في قولِه: ((فَسألَ رسولُ اللهِ وَّر عن ذلكَ))، ما كانَ عليه الصَّحابَةُ ◌َّهِ مِن سُؤالِ النبيِّي ◌َّرَ فيما يعرِضُ لهُم مِن الحَوادِثِ. كتابُ الصّيامِ ١٢٩ كتابُ الصّيامِ الحديثُ الأولُ عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((الصّيامُ جُنَّةٌ، فإذا كانَ أحَدُكم صائمًا فلا [٢٩٠/١و] يجهَل ولا يرفُث؛ فإن امرؤٌ قاتَلَه أو شاتَمَه فليَقُل: إنّي صائمٌ، إنّي صائمٌ)). وعن همّامٍ، عن أبي هريرةَ مثلُهُ، وقالَ: ((أحَدُكم يومًا))، وقالَ: ((أو شتَمَهُ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه البخاريُّ، وأبو داود، والنسائيُّ(١) من طريقِ مالِكٍ، وليسَ في روايَةِ أبي داودَ قولُه: ((الصّيامُ جُنَّةٌ)). وأخرجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(٢) (٩١/٤م) من طريقٍ سُفيانَ بنِ عُيَينَةَ بدونِ قولِه: ((الصّيامُ جُنَّةٌ)). وأخرجَه مسلمٌ(٣) من روايَةِ المُغيرَةِ الحزاميِّ، مُقْتَصِرًا على قولِه: ((الصّيامُ جُنَّةٌ)). ثلاثَتُهم عن أبي الزّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ. وذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٤) الاختِلافَ على مالِكِ في ذِكرِ قوله: ((الصّيامُ جُنَّةٌ)). وأنَّه رواها عنه القعنبيُّ ويَحيَى وأبو المُصعَبِ وجَماعَةٌ، (١) البخاري (١٨٩٤)، أبو داود (٢٣٦٣)، النسائي في الكبرى (٢٢٥٣)، ولفظة: ((الصيام جنة)). وضعت بين معكوفين في المطبوع من أبي داود، وقد نَّه المزي في تحفة الأشراف (١٩١/١٠) (١٣٨١٧) أنها ليست عند أبي داود. (٢) مسلم (١٦٠/١١٥١)، والنسائي (٣٢٦٩). (٣) مسلم (١٦٢/١١٥١). (٤) التمهيد (٥٤/١٩). ١٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ولَم يذكُرها ابنُ بُكَير(١). وأخرَجَه الشَّيخانِ، والنسائيُّ(٢) من روايَةِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن أبي صالِحٍ، عن أبي هريرةَ، في أثناءِ حديثٍ. وأخرَجَه الترمذيُّ(٣) من روايَةِ عليٍّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، في أثناءِ حديثٍ: ((والصَّومُ جُنَّةٌ من النّارِ وإن جهلَ على أحَدِكم جاهلٌ وهو صائمٌ فليَقُل إنِّي صائمٌ)). وقالَ: حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسَنٌ(٤) غَريبٌ من هذا الوجه. الثانيةُ: قولُه: ((الصّيامُ جُنَّةٌ)). بضَمِّ الجيمِ وتَشديدِ النّونِ؛ أي: وقايَةٌ وسُترَةٌ. وقد عرَفتَ أنَّ في روايَةِ الترمذيِّ: ((جُنَّةٌ من النّارِ))، وكَذا رواه النسائيّ(٥) من حديثٍ عائشَةَ، ورَوى النسائيّ وابنُ ماجَه(٦) من حديثٍ عُثمانَ بنِ أبي العاصي: ((الصّيامُ جُنَّةٌ من النّارِ كجُنَّةِ أحَدِكم من القِتالِ)). وكَذا جزَمَ به ابنُ عبدِ البَرِّ والقاضي عياضٌ في ((المَشارِقِ))(٧) وغَيرِهما: أنَّه جُنَّةٌ من النّارِ. وقالَ صاحِبُ ((النِّهَايَةِ))(٨)؛ أي: يقي صاحِبَه ما يؤذيه من الشَّهَواتِ. وجَمَعَ النوويُّ(٩) بينَ الأمرَينِ، فقالَ: ومَعناه سِترٌ [ومانِعٌ من الرَّفَثِ والآثامِ، ومانِعٌ أيضًا من النّارِ، وذَكَرَ القاضي عياضٌ(١٠) في ((الإكمالِ)) الاحتمالاتِ الثَّلاثَةَ، فقالَ: سِترٌ ومانِعٌ من](١١) الآثامِ، أو من النّارِ، أو من جميع ذلك. وقالَ والِدِي تَُّهُ في ((شرح الترمذيِّ)): وإنَّما كانَ الصَّومُ جُنَّةً من النّارِ؛ لأنَّه إمساكٌ عن الشَّهَواتِ، والنّارُ محفوفَةٌ بالشَّهَواتِ كما في (١) وقع لفظ: ((الصيام جنة)) في رواية ابن بكير (٩/٧و - مخطوط)، ولعل نسخة ابن عبد البر من رواية ابن بكير ليست فيها هذه اللفظة، أو هي مغايرة للتي وقفت عليها، فالله أعلم. (٢) البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١٦٣/١١٥١)، والنسائي (٢٢١٥). (٣) الترمذي (٦٧٤). بعده في النسخ: ((صحيح)). والمثبت هو الصواب، وينظر: جامع الترمذي، وتحفة الأشراف (٤/١٠، ٥)، ح (١٣٠٩٧). (٤) (٥) النسائي (٢٢٣٣). (٦) النسائي (٢٢٣٠)، وفي الكبرى (٢٥٥٢)، وابن ماجه (١٦٣٩). (٧) التمهيد (٥٤/١٩)، ومشارق الأنوار (١٥٦/١)، وينظر: شرح مسلم للنووي (٣١/٨). (٨) النهاية في غريب الحديث (٣٠٨/١). (٩) شرح مسلم (٣٠/٨، ٣١). (١٠) إكمال المعلم (١١٠/٤). (١١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. = ١٣١ كتابُ الصّيامِ الحديثِ الصَّحيح(١): ((حُقَّت الجَنَّةُ بالمَكارِهِ وحُقَّت النّارُ بالشَّهَواتِ)). انتَهَى. وسَبَقَه إلى ذلك ابنُ العربيِّ(٢) وفي هذا الكَلامِ تلازُمُ الأمرَينِ، وأنَّه إذا كفَّ نفسَه عن الشَّهَواتِ والآثامِ في الدُّنيا كانَ ذلك ساتِرًا له من النّارِ غَدًا . الثالِثَةُ: في ((سُنَنِ النسائيّ)»(٣) وغَيرِهِ من حديثٍ أبي عُبَيدَةَ مرفوعًا ومَوقوفًا: ((الصَّومُ جُنَّةٌ ما لم يخرِقها)). ورَواه الدارميُّ(٤) في ((مُسنَدِهِ)) وفيه: بالغِيبَةِ، وبَوّبَ عَلَيه: بابَ الصّائم يغتابُ. وكَذا أورده أبو داود(٥) في ((بابِ الغِيبَةِ للصّائمِ))، وأشارَ في الحديثِ بذلك إلى أنَّه إذا أتَى بالغيبَةِ ونَحوِها فقَد خرَقَ ذلك الساتِرَ له من النّارِ بفِعلِه، ففيه تحذيرُ الصّائمِ من الغيبَةِ، وقَد ذَهَبَ الأوزاعيُّ (٩٢/٤م) إلى أنَّها تُفطِّرُ الصّائمَ ويَجِبُ عَلَيه القَضاءُ(٦)، وسائرُ العلماءِ على خِلافِهِ، لكِن ذَكَرَه بعضُهم عن عائشَةَ وسُفيانَ الثوريِّ؛ حكاه المُنذِريُّ. الرابعةُ: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(٧): حسبُك بكَونِ الصّيام جُنَّةً من النّارِ فضلًا للصّائمِ. انتَهَى. ورَوى النسائيّ(٨) عن أبي أمامَةَ قالَ: أَتَيتُ رسولَ اللهِ وَّل، فقلتُ: مُرني بأمرٍ آخُذُه عنك، قالَ: ((عليك بالصَّوم؛ فإنَّه لا مثلَ لهُ)). ومِن هُنا قالَ بعضُ العلماءِ: إنَّ الصَّومَ أفضَلُ العِباداتِ البَدَّنيةِ، ولَكِنَّ المَشهورَ تفضيلُ الصلاةِ وهو مذهَبُ الشافعيِّ وغَيرِهِ؛ لقَولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصلاةُ)). رواه أبو داود وغَيرُهُ(٩). (١) البخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٢)، والترمذي (٢٥٥٩) من حديث أنس (٢) عارضة الأحوذي (٢٩٤/٣). (٣) النسائي (٢٢٣٢)، وأحمد (١٩٥/١)، وابن خزيمة (١٨٩٢). الدارمي (١٧٧٣). ولفظة: ((بالغِيبة)) من كلام الدارمي، وليست من الحديث - كما يفهم (٤) من كلام المصنف. (٥) بوب به علی حديث رقم (٢٣٦٢). (٧) التمهيد (٥٤/١٩). (٦) ينظر: إكمال المعلم (٤ /١١٠). (٨) النسائي (٢٢١٩). (٩) لم أهتد إليه عند أبي داود، وهو عند أبي داود الطيالسي (١٠٨٩)، وأحمد (٢٧٦/٥)، وابن ماجه (٢٧٧). ١٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الخامِسَةُ: قولُه: ((ولا يرفُثُ))، بضَمِّ الفاءِ وكَسرِها وفَتحِها: ثلاثُ لُغاتٍ حكاهُنَّ في ((المَشارِقِ))(١) فقالَ: يُقالُ: رفَثَ بفتح الفاءِ يرفُتُ ويَرفِتُ بالضَّمِّ والكَسرِ رفثًا، بالسُّكونِ في المَصدَرِ، وبِالفَتحِ في الاسم. [٢٩٠/١ظ] وقَد قيلَ: رفَت بكَسرِ الفاءِ يرِفَتُ بفتحِها وأرفَثَ أيضًا. انتهى. وقد تبَيَّنَ من كلامِه: أنَّ في الماضيَ فتحَ الفاءِ وكَسرَها. وفيه لُغَةٌ ثالِثَةٌ: وهو ضَمُّها، حكاها في ((المُحكَم)) (٢) عن اللِّحيانيّ. والمُرادُ به هُنا: الفُحشُ من القَولِ. ويُطلَقُ في غَيرِ هذا المَوضِعِ على الجِماعِ وعَلى مُقَدِّماتِه أيضًا، وعلى ذِكرِهِ معَ النِّساءِ أو مُطلَقًا. وقالَ القاضي عياضٌ(٢) بعدَ ذِكرِهِ أنَّ الرَّفَثَ هُنا(٤) السُّخفُ والفُحشُ من الكَلامِ: إنَّ الجَهلَ مثلُه، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(٥): إنَّه قريبٌ منه وأنشَدَ : ألا لا يجهَلَن أحَدٌ علَينا فَنَجِهَلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا(٦) فإن قلتَ: فإذا كانَ بمعناه: فلِمَ عطَفَ عَلَيه، والعَطفُ يقتَضي المُغايَرَةَ؟ قلتُ: لمّا كانَ الجَهلُ يُستَعمَلُ بمَعنّى آخَرَ وهو خِلافُ العِلم، والرَّفَتُ يُستَعمَلُ بمَعنّى آخَرَ وهو الجِماعُ ومُقَدِّماتِه وذِكرِه، أريدَ بالجَمعِ بينَ اللفظَينِ الدَّلالَةُ على ما اشتَرَكا في الدَّلالَةِ عَلَيه، وهو فُحشُ الكَلامِ. وقالَ المُنذِرِيُّ في ((حواشي السُّنَنِ)): لا يجهَلُ؛ أي (٧): لا يقُل قولَ أهلِ الجَهل(٨): من رفَثِ الكَلامِ وسَفَهه أو لا يجفو أحَدًا ويَشتُمَه، يُقالُ: جهلَ علَيه إذا جفاءُ(٩). ■ السادِسَةُ: أشارَ بقَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((إذا كانَ أحَدُكم يومًا صائمًا)»: إلى أنَّه لا فرق في ذلك بينَ يومٍ ويَومٍ، فالأيّامُ كُلُّها في ذلك سواءٌ، فَمَتَى كانَ صائمًا نفلًا أو فرضًا في رمَضانَ أو غَيرِهِ، فليَجتَنِب ما ذُكِرَ في الحديثِ. (١) مشارق الأنوار (٢٩٦/١). (٢) المحكم (١٤١/١٠). (٤) ليس في: الأصل. (٦) (٣) إكمال المعلم (١٠٩/٤). (٥) الاستذكار (٣٣٤/٣). البيت من معلقة عمرو بن كلثوم الشهيرة، ومعناه: أي: لا يسفهن أحد علينا، فنسفه عليهم فوق سفههم؛ جزاء يربى عليه، فسمى جزاء الجهل جهلًا؛ لازدواج الكلام وحسن تجانس اللفظ. ينظر: شرح المعلقات السبع للزورني: (ص١٧٨). (٧) ليس في: الأصل. (٩) ينظر: مشارق الأنوار (١٦٢/١). (٨) ليس في: الأصل. كتابُ الصّيامِ ١٣٣ السابِعَةُ: قالَ القاضي عياضٌ (١): معنَى قاتَلَه: دافَعَه ونازَعَه، ويَكونُ بِمَعنَى شاتَمَه ولاعنهُ، وقَد جاءَ القَتلُ بمَعنَى اللعنِ. وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): المَعنَى في المُقاتَلَةِ مُقاتَلَتُه بِلِسانِه. ] الثامِئَةُ: المُفاعَلَةُ التي في قولِه: ((قاتَلَه وشاتَمَه)). لا يُمكِنُ أن تكونَ على ظاهرِها في وجودِ(٣) المُقاتَلَةِ والمُشاتَمَةِ من الجانِبَينِ؛ لأنَّه مأمورٌ بأن يكُفَّ نفسَه عن ذلك ويَقولَ: إِنِّي صائمٌ، وإنَّما المَعنَى: قتَلَه مُتَعَرِّضًا لمُقاتَلَتِهِ، وشَتَمَه مُتَعَرِّضًا لمُشاتَمَتِهِ، فالمُفاعَلَةُ حينَئذٍ موجودَةٌ بتأويلٍ وهو إرادَةُ القاتِلِ والشّاتِمِ لذلك، وذَكَرَ بعضُهم: أنَّ المُفاعَلَةَ تكونُ لفِعلِ الواحِدِ كما يُقالُ: سافَرَ وعالَجَ الأمرَ وعافاه اللهُ، ومِنهم من أولَ ذلك أيضًا وقالَ: لا تجيءُ المُفاعَلَةُ إلّا من اثْنَينِ إلّا بتأويلٍ، ولَعَلَّ قائلًا يقولُ: إنَّ المُفاعَلَةَ في هذا الحديثِ على ظاهرِها، بأن يكونَ بدَرَ منه مُقابَلَةُ الشَّتمِ بِمِثلِه بمُقتَضَى الطَّعِ، بأن ينزَجِرَ عن ذلك ويَقولُ: إنِّي صائمٌ، والأولُ أظهَرُ. ويَدُلُّ على أنَّه لم يُرِد حَقيقَةَ المُفاعَلَةِ قولُه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((شتَمَهُ))، وقَولُه في روايَةِ الترمذيِّ(٤): ((وإن جهلَ على أحَدِكم جاهلٌ)). التّاسِعَةُ: قولُه: (فَلَيَقُل: إنِّي صائمٌ)). ذَكَرَ فيه العلماءُ تأويلَينِ: أحَدُهُما: وبِهِ جزَمَ المُتَولِّي ونَقَلَه الرّافِعِيُّ (٥) عن الأئمَّةِ: أنَّه يقولُه في قلبِهِ لا بلِسانِه، بل يُحَدِّثُ نفسَه بذلك، ويُذَكِّرُها أنَّه صائمٌ لا يليقُ به الجَهلُ والمُشاتَمَةُ لِيَنزَجِرَ بذلك. الثاني(٦): أنَّه يقولُ (٧) بلِسانِه ويُسمِعَه صاحِبَه؛ ليَزجُرَه عن نفسِه ورجَّحَه النوويُّ في ((الأذكارِ))(٨) وغَيرِها، فقالَ: إنَّه أظهَرَ الوجهَينِ. وقالَ في ((شرحٍ المُهَذَّبِ))(٩): التّأويلانِ حسَنانٍ، والقَولُ باللِّسانِ أقوى، ولَو جمَعَهُما كانَ حسَنًا. (١) إكمال المعلم (١٠٩/٤). (٣) في الأصل: ((وجوب)). (٥) الشرح الكبير (٤٢١/٦). (٧) في (ك): ((يقوله)). المجموع (٣٩٨/٦). (٩) (٢) التمهيد (٥٥/١٩). (٤) الترمذي (٧٦٤). (٦) في (م): ((والثاني)). (٨) الأذكار (١٨٩). = ١٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ انتَهَى. وحَكَى الرُّويانِيُّ في ((البَحرِ)) وجهًا واستَحسَنَه: أنَّه إن كانَ صومُ رمَضانَ فَيَقولُه بلِسانِهِ، وإن كانَ نفلًا فِقَلبِهِ. وادَّعَى ابنُ العربيِّ(١) أنَّ موضِعَ الخِلافِ في التَّطَوُّعِ وأنَّه في الفَرضِ يقولُ ذلك بلِسانِه قطعًا. فقالَ: لم يختَلِفِ أحَدٌ أنَّه يقولُ ذلك مُصَرِّحًا به في صوم الفَرضِ كانَ رمَضانَ أو قضاءَه أو غَيرَ ذلك من أنواع الفَرضِ، واختَلَفوا في التَّطَوُّعِ: فالأصَحُ (٢) أنَّه لا يُصَرِّحُ به، ولَيَقُل لنَفسِه: إنِّي صائمٌ؛ فَكَيفَ أقولُ الرَّفَثَ. انتَهَى. ويَدُلُّ على القَولِ باللِّسانِ قولُه في آخِرِ الحديثِ عندَ النسائيّ(٣) فيما [٢٩١/١ و] ذَكَرَه القاضي عياضٌ(٤): ينهَى ذلك عن مُراجَعَةِ الصّائمِ. العاشِرَةُ: فيه استِحبابُ تكريرِ هذا القَولِ، وهو إنِّي صائمٌ، سواءٌ قُلنا إنَّه يقولُه بلِسانِه أم بقَلِهِ؛ ليَتْأَّدَ انزِجارُه أو انزِجارُ من يُخاطِبُهُ بذلك. (٤/ ٩٤م) الحديثُ الثاني عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قالَ: ((والذي نفسي بَيَدِهِ، لخُلوفُ فمَ الصّائم أطيبُ عندَ الله من ريح المسكِ، إِنَّما يذَرُ شهوتَه وطَعامَه وشَرابَهَ من أجلَي؛ فالصّيامُ لي وأنا أجَزي به، كُلِّ حسَنَةٍ بعَشرَةِ أمثالِها إلى سبعِمِائَةٍ ضِعِفٍ إلّ الصّيامَ فإنَّه لي وأنا أجزي به)). وعن همّام، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((والذي نفسُ محمدٍ بَيَدِهِ،َ إنَّ خُلوفَ فم الصّائم أطيبُ عندَ الله من ريح المِسِكِ: يذَرُ شهوته وطَعامَه وشَرابَه من جَرّائي؛ فالصّيامُ لي وأنا أجزي به)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه البخاريُّ(٥) من هذا الوجه من طريقِ مالِكِ، وفي أولِه (١) عارضة الأحوذي (٢٩٥/٣). (٣) النسائي في الكبرى (٣٢٤٤). (٢) في (م): (والأصح)). (٥) تقدم تخريجه . (٤) إكمال المعلم (١٠٩/٤). = كتابُ الصّيامِ ١٣٥ الحديثُ المُتَقَّدِّمُ جمَعَ بِينَهُما، واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخانِ، والنسائيُّ(١) من روايَةِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن أبي صالِحِ السَّمّانِ (٢)، عن أبي هريرةَ بلَفِظِ: «قالَ اللهُ تعالى: كُلُّ عمَلِ ابنِ آدَمَ له إلّ الصّيامَ فإنَّه لي وأنا أجزي به والصّيامُ جُنَّةٌ، وإذا كانَ يومُ صومٍ أحَدِكم فلا يرفُثُ ولا يصخَبُ؛ فإن سابَّه أحَدٌ أو قاتَلَه فليَقُل: إنِّي امرؤٌ صائمٌ. والذي نفسُ محمدٍ بَيَدِهِ، لخُلوفُ فمِ الصّائِمِ أطيَبُ عندَ الله من ريحِ المِسِكِ للصّائِمِ، فرِحَتانِ يفرَحُهُما: إذا أفطَرَ فِرِحَ، وإذا لِقِيَ ربَّه فرِحَ بصَومِه)). وفي لفظِ مسلم(٣)، والنسائيّ (٤): ((أطيَبُ عندَ الله (٤/ ٩٥م) يومَ القيامَةِ)). وفي لفظٍ للنسائيِّ(٥): ((إذا أفظَرَ فرِحَ بفِطرِهِ)). وأخرَجَه مسلمٌ أيضًا وابنُ ماجَه(٦)، من روايَةِ الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ، عن أبي هريرةَ، بلَفِظِ: ((كُلُّ عمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ الحَسَنَةُ عشرَ أمثالِها إلى سبعِمِائَةٍ ضِعْفٍ. قالَ اللهُ رَّنَ: إلّا الصَّومَ فإنَّه لي وأنا أجزي به؛ يدَعُ شهوتَه وطَعامَه من أجلي، للصّائم فرحَتانٍ: فرحَةٌ عندَ فِطرِه، وفَرحَةٌ عندَ لقاءِ ربِّه، ولَخُلُوفُ فيه أطيبُ عندَ الله من ريحِ المِسِكِ)). وفي لفظِ ابنِ ماجَه بعدَ قولِه: ((إلى سبعِمِائَةٍ ضِعِفٍ)): ((إلى ما شاءَ اللهُ))، وفي لفظٍ لمسلمٍ(٧) من روايَةِ أبي سِنانٍ ضِرارِ بنِ مُرَّةً، عن أبي صالِحٍ، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ مرفوعًا، ((وإذا لِقِيَ اللهَ رَّ فَجَزاه فرِحَ)). وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(٨) أيضًا، من روايَةِ الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، بنَحوِهِ أَخَصرَ منه، ولَه عن أبي هريرةَ رَّهِ طُرُقٌ أخرَى. ] الثانيةُ: قولُه: (لَخُلوفُ فم الصّائمِ)). هو بضَمِّ الخاءِ المُعجَمَةِ، هذا هو المَعروفُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والغَريبِ،َ ولَم(٩) يَذكُروا سِواهُ. (٢) في الأصل: ((السماني)). (١) تقدم تخريجه . (٣) في (ك): ((لمسلم)). (٤) مسلم (١٦٣/١١٥١)، والنسائي (٢٢١٥). (٥) النسائي (٢٢١٥). مسلم (١٦٤/١١٥١)، وابن ماجه (١٦٣٨). (٦) مسلم (١٦٥/١١٥١)، ولفظه: ((وإذا لقي الله فرح))، وليس فيه: ((فجزاه)). (٧) (٨) مسلم (١٦١/١١٥١)، والنسائي في المجتبى (٢٢١٧)، وفي الكبرى (٢٥٣٩). (٩) في (ك): ((لم)). ١٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقالَ في ((المَشارِقِ))(١): كذا قيَّدناه عن المُتَقِنينَ، وأكثَرُ المُحَدِّثينَ يروونَه بفتح الخاءِ، وهو خطأُ عندَ أهلِ العربيَّةِ، وبِالوجهَينِ ضَبَطناه عن القابِسِيِّ، وقالَ في ((الإكمالِ))(٢): هكَذا الرِّوايَةُ الصحيحَةُ؛ بضَمِّ الخاءِ، وكَثِيرٌ من الشُّيوخِ يروونَه بفتحِها. قالَ الخطابي وهو خطأٌ، وحَكَى(٣) عن القابِسِيِّ فيه الفَتحَ والضَّمَّ، وقالَ: أهلُ المَشرِقِ يقولونَه بالوجهَينِ . وقالَ النوويُّ في ((شرح مسلم)) (٤): إنَّ الضَّمَّ هو الصَّوابُ، وهو الذي ذَكَرَه الخطابي(٥) وغَيرُه من أهلِ الغَرِيبِ، وهو المعروفُ في كُتُبِ اللُّغَةِ. وقالَ في (شرحِ المُهَذَّبِ))(٦): لا يجوزُ فتحُ الخاءِ. قالَ القاضي عياضٌ(٧): وهو ما يخلُفُ بعدَ الطَّعامِ في الفَمِ من ريحٍ كريهَةٍ لخَلاءِ المَعِدَةِ من الطَّعامِ(٨). الثالِثَةُ: فيه ردٌّ على أبي عليّ الفارِسِيِّ في قولِه: إنَّ ثُبوتَ الميمٍ في الفَمِ خاصٌّ بضَرورَةِ الشِّعرِ؛ فإنَّها ثبَتَت في قولِه: ((فمُ الصّائم)) في الاختيارِ، ومِن ثُبوتِها معَ الإضافَةِ أيضًا قولُ الشّاعِرِ(٩): يُصبِحُ ظَمآنَ وفي البَحرِ فمُه الرابعةُ: اختُلِفَ في معنَى [٢٩١/١ظ] كونِ هذا الخُلوفِ أطيَبَ من ريحٍ المِسكِ، بعدَ الاتِّفاقِ على أنَّه سُبحانَه وتَعالى مُنَزَّهُ عن استِطابَةِ الرَّوائحِ الطَّيَِّةِ واستِقِذارِ الرَّوائح الخَبِيثَةِ؛ فإنَّ ذلك من صِفاتِ الحَيَوانِ الذي له طبائعُ تميلُ إلى شيءٍ فَتَستَطِيبُهُ(١٠) وتَنْفِرُ(١١) من شيءٍ فَتَقَذَّرُهُ(١٢) على أقوالٍ: (١) مشارق الأنوار (٢٣٩/١). (٢) إكمال المعلم (١١١/٤). (٣) في الأصل: ((ويحكى))، والمثبت موافق لما في الإكمال. (٤) شرح مسلم (٢٩/٨، ٣٠). (٥) إصلاح غلط المحدثين (ص١٠٢). (٧) إكمال المعلم (١١١/٤). (٨) ليس في: الأصل. (٩) نسبه في محاضرة الأدباء (٧٢٣/١) لجرير، وفي الصناعتين (ص٦٢)، وفي المعاني لابن قتيبة (ص١٥٢) لرؤبة. وصدر البيت: كالحوت لا يكفيه شىء يلهمه. (١٠) في (ك): ((فيستطيبه)). (١١) في (ك): ((وينفر)). (١٢) في (ك): ((فيتقذره)). لا يخفى بُعْدُ ما ذكره المصنف، وما سوف يذكره بَعدُ عن طريقة = (٦) المجموع (٣٣٠/١). = كمـ ١٣٧٤ كتابُ الصّيامِ أحَدُها: قالَ المازَرِيُّ(١): هو مجازٌ واستِعارَةٌ؛ لأنَّه جرَت عادَتنا بتَقريبٍ الرَّوائحِ الطَّيَِّةِ منّا، فاستُغيرَ ذلك من الصَّومِ لتَقريبِه من الله تعالى، انتَهَى. فَيَكونُ المَعَنَى: أنَّ خُلوفَ فمِ الصّائمِ أطيَبُ عندَ الله من ريحِ المِسكِ عندَكم؛ أي: إنَّه يُقَرِّبُ إلَيه أكثَرَ من تقريبِ المِسكِ إلَيكُم، وذَكَرَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ (٢) نحوهُ. الثاني: أنَّ معناه أنَّ اللهَ تعالى يُجزيه في الآخِرَةِ حتى تكونَ نكهَتُه أطيَبَ من ريحِ المِسكِ، كما قالَ في المَكلومِ في سبيلِ الله: ((الرِّيحُ ريحُ مسِكٍ))(٣) حكاه القاضي عياضٌ(٤). الثالِثُ: أنَّ المَعنَى أنَّ صاحِبَ الخُلوفِ ينالُ من الثَّوابِ ما هو أفضَلُ من ريحِ المِسكِ عندَنا، لا سِيَّما بالإضافَةِ إلى الخُلوفِ وهُما ضِدّانِ؛ حكاه القاضي عياضٌ(٥) أيضًا. الرابعُ: أنَّ المَعنَى أنَّه يُعتَدُّ برائحَةِ الخُلوفِ وتُدَّخَرُ على ما هي عَلَيه أكثَرَ ممّا يُعتَدُّ بريحِ المِسكِ، وإن كانَت عندَنا نحنُ بخِلافِهِ، حكاه القاضي أيضًا . الخامِسُ: أنَّ المَعنَى أنَّ الخُلوفَ أكثَرُ ثوابًا من المِسكِ؛ حيثُ ندَبَ إلَيه في الجُمَعِ والأعيادِ ومَجالِسِ الحديثِ والذِّكرِ وسائرٍ مجامِعِ الخَيرِ، قَالَه الداوديُّ وابنُ العربيِّ وصاحِب (٦) ((المُفهم)) وبَعضُ أصحابِنا. وقالَ النوويُّ: إنَّه الأصَحُ(٧) . السادِسُ: قالَ صاحِبُ ((المُفهم)) (٨): يُحتَمَلُ أن يكونَ ذلك في حقِّ المَلائِكَةِ، يستَطيبونَ ريحَ الخُلوفِ أكثَرَ ممّا يستَطيبونَ ريحَ المِسكِ. السلف، حيث يثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له نبيه مخ لل من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، كما يليق بجلال ربنا تقدس في ذاته وفي صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. (١) المعلم (٣١٩/١). (٢) الاستذكار (٣٣٥/٣). (٣) أخرجه البخاري (٥٥٣٣)، ومسلم (١٨٧٦ /١٠٥) من حديث أبي هريرة نظ ◌ُته. (٤) إكمال المعلم (١١٢/٤). (٦) في الأصل: ((وصاحبا)). (٥) إكمال المعلم (١١٢/٤). (٧) عارضة الأحوذي (٢٩٥/٣)، والمفهم (٢١٦/٣)، وشرح النووي على مسلم (٣٠/٨). (٨) المفهم (٢١٦/٣). ١٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الخامِسَةُ: قولُه في روايَةٍ لمسلم والنسائيُّ: ((أَطيَبُ عندَ الله يومَ القيامَةِ)). يقتضي أنَّ طيبَ رائحَةِ الخُلوفِ إنَّما هو في الآخِرَةِ، ويوافِقُه القَولُ الذي حكَيناه ثانيًا: أنَّ اللهَ تعالى يُجزيه في الآَخِرَةِ حتى تكونَ نكهَتُه أطيَبَ من ريحِ المِسكِ، وقَد استَدَلَّ بهَذِهِ الرِّوايَةِ على أنَّ ذلك في الآخِرَةِ ابنُ حِبّانَ في صحيحِه، ثمّ قالَ بعدَهُ(١): ذِكَرُ البَيانَ(٢) بأنَّ خُلوفَ فم(٣) الصّائمِ قد يكونُ أيضًا أطيَبَ من ريح المسكِ في الدُّنيا. ثمَّ ذَكَرَ حديثَ: ((ولَخُلوفُ فمِ الصّائِمِ حينَ يخلُفُ من الطَّعامِ أطيَبُ عندَ الله من ربحِ المِسِكِ))(٤). قالَ والِدي تَُّهُ في ((شرحِ الترمذيِّ)): وليسَ في هذا اللفظِ دَليلٌ على ما ذُكِرَ، وقَولُه: ((حينَ يخلُفُ)) ظَرفٌ لوجودِ الخُلوفِ المَشهودِ له بالطّيبِ عندَ الله، أمّا كونُه مشهودًا له بالطّيبِ في الدُّنيا فلا يلزَمُ ذلك. قلتُ: هذِهِ الرِّوايَةُ ظاهرَةٌ في أنَّ طيبَه في تلك الحالَةِ، وحَملُه على أنَّه سَبَبٌّ للطّيبِ في حالَةٍ مُستَقبَلَةٍ تأويلٌ مُخالِفٌ للظّاهرِ، وهَذا موافِقٌ للقَولِ السادِسِ الذي حكَيته عن صاحِبِ ((المُفهم)) احتِمالًا، ويَدُلُّ له(٥) أيضًا ما رواه الحَسَنُ بنُ سُفيانَ في ((مُسنَدِه))، عن جابِرٍ مرفوعًا: ((أعطيت أمَّتي في شهرِ رمَضانَ خمسًا. قالَ: وأمّا الثاني: فإنَّهم يُمسونَ وخُلوفُ أفواههم أطيبُ عندَ الله من ربحٍ المِسِكِ))(٦). حسَّتَه أبو بكرِ السَّمعانِيُّ في ((أماليه)»(٧). وقَد وقَعَ خِلافٌ بينَ الإمامَينِ ابنُ الصلاحِ وابنُ عبدِ السلامِ في ذلك؛ أي: في أنَّ طيبَ رائحَةِ الخُلوفِ هل هو في الدُّنيا والآخِرَةِ أو في الآخِرَةِ فقَط؟ فَذَهَبَ ابنُ الصلاحِ إلى الأولِ، (١) في الأصل: ((بعد)). (٢) ليس بالأصل. (٤) الإحسان (٢١٠/٨) ح (٣٤٢٢). (٣) لیس بالأصل. ليس في الأصل، (م)، وإثباتها أجود. (٥) (٦) أخرجه الحسن بن سفيان في الأربعين (٣٤)، وابن شاهين في فضائل رمضان (١٩)، والبيهقي في الشعب (٣٣٣١)، وفي فضائل الأوقات (٣٦)، والشحامي في الأربعين (٢٦). (٧) ينظر: المجموع للنووي (٣٣١/١). قلت: والحديث ضعيف جدًا؛ عبد الوهاب بن عطاء متروك، وزيد العمي ضعيف. وكذلك طريق أبي هريرة أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٢)، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام: متفق على ضعفه، ومحمد بن الأسود: مجهول الحال. كتابُ الصّيامِ كمـ ١٣٩٤ وابنُ عبدِ السلامِ إلى الثاني. واستَدَلَّ ابنُ الصلاحِ بما تقَدَّمَ(١). قالَ: وقَد قالَ العلماءُ معنَى ما ذَكَرته في تفسيرِهِ. قالَ الخطابي(٢): طِيبُه عندَ الله رضاه به وثَناؤُه عَلَيه. وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ(٣): معناه أزكَى عندَ الله وأقرَبُ إِلَيه وأرفَعُ عندَه من ريحِ المِسكِ. وقالَ البَغَوِيّ في ((شرح السُّنَّةِ) (٤): معناه الثَّنَاءُ على الضّائمِ والرِّضا بفِعلِه. وقالَ القُدورِيُّ [٢٩٢/١ و] من الحَنَفيةِ: معناه أفضَلُ عندَ الله من الرّائحَةِ الطَّيِّبَةِ. ومِثلُه قالَ البُوني(٥) من قُدَماءِ المالِكيةِ، وكَذا قالَ أبو عُثمانَ الصّابونِيُّ، وأبو بكرِ السَّمعانِيُّ، وأبو حفصِ الصَّفّارُ؛ الشافعيّونَ في ((أماليهم))، وأبو بكرِ ابنُ العربيّ(٦). قالَ: فَهَؤُلاءِ أئمّةُ المسلمينَ شرقًا وغربًا لم يذكُرُوا سِوى ما ذَكَرته، ولَم يذكُر أحَدٌ منهم وجهًا تخصيصًا بالآخِرَةِ، بل جزَموا بأنَّه عبارَةٌ عن الرِّضا والقَبولِ ونَحوِهما ممّا هو ثابتٌ في الدُّنيا والآخِرَةِ. وأمّا ذِكرُ يومِ القيامَةِ في تلك الرِّوايَةِ؛ فلأنَّه يومُ الجَزاءِ، وفيه يظهَرُ رُجحانُ الخُلوفِ في الميزانِ على المِسكِ المُستَعمَلِ الدَفْعِ الرّائحَةِ الكَرِيهَةِ طلَبًا لرِضا اللهِ حيثُ يؤمَرُ باجتِنابِها واجتِلابِ الرّائحَةِ الطََِّّةِ، فخَصَّ يومَ القيامَةِ بالذِّكرِ في روايَةٍ لذلك، كما خصَّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَّهُم ◌ِهِمْ [العاديات: ١١]. وأطلَقَ في باقي الرِّواياتِ نظَرًا إلى أنَّ أصلَ یومیدٍ لَخَبِيرٌ أفضَليتُه ثابتٌ في الدّارَينِ(٧). انتَهَى. السادِسَةُ: استُدِلَّ به على كراهَةِ السِّواكِ للصّائم بعدَ الزَّوالِ؛ لما فيه من إزالَةِ الخُلوفِ المَشهودِ له بأنَّه أطيَبُ من ريح المسكِ؛ لأنَّ ذلك مبدأ الخُلوفِ (١) ينظر: فتح الباري (١٠٦/٤). (٣) التمهيد (١٩ / ٥٧). (٢) أعلام الحديث (٢/ ٩٤٠). (٤) شرح السنة (٢٢٢/٦). (٥) في النسخ: ((الداودي)). والمثبت من المجموع هو الصواب، وهو أبو عبد الملك مروان بن محمد الأسدي البوني، الفقيه المالكي من كبار أصحاب أبي الحسن القابسي، له كتاب كبير شرح فيه الموطأ، ومات قيل: الأربعين وأربعمائة. ينظر: الإكمال لابن ماكولا (٣٨١/٧)، والأنساب لابن السمعاني (٤١٥/١، ٤١٦)، وجذوة المقتبس (ص٣٤٢)، وبغية الملتمس (ص ٤٦٠). (٦) عارضة الأحوذي (٢٩٤/٤/٣). (٧) ينظر: المجموع (٣٣١/١). = = ١٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ النّاشِئ من خُلو المَعِدَةِ من الطّعام والشَّرابِ، وبِه قالَ الشافعيُّ(١) في المَشهورِ عنه. وعِيارَتُه في ذلك: أحِبُّ السِّواكَ عندَ كُلِّ وضوءٍ بالليلِ والنَّهارِ وعِندَ تغَيُّر (٢) الفَمِ، إلّا أنّ(٣) أكرَهُه للصّائمِ آخَرَ النَّهارِ؛ من أجلِ الحديثِ في خُلوفٍ فمِ الصّائِمِ انتَهَى. وليسَ في هذِهِ العِبارةِ تقييدُ ذلك بالزَّوالِ؛ فلِذلك قالَ الماوردِيُّ (٤): لم يحِدَّ الشافعيُّ الكَراهَةَ بالزَّوالِ، وإنَّما ذَكَرَ العَشِيَّ، فحَدَّدَ الأصحابُ بالزَّوالِ، قالَ الشَّيخُ شِهابُ الدِّينِ أبو شامَةَ المَقدِسِيَّ: ولَو حدّوه بالعَصرِ لكانَ أولى؛ لما في ((سُنَنِ الدارقطنيّ)(٥) عن أبي عمرَ كيسانَ القَصّار(٦)، عن يزيدَ بنِ بلالٍ مولاه، عن علِيٍّ قالَ: إذا صُمتُم فاستاكوا بالغَداةِ ولا تستاكوا بالعَشِيِّ. وفي ((سُنَنٍ البيهقيّ))(٧) عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ: لَك السِّواكُ إلى العَصرِ، فإذا صلَّيت العَصرَ فألقِه، فإِنِّي سمِعت رسولَ الله وَلَهَ يقولُ: ((خُلوفُ فم الصّائم أطيبُ عندَ الله من ربح المسك)). قلتُ: لا نُسَلَّمُ لأبي شامَةَ أنَّ تحديدَه بالعَصرِ أولى، بل إمّا أن يحِدَّ بالظُهرِ وعَلَيه تدُلُّ عبارَةُ الشافعيِّ، فإنَّه يصدُقُ اسمُ آخِرِ النَّهارِ من ذلك الوقتِ لدُخولِ النِّصفِ الأخيرِ من النّهارِ، وإمّا أن لا يؤقَّتُ بحَدِّ مُعَيَّنٍ، بل يُقالُ: يترُكُ السِّواكَ متَى عَرَفَ أنَّ تغَيُّرَ فمِه ناشِيٌّ عن الصّيامِ، وذلك يختَلِفُ باختِلافِ أحوالِ النّاسِ وباختِلافِ بُعدِ عهدِه بالطَّعامِ وقُربِ عهدِه به، لكَونِه لم يتَسَخَّر أو تسَخَّرَ. فالتَّحديدُ بالعَصرِ لا يشهَدُ لهُ مَعنَى، ولا في عبارَةِ الشافعيِّ كَخَذْتُهُ ما يُساعِدُه، والأثَرُ المَنقولُ عن عِلِيٍّ ◌َّهِ يقتَضِي التَّحديدَ بالزَّوالِ أيضًا؛ لأنَّه مبدأ العَشِيِّ؛ على أنَّه لم يصِحَّ عنهُ. (١) الأم (٢/ ١٠١). في الأصل: ((أنني)). (٣) (٢) في الأصل: ((تغيير)). (٤) الحاوي (٤٦٦/٣، ٤٦٧). سنن الدار قطني (٢٠٤/٢). (٥) (٦) في النسخ: ((القصاب)). وهو تصحيف. ينظر: الكنى لمسلم (٥٣٩/١)، وتهذيب الكمال (٢٤/ ٢٤٢)، وتهذيب التهذيب (٤٥٤/٨). (٧) السنن الكبرى للبيهقي (٤ /٢٧٤).