النص المفهرس

صفحات 61-80

=
٦
بابٌ لا تحِلُّ الصدقةُ للنَّبِيِّ
قُلتُ: وأينَ تقَعُ هَذِه يا رسولَ الله مِمّا عليَّ؟ قال: ((خُذْها؛ فإنَّ اللهَ سيُؤَدِّي بها
عنك))، قال: فأخَذتها فوزَنت لهُم مِنها، والذي نفسُ سلمانَ(١) بيدِه أربعينَ أوقِيَّةً
فأوفَيتهم حقَّهُم وعَتَقت، فشَهدَت مَعَ رسولِ اللهِ وََّ الخَندَقَ، ثمَّ لم يفُتَنِي مَعَه
مَشْهَدٌ. إسنادُه جيّدٌ، فيه محمدُ بنُ إسحاقَ، وقَد صرَّحَ بالسَّماعِ.
وفي ((مُعجَمِ الطبرانيّ))(٢) عن سلمانَ رَظُهُ أنَّ النبيََِّّ قال له: ((اذهَب
فاشتَرِ نفسَك))، قال: فانطَلَقت إلى صاحِبِي، فَقُلتُ: (٤٣/٤م) بعني نفسي، فقال:
نعَم على أن تُنبِتَ لي مِائَةً نخلَةٍ فإذا أنْبَتَت جِئتني بوزنِ نواةٍ مِن ذَهَبٍ، فأتَيت
النبيَّ نَّهِ فأخبَرَته، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اشتَرِ نفسَك بالَّذي سأَلَك، وأَتِني بدَلوٍ مِن ماءِ
البئرِ التي [٢٧٥/١ظ] كنت تسقي مِنها ذلك النَّخلَ))، قال: فَدَعا لي رسولُ الله ◌َِّ
ثُمَّ سقَيتها، فوالله لقَد غَرَست مِائَةَ نخلَةٍ، فما مِنها نخلَةٌ إلّا نَبَتَت، فأتَّيت
رسولَ الله ﴿ ﴿ فأخبَرته أنَّ النَّخْلَ قد نبَتَت، فأعطاني قِطعَةً مِن ذَهَبٍ، فانطَلَقت بها
فوضَعتها في كِفَّةِ الميزانِ ووُضِعَ في الجانِبِ الآخَرِ نواةٌ، قال: فوالله ما استَقَلَّت
القِطعَةُ مِن الذَّهَبِ مِن الأرضِ، قال: وجِئت رسولَ اللهِ وَّ فأخبرته فأعتَقَني.
وفي ((مُعجَم الطبرانيّ))(٣) أيضًا أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ قال: ((اشتَرَطت
لهُم أنَّك عبدٌ فاشتَرِ نفسَك مِنهُم))، فاشتَراه النبيُّ وَّر على أن يُحْيِيَ لَهُم ثَلَاثَمِائَةٍ
نخلَةٍ وأربَعينَ أوفِيَّةَ ذَهَبٍ ثمَّ هو حُرٍّ .
فيُحمَلُ قولُه في ((رِوايَةِ المُصَنِّفِ)): فاشتَراه رسولُ اللهِ وَّةِ عَلى أَنَّ مَعناه(٤)
أمرُه بشِرائه نفسَه إمّا بكِتابَةٍ أو غَيرِها، فَجُعِلَ النبيُّ وََّ(٥) مُشتَرِيًا لأمرِه بالشِّراءِ،
ويَدُلُّ لذلكَ الروايةُ الأخيرَةُ التي سُقناها مِن ((مُعجَم الطبرانيِّ))، فإنَّه جمَعَ فيها بَينَ
قولِه: (اشتَرِ نفسَك))، وبَينَ قولِه: فاشتَراه رسولُ اللهِ وَل ـ
] السابِعَةَ عشرَةَ: فيه مُعجِزَةٌ ظاهرَةٌ لِلنَّبِي ◌ََّ.
(١) في (م): ((سلیمان)).
(٣) الطبراني (٢٣١/٦) رقم (٦٠٧٦).
(٥) بعد ذلك في (م): ((معنى)).
(٢) الطبراني (٢٢٨/٦) رقم (٦٠٧٣).
(٤) في (م): ((مضاء)) .

٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابُ زكاةِ الفِطرِ
عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ: فَرَضَ زكاةَ الفِطرِ مِن
رمَضانَ على النَّاسِ صاعًا مِن تمرٍ أو صاعًا مِن شعيرٍ، على كلِّ حُرٍّ وعَبدٍ
ذَكَرٍ وأنثَى مِن (٤٤/٤م) المسلمينَ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الأئمةُ الستةُ(١) مِن هَذا الوجه مِن طريقِ مالِكٍ، ولَيسَ
في رِوايَةِ البخاريِّ مِن هَذا الوجه قولُه: ((مِن رمَضانَ على النّاسِ))، وفي رِوايَةٍ
الأئمةِ السنةِ: حُرِّ أو عبدٍ، ذَكَرٍ أو أنثَى، بأو بَدَلَ الواوِ، إلّا أنَّ في رِوايَةٍ
ابنِ ماجَه: حُرِّ وعَبدٍ، ذَكَرٍ أو أنثَى، بالواوِ في الأولِ وواو في الثاني، وفي رِوايَةٍ
للنَّسائيّ: فَرَضَ رسولُ الله ◌ََّ زكاةَ رمَضانَ على كلِّ صَغیرٍ وکبیرٍ حُرِّ وعَبدٍ ذَكَرٍ
وأنشَى. وأخرَجَه البخاريُّ وأبو داود والنسائيُّ(٢) مِن طريقِ عمرَ بنِ نافِعٍ، عن
أبيه، عن ابنِ عمرَ، وفيه: على العَبدِ والحُرِّ والذَّكَرِ والأنثَى والصَّغيرِ والكَبيرِ مِن
المسلمينَ، وأمَرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خُروجِ النّاسِ إلى الصلاةِ.
وأخرَجَه الشيخانِ، والنسائيُّ، وابنُ ماجَه (٣) مِن طريقِ الليثِ بن سعد (٤) عن
(١) البخاري (١٥٠٤)، ومسلم (١٢/٩٨٤)، وأبو داود (١٦١١)، وابن ماجه (١٨٢٦)،
والترمذي (٦٧٦)، والنسائي (٢٥٠٢).
(٢) البخاري (١٥٠٣)، وأبو داود (١٦١٢)، والنسائي (٢٥٠٣).
البخاري (١٥٠٧)، ومسلم (١٥/٩٨٤)، والنسائي في الكبرى، كما في تحفة الأشراف
(٣)
(١٩٦/٦) رقم (٨٢٧٠)، وابن ماجه (١٨٢٥).
(٤) ليس في (م).

=
٦٣
بابُ زكاةِ الفِطرِ
نافِع أنَّ عبدَ الله قال: أمَرَ النبيُّ وََّ بزكاةِ الفِطرِ صاعًا مِن تمرٍ أو صاعًا مِن
شعيرٍ، قال عبدُ الله: فجَعَلَ النّاسُ عَدلَه مُدَّينِ مِن حِنطَةٍ .
وأخرَجَه الأئمةُ الستةُ خلا ابنَ ماجَه (١) مِن طريقِ موسَى بنِ عُقْبَةَ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ وَ أَمَرَ بزكاةِ الفِطرِ أن تُؤَدَّى قبلَ خُروجِ النّاسِ إلى
المُصَلى. زادَ أبو داود: وكانَ ابنُ عمَرَ يُؤَدِّيها قبلَ ذلكَ باليَومِ والْيَومَينِ.
وأخرجوه أيضًا خلا ابنَ ماجَه(٢) مِن طريقِ أيّوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ،
قال: فَرَضَ النبيُّ ◌َّهِ صَدَقَةَ الفِطرِ - أو قال: رمَضانَ - على الذَّكَرِ والأنثَى والحُرِّ
والمَملوكِ؛ صاعًا مِن تمرٍ أو (٣) صاعًا مِن شعيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ به نِصفَ صاعٍ مِن
بُرِّ، فكانَ ابنُ عمرَ يُعطي الثَّمرَ فأعوزَ أهلَ المَدينَةِ الثَّمرُ فأعطَى شعيرًا، فَكانَ
ابنُ عمَرَ يُعطي عن الصَّغيرِ والكَبيرِ(٤)، حتى(٥) إن(٦) كانَ يُعطي عن بَنِيّ(٧)، وكانَ
ابنُ عمَرَ يُعطيها الذينَ يقبَلونَها، وكانوا (٤٥/٤م) يُعطونَ قبلَ الفِطرِ بيومٍ أو يومَينٍ.
لَفظُ البخاريِّ. وفي حديث(٨) مسلمِ الجَزمُ بقَولِه: صَدَقَّةَ رمَضانَ، ولَم يذكُر قولَه:
فكانَ ابنُ عمرَ يُعطي الثَّمَرَ وما بَعدَه، واتَّفَقَ عليه الشيخانِ(٩) أيضًا وغَيرُهُما مِن
طريقٍ عُبَيدِ الله بنِ عمرَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: [٢٧٦/١ و] فَرَضَ
رسولُ الله ◌ِّهِ صَدَقَةَ الفِطرِ صاعًا مِن شعيرٍ، أو صاعًا مِن تمرٍ، على الصَّغيرِ
والكَبيرِ، والحُرِّ والمَملوكِ.
قال أبو داود في ((سُنَتِه))(١٠): ورَواه سعيدٌ الجُمَحِيُّ، عن عُبَيدِ الله، عن
(١) البخاري (١٥٠٩)، ومسلم (٢٢/٩٨٦)، وأبو داود (١٦١٠)، والترمذي (٦٧٧)،
والنسائي (٢٥٢٠).
(٢) البخاري (١٥١١)، ومسلم (١٤/٩٨٤)، وأبو داود (١٦١٥)، والترمذي (٦٧٥)،
والنسائي (٢٤٩٩، ٢٥٠٠).
(٣)
في (م): ((و)).
(٤) بعد ذلك في الأصل: ((والحر)).
(٥)
لیس بالأصل.
(٦) في (م): ((أنه)).
في (م): ((بنيه)). وبني جمع ابن مضافًا إلى النفس قاله أبو عبيد. ينظر: النهاية (١٧/١).
(٧)
(٨)
في (م، ك): ((رواية)).
(٩) البخاري (١٥١٢)، ومسلم (١٣/٩٨٤)، وأبو داود (١٦١٣)، والنسائي (٢٥٠٤).
(١٠) أبو داود عقب حديث (١٦١٢).

٦٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
نافِعٍ، قال فيه: ((مِن المسلمينَ)). والمَشهورُ عن عُبَيدِ الله ليسَ فيه ((مِن المسلمينَ)).
ورَوى الحاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) (١) رِوايَةَ سعيدِ الجُمَحِيِّ هَذِه وَلَفِظُها: فَرَضَ
زكاةَ الفِطرِ صاعًا مِن تمرٍ أو صاعًا مِن بُرِّ، على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ، ذَكَرٍ أو أنثَى مِن
المسلمينَ. وصحَّحَها. وأخرجه مسلمٌ(٢) مِن طريقِ الضَّحّاكِ بنِ عُثمانَ، عن
نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِوَّهَ فرَضَ زكاةَ الفِطرِ مِن رمَضانَ على كلِّ
نفسٍ مِن المسلمينَ، حُرِّ أو عبدٍ رَجُلٍ أو امرأةٍ صَغيرٍ أو كَبِيرٍ، صاعًا مِن تمرٍ أو
صاعًا مِن شعيرٍ .
وأخرَجَ أيضًا (٣) مِن هَذا الوجه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أَمَرَ بزكاةِ الفِطرِ أن تُؤْدَّى
قبلَ خُروجِ النّاسِ إلى الصلاةِ. وكَلامُ الشيخِ تَُّ في (النُّسخَةِ الكُبرَى)) في
(الأحكام)) يوهمُ (٤) انفِرادَ البخاريِّ بهَذِهِ الجُملَةِ، وقَد عرَفتَ أنَّها عِندَ مسلمٍ مِن
طريقِ موسَى بِنِ عُقبَةَ والضَّحّاكِ بنِ عُثمانَ.
وأخرَجَه أبو داود والنسائيُّ والحاكِمُ(٥) في ((مُستَدرَكِه)). وصَحَّحَه مِن رِوايَةِ
عبدِ العَزيزِ بنِ أبي روّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كانَ النّاسُ يُخرِجونَ
صَدَقَّةَ الفِطرِ على عهدِ رسولِ اللهِ وَ لَ صاعًا مِن شعيرٍ أو تمرٍ أو سلتٍ أو زبيبٍ،
فَلَمّا كانَ عمرُ رَّهُ وكَثُرَت الحِنطَةُ، جعَلَ عمرُ نِصفَ صاع حِنطَةٍ (٤٦/٤م) مَكانَ
صاعٍ مِن تِلكَ الأشياءِ. ولَم يذكُر النسائيّ والحاكِمُ المَوقوفَ على عمرَ.
وأخرَجَه الحاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) (٦) مِن طريقِ كَثيرِ بنِ فرقَدٍ، عن نافِعٍ، عن
ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِِّ قال: «زَكاةُ الفِطرِ فرضٌ على كلِّ مسلم حُرٍّ وعَبدٍ
ذَكَرٍ وأنثَى مِن المسلمينَ: صاعٌ مِن تمرٍ أو صاعٌ مِن شعيرٍ)). وقال إنَّه: صحيحٌ
على شرطِ الشيخَينِ ولَم يُخرِجاهُ.
الثانيةُ: فيه وُجوبِ زكاةِ الفِطرِ، وهو مُجمَعٌ عليه إلّا مِمَّن شذَّ.
(١) الحاكم (٤١٠/١).
(٣) مسلم (٢٣/٩٨٦).
(٢) مسلم (١٦/٩٨٤).
(٤) في الأصل: ((توهم)).
(٥) أبو داود (١٦١٤)، والنسائي (٢٥١٥)، والحاكم (٤٠٩/١).
(٦) لم نجده فى المستدرك المطبوع، وإنما أخرجه البيهقي في الحاكم (١٦٢/٤).

بابُ زكاةِ الفِطرِ
٦٥
=
قال ابنُ المُنذِرِ (١): أجمَعَ عوامُ أهلِ العِلم على ذلكَ، وقال إسحاقُ - يعني:
ابنَ راهويه -: هو كالإجماعِ مِن أهلِ العِلمِ. وقال الخَطّابي(٢): قال به عامَّةُ أهلِ
العِلم. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ(٣): مَعنَى قولِه: (فَرَضَ)) عِندَ أكثر (٤) أهلِ العِلمِ: أو جَبَ،
وما أَوْجَبَه رسولُ الله ◌َّهِ فِبِأمرِ الله أوجَبَه، وما كانَ لينطِقَ(٥) عن الهَوى. ثمَّ حُكِيَ
عن بَعضِ أهلِ العِراقِ، وبَعضٍ مُتأخّري المالِكيةِ، وبَعضٍ أصحابٍ داود: أنَّها سُنَّةٌ
مُؤَكَّدَةٌ، وأنَّ مَعنَى قولِه: فَرَضَ: قَدَّرَ. كَقَولِهم: فَرَضَ القاضي نفَقَةَ اليَتيم، قال:
وهو ضَعيفٌ مُخالِفٌ لِلظَاهِرِ، وادِّعاءٌ على النَّصِّ ما يُخرِجُه عن المَعهودِ فيه؛ لأنَّهُم
لم يختَلِفوا في قولِه: فريضَةً مِن الله أنَّ مَعناه إيجابٌ مِن الله، وكَذلكَ قولُهُم:
فرَضَ اللهُ طاعَةً رسولِه وفَرَضَ الصلاةَ والزكاةَ ونَحو هَذا كلُّ ذلكَ أوجَبُ وألزَمُ.
قال: ومَرّضَ ابنُ أبي زيدٍ فيها فقال: هي سُنَّةٌ فَرَضَها رسولُ اللهِوَ لَ فَلَم نصنَع شيئًا،
قال: وسائرُ العلماءِ على أنَّها واجِبَةٌ، وقال قبلَ ذلكَ: أجمَعوا أنَّ رسولَ الله وَّهِ أَمَرَ
بها ثمَّ اختَلَفوا في نسخِها، فقالت فرقَةٌ: هي مَنوخَةٌ بالزكاةِ، وَرَووا عن قيسٍ بنِ سعدٍ
ابنِ عُبادَةَ أنَّه قال: كانَ رسولُ اللهِ وَّهَ يأمُرُنا بها قبلَ نُزولِ الزكاةِ، فلَمّا نزَلَت آيَةُ
الزكاةِ لم يأمُرُنا بها ولَم ينهَنا عنها، ونَحنُ نفعَلُهُ. وقال الجُمهورُ: لم ينسَخها شيءٌ .
قُلتُ: الحَديثُ المَذكورُ رواه (٤٧/٤م) النسائيّ وابنُ ماجَه(٦). قال
الخَطّابي(٧): وهو لا يدُلُّ على زوالٍ وُجوبها؛ وذلكَ أنَّ الزّيادَةَ في جِنسِ العِبَادَةِ
لا توجِبُ نسخَ الأصلِ المَزيدِ عليه، غَيرَ أنَّ مَحَلَّ سائرِ الزَّكَواتِ الأموالُ، ومَحَلَّ
زكاة الفِطرِ الرِّقاب. انتهى.
ومِمَّن ذَهَبَ إلى أنَّها غَيرُ واجِبَةٍ: ابنُ اللبّانِ مِن أصحابِنا الشافعيةِ، وقال
النوويُّ(٨): إنَّه شاذِّ مُنكَرٌ، بَل غَلَطْ صَرِيحٌ. وقال القاضي أبو بَكرِ بنُ العَرَبي(٩):
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٦١/٣). (٢) معالم السنن (٤٧/٢).
(٤) ليست في (م).
(٣) التمهيد (٣٢١/١٤ - ٣٢٤).
(٥)
في (ك): ((ينطق)).
معالم السنن (٤٧/٢).
(٧)
(٦) النسائي (٢٥٠٥)، وابن ماجه (١٨٢٨).
(٨)
شرح النووي على مسلم (٥٨/٧)، وروضة الطالبين (٢٩١/٢).
(٩) عارضة الأحوذي (١٨١/٣، ١٨٢).

٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن مالِكِ في وُجوبها رِوايَتانِ: إحداهما مُحتَمَلَةٌ، والأخرَى، قال: زكاةُ الفِطرِ
فرضٌ. [٢٧٦/١ظ] وبِذلكَ قال فُقَهاءُ الأمصارِ. قال: وتأولَ قومٌ قولَه: ((فَرَضَ))
بمَعنَى قدَّرَ، وهو بمَعنَى الوُجوبِ أظهَرُ؛ لأنَّه قال: ((زكاةُ الفِطرِ))، فدَخَلَت تحتَ
قولِه: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإن كانَ قولُه: فَرَضَ: أوجَبَ؛ فبها ونَعِمَت،
وإن كانَ بِمَعنَى قدَّرَ؛ فَيَكونُ المَعنَى: قدَّرَ الزكاةَ المَفروضَةَ بالقُرآنِ بالفِطرِ كَما
قدَّرَ زكاةَ المالِ.
■ الثالِثَةُ: فيه أنَّ زكاةَ الفِطرِ فرضٌ، وهو مُقتَضَى قَاعِدَةِ الجُمهورِ في
ترادُفِ الفَرضِ والواجِبِ، واقتَصَرَ الحَنَفيةُ في كتُبهم على القَولِ بالوُجوبِ، وهو
مُقْتَضَى قَاعِدَتِهِم: في أنَّ الواجِبَ ما ثَبَتَ بدَليلٍ ظَنِّيٍّ، واختَلَفَ الحنابلةُ في ذلكَ.
قال ابنُ قُدامَةً(١): قال بَعضُ أصحابِنا وهَل تُسَمَّى فرضًا مَعَ القَولِ بوجوبها؟ على
رِوايَتَينِ، قال: والصَّحيحُ: أنَّها فرضٌ؛ لقَولِ ابنِ(٢) عمرَ: فَرَضَ رسولُ اللهِ وَال
زكاةَ الفِطرِ؛ ولاجتماع(٣) العلماءِ على أنَّها فرضٌ؛ ولأنَّ الفَرضَ إن كانَ الواجِبَ
فهي واجِبَةٌ، وإن كانَ الواجِبَ المُتأكَّدَ فهي مُتْأكَّدَةٌ مُجمَعٌ عليها. انتهى.
الرّابِعَةُ: استُدِلَّ به على أنَّ وقتَ وُجوبها غُروبُ الشمسِ ليلَةَ العيدِ؛
لكَونِه أضافَها إلى الفِطرِ؛ وذلكَ هو وقتُ الفِطرِ وإضافَتُها(٤) إلى الفِطرِ؛ لأنَّه
وقتُ الوُجوبِ، وبهذا قال الشافعيُّ في قولِهِ الجَديدِ، وأحمدُ بنُ حنبَلٍ، وهو
إحدَى الروايتينِ عن مالِكِ، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن إسحاقَ بنِ راهويه، وحَكاه ابنُ
(٤٨/٤°م) قُدامَةَ عن سُفيانَ الثوريِّ، وقال أبو حنيفَةَ: وقتُ وُجوبها طُلوعُ الفَجرِ يومَ
العيدِ. وهو إحدَى الروايتينِ عن مالِكِ. وبه قال مِن أصحابه(٥): مُطَرِّفٌ
وابنُ الماجِشونِ وابنُ القاسِمِ (٢)، قال القاضي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي: وهو
الصَّحيحُ. انتهى. وبه قال الشافعيُّ في قولِه القَديم، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن
(١) المغني (٢٨٣/٤).
(٢) ليست في الأصل.
في الأصل: ((والإجماع)).
(٣)
(٤) في الأصل: ((ولإضافتها)).
(٥) في (م): ((أصحابنا)).
(٦) في (م، ك): ((وابن القاسم وابن الماجشون)).

=
٦٧
بابٌ زكاةِ الفِطرِ
أصحابِ الرأيِ وأبي ثَورٍ، وحَكاه ابنُ قُدامَةَ عن الليثِ بنِ سعدٍ، وزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّ
طُلوعَ الفَجرِ هو وقتُ الفِطرِ؛ فإنَّه الذي تجَدَّدَ فيه الفِطرُ، أمّا الليلُ: فَلَم يكُنْ قٌ
مَحِلَّا للصَّومِ لا في رمَضانَ ولا في غَيرِهِ(١).
قال الشيخُ تقِيُّ الدّينِ في ((شرح العُمدَةِ»(٢): وكِلا الاستِدلالَينِ ضَعيفٌ؛
لأنَّ إضافَتَها إلى الفِطرِ مِن رمَضانَ لا يستَلزِمُ أنَّه وقتُ وجوبها(٣)، بَل يقتَضي
إضافَةَ هَذِه الزكاةِ إلى الفِطرِ مِن رمَضانَ، فيُقالُ حينئذٍ بالوُجوبِ بظاهرِ لفظَةِ
((فَرَضَ))، ويُؤْخَذُ وقتُ الوُجوبِ مِن أمرٍ آخَرَ. انتهى.
قُلتُ: لا مَعنَى لإضافَتِها للفِطرِ إلّا أنَّه وقتُ الوُجوبِ، وقال ابنُ العَرَبي(٤):
أضافَها(٥) للتَّعريفِ. وقال قومٌ: إلى سَبَبٍ وُجوبها، وأنا أقولُ: إلى وقتٍ
وُجوبها. وسَبَبُ وُجوبها: ما يجري في الصَّومِ مِن اللغوِ، ثمَّ استُدِلَّ على ذلكَ
بما في ((سُنَنِ أبي داود))(٦) عن ابنِ عبّاسٍ قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ وَل ◌َ زكاةَ الفِطرِ
ظُهرَةً للصّائمِ أو الصّيامِ مِن اللغوِ والرَّفَثِ وطُعمَةً لِلمَساكينِ؛ مَن أدّاها قبلَ
الصلاةِ فهي زكاةٌ مَقبولَةٌ، ومَن أدّاها بَعدَ الصلاةِ فهي صَدَقَةٌ مِن الصَّدَقاتِ. وفي
مَذْهَبِ الشافعيِّ(٧) قولٌ ثالِثٌ: أنَّها تجِبُ بمَجموع الوقتَينِ، قاله(٨) الصَّيدَلانِيُّ؛
خرَّجَه صاحِبُ التَّلخيصِ. واستَنكَرَه الأصحابُ (٩)، وعِبَارَةُ التَّلخيصِ تقتضي أنَّه
مَنصوصٌ، وقال بَعضُ المالِكيةِ(١٠): تجِبُ بطلوع الشمسِ يومَ العيدِ، وقال آخَرونَ
مِنْهُم: تجِبُ بغُروبِ الشمسِ ليلَةَ الفِطرِ (٤٩/٤م) وُجوبًا موسَّعًا، آخِرُه غُروبُ
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٧٣/٣)، والمغني (٢٩٨/٤، ٢٩٩)، وعارضة الأحوذي
(١٨٢/٣)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٥٨/٧).
(٢) إحكام الأحكام (ص٣٩٩).
(٤) عارضة الأحوذي (١٧٩/٣).
(٦) أبو داود (١٦٠٩).
(٧)
ينظر: روضة الطالبين (٢٩٢/٢).
(٨) في (ك): ((قال)).
(٩) ينظر: الشرح الكبير للرافعي (١١٢/٦).
(١٠) ينظر: جامع الأمهات (ص١٦٦)، والذخيرة للقرافي (١٥٥/٣).
(٣) في (م، ك): ((الوجوب)).
(٥) في (م): إضافتها)).

=
٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الشمسِ مِن يوم الفِطرِ، وفي المَسألَةِ قولٌ سادس(١): أنَّها تجِبُ على مَن أدرَكَ
طُلوعَ الفَجرِ إلى أن يعلو النَّهارُ، حكاه ابنُ المُنذِرِ عن بَعضِ أهلِ العِلمِ (٢). وقال
ابنُ حزمِ الظاهرِيُّ(٣): وقتُها إثرَ طُلوعِ الفَجرِ إلى أن تُبَيَّضَ الشمسُ وتَحِلَّ
الصلاةُ. فإن كانَ صاحِبُ القَولِ المُتَقَدِّم أرادَ بعُلو النَّهارِ بَياضَ الشمسِ اتَّحَدَ مَعَ
قولِ ابنِ حزمٍ، وإن أرادَ شيئًا غَيرَ ذلكَ فهي حينَئذٍ سبعَةُ أقوالٍ، وتَظهَرُ ثَمَرَةُ
الخِلافِ في صورٍ كَثيرَةٍ مِنها: لو ماتَ بَعدَ الغُروبِ وقَبلَ الفَجرِ، وجَبَت الزكاةُ
على القَولِ الأولِ دونَ الثاني، ثمَّ اعلَم أنَّ عِبَارَةَ [٢٧٧/١و] إمامِ الحَرَمَينِ،
والغَزّالِيِّ، والرّافِعِيِّ (٤) تقتَضي على القَولِ الأولِ أنَّ الاعتِبارَ بإدراكِ وقتِ الغُروبِ
خاصَّةً؛ لكِن المَشهورُ من(٥) مَذهَبِ الشافعيِّ اعتبارُ إدراكِ آخِرِ جُزءٍ مِن رمَضانَ
وأولٍ جُزءٍ مِن شوّالٍ، صَرَّحَ به غَيرُ واحِدٍ، ونَصَّ عليه الشافعيُّ، ويَظهَرُ أثَّرُ ذلكَ
فيما لو قال لعَبدِه: أنتَ حُرِّ مَعَ أولِ جُزءٍ مِن شوّالٍ، فمُقتَضَى الأولِ: أنَّ العَبدَ
المذكورَ يجِبُ عليه إخراجُ الفِطرَةِ عن نفسِه، ولا تجبُ(٦) عليه على (٧) الثاني
المُرَجَّحِ، وقَد يُستَدَلُّ له بإضافَةِ الزكاةِ إلى الفِطرِ مِن رمَضانَ، فإنَّهُ يَقْتَضي اعتبارَ
جُزءٍ مِن رمَضانَ وُجُزءٍ مِن زمَنِ الفِطرِ، واللهُ أعلمُ.
الخامِسَةُ: فيه التَّخييرُ في زكاةِ الفِطرِ بَينَ الثَّمرِ والشعيرِ، فيُخرِجُ مِن
أيِّهما شاءَ صاعًا، ولا يُجزِئُ إخراجُ غَيرِهما. وبهذا قال ابنُ حزمِ الظّاهرِيُّ(٨) فهو
أسعَدُ النّاسِ بالعَمَلِ بِهَذِهِ الروايةِ المَشهورَةِ، لكِن وَرَدَ في رِواياتٍ أَخَرَ ذِكرُ
أجناسٍ أخرَى(٩)، فَتَقَدَّمَ مِن المُستَدرَكِ للحاكِمِ: صاعًا مِن تمرٍ أو صاعًا مِن بُرِّ.
وصَخَّحَه. ومِن ((سُنَنِ أبي داود)) و((النسائيّ)) و((مُستَدرَكِ الحاكِم)): كانَ النّاسُ
(١) في (م): ((ثالث)).
(٢) ينظر: الإشراف على مذاهب العلماء (٧٣/٣).
(٣)
المحلى (١٤٢/٦).
نهاية المطلب (٣٨٢/٣)، والوسيط (٤٩٧/٢، ٤٩٨)، والشرح الكبير (١١٢/٦).
(٤)
(٥)
في (م، ك): ((في)).
(٧)
في الأصل: ((أعلى)).
(٩) في (م): ((أخر)).
(٦) في (م): ((يجب)).
(٨) المحلى (١٢٠/٦ - ١٣١).

=
٦٩
بابُ زكاةِ الفِطرِ
يُخرِجونَ صَدَقَةَ الفِطرِ على عهدِ رسولِ الله ◌َِّ صاعًا مِن شعيرٍ أو تمرِ أو سلتٍ
أو زبيب.
ورَوى الحاكمُ في ((المُستَدرَكِ)) (١) عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ نَ ◌ّ حضَّ على
صَدَقَةِ رمَضانَ على كلِّ إنسانٍ صاعًا مِن تمرٍ أو صاعًا مِن شعيرٍ أو صاعًا مِن
قمحٍ. وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
وعن أبي إسحاقَ، عن الحارِثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ◌ََّ أنَّه قال في صَدَقَّةٍ
الفِطرِ: ((عن كلِّ صَغيرٍ وكَبيرِ حُرٍّ أو عبدٍ صاعٌ مِن بُرٍّ أو صاعٌ مِن تمٍ)) ثمَّ قال:
هَكَذا أسنَدَه عن عليٍّ ووقَفَه غَيرُهُ(٢)، وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ قال: خَطَبَنا رسولُ
(٥٠/٤م) الله ◌َّ﴿ فقال: ((مَن كانَ عِندَه طعامٌ فَلَتَصَدَّق بصاعٍ مِن بُرٍّ أو صاعٍ مِن
شعيرٍ؛ أو صاعٍ مِن تمرٍ، أو صاعٍ مِن دَقيقٍ، أو صاعٍ مِنَ زبيبٍ أو صاعٍ مِن
سلتٍ))، وذَكَرَ الْحَاكِمُ (٣): أنَّ إسنادَهَ يخرُجُ مِثْلُه في الشواهدِ (٤). وذَكَرَ والِدِيَ تَُّهُ
في النُّسخَةِ الكُبرَى مِن ((الأحكام) أنَّ إسنادَ حديثٍ عليٍّ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ ضَعيفٌ،
ورَوى أبو داود والنسائيُّ(٥) عن ابنِ عبّاسٍ قال: إنَّ هَذِه الزكاةَ فرَضَها
رسولُ اللهِ وَّ على كلِّ ذَكَرٍ وأنثَى حُرِّ، ومَملوكٍ صاعًا مِن شعيرٍ أو تمرٍ أو نِصفَ
صاعٍ مِن قمحٍ.
ثُمَّ روى النسائيّ(٦)، عن ابنِ عبّاسٍ قال: صَدَقَةُ الفِطرِ صاعٌ مِن طعامِ.
قال: وهَذا(٧) أُثبَتُ.
(١) الحاكم (٤١٠/١).
(٢) الحاكم (٤١١/١).
في هامشي النسختين قال: ((بهامش نسخة الأصل: يراجع نسخة أخرى من المستدرك،
(٣)
فليس في نسختنا: بصاع)). انتهى.
قلتُ: الذي في مطبوعة المستدرك: ((بصاع))، ثم راجعت إتحاف المهرة لابن حجر
(٦٤٦/٤) رقم (٤٨٢٧)، فوجدته قد ساق لفظه: ((بنصف صاع)) وعزاه للدار قطني
والحاكم، ثم ذكر عقبه قول الدارقطني: ((لم يروه بهذا الإسناد. وهذه الألفاظ غير
سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث)). ينظر: سنن الدار قطني (١٥٠/٢).
(٤) الحاكم (٤١١/١).
(٦) النسائي (٢٥٠٩).
(٥) أبو داود (١٦٢٢)، والنسائي (٢٥٠٧).
(٧) في (ك): ((وقال هذا)).

٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفي ((الصَّحيحَينِ))(١) عن أبي سعيدِ الخُدرِيِّ بَّهِ: ((كُنّا نُعطيها في زمانِ
النبيِّ نَّهَ صاعًا مِن طعام، أو صاعًا مِن تمرٍ، أو صاعًا مِن شعيرٍ، أو صاعًا مِن
زبيبٍ، فَلَمّا جاءَ مُعاويةٌ وجاءَت السَّمراءُ قال: أرَى مُدَّا مِن هَذا يعدِلُ مُدَّينٍ.
وفي رِوايَةٍ لهُما: أو صاعًا مِن أقِطِ. ولأبي داود(٢): أو صاعًا مِن دَقيقٍ. وقال:
هَذِهِ وهَمٌ مِن ابنِ عُيَينَةَ، قال حامِدُ بنُ يحيَى: فأنكَروا عليه فتَرَكَه سُفيانُ. واعتَلَّ
ابنُ حزمٍ(٣) في تركِ الأخذِ بحَديثِ أبي سعيدٍ بأنَّه مُضطَرِبُ المَتنِ، وبِأَنَّه ليسَ فيه
أنَّ النبيَّ وَّرِ علمَ بذلكَ وأقَرَّه، وكَلامُه في ذلكَ ضَعِيفٌ مَردودٌ.
وقَد اختَلَفَ العلماءُ في هَذِهِ المَسألَةِ، فَذَهَبَ الشافعيةُ إلى أنَّ جِنسَ الفِطرَةِ
كلُّ ما يجِبُ فيه العُشرُ، وعن الشافعيّ قولٌ قديمٌ: إنَّه لا يُجزِئُ فيها الحِمَّصُ
والعَدَسُ، والمَذهَبُ المَشهورُ الأولُ، والصَّحيحُ عِندَهُم إجزاءُ الأقِطِ أيضًا لصِحَّةٍ
الحَديثِ به، فإن جوزناه فالأصَحُّ أنَّ اللبَنَ والجُبنَ الذي ليسَ بِمَنزوعِ(٤) الزُّبِدِ في
مَعناه، والخِلافُ في إخراج مَن قوتُه الأقِطُ واللبَنُ [٢٧٧/١ظ] والجُبنُ، ولا يُجزِئُ
الدَّقيقُ ولا السَّويقُ ولا الخُبزُ كَما لا تُجزِئُّ القيمَةُ، وقال الأنماطِيُّ: يُجزِئُ
الدَّقيقُ، قال ابنُ عبدانَ: يقتَضي قولُه إجزاءَ السَّويقِ والخُبزِ. وصَحَّحَهُ، وفي
الواجِبِ مِن الأجناسِ المُجْزِئَّةِ ثَلاثَةُ أوجُهِ لأصحابِنا :
أُصَحُّها عِندَ الجُمهورِ: غالِبُ قوتِ البَلَدِ.
والثاني: قوتُ نفسِه أو البلد(٥)، وصَحَّحَه ابنُ عبدانَ.
والثالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الأجناسِ وهو الأصَحُّ عِندَ القاضي أبي الطَّيِّبِ. ثمَّ إذا
أوجَبنا قوتَ نفسِه أو البَلَدِ فعَدَلَ إلى ما هو (٦) دونَه لم يجُز، وإن عدَلَ إلى أعلى
مِنْه جازَ، وفيما يُعتَبَرُ به الأعلى والأدنَى وجهانٍ، أصَحُّهُما: الاعتِبارُ بزيادَةٍ
صَلاحِيَّةِ الاقتياتِ، والثاني: بالقيمَةِ، هَذا تفصيلُ مَذهَبِنا في ذلكَ على سبيلٍ
الاختصارِ (٧). (٥١/٤م)
(١) البخاري (١٥٠٦، ١٥٠٨)، ومسلم (١٧/٩٨٥، ١٨).
(٢)
أبو داود (١٦١٨).
(٣) المحلى (١٢٤/٦).
(٤)
في (م، ك): ((منزوع)).
(٥) ((أو البلد))، ليس في (م، ك).
(٦) ليس في (ك).
(٧) روضة الطالبين (٣٠٢/٢، ٣٠٣).

بابُ زكاةِ الفِطرِ
٧١
وقال الحنابلةُ: هو مُخَيَّرٌ بَيْنَ الخَمسَةِ المَنصوصِ عليها وهي: التَّمُرُ والشعيرُ
والبُرُّ والزَّبيبُ والأقِطُ. قالوا: والسَّلتُ نوعٌ مِن الشعيرِ؛ فَيَجوزُ إخراجُه لدُخولِه
في المَنصوصِ عليه، وهو في بَعضٍ طُرُقِ حديثِ ابنِ عمرَ كَما تقَدَّمَ، ونَصَّ أحمدُ
على جوازٍ إخراج الدَّقيقِ، وكَذلكَ السَّويقُ. ولا يُجزِئُّ عِندَهُم الخُبزُ، قالوا:
فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ هَذِه فيُخرِجُ ما شاءَ مِنها وإن لم يكُن قوتًا لهُ، إلّا الأقِطَ فإنَّما(١)
يُخرِجُه مَن هو قوتُه أو لم يجِد مِن المَنصوصِ عليه سِواهُ، فإن وجَدَ سِواه ففي
إجزائه عِندَهُم رِوايَتانِ مُنشَؤُهُما وُرودُ النَّصِّ به، وكَونُه غَيرَ زكَوِيٍّ، قالوا:
وأفضَلُها الثَّمرُ وبَعدَه البُرُّ، وقال بَعضُهُم: الزَّبيبُ، قالوا: ولا يجوزُ العُدولُ عن
هَذِهِ الأجناسِ مَعَ القُدَرَةِ على أحَدِها، ولَو كانَ المَعدولُ إلَيه قوتَ بَلَدِهِ، فإن
عجَزَ عنها أجزاه كلٌّ مُقتاتٍ مِن كلِّ حبَّةٍ وَثَمَرَةٍ، قاله الخِرَقِيِّ(٢). قال
ابنُ قُدامَةَ(٣): وظاهرُه أنَّه لا يُجِئُه المُقتاتُ مِن غَيرِها كاللحم واللبَنِ، وقال
أبو بَكرٍ: يُعطَى ما قامَ مَقامَ الأجناسِ المَنصوصِ عليها عِندَ عدَمِها، وقال
ابنُ حامِدٍ: يُجَزِّئه عِندَ عدَمِها الإخراجُ مِمّا يقتاتُه كالذَّرَةِ والدُّخنِ ولُحومِ الحيتانِ
والأنعامِ، ولا يُرَدّونَ إلى أقرَبِ قوتِ الأمصارِ .
وأمّا المالِكيةُ، فإنَّ المَشهورَ عِندَهُم أن جِنسه(٤) المُقتاتَ في زمَنِه عليه
الصلاةُ والسلامُ مِن القمح والشعيرِ والسُّلتِ والزَّبيبِ والتَّمرِ والأَقِطِ والذُّرَةِ والأرزِ
والدُّخنِ، وزادَ ابنُ حبيبٍ: العَلَسَ. وقال أَشَبُ: مِن السِّتِّ الأولِ خاصَّةً، فَلَو
أقتيتَ غَيرُه؛ كالقَطانِيِّ والتِّينِ والسَّويقِ واللحمِ واللَبَنِ، فالمَشهورُ الإجزاءُ، وفي
الدَّقيقِ قولانِ، ويُخرج مِن غالِبٍ قوتِ البَلَدِ، فإن كانَ قوتُه دونَه لا لشُحِّ
فقَولانِ(٥) .
(١) في الأصل: ((فلا)) .
(٢) مختصر الخرقي (ص٤٨)، ط. المكتب الإسلامي.
(٣) المغني (٢٨٩/٤، ٢٩٠، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٤).
(٤)
في (م): ((أنه جنسية)).
(٥) ينظر: جامع الأمهات لابن الحاجب (ص١٦٨).

٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال الحَنَفيةُ: يَتَخَيَّرُ بَينَ البُرِّ والدَّقيقِ والسَّويقِ والزَّبيبِ والتَّمرِ والشعيرِ،
والدقيق(١) أولى مِن الْبُرِّ، والدَّراهمُ أولى مِن الدَّقيقِ فيما يُروى عن أبي يوسُفَ،
وهو اختيارُ الفَقيه أبي جعفَرٍ؛ لأنَّه أدفَعُ للحاجَةِ، وعن أبي بَكرِ الأعمَشِ تفضيلُ
القَمحِ؛ لأنَّه أبعَدُ مِن الخِلافِ.
واعلَم أنَّ مَن قال بالتَّخييرِ فَقَد أَخَذَ بظاهرِ الحَديثِ، وأمّا مَن قال بتَعينِ (٢) غالِبٍ
قوتِ البَلَدِ أو قوتِ نفسِه، فإنَّه حمَلَ الحَديثَ على ذلكَ ولَم يجعَله على ظاهرِهِ مِن
التَّخييرِ، واقتَصَرَ في المَشهورِ مِن رِواياتِ ابنِ عمرَ على التَّمرِ والشعيرِ؛ لأنَّهُما غالِبُ
ما يُقتاتُ بالمَدينَةِ في ذلكَ الوقتِ. فإمّا أن يكونَ مَحمولًا على إيجابِ الثَّمرِ على مَن
يقتاتُه والشعيرِ على مَن يقتاتُهُ، وإمّا أن يكونَ مُخَيَّرًا بَينَهُما لاستِوائهما في الغَلَبَةِ فلا
ترجحَ لأحَدِهما على الآخَرِ، فالمُخرِجُ (٤/ ٢٥٢) مُخَيٌَّ بَيْنَهُما(٣). واللهُ أعلمُ .
السادِسَةُ: فيه أنَّ الواجِبَ إخراجُه في زكاةِ الفِطرِ صاعٌ مِن أيِّ جِنسٍ
أخرِجَ، وبه قال مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العلماءِ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ،
وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن الحسنِ البَصرِيِّ وأبي العاليةِ وجابِرِ بنِ زيدٍ وإسحاقَ بنِ
راهويه، قال ابنُ قُدامَةَ: ورويَ عن أبي سعيدِ الخُدرِيِّ(٤). انتهى.
وقال أبو حنيفَةً(٥): إنَّما يُخرِجُ صاعًا إذا أخرَجَ تمرًا أو شعيرًا، فأمّا إذا
أخرَجَ قمحًا [٢٧٨/١و]، أو دَقيقَه، أو سويقه، فالواجِبُ نِصفُ صاع، [وعنه في
الزَّبيبِ رِوايَتانِ: أشهَرُهُما عنه: أنَّه مِثلُ القَمحِ فُيُخرِجُ مِنه نِصفَ صاعٍ](٦).
والثانيةُ: أنَّه كالشعيرِ فيُخرِجُ مِنه صاعًا، وبه قال أبو يوسُفَ ومحمدٌ.
وحَكاه ابنُ المُنذِرِ (٧) عن سُفيانَ الثوريِّ وأكثَرِ أهلِ الكوفَةِ غَيرَ أبي حنيفَةَ،
(١) في الأصل: ((والتمر)). ينظر: الهداية شرح البداية (١١٥/١).
(٣) ينظر: الهداية شرح البداية (١١٧/١).
(٢) في (م): ((بتعيين)).
(٤)
الإشراف على مذاهب العلماء (٧٧/٣)، والمغني (٢٨٥/٤).
(٥)
الهداية شرح البداية (١١٦/١)، وبدائع الصنائع (٧٢/٢).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل.
(٧) الإشراف على مذاهب العلماء (٧٧/٣، ٧٨).

٧٣
بابُ زكاةِ الفِطرِ
قال: ورَوينا عن جماعَةٍ مِن الصَّحابَةِ والتابِعِينَ: أنَّه يُجزِئُ نِصفُ صاعٍ مِن الْبُرِّ،
روينا ذلكَ عن أبي بَكرٍ وعُثمانَ، ولَيسَ يثبُتُ ذلكَ عنهُما، وعن عليٍّ وابنِ مَسعودٍ
وجابرِ بنِ عبدِ الله وأبي هريرةَ وابنِ الزُّبَيرِ ومُعاويةً وأسماءَ، وبه قال سعيدُ بنُ
المُسَيِّبِ وعَطاءٌ وطاؤُسٌ ومُجاهدٌ وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، ورويَ ذلكَ عن سعيدِ بنِ
جُبَيرٍ وعُروةَ بنِ الزُّبَيرِ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ وأبي قِلابَةَ وعَبدِ الله بنِ شدّادٍ
ومُصعَبٍ بنِ سعدٍ، واختُلِفَ فيه عن عليٍّ وابنِ عبّاسٍ والشعبيِّ، فرويَ عن كلِّ
مِنْهُم القَولانِ جميعًا. انتهى. وهو قولٌ في مَذهَبِ مالِكِ: أنَّه يُجزِئُ مِن القَمحِ
نصفُ صاعٍ، واحتَجَّ هَؤُلاءِ بما في ((سُنَنِ أبي داود)) عن ثَعلَبَةَ بنِ أبي صُعَيرٍ، عن
أبيه، عن النبيِّ نَّ أَنَّه قال: ((صاعٌ مِن قمحٍ على كلِّ اثنَينٍ))(١).
وعن ابنِ عبّاسٍ: فَرَضَ رسولُ الله ◌َّ هَذِه الصدقةَ صاعًا مِن تمرٍ أو شعيرٍ
أو نصف صاعٍ قمحٍ(٢).
ورَوى الترمذيُّ(٣) عن عمرَ بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ وَُّ
بَعَثَ مُنادِيًا في فجاج مكةَ: ((ألا إنَّ صَدَقَةَ الفِطرِ واجِبَةٌ على كلِّ مسلمٍ ذَكَرٍ أو
أنثَى، حُرٍّ أو عبدٍ، صَغيرٍ أو كَبِيرٍ مُدّانِ مِن قمحِ أو سِواهُ، صاعٌ مِن طعام)). قال
الترمذيُّ: حسَنٌ غَرِيبٌ. واحتَجَّ الأولونَ بأنَّ في بَعضٍ طُرُقِ حديثٍ ابنِ عمرَ :
صاعًا مِن بُرِّ، وهَذِه زيادَةٌ يجِبُ الأخذُ بها، وقَد تقَدَّمَ ذِكرُها، ورويَ أيضًا مِن
حديثٍ عليٍّ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ، وقَد تقَدَّمَ ذِكرُهُما، وفي ((الصَّحيحَينِ))(٤) عن أبي
سعيدٍ(٥) (كُنّا نُعطيها في زمانِ النبيِّ نََّ صاعًا مِن طعامٍ أو صاعًا مِن تمرٍ أو
صاعًا مِن شعيرٍ أو صاعًا مِن زبيبٍ، فلَمّا جاءَ مُعاويةُ وَجاءَت السَّمراءُ، قال
(٥٣/٤م) أَرَى (٦) مُدَّا مِن هَذا يعدِلُ مُدَّينٍ. قال ابنُ عبدِ البَرّ (٧): ولَم يختَلِف مَن
ذَكَرَ الطَّعامَ في هَذا الحَديثِ أنَّه أرادَ به الحِنطَةَ، وتَقَدَّمَ مِن ((الصَّحيحَينِ)) في
(١) أبو داود (١٦٢٠).
(٣) الترمذي (٦٧٤).
(٥) بعد ذلك في الأصل: ((الخدري)).
(٧) الاستذكار (٢٦٨/٣).
(٢) أبو داود (١٦٢٢).
(٤) تقدم تخريجه في (ص٣٨) هامش (٣).
(٦) ضبطت في الأصل بضم أولها .

٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
حديثِ ابنِ عمرَ: أَمَرَ النبيُّ وَّهَ بِزَكاةِ الفِطرِ صاعًا مِن تمرٍ أو صاعًا مِن شعيرٍ،
فَجَعَلَ النّاسُ عِدَلَه مُدَّينٍ مِن حِنطَةٍ. وهَذا صَريحٌ في أنَّ إخراجَ نِصفِ صاعٍ مِن
القَمحِ لم يكُن في زمَنِ النبيِّ ◌َّه، وإنَّما حدَثَ بَعدَهُ. وأجابوا عن أحاديثِ نِصفٍ
الصّاعِ مِن القَمحِ بأنَّها لا تثبُتُ عن النبيِّ نََّ قاله ابنُ المُنذِرِ، قال ابنُ قُدامَةَ(١):
وحَديثُ ثَعلَبَةَ ينْفَرِدُ به النُّعمانُ بنُ راشِدٍ. قال البخاريُّ(٢): وهو يهمُ كَثيرًا، وهو
صَدوقٌ في الأصلِ، وقال مُهَنّا: ذَكَرت لأحمدَ حديثَ ثَعلَبَةَ بنِ أبي صُعَيرٍ في
صَدَقَةِ الفِطرِ نِصفُ صاعٍ مِن بُرِّ، فقال: ليسَ بصَحيح، إنَّما هو مُرسَلٌ يرويه
مَعَمَرٌ وابنُ جُرَيجِ عن الزهريِّ مُرسَلًا. قُلتُ: مِن قِبَلِ مَن هَذا؟ قال: مِن قِبَلِ
النُّعمانِ بنِ راشِدٍ ليسَ بِقَوِيٍّ في الحَديثِ، وضَعَّفَ حديثَ ابنِ أبي صُعَيرٍ.
وسألَته عن ابنِ أبي صُعَيرٍ: أمَعروفٌ هو؟ قال: مَن يعرِفُ ابنَ أبي صُعَيرٍ؟
ليسَ هو بمَعروفٍ، وذَكَرَ أحمدُ وعَلِيُّ بنُ المَدينِيِّ(٣) ابنَ أبي صُعَيرٍ فضَعَّفاه
جميعًا. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ(٤): ليسَ دونَ الزهريِّ مَن تقومُ به حُجَّةٌ، ورَواه
أبو إسحاقَ الجوزَ جانِيُّ قال: حدَّثَنَا سُلَيمانُ بنُ حربٍ، حدَّثَنا حمّادُ(٥) بنُ زيدٍ،
عن النُّعمانِ، عن الزهريِّ، عن ثَعلَبَةَ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ وَ لَه: ((أدّوا
صَدَقَّةَ الفِطرِ صاعًا مِن قمح - أو قال: بُرِّ - عن كلِّ إنسانٍ صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ))، وهَذا
حُجَّةٌ لنا، وإسنادُه حسَنٌ. قال الجوزَجانِيُّ: والنِّصفُ صاعَ ذِكرُه عن النبيِّ
ورِوايَتُه ليسَ يثبُتُ. انتهى [٢٧٨/١ظ] كَلامُ ابنِ قُدامَةَ(٦) .
] السابِعَةُ: اختَلَفَ العلماءُ في مِقدارِ الصّاعِ: فَذَهَبَ مالِكٌ والشافعيُّ
وأحمدُ وعُلَماءُ الحِجازِ إلى أنَّه خمسَةُ أرطالٍ وثُلُثْ بالرِّطلِ البَغدادِيِّ، وذَهَبَ
(١) المغني (٢٨٧/٤)، وينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٩٥/٣، ٩٧)، ونصب
الراية (٤٠٩/٢).
(٢) التاريخ الكبير (٨٠/٨).
(٣) فى الأصل: ((المدايني)).
(٤)
التمهيد (٣٢٩/١٤، ٣٣٠).
(٥) في الأصل: ((حمدان)).
(٦) أخرجه أحمد في المسند (٤٣٢/٥)، والطحاوي في المشكل (٢٩/٩) رقم (٣٤١٠)،
والدار قطني (١٤٧/٢) من طريق حماد بن زيد به. وينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي
(٩٥/٣).

=
٧٥
بابُ زكاةِ الفِطرِ
أبو حنيفَةً وصاحِبُه محمدٌ إلى أنَّه ثمانيةُ أرطالٍ بالرِّطلِ المَذكورِ، وكانَ أبو يوسُفَ
يقولُ كَقَولِهما، ثمَّ رجَعَ إلى قولِ مالِكٍ والجُمهورِ لمّا تناظَرَ مَعَ مالِكِ بالمَدينَةِ
فأراه الصّيعانَ التي توارَثَها أهلُ المَدينَةِ عن أسلافِهم إلى زمَنِ النبيِّي وَلَه، وإطلاقُ
الصّاعِ في الحَديثِ يدُلُّ على أنَّه مِكيالٌ مَعروفٌ عِندَهُم، وقال ابنُ الصَّاغِ وغَيْرُه
مِن أصحابِنا (١): الأصلُ فيه الكَيلُ وإنَّما قدَّرَه العلماءُ بالوزنِ استِظهارًا. وقال
النوويُّ(٢): قد يستَشكِلُ ضَبطُ الصّاعِ بالأرطالِ، فإنَّ الصّاعَ المُخرَجَ به في زمَنِ
النبيِّ وَّهَ مِكيالٌ مَعروفٌ ويَختَلِفُ (٥٤/٤م) قدرُه وزنًا باختِلافِ جِنسٍ ما يخرُجُ
كالذُّرَةِ والحِمَّصِ وغَيرِهما، والصَّوابُ: ما قاله أبو الفَرَجِ الدّارِمِيُّ مِن أصحابِنا:
أنَّ الاعتِمادَ في ذلكَ على الكَيلِ دونَ الوزنِ، وأنَّ الواجِبَ أن تخرُجَ بصاعِ مُعايَرٍ
بالضّاعِ الذي كانَ يُخرج به في عصرِ رسولِ اللهِ وَّهَ وذلكَ الصّاعُ مَوجودٌ، ومَن لم
يجِده وجَبَ عليه إخراجُ قدرٍ يتَيَقَّنُ أنَّه لا ينقُصُ عنهُ، وعَلى هَذا فالتَّقديرُ بِخَمسَةِ
أرطالٍ وثُلُثِ تقريبٌ، وقال جماعَةٌ مِن العلماءِ: الصّاعُ أربَعُ حفَناتٍ بِكَفَّ رَجُلٍ
مُعتَدِلِ الكَفَّينِ. انتهى كَلامُ النوويِّ. وذَكَرَ بَعضُهُم أنَّه قدَحانِ بكَيلِ القاهرَةِ وقال
ابنُ الرِّفعَةِ في تصنيفٍ له سمّاه «الإيضاحُ والتِّبيانُ في مَعرِفَةِ المِکیالِ والميزانِ)»:
أحضَرَ إلَيَّ مَن يوتُقُ به مِن الفقهاءِ الورِعينَ مُدَّا مِن خشَبِ مَخروطٍ لَم يتَشَقَّق ولَم
يسقُط مِنه شيءٌ، وأخبَرَني أنَّه عايَرَه على مُدِّ الشيخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطبريِّ شيخِ
الحَرَمِ الشريفِ بمكةَ، وأنَّ الشيخَ مُحِبَّ الدّينِ المَذكورَ ذَكَرَ أنَّه عايَرَه على مُذٍّ
صَحَّ عِندَه بالسَّنَدِ أنَّه مُعايرٌ على ما عويِرَ على مُدِّ رسولِ اللهَِّ، فامتَحَنته بما قال
بَعضُ أصحابِنا وغَيرُهُم: إنَّه يقَعُ به المِعيارُ وهو الماشُ والعَدَسُ، فوجَدت
كَيلَةً(٣) بها يزيدُ على المِائَتَينِ زيادَةً كَثيرَةً، فاستَحضَرت أنَّ الغالِبَ على الظَّنِّ أنَّ
المِعِيارَ إنَّما وقَعَ بالشعيرِ؛ لأنَّه الغالِبُ مِن أقواتِ أهلِ المَدينَةِ في الصَّدرِ الأولِ،
(١) ينظر: الشرح الكبير للرافعي (١٩٥/٦).
(٢) روضة الطالبين (٣٠١/٢، ٣٠٢)، والمجموع شرح المهذب (١٤٣/٦)، وينظر:
الإشراف على مذاهب العلماء (٧٨/٣).
(٣) في (م، ك): ((كيله)).

=
٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
كَما دَلَّت على ذلكَ الأخبارُ؛ فاعتُبِرَت بالشعيرِ الصَّعيدِيِّ المُغَربَلِ المُنَقَّى مِن
الطِّينِ، وإن كانَ فيه حبّاتٌ مِن القَمحِ يسيرَةٌ فصَحَّ الوزنُ المَذكورُ بكَيلِ المُدِّ
المَذكورِ، ثُمَّ وُزِنَ فجاءَ زِنَتُه مِائَّةً وثَلاثَةً وسَبعينَ دِرهَمَا وثُلُثَ دِرهَمٍ بالمِصريِّ، ثمَّ
وُزِنَ مِن الشعيرِ المِقدارُ المَذكورُ ووُضِعَ في المُدِّ المَذكورِ، فكانَ بِقَدرِهِ مِن غَيرِ
زيادَةٍ عليه، ومِنه يظهرُ صِحَّةُ أنَّ الرِّطلَ البغدادِيَّ مِائَةٌ وَثَلاثونَ(١) دِرِهَمًا، وبه
يظهَرُ أيضًا صِحَّةُ صَنجِ الدَّراهمِ المَوجودَةِ حينَئِذٍ بِمِصرَ. انتَهَى. وقال ابنُ قُدامَةَ
في ((المُغني))(٢): الأصلُ فيه الكَيلُ، وإنَّما قدَّرَه العلماءُ بالوزنِ ليحفَظَ ويُنقَلَ، وقَد
روى جماعَةٌ عن أحمدَ أنَّه قال: الصّاعُ وزَنتُه فوجَدته خمسَةَ أرطالٍ وَثُلُثًا حِنطَةٍ.
وقال حنبَلٌ: قال أحمدُ: أخَذت الصّاعَ مِن أبي(٣) النَّضرِ، وقال أبو النَّضرِ:
أخَذته مِن ابنِ (٤) أبي ذِئبٍ، وقال: هَذا صاعُ النبيِّ نَّهَ الذي يُعرَفُ بِالمَدِينَةِ. قال
أحمدُ: فأخَذنا العَدَسَ فعَيَّرنا(٥) به وهو (٥٥/٤م) أصلَحُ ما يُكالُ به؛ لأنَّه لا
يتَجافَى عن مَواضِعِه، فكِلنا به ثمَّ وزَنّاه فإذا هو خمسَةُ أرطالٍ وَثُلُثْ، وقال: هَذا
أصلَحُ ما وقَفنا عليه وما تبينُ(٦) لنا مِن صاعِ النبيِّ وَِّ، وإذا كانَ خمسَةً أرطالٍ
وثُلُنَا مِن الحِنطَةِ والعَدَسِ وهُما مِن أثقَلِ الحُبوبِ، فما عداهُما مِن أجناسِ الفِطرَةِ
أخَفُّ مِنهُما، فإذا أخرَجَ مِنهما(٧) [٢٧٩/١ و] خمسَةً أرطالٍ وثُلُثًا فهي أكثَرُ مِن
صاعٍ، وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إن أخرَجَ خمسَةَ أرطالٍ وثُلُنَّا بُرًّا لم يُجزِئُهُ؛ لأنَّ
البُرَّ يختَلِفُ فَيَكونُ ثَقيلًا (٨) وخَفيفًا، وقال الطَّحاوِيُّ: يُخرِجُ ثَمانيةً أرطالٍ مِمّا
يستَوي كَيلُهُ ووزنُه وهو الزَّبيبُ والماشُ، ومُقتَضَى كَلامِه: أنَّه إذا أخرَجَ ثَمانيةً
أرطالٍ مِمّا هو أثقَلُ مِنهُما لم يُجزِئه حتى يزيدَ شيئًا يُعلَمُ به أنَّه قد بَلَغَ صاعًا،
(١) في الأصل: ((وثمانون))، ينظر: الشرح الكبير (٥٥٩/٥)، روضة الطالبين (١٦٢/٢)،
ط. دار الكتب العلمية.
(٢) المغني (٢٨٧/٤، ٢٨٨).
(٤)
ليس بالأصل.
في (م، ك): ((یبین)).
(٨) في (م): ((ثخينًا)).
(٣) في (ك): ((ابن أبي)).
(٥) في (م): ((فعبرنا)).
(٧) في (م، ك): ((منها)).
(٦)

=
٧٧
بابُ زكاة الفِطرِ
والأولى لمَن أخرَجَ مِن الثَّقيلِ بالوزنِ أن يحتاطَ فَيَزِيدَ شيئًا يُعلَمُ به أنَّه قد بَلَغَ
صاعًا. انتهى كَلامُ ابنِ قُدامَةً .
الثامِئَةُ: فيه وُجوبُ زكاةِ الفِطرِ على العَبدِ، وظاهرُه إخراجُ العَبدِ عن
نفسِه. وبه قال داود الظّاهرِيُّ: لا نعلَمُ أحَدًا قال به سِواه، ولَم يُتابِعه على ذلكَ
ابنُ حزمٍ ولا أحَدٌ مِن أصحابه. ويُبطِلُه قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لَيسَ على
المسلم في عبدِه ولا فَرَسِه صَدَقَةٌ إلّا صَدَقَةَ الفِطرِ في الرَّقيقِ)). والاستِثناءُ في
صَحِيحِ مسلمٍ بلَفِظِ: (لَيسَ في العَبدِ صَدَقَةٌ إلّ صَدَقَةَ الفِطرِ)) (١)، وذلكَ يقتَضي أنَّ
زكاةَ الفِطرِ لَيسَت على العَبدِ نفسِه، وإنَّما هي على سيِّدِهِ. قال ابنُ المُنذِرِ (٢):
أجمَعَ عوامُ أهلِ العِلمِ على أنَّ على المرءِ أداءَ زكاةِ الفِطرِ عن مَملوكِه الحاضِرِ
غَيرِ المُكاتَبِ والعَبدِ المَغصوبِ والآبِقِ والعَبدِ المُشتَرَى للتِّجارَةِ، وقال
ابنُ قُدامَةَ(٣): لا نعلَمُ فيه خِلافًا. انتَهَى.
وقَد اختَلَفوا في مَسائلَ أشارَ ابنُ المُنذِرِ في عِبارَتِهِ التي حكَيتها إلى
بَعضِها فَتَذكُرُها، ثمَّ نذكُرُ باقيها، فأمّا الغائبُ فمَذهَبُ الشافعيِّ وُجوبُ فطرَتِه
وإن لم تُعلَم حياتُه، بَل انقَطَعَ خبَرُه ولَم يكُن في طاعَتِهِ، بَل كانَ آبِقًا ولَم يَكُن
في يدِهِ، بَل كانَ مَغصوبًا ولَم يُعرَف مَوضِعُه، بَل كانَ ضالًّا. ويَجِبُ إخراجُها
عن هَؤُلاءِ في الحالِ، وفي هَذِهِ الصّورِ خِلافٌ ضَعيفٌ عِندَهُم، وكَذلكَ مَذْهَبُ
أحمدَ إلّا في مُنقَطِعِ الخَبَرِ، فإنَّه لم يوجِب فطرَتَه، لكِنَّه قال: لو علمَ بذلكَ
حياتَه لزِمَه الإخراجُ عمّا(٤) مَضَى. ولَم يوجِب أبو حنيفَةَ زكاةَ الآبِقِ والأسيرِ
والمَغصوبِ المَجحودِ، وعنه رِوايَةٌ بوُجوبِ زكاةِ الآبِقِ، وفَصَّلَ مالِكٌ فأوجَبَ
في كلٍّ مِن (٥٦/٤م) المَغصوبِ والآبِقِ الزكاةَ إذا كانَت غَيْبَتُه قريبَةً وهو
ترجَى(٥) حياتُه ورَجعَتُهُ، فإن بَعُدَت غَيْبَتُه وأيِسَ مِنه سقَطَت الزكاةُ عن سيِّدِه.
(١) أخرجه البخاري (١٤٦٤)، ومسلم (١٠٠٨/٩٨٢).
(٢) الإشراف على مذاهب العلماء (٦٣/٣).
(٣)
المغني (٣٠٣/٤).
(٥) في (م، ك): ((یرجی)).
(٤) في (م، ك): ((لما)).

٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال ابنُ المُنذِرِ (١): أكثَرُ مَن يُحفَظُ عنه مِن أهلِ العِلم يرَونَ أن تُؤَدَّى زكاةُ الفِطرِ
عن الرَّقيقِ غائبهم وحاضِرِهم، وهو مَذهَبُ مالِكِ والشافعيِّ والكوفي، وكانَ
ابنُ عمرَ يُخرِجُ عن غِلمانِهِ الذينَ بوادي القُرَى وخَيْبَرَ، ثمَّ حكَى الخِلافَ في
إخراجِها عن الآبِقِ: فحَكَى عن الشافعيِّ وأبي ثَورٍ وُجوبَها وإن لم يعلَم مَكانَهُ،
وعن الزهريِّ وأحمد وإسحاقَ: وُجوبَها إذا علمَ مَكانَهُ، وعن الأوزاعِيِّ: وُجوبَها
إذا كانَ في دارِ الإسلام، وعن عطاءٍ والثوريِّ وأصحابِ الرأيِ عدَمَ وُجوبها،
وعن مالِكِ وُجوبَها إذا كانَت غَيْبَتُه قريبَةً تُرجَى رجعَتُهُ، فَهَذِه خمسَةُ أقوالٍ قدَّمت
ذِكرَ أربَعَةٍ مِنها، والذي استَفَدناه مِن كَلامِه مَذْهَبُ الأوزاعِيِّ.
وأمّا المُكاتَبُ ففيه ثَلاثَةُ أقوالٍ في مَذهَبِ الشافعيِّ، أصَخُها عِندَ أصحابه:
أنَّها لا تجِبُ عليه ولا على سيِّدِه عنهُ، وبه قال أبو حنيفَةَ. والثاني: تجِبُ على
سيِّدِه، وهو المَشهورُ مِن مَذهَبِ مالِكِ كَما قاله ابنُ الحاجِبِ، وبه قال عطاءٌ
وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ .
والثالِثُ: تجِبُ عليه في كَسبه وكَنَفَقَتِهِ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبَلٍ، وفي
المَسأَلَةِ. قَولُ رابِعٌ: أنَّه يُعطَى عنه إن كانَ في عيالِه وإلّا فلا، حكاه ابنُ المُنذِرِ
عن إسحاق بن راهويه.
وقَولُ خامِسٌ: أنَّ السَّيِّدَ يُخرِجُها عنه إن لم يُؤَدِّ شيئًا مِن كِتابَتِه، فإن أدَّى
شيئًا مِن كِتابَتِه وإن قلَّ فهي عليه؛ قاله ابنُ حزمِ الظَّاهرِيُّ(٢).
وأمّا للعَبدِ(٣) المُشتَرَى [٢٧٩/١ظ] للتِّجارَةِ، فالجُمهورُ على أنَّه يجِبُ على
السَّيِّدِ فطرَتُه كَغَيرِهِ لعُموم الحَديثِ، وبه قال مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ
والليثُ بنُ سعدٍ والأوزاعِيُّ وإسحاقُ بنُ راهويه وابنُ المُنذِرِ وأهلُ الظَّاهرِ،
وقال أبو حنيفَةَ: لا تجِبُ فطرَتُه لوُجوبِ زكاةِ التِّجارَةِ فيه، وحُكِيَ عن عطاءٍ
(١) الإشراف على مذاهب العلماء (٦٤/٣، ٦٥).
(٢) الإشراف على مذاهب العلماء (٦٤/٣)، والمحلى (١٣٥/٦ - ١٣٧)، والمغني
(٣١١/٤، ٣١٢).
(٣) في (م، ك): ((العبد)).

=
٧٩
بابُ زكاةِ الفِطرِ
والنخعيِّ والثوريِّ(١).
ومِن مَسائلِ العَبدِ التي (٢) اختُلِفَ فيها أيضًا: العَبدُ المُشتَرَكُ بَيْنَ اثنَينِ،
وفِطَرَتُه واجِبَةٌ على سيِّدِيه(٣) عِندَ الجُمهورِ، وبه قال مالِكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في
الجُملَةِ، إلّا أنَّهُم اختَلَفوا في تفصيلِ ذلكَ، فقال أصحابنا: إن لم يكُن بَينَهُما
مُهايأةٌ فالوُجوبُ عليهما بقَدرِ مِلكيهما، وإن كانَت بَينَهُما مُهاياةٌ، فالأصَخُ
اختصاصُ الوُجوبِ بمَن وقَعَ زمَنُ الوُجوبِ في نوبَتِهِ، وعن أحمدُ رِوايَتانِ، الظّاهرُ
عنه كما قال ابنُ قُدامَةَ: كَمَذهَبِنا قال: وهو قولُ سائرٍ مَن أوجَبَ فطرَتَه على
سادَتِهِ، والروايةُ الثانيةُ عنه: أنَّه يجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِن المالِكَينِ صاعٌ، ولا فرقَ
عِندَ الحنابلةِ بَينَ أن يكونَ بَينَهُما مُهاياةٌ أم لا، وفي مَذهَبِ مالِكِ ثَلاثَةُ أقوالٍ،
هَذانِ. والثالِثُ: أنَّ على كلٍّ مِن السَّيِّدَينِ نِصفَ صاعٍ، وإن تفاوتَ مِلكهُما(٤)،
والإيجابُ عليهما بقسطٍ مِلكَهما(٥) هو رِوايَةُ ابنِ القَاسِمِ كَما ذَكَرَه ابنُ شاسٍ،
وهو المَشهورُ كَما ذَكَرَه ابنُ الحاجِبِ، وقال أبو حنيفَةَ: لاَ فطرَةَ فيه (٦) على واحِدٍ
مِنْهُما، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن الحسنِ البَصرِيِّ وعِكرِمَةَ والثوريِّ وأبي يوسُفَ،
وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ موافَقَةُ الجُمهورِ، ولَيسَ في كتُبِ الحَنَفيةِ ذِكرُ
خلافٍ (٧) عِندَهُم في هَذِهِ الصّورَةِ، إنَّما حكَى ((صاحِبُ الهدايَةِ)) مِنْهُم الخِلافَ في
عبيدٍ بَينَ اثنَينٍ، فقال أبو حنيفَةً: لا زكاةَ عليهما فيهم أيضًا، وقال صاحِباه
أبو يوسُفَ ومحمدٌ: على كلِّ واحِدٍ ما يخُصُّه مِن الرُّؤُوسِ دونَ الأشقاصِ(٨)،
وذَكَرَ أنَّ مَثارَ الخِلافِ أنَّه لا يرَى قِسمَةَ الرَّقيقِ، وهُما يَرَيانِها، وقال ابنُ حزمٍ:
لا(٩) نعلَمُ لمَن أسقَطَ صَدَقَةً(١٠) الفِطرِ عنه وعن سيِّدِهِ حُجَّةً أصلًا، إلّا أنَّهُم
قالوا: لَيسَ أحَدٌ مِن سَيِّدَيه يملِكُ عبدًا. ثمَّ استَدَلَّ ابنُ حزمٍ على الوجوبِ فِي هَذِه
(١) ينظر: الإشراف على مذاهب العلماء (٦٣/٣)، والمغني (٣٠٣/٤).
(٢)
في الأصل: ((الذي)).
(٣) في (م): ((سیده)).
(٤) في (م): ((ملكاهما)).
(٥) في (م): ((ملكيهما)).
(٦)
لیس بالأصل.
(٧) في (م): ((الخلاف)).
(٨) في (م): ((الأشخاص)).
(١٠) في الأصل: ((صفة)).
(٩) في (م، ك): ((ما)).

٨٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الصّورَةِ بقَولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((لَيسَ على المسلم في عبدِهِ وفَرَسِه صَدَقَةٌ إلّا
صَدَقَةَ الفِطرِ في الرَّقيقِ)). قال: والعَبدُ المُشتَرَكُ رقيقٌ.
وأمّا المُبَعَّضُ، فقال الشافعيُّ: يُخرِجُ هو مِن الصّاعِ بقَدرِ حُرِّيَّتِه، وسَيِّدُه
بقَدرِ رِقِّه، وهو إحدَى الروايتينِ عن أحمدَ، وعنه رِوايَةٌ أخرَى: أنَّ على كلٍّ مِنْهُما
صاعًا كَما تَقَدَّمَ في المُشتَرَكِ، قال أصحابُنا: فإن كانَ بَينَهُما مُهايأةٌ فالأصَحُ
اختصاصُها بمَن وقَعَت في نوبَتِهِ، ولَم يُفَرِّق أحمدُ بَينَ المُهايأةِ وعَدَمِها كَما تقَدَّمَ
في المُشتَرَكِ، والمَشهورُ عِندَ المالِكيةِ أنَّ على المالِكِ بقَدرٍ نصيبه، ولا شيءَ على
العَبدِ، وقيلَ: يجِبُ الجَميعُ على المالِكِ، وقيلَ: على المالِكِ بقَدرِ نصيبه، وعليه
في ذِمَّتِهِ بقَدرِ حُرِّيَّتِه، فإن لم يكُن له مالٌ أخرَجَ السَّيِّدُ الجَميعَ، وقيلَ: لا يجِبُ
عليه ولا على سيِّدِه شيءٌ، حكاه ابنُ المُنذِرِ عن أبي حنيفَةَ، وقيلَ: يجِبُ الجَميعُ
على العَبدِ، حكاه ابنُ المُنذِرِ عن أبي يوسُفَ ومحمدٍ، وقال به داود وابنُ حزمٍ،
فِهَذِهِ سبعَةُ أقوالٍ فِي هَذِهِ المَسألَةِ(١).
ومِن المَسائلِ أيضًا: العَبدُ المَرهونُ، وزَكاتُه واجِبَةٌ على مَولاه عِندَ مالِكٍ
(٥٨/٤م) والشافعيِّ والجُمهورِ، وهو ظاهرُ الحَديثِ، والمَشهورُ عِندَ الحَنَفيةِ: عدَمُ
الوُجوبِ إلّا إذا كانَ عِندَ مَولاه مِقدارُ ما يوفي دَينَه وفَضلُ مِائَتَي دِرهَمٍ، وعن
أبي يوسُفَ: عدَمُ الوُجوبِ مُطلَقًا(٢).
ومِنها: العَبدُ الموصَى برَقَبَتِه لشَخصِ وبِمَنْفَعَتِه لآخَرَ، فطرَتُه على الموصَى
له بالرَّقَّبَةِ عِندَ الشافعيِّ والأكثَرِينَ، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن أصحابِ الرأيِ
وأبي ثَورٍ، وفي مَذهَبِ مالِكِ ثَلاثَةُ أقوالٍ. قال ابنُ القاسِم في ((المُدَونَة)) (٣):
(١) ينظر: المغني لابن قدامة (٣١٢/٤، ٣١٣)، والإشراف على مذاهب العلماء (٦٧/٣، ٦٨)،
والمحلى (١٣٤/٦، ١٣٥)، وروضة الطالبين (٢٩٦/٢)، والذخيرة للقرافي (١٦١/٣،
١٦٢)، وجامع الأمهات لابن الحاجب (ص١٦٦)، والهداية شرح البداية (١١٦/١).
(٢) ينظر: الإشراف على مذاهب العلماء (٦٨/٣)، وروضة الطالبين (٢٩٦/٢)، والمبسوط
للسرخسي (٢٠٣/٣).
(٣) المدونة (١١٢/٢)، ط. دار عالم الكتب، وينظر: الإشراف على مذاهب العلماء
(٦٩/٣)، والمبسوط السرخسي (٢٠٣/٣).