النص المفهرس
صفحات 401-420
= ٤٠١ بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها وتَرَتَّبَ على هَذَا اخْتِلَافُهم في أنَّه هَل يُستَحَبُّ أن يَكُونَ في الكَفَنِ قَمِيصٌ، وعِمَامَةٌ أم لا؟ فقال مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وأحمَدُ: يُستَحَبُّ أن يَكُونَ الثَّلَاثَةُ لَفَائِفَ لَيْسَ فيها قَمِيصٌ ولَا عِمَامَةٌ. واختَلَفُوا في زِيَادَةِ القَمِيصِ والعِمَامَةِ أو غَيرِهمَا على اللفَائِفِ الثَّلَاثَةِ لِتَصِيرَ خَمسَةً: فَذَكَرَ الحَنَابِلَةُ أنَّه مَكْرُوهٌ. وقال(١) الشَّافِعِيَّةُ: إنَّه جَائِزٌ غَيرُ مُستَحَبٌّ. وقال(٢) المَالِكِيَّةُ: إِنَّه مُستَحَبٌّ لِلرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وهو في حَقِّ النِّسَاءِ آكَدُ. قَالُوا: والزِّيَادَةُ إلى السَّبعَةِ غَيرُ مَكْرُوهَةٍ، ومَا زَادَ عَلَيها سَرَفٌ. وقال الحَنِيفَةُ: إِنَّ الأثوابَ الثَّلَاثَةَ، إِزَارٌ، وقَمِيصٌ، ولِفَافَةٌ. ورَواه ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٣)، عن عبدِ الله بنِ عَمرٍو، وإبراهيمَ النَّخَعِيّ. وَذَكَرَ الحَنَابِلَةُ: أنَّه لَو كُفِّنَ في إزَارٍ وقَمِيصٍ ولِفَافَةٍ، لَم يُكرَه، ولَكِنَّ الأفضَلَ الأولُ، وهَذَا جَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ. وقال بَعضُ مُتَأخِّرِي المَالِكِيَّةِ: يَجزِي على قَولِ مَالِكٍ قَمِيصٌ، وعِمَامَةٌ، ولِفَافَةٌ. والمَشهورُ عِندَهم أنَّ الثَّلَاثَةَ لَفَائِفُ كَمَا تَقدمَ، وهو رِوايَةُ ابنِ القَاسِمِ. وقال سُفيَانُ الثَّورِيُّ: إن شِئت في قَمِيصٍ ولِفَافَتَينِ، وإن شِئت في ثَلَاثِ لَفَائِفَ. وقد ظَهَرَ بِذلك أنَّ مَن قال: إنَّ من الثَّلَاثَةِ قَمِيصًا، فَهو مُخَالِفٌ لِهَذَا الحديثِ على الاحتِمَالينِ المُتَقدمَينِ مَعًا. وكَأَنَّه تَمَسَّكَ في استِحبابِ القَمِيصِ بإلباسِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ عَبدَ الله بنَ أَبَيِّ قَمِيصًا وسَيَأتي ذِكرُه. وذَكَرَ الحَنَفيةُ في تَوجِيهه: أنَّه الذِي يُعتَادُ لُبسُه في الحَيَاةِ فَكَذَا بَعدَ المَوتِ. ومُقتَضَى (٤) ذلك اختِلَافه باختِلَافِ عَادَةِ ذلك المَيِّتِ فيمَا كانَ يَلَبَسُه في حياتِه. لَكِن قد يُقَالُ: حُمِلَ الأمرُ على الأكثَرِ الأغلَبِ. وقال النَّووِيُّ في (شَرحِ مسلم))(٥): قال مَالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ: يُستَحَبُّ في (م): ((وقالت)). (١) (٣) المصنف (٢٥٩/٣، ٢٦١). (٥) شرح صحيح مسلم (٨/٧). (٢) في (م): ((وقالت)). (٤) في (م): ((ويقتضي)). = ٤٠٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قَمِيصٌ، وعِمَامَةٌ، وتَأولُوا الحديثَ على أنَّ مَعنَاه: لَيسَ (١) القَمِيصُ، والعِمَامَةُ من جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ، وإِنَّمَا هَمَا زَائِدَانِ عَلَيهما. ثم ضعّفه، كَمَا تَقدمَ. وقد عَرَفت أنَّ الحَنَفيةَ يَجعَلُونَ القَمِيصَ من جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ، ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٢) كَونَ المَيِّتِ لَا يُعَمَّمُ، عن الشَّعبي، وأبي الشَّعَاءِ جَابِرِ بنِ زَيدِ . وحَكَاه ابنُ بَطالَ وغَيْرُه: عن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، وعَطَاءٍ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ (٣) عن ابنِ سِيرِينَ: أنَّه يُعَمَّمُ كَمَا يُعَمَّمُ الحَيُّ. وعن الحَسَنِ: تُوضع(٤) العمَامَةُ وسَطَ رَأسِه، ثُمَّ يُخَالِفُ بين طَرَفَيها هَكَذَا على جَسَدِهِ. وقال مَالِكٌ في ((المُدَونَةِ))(٥): من شَأنِ المَيِّتِ أن يُعَمَّمَ [٢٥٤/١و] عِندَنَا. ورَوى البَيْهَقِيُّ في ((الخِلافياتِ)) عن مَالِكِ أنَّه قال: (٣/ ٢٧٧م) لَيسَ [على هَذَا العَمَلُ عِندَنَا](٦)؛ يَعِنِي: قَمِيص (٧) المَيِّتِ. ■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: فيه دلالةٌ على أنَّ القَمِيصَ الذِي غُسِّلَ فيه النبيُّ وَّلـ نُزِعَ عنه عِندَ تَكفيِه. قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٨): وهَذَا هو الصَّوابُ الذِي لَا يُتَّجَه غَيرُه؛ لِأَنَّه لَو أبقِيَ مَعَ رُطُوبَتِهِ لَأَفسَدَ الأكفَّانَ. قال: وأمَّا الحديثُ الذِي في (سُنَنِ أبِي دَاوُه)(٩) عن ابنِ عَباسٍ: ((أَنَّ النبيَّ وَّهِ كُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أثوابٍ، الحُلَّةُ ثَوبانَ، وقَمِيصُه الذِي تُوُفي فيه))، فَحديثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُ الإِحْتِجَاجُ به؛ لِأَنَّ يَزِيدَ بنَ أبي زِيَادٍ أحَدُ رُواتِهِ مُجمَعٌ على ضَعفِهِ، لَا سِيَّمَا وقد خَالفَ بِرِوايَتِه النِّقَاتِ. انتَهَى. وقال في ((الخُلَاصَةٍ))(١٠): ولَو صَحَّ، فَتَأوِيلُه مَا سَبَقَ عن [عائشةَ: أنَّها في (ك): ((لبس)). (١) (٢) المصنف (٢٦٠/٣، ٢٦١). (٣) المصنف (٢٦٤/٣). (٤) في (م): ((بوضع)). ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٦٠/٣)، والبيان والتحصيل (٢٥٩/٢). (٥) (٦) ليس في: الأصل. في (ك): ((تقميص)). وفي (م): ((بقميص)). (٧) (٨) شرح صحيح مسلم (٨/٧). (١٠) الخلاصة (٩٥٠/٢). (٩) أبو داود (٣١٥٣). = ٤٠٣ بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها اشتُرِيَت لَه، فَلَم يُكفن(١) فيها. وقال ابنُ بَطالَ(٢): انفَرَدَ به يَزِيدُ بنُ أبي زِیَادٍ، ولَا يُحْتَجُّ به لِضَعفِهِ، وحديثُ](٣) عائشةَ الذِي نَفَت عنه القَمِيصَ أَصَحُ. انتَهَى. الحديثُ الثَّانِي عن جَابِرٍ: أَتَى النبيُّ نَّهِ عَبدَ الله بنَ أُبَيِّ، بَعدَ مَا أدخِلَ في حُفْرَتِهِ، فَوضَعَه على رُكَبَتِهِ، وألبَسَه قَمِيصَه، ونَفَثَ عَلَيه من رِيقِه. فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ، والنسائيُّ (٤) من هَذَا الوجه، من رِوايَةٍ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابٍِ. وزَادُوا في رِوايَتِهم: فَاللهُ أعلمُ. وفي رِوايَةٍ لِلنسائيّ: وكَانَ العَباسُ (٢٧٨/٣م) بالمدِينَةِ، فَطَلَبَت الأنصَارُ ثَوبًا يُلْبِسُونَه، فَلَم يَجِدُوا قَمِيصًا يَصلُحُ عَلَيه إلَّا قَمِيصَ عَبدِ الله بنِ أَبَيٍّ، فَكَسَوه (٥) إيّاه. وزَادَ البخاريُ(٦) في رِوايَةٍ لَه في ((الجَنَائِزِ)): وكَانَ كَسَا عَباسًا قَمِيصًا. قال سُفْيَانُ: وقال أبو هريرةَ: وكَانَ على رسولِ الله ◌ِّرِ قَمِيصَانٍ، فقال لَه ابنُ عَبدِ الله: يا رسولَ الله، ألبِس أبي قَمِيصَك الذِي يَلِي جِلدَك. قال سُفْيَانُ: فَيُرَونَ(٧) أنَّ النبيَّ وَّهِ ألبَسَ عَبدَ الله قَمِيصَه مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ. قال والدي تَخْتُ في ((النُّسخَةِ الكبيرة))(٨) من هَذِهِ الأحكام: كَذَا في أصلٍ (١) في (م): ((يكن)). (٢) شرح صحيح البخاري (٢٦٠/٣). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. البخاري (٥٧٩٦)، ومسلم (٢/٢٧٧٣)، والنسائي (٢٠١٩). (٤) (٥) في الأصل: ((فلبسوه). والمثبت موافق للتخريج. (٦) البخاري (١٣٥٠). (٨) في (ك، م): ((الكبرى)). (٧) في الأصل: ((فيروون)). = ٤٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ سَمَاعِنَا: أبو هريرةَ(١)، وفي أكثَرِ النُّسَخ: ((أبو هارُونَ))(٢). ولَفْظُ رِوايَةِ البخاريِّ في ((الجِهادِ))(٣): لَمَّا كَانَ يَومُ بَدرٍ أتي بأسَارَى، وأتي (٤) بالعَباسِ ولَم يَكُنْ عَلَيه ثَوبٌّ، فَنَظَرَ النبيُّ وَلِّ لَه فَمِيصًا، فَوجَدُوا قَمِيصَ عَبدِ اللهِ بنِ أبِيِّ يَقدِرُ عَلَيه، فَكَسَاه النبيُّ ◌َّهِ إِيَّهِ. فَلِذلك نَزَعَ النبيُّ وَهِ قَمِيصَه الذِي ألبَسَه. قال ابنُ عُيَينَةَ: كَانَت لَه عِندَ النبيِّ وَّهِ يَدٌ، فَأَحَبَّ أن يُكَافِئَه(٥). وأخرَجَه مسلمٌ(٦) من رِوايَةِ ابنِ جُرَيجٍ، عن عَمرِوِ بنِ دِينَارٍ، عن جَابِرٍ، قال: فَذَكَرَ بِمِثلِ حديثٍ سُفَيَانَ. ■ الثَّانِيَةُ: استَدَلَّ به الحَنَفيةُ على استِحبابِ التَّكفينِ في قَمِیصٍ، والمُخَالِفُونَ لَهم يَقُولُونَ: هَذِه واقِعَةٌ لَم نَدرِ كَيفَ اتَّفَقَ الحَالُ فيها؟ يُحتَمَلُ أن يَكُونَ هَذَا القَمِيصُ أحَدَ الأكفَانِ الثَّلَاثَةِ. ويُحتَمَلُ أنَّه زَائِدٌ عَلَيها . فَإِن كَانَ أَحَدَها: فَنَحنُ لَا نَقُولُ بِتَحرِيمِه ولَا كَرَاهَتِهِ، وغَايَتُه: أنَّ الأفضَلَ خِلَافُه، فَبَّن النبيُّ ◌َّهِ بِهذَا جَوازَه، ولَم يَكُن فِعِلُه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ مَفضُولًا، بَل هو فَاضِلٌ؛ لِأَنَّه بَيَّن به الجَوازَ ولِأمرٍ يَختَصُّ بهذِهِ القَضِيَّةِ، وهو شَيئَانِ: قمِيصًا (٢٧٩/٣م)، فَجَازَاه أحَدُهمَا: مُكَافَأْتُه إِيَّاه عن كِسوتِه لِلعَباسِ " من چنسٍ فِعلِه. وثَانِيهمَا: إكرَامُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَدَه بِذلك، فَإِنَّه لَم يَفعَل ذلك إلَّا بِسُؤَالِه واقتِرَاحِه طَلَبَ منه أن يُلِسَه القَمِيصَ الذِي يَلِي جِلدَه كَمَا تَقدمَ ذلك من (صَحِيحِ البخاريِّ))، فَفَعَلَ ذلك النبيُّ وَ لَ مُكَافَأةً لَه، وإِكرَامًا لابنه(٧) وبَيَانًا لِلجَوازِ، وكَانَ الأفضَلُ مَا اختَارَه الله تعالى لِنَبِيه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، وهو ثَلَاثَةُ أثوابٍ خَالِيَةٍ عن قَمِيصٍ، وإن كَانَ هَذَا القَمِيصُ زَائِدًا على الأكفَانِ الثَّلَاثَةِ، (١) قال ابن حجر: وهو تصحيفٌ. جزم المزي بأنه موسى بن أبي عيسى المدني الحناط. (٢) (٣) البخاري (٣٠٠٨). (٤) في الأصل: ((أوتي)). (٥) البخاري (٣٠٠٨). (٧) في (م): ((لأبيه)). (٦) مسلم (٢٧٧٣). = كحر ٤٠٥ بابُّ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها فَالحَنَابِلَةُ القَائِلُونَ [٢٥٤/١ظ] بِكَرَاهَتِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُجِيبونَ بِمِثلِ مَا أَجَبنَا فيمَا إِذَا كَانَ أحَدَها، والشَّافِعِيَّةُ لَا يَرَونَ كَرَاهَتَه(١)، بَل يَقْتَصِرُونَ فيه على الإباحَةِ، والمَالِكِيَّةُ يَستَحِبونَه في هَذِه الحالةِ، وهيَ مَا إذَا كَانَ زَائِدًا على الثَّلَاثَةِ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: بَوّبَ عَلَيه البخاريُّ في ((صَحِيحِه))(٢): ((بابُ الكَفَنِ [في القَمِيصِ](٣) الذِي يُكَفُّ (٤) أو لَا يُكَفُّ)). وقال المُهَلَّبُ (٥): صَوابُه بإثباتِ اليَاءِ، ومَعنَاه طَوِيلًا كَانَ ذلك القَمِيصُ أو قَصِيرًا، فَإِنَّه يَجُوزُ الكَفَنُ فيه. وكَانَ عَبدُ الله بنُ أَبَيِّ طَوِيلًا، ولِذلك كَسَا العَباسُ قَمِيصَه، وكَانَ العَباسُ بائِنَ الُولِ(٦). انتهى. فَكَأنَّ(٧) البخاريَّ كَثُْ فَهِمَ من كَونِهِم لَم يَجِدُوا لِلعَبَاسِ ◌َُّهُ ثَوبًا يَصلُحُ لَه لِطُولِهِ إِلَّ ثَوبَ عَبدِ الله بنِ أَبَيِّ، أنَّ هَذَا الثَّوبَ الذِي كَسَاه النبيُّ وَّهِ لِابنِ أَبَيِّ لَم يَكُن كَافِيًا له (٨)، لِكَونِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ كَانَ مُعتَدِلَ الخِلقَةِ، لَيسَ بالطّوِيلِ البائِنِ، فَاستَدَلَّ به على جَوازِ التَّكفينِ بالقَمِيصِ النَّاقِصِ عن بَدَنِ المَيِّتِ الذِي هو غَيْرُ كَافٍ لَه في طُولِهِ، فَلَو لَم يَكُن كُفِّنَ إلَّا فِي هَذَا القَمِيصِ، لَكَانَ دَلِيلًا على أنَّه لَا يَجِبُ أن يَكُونَ الكَفَنُ مُستَوعِب البَدَنِ المَيِّتِ كَمَا هو المُرَجَّحُ عِندَنَا، لَكِن الظَاهرُ أنَّه ◌ُفِّنَ في غَيرِهِ، لِكَونِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أَتَاه بَعدَ مَا أدخِلَ حُفرَتَه، ومَا كَانَ لِيَدخُلَ حُفرَتَه إِلَّ بَعدَ تَكفينِهِ، واللهُ أعلمُ. الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((أَتَى النبيُّ ◌َ عَبدَ الله بنَ أُبَيِّ بَعدَ مَا أدخِلَ في حُفرَتِه))، لَيسَ فيه أنَّه كَانَ قد دُفِنَ فَنُبِشَ القَبرُ وأخرَجَه، بَل كَانَ هَذَا قَبلَ إهالةٍ التُّربِ(٩) عَلَيه. وهَذَا اللفظُ مُحتَمِلٌ لِأَنَّ يَكُونَ النبيُّ ◌َّهِ نَزَلَ فِي قَبِرِهِ، ولَأَن يَكُونَ عَبدُ الله بنُ أبَيِّ أخرِجَ من القَبرِ، والواقِعُ هو الاحتِمَالُ الثَّانِي، فَفي رِوايَةٍ (١) في (م): ((كراهيته)). (٢) بعده في (م): ((في)). (٤) في (م): ((تکف)). (٣) في (م): ((بالقميص)). (٥) المهلب، كما في شرح البخاري لابن بطال (٢٦٣/٣). (٦) في (ك): ((الطويل)). (٧) في (م): ((وكأنَّ)). (٨) ليس في: (م). (٩) في (م): ((التراب)). = ٤٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ للبخاريِّ: فَأخرَجَه(١). وفي رِوايَةٍ لَه (٢): فَأمَرَ به فَأخرِجَ، وفي رِوايَةٍ مسلمٍ (٣) (٢٨٠/٣م): فَأخرَجَه من قَبِهِ. وأمَّا قَولُه في رِوايَةٍ للبخاريِّ: بَعدَ مَا دُفِنَ. فَلَيسَ مُتَعَيِّنَا لِإِهالةِ التُّربِ عَلَيْه، بَل هو صَادِقٌ بِمُجَرَّدٍ وضعِه في اللحدِ، فَهو بِمَعنَى الرِّوايَةِ الأخرَى. وبَوّبَ البخاريُّ على هَذَا الحديثِ: ((بابٌ هَل يَخرُجُ المَيِّتُ من القَبرِ واللحدِ لِعِلَّةٍ؟)) وهَذَا التَّبَوِيبُ أيضًا لَا يَقْتَضِي النَّشَ. وتَكَلَّمَ ابنُ بَطالَ في ((شَرحِ البخاريِّ))(٤) في هَذَا البابِ على النَّبشِ، وقد عَرَفت أنَّه لَيسَ بِلَازِم منه. ويُحتَمَلُ أنَّه إِنَّمَا تَكَلَّمَ على ذلك لِحديثِ جَابِرِ الذِي أورَدَه البخاريِّ مَعَه في نَبِشِه إِيَّاه بَعدَ سِتَّةِ أشهرٍ، والله تعالى أعلمُ. ] الخَامِسَةُ: مُقْتَضَى هَذَا الحديثِ، أنَّ النبي ◌َّهِ إِنَّمَا ألبَسَه قَمِيصَه بَعدَ إدخَالِهِ حُفرَتَه، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٥) عن ابنِ عُمَرَ ﴿ه: أنَّ عَبدَ الله بنَ أَبَيِّ لَمَّا تُوُفي، جَاءَ ابنُه إلى النبيِّ وَّ﴿ فقال: يا رسولَ الله أعطِنِي قَمِيصَك أكَفِّنه فيه، وصَلِّ عَلَيه، واستَغْفِر لَه. فَأَعَطَاه النبيُّ نَّهِ قَمِيصَه. الحديثَ. وظَاهرُه: أنَّه أعطَاه قَمِيصَه أولَ وفَاتِهِ قَبلَ دَفنِه وإِدخَالِه في حُفرَتِه. ويُحتَمَلُ الجَمعُ بينهمَا بِصَرفٍ حديثِ ابنِ عُمَرَ عن ظَاهِرِه، إمَّا بأن يَكُونَ ولَدُه إنَّمَا طَلَبَ القَمِيصَ بَعدَ تَكفينِهِ وإدخَالِهِ حُفرَتَه، أو طَلَبَه من أولِ مَوتِهِ، لَكِن تَأْخَّرَ إعطَاؤُه لَه حَتَّى أدخِلَ قَبَرَه. والفَاءُ التي في قَولِهِ: فَأعطَاه قَمِيصَه. لَا تُنَافِي هَذَا؛ لِأَنَّ زَمَنَ تَجهيزِهِ زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا يُنَافي الثَّعقِيبَ. ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ قَولُه في حديثٍ جَابِرٍ : ((وألبَسَه قَمِيصَه))، ليس مَعطُوفًا على قَولِه: ((فَوضَعَه على رُكِبَتِه))، فَالمَفعُولُ بَعدَ وضعِه في حُفرَتِه إنَّمَا هو وضعُه على الرُّكَبَةِ، ونَفثُ الرِّقِ عَلَيه. وأمَّا إلباسُه القَمِيصَ فَكَانَ مُقدمًا(٦) على ذلك (١) البخاري (١٢٧٠). مسلم (٢/ ٢٧٧٣). (٣) (٥) البخاري (١٢٦٩)، ومسلم (٢٥/٢٤٠٠). في (ك، م): ((متقدمًا)). (٦) (٢) البخاري (١٣٥٠). (٤) شرح صحيح البخاري (٣٣٦/٣) = ٤٠٧ بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها وهو حِكَايَةٌ عَمَّا فَعَلَه مَعَه النبيُّ وَّهِ، من غَيرِ تَرتيبِ بَعضِ هَذِه الأمُورِ على بَعضٍ في الزَّمَانِ. وفي هَذَا بُعدٌ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: هَذِه الأمُورُ التي فَعَلَها النبيُّ وَّهِ إِنَّمَا هِيَ إكرَامٌ لِولَدِه، وقَضَاءٌ لِحَقِّه، وتَطيِيبٌ لِقَلبه، فَإِنَّه كَانَ صَحِيحَ الإسلَامِ مَعَ الَيَدِ التي تَقدمَت لَه [٢٥٥/١ ] في كِسوةِ العَباسِ، وكَانَ النبيُّ وَّهِ أَشَدَّ النَّاسِ(١) مُكَافَأَةً، وَرَجَا لَه النبيُّ وََّ بِذلك النَّفعَ وتَركَ العَذَابِ إِن كَانَ مسلمًا، فَإِنَّه عليه الصلاة والسلام حِينَئِذٍ لَم يَتَحَقَّقِ كُفْرُهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيه بَعدَ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُّصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُم (٨٤) مَّاتَ أَبَدًا وَلَ نَقُمْ عَى قَبْرِفَّةِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: ٨٤]، وكَانَت هَذِه القِصَّةُ قَبلَ نُزُولِ (٣/ ٢٨١م) هَذِهِ الآيَةِ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّابِعَةُ: النَّفثُ: بالنُّونِ والفَاءِ والثَّاءِ: شَبيهٌ بالنَّفخ، وهو أقَلُّ من التَّقْلِ، قاله في ((الصِّحَاحِ))، و((المُحكَمِ))، و((النِّهَايَةِ)(٢). زَادَ في ((النِّهايَةِ)): لِأَنَّ النَّفل لَا يَكُونُ إلَّا ومَعَه شَيءٌ من الرِّيقِ. وقال في ((الصِّحَاحِ): أولُه البَزْقُ، ثُمَّ الثَّفْلُ، ثُمَّ النَّثُ، ثُمَّ النَّفخُ. ثُمَّ قال في ((المُحكم): وقِيلَ: هو الثَّفلُ بِعَينِهِ. وحَكَى في ((المَشَارِقِ))(٣): كَونَ الثَّفلِ لَا يَكُونُ إلَّا وَمَعَه شَيءٌ من الرِّيقِ عن أبي عُبَيدٍ(٤). ثُمَّ قال: وقِيلَ همَا سَواءٌ، يَكُونُ مَعَهمَا رِيقٌ. وقِيلَ : بِعَكسِ الأولِ. ■ الثَّامنةُ: قال ابنُ بَطالَ(٥): فيه حُجَّةٌ على مَن قال: إنَّ رِيقَ ابنِ آدَمَ ونُخَامَتَه نَجَسٌ. وهو قَولُ يُروى عن سَلمَانَ الفَارِسِيِّ. والعُلَمَاءُ كُلُّهم على خِلَافِهِ، والسُّنَنُ ورَدَت بِرَدِّه، فَمَعَاذَ الله أن يَكُونَ رِيقُ النبيِّ وَّ نَجَسًا ونَفثه على وجه التَّبَرُّكِ به، وهو عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ عَلَّمَنَا النَّظَافَةَ والطَّهَارَةَ، وبه طَهَّرَنَا الله من الأدنَاسِ. انتهى. (١) ليس في: (ك). (٢) الصحاح (٢٩٥/١)، والمحكم (١٦٥/١٠)، والنهاية (٨٨/٥). (٣) المشارق (١٩/٢). (٥) شرح صحيح البخاري (٣٣٧/٣). (٤) غريب الحديث (٢٩٨/١). ٤٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ التَّاسِعَةُ: في قَولِه في رِوايَةِ الشَّيخَينِ: فَاللهُ أعلمُ. إشَارَةٌ إلى الشَّكِّ في إسلامٍ عَبدِ الله بنِ أبي، فَإِنَّ هَذِه الأمُورَ التي فَعَلَها النبيُّ نَّهِ مَعَه لَا تُفْعَلُ إِلَّ مَعَ مسلم، وكَانَ يَظهَرُ منه مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذلك، لَكِن جَوابُه: أنَّه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ اعتَمَدَ مَا كَانَ يُظهرُه من الإسلام، وأعرَضَ عَمَّا كَانَ يَتعاطَاهِ مِمَّا يَقْتَضَي خِلَافَ ذلك، حَتَّى نَزَلَ بَعدَ ذلك القُرآنُ [في قوله تعالى] (١): ﴿وَلاَ تُّصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] الآيَةَ كَمَا تَقدمَ، واللهُ أعلمُ. العَاشِرَةُ: فيه لُبسُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلِقَمِيصِ، وإِن كَانَ الأغلَبُ من عَادَتِهِ وعَادَةِ سَائِرِ العَرَبِ لُبُسَ الإزَارِ والرِّدَاءِ. الحديثَ الثَّالِثُ وعن سَالِم، عن أبيه؛ أنَّه رَأى رسولَ الله وَلِهِ وأبا بكرٍ وعُمَرَ يَمِشُونَ (١٨٢/٣م) أمَامَ الجِنَازَةِ، رَواه أصحَابُ السُّنَنِ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ)) وابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِه))(٢) من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ سُفيَانَ بنِ عُيَينَةَ به. ورَواه الترمذيُّ، والنسائيُّ(٣) من رِوايَةٍ هَمَّامٍ بِنِ يَحَى، عن مَنصُورٍ، وبَكرِ الكُوفي، وزِيَادِ بنِ سَعدٍ، وسُفيَانُ، وهو ابنُ عُيَنَةَ، أربَعَتُهم، عن الزُّهرِيِّ به. وزَادَ في رِوايَةِ النسائيّ(٤): عُثمَان، ثُمَّ قال: بَكرٌ وحدَه لَم يَذْكُر عُثمَانُ، ثُمَّ قال النسائيُّ: هَذَا خَطَأُ والصَّوابُ مُرسَلٌ، وإِنَّمَا أتي هَذَا(٥) عِندِي؛ (١) ليس في: (ك). أبو داود (٣١٧٩)، والترمذي (١٠٠٧)، والنسائي (١٩٤٣)، وابن ماجه (١٤٨٢)، ابن (٢) حبان (٣٠٤٥). (٣) الترمذي (١٠٠٨)، والنسائي (١٩٤٤). (٤) النسائي في الكبرى (٢٠٧٢). (٥) في (ك): ((بهذا)). = كم ٤٠٩ بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها لِنَّ هَذَا الحديثَ رَواه الزُّهرِيُّ، عن سَالِم، عن أبيه: أنَّ كَانَ يَمْشِي أمَامَ الجِنَازَةِ وقال: كَانَ النبيُّ نَّهِ وأبو بَكرٍ وعُمَرُ يَمَشُونَ أمَامَ الجِنَازَةِ. وقال ابنُ المُبارَكِ: الحُفَّاظُ عن ابنِ شِهَابٍ ثَلَاثَةُ: مَالِكٌ، ومَعمَرٌ، وابنُ عُيَينَةَ، فَإِذَا اتَّفَقَ اثنَانٍ على شَيءٍ وخَالفَهمَا الآخَرُ تَرَكَنَا قَولَ الآخَرِ، انتهى. ورَواه مَالِكٌ في ((المُوطَّأ)(١) عن الزُّهرِيِّ مُرسَلًا، ثُمَّ رَواه الترمذيُّ(٢) أيضًا من رِوايَةٍ مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ قال: كَانَ النبيُّ وَّهِ وأبو بَكرٍ وعُمَرُ يَمِشُونَ أَمَامَ الجِنَازَةِ. وقال(٣) الزُّهرِيُّ: وأخبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ أباه كَانَ يَمِشِي أمَامَ الجِنَازَةِ، ثُمَّ قال الترمذيُّ: هَكَذَا رَواه ابنُ جُرَيجٍ، وزِيَادُ بنُ سَعدٍ، وغَيرُ واحِدٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه نَحو حديثٍ ابنٍ عُيَينَةَ، وَرَوى مَعمَرٌ، ويُونُسُ بنُ يَزِيدَ، ومَالِكٌ، وغَيرُهم من الحُفَّاظِ عن الزُّهرِيِّ: ((أنَّ النبيَّ وَّ كَانَ يَمْشِي أمَامَ الجِنَازَةِ)). وأهلُ الحديثِ كأنهم (٤) يَرَونَ أنَّ الحديثَ المُرسَلَ في ذلك أصَحُ، ثُمَّ رَوَى [١/ ٢٥٥ظ] بإسنَادِه(٥) عن عَبدِ الله بنِ المُبارَكِ قال: حديثُ الزُّهرِيِّ في هَذَا مُرسَلًا أصَخُّ من حديثِ ابنِ عُيَينَةَ. قال ابنُ المُبارَكِ: وأرَى ابنُ جُرَيجِ أخَذَه عن (٦) ابنِ عُيَينَةَ. وفي (مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ))(٧) عن عَبدِ الله بنِ أحمَدَ، عن أبيه، أنَّه قال: إنَّمَا هو عن الزُّهرِيِّ مُرسَلًا، وحديثُ ابنِ عُيَينَةً كَأنَّه وهمٌّ. ورَواه ابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِه))(٨) من رِوايَةِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ مُسنَدًا، وفيه: وعُثْمَانَ. وفي رِوايَةٍ لِابنِ حِبانَ(٩): فَقِيلَ لِسُفْيَانَ: وعُثمَانَ؟ قال: لَا أحفَظُه، قِيلَ لَه: فإنَّ(١٠) ابنَ جُرَيجِ يَقُولُه كَمَا تَقُولُه، ويَزِيدُ فيه عُثمَانَ. قال سُفيَانُ: لَم أسمَعه ذَكَرَ عُثْمَانَ. (١) الموطأ (٥٢٦). (٣) في (ك): ((قال)). (٥) في الأصل: ((بإسناد)). المعجم الكبير (٢٨٦/١٢) رقم (١٣١٣٣). (٧) (٨) ابن حبان (٣٠٤٥). (١٠) في (م): ((كان)). (٢) الترمذي (١٠٠٩). (٤) في (م): ((كلهم)). وهو موافق للتخريج. (٦) في الأصل: ((من)). (٩) ابن حبان (٣٠٤٧). ٤١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفي رِوايَةٍ لِلبَيهَقِيِّ في ((سُنَنِهِ)) (١) عن عَلِيٍّ بنِ(٢) المَدِينِيِّ: فَقُّمت إليه؛ يَعنِي: ابنَ عُيَينَةَ، فَقُلتُ لَه: يَا أبا مُحَمَّدٍ، إنَّ مَعمَرًا، وابنَ جُرَيجٍ (٢٨٣/٣م) يُخَالِفَانِك في هَذَا؛ يَعنِي: أنَّهمَا يُرسِلَانِ الحديثَ عن النبيِّ وََّ؟ فقال: استَقَرَّ الزُّهرِيُّ حَدَّثَنِيه سَمِعته من فيه يُعِيدُه ويُبدِيه عن سَالِم عن أبيه. فَقُلت لَه: یَا أبا مُحَمَّدٍ إِنَّ مَعمَرًا، وابنَ جُرَيج يَقُولَانِ فيه: ((وعُثمَانَ)). قال: فَصَدِّقْهمَا، وقال: لَعَلَّه قد قاله هو ولَم أكتُبه، إنِّي كُنت أمِيلُ إذ ذَاكَ إلى الشِّيعَةِ. قال البَيهَقِيُّ: وقد اختُلِفَ على ابنِ جُرَيجٍ ومَعمَرٍ في وصلِ هَذَا الحديثِ، فَرُوِيَ عن كُلِّ واحِدٍ منهمَا مَوصُولًا، ورُوِيَ مُرَسَلًا. وقد قِيلَ: عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن زِيَادِ بنِ سَعدٍ، عن الزُّهرِيِّ. ثُمَّ ذَكَرَ البَيهَقِيُّ رِوايَةَ هَمَّامِ التي تَقْدمَ ذِكرُها، وقال: تَفَرَّدَ به هَمَّامٌ وهو ثِقَةٌ، واختُلِفَ فيه على عُقَيلٍ ويُونُسَ بنِ يَزِيدَ: فَقِيلَ: عن كُلِّ واحِدٍ منهمَا، عن الزُّهرِيِّ مَوصُولًا، وقِيلَ مُرسَلًا. قال: ومَن وصَلَه، واستَقَرَّ على وصلِه، ولَم يَخْتَلِفِ عَلَيه فيه، وهو سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ حُجَّةٌ ثِقَةٌ. انتهى. وقال البَيَهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٣): أرسَلَه جَمَاعَةٌ عن الزُّهرِيِّ، ومنهم مَن قال: عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، ثُمَّ أرسَلَه فَذَكَرُوا فِعلَ النبيِّ وَّهِ وأصحابه من قَولِ سَالِمٍ، ومنهم مَن وصَلَه بِذِکرٍ أبيه. وقال ابنُ حَزم(٤): لَم يَخفَ عَلَيْنَا قَولُ جُمهورٍ أصحَابِ الحديثِ: إنَّ خَبَرَ هَمَّامِ هَذَا خَطَأُ، ولَكِن لَا يُلَفَتُ إلى دَعوى الخَطَأ في رِوايَةِ الثِّقَاتِ إلَّ بِيَانٍ لَا يُشَك فيه. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستِذْكَارِ))(٥): لَم يَختَلِف أصحَابُ مَالِكِ في إرسَالِ هَذَا الحديثِ عنه، عن ابنِ شِهابٍ، ولَم يَختَلِف أصحَابُ ابْنِ عُيَينَةَ عَلَيه في تَوصِيلِه مُسنَدًا، وتَابَعَه ابنُ أخِي الزُّهرِيِّ وغَيرُه. واختَلَفَ فيه سَائِرُ أصحَابٍ ابنِ شِهابٍ. انتَھَی. (١) البيهقي (٢٣/٤، ٢٤). (٣) معرفة السنن والآثار (٢٧٠/٥). (٥) الاستذكار (٢٠/٣). (٢) ليس في: الأصل. (٤) المحلى (١٦٥/٥). = ٤١١ 22 بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاَةِ عَلَيها وكَأنَّه أرَادَ بأصحَابٍ مَالِكِ رُواةَ ((المُوطَّأ))، فَقد ذَكَرَ في ((التَّمهيدِ))(١): أنَّه وصَلَه عن مَالِكٍ قَومٌ منهم، يَحيَى بنُ صَالِحِ الوُحَاظِيُّ، وعَبدُ الله بنُ عَونٍ الخَرَّازُ(٢)، وحَاتِمُ بنُ سَالِمِ القَزَّازُ، ثُمَّ رَواه من طَرِيقِهم كَذلك، ثُمَّ قال: الصَّحِيحُ فيه عن مَالِكِ: الإرسَالُ، ولَكِنَّه قد وصَلَه جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ من أصحَابِ ابنِ شِهابٍ: منهم ابنُ عُيَينَةَ، ومَعمَرٌ، ويَحيَى بنُ سَعِيدٍ، ومُوسَى بنُ عُقْبَةَ، وابنُ أخِي ابنِ شِهَابٍ، وزِيَادُ بنُ سَعدٍ (٣)، وعَباسُ بنُ الحَسَنِ الجَزَرِيُّ، على اختِلَافٍ عن بَعضِهم، ثُمَّ بَسَطَ ذلك، ثُمَّ قال: والذينَ يَروُونَه عنه مُرسَلًا أكثَرُ وأحفَظُ. انتَهَى. وكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطِيُّ، والبَيهَقِيُّ أنَّ جَمَاعَةً رَووه عن مَالِكٍ مُسنَدًا، لَكِن قال الدَّارَقُطِنِيُّ(٤): إنَّهم وهَمُوا فيه على مَالِكِ، والصَّحِيحُ عنه الإرسَالُ، ثُمَّ قال: والصَّحِيحُ عن الزُّهرِيِّ: قَولُ مَن قال: عن سَالِمٍ، عن (٢٨٤/٣م) أبيه. انتَهَى. وقال عَبدُ الحَقِّ في ((الأحكام)(٥): هَكَذَا رَواه ابنُ عُيَينَةَ، ويَحَيَى بنُ سَعِيدٍ، ومُوسَى بنُ عُقبَةَ، وزِيَادُ بن(٦) سَعدٍ، ومَنصُورٌ، وابنُ جُرَيجٍ، وغَيرُهم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه. ورَواه مَالِكٌ، عن الزُّهرِيِّ مُرَسَلًا، وكَذَا رَواه يُونُسُ، ومَعمَرٌ، عن الزُّهرِيِّ مُرسَلًا وهو عِندَهم أصَحُّ. وقال النَّوِيُّ في ((الخُلَاصَةِ)(٧): الذِي وصَلَه سُفيَانُ وهو ثِقَةٌ حَافِظٌ إمَامٌ، [٢٥٦/١و] واختَارَ البَيْهَقِيُّ تَرجِيحَ المَوصُولِ لِمَا ذَكَرْنَاه. انتَهَى. ثُمَّ رَوى الترمذيُّ(٨) من رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ بَكرٍ، عن يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، عن الزُّهرِيِّ، عن أنَسٍ: أنَّ النبيَّ وََّ كَانَ يَمْشِي أمَامَ الجِنَازَةِ، وأبو بَكرٍ، وعُمَرُ، وعُثمَانُ، ثُمَّ قال الترمذيُّ: سَألت مُحَمَّدًا عن هَذَا الحديثِ؟ فقال: ((أخطَأ (١) التمهيد (٨٣/١٢ - ٩٣). في الأصل: ((الجزاز)). وفي (ك): ((الخزار)). والمثبت الصواب. ينظر: الإكمال لابن (٢) ماكولا (١٨٦/٢). في (م): ((سعيد). (٣) الأحكام (٢/ ٥١١). (٥) (٧) الخلاصة (١٠٠٠/٢). (٤) العلل (٢٨٥/١٢، ٢٨٦). (٦) في (م): ((عن)). (٨) الترمذي (١٠١٠). = ٤١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مُحَمَّدُ بنُ بَكرٍ))، وإِنَّمَا يَروِي هَذَا يُونُسُ عن الزُّهرِيِّ: أنَّ النبيَّ وَّهِ، وأبا بَكرٍ، وعُمَرَ كَانُوا يَمِشُونَ أمَامَ الجِنَازَةِ. قال الزُّهرِيُّ: وأخبَرَنِي سَالِمٌ أنَّ أباه كَانَ يَمْشِي أمَامَ الجِنَازَةِ. قال مُحَمَّدٌ: ((وَهَذَا أَصَحُ)). انتَهَى. وقال البَيهَقِيُّ في ((الخِلافياتِ)): مُحَمَّدُ بنُ بَكرِ البُرسَانِيُّ ثِقَةٌ، مِمَّن إذَا تفَرَّدَ(١) بِشَيءٍ قُبِلَ منه، كَيفَ وقد تَابَعَه على ذلك بَكرُ بنُ مُضَرَ(٢)، وأبو زُرعَةَ وهبُ (٣) الله بنُ رَاشِدٍ . وذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٤) بِزِيَادةٍ (٥): وخَلفَها. وقال: وقَولُه: وَخَلفَها لَا يَصِحُ فِي هَذَا الحديثِ، وهيَ لَفظَةٌ مُنكَرَةٌ فيه لَا يَقُولُها أحَدٌ من رُواتِهِ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه أنَّ الأفضَلَ لِمُشَيِّعِ الجِنَازَةِ أن يَكُونَ قُدَّامَها وفِيهِ مَذَاهِبٌ: أحَدُها: هَذَا، وإليه ذَهَبَ أبو بَكرٍ، وعُمَرُ، وعُثمَانُ كَمَا قد عَرَفته، وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وقَولٌ في مَذهَبِ مَالِكٍ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٦) المَشِيَ أمَامَ الجِنَازَةِ: عن ابنِ عُمَرَ، وأبي هريرةَ، والحَسَنِ، والحُسَينِ ابنَي(٧) عَلِيٍّ، وأبي قَتَادَةَ، وأبي أسَيدِ، وعَبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ، وأصحَابٍ مُحَمَّدٍ بَّهِ، وعَلقَمَةَ، والأسودِ، وسَالِمٍ، والقَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، ومُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ. ورَواه الأثرَمُ عن طَلحَةَ، والزُّبَيرِ، وابنِ عَباسٍ، وأبي هريرةَ، والسَّائِبِ بنِ يَزِيدَ، وغَيرِهم. وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٨) أيضًا: عن شُرَيحِ القَاضِي، والزُّهرِيِّ، ومَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ. انتَهَى. وحَكَاه الخَطّبي(٩) عن أكثَرِ أهلِ العِلم، قال: وكَانَ أكثَرُ الصَّحَابَةِ يَفعَلُونَه. (١) في (م): ((انفرد)). في (م): ((وهبة)). وهو تصحيف. (٣) (٥) في الأصل: ((بزیاد)). (٧) في (م): ((بن)). معالم السنن (٣٠٨/١). (٩) (٢) في (ك): ((مصر)). (٤) التمهيد (٩٣/١٢). (٦) المصنف (٢٧٧/٣، ٢٧٨). (٨) الأوسط (٢٠١/٩). = ٤١٣ بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ عن الليثِ بنِ سَعدٍ، والفُقَهاءِ السَّبعَةِ المَدَنِيِّينَ(١)، وأكثَرِ العُلَمَاءِ من الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ ومَن بَعدَهم. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) عن سُويد بنِ عَلقَمَةَ قال: إنَّ المَلَائِكَةَ لَتَمْشِي أمَامَ الجِنَازَةِ. ورَوى البَيْهَقِيُّ(٣) عن زِيَادِ بنِ (٢٨٥/٣م) قَيسِ الأشعَرِيِّ قال: أتيت المَدِينَةَ، فَرَأيت أصحَابَ النبيِّ نَّه من المُهاجِرِينَ والأَنصَارِ يَمِشُونَ أمَامَ الجِنَازَةِ. القَولُ الثَّانِي: أنَّ الأفضَلَ أن (٤) يَكُونَ خَلفَها، وهو مَذهَبُ الحَنَفيةِ، وقَولٌ في مَذْهَبِ مَالِكٍ. وحَكَاه الترمذيُّ(٥): عن سُفيَانَ الثَّورِيِّ، وإسحَاقَ بنِ رَاهويه(٦). وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٧): عن أصحَابِ الرَّأيِ والأوزَاعِيِّ. وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ)) عن سُويد بنِ غَفَلَةِ (٨) قال: المَلَائِكَةُ يَمِشُونَ خَلفَ الجِنَازَةِ. وعن أبي الدَّردَاءِ: إنَّ من تَمَامِ أجرِ الجِنَازَةِ أن يُشَيِّعَها من(٩) أهلِها والمَشيَ خَلفَها. وعن أبي مَعمَرٍ أنَّه قال في جِنَازَةِ أبي مَيسَرَةَ: امشُوا خَلفَ جِنَازَةِ أبِي مَيسَرَةَ، فَإِنَّه كَانَ مَشَاءً خَلفَ الجَنَائِزِ. وعن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ (١٠) أبزَى قال: كُنت في جِنَازَةٍ (١١) وأبو بَكرٍ وعُمَرُ أمَامَها، وعَلِيٍّ يَمْشِي خَلفَها، فَجِئت إلى عَلِيٍّ، فَقُلت لَه (١٢): المَشيُ خَلفَها أفضَلُ أو(١٣) أمَامَها، فَإِنِّي أرَاك تَمْشِي خَلفَها وهَذَانِ يَمْشِيَانِ أمَامَها؟ فقال عَلِيٍّ: لَقد عَلِمَا (١٤) أنَّ المَشِيَ خَلفَها أفضَلُ من أمَامِها مِثلُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ على الفَذِّ، ولَكِنَّهمَا مُيَسِّرَانِ يُحِبانِ أن يُيَسِّرًا على النَّاسِ. وحَكَى الأثرَمُ عن أحمَدَ: أنَّه تَكَلَّمَ في إسنَادِه. في (ك)، (م): ((المدنيين السبعة)). (١) (٣) السنن الكبرى (٢٤/٤). (٥) ليس في: الأصل. (٧) الأوسط (٤١٦/٥) وزارة الأوقاف القطرية. (٨) في (م): ((علقمة)). وهو خطأ. (١٠) بعدها في (م): ((أبي)). (١٢) ليس في: الأصل. (٢) التمهيد (١٠٢/١٢). (٤) ليس في: (ك). (٦) جامع الترمذي عقب (١٠١١). (٩) في (م): ((مع)). (١١) ليس في: الأصل. (١٣) في الأصل: ((أم)). والمثبت كالتخريج. (١٤) في الأصل، (م): ((علمنا)). والمثبت كالتخريج. = ٤١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وعن ابنِ مَسعُودٍ: الجِنَازَةُ مَتبوعَةٌ ولَا تَتَبَعُ، لَيسَ مَعَها مَن تَقدمَها(١). وهو في ((سُنَنِ أبي دَاوُد))، والترمذيِّ مَرفُوعًا (٢)، واتَّفَقُوا على ضَعِفِه كَمَا قال النَّوِيُّ(٣). وعن مَسرُوقٍ(٤) قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لِكُلِّ أَمَّةٍ قُربانٌ، وإِنَّ قُربانَ هَذِهِ الأمَّةِ مَوتاها، فاجعَلُوا مَوَاكُم بین أیدِيكُم)). وعن أبي أمَامَةَ(٥): لَأن (٦) لَا أخرُجَ مَعَها أحَبُّ إليَّ أن أمشِيَ أمَامَها . وعن عَلقَمَةَ(٧) أنَّ قِيلَ لَه: أتَكرَه(٨) المَشِيَ خَلفَ الجِنَازَةِ؟ [٢٥٦/١ظ] قال: لَا ، إِنَّمَا يُكرَه السَّيرُ أمَامَها. وعن الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ: أَنَّهمَا كَانَا لَا يَسِيرَانِ أمَامَ الجِنَازَةِ(٩). واستُدِلَّ لِهَذَا القَولِ بِحديثِ البَرَاءِ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ وَلّه بِسَبع(١٠)، فَذَكَرَ منها: اتِّباعَ الجَنَائِزِ (١١)، وبِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((مَن تَبِعَ جِنَازَةً)(١٢). وأجِيبَ عنهمًا: بأنَّه لَا يَلزَمُ من اتِّباعِها أن يَكُونَ خَلفَها. وقال البَيهَقِيُّ(١٣): الآثَارُ في المَشي أمَامَها أكثَرُ وأصَحُّ. وقال النَّوِيُّ(١٤): أحَادِيثُ المَشي خَلفَها كُلُّها ضَعِيفَةٌ. القَولُ الثَّالِثُ: أنَّ المَشِيَ أمَامَها وخَلفَها كِلَاهمَا سَواءٌ، حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ ، والقَاضِي عِيَاضٌ، والنَّوِيُّ(١٥) عن سُفيَانَ الثَّورِيِّ. (١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٨/٣). (٢) أبو داود (٣١٨٤)، والترمذي (١٠١١)، وقال: ((لا يعرف من حديث ابن مسعود إلا من هذا الوجه)). (٣) الخلاصة (٢ /٩٩٧). مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٩/٣). (٥) (٧) مصنف ابن أبي شيبة (٢٨٠/٣). (٩) المصنف (٢٧٨/٣). (١١) البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦). (١٣) السنن الكبرى (٢٥/٤). (٤) مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٩/٣). (٦) في (ك): ((أن)). (٨) في المصنف: ((أيكره)). (١٠) في (م): ((السبع)). (١٢) البخاري (١٣٢٣)، ومسلم (٥٥/٩٤٥). (١٤) المجموع (٢٣٩/٥) بتصرف. (١٥) التمهيد (٩٥/١٢)، وإكمال المعلم (٤٠٥/٣)، والمجموع (٢٤٠/٥). = ٤١٥ بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها وقال ابنُ المُنذِرِ(١): قالت طَائِفَةٌ: إنَّمَا أَنتُم مُتَّبِعُونَ، فَكُونُوا بين يَدَيها وخَلفَها وعن يَمِينِها وعن شِمَالِها، هَذَا قَولُ [مَالِكِ بنِ أَنَسٍ](٢) ومُعَاوِيَةَ بنِ قُرَّةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيٍ. انتَهَى. ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةً(٣)، عن أنَسٍ في (٢٨٦/٣م) الجِنَازَةِ: أنتُم مُشَيِّعُونَ لَها تَمِشُونَ أمَامَها وخَلفَها، وعن يَمِينِها، وعن شِمَالِها. وعن أبي العَالِيَة: خَلفَها قَرِيبٌ، وأمَامَها قَرِيبٌ، وعن يَسَارِها قَرِيبٌ، وعن يَمِینِها قَرِيبٌ. وعن سُلَيمَان التَّيمِيِّ قال: رأيت أبا قِلَابَةَ غَيرَ مَرَّةٍ يَجعَلُ الجِنَازَةَ عن یمِینِه. القَولُ الرَّابِعُ: أَنَّ الأفضَلَ لِلمَاشِي أن يَكُونَ أمَامَها، ولِلرَّاكِبِ أن يَكُونَ خَلفَها، وهو المَشهورُ من مَذهَبِ مَالِكِ، وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ: ويُستَحَبُّ المَشيُّ وأن يَكُونَ أمَامَها، فَإِن رَكِبَ فَالسُّنَّةُ أن يَكُونَ خَلفَها. و(٤) حَكَاه ابنُ المُنذِرِ(٥) عن إسحَاقَ بنِ رَاهويه. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٦) عن إبراهيمَ النَّخَعِيّ قال: كَانُوا يَكرَهونَ أن يَسِيرَ الرَّاكِبُ أمَامَها. وحَكَاه ابنُ المُنذِرِ (٧) عن عَلَقَمَةَ. وأخرَجَ الخَطَّابي (٨) الرَّاكِبَ عن مَوضِعِ الخِلَافِ، وقال: فَأمَّا الرَّاكِبُ فَلَا أعلَمُهم اختَلَفُوا في أن يَكُونَ خَلفَ الجِنَازَةِ. وتَبِعَه على ذلك الرَّافِعِيُّ في ((شَرحِ مُسنَدِ الشَّافِعِيِّ»، فَحَكَى الإِتِّفَاقَ على أنَّ الرَّاكِبَ يَكُونُ خَلفَها. وهو مَرُدُودٌ؛ فَلَا خِلَافَ عِندَنَا أنَّه يَكُونُ قُدَّامَها مُطلَقًّا، وقد ذَهَبَ إلى هَذَا طَائِفَةٌ من السَّلَفِ، (١) الأوسط (٤١٦/٥) نشر وزارة الأوقاف القطرية. (٢) قال في حاشية الأصل، (ك): ((لعله: أنس بن مالك)). وكذا صوّبت في مطبوعة الأوسط. (٣) المصنف (٢٧٨/٣). (٤) في (ك)، (م): ((وكذا)). (٥) الأوسط (٤١٩/٥) نشر وزارة الأوقاف القطرية. (٦) المصنف (٢٨١/٣). (٧) الأوسط (٤١٩/٥) نشر وزارة الأوقاف القطرية. (٨) معالم السنن (٣١٦/٤). = ٤١٦ احمد طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَرَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)) (١): الرُّكُوبَ أمَامَ الجِنَازَةِ عن ابنِ عُمَرَ، وشُرَيحِ القَاضِي، والحَسَنِ البَصرِيِّ، وعَطَاءِ بنِ أبي رباحٍ. وقد ورَدَ في حديثٍ مَا يَقتَضِي قَولًا خَامِسًا: وهو أنَّ الرَّاكِب يَتَعَيَّنُ كَونُه خَلف الجِنَازَةِ، والمَاشِي مُخَيَّرٌ: رَواه أصحابُ ((السُّنَنِ))، وابنُ حِبانَ في ((صحيحه)(٢) عن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((الرَّاكِبُ خَلفَ الجِنَازَةِ، والمَاشِي حَيثُ شَاءَ منها))، الحديثُ لَفظُ النسائيّ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ هَذَا القَولَ عن مُحَمَّدٍ بنِ جَرِيرِ الطَّبَرِيِّ. وبه قال ابنُ حَزم(٣) وقال: وأحَبُّ ذلك إلينَا خَلفَها. ■ الثَّالِثَةُ: فيه أنَّ الأفضَلَ لِمُشَيِّع الجِنَازَةِ أن يَكُونَ مَاشِيًا، وهو كَذلك من غَيرِ خِلَافٍ أعلَمُه، إلَّا أنَّ بَعضَهم رَخَّصَ في ذلك، وبَعضُهم شَدَّدَ فيه، وكَرِهَ الرُّكُوبَ. وَرَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في (مُصَنَّفِه))(٤) عن عَبدِ الله بنِ رَباحٍ قال: لِلمَاشِي في الجِنَازَةِ قِيرَاطَانِ، ولِلرَّاكِبِ قِیرَاطٌ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةً(٥) أيضًا الرُّكُوبَ في الجِنَازَةِ عن ابنِ عُمَرَ، وأبي بَكرَةَ، وابنِ عَباسٍ، وشُرَيحٍ، وأبي وائِلٍ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، وعَطَاءٍ. ورَوى ابنُ أبي شَيْبَةً(٦) أيضًا عن زِيدَ بنِ أرقَمَ قال: لَو يَعلَمُ رِجَالٌ يَرَكَبونَ في الجِنَازَةِ مَا لِرِجَالٍ يَمِشُونَ مَا رَكِبوا. وعن ثَوبانَ: أَنَّه رَأى رَجُلًا رَاكِبًا في جِنَازَةٍ، فَأَخَذَ بلجَامِ دَابَّتِه فَجَعَلَ يَكْبَحُها، فقال: تَركَبُ وعِبادُ الله يَمِشُونَ. وعن ابنِ عَباسٍ قال: الرَّاكِبُ في الجِنَازَةِ كَالجَالِسِ فِي بَيْتِه. (١) المصنف (٢٧٩/٣). أبو داود (٣١٨٠)، الترمذي (١٠٣١)، والنسائي (١٩٤١)، ابن ماجه (١٤٨١)، ابن (٢) حبان (٣٠٤٩)، قال الترمذي ((حسن صحيح)). (٣) التمهيد (٩٧/١٢)، المحلى (١٦٤/٥). (٤) المصنف (٢٧٩/٣). (٥) المصنف (٢٧٩/٣، ٢٨٠). (٦) المصنف (٢٨٠/٣، ٢٨١). S ٤١٧ بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيها = قال ابنُ المُنذِرِ(١): (٣/ ٢٨٧م) ورَوينا ذلك عن الشَّعبي. والأثرُ(٢) المُتَقدمُ عن ثَوبانَ، رُوِيَ عنه مَرفُوعًا، رَواه الترمذيُّ، وابنُ مَاجَهَ(٣) عنه قال: خَرَجَنَا مَعَ رسولِ اللهِ وَِّ [٢٥٧/١و] في جِنَازَةٍ، فَرَأى نَاسًا رُكبانًا فَقَال:َ ((ألا تَستَحيُونَ! إنَّ مَلَائِكَةَ الله على أقدَامِهم، وأنْتُم على ظُهورِ الدَّوابِّ))، ورَواه أبو دَاوُد(٤)، بلفظِ: إنَّ رسولَ الله وَّ أْتي بِدَابَّةٍ، وهو مَعَ الجِنَازَةِ، فَأَبَى أن يَركَبَها، فَلَمَّا انصَرَفَ أتي بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ، فَقِيلَ لَه؟ فقال: ((إنَّ المَلَائِكَةَ كَانَت تَمشِي، فَلَم أكُن لِأَركَبَ وهم يَمِشُونَ، فَلَمَّا ذَهَبوا رَكِبتُ)). وقال البَيهَقِيُّ(٥): إنَّ المَحفُوظَ وقفُه، وحَكَيَ عن البخاريِّ: أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وبَوّبَ الترمذيُ (٦) على الرُّخصَةِ في ذلك، ورَوى حديثَ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال: كُنَّا مَعَ النّبِيِّ وَّهَ فِي جِنَازَةِ ابنِ(٧) الدَّحدَاحِ، وهو على فَرَسٍ لَه يَسعَى، ونَحنُ حَولَه نَتَوقَّصُ به. لَكِنَّه رَواه عُقْبَةُ، بلفظِ: إِنَّ النبيَّ وَّ اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابنِ الدَّحدَاحِ مَاشِيًا، وَرَجَعَ على فَرَسٍ، فَبَيَّن(٨) بالرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ أنَّ الرُّكُوبَ إِنَّمَا كَانَ في الرُّجُوعِ(٩). ورَواه مسلمٌ في ((صَحِيحِه) (١٠) بِمَعنَى اللفظِ الأخِيرِ، ولَفِظُه: أتي النبيُّ وَلِلـ ◌ِفَرَسٍ مُعرَورَى، فَرَكِبَه حِينَ انصَرَفَ من جِنَازَةِ ابنِ الدَّحدَاحِ، ونَحنُ نَمِشِي حَولَه. واعلَمُ أنَّ أكثَرَ أصحَابِنَا اقتَصَرُوا على استِحبابِ المَشي، ولَم يَتَعَرَّضُوا لِكَرَاهَةِ الرُّكُوبِ، وكَذَا فَعَلَ المَالِكِيَّةُ. وذَكَرَ النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(١١) كَرَاهَةَ (١) الأوسط (٤١٩/٥) نشر وزارة الأوقاف القطرية. (٢) في (م): ((والاثرم)). (٣) الترمذي (٣٣٣/٣)، وابن ماجه (١٤٨٠). أبو داود (٣١٧٧). (٤) (٥) السنن الكبرى (٢٣/٤). (٦) الترمذي (١٠١٣). في الترمذي: ((أبي)). وكلاهما صحيح. ينظر: المشارق (٢٦٦/١). (٧) (٨) في (ك)، (م): ((فتبين)). (٩) الترمذي (١٠١٤)، وقال: ((حسن صحيح)). (١٠) مسلم (٨٩/٩٦٥). (١١) شرح النووي على مسلم (٣٣/٧). = ٤١٨ طرح التثريب في شَرْحِ الَّقْرِیبِ الرُّكُوبِ، وكَذَا ذَكَرَ الحَنَابِلَةُ. ويُستَثَنَى من كَرَاهَةِ الرُّكُوبِ حَالةُ العُذرِ. ■ الرَّابِعَةُ: في هَذَا اللفظِ مَا يُشعِرُ بِكَونِ المَاشِي أمَامَ الجِنَازَةِ يَكُونُ بِقُربها، [إذَ لو](١) لَم يَكُنْ قَرِيبًا منها، لَم يَصِحَّ نِسبَتُهُ إليها، ولَا صَدَقَ في العُرفِ كُونُه أمَامَها. وبهذَا صَرَّحَ أصحَابُنَا وغَيرُهم، فَقَالُوا: الأفضَلُ أن يَكُونَ قَرِيبًا منها، بِحَيثُ لَو التَّفَتَ رَآها ولَا يَتَقدمُها إلى المَقبَرَةِ، قَالُوا: فَلَو تَقدمَ لَم يُكرَه. وهو بالخِيَارِ، إن شَاءَ قَامَ مُنتَظِرًا لَها، وإن شَاءَ قَعَدَ. وفي ((مُصَنَّفٍ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٢) عن أبي صَالِحِ السَّمَّانِ قال: كَانَ أصحَابُ مُحَمَّدٍ وَهِ يَمِشُونَ أمَامَ الجِنَازَةِ، حَتَّى إِذَا تَبَاعَدُوا عنها قَامُوا يَنْتَظِرُونَها . الخَامِسَةُ: ذَكَرَ بَعضُهم: أنَّ الحِكمَةَ في ذِكرِ فِعلِ أبي بَكرٍ وَعُمَرَ ﴿ّا بَعْدَ ذِكرٍ فِعلِ النبيِّ نَّهِ، أن يُعلَمَ بِذلك أنَّ الحُكمَ مُستَمِرُّ غَيرُ مَنسُوخٍ، ولا يُرَادُ بِذلك تَقوِيَةُ فِعلِه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ بِفِعِلِهِمَا، فَإِنَّ الحُجَّةَ في فِعِلِهَ. ولَا حُجَّةَ في فِعلِ أحَدٍ بَعدَه، واللهُ أعلمُ. (٢٨٨/٣م) الحديثُ الزَّابِعُ وعن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ رِوايَة: «أسرِعُوا بِجَنَائِزِكُم، فَإِن كَانَ صَالِحًا قدمتُمُوه إليه، وإِن كَانَ سِوى ذلك فَشَرٌّ تَضَعُونَه عن رِقَابِكُم)). وقال مَرَّةً أخرَى: يَبلُغُ به النبيَّ بَّهِ: ((أسرِعُوا بالجِنَازَةِ، فَإن يَكُ صَالِحًا خَيرٌ تُقدمُونَھا إلیه)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه الأَئِمَّةُ السِّئَّةُ(٣) من هَذَا الوجه، من رِوايَةٍ سُفْيَانَ (١) في (م): ((إذا)). (٢) المصنف (٢٧٧/٣). (٣) البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٥٠/٩٤٤)، وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، = حيى ٤١٩ = بابُ الكَفَنِ وحَملِ الجِنَازَةِ والصَّلَاةِ عَلَيها ابنِ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ، وفي رِوايَتِهِم التَّصْرِيحُ بِرَفعِه إلى النبيِّ نَّهِ إِلَّا أنَّ في رِوايَةٍ أبي دَاوُد، والترمذيِّ، والنسائيُّ: يَبْلُغُ به النبيَّ ◌َِّه كَمَا هو اللفظُ الأخِيرُ هنَا، وقَولُه في اللفظِ الأولِ هنَا: رِوايَةً، كِنَايَةٌ عن الرَّفع إلى النبيِّ وَّهِ بِلَا خِلافٍ أَعلَمُه، ولَفظُ البخاريِّ: ((أسرِعُوا بالجِنَازَةِ، فَإِن تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقدمُونَها، وإن تَكُ سِوى ذلك فَشَرٌّ تَضَعُونَه عن رِقَائِكُم))، ولَفظُ مسلم: لَعَلَّه قال: ((تُقدمُونَها إليه))، وكَذَا في رِوايَةِ أصحَابِ السُّنَنِ إليه، وسَقَطَت هَذِهِ اللفظَةُ في رِوايَةِ البخاريِّ، ورَواه مسلمٌ(١) من رِوايَةٍ مَعمَرٍ، ومُحَمَّدِ بنِ أبي حَفصَةَ، كِلَاهمَا، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرةً مِثْلُه، غَيرَ أنَّ في حديثِ مَعمَرٍ قال: لَا أَعلَمُه إلَّا رَفَعَ الحديثَ. وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(٢)، من رِوايَةٍ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي أمَامَةَ بنِ سَهلِ بنِ حُنَفٍ، عن أبي هريرةَ، بلفظ: ((قَرَّبْتُمُوها إلى الخَيرِ)). قال والدي تَّتُ في (شَرح الترمذيِّ)): والظَّاهرُ أنَّه كَانَ لِلزُّهرِيِّ فيه إِسنَادَانٍ، فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً هَكَذَا ومَرَّةً هَكَذَا . ورَواه النسائيُّ، وابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِه))(٣) من رِوايَةِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مِهِرَانَ، عن أبي هريرةَ، بلفظ: ((إِذَا [٢٥٧/١ظ] وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ على سَرِيرِه قال: قدمُونِي قدمُونِي، وإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ؛ يَعنِي: السُّوءَ، على سَرِيرِهِ، قال: يَا ويلِي، أينَ (٢٨٩/٣م) يَذْهَبونَ(٤) بي))، ولَفظُ ابنِ حِبانَ في المَوضِعَينِ: ((إنَّ العَبدَ إذَا وُضِعَ))، وقال في آخِرِهِ: يُرِيدُ المسلمَ والكَافِرَ. ووقَعَ في أصلِ سَمَاعِنَا من ((سُنَنِ النسائيّ الصُّغْرَى)» رِوايَةٌ ابنِ السُّنِّيِّ: عن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، وعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مِهرَانَ، وهو وهَمٌ. والنسائي (١٩٠٩)، وابن ماجه (١٤٧٧). = (١) مسلم (٩٤٤). مسلم (٥١/٩٤٤)، والنسائي في المجتبى (١٩١٠)، وفي الكبرى (٢٠٤٩). (٢) (٣) النسائي (١٩٠٧)، وابن حبان (٣١١١). (٤) في (م): ((تذهبون)). = ٤٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وهو في ((الكُبرَى)) رِوايَةُ ابنِ الأحمرِ (١) على الصَّوابِ. والحديثُ في ((صَحِيحِ البخاريِّ))، و((سُنَنِ النسائيّ))(٢) أيضًا، من رِوايَةِ الليثِ، عن سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبيه، عن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ، بلفظ: ((إذَا وُضِعَت الجِنَازَةُ واحتَمَلَها الرِّجَالُ على أعنَاقِهم، فَإِن كَانَت صَالِحَةً قالت: قدمُونِي. وإِن كَانَت غَيرَ صَالِحَةٍ قالت: يَا ويلَها، أينَ تَذْهَبونَ بها؟ يَسمَعُ صَوتَها كُلُّ شَيءٍ إِلَّ الإنسَانَ ولَو سَمِعَه صُعِقَ)). ■ الثَّانِيَةُ: فيه الأمرُ بالإسرَاعِ بالجِنَازَةِ، ومَعنَاه عِندَ جُمهورِ العُلَمَاءِ: سُرعَةٌ المَشي بها، وقد دَلَّ على ذلك قَولُه في آخِرِ الحديثِ: ((فَشَرِّ تَضَعُونَه عن رِقَابِكُمْ)). ونَقَلَ ابنُ بَطالَ، والقَاضِي عِيَاضٌ(٣) عن بَعضِهم: أنَّ المُرَادَ بالحديثِ الإسرَاعُ بِتَجهيزِها إذَا تَحَقَّقَ مَوتُها. قال النَّووِيُّ(٤): وهَذَا قَولٌ باطِلٌ مَرُدُودٌ بِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((فَشَرِّ تَضَعُونَه عن رِقَائِكُم)). والأولُ هو الصَّوابُ الذِي عَلَيْهِ جَمَا هِيرُ العُلَمَاءِ. انتَهَى. ■ الثَّالِثَةُ: هَذَا الأمرُ (٥ ) مَحمُولٌ على الاستِحبابِ عِندَ جُمهورِ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ. وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٦): لَا خِلَافَ بين الأئِمَّةِ في استِحبابه. انتَهَى. وذَهَبَ ابنُ حَزمِ الظَّاهرِيُّ(٧) إلى وُجُوبِه تَمَسُكًا بِظَاهرِ الأمرِ. وهو شاٌ. ] الرَّابِعَةُ: حَكَى البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ)) عن الشَّافِعِيِّ: أنَّ الإسرَاعَ بالجِنَازَةِ هو فَوقَ سَجِيَّةِ المَشي. وحَكَى عنه ابنُ المُنذِرِ وابنُ بَطَالَ(٨): أنَّه سَجِيَّةُ المَشي. والأولُ أثبَتُ، ويُوافِقُه قَولُ أصحَابِنَا، وهَذِهِ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ في (ك، م): ((الآخر)). (٢) البخاري (١٣١٤)، والنسائي في المجتبى (١٩٠٨)، وفي الكبرى (٢٠٤٧). (١) (٣) إكمال المعلم (٤٠١/٣)، وينظر: شرح النووي على مسلم (١٣/٧). (٤) شرح صحيح مسلم (١٣/٧). (٥) بعده في (ك، م): ((بِالإِسْرَاعِ)). المغني (٣٩٤/٣). (٦) (٧) المحلى (١٥٤/٥). (٨) الأوسط (٤١٢/٥) نشر وزارة الأوقاف القطرية، شرح البخاري لابن بطال (٢٩٩/٣).