النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كم = ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ قال الخَطَّابي(١): وقد جَاءَ ذلك في حديثٍ مَرفُوع (٢) رَواه زَبَّانُ بنُ فَابِدٍ، عن سَهلِ بنِ مُعَاذِ بنِ أنَسٍ [٢٤٦/١و] الجُهَنِيِّ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَنْ حَرَسَ لَيلَةً وَرَاءَ عَورَةِ المسلمِينَ تَطَوُّعًا، لَم يَرَ النَّارَ تَمَسُّه إلَّا تَحِلَّةَ القَسَم)). قال الله وَالَ: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٨)﴾ [مريم: ٧١]. قال ابنُ بَطالَ(٣): وفي هَذَا مَا يَقطَعُ بِصِحَّةٍ قَولِ أبِي عُبَيَد. انتَهَى. وقال الخَطَّابي: القَسَمُ في قوله تعالى: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ [مريم: ٦٨]. ٦٨ لَنُحْضِرِنَّهُمْ حَوّلَ جَهَنَّمَ جِثِيًا ( وقال الحَسَنُ وقَتَادَةُ: ﴿حَتْمَا مَّقْضِيًّا﴾ قَسَمًا واجِبًا. وحُكِي عن ابنِ مَسعُودٍ(٤). فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أقوالٍ في مَوضِعِ القَسَمِ من هَذِهِ الآيَةِ، وقال ابنُ قُتَيبَةَ: لَيسَ المُرَادُ بِذلك قَسَمَا حَقِيقِيًّا، ولَكِنَّ هَذَا اللفظَ يُعَبَّرُ به عن تَقلِيلِ المُدَّةِ، فَتَقُولُ العَرَبُ: مَا يُقِيمُ فُلَانٌ عنده إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ؛ أي: مُدَّةً يَسِيرَةً، ومَا يَنَامُ العَلِيلُ إلَّا كَتَحْلِيلِ الأليّةِ شَبَّهوا تِلكَ المُدَّةَ اليَسِيرَةَ بِمُدَّةِ قَولِ القَائِلِ: إن شَاءَ الله؛ لِأَنَّه يُحَلِّلُ(٥) بها القَسَمَ فَيَقُولُ القَائِلُ: والله لَا أَكَلِّمُ زَيدًا إن شَاءَ الله، فَلَا تَنْعَقِد(٦) يَمِينُهُ. فَالمُرَادُ أنَّه إن دَخَلَ النَّارَ يَكُونُ مُكثُه فيها قَلِيلًا كَمُدَّةٍ تَحلِيلِ اليَمِينِ، ثُمَّ يُنجِيه الله تعالى(٧). الخَامِسَةَ عَشَر: فيه على قَولِ الجُمهورِ دلالةٌ على العُمُومِ في قَوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وأنَّ الآيَةَ تَتَنَاولُ المسلمِينَ والكُفَّارَ. (٢٥١/٣م) وقال بَعضُهم: الخِطَابُ في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] رَاجِعٌ إلى الكُفَّارِ فَقَط، ويَكُونُ فيه الانتِقَالُ من الغَيبَةِ إلى الحُضُورِ، وهو غريب الحديث للخطابي (٣١٤/١). (١) (٣) شرح صحيح البخاري (٢٤٧/٣). (٤) ينظر: شرح صحيح البخاري (٢٤٧/٣)، والمفهم (٦٣٩/٦، ٦٤٠). (٥) في الأصل: ((تحلل)). (٦) في (م): ((ينعقد)). إصلاح غلط أبي عبيد (ص٦٣، ٦٤)، ط. الغرب الإسلامي، وينظر: غريب الحديث (٧) للخطابي (٣١٤/١) (٢) أخرجه أحمد (٤٣٧/٣). = ٣٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ رِوايَةٌ عن ابنِ عَباسٍ. وهَذَا الحديثُ يَرُدُّه، وبَقِيَّةُ الآيَةِ صَرِيحٌ في الرَّدِّ عَلَيه أيضًا لِقَولِه تعالى: ﴿ثُمَّ ◌ُنَجِى (١) الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَّنَّذَرُ (٢) الَّلِمِينَ فِيَهَا ◌ِيًّا(٣) [مريم: ٧٢]. ٧٢ ■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في المُرَادِ بالوُرُودِ المَذكُورِ في الآيَةِ على أقوالٍ : أحَدُها: أنَّه المُرُورَ على الصِّرَاطِ، وهو جِسرٌ مَنصُوبٌ على جَهَنَّمَ. حُكِي عن ابنِ مَسعُودٍ، وكَعبِ الأحبارِ، وهو رِوايَةٌ عن ابنِ عَباسٍ (٤). ويَدُلُّ لَه مَا رَواه الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِه الكَبيرِ)»(٥) عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ بَشِيرِ الأنصَارِيِّ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَن مَاتَ لَه ثَلَاثَةٌ من الوَلَدِ لَم يَبلُغُوا الحِنثَ لَم يَرِدِ النَّارَ إلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ))؛ يَعنِي: الجِوازَ على الصِّرَاطِ. الثَّانِي: أنَّه الوُقُوفُ عِندَها. حَكَاه النَّوِيُّ في ((شَرحٍ مسلٍ)» (٦). الثَّالِثُ: أَنَّهم يَدخُلُونَها حَقِيقَةً، ولَكِن تَكُونُ عَلَيهم بَردًا وسَلَامًا، كَمَا كَانَت على إبرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيه الصلاةُ والسَّلَامُ حِينَ أدخِلَ نَارَ النُّمرُودِ. حُكِيَ عن (٧) . ابنِ عَباسٍ وجَابِرِ بنِ عَبدِ الله الرَّابِعُ: أنَّ المُرَادَ بِوُرُودِها مَا يُصِيبُهم في الدُّنيا من الحُمَّى، لِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ الحُمَّى من فَبِحِ جَهَنَّمَ)) (٨). حَكَاه ابنُ بَطالَ(٩) عن مُجَاهِدٍ، واستَشهَدَ له (١٠) بِحديثٍ أبي هريرةَ(١١) (١) في: (ك): ((ينجي الله)). (٢) في: (ك): ((ويذر)). (٣) ضبطت في الأصل، (ك): بضم الجيم. وهي قراءة الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسرها. ينظر: السبعة لابن مجاهد ص (٤٠٧). (٤) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٤٨/٣)، والمفهم (٦٣٩/٦، ٦٤٠). (٥) المعجم الكبير، كما في المجمع (٩/٣، ١٠). (٦) شرح صحيح مسلم (١٨١/١٦). (٧) في: (م): ((عنهما)). (٨) أخرجه البخاري (٣٢٦٤، ٥٧٢٣)، ومسلم (٧٨/٢٢٠٩، ٧٩، ٨٠) من حديث ابن عمر ، وأخرجه البخاري (٣٢٦٣)، ومسلم (٨١/٢٢١٠) من حديث عائشة. (٩) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٢٤٨/٣، ٢٤٩). (١٠) ليس في: (م). (١١) الترمذي (٢٠٨٨)، وابن ماجه (٣٤٧٠). ٠٣٦٣ = ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ قال: عَادَ رسولُ اللهِ بَّهِ، وأَنَا مَعَه، مَرِيضًا كَانَ يَتَوغَّكُ فقال: ((أبشِر، فَإِنَّ الله يَقُولُ: هِيَ نَارِي أسَلِّطُها على عَبدِي المُؤمن؛ لِتَكُونَ حَظَّه من نَارِ الآخِرَةِ». ■ السَّابِعَةَ عَشرَ: الجُمهورُ على حَملِ الاِسْتِثنَاءِ في قَولِهِ: ((إلا تَحِلَّةَ القَسَم)) على ظَاهِرِه. وتَأولَه بَعضُهم، قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): وقد يَحتَمِلُ قَولُه: ((إلَّا تَحِلَّةَ القَسَم))؛ أي: ولا تحلة القسم؛ أي: لَا تَمَسُّه قَلِيلًا، ولَا مِثلَ تَحِلَّةٍ القَسَمِ، كَمَا قِيلَ في قَولِه: إلَّا الفَرقدانِ؛ أي: ولا الفَرقدانِ. انتَهَى. والبَيتُ الذِي أشَارَ إليه هو (٢): وكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُه(٣) أَخُوه لَعَمرُ أبيك إلَّ الفَرقدانِ وهَذَا المَعنَى لـ((إلا))، وهو كَونُها عَاطِفَةً بِمَنزِلة الواوِ في التَّشْرِيكِ في اللفظِ، والمَعنَى. ذَكَرَه الأخفَشُ، والفَرَّاءُ، وأبو عُبَيدَةَ، وجَعَلُوا منه قَوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُنَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله تعالى: ﴿ .. لَا تَخَفْ إِ لَا يَخَافُ لَذَ اُلْمُرْسَلُونَ ﴿﴿ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠، ١١] الآية (٤)؛ أي: ولَا الذِينَ ظَلَمُوا، ولَا مَن ظَلَمَ، وتَأولَهمَا الجُمهورُ: على الاستِثنَاءِ المُنقَطِعِ. (٢٥٢/٣م) وهَذَا المَعنَى، إن صَحَّ، فَهو مَرجُوحٌ، فَالحَمَلُ على المَعنَى الرَّاجِحِ المَعْرُوفِ مُتَعَيِّنٌ، والله [٢٤٦/١ظ] أعلَمُ(٥). ■ الثَّامنةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِتَعلِيلِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ دُخُولَ الآباءِ الجَنَّةَ بِرَحمَةِ الأولَادِ. وشَفَاعَتِهِم. في آبائِهم، على أنَّ أولَادَ المسلمِينَ في الجَنَّةِ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلَمَاءِ، وشَذَّت الجَبرِيَّةُ، فَجَعَلُوهم تَحتَ المَشِيئَةِ. وهَذِهِ السُّنَّةُ تَرُدُّ (١) إكمال المعلم (٨/ ١١٢). (٢) البيت من الوافر، وينسب لعمرو بن معد يكرب، وقيل لغيره. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب لا يفترقان. وهو مما أنشده سيبويه في كتابه (٣٣٤/٢). وينظر: مغني اللبيب (ص١٠١). (٣) (٤) في الأصل: ((يفارقه)). في الأصل: ((إلا)). وليس في: (م). (٥) ينظر: تهذيب اللغة (٣٠٥/١٥، ٣٠٦)، والإنصاف لابن الأنباري (٢٦٦/١). ٣٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عَلَيهِم، وأجمَعَ على ذلك مَن يُعتَدُّ به، وعَلَيهِ يَدُلُّ قَوله تعالى: ﴿والذينَ آمَنُوا وأتبعهم ذُرِّيَّاتِهِم (١)﴾ الآيَةَ [الطور: ٢١]. ويَستَحِيلُ أن يَكُونَ الله تعالى يَغْفِرُ لِآبائِهم بِفَضلِ رَحمَتِهِ إِيَّهم، وهم غَيرُ مَرَحُومِينَ. وأمَّا حديثُ عائشةَ رُِّها: تُوُفِي صَبي من الأنصَارِ، فَقُلت لَه: طُوبَى لَه عُصفُورٌ من عَصَافيرِ الجَنَّةِ لَم يَعمَلِ السُّوءَ ولَم يُدرِكِه، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((أو غَيرَ ذلك يَا عائشةُ، إِنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ لِلجَنَّةِ أهلًا خَلَقَهم لها وهم في أصلَابٍ آبائهم، وخَلَقَ لِلنَّارِ أهلًا خَلَقَهم لَها، وهم في أصلَابٍ آبائِهم)»(٢). فَالجَوابُ عنه من وجهَينِ : أحَدُهمَا: (٣) لَعَلَّه نَهاها عن المُسَارَعَةِ إلى القَطع من غَيرِ أن يَكُونَ عِندَها دَلِيلٌ قَاطِعٌ على ذلك، كَمَا أنكَرَ على سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ في قَولِه: إنِّي لِأَرَاهِ مُؤمناً فقال: ((أو مسلمًا))(٤)، الحديثُ. الجَوابُ الثَّانِ: أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَعَلَّه لَم يَكُنْ حِينَئِذٍ اطَّلَعَ على أنَّهم في الجَنَّةِ ثُمَّ أعلِمَ بَعدَ ذلك، ومَحَلُّ الخِلَافِ في غَيرِ أولَادِ الأنبياءِ. قال المَازَرِيُّ: أمَّا أولَادُ الأنبياءِ صَلَواتُ الله عَلَيهِم وسَلَامُه، فَالإجمَاعُ مُتَحَقِّقٌ على أنَّهم في الجَنَّةِ. ■ التَّاسِعَةَ عَشَرَ: اسْتَدَلَّ به أبو عُبَيدٍ على أنَّ مَن حَلَفَ على فِعلِ شَيءٍ أنَّه تَبِرُّ يَمِينُه بِفِعلِ القَلِيلِ منه، وبه قال الجُمهورُ. و(٥)حَكَاهِ القَاضِي عِيَاضٌ(٦)، وقال: وهو خِلَافُ مَذهَبِ مَالِكٍ. (١) في: (م): ((ذريتهم)). والمثبت هو قراءة أبي عمروٍ. ينظر: السبعة (ص٧١٢). (٢) مسلم (٣٠/٢٦٦٢). (٣) بعدها في: (ك): ((أنه)). (٤) البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠/ ٢٣٧). (٥) ليس في: (ك). (٦) إكمال المعلم (١١٤/٨). بابُ النَّهي عن تَمَنِّي المَوتِ ٣٦٥ = بابُ النّهي عن تَمَنِّي المَوتِ عن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((لَا يَتَمَنَّ أحَدُكُمُ المَوتَ، وَلَا يَدعُ به من قَبلِ أن يَأتيهِ، إِنَّه إِذَا مَاتَ أحَدُكُم انقَطَعَ عَمَلُه، وإِنَّه لَا يَزِيدُ المُؤْمِنَ (٢٥٣/٣م) عُمُرُهُ إلَّا خَيرًا))، رَواه مسلمٌ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: رواه مسلمٌ(١) من هَذَا الوجه؛ من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن وأخرَجَه البخاريُّ، والنسائيُّ(٢)؛ من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن أبي عُبَيدٍ ـنْه ، ضى مَعَمَرٍ، عن هَمَّامٍ. عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه قال: ((لَا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُم المَوتَ، إِمَّا مُحسِنًا فَلَعَلَّه أن يَزِدَادَ، وإمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهِ أن يَسْتَعِتِبَ)). ورَواه النسائيّ(٣) أيضًا؛ من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن عُبَيدِ الله بنِ عَبدِ الله ابنِ عُتْبَةَ، عن أبي هريرةَ. وقال: إنَّ حديثَ الزُّهرِيِّ، عن أبي عُبَيدٍ مَولى ابنِ أزهَرَ، أولى بالصَّوابِ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه النَّهيُ عن تَمَّنِي المَوتِ وعن الدُّعَاءِ به. وهو مَحمُولٌ على الكَرَاهَةِ، كَمَا حَكَى والدي تَخْتُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): الإجمَاعَ عَلَيه، وقال: إنَّ هَذَا هو الصَّارِفُ عن حَملِ النَّهىِ على التَّحرِيمِ. (١) مسلم (١٣/٢٦٨٢). (٢) البخاري (٥٦٧٣، ٧٢٣٥)، والنسائي (١٨١٨). (٣) النسائي في الكبرى (١٩٤٥). = ٣٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلتُ: لَكِن صَرَّحَ أبو عُمَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) بالتَّحرِيم، فقال: المُتَمَنِّي لِلمَوتِ لَيسَ بِمُحِبٍّ للقَاءِ الله، بَل هو عَاصٍ لله تعالى في تَمَنِّيه لِلمَوتِ إذَا كَانَ بالنَّهي عَالِمًا . ثُمَّ قال والدي: وقد صَحَّ عن عُمَرَ نَظ ◌ُهُ الدُّعَاءُ بالموتِ، فيمَا رَواه مَالِكٌ في ((المُوطَّأ)(٢)، أنَّه قال: اللَّهُمَّ قد ضَعُفَت قُوتي، وكَبُرَت سِنِّي، وانتَشَرَت رَعِيَّتِي، فَاقِضِي إليك غَيرَ مُضَيِّعٍ، ولَا مُقَصٍِّ، فَمَا جَاوزَ ذلك الشَّهرَ حَتَّى قُبِضَ تَخْذُ(٣). قال: ولَيسَ فيه أنَّ ذلك لِخَوفِ فِتْنَةٍ . قُلتُ: بَل ظَاهرُهُ أنَّه لِخَوفِ فِتْنَةٍ في الدِّينِ، فَإِنَّه خَافَ (٤) لِضَعفِ قُوتِهِ، وانتِشَارِ رَعِيَّتِه، وكَثْرَتِهم أن يَقَعَ منه تَضيِيعٌ لِأِمُورِهم، وتَقصِيرٌ في القِيَامِ بِحُقُوقِهم، فَلَمَّا خَشَى هَذِهِ الفِتْنَةَ دَعَا بالموتِ. قال والدي تَّتُهُ: وقد جَاءَ تَمَنِّي المَوتِ عن جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ، خَوفًا من إظهارٍ أحوالِهم التي بينهم [٢٤٧/١و] وبين الله تعالى لَا يُحِبونَ اطَّلَاعَ الخَلقِ عَلَیها . قُلتُ: الظّاهرُ أنَّ ذلك لِخَوفِ الفِتْنَةِ (٢٥٤/٣م) في الدِّينِ أيضًا خَشُوا من إظهارٍ (٥) أعمَالِهم وأحوالِهم، وخُرُوجِها من السِّرِّ إلى العَلَانِيَةِ، بطريق(٦) المُفسِدَاتِ إليها من الرِّيَاءِ والإعجَابِ، وكَانُوا فِي رَاحَةٍ بالاختِفَاءِ فَطَلَبوا المَوتَ خَوفًا من مَفسَدَةِ الظُّهورِ . فَإِن قُلتَ: فقد (٧) دَعَا السَّيِّدُ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ بالموتِ فِي قَولِهِ: ﴿تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤]. قال قَتَادَةُ (٨): لَم يَتَمَنَّ المَوتَ أحَدٌ إلَّا يُوسُفَ عَلَِّ، حِينَ تَكَامَلَت عَلَيه النِّعَمُ، وجُمِعَ لَه الشَّمِلُ اشتَاقَ إلى لِقَاءِ رَبه؟ (١) التمهيد (٢٦/١٨). (٣) ينظر: التمهيد (١٤٨/١٨). (٥) في: (ك، م): ((ظهور)). (٦) في: (ك): ((بطرق)). وفي: (م): ((تطرق)). (٧) في: (م): ((قد)). (٢) الموطأ (٨٢٤/٢). (٤) في: (م): ((خائف)). (٨) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣٩/٢). = كم ٣٦٧ بابُ النَّهيِ عن تَمَنِّي المَوتِ قُلتُ: المُختَارُ في تَفسِيرٍ تِلكَ الآيَةِ: أنَّ مُرَادَه تَوقَّنِي عِندَ حُضُورٍ أجَلِي مسلمًا، ولَيسَ مُرَادُه استِعِجَال المَوتِ. وبِتَقدِيرِ حَملِها على الدُّعَاءِ بالموتِ، فَقد اختَلَفَ أهلُ الأصُولِ في أنَّ شَرعَ مَن قَبَلَنَا هَل هو شَرِعُ لَنَا أم لا؟ وبِتَقدِيرِ أن يَكُونَ شَرعًا لَنَا، فَشَرطُه ألَّا يَرِدَ في شَرعِنَا مَا يَنسَخُه، وقد ورَدَ في شَرعنَا نَسخُه في هَذَا الحديثِ. فَإِن قُلتَ: فَقد دَعَا النبيُّ ◌َّهِ بالموتِ حَيثُ قال في آخَرِ مَرَضِ مَوتِهِ: ((اللَّهُمَّ اغفِر لِي وارحَمنِي، وألحِقنِي بالرَّفيقِ الأعلى))، وقد أورَدَه البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) (١) في ((بابٍ: تَمَنِّي المَرِيضِ المَوتَ)). قُلتُ: لَيسَ هَذَا دُعَاءً بالمَوتِ، وإِنَّمَا هو رِضَى به عِندَ مَجِيئِهِ، فَإِنَّ الأنبياءَ صَلَواتُ الله عَلَيهم، لَا يُقبَضُونَ عِندَ انتِهاءِ آجَالِهِم حَتَّى يُخَيَّرُوا، إكرَامًا لَهم، وتَعِظِيمًا لِشَأْنِهِم، ولَن يَختَارُوا لِأَنفُسِهِم إلَّا مَا يَختَارُه اللهُ لَهم، فَلَمَّا خُيِّرَ النبيُّ وَّل عِندَ انتِهاءِ أجَلِه، اختَارَ مَا اختَارَه اللهُ لَه، ورَضِيَ بالموتِ، وأحَبَّه، وطَلَبَه بَعدَ التَّخِيرِ لَا ابْتِدَاءَ، وقد قال في الحديثِ: ((ولَا يَدعُ به من قَبلِ أن يَأتيه))(٢). وذلك يَقْتَضِي أَنَّه لَا كَرَاهَةَ في طَلَبه عِندَ تَحَقُّقِ مَجِيئِهِ، لِمَا في ذلك من إظهارِ الرِّضَا بِقَضَاءِ الله والاستِشَارِ بِمَا يَرِدُ من عِندِهِ، ولَكِنَّ الآحَادَ لَا سَبيلَ لهم إلى تَحقِيقِ(٣) هَذَا، وأن يُخَيَّرُوا على لِسَانِ مَلَكٍ مُشَافَهَةً صَرِيحَةً، وغَايَةُ مَا يَقَعُ لِلواحِدِ منهم: مَنَامٌ، أو خَاطِرٌ صَحِيحٌ، لَا يَصِلُ إلى القَطعِ به، ولَو استَبشَرَ عِندَ ذلك بِقَلبه لِمَا يَرِدُ عَلَيه من أمرِ الله لَكَانَ حَسَنًا، واللهُ أعلمُ. فَإِن قُلتَ: إِذَا مَنَعتُم أن يَكُونَ لِلآحَادِ طَرِيقٌ إلى تَحَقُقِ هَذَا، وأحسَمتُم(٤) البابَ فيه؛ فَمَا مَعنَى هَذَا التَّقْيِيدِ في قَولِه من قَبلِ أن يَأتيه؟ قُلت: فیه وجهانِ : أحَدُهمَا: أنَّه أشَارَ بِذلك إلى حَالةِ نُزُولِ المَوتِ، يَنْبَغِي لِلعَبدِ أن تَكُونَ حَالُه (١) صحيح البخاري (٥٦٧٤) ضمن باب: نهي تمني المريض الموت. (٣) في: (ك): ((تحقق)). (٢) مسلم (١٣/٢٦٨٢). (٤) في: (ك، م): ((حسمتم)). وهما لغتان. ينظر: تهذيب اللغة (١٩٩/٤). = ٣٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فيها حَال المُتَمَنِّي لِلمَوتِ، الدَّاعِي به، رَاضِيًا به، مُطمَئِنَّ القَلبِ إلى مَا وَرَدَ عَلَيه من أمرِ الله تعالى، غَيرَ جَازِعٍ وَلَا قَلِقٍ . ثَانِيهِمَا: أنَّه أَشَارَ بِقَولِه: ((من قَبلِ أن يَأتيه)). إلى أنَّ (٢٥٥/٣م) في الدُّعَاءِ بالموتِ قَبَلَ حُلُولِهِ نَوعَ اعتِرَاضٍ، ومُرَاغَمَةٍ لِلمَقدُورِ المَحْتُومِ. فَإِن قُلتَ: وسَائِرُ الأدعِيَةِ كَذلك؛ لِأنَّها إمَّا مُقَدَّرَةٌ فَلَا فَائِدَةَ في سُؤَالِها لِؤُقُوعِها لَا مَحَالةَ، أو غَيرُ مُقَدَّرَةٍ، فَفي سُؤَالِها اعتِرَاضٌ ومُرَاغَمَةٌ لِلقدرِ. وهَذَا يُؤَدِّي إلى سَدِّ بابِ الدُّعَاءِ وهو باطِلٌ؟ قُلتُ: أمَّا الدُّعَاءُ بالمغفِرَةِ والرَّحمَةِ، والأمُور الأخرَوِيَّة، فَفيه إظهارُ الاِفِقَارِ، والمَسكَنَةِ والخُضُوعِ، والتَّذَلَّلِ، والاحتياجِ. وأمَّا الدُّعَاءُ بالأمُورِ الدُّنيَوِيَّةِ، فلاحتياج(١) العَبدِ إليها، وظُهورِ المَصلَحَةِ فيها، وقد تَكُونُ قُدِّرَتْ لَه إن دَعَا بها دُونَ مَا إذَا لَم يَدعُ بها، فَالأسبابُ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أنَّ المُسَبِّبَاتِ مُقَدَّرَةٌ. وأمَّا الدُّعَاءُ بالموتِ، فَلَم تَظهَر (٢) فيه مَصلَحَةٌ لِمَا فيه من طَلَبٍ إِزَالةِ نِعمَةٍ الحَيَاةِ، ومَا يَتَرَتَّبُ عَلَيها من الفوائدِ كَمَا سَيَأْتِي تَقرِيرُ(٣). ■ الثَّالِثَةُ: أَشَارَ النبيُّ نَّهِ إِلى المَعنَى في النَّهي عن تَمَنِّي المَوتِ وَالدُّعَاءِ به، وهو انقِطَاعُ الأعمَالِ بالموتِ، فَفي الحَيَاةِ زِيَادَةُ الأجُورِ بِزِيَادَةِ الأعمَال، ولَو لَم يَكُن إلَّا استِمرَارُ الإيمَانِ، فَأَيُّ عَمَلٍ أعظَمُ منه، وقد قال النبيُّ وََّ لَمَّا سُئِلَ عن أفضَلِ الأعمَالِ: ((إِيمَانٌ بالله))(٤)، فَبَدَأ به. فَإِن قُلتَ: قد يُسلَبُ الإِيمَانُ بالله، والعِيَاذُ بالله؟ قُلتُ: إن سَبَقَ لَه في عِلم الله خَاتِمَةُ السُّوءِ، فَلا بُدَّ [٢٤٧/١ظ] من وُقُوع ذلك، طالَ عُمُرُه أو قَصُرَ، وإِن سَبَقَتِ لَه السَّعَادَةُ، فَزِيَادَةُ عُمُرِهِ زِيَادَةٌ في حَسَنَاتِهِ، وَرَفعٌ فِي دَرَجَاتِهِ كَثُرَت أو قَلَّت. (١) في: (م): ((فلا احتياج)). (٢) في: (ك، م): (يظهر)). (٤) البخاري (٢٦)، ومسلم (١٣٥/٨٣). (٣) في: (ك): ((تقرره)). بابُ النَّهي عن تَمَنِّي المَوتِ على ٣٦٩ وقد رَوى أحمَدُ في ((مُسنَدِه))(١)، من رِوايَةٍ عَلِيٍّ بنِ يَزِيدَ، عن القَاسِمِ بن(٢) عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبي أمَامَةً قال: جَلَسنًا إلى رسولِ اللهِوَّهِ فَذَكَّرَنَا ورَقَقَنَا(٣) فَبَكَى سَعدٌ فَأكثَرَ البُكَاءَ، فقال: يَا لَيْتَنِي مِتُّ. فقال النبيُّ ◌َّهِ: (يَا سَعدُ أَعنَدِي تَتَمَنَّى المَوتَ))؟ فَرَدَّدَ ذلك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قال: ((يَا سَعدُ، إِن كُنتَ خُلِقْت لِلجَنَّةِ فَمَا طالَ من(٤) عُمرِك، أو حَسُنَ من عَمَلِك، فَهو خَيْرٌ لَك)). فَإِن قُلتَ: فَمَا مَعنَى قَولِهِ: ((وأَنَّه لَا يَزِيدُ الْمُؤمن عُمُرُه إلَّا خَيرًا)). فَقد يَزِيدُه شَرًّا بالأعمَالِ السَّيِّئَةِ؟ قُلتُ: إن حُمِلَ على المُؤْمن(٥) الكَامِلِ الإِيمَانِ فَواضِحٌ، فَإِنَّ ذَاكَ لَا يَصدُرُ منه إلَّا خَيرٌ، وإن حُمِلَ على مُطلَقِ المُؤْمن، بِحَيثُ يَتَنَاولُ المُخَلِّطَ، فَهو أيضًا لَا يَزِيدُه عُمُرُهُ إِلَّا خَيرًا لِكَثرَةِ المُكَفِّرَاتِ، والمُضَاعَفَةِ لِلأعمَالِ الصَّالِحَةِ، فَمَا دَامَ مَعَه أصلُ الإيمان(٦) فَحَسَنَاتُهُ مَقبولَةٌ مُضَاعَفَةٌ، وسَيِّئَاتُه مَحفُوقَةٌ بالمكَفِّرَاتِ، بِحَيثُ لَا يَبقَى منها، إن شَاءَ اللهُ، إلَّا الْيَسِيرُ يَمِحُوه الكَرمُ المَحضُ، والعَفوُ العَظِيمُ. فَإِن قُلتَ: قَولُه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((إمَّا مُحسِنًا فَلَعَلَّه يَزْدَادُ، (٢٥٦/٣م) وإِمَّا مُسِيئًا، فَلَعَلَّهِ يَستَعِبُ)) يُسألُ عنه، فَيُقَالُ: لَم تَنحَصِرِ القِسمَةُ فِي هَذَينِ الوصفَينِ، فَلَعَلَّهِ يكُونُ(٧) مُسِيئًا، فَيَزِدَادُ إِسَاءَةً فَتَكُونُ (٨) زِيَادَةُ العُمُرِ زِيَادَةً لَه في السَّيِّئَاتِ، كَمَا في الحديثِ الصَّحِيحِ: ((شَرُّ النَّاسِ مَن طالَ عُمُرُهُ وسَاءَ عَمَلُه))(٩) . أو لَعَلَّه يَكُونُ مُحسِنًا، فَتَنْقَلِبُ حَالُهُ إلى الإِسَاءَةِ، والعِيَاذُ بالله تعالى. (١) أحمد (٢٦٧/٥). (٢) في: (ك): ((أبي)). وهو أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، مولى آل أبي سفيان بن حرب، صاحب أبي أمامة. ينظر: تهذيب الكمال (٣٨٣/٢٣). فى الأصل، (ك): ((ورفقنا)). والمثبت موافق لما في المسند. قال الطيبي: رققنا من (٣) الترقيق؛ أي: رقق أفئدتنا بالتذكير. ينظر: مرعاة المفاتيح (٣٠٤/٥). (٤) ليست في: (ك). (٦) في: (م): ((الأعمال)). في: (م): ((فیکون». (٨) (٥) بعدها في: (ك): ((من)). (٧) في: (م): ((بكونه)). الترمذي (٢٣٣٠)، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)). (٩) كم ٣٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلتُ: تَرَجَّى النبيُّ وَّهِ لَه زِيَادَةَ الإحسَانِ، أو الاِنكِفَافَ عن السُّوءِ، فَبِتَقْدِيرِ أن يَدُومَ على حَالِه، فَإِذَا كَانَ مَعَه أصلُ الإيمَانِ، فَهو خَيرٌ لَه بِكُلِّ حَالٍ كَمَا تَقدمَ، وعلى تَقدِيرِ أن يَخِفَّ إحسَانُه، فَذَاكَ الإحسَانُ الخَفيفُ الذِي دَامَ عَلَيه مُضَاعَفٌ لَه مَعَ أصلِ الإِيمَانِ، وإن زَادَت إسَاءَتُه، فَالإِسَاءَةُ كَثِيرٌ منها مُكَفَّرُ، ومَا لَا يُكَفَّرُ يُرجَى العَفوُ عنه كَمَا تَقدمَ، فَمَا دَامَ مَعَه الإيمَانُ، فَالحَيَاةُ خَيْرٌ لَه كَمَا تَقدمَ . وقال والدي تَُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): هَذَا خَرَجَ مَخرَجَ الرَّجَاءِ، وحُسنِ الّنِّ بالله تعالى، وأنَّ المُحسِنَ يَرجُو من الله تعالى الزِّيَادَةَ في تَوفيقِه لِلزِّيَادَةِ فيه، وأنَّ المُسِيءَ لَا يَنبَغِي لَه القُنُوطُ، بَل لَا يُقطَعُ رَجَاؤُه من الله تعالى، كَمَا قال تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. انتَهَى. الرَّابِعَةُ: أطلقَ في حديثِ أبي هريرةَ النَّهيُ عن تَمَنِّي المَوتِ، وقَيَّدَه في حديثٍ أنَسٍ في ((الصَّحِيحَينِ)): بأن يَكُونَ تَمَنِّيه لِضُرِّ نَزَلَ به، فقال: ((لَا يَتَمَنَّينَ أحَدُكُم المَوتَ لِضُرِّ نَزَلَ به))، ومُطلَقُ الضُّرِّ يتناول الدُّنيَوِيَّ والأخرَوِيَّ؟ لَكِنَّ المُرَادَ إِنَّمَا هو الضُّرُّ الدُّنيَوِيُّ: من مَرَضٍ، أو فَاقَةٍ، أو مِحنَةٍ من عَدُوٌّ، أو نَحوِ ذلك من مَشَاقُ الدُّنيَا، كَمَا هو مُبَيَّنٌ في رِوايَةِ النسائيّ، وابنٍ حِبانَ في ((صَحِيحِه)(١)، فقال: ((لَا يَتَمَنَّينَ (٢) أحَدُكُم المَوتَ لِضُرِّ نَزَلَ به في الدُّنيَا)). وهو الذي أرَادَه أيُّوبُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ في قَولِه: ﴿مَسَّنِىَ الثُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وإخوةُ يُوسُفَ عَلَيهم السَّلَامُ في قَولِهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الْغُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨]. فَأَمَّا الضُّرُّ في الدِّينِ وهو (٣) خَوفُ الفِتنَةِ في دِينِهِ، فَالظّاهرُ أنَّه لَا بأسَ مَعَه بالدُّعَاءِ بالموتِ وتَمَنِّيه، ويَدُلُّ لِذلك قَولُه في حديثِ أبي هريرةَ في البابِ الذِي بَعدَه: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُزَّ الرَّجُلُ بِقَبرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيتَنِي (١) النسائي (١٨١٩)، وابن حبان (٢٩٦٦). (٢) في (ك): ((يتمن)). (٣) في (م): ((فهو)). بابُ النَّهي عن تَمَنِّي المَوتِ ٣٧١ - مَكَانَه، ولَيسَ به الدِّينُ إلَّ البَلَاءُ))، وسَيَأتي إِيضَاحُ ذلك في الكَلَامِ عَلَيهِ. فَإِن قُلتَ: قد عُرِفَ أنَّ تَمَنِّيَ المَوتِ لِلضّرر (١) الدُّنيَوِيِّ مَنهيٍّ عنه، وللضّرر(٢) الأخرَوِيِّ لَا بأسَ به، فَإِذَا كَانَ تَمَنِّيه لِغَيرِ ضُرِّ دُنِيَوِيٍّ ولَا أخرَوِيٌّ، گیفَ حُكمُه؟ قُلتُ: مُقْتَضَى حديث أبي هريرةَ النَّهيُّ عنه، ومَفهومُ التَّقِيدِ بالضُّرِّ في (٢٥٧/٣م) حديثٍ أنَسٍ أَّ غَيرُ مَنهيٍّ عنه. وقد يُقَالُ: هَذَا المَفهومُ غَيرُ مَعمُولٍ به؛ لِأَنَّ التَّقِيدَ خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ [٢٤٨/١و] في أنَّ النَّاسَ لَا يَتَمَنَّونَ المَوتَ إلَّا لِضُرِّ نَزَلَ(٣) بهم، فَيَفعَلُونَ ذلك ضِيقًا وضَجَرًا وسُخطًا لِلمَقدُورِ، ولَم تَجرِ عَادَةُ النَّاسِ بِتَمَنِّ المَوتِ لِغَيرِ (٤) سَبَبٍ، ومَا خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ لَا مَفهومَ لَه. ولَعَلَّ هَذَا أرجَحُ، فَيَكُونُ تَمَنِّي المَوتِ في صُورَةٍ انِتِفَاءِ الضَّرَرِ (٥) الدُّنيَوِيِّ، والأخرَوِيِّ مَنهيًّا عنه أيضًا، وقد يُستَثنَى من النَّهي صُورَةٌ أخرَى، وهيَ: مَا إِذَا فَعَلَ ذلك شَوقًا إلى الله ورسولِه، فَلا بأسَ به. وقد فَعَلَه جَمَاعَةٌ من السَّلَفِ، ورُويَ عن ابنِ مَسعُودٍ أَنَّه قال: لَيَأْتِينَّ عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَأْتِي الرَّجُلُ(٦) القَبَرَ فَيَقُولُ: يَا لَيتَنِي مَكَانَ هَذَا، لَيسَ به حُبُّ الله، ولَكِنَّ من شِدَّةِ مَا يَرَى من البَلَاءِ(٧). وهَذَا في حُكمِ المَرفُوعِ؛ لِأَنَّه لَا يُقَالُ مِثْلُه من قِبَلِ الرَّأْيِ، فَظَهَرَ بِذلك أن تَمَنِّي المَوتِ والدُّعَاءَ به جَائِزٌ إِن كَانَ لِمَصلَحَةٍ دِينِيَّةٍ، وهي(٨) خَوفُ الفِتنَةِ في دِينِهِ، أو الشَّوقُ إلى الله ورسولِه إِن كَانَ في ذلك المَقَامِ، ومَكرُوهٌ فيمَا عَدَا ذلك، وفي حديثٍ مُعَاذٍ مَرَفُوعًا: ((وإِذَا أَرَدتَ بالنَّاسِ فِتْنَةً فَتَوقَّنِي إليك غَيرَ مَفتُونٍ)) (٩)، وقال تعالى (١) في (ك، م): ((للضرّ)). (٢) في (ك، م): ((والضرّ)). (٣) في (ك): ((ينزل)). (٤) في (م): (بغير)). (٥) في (م): ((الضرر)). (٦) بعده في (م): ((إلى)). (٧) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٥٢/٩)، والحاكم في المستدرك (٢٢٣٠/٤)، والحديث متفق على معناه، وسيأتي في الباب التالي. (٨) في (م): ((وهو)). (٩) الترمذي (٣٢٣٥). = ٣٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ حِكَايَةً عن مَرِيَمَ ثَلًا: ﴿يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. الخَامِسَةُ: إن قُلتَ: إِذَا كَانَتِ الْآجَالُ مقَدَّرَةً لَا يُزَادُ فيها، ولا يُنقَصُ منها، فَمَا الذِي يُؤَثِّرُ تَمَنِّي المَوتِ في ذلك، ومَا الحِكمَةُ من النَّهي عنه؟ قُلتُ: هَذَا هو المَعنَى المُقتَضِي لِلنَّهي عنه؛ لِأَنَّه عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ فيه، وفيه مُرَاغَمَةُ للمَقدُورِ (١) وعَدَمُ الرِّضًا به، مَعَ مَا تَقدمَ من كَونِ المُؤمن لَا يَزِيدُه عُمُرُه إلَّا خَيرًا. فَإِن قُلتَ: إِذَا تَقَرَّرَ أنَّ الثَّمَنِّي لِلمَوتِ لَا يُؤَثِّرُ في الأعمَالِ لِتَقدِيرِها، فَمَا مَعنَى قَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليهودِ: ((إِنَّهم لَو تَمَنَّوا المَوتَ لَمَاتُوا جَمِيعًا))(٢)؟ قُلتُ: ذَاكَ قاله النبيُّ وَّهِ بِوحِي خَاصِّ أوحِيَ إليه في حَقِّ أولَئِكَ اليَهودِ أنَّهم لَو تَمَنَّوا المَوتَ لَمَاتُوا، فَرُتِّبَت آجَالُهم على وصفٍ إن وُجِدَ منهم مَاتُوا، وإن لَم يُوجَد بَقُوا إلى وقتٍ مُقدرٍ لَهم، والله تعالى يَعلَمُ هَل يَتَمَنَّونَ المَوتَ فَتَقْرُبَ(٣) آجَالُهم أو لَا (٤) يَتَمَنَّونَه فَتَبَعُدَ آجَالُهم، والأسبابُ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أنَّ المُسَبِّبَاتِ مُقَدَّرَةٌ، وهَذَا كَمَا في الحديثِ الصَّحِيحِ: أنَّه قِيلَ لِلنَبيِ وَِّ: أَرَأيت رُقَّى نَستَرقِي بها، ودَواءً نَتَدَاوى به؛ هَل يَرُدُّ من قدرِ الله شَيئًا؟ فقال: ((هيَ من قدرٍ (٢٥٨/٣م) الله تعالى)) (٥). ■ السَّادِسَةُ: قَولُه في حديثٍ أَنَسٍ: ((فَإِن كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنًِّا فَلَيَقُل: اللَّهِمُّ أحيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوقَّنِي إِذَا كَانَت الوَفَاةُ خَيرًا لِي))، لَيسَ المُرَادُ بهذا الأمرِ استِحبابَ الدُّعَاءِ بهذَا(٦)، بَل تَركُه أفضَلُ من الدُّعَاءِ به، فَإِنَّه رَتَّبَ (١) في (ك، م): ((المقدور)). (٢) أخرجه أحمد (٢٤٨/١)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٩٥)، والبزار (٩٩/١١) رقم (٤٨١٤)، وأبو يعلى (٢٦٠٤). وأصله في البخاري (٤٩٥٨) دون موضع الشاهد، قال الهيثمي في المجمع (٢٣١/٨): رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحیح. انتھی. (٣) في (ك): ((في تقرب)). (٤) في (م): (لم)). (٥) الترمذي (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤٣٧)، قال الترمذي: حسن صحيح. (٦) في (م): ((به لهذا)). = كم ٣٧٣ بابُ النَّهي عن تَمَنِّي المَوتِ الأمرَ به على كَونِ المُتَمَنِّي لَا بُدَّ له أن يَقَعَ منه صُورَةُ تَمَنٌّ مَعَ نَهيِه أولاً عن ذلك. وكَذَا قال النَّووِيُّ(١) في هَذِه الحالةِ: الأفضَلُ الصَّبِرُ والسُّكُونُ لِلقَضَاءِ. السَّابِعَةُ: إن قُلتَ: قد دَلَّ حديثُ أنَسِ هَذَا على أنَّ الوفَاةَ قد تَكُونُ خَيرًا لِلعَبدِ، فَمَا الجَمِعُ بينه وبين قَولِه في حديث أبي هريرةَ: ((وإنَّه لَا يَزِيدُ المُؤمن عُمُرُه إلَّا خَيرًا»؟ قُلتُ: إن حُمِلَ المُؤمن على الكَامِلِ في الإيمَانِ، فَالأمرُ في ذلك واضِحٌ، فَإِنَّ ذلك الذِي تَكُونُ الوفَاةُ خَيرَ(٢) لَه، لَيسَ كَامِلَ الإِيمَانِ، وإن حُمِلَ على مُطلَقِ الإِيمَانِ، فَالغَالِبُ أن تَكُونَ الحَيَاةُ خَيرًا لَه أيضًا(٣) كَمَا تَقْدَمَ، وهَذِه الصُّورَةُ التي تَكُونُ الوَفَاةُ فيها خَيرًا لَه، نَادِرَةٌ فَلَا يَدعُو بها ولَا يَعتَمِدُ عَلَيها (٤) على ظَنِّ نَفسِه فيها، إلا إن وكَلَ الأمرَ في ذلك إلى عِلمِ الله تعالى. ■ الثَّامنةُ: قال والدي تَُّ في ((شَرح الترمذيِّ»: مَا الحِكمَةُ في قَولِه في الحياة: ((مَا كَانَت الحَيَاةُ))، وقال في الوفَاةِ: ((إِذَا كَانَت))، ولَم يَأْتِ بـ((إِذَا)) فيهما، ولَا بِـ((مَا)) فيهمَا؟ والجَوابُ: أنَّه لَمَّا كَانَت الحَيَاةُ حَاصِلَةً وهو مُتَّصِفٌ بها، حَسُنَ الإتيَانُ بِـ((مَا))؛ أي: مَا دَامَت الحَيَاةُ مُتَّصِفَةً بهذا الوصفِ، ولَمَّا كَانَت الوفَاةُ مَعدُومَةً في تِلكَ الحالةِ، لَم يَحسُن أن يَقُولَ: مَا كَانَت، بَل أتَى بِـ((إِذَا)) الشَّرطِيَّةِ، فقال: ((إِذَا كَانَت))؛ أي: إذَا آلَ الحَالُ إلى أن تَكُونَ الوفَاةُ بهذا الوصفِ، والله تعالى أعلَمُ. [٢٤٨/١ظ] (١) شرح النووي على مسلم (٨/١٧). (٢) في (م): ((خيرًا)). والتنوين المنصوب، قد يرسم هكذا بحذف الألف، وقد يرسم بإثباتها وكلاهما صحيح مستعمل. ينظر: شرح المفصل لابن يعيش (٢٩/٩). (٣) ليس في: (م). (٤) ليس في: (ك). ٣٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بابُ تَمَنِّيه لِمُصِيبَةِ الدِّينِ عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ّ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ (٢٥٩/٣م) الرَّجُلُ بِقَبرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَه)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه الشَّيخَانِ في الفِتَنِ من ((صَحِيحَيهمَا))(١) من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ مَالِكِ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ. وأخرَجَه مسلمٌ أيضًا من رِوايَةٍ أبي حَازِمِ، عن أبي هريرةَ، بلفظ: ((والذي نَفسِي بيدِه لَا تَذْهَبُ الدُّنيَا حَتَّى يَمُوَّ الرَّجُلُ عَلَى [قَبْرِ الرَّجُلِ](٢)، فَيَتَمَرَّغَ عَلَيهِ ويَقُولَ: يَا لَيْتَنِي كُنْت مَكَانَ صَاحِبٍ هَذَا القَبرِ، ولَيسَ به الدِّينُ إلَّا الْبَلَاءُ))(٣). ■ الثَّانِيَةُ: فيه أنَّ من أشرَاطِ السَّاعَةِ التي لا بُدَّ من وُقُوعِها: مُرُورَ الرَّجُلِ بِقَبرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: ((يَا لَبِتَنِي مَكَانَه))، وهَذَا إِن لَم يَكُن قد وقَعَ، فَهو واقِعٌ لَا مَحَالةَ، ولَيسَ يَلزَمُ أن يَكُونَ في كُلِّ البُلدَانِ، ولَا في كُلِّ الأزمنةِ، ولَا لِجَمِيعِ النَّاسِ، بَل يَصدُقُ هَذَا بأن يَتَّفِقَ لِبَعضِهم في بَعضِ الأقطَارِ، وقد ذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ والقَاضِي عِيَاضٌ(٤): أنَّ ذلك قد وقَعَ. ■ الثَّالِثَةُ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَبَبُ هَذَا التَّمَنِّي مَا يَرَى من البَلَاءِ والمِحَنِ، والشَّدَائِدِ والفِتَنِ، فَيَرَى المَوتَ الذِي هو أعظَمُ المَصَائِبِ أهونَ مِمَّا هو فيه، فَيَتَمَنَّى المُصِيبَةَ الهَيِّئَةَ في اعتِقَادِهِ. (١) البخاري (٧١١٥)، ومسلم (٥٣/١٥٧). (٢) في (م): ((القبر)). (٤) التمهيد (١٤٦/١٨)، وإكمال المعلم (٤٥١/٨). (٣) مسلم (١٥٧/ ٥٤). = ٣٧٥ بابُ تَمَنِّيه لِمُصِيبَةِ الدِّينِ ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَبَبُه مَا يَرَى من تَغيِيرِ الشَّرِيعَةِ وتَبدِيلِ الدِّينِ، فَيَتَمَنَّى المَوتَ لِسَلَامَةِ دِينِه. وقد ذَكَرَ الإِحْتِمَالينِ القَاضِي عِيَاضٌ(١). والثَّانِي منهمَا مَرُدُودٌ، لِقَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((ولَيسَ به الدِّينُ إلَّ البَلَاءُ))؛ أي: لَا يَحمِلُه على ذلك أمرُ الدِّينِ، وإنَّمَا يَحمِلُه عَلَيه البَلَاءُ. وقد جَزَمَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) بهذا الاحتِمَالِ المَرُدُودِ، فقال: ظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ هَذَا الحديثَ مُعَارِضٌ لِلنَّهي عن تَمَنِّي المَوتِ، وقال: في هَذَا إباحَةُ تَمَنِيه. ولَيسَ كَمَا ظَنَّ، وإِنَّمَا هَذَا خَبَرٌ أنَّ ذلك سَيَكُونُ لِشِدَّةٍ تَنزِلُ بالنَّاسِ من فَسَادِ الحَالِ في الدِّينِ، وضَعِفِهِ، وخَوفِ ذَهابِهِ، لَا لِضَرَرٍ يَنزِلُ بالمؤمن في چِسمِه، انتھی. وقد عَرَفتَ أنَّ رِوايَةَ مسلمٍ من طَرِيقٍ أبي حَازِمِ تَرُدُّه. فَإِن قُلتَ: إِذَا لَم يَكُنْ كَذلك فَمَا الجَمعُ بينه وبين النَّهي عن تَمَنِّي المَوتِ؟ قُلتُ: لَا مُعَارِضَةَ بينهمَا حَتَّى يَحتَاجَ إلى الجَمع؛ لِأَنَّ هَذَا الحديثَ إخبارٌ عن شِدَّةٍ تَحصُلُ يَنشَأ عنها هَذَا الثَّمَنِّي، ولَيسَ فيه الحُكمُ على هَذَا التَّمَنِّ بِشَيءٍ لَا تَحْرِيم(٣) ولا (٢٦٠/٣م) كَرَاهَةٍ وَلَا إِياحَةٍ، فَالحديثُ إِنَّمَا سِيقَ(٤) لِلإخبارِ عَمَّا سَیَقَعُ. وأمَّا حُكُمُ الثَّمَنِّي، فَمَأخُوذٌ من حديثٍ آخَرَ. وجَزَمَ أبو العَباسِ القُرطُبي (٥) بالاحتِمَالِ الأولِ الرَّاجِح، ثُمَّ قال: وكَأَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ إلى أنَّ كثرة(٦) الفِتَنِ، والمَشَقَّاتِ والأنكَادِ (٧) قد أذهَبَت الدِّينَ من أكثَرِ النَّاسِ، أو قلَّتَ(٨) الاعتِنَاءَ به، فَمَن الذي يَتَمَسَّكُ بالدِّينِ عِندَ هُجُومِ الفِتَنِ؟ ولِذلك عَظُمَ قدرُ العِبادَةِ في حَالةٍ الفِتَنِ، حَتَّى قالِ وََّ: ((العِبَادَةُ في الهَرجِ كَهجرَةٍ إليَّ)»(٩). انتهى. (١) إكمال المعلم (٤٥١/٨). (٣) في (م): (بتحريم)). (٥) المفهم (٢٤٥/٧). في (م): ((والأفكار)). (٧) (٩) مسلم (١٣٠/٢٩٤٨). (٢) التمهيد (١٤٦/١٨). (٤) في (ك): ((سبق)). (٦) في (م): ((أكثر)). (٨) في الأصل: ((قلة)). (م): ((قلت)). ٣٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الزَّابِعَةُ: تَبوِيبُ المُصَنِّفِ تَقْتُ على هَذَا الحديثِ يَحتَمِلُ أن يَكُونَ مُوافَقَةً لِابنِ عَبدِ البَرِّ والقَاضِي عِيَاضٍ، في أحد احتِمَاليه: أنَّ سَبَبَ هَذَا التَّمَنِّي مُصِيبَةُ الدِّينِ. وهو حِينَئِذٍ مَرَدُودٌ كَمَا تَقْدمَ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أخَذَ من قَولِه في تِلكَ الرِّوايَةِ التي في مسلم: ((وَلَيسَ به الدِّينُ))، أنَّه لَو كَانَ به الدِّينُ، لَم يَكُن مَذمُومًا . وفيه نَظَرٌ، فَإِنَّه لَيسَ في الحديثِ مَا يَدُلُّ على ذَمِّ ذلك ولَا مَدحِه، وإنَّمَا سِيقَ لِلإخبارِ عن الشَّدَائِدِ التي تَحصُلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، بِحَيثُ يَصِلُ الحَالُ إلى تَمَنِّي المَوتِ بِسَبَبها، وهَذَا النِّزَاعُ إِنَّمَا هو في كيفيةِ الاستِنباطِ من (١) هَذَا الحديث . أمَّا الحُكمُ وهو تَمَنِّي المَوتِ لِمَصلَحَةِ الدِّينِ، فَلَا نِزَاعَ فیه، وقد ذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢) عن أبي [٢٤٩/١و] عَبسِ الغِفَارِيِّ، صَحَابي، وعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ، وسُفَيَانَ الثَّورِيِّ. وقال النَّورِيُّ(٣): لَا كَرَاهَةَ فيه، وقد فَعَلَه خَلَائِقُ من السَّلَفِ عِندَ خَوفِ الفِتْنَةِ في أديَانِهِم (٤). ■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبرِ الرَّجُلِ))، الظَّاهرُ: أنَّ ذِكرَ الرَّجُلِ في المَوضِعَينِ خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ، فَلَا مَفهومَ لَه. فَالمَرأةُ في ذلك كَالرَّجُلِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إِنَّمَا يَحصُلُ هَذَا التَّمَنِّي لِلرِّجَالِ خَاصَّةً، فَإِنَّهم الذِينَ يُبْتَلَونَ بِالشَّدَائِدِ والمِحَنِ، ويَظهَرُ(٥) فيهم ثَمَرَةُ الفِتَنِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهنَّ مَحْجُوباتٌ في الأغْلَبِ لَا يَصلَينَ نَارَ الفِتَنِ، قال الشَّاعِرُ: كُتِبَ القَتلُ والقِتَالُ عَلَینَا وعلى الغَانِيَّاتِ جَرُّ الذُّيُولِ(٦) · السَّادِسَةُ: قد يُفهَمُ من الحديثِ: أنَّ هَذَا التَّمَنِّي لَا يَعرِضُ لِلإِنسَانِ إلَّا في (م): ((في)). (١) (٣) شرح مسلم (٨/١٧). (٢) التمهيد (١٤٨/١٨، ١٤٩). (٤) في (م): ((دينهم)). (٥) في (ك): ((تظهر)). (٦) البيت لعبد الرحمن بن حسن بن ثابت، ينظر: الاستذكار (١٩٢/٢٦)، والتمهيد (١٠٥/١٣)، ونسب لعمر بن أبي ربيعة، ينظر ديوانه: (ص١٧٦)، ط. دار القلم، بيروت. = بابٌ تَمَنِّيه لِمُصِيبَةِ الدِّينِ ٣٧٧ عِندَ رُؤيَةِ القَبرِ، وذلك قد يَدُلُّ على خِفَّةِ هَذَا التَّمَنِّي وعَدَم تَأكُّدِه، فَلَو تَأكَّدَ لَاستَحضَرَه من غَيرِ رُؤْيَةِ القَبرِ. ويَحتَمِلُ أن يُقال: هَذَا أبلَغُ؛ لِأَنَّ الإنسَانَ قد يَتَمَنَّى المَوتَ من غَيرِ استِحِضَارٍ لِهَيئَتِهِ وصُورَتِه، فَإِذَا(١) تَصَورَه وشَاهَدَ المَوتَى وَرَأى القُبورَ، نَفَرَ من هَذَا الأمرِ وأحَبَّ الحَيَاةَ، ولَم يَعُد (٣/ ٢٦١م) لِتَمَنّي(٢) المَوتِ. ولَمَّا كَانَ هذا الرَّجُلُ مُستَمِرًّا على تَمَنِّي المَوتِ مَعَ ذلك، دَلَّ على تَأْكُدِ هَذَا الأمرِ، وقُوتِه عِندَه، إذا لَم يَصرِفِه عنه مَا شَاهَدَ من وحشَةِ القُبورِ، وفي تِلكَ الرِّوايَةِ التي عِندَ مسلمٍ مُبالغَةٌ في ذلك الأمرِ، وهو (٣) أنَّه يَتَمَرَّغُ على القَبرِ، وذلك يَدُلُّ على تَأكُّدٍ تَمَنِّه وَشِدَّةٍ تَعَلُّقِهِ به، واللهُ أعلمُ. (١) بعدها في (م): ((اسْتَحْضَرَهُ و)). (٢) بعدها في (م): ((يتمنى)). (٣) بعدها في (ك): (وهي)). = ٣٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بابٌ لَيسَ من التَّمَنِّي مَحَبَّهُ لِقَاءِ الله عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((قال الله تَبَارَكَ وتعالى: إِذَا أَحَبَّ العَبدُ لِقَائِ أحبَبت لِقَاءَه، وإِذَا كَرِهَ عَبدِي (١) لِقَائِي کرهت لِقَاءه». وعن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((مَن أَحَبَّ لِقَاءَ الله أحَبَّ أَلله لِقَاءَه، ومَن لَم يُحِبَّ لِقَاءَ الله لَم يُحِبَّ الله لِقَاءَه)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأولى: البخاريُّ، والنسائيُّ(٢)، من رِوايَةٍ مَالِكٍ. وأخرَجَه النسائيّ(٣) أيضًا؛ من رِوايَةِ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، كِلَاهمَا عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ. وأخرَجَه (٢٦٢/٣م) مسلمٌ، والنسائيُّ(٤) من رِوايَةِ الشَّعبي، عن شُرَيحِ بنِ هانِئٍ، عن أبي هريرةَ وفيه: فَأَتَيت عائشةَ فَقُلت: يَا أمَّ المُؤمنينَ، سَمِعت أبا هريرةَ يَذكُرُ عن رسولِ اللهِ وَ لَ حديثًا إِن كَانَ كَذلك فَقد هَلَكنَا. فقالت: إِنَّ الهالِكَ مَن هَلَكَ بِقَولِ رسولِ اللهِ وَّهِ. وَمَا ذَاكَ؟ قُلتُ: قال(٥): قال رسولُ اللهِ وٍَّ فَذَكَرَ الحديثَ، ولَيسَ منا أحَدٌ إلَّا وهو يَكرَه المَوتَ؟ فقالت: قد قاله رسولُ اللهِ وَّهِ، وَلَيسَ بالذِي تَذْهَبُ إليه، ولَكِن إِذَا شَخَصَ البَصَرُ، وحَشرَجَ الصَّدرُ، واقشَعَرَّ الجِلدُ، وتَشَنَّجَتِ الأصَابِعُ، فَعِندَ ذلك: مَن (١) في (م): ((العبد)). (٣) النسائي (١٨٣٤). ليس في: (م). (٥) (٢) البخاري (٧٥٠٤)، والنسائي (١٨٣٤). (٤) مسلم (١٧/٢٦٨٤)، والنسائي (١٨٣٣). = ٣٧٩ بابٌ لَيسَ من الثَّمَنِّي مَحَبَّةُ لِقَاءِ الله أَحَبَّ لِقَاءَ الله أحَبَّ الله لِقَاءَه، ومَن كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَه. لَفظُ مسلمٍ. وهو عِندَ مسلم، والنسائيّ(١) من رِوايَةِ الشَّعبي، عن شُرَيحِ بنِ هانِئٍ، عن عائشةَ وفي آخِرِهِ: ((وَالمَوتُ قَبَلَ لِقَاءِ الله)). وأخرَجَه مسلمٌ، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٢)، من رِوايَةِ سَعدِ بنِ هِشَامِ، عن عائشةَ وفيه: فَقُلتُ: يَا نَبي الله: أكَرَاهيَةَ المَوتِ، فَكُلُّنَا نَكرَه(٣) المَوتَ؟ قال: ((لَيسَ كَذلك، ولَكِنَّ المُؤمن إِذَا بُشِّرَ بِرَحمَةِ الله ورِضوانِهِ وجَنَّتِه أحَبَّ لِقَاءَ الله، وأحَبَّ الله لِقَاءَه، وإنَّ الكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ الله وسَخَطِه، كَرِهَ لِقَاءَ الله، وكَرِهَ الله لِقَاءَه)). [٢٤٩/١ظ] لَفِظُ مسلم، وأخرَجَه البخاريُّ تَعلِيقًا (٤). وقول(٥) المُصَنِّفِ كَقْتُهُ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)): وأخرَجَاه من حديثِ عائشةً. يُوهمُ أنَّ البخاريَّ أخرَجَه من حديثِها مُسنَدًا. ولَيسَ کَذلك، وقد ذَكَرَه في ((شَرِحِ الترمذيِّ)» على الصَّوابِ. وهَذِهِ الزِّيَادَةُ هي(٦) في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٧) مُسنَدةً من وجهٍ آخَرَ، من رِوايَةٍ أَنَسٍ بنِ مَالِكِ، عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، فَذَكَرَ الحديثَ، وفيه (٨): قالت عائشةُ أو بَعضُ أزواجِه: إنَّا لَنَكرَه المَوتَ؟ قال: (لَيسَ ذَاكَ، ولَكِنَّ المُؤْمن إذَا حَضَرَه المَوتُ بُشِّرَ بِرِضوانِ الله وكَرَامَتِهِ، (٢٦٣/٣م) فَلَيسَ شَيءٌ أَحَبَّ إليه مِمَّا أمَامَه، فَأَحَبَّ لِقَاءَ الله وأحَبَّ الله لِقَاءَه. وإنَّ الكَافِرَ إِذَا خُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابٍ الله وعُقُوبَتِهِ، فَلَيسَ شَيءٌ أكرَهَ إليه مِمَّا أمَامَه؛ كَرِهَ لِقَاءَ الله وكَرِهَ الله لِقَاءَه)). وأخرَجَ مسلمٌ (٩) الحديثَ من هَذَا الوجه، بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَةِ، وقد ورَدَ هَذَا (١) مسلم (١٦/٢٦٨٤)، ولم أجد هذه الرواية عند النسائي، وينظر: تحفة الأشراف (٤٢٠/١١). (٢) مسلم (١٥/٢٦٨٤)، والترمذي (١٠٦٧)، والنسائي (١٨٣٧)، وابن ماجه (٤٢٦٤). (٣) في (ك): ((يكره)). (٤) البخاري عقب (٦٥٠٧). في (م): ((ولفظ)). (٥) (٦) ليس في: (م). البخاري (٦٥٠٧). (٧) (٩) مسلم (١٤/٢٦٨٣). (٨) ليس في: الأصل. ٣٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ التَّفْسِيرُ من حديثٍ أبي هريرةَ أيضًا، رَواه ابنُ أبي شَيبَةَ(١) من رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ عَمرو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، فَذَكَرَ الحديثَ وفيه: قيل: يا رسولَ الله، مَا منا أحَدٌ إلَّا وهو يَكرَه المَوتَ ويَقطَّعُ به؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((إذَا كَانَ ذلك ◌ُشِفَ لَه)). ■ الثَّانِيَةُ: قال العُلَمَاءُ: مَعنَى هَذَا الحديثِ عِندَ الاحتِضَارِ والمُعَايَنَةِ، فَحِينَئِذٍ يُكشَفُ الغِطَاءُ، فَأَهلُ السَّعَادَةِ يُبَشَّرُونَ بِمَا أعَدَّه اللهُ لهم وأرَادَه فيهم. وهو مَعنَى مَحَبَّتِه لِقَاءَهم، فَيَغتَبِطُونَ ويُسَرُّونَ بِذلك، ويُحِبونَ المَوتَ لِتَحصِيلِ تِلكَ الكَرَامَةِ، وأهلُ الشَّقَاءِ(٢) كُشِفَ لَهم عن حَالِهم، فَكَرِهوا الوُرُودَ على رَبهم، لَمَّا تَيَقَّنُوا من تَعذِيبه لَهم، والله تعالى قد أبعَدَهم عنه وأرَادَ بهم العَذَابَ، وهو مَعنَى كراهته لِقَاءَهم. فَ(مَن)) هَا خَبَرِيَّةٌ غَيرُ شَرِطِيَّةٍ، ولَيسَ مَعنَى الحديثِ: أنَّ سَبَبَ حُبِّ الله لِقَاءَ هَؤُلَاءِ حُبُّهم ذلك، ولَا أنَّ سَبَبَ كَرَاهَةِ الله لِقَاءَ هَؤُلَاءِ كَرَاهَتُهم ذلك، ولَكِنَّه صِفَةُ حَالٍ هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ فِي أَنفُسِهم، وعِندَ رَبهم، كَأنَّه قال: مَن أحَبَّ لِقَاءَ الله، فَهو الذِي أحَبَّ الله لِقَاءَه، ومَن كَرِهَ لِقَاءَ الله، فَهو الذِي كَرِهَ الله لِقَاءَه، فَيُستَدَلُّ باستِشَارِ المُحتَضَرِ بَعدَ المُعَايَنَةِ على الخَيرِ(٣) وبانكِمَاشِه بَعدَها على الشَّرِّ، وقد فَسَّرَت عائشةُ رَّ الحديثَ بِذلك، ورَوته عن النبيِّ وَّهِ، فَوجَبَ الرُّجُوعُ إليه. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤) بَعدَ نَقْلِه هَذَا المَعنَى عن أهلِ العِلم: وقال أبو عُيَيد(٥): (١) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (٣١/١٨) من طريق ابن أبي شيبة به، وأخرجه أحمد (٢/ ٤٥١) من طريق محمد بن عمرو به. (٢) في (ك، م): ((الشقاوة)). في (ك): ((الخبر)). ومفاد هذا القول الذي قرره المصنف هنا: القول بأزلية الصفات، (٣) دون تفريق بين صفات الذات وصفات الأفعال التي تدخلها المشيئة والإرادة، وهو مخالف لمذهب السلف. ينظر: مجموع الفتاوى (٢٥٨/٦)، ودرء تعارض العقل والنقل (٢٠/٢ - ١١٥)، ورسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل (٥٦/٢)، تحقيق د. محمد رشاد سالم. (٤) التمهيد (٢٥/١٨). (٥) في (م): ((عبيدة)). والصواب المثبت. قاله في غريب الحديث (١/٣).