النص المفهرس
صفحات 321-340
3 ٣٢١ = بابُ النهيِ عن الصَّلَاةِ في الحَرِيرِ وحَكَاه النووِيُّ(١) عن المُحَقِّقِينَ ومُتَقِي العَرَبِيةِ، ولَه تَوجِيهانٍ: أحَدُهما: أنَّه من إضَافَةِ الشَّيءٍ إلى صِفَتِه، كَقَولِهم: ثَوبُ خَزٍّ، ذَكَرَه القُرطُبي (٢). والثَّانِي: أنَّ سِيبَويه قال: لَم يَأْتِ فِعَلَاءُ صِفَةً لَكِن اسمًا، وهو الحَرِيرُ الصَّافي؛ فَمَعنَاه حُلَّةُ حَرِيرٍ. ذَكَرَه القَاضِي عِيَاضٌ(٣) وغَيْرُه، وحُكِيَ عن الخَلِيلِ بنِ أحمَدَ (٢٢٥/٣م) أنَّه قال: لَيسَ في الكَلَامِ فِعَلَاءُ بِالكَسرِ مَمْدُودُ الآخِرِ إلا حَولَاءُ؛ أي (٤): وهو الماءُ الذي يَخرُجُ على رَأسِ الوَلَدِ، وعِنَباءُ(٥)؛ أي: لُغَةٌ في العِنَبِ، وسِیَرَاءُ. الخَامِسَةُ: إن فَسَّرْنَا السِّيَرَاءَ بِأَنَّها الحَرِيرُ المَحضُ. وهو الذي تَقَدَّمَ أنَّ ابنَ عَبدِ البَرِّ حَكَاه عن أهلِ العِلمِ، واحتَجَّ لَه بِمَا رَواه من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن ابنِ عُمَرَ لِهَذَا الحديثِ، وفيه: حُلَّةٌ من حَرِيرٍ. وقال النووِيُّ(٦): إِنَّه الصَّحِيحُ الذي يَتَعَيَّنُ القَولُ به جَمعًا بَيْنَ الرِّوايَاتِ لِما في (صَحِيحٍ مسلم) في هَذَا الحديثِ: حُلَّةٌ من إستَبَرَقٍ. وفي رِوايَةٍ أُخرَى لَه: من ديباجٍ أو حَرِيرٍ. وَفي أُخرَى: حُلَّةُ سُندُسٍ. قال: فَهَذِه الألفاظُ تُبَيِّنُ أنَّ هَذِهِ الحُلَّةَ كَانَت حَرِیرًا مَحضًا. فَفيه دَلِيلٌ على تَحرِيمِ لُبسِ الحَرِيرِ على الرِّجَالِ، وإباحَتِهِ لِلنِّسَاءِ لِقَولِه في بَعضٍ طُرُقِه في ((صَحِيحِ مسلمٍ)) لِأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ: ((ولَكِنِّي بَعَثت بها تُشَقِّقُها خُمُرًّا(٧) بَيْنَ نِسَائِك)»(٨)، وهو مُجمَعٌ عَليه اليَومَ كَما تَقَدَّمَ تَقرِيرُه في الحديثِ الذي قَبلَه. السَّادِسَةُ: وإن قُلنَا: إنَّها الثَّوبُ الذي يُخَالِطُه حَرِيرٌ كَالسُّيُورِ، فَاسْتَدَلَّ به مَن ذَهَبَ إلى تَحرِيمِ الخَزِّ وغَيرِهِ من المُحَرَّرَاتِ المُشتَمِلَةِ على الحَرِيرِ وغَيرِهِ، (١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٧). (٣) إكمال المعلم (٥٦٩/٦). (٥) في (ك): ((عِنّبًا)). (٧) في (م): ((خمر)). (٢) المفهم (٣٨٦/٥). (٤) ليس في: الأصل. (٦) شرح مسلم (٣٨/١٤). (٨) مسلم (٧/٢٠٦٨). = ٣٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقَد اختَلَفَ العُلَماءُ فِي هَذِهِ المَسألَةِ، فَتَقَدَّمَ في الحديثِ الماضِي أنَّ المُرَجَّحَ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ الجَوازُ فيما إذَا كَانَ غَيرُ (١) الحَرِيرِ أكثَرَ وزنًا أو استَويًا، وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ: إنَّ الحُكمَ لِلأغلَبِ منهما، وعِندَهم فيما إذَا استَويَا وجهانٍ. قال ابنُ عَقِيلٍ: والأشبَه التَّحرِيمُ. انتَهَى(٢). ولَا يُستَدَلُّ بهذَا الحديثِ على التَّحْرِيمِ في حَالَتَي الاستواءِ أو نَقْصِ الحَرِیرِ؛ لِاحتِمالِ كُونٍ حَرِيرِها کَانَ أكثَرَ، وهَذِهَ واقِعَةُ عَينٍ(٣) مُحتَمِلَةٌ، فَسَقَطَ بها الاستدلال، هَذَا إن لَم نُفَسِّرِ السِّيَرَاءَ بِالحَرِيرِ المَحضِ، [٢٣٨/١ظ] والله أعلمُ. قال ابنُ قُدَامَةَ(٤): ولا بأسَ بِلُبسِ الخَزِّ. نَصَّ عليه أحمَدُ، وقَد رُوِيَ عن عِمرَانَ بنِ الحُصَيْنِ، والحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، وأنَسٍ بنِ مالِكِ، وأبي هرَيرَةَ، وابنِ عَباسٍ، وأبي قَتَادَةً، وقَيسٍ، وعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَنَفيةِ، وعَبدِ الله بنِ الحَارِثِ بنِ أبي رَبِيعَةَ، وغَيلَانَ بنِ جَرِيرٍ(٥)، وشِبلٍ(٦) بنِ عَوفٍ، وشُرَيح أنَّهم لَبِسُوا الخَزَّ، وقال عَمارُ بنُ أبي عَمارٍ: أتَت(٧) مَروانَ مَطَارِفُ من خَزِّ، فَكَسَاها أصحَابَ رسولِ اللهِّهِ، فَكَسَا أبا هرَيْرَةَ مِظْرَفًا من خَزِّ أغبَرَ، فَكَانَ يُثْنِيه(٨) من سَعَتِهِ، وكَسَت عَائِشَةُ (٢٢٦/٣م) عَبدَ الله ابنَ الزُّبَيرِ مُطرَفًا من خَزِّ كَانَت تَلَبَسُه. رَواه مالِكٌ في ((المُوطَّ)(٩). وعن عَبدِ الله بنِ سَعدٍ، عن أبيه سَعدٍ قال: رَأيت رَجُلًا بِبُخَارَى على بَغْلَةٍ بَيَضَاءَ، عليه عِمامَةُ خَزِّ سَودَاءُ، فقال: كَسَانِيها رسولُ اللهِ وَلَّ، رواه أبو داودَ (١٠). انتَھَی . وقال مالِكٌ: أكرَه لُبسَ الخَزِّ؛ لِأَنَّ سَدَاهُ(١١) حَرِيرٌ. رَواه عنه ابنُ وهبٍ، ليس في: الأصل. (١) (٣) في (ك): ((غير)). (٢) ينظر: المغني (٣٠٧/٢، ٣٠٨). (٤) المغني (٣٠٩/٢). (٥) غير منقوطة في: (ك). في المغني: ((شبيل)). وكلاهما صواب. ينظر: تهذيب الكمال (٣٧٥/١٢). (٦) في الأصل: ((رأيت)). (٧) (٩) الموطأ (٩١٢/٢). (١١) في (ك): ((سداؤه)). (٨) في الأصل: (يتنيه)). (١٠) أبو داود (٤٠٣٨). ٣٢٣ بابُ النهيِ عن الصَّلَاةِ في الحَرِيرِ وابنُ القَاسِمِ(١)، وقال في رِوايَةٍ ابنِ القَاسِم أيضًا: كَانَ رَبِيعَةُ يَلْبَسُ القَلَنسُوةَ بِطَانَتُها وظِهارَتُها خَزٍّ، وكَانَ إمامًا. قال القَاضِي عِيَاضٌ: ويُذكَرُ عن مالِكِ جَوازُه. قال القَاضِي عَبدُ الوهابِ: يَجُوزُ لُبسُه، وكَرِهَه مالِكٌ لِأجلِ السَّرَفِ. وقال الحَنَفيةُ: لَا بأسَ بِلُبسٍ ما سَدَاه حَرِيرٌ، ولُحمَتُه غَيرُ حَرِيرٍ ومنه الخَزُّ، وأما العَكسُ، وهو ما لُحمَتُه حَرِيرٌ وسَدَاه غَيرُ حَرِيرٍ فَهو مَكرُوهٌ، والكَرَاهَةُ إلى التحريم(٢) أقرَبُ كَما قاله أبو حَنِيفَةَ، وأبو يُوسُفَ، وقال مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ: كُلُّ مَكَرُوهٍ حَرَامٌ، وإنَّما لَم يُطلَق عليه حَرَامٌ لِعَدَمِ وُجُودِ النصِ القَاطِعِ فيه. وحُكِيَ عن مُحَمَّدٍ بنِ الحَسَنِ أنَّه قال: لا بأسَ بِلُبسِ الخَزِّ ما لَم تَكُن(٣) فيه شُهِرَةٌ، فَإِن كَانَت فيه شُهرَةٌ فَلَا خَيرَ فيه(٤). واعلَم أنَّ النووِيَّ(٥) من أصحَابِنَا قال: إنَّ السَّدَى هو المُستَتِرُ، واللُّحمَة هيَ التِي تُشَاهَدُ. وقال ابنُ الرِّفعَةِ: الذي نَعرِفُه العَكسُ. ■ السَّابِعَةُ: فيه جَوازُ بَيعِ الحَرِيرِ، وإِن كَانَ مُحَرَّمًا على الرِّجَالِ لِؤُجُودٍ المَنفَعَةِ فيه، وهو استِعمالُ النِّسَاءِ لَه، وقَد بيعَ في زَمَنِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ عِندَ بابِ المَسجِدِ، وعَرَضَ عليه عُمَرُ بَظُهِ شِرَاءَه وأقَرَّه، وقال لِعُمَرَ رَُّهُ فِي جُبَّةٍ دِيباجٍ: [تَبيعُها وتُصِيبُ](٦) بها بَعضَ حَاجَتِك(٧)، وهَذَا مُجمَعٌ عَلَيه. ■ الثَّامنةُ: وفيه تَذْكِيرُ المَفضُولِ الفَاضِلَ بِما يَحتَاجُ إِلَيه من أمرِ دِينِه، ودُنيَاه إِذَا ذَهلَ عنه أو لَم يُعرَف به. ■ التَّاسِعَةُ: وفيه أنَّ المُستَحَبَّ الثَّجَمُّلُ يَومَ الجُمُعَةِ بِالمَلَابِسِ الحَسَنَةِ؛ ◌ِكَونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أقَرَّ عُمَرَ على ذلك، وإنَّما أنكَرَ استِعمالَ السِّيَرَاءِ وما في مَعنَاه. وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، و((ابنِ ماجَه)) عن عَبدِ الله بنِ سَلَامٍ مَرفُوعًا: ((ما (١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/٨) عن مالك من هذا الوجه. (٢) في (ك، م): ((الحرام)). (٣) في (ك): ((يكن)). ينظر: التمهيد (٢٥٥/١٤، ٢٥٦). (٤) (٦) في (ك): ((يبيعها ويصيب)). (٥) تحرير ألفاظ التنبيه (ص١٨٩). (٧) البخاري (٩٤٨)، ومسلم (١٠/٢٠٦٩). = ٣٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ على أحدكُم لَو اشتَرَى ثَوبَينٍ لِيَومِ الجُمُعَةِ سِوى ثَوبَي مَهِنَتِهِ؟)) (١)، وتَقَدَّمَ أنَّ في ((الصَّحِيحَينِ)) من حديثٍ سالم، عن أبيه: (لِلِعِيدِ)) بَدَلُ ((الجُمُعَةِ)) والقِصَّةُ واحِدَةٌ، وذلك يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ الأَمْرَينِ. وقال العُلَماءُ: يُستَحَبُّ التَّجَمُّلُ فِي سَائِرِ مَجَامِعِ الخَيرِ إلا ما يَنبَغِي فيه إظهارُ التَّمَسكُنِ والتَّواضُعِ والخَوفِ، كَالاِ ستِقَاءِ والكُسُوفِ. ■ العَاشِرَةُ: (٢٢٧/٣م) وفيه استِحبابُ التَّجَمُّلِ لِوُرُودِ الوُفُودِ، لِما في ذلك من تَعِظِيمِ أمرِ الإسلامِ وإرهابِ العَدُوِّ. الحَادِيَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((لَا خَلَاقَ لَه))، بِفَتح الخَاءِ المُعجَمَةِ؛ أي: لَا نَصِيبَ لَه، وقِيلَ: لَا حُرمَةَ لَه، وقِيلَ: لَا دِينَ لَه. قال النووِيُّ(٢): فَعلى الأولِ يَكُونُ مَحمُولًا على الكُفَّارِ، وعلى القَولَينِ الآخَرَينِ يَتَنَاولُ المسلمَ والكَافِرَ. ■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: ((عُطَارِهُ)): هو ابنُ حَاجِبٍ بِنِ زُرَارَةَ بنِ عَدسِ التَّمِيمِيُّ، كَانَ سَيِّدَ قَومِه وزَعِيمَهم، وفَدَ على النبيِ نَّهَ مَعَ الزُّبِرِقَانِ بنِ بَدرٍ والأقرَعِ بنِ حَابِسٍ، وغَيرِهما سَنَّةَ تِسعٍ، وقِيلَ: سَنَةَ عَشرٍ، والأولُ أصَحُ. ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: فيه أنَّه يَجُوزُ أن يُوهبَ لِلرَّجُلِ ما لَا يَجُوزُ لَه لُبسُه، فَإِنَّه لَا يَتَعَيَّنُ في الانتِفَاعِ [٢٣٩/١و] بِالمَوهوبِ اللُّسُ. ■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((فَكَسَاها عُمَرُ أخّا لَه مُشرِكًا بِمَكَّةَ)) هو أخُوه لِأُمِّه، كَما هو مُصَرَّحٌ به في ((مُسنَدِ أبِي عَوانَةَ))(٣) الإسفَراينِيّ(٤)، واسمُه عُثمانُ بنُ حَكِيمِ بنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيُّ، كَمَا حَكَاه ابنُ بَشكُوالَ في «المُبهَماتٍ)»(٥)، عن ابنِ(٦) الحَذَّاءِ(٧) في (١) أبو داود (١٠٧٨)، ابن ماجه (١٠٩٥). (٢) شرح النووي على مسلم (٣٨/١٤). (٣) مسند أبي عوانة (٨٤٨٩). (٤) في (م): ((الاسفراييني)). غوامض الأسماء المبهمة (١٨٠/١). (٥) (٦) في الأصل: ((أبي)). وهو خطأ. (٧) في الأصل، (ك): ((الحداء)). والمثبت أشهر، وهو العلامة المحدث أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أحمد التميمي القرطبي المالكي، الحذاء بالذال المعجمة، ويقال بالمهملة أيضًا، توفي في رمضان سنة (٤١٦ هـ). ينظر: ترتيب المدارك (٧٣٣/٤)، السير (٤٤٤/١٧). بابُ النهي عن الصَّلَّاَةِ في الحَرِيرِ ٣٢٥ = ((التَّعْرِيفِ))(١). وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ(٢): أرسَلَ(٣) بها عُمَرَ إلى أخ لَه من أهلِ مَكَّةَ قَبلَ أن يُسلِمَ. قال النووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٤): فَهَذَا يَدُلُّ على أنَّه أسلَمَ بَعدَ ذلك. قُلتُ: لَم أرَ أحَدًا مِمَّن صَنَّفَ في الصَّحَابَةِ ذَكَرَه فيهم، وذلك يدل على أنَّه لم يُسلِم. ■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: فيه صِلَةُ الأقَارِبِ الكُفَّارِ والإحسَانُ إِلَيهم، وجَوازٌ الإهدَاءِ لِلكَافِرِ ولَو كَانَ حَربِيًّا، فَإِنَّ مَكَّةَ لَم يَبقَ فيها بَعدَ الفَتحِ مُشرٌِ، وكَانَت قَبلَ ذلك حَربًا، ذَكَرَه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥) . وفيه نَظَرٌ، فَإِنَّ وُفُودَ عُطَارِدَ إِنَّمَا كَانَ بَعدَ الفَتح في التَّاسِعَةِ أو العَاشِرَةِ كَما تَقَدَّمَ، وكَانَ إرسَالُ هَذِهِ الهَدِيَّةِ بَعدَ وُفُودِهِ. ■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: استَدَلَّ به على أنَّه كَانَ من المُقَرَّرِ عِندَ عُمَرَ نَظُهُ أنَّ الكُفَّارَ غَيرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وإلا لَم يَكُن بَيْنَه وبَيْنَ ذلك المُشرِكِ فَرِقٌ في تَحْرِيمِ لُبُسِ الحَرِيرِ على كُلٍّ منهما. قال النووِيُّ(٦): (٧ وهَذَا وهَم٧ّ) باطِلٌ؛ لِأَنَّ الحديثَ إنَّما فيه الهَدِيَّةُ إلى كَافِرٍ، ولَيسَ فيه الإذنُ لَه في لُبسِها، وقَد بَعَثَ النبيِ نَّهِ ذلك إلى عُمَرَ وعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ ، ولَم يَلزَم منه إياحَةُ لُبسِها لَهم، بَل صَرَّحَ وَهَ بِأَنَّه إنَّما أعطَاه [بنِ زَيْدٍ](٨) لِيَنتَفِعَ بها بِغَيرِ اللَّبسِ، والمَذهَبُ الصَّحِيحُ الذي عليه المُحَقِّقُونَ والأكْثَرُونَ: أنَّ الكُفَّارَ مُخَاطَبونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَيَحْرُمُ عَلَيهِم الحَرِيرُ كَما يَحْرُمُ على المسلمِينَ. قُلتُ: قَد يُقَالُ: إهدَاءُ الحَرِيرِ لِلمسلمِ لَا يَلزَمُ منه لُبسُه لَه لِما عِندَه من (٢٢٨/٣م) الوازع الشَّرعِيِّ بِخِلَافِ الكَافِرِ، فَإِنَّ كُفرَه يَحمِلُه على لُبسِه، فَلَيْسَ عِندَه (١) اسمه: التعريف بمن ذكر في موطأ مالك بن أنس من الرجال والنساء. (٢) البخاري (٢٦١٩). (٣) ليس في الأصل. (٤) شرح صحيح مسلم (٢٠٥/٨). (٦) شرح النووي على مسلم (٣٩/١٤). ليس في: (ك). (٨) (٥) التمهيد (١٤/ ٢٦٢). (٧ - ٧) في الأصل: ((وهو). = ٣٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ من اعتِقَادِ تَحرِيمِه ما يَكُفُّه عن ذلك، فَلَولَا إباحَةُ لُبسِه لَه، لَما أُعِينَ على تِلكَ المَعصِيَةِ بِإِهِدَائِه لَه، ويَنبَغِي أن يُقال فيما إذَا كَانَ المسلمُ فَاسِقًا مُتَهاوِنًا بِأمرِ الدِّينِ يَعتَادُ لُبسَ الحَرِيرِ، بِحَيثُ يَلزَمُ من إهدَائِه لَه لُبسُه بِحَسَبِ العَادَةِ: يَحرُمُ إهدَاؤُه لَه، لِما في ذلك من إعَانَتِهِ على المَعصِيَةِ، كَما رَجَّعَ النووِيُّ من أصحَابِنَا فِي بَيْعٍ العَصِيرِ مِمَّن يَتَّخِذُه خَمرًا إذَا تَحَقَّقَ ذلك أنَّه يَحرُمُ(١)، وإن كَانَ الأكثَرُونَ على خِلَافِهِ، أما إذَا لَم يَتَحَقَّق ذلك ولَكِن غَلَبَ، كُرِهَ فَقَط. الحديثُ الثَّالِثُ عن عَلِيٍّ قال: نُهيَ عن مَيَائِرِ الأُرْجُوانِ، ولُبسِ القَسِّيِّ، وخَاتَم الذَّهَبِ. قال مُحَمَّدٌ: فَذَكَرَت لِأَخِي يَحيَى بنِ سِيرِينَ، فقال: أو لَم تَسمَع (٢) هَذَا؟ نَعَم، وكَفَافُ الدِّيباجِ. رَواه أبو داودَ، وصَرَّحَ مسلمٌ بِرَفعِه، دُونَ ذِکرِ المَيَائِرِ، ولِلشَّيخَينِ نَحوُه من حديثِ الْبَرَاءِ. فيه فوائدُ: ■ الأُولى: رواه أبو داودَ، والنسائيُّ(٣)، من طَرِيقِ هشَامٍ عن مُحَمَّدٍ، عن (٤) عَبِيدَةَ، عن عَلِيٍّ، إلا أنَّ أبا داودَ اقتَصَرَ على الجُملَةِ الأُولى. فَلَو عَزَاه المُصَنِّفُ تَخْتُهُ لِلنسائِيِّ لَكَانَ أولى، لِكَونِه أخرَجَه بِتَمامِه من هَذَا الوجه، ورَواه النسائيّ(٥) من رِوايَةِ أشعَثَ، عن مُحَمَّدٍ، عن عَبِيدَةَ، عن عَلِيٍّ، قال: نَهانِي النبيِ نَّهَ عن القَسِّيِّ (٢٢٩/٣م) والحَرِيرِ، وخَاتَمِ الذَّهَبِ، وأن أقرَأ رَاكِعًا. وقَد تَقَرَّرَ في عِلمَي الحديثِ والأُصُولِ: أنَّ قَولَ الصَّحَابي: ((نُهيَ)) مَحمُولٌ (١) في الأصل: ((تحرم)). (٢) في الأصل: ((تستمع)). والمثبت موافق للتخريج. (٣) أبو داود (٤٠٥٠)، والنسائي (٥١٩٩). (٤) في الأصل: ((بن)). (٥) النسائي (٥١٩٨). = كحر ٣٢٧ بابُ النهيِ عن الصَّلَاةِ في الحَرِيرِ على نَهي النبي ◌َّر على الصَّحِيحِ، وتَأَكَّدَ ذلك بِالتَّصرِيحِ بِرَفعِه في رِوايَةِ أُخرَى. وأخرَجَه أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةِ))، وابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِه)(١) من طَرِيقٍ هَبَيْرَةَ ابنِ يَرِيمَ، عن عَلِيٍّ قال: نَهانِي رسولُ اللهَ وَّهِ عن خَاتَمِ الذَّهَبِ وعن لُبسٍ القَسِّيِّ، والمِيثَرَةِ الحَمَرَاءِ، لَفظُ أبي دَاوُد. وقال التِّرمِذي: نَهَى رسولُ الله ◌ِهِ، ولَم يُقَيِّد المِيثَرَةَ بِكَونِها حَمَرَاءَ، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفي ((صَحِيحٍ مسلم))(٢)، وغَيرِه من طَرِيقِ إبرَاهيمَ بنِ عَبدِ الله بنِ حُنَينٍ، عن أبيه، عن عَلِيٍّ: أنَّ رسوَّلَ الله وَّهُ نَهَى عن لُبسِ القِسِّيِّ والمُعَصفَرِ، وعن تَخْتِم الذَّهَبِ، وعن قِرَاءَةِ القُرآنِ في الرُّكُوعِ. ومن طَرِيقِ عَاصِمٍ بنِ كُلَيبٍ(٣)، عن أبي [٢٣٩/١ظ] بُردَةَ، عن عَلِيٍّ قال: نَهانِ؛ يَعنِي: النبيِ نَّ أن أجعَلَ خَاتَمِي في هَذِهِ أو التِي تَلِيها، لَم يَدرِ عَاصِمٌ في أيِّ الثِّنْتَينِ، ونَهانِي عن لُبسِ القَسِّيِّ، وعن جُلوسٍ على المَيَائِرِ. قال: فَأْمَا القَسِّيُّ فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤتَى بها من مِصرَ والشَّام فيها شَبَه كَذَا . وأما المَيَائِرُ: فَشَيءٌ كَانَت تَجعَلُه النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ على الرَّحلِ كَالقَطَائِفِ الأُرجُوانِ . واقتَصَرَ البخاريُّ(٤) على المَوقُوفِ منه تَعلِيقًا فقال: وقال عَاصِمٌ، عن أبي بُردَةً قال: قُلتُ لِعَلِيٍّ: ما القَسِّيَّةُ؟ قال: ثِيَابٌ أتَتنَا من الشَّام، أو من مِصرَ مُضَلَّعَةٌ فيها حَرِيرٌ أمثَالُ الأُترُجِّ. وفي بَعضٍ نُسَخِه: وفيها أَمثَالُ الأُتْرُجِّ، والمِيثَرَةُ: كَانَت النِّسَاءُ تَصنَعُه لِيُعُولَتِهِنَّ مِثلُ القَطَائِفِ. وقال جَرِيرٌ، عن يَزِيدَ في حديثِهِ: القَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُجَاءُ بها من مِصرَ فيها الحَرِيرُ والمِيثَرَةُ جُلودُ السِّباعِ. (١) أبو داود (٤٠٥١)، الترمذي (٢٨٠٨)، والنسائي (٥١٨٠)، ابن ماجه (٣٦٥٤)، وابن حبان (٥٤٣٨). (٢) مسلم (٢٩/٢٠٧٨). (٤) البخاري تعليقًا على الحديث (٥٨٣٨). (٣) مسلم (٦٤/٢٠٧٨). = ٣٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال البخاريُّ: عَاصِمٌ أصَحُّ وأكثَرُ في المِيثَرَةِ؛ أي: ما رَواه عَاصِمٌ في تَفْسِيرِ المِيثَرَةِ أصَحُ(١)، ويَشهَدُ لِهَذَا الحديثِ ما في ((الصَّحِيحَينِ))(٢) عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﴿هَا قال: أمَرَنَا رسولُ اللهِ وَّهَ بِسَبعٍ ونَهانَا عن سَبعٍ، الحديثَ. وفيه: ونَهانًا عن خَواتِيمَ، أو عن تَخَتُم بِالذَّهَبِ، وعن شُربٍ بِالفِضَّةِ، وعن المَيَائِر، وعن القَسِّيِّ، وعن لُبسِ الحَرِيرِ، والإستَبرَقِ والدِّيباجِ. وفي رِوايَةٍ لِلبُخَارِيِّ: المَيَاثِرُ الحُمرُ. ■ الثَّانِيَةُ: المَيَائِرُ: بِفَتْحِ المِيمِ، وبِاليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ، وبَعدَ الألفِ ثَاءٌ مُثَنَةٌ مَكسُورَةٌ، ثُمَّ رَاءٌ مُهمَلَةٌ، جَمِعُ مِيثَرَةٍ بِكَسرِ المِيمِ، وإسكَانِ اليَاءِ غَيرِ مَهُمُوزٍ، وفَتح الثَّاءِ المُثَلَّثَةِ، وتَقَدَّمَ من ((الصَّحِيحَينِ)) عن عَلِيٍّ ◌َُّه: أنَّه شَيءٌ كَانَت النِّسَاءُ تَصنَعُه لِبُعُولَتِهِنَّ؛ أي: (٢٣٠/٣م) أزواجِهِنَّ مِثْلُ القَطَائِفِ، وهيَ جَمِعُ قَطِيفَةٍ: دِئَارُ مُحمَلٍ يَضَعُونَه فَوقَ الرِّحَالِ، وقال في ((الصِّحَاحِ)) (٣): مِيثَرَةُ الفَرَسِ لُبدَتُه غَيرُ مَهِمُوزٍ، والجَمعُ مَيَائِرُ ومَوائِرُ. قال أبو عُبَيدٍ(٤): وأما المَيَاثِرُ الحُمرُ التِي جَاءَ فيها النهيُ فَإِنَّها كَانَت من مَرَاكِبِ الأَعَاجِمِ من دِيباجٍ أو حَرِيرٍ، وحَكَى القَاضِي في ((المَشَارِقِ))(٥): قَولًا أنَّها سُرُوجٌ تُتَّخَذُ من الدِّيباجِ، وقَولًا آخَرَ أنَّها أغشِيَةُ السُّرُوجِ من الحَرِيرِ، وقَولًا آخَرَ أنَّها شَيءٌ يُحشَى رِيشًا أو قُطنًا يَجعَلُه الرَّاكِبُ تَحتَه فَوقَ الرَّحلِ، وهَذَا قَرِيبٌ من المَحِكِيِّ أولاً عن عَلِيِّ ◌َّهِ، إلا أنَّه لَيسَ فِي ذَاكَ أنَّه مَحشُوٌّ بِشَيءٍ، وفي هَذَا أنَّه مَحْشُؤٌ، وهيَ مأخُوذَةٌ من الوثَارَةِ، يُقَالُ: وثُرَ بِضَمِّ الثَّاءِ وثَارَةً بِفَتحِ الواوِ فَهو وثِيرٌ؛ أي: وطِيءٌ لَيِّنٌ، وأصلُها مَوثُورَةٌ فَقُلِبَت الواوُ يَاءَ لِلكِسرَةِ قَبلَها كَما في مِيزَانٍ ومِيقَاتٍ ومِيعَادٍ من الوزنِ والوقتِ والوعدِ، وأصلُه: مِوزَانٌ، ومِوقَاتٌ، ومِوعَادٌ، وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٦) عن يَزِيدَ، وهو ابنُ رُومانَ،: أنَّ المُرَادَ بِالمِيثَرَةِ جُلودُ السِّباعِ، وتَقَدَّمَ أنَّ الْبُخَارِيَّ جَعَلَه قَولَا مَرَجُوحًا . (١) ليس في: الأصل. (٣) الصحاح (٥٧٥/٢). (٥) مشارق الأنوار (٢٧٩/٢). (٢) البخاري (١٢٣٩)، ومسلم (٢٠٦٦). (٤) غريب الحديث (٢٢٨/١). (٦) البخاري تعليقًا على (٥٨٣٨). = ٣٢٩ بابُ النهيِ عن الصَّلَاةِ في الحَرِيرِ وقال القَاضِي عِيَاضٌ(١): وهَذَا عِندِي وهمٌّ. وقال النووِيُّ(٢): وهَذَا قَولٌ باطِلٌ مُخَالِفٌ لِلمَشهورِ الذي أطبَقَ عليه أهلُ اللُّغَةِ والحديثِ وسَائِرُ العُلَماءِ، والله أعلَمُ. ■ الثَّالِثَةُ: الأُرجُوانُ: بِضَمِّ الهَمِزَةِ وإسكَانِ الرَّاءِ المُهمَلَةِ وضَمِّ الجِيمِ. قال النووِيُّ(٣): هَذَا هو الصَّوابُ المَعرُوفُ في رِوايَاتِ الحديثِ. وفي كُتُبِ الغَرِيبِ(٤) واللُّغَةِ وغيرِها، وكَذَا(٥) صَرَّحَ به القَاضِي في ((المَشَارِقِ))، وفي شَرِحِ القَاضِي عِيَاضٍٍ(٦) في مَوضِعَينٍ منه: أنَّه بِفَتْحِ الهَمزَةِ. وهَذَا غَلَطٌ ظَاهرٌ من النُّسَّاخِ لَا من القَاضِي، فَإِنَّه صَرَّحَ في ((المَشَارِقِ)) بِضَمِّ الهَمزَةِ. قُلتُ: وتَبِعَه القُرطُبي في ((شَرحِ مسلم)) (٧): فَصَرَّحَ بِأنَّ الأرجُوانَ بِفَتح الهَمزَةِ، والصَّوابُ ما تَقَدَّمَ، وحَكَى النووِيُّ(٨) عن أهلِ اللَّغَةِ وغَيرِهم: أنَّه صِبغٌ أحمَرُ شَدِيدُ الحُمرَةِ. قال: كَذَا قاله أبو عُبَيْدٍ والجُمهورُ. انتَهَى. وصَدَّرَ في ((المَشَارِقٍ)) كَلَامَه: بِأَنَّه الصُّوفُ الأحمَرُ. ثُمَّ قال: وقال الفَرَّاءُ الحُمرَةُ، وقال أبو عُبَيدٍ: الشَّدِيدُ الحُمرَةُ، وقال في ((الصِّحَاح)) (٩) بَعدَ أن ذَكَرَ أَنَّه صِبِغٌ أحمَرُ شَدِيدُ الحُمرَةِ: وهو شَجَرٌ لَه نَورٌ أحمَرُ أحسَنُ ما يَكُونُ، وكُلُّ لَوٍ يُشبهه فَهو أُرِجُوانُ. قال: ويُقَالُ هو مُعَرَّبٌ، وهو بِالفَارِسِيَّةِ أُرغُوانُ، وقال في ((المُحكَم)(١٠) حَكَى السِّيرَافي أحمَرُ أُرجُوانٌ على المُبالَغَةِ [به كَما قَالوا: أحمَرُ قَانِئع(١١)، وذلك لِأَنَّ سِيبَويه إنَّما مَثَّلَ به في الصِّفَةِ، فَإما أن يَكُونَ على المُبالَغَةِ](١٢) (١) مشارق الأنوار (٢٧٩/٢). (٢) شرح مسلم (١٤/ ٣٣). (٣) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٤٢). (٤) في الأصل: ((العربية)). والمثبت موافق لما في شرح النووي. (٥) في (م): ((وكذلك)). (٦) المشارق (٢٦/١)، إكمال المعلم (٦/ ٥٦٧)، (٥٦٨/٦). (٧) المفهم (٣٨٩/٥). الصحاح (٢٣٥٣/٦). (٩) (٨) شرح النووي على مسلم (٤٢/١٤). (١٠) المحكم (٥٤٦/٧). (١١) في (م): ((قانٍ)). والمثبت موافق لما في المحكم. (١٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل. = ٣٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ التِي ذَهَبَ إلَيها السِّيرَافي، وإما أن يُرِيدَ الأُرجُوانَ الذي هو الأحمَرُ مُطلَقًا. وذَكَرَ في ((النِّهَايَةِ)) تَبَعًا لِلهَرَوِيِّ(١) حديثَ عُثمانَ: أنَّه غَظَّى وجهَه وهو مُحرِمٌ بِقَطِيفَةٍ حَمَرَاءَ أُرِجُوانَ(٢)، وقال: الذَّكَرُ والأُنثَى [٢٤٠/١ و] فيه سَواءٌ، يُقَالُ: ثَوبُ أُرِجُوانَ، وقَطِيفَةُ أُرجُوانَ، والأكثَرُ في كَلَامِهِم إضَافَةُ الثَّبِ، أو القَطِيفَةِ إلى الأُرجُوانِ)). قال النوويُّ(٣): ثُمَّ أهلُ اللُّغَةِ ذَكَرُوه في بابِ الرَّاءِ والجِيمِ والواوٍ، [وهذا هو الصواب](٤)، ولَا يَغتَرُّ بِذَكَرِ القَاضِي لَه في ((المَشَارِقِ)» في بابِ الهَمزَةِ والرَّاءِ والجِيمِ، ولَا بِذِكرِ ابنِ الأثِيرِ لَه في (٥) الرَّاءِ والجِيمِ والنُّونِ. قُلتُ: وقَد قال ابنُ الأثِيرِ في آخَرِ كَلَامِه: وقِيلَ إنَّ الكَلِمَةَ عَرَبِيةٌ، والألِفُ والنُّونُ زَائِدَتَانِ . ■ الرَّابِعَةُ: قال النووِيُّ(٦): قال العُلَماءُ: المِيثَرَةُ وإِن كَانَت من الحَرِيرِ كَما هو الغَالِبُ فيما كَانَ من عَادَتِهِم فَهِيَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّه جُلوسٌ على حَرِيرٍ واستِعِمالٌ لَه، وهو حَرَامٌ على الرِّجَالِ سَواءٌ كَانَ على رَحلٍ أو سَرجٍ أو غَيرِهما، وإِن كَانَ مِيثَرَةً من غَيرِ حَرِيرٍ فَلَيسَت بِحَرَامِ، ومَذهَبُنَا أَنَّها لَيسَت مَكَرُوهَةً أيضًا، فَإِنَّ الثَّوبَ الأحمَرَ لَا كَرَاهَةَ فيه فَسَواءٌ كَانَت حَمَرَاءَ أم لا، وقَد ثَبَتَت الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ: أنَّ النبي ◌َلِ لَبِسَ حُلَّةً حَمَرَاءَ(٧)، وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٨) عن بَعضٍ العُلَماءِ: كَرَاهَتَها لِئَلَّا يَظُنَّهَا الرَّائِي من بَعدُ حَرِيرًا. انتَهَى. وقال ابنُ قُدَامَةَ(٩): قال أصحَابُنَا: يُكرَه لُبسُ الأحمَرِ، وهو مَذهَبُ ابنِ عُمَرَ، والصَّحِيحُ: أنَّه لَا بأسَ به، وأحَادِيثُ الإباحَةِ أُصَحُّ. (١) النهاية (٢٠٦/٢)، والغريبين (٧٢٤/٢). (٢) أخرجه مالك في الموطأ (٣٥٤/١)، وعنه الشافعي (٥٠٣/١/ح ٨٤١ - شفاء)، والطحاوي في المشكل (٤٠٩/٨)، والبيهقي (٥٤/٥، ١٩١). شرح صحيح مسلم (١٤/ ٤٢). (٣) بعدها في (ك، م): ((باب)). (٥) (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك، م). (٦) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٣٣). (٨) البخاري (٣٦٧)، ومسلم (٢٤٩/٥٠٣). (٧) ليس في: الأصل. ينظر: إكمال المعلم (٥٦٨/٦). (٩) المغني (٣٠١/٢). ٣٣١ بابُ النهيِ عن الصَّلَاةِ في الحَرِيرِ وقال أبو العَباسِ القُرطُبي (١): وأما مَن كَانَت عِندَه المِيثَرَةُ من جُلودِ السِّباعِ فَوجه النهي عنها أنَّها لَا تَعمَلُ الزَّكَاةُ فيها، وهو أحَدُ القَولَينِ عِندَ أصحَابِنَا أو لِأنَّها لَا تُذكَى غَالِبًا . قُلتُ: لَكِنَّها تَطهرُ بِالدَّباغ، إلا أنَّ العُلَماءَ اختَلَفُوا في طَهارَةِ الشَّعرِ تَبَعًا لِلجِلدِ إِذَا دُبِغَ، والمَشهورُ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ طَهارَتِه، وقال الحَنَفيةُ بِطَهارَتِهِ، والأغلَبُ في ((المَيَائِرِ)): أنَّها لَا شَعرَ عَلَيها، والله أعلمُ. وقَد يُقَالُ: إنَّ المَعنَى في النهي عن المَيَائِرِ ما فيه من الثَّرَقُّهِ، وقَدْ يَتَعَذَّرُ فِي بَعضِ الأوقَاتِ فَيَشُقُّ تَركُها على مَن اعتَادَها، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ إرشَادًا نَهَى عنه لِمَصلَحَّةٍ دُنيَوِيَّةٍ، وقَد يَكُونُ لِمَصلَحَةٍ دِينَّةٍ(٢) وهيَ تَرِكُ التَّشَبُّه بِعُظَماءِ الفُرسِ؛ لِأنَّه كَانَ شِعَارَهم ذلك الوقتَ، فَلَما لَم يَصِر شِعَارًا لَهم وزَالَ ذلك المَعنَى زَالَت الكَرَاهَةُ، والله أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: قَد عَرَفت أنَّ المِيثَرَةَ قُيِّدَت تَارَةً بِكَونِها حَمَرَاءَ، وأُطلِقَت تَارَةً، فَمَن يَحمِلُ المُطلَقَ على المُقَيَّدِ يَخُصُّ النهيَ بِالحَمْرَاءِ، (٢٣٢/٣م) ومَن يَأْخُذُ بِالمُطلَقِ، وهم الحَنَفيةُ والّاهِرِيَّةُ، فَمُقتَضَى مَذهَبهم طَرَدُ النهي عنها، وإن لَم تَكُن حَمَرَاءَ، وقَولُه في رِوايَةِ المُصَنِّفِ: مَيَائِرُ الأُرجُوانِ، يَنْبَنِي على ما تَقَدَّمَ في تَفسِيرِ الأُرجُوانِ، فَإن فَسَّرنَاه بِمُطلَقِ الأحمَرِ سَاوى الرِّوايَةَ التِي فيها المَيَائِرُ الحُمرُ، وإن فَسَّرْنَاه بِالمَصبوغِ بِصِبِغِ مَخصُوصٍ فَمُقتَضَاه اختِصَاصُه بِالمَصبوغ بِذلك الصِّبغِ المَخصُوصِ خَاصَّةً، وَأَنَّه لَا يَتَعَدَّى لِما سِواه الا أن تَكُونَ تَعَدِيَتُه بِطَرِيقِ القِيَاسِ، والله أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: القَسِّيُّ بِفَتحِ القَافِ، وكَسرِ السِّينِ المُهمَلَةِ المُشَدَّدَةِ، وآخِرُه يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ. هَذَا هو الصَّحِيحُ المَشهورُ، وبَعضُ أهلِ الحديثِ: يكسِرُ(٣) القَافِ. قال أبو عُبَيدٍ(٤): أهلُ الحديثِ يَكسِرُونَها، وأهلُ مِصرَ يَفتَحُونَها، وتَقَدَّمَ من (١) المفهم (٣٩٠/٥). (٣) في (ك): ((بكسر)). (٢) في الأصل: ((دنيوية)). (٤) غريب الحديث (٢٢٦/١). = ٣٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ((صَحِيحِ مسلم)): تَفسِيرُه بِأَنَّه ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤتَى بها من مِصرَ والشَّامِ فيها شَبَه. كَذَا . وقَولُه: مُضَلَّعَةٌ، بِالضَّادِ المُعجَمَةِ والعَينِ المُهمَلَةِ وفَتحِ اللامِ وتَشدِيدِها؛ أي: فيها خُطُوطُ عَرِيضَةٌ كَالأضلاعِ، وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ) مُعَلَّقًا: ((فيها حَرِيرٌ أمثَالُ الأُتْرُجِ))، وكَأنَ المَكْنِيَّ عنه(١) في رِوايَةِ مسلمٍ بِكَذَا هو الأُتْرُجُ. قال النوويُّ(٢): قال أهلُ اللُّغَةِ و(٣) غَرِيبِ الحديثِ: هيَ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ بِالحَرِيرِ تُعمَلُ بِالقَسِّ(٤) بِفَتحِ القَافِ، وهو مَوضِعٌ من بِلَادِ مِصرَ، وهيَ قَريَةٌ على سَاحِلِ البَحرِ قَرِيبَةٌ من تُنِيس، وقِيلَ: هِيَ ثِيَابُ(٥) كَتَّانٍ مَخلوطٍ بِحَرِيرٍ، وقِيلَ: هيَ ثِيَابٌ من القَزِّ، وأصلُهُ القَزِّيُّ بِالزَّايِ مَنسُوبٌ إلى القَزِّ، وهو رَدِيُ الحَرِيرِ، فَأبدَلَ من الزَّايِ سِينًا. انتَهَى. قال في ((النِّهايَةِ))(٦): وقِيلَ: هو مَنسُوبٌ إلى [٢٤٠/١ظ] القَسِّ، وهو الصَّقِيعُ لِبَیَاضِه. انتَهَى. السَّابِعَةُ: إن صَحَّ أنَّ ((القَسِّيَّ)) من القَزِّ الخَالِصِ، فَالنهيُ عنه لِلَّحِيمِ، وإن كَانَ مُختَلِطًا من الحَرِيرِ وغَيرِهِ، فَإِن كَانَ حَرِيرُهُ أكثَرَ فَالنهيُ عنه لِلتَّحرِيمِ، وإن كَانَ كَتَّانُه أكثَرَ فَالنهيُ عنه لِكَرَاهَةِ التَّزِيه، وإن استَويَا فَعلى الخِلَافِ المُتَقَدِّم، والأصَحُّ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّه لَيسَ بِحَرَامٍ كَما تَقَدَّمَ فَيَكُونُ النهيُ عنه لِلتَّنزِيه، وإن كَانَ بَعضُ القَسِّيِّ حَرِيرُه أكثَرُ، وبَعضُه كَتَّانُه أكثَرُ فَالنهيُ فيما حَرِيرُه أكثَرُ لِلتَّحرِيمِ، وفيما كَتَّانُه أكثَرُ لِلكَرَاهَةِ، وغَايَةُ ما في ذلك الجَمِعُ في لَفِظِ النهيٍ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ مُختَلِفَتَينِ، وهما التَّحرِيمُ والكَرَاهَةُ. فَإن قُلتَ: بَل فيه حِينَئِذِ الجَمِعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجَازِ؛ لِأَنَّ النهيَ حَقِيقَةٌ في التَّحْرِيمِ مَجَازٌ في الكَرَاهَةِ. قُلتُ: (٢٣٣/٣م) الوارِدُ في هَذَا الحديثِ صِيغَةُ النهي، وهيَ مُشتَرِكَةٌ بَيْنَهما، (١) في الأصل: ((عند)). (٣) في (م): ((في)). (٤) في الأصل: ((بالقيس)). وينظر: معجم البلدان (٣٤٦/٤). (٥) بعدها في (م): ((من)). (٢) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٣٤). (٦) النهاية (٥٩/٤). بابُ النهيِ عن الصَّلَاةِ في الحَرِيرِ ٣٣٣ = والصِّيغَةُ التِي هيَ حَقِيقَةٌ في التَّحرِيمِ هيَ صِيغَةُ لَا تَفعَل، كَما قَرَّرت ذلك غَيرَ مَرَّةٍ، والله أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: فيه تَحْرِيمُ الثَّخَتُم بِالذَّهَبِ، وهو مُجمَعٌ عليه في حَقِّ الرِّجَالِ، ولَا يَخْتَصُّ ذلك بِكَونِ جَمِيعِه ذَهَبًا، فَلَو كَانَ بَعضُه ذَهَبًا وبَعضُه فِضَّةٌ حَرُمَ أيضًا، حَتَّى قال أصحَابُنَا: لَو كَانَت سِنُّ الخَاتَمِ ذَهَبًا أو كَانَ مُمَوهًا بِذَهَبٍ يَسِيرٍ فَهو حَرَامٌ، لِعُمُومِ الحديثِ الآخَرِ في الحَرِيرِ والذَّهَبِ: ((إنَّ هَذَينٍ حَرَامٌ على ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِها))(١). فَإِن قُلتَ: قَد فَصَّلتُم في المِيثَرَةِ والقَسِّيِّ، وقُلْتُم بِتَحْرِيمِهما (٢) في حَالَةٍ وعَدَمِ تَحرِيمهما(٣) في أُخرَى، وجَزَمتُم بِتَحْرِيمِ خَاتَمِ الذَّهَبِ على الرِّجَالِ مُطلَقًا، فَكَيفَ صَحَّ ذلك مَعَ قَرِنِه بهما؟ قُلتُ: لَا يَلزَمُ من قَرِنِهِ بهما أن يُسَاوِيَهما في حُكمِهما، فَقَد يُقْرَنُ بَيْنَ شَيئَيْنِ مُختَلِفَي الحُكم، ودلالةُ الاقتِرَانِ على التَّسَاوِي في الحُكمِ ضَعِيفَةٌ عِندَ الجُمهورِ خِلَافًا لِأبي يُوسُفَ والمُزَنِيِّ. التَّاسِعَةُ: قَولُ يَحَيَى بِنِ سِيرِينَ: أو لَم تَسمَع؟ هَذَا اسْتِفِهامُ إنكَارٍ، كَأنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ ذلك لِأَخِيه على سَبيلِ التَّعَجُّبِ منه؛ فَأَنكَرَ عليه ذلك التَّعَجُّبَ، وقال: ((أو لَم تَسمَع هَذَا؟)) والواوُ مَفْتُوحَةٌ عَاطِفَةٌ على جُمْلَةٍ مَقدِرَةٍ، لَكِن قُدِّمَت عَلَيها هَمزَةُ الاستِفِهامِ؛ لِأنَّ لَها صَدرَ الكَلَامِ وأصلُه: ألَم تَعرِف هَذَا، ولَم تَسمَع هَذَا. وقَولُه: (نَعَم)). تَصدِيقٌ لِذلك الخَبَرِ، وقَولُه: و((كَفَافُ الدِّيباجِ)). مَعْطُوفٌ على المَذْكُورَاتِ في حديثٍ عَلِيٍّ فَهو مَجُرُورٌ دَاخِلٌ في جُملَةِ المَنهيِّ عنه، لَكِن لَم يُصَرِّحِ يَحَيَى بِنُ سِيرِينَ بِرِوايَتِه عن عَلِيٍّ بِواسِطَةٍ عَبَيْدَةً بَيْنَهما، ولَا بِغَيرِ واسِطَةٍ فَهو مَنسُوبٌ إلَيهِ، كَأَنَّه قال: نَهَى عن كَفَافِ الدِّيباجِ. والظّاهرُ: أنَّه مَحمُولٌ على أنَّ الناهيَ النبي ◌ََّ كَما لَو قاله الصَّحَابي، (١) أبو داود (٤٠٥٧)، الترمذي (١٧٢٠)، النسائي (٣٥٩٥). (٢) في (ك): ((بتحريمها)). (٣) في (ك): ((بتحريمها)). = ٣٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَيَكُونُ مَرفُوعًا، إلا أنَّه مُرسَلٌ، وقَد ذَكَرَ الغَزَّالِيُّ في ((المُستَصفَى))(١) في مِثلِ ذلك احتمالَینِ : أحَدُهما: أنَّه مَرفُوعٌ مُرسَلٌ. والثَّانِي: أنَّه مَوقُوفٌ مُتَّصِلٌ. وجَزَمَ ابنُ الصَّباغِ في العُدَّةِ: بِأَنَّه مُرسَلٌ. وهو الذي رَجَّحنَاه، وفي (سُنَنِ أبي دَاوُ)) عن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ: أنَّ نَبِي الله وَِّ قال: ((لَا أَركَبُ الأُرْجُوانَ، ولَا ألبَسُ المُعَصفَرَ، وَلَا ألبَسُ القَمِيصَ المُكَفَّفَ بِالحَرِيرِ)»(٢). وعن أبي رَيحَانَةَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَُّ عن عَشر. الحديثَ وفيه: ((وأن يَجعَلَ الرَّجُلُ في أسفَلِ ثِيَابِه حَرِيرًا مِثلَ الأَعَاجِمِ، أو يَجعَلَ على مَنكِبَيْه حَرِيرًا مِثْلُ الأَعَاجِمِ))(٣)، والدِّيباجُ بِكَسرِ الدَّالِ (٢٣٤/٣م) وفَتَحِها، نَوعٌ من الحَرِيرِ، وهو عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، والمُرَادُ بِكِفَافِهِ: الثَّوبُ المَكفُوفُ به، وكِفَافُ الثَّبِ بِكَسرِ الكَافِ طُرَّتُه، وحَواشِيه، وأطرَافُه، ويُقَالُ لَه أيضًا: كُفَّةٌ بِضَمِّ الكَافِ، قَالوا: وكُلُّ مُستَطِيلٍ كُفَّة بِالضَّمِّ، وكُلُّ مُستَدِيرٍ كِفَّةٌ بِالكَسرِ كَكِفَّةِ المِيزَانِ(٤). وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ: النهيُ عن لُبسِ الثَّوبِ الذي كُفَّ طَرَفُه بِحَرِيرٍ، فَإما أن يُحمَلَ على ما إذَا زَادَ [٢٤١/١ و] الحَرِيرُ على أربَعَةِ أصَابِعَ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ حَرَامًا، وإما أن يُحمَلَ على الأدَبِ والتَّربيَةِ(٥)، وإما أن يَكُونَ حُجَّةً لِمَن يَرَى مَنعَ استِعمالِ ما فيه حَرِيرٌ وإن قَلَّ مُطلَقًّا، وفي ((صَحِيحِ مسلم)) (٦): أنَّ أسماءَ أرسَلَت إلى ابنِ عُمَرَ: بَلَغَنِي أَنَّك تُحَرِّمُ أشياءَ ثَلَاثَةً: العَلَمَّ في الثَّوبٍ، ومِيثَرَةَ الأُرجُوانِ، وصَومَ رَجَبَ كُلِّه؟ فقال ابنُ عُمَرَ: أما ما ذَكَرت من العَلَم في الثَّوبِ؛ فَإِنِّي سَمِعت عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ( يَقُولُ: سَمِعت رسولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إنَّما يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَن لَا خَلَاق لَه)). فَخِفت (١) نقله المصنف عن الغزّالي بتصرف. ينظر: المستصفى (٢٤٩/١). (٣) أبو داود (٤٠٤٩). (٢) أبو داود (٤٠٤٨). (٤) ينظر: جمهرة اللغة (١٦٢/١)، وغريب الحديث للخطابي (٤١/٣)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ١٩١). (٥) في (ك، م): ((والتنزيه)). (٦) مسلم (١٠/٢٠٦٩). = بابُ النهي عن الصَّلَّاَةِ في الحَرِيرِ ٣٣٥ أن يَكُونَ العَلَمُ منه، الحديثُ. وفيه: فقالت: هَذِهِ جُبَّةُ رسولِ اللهِ وَلَّ فَأَخِرَجَت إِلَيَّ جُبَّةً طَيَالِسَةٍ كِسْرَوانِيَّةً لَها لِنَةُ(١) دِيباج، وفَرجَيها مَكَفُوفَينٍ بِالدِّيباجِ. فقالت: هَذِه كَانَت عِندَ عَائِشَةً حَتَّى قُبِضَتِ، فَلَمَا قُبِضَتِ قَبَضتُها، وكَانَ النبي ◌َّهِ يَلْبَسُها ، فَنَحنُ نَغْسِلُها لِلمَرضَى يُستَشفَى بها. قال النووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٢): لَم يَعتَرِف ابنُ عُمَرَ بِأَنَّه كَانَ يُحَرِّمُ العَلَمَ، بَل أخبَرَ أنَّه تَورَّعَ عنه خَوفًا من دُّخُولِه في عُمُومِ النهي عن الحَرِيرِ. وأما إخرَاجُ أسماءَ جُبَّةَ النبيِ نَّ المَكفُوفَةَ بِالحَرِيرِ، فَقَصَدَت به بَيَانَ أنَّ هَذَا لَيسَ مُحَرَّمًا، وهَذَا الحُكُمُ عِندَ الشَّافِعِيِّ، وغَيرِهِ أنَّ الثَّوبَ والجُبَّةَ والعِمامَةَ ونَحوها إذَا كَانَ مَكْفُوفَ الطَّرَفِ بِالحَرِيرِ جَازَ، ما لَم يَزِد على أربَعِ أصَابِعَ، فَإِن زَادَ فَهو حَرَامٌ . انتَهَى. وكَذَا صَرَّحَ به الحَنَفيَةُ، والحَنَابِلَةُ، وغَيرُهم. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) عن جَماعَةٍ من أهلِ العِلمِ: أنَّه لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ لُبسُ شَيءٍ من الحَرِيرِ، لَا قَلِيلَ ولَا كَثِيرَ. قال: ومِمَّن ذَهَبَ هَذَا المَذهَبَ عَبدُ الله بنُ عُمَرَ. انتَهَى. وقال بَعضُهم: يَحتَمِلُ أنَّ الكِفَافَ الذي في حُبَّةِ النبيِ وَلِّ مِما أُحدِثَ بَعدَه، قَصَدُوا صِيَانَتَها عن التَّمَزُّقِ بِكَفِّ أطرَافِها بِحَرِيرٍ . ] العَاشِرَةُ: تَقَدَّمَ أنَّ في ((صَحِيحٍ مسلمٍ)) من حديثٍ عَلِيٍّ: النهيَ عن لُبسٍ الثَّوبِ المُعَصفَرِ . وهو (٤) المصبوغُ بِالعُصفُرِ، وقَد قال به جَماعَةٌ من أهلِ العِلم، وحَمَلوه على كَرَاهَةِ التَّنزِيه، والنهيُ مُحتَمَلٌ لَها كَما تَقَدَّمَ، واستَدَلوا على عَدَمِ التَّحرِيمِ بِأنَّ في ((الصَّحِيحَينِ)): أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لَبِسَ جُبَّةً(٥) حَمَرَاءَ (٦)، وفي (الصَّحِيح))(٧) (١) بكسر اللام وسكون الباء: رقعة في جيب القميص. شرح صحيح مسلم (١٤/ ٤٣). (٢) (٣) التمهيد (٢٥٤/١٤). (٤) في الأصل: ((وعن)). (٥) في (ك): ((حلة)). (٦) البخاري (٣٧٦)، ومسلم (٢٤٩/٥٠٣). (٧) في (ك، م): ((الصحيحين)). البخاري (١٦٦)، ومسلم (٢٥/١١٨٧). = ٣٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أيضًا عن ابنِ عُمَرَ قال: رَأيت النبي ◌َّهِ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ. وقال الخَطَّابي(١): النهيُّ مُنصَرِفٌ إلى ما صُبِغَ من الثَِّابِ بَعدَ النسجِ، فَأما ما صُبِغَ غَزِلُهُ ثُمَّ نُسِجَ، فَلَيسَ بِدَاخِلٍ في النهيٍ. وحَمَلَ بَعضُ العُلَماءِ: هَذَا النهيَ على المُحرِمِ بِالحَجِّ أو العُمرَةِ، لِيَكُونَ مُوافِقًا لِحديثِ ابنِ عُمَرَ: في نَهىِ المُحرِمِ أن يَلْبَسَ ثَوبًا مَسَّه ورسٌ أو زَعفَرَانٌ(٢)، وحَكَى النووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٣): إباحَةَ لُبسِ المُعَصفَرِ عن جُمهورِ العُلَماءِ من الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ ومَن بَعدَهم. قال: وبه قال الشَّافِعِيُّ وأبو حَنِيفَةَ ومالِكٌ، لَكِنَّه قال: غَيرُها أفضَلُ منها، وفي رِوايَةٍ عنه: أنَّه أجَازَ لباسها في البُيُوتِ وأفنِيَةِ الدُّورِ، وَرِهَه(٤) في المَحَافِلِ والأسواقِ ونحوها . وقال البَيهَقِيُّ(٥): نَهَى الشَّافِعِيُّ الرَّجُلَ عن المُزَعفَرِ، وأباحَ لَه المُعَصفَرَ، وقال: إنَّما رَأَخَّصت في المُعَصفَرِ؛ لِأَنَّي لَم أجِد أحَدًا يَحكِي عن النبي ◌َّ النهيَ عنه، إلا ما قال عَلِيُّ رَُّه : نَهانِ، ولَا أقُولُ نَھاكُم. قال البَيهَقِيُّ: وقَد جَاءَت أحَادِيثُ تَدُلُّ على النهي على العُمُومِ. ثُمَّ ذَكَرَ حديثَ عَبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العَاصِي قال: رَأى رسولُ اللهِ وَّهِ عَلَيَّ ثَوبَينٍ مُعَصفَرَينٍ، فقال: ((إنَّ هَذِه من ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسها)). وفي رِوايَةٍ فقال: ((أُمُّك أمَرَتك بهذَا؟)) قُلت: أغسِلُهما؟ قال: ((بَل أحرِقهما)). واللفظَانِ في ((صَحِيحٍ مسلم))(٦). ثُمَّ ذَكَرَ البَيهَقِيُّ أحَادِيثَ أُخَرُ، ثُمَّ قال: ولَو بَلَغَت هَذِه الأحَادِيثُ [٢٤١/١ظ] الشَّافِعِيَّ ◌َّهُ لَقال بها إن شَاءَ الله. ثُمَّ ذَكَرَ قَولَ الشَّافِعِيِّ: إذَا صَحَّ حديثُ النبيِ وَ﴿ خِلَافَ قَولِي فَاعمَلوا بِالحديثِ ودَعُوا قَولِي، وفي رِوايَةٍ: فَهو مَذهبي. (١) معالم السنن (١٤٦٦). (٣) شرح النووي على مسلم (٥٤/١٤). (٥) معرفة السنن (٥٧٣/١ - ٥٧٦). (٢) البخاري (٣٦٦)، ومسلم (١١٧٧/ ٢). (٤) في (م): ((وأكرهه)). (٦) مسلم (٢٧/٢٠٧٧)، (٢٨/٢٠٧٧). = ٣٣٧ بابُ النهي عن الصَّلَاةِ في الحَرِيرِ قال البَيْهَقِيُّ: قال الشَّافِعِيُّ: وأنهَى الرَّجُلَ الحَلَالَ بِكُلِّ حَالٍ أن يَتَزَعفَرَ، وآمُرُه إِذَا تَزَعفَرَ أن يَغْسِلَه . قال البَيْهَقِيُّ: فَتَبَعَ السُّنَّةَ في المُزَعفَرِ؛ فَمُتَابَعَتُها في المُعَصفَرِ أولى به. قال: وقَد كَرِهَ المُعَصفَرَ بَعضُ السَّلَفِ، وبه قال أبو عَبدِ الله الحَلِيمِيُّ من أصحَابِنَا، ورَخَّصَ فيه جَماعَةٌ، والسُّنَّةُ أولى بِالاِتِباعِ، انتهى. وحَكَى النووِيُّ(١) كَلَامَ البَيهَقِيّ هَذَا وأقَرَّه عليه. وقال: إنَّه أتقَنَ المَسألَةَ. وسَوى ابنُ قُدَامَةَ الحَنَلِيُّ(٢): بَينَ المُزَعفَرِ والمُعَصفَرِ في كَرَاهَتِهما لِلرَّجُلِ . الحَادِيَةَ عَشَرَ: الدِّيباجُ نَوعٌ من الحَرِيرِ كَما تَقَدَّمَ، والإستَبرَقُ الغَلِيظُ منه فَذِكْرُهما في حديثٍ (٢٣٦/٣م) البَرَاءِ بَعدَ ذِكرِ الحَرِيرِ من ذِكرِ الخَاصِّ بَعدَ العَامِّ، وكَأنَّه أشَارَ بِذلك إلى أنَّه لَا فَرقَ في تَحْرِيمِ الحَرِيرِ بَيْنَ جَيِّدِه، وهو الدِّيباجُ، وَرَدِيتِه وهو الإستَبَرَقُ، واللهُ أعلمُ. (١) شرح النووي (٥٤/١٤). (٢) المغني (٢٩٩/٢). ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ ٣٣٩ كِتَابُ الجَنَائِزِ ثَوابُ المَرَضِ والمُصِيبَةِ (١الحديثُ الأولُ(١) عن عُروةَ، عن عائشةَ قالت: قال نَبِي الله وَّهِ: (مَا من مَرَضٍ، أو وجَع، يُصِيبُ المُؤمن إلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنبه، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُها، أو اَلنَّكْبَةُ یُنكَبُّها)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه البخاريُّ، في المَرَضِ من ((صَحِيحِه))(٢)، وهو قَبِيلُ الطِّبِّ(٣)؛ من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ. ومسلمٌ، في الأدَبِ الثَّانِي من ((صَحِيحِه)) (٤)، من طَرِيقِ مَالِكِ، ويُونُسَ (٢) البخاري (٥٦٤٠). (١ - ١) ما بين القوسين ليس في: (ك). (٣) قال في حاشية (ك، م): ((حاشية في الأصل بخط المؤلف ونصها: ((إنما بيَّنت موضع إخراج (خ) لهذا الحديث؛ لأن المزي عزاه للطب. وإنما قيدت في إخراج (م) بالأدب الثاني؛ لأن (م) بوّب بعده الطب، ثم الحيوان، ثم الشعر، ثم الرؤيا، ثم المناقب، على طوله، ثم البر والصلة، وهو الذي يعبر عنه المزي في الأطراف بالأدب. فكل ما رواه مسلم في ذلك الأدب الأول، أو في هذا الثاني لعزوه للأدب، وكان ينبغي أن يعبر عن الثاني بالبر والصلة، كما في بعض النسخ، أو يعبر عن الأول بالأدب الأول، وعن الثاني بالأدب الثاني، كما فعلته. والله أعلم)). (٤) مسلم (٤٩/٢٥٧٢). = ٣٤٠ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ابنِ يَزِيدَ، ثَلَاثَتُهم عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، بلفظ: ((مَا من مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المسلمَ إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها عنه، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُها)). إلَّا أنَّ مسلمًا (٢٣٧/٣م) قال: ((يُصَابُ بها المسلمُ)). وأخرَجَه مسلمٌ(١)؛ من طَرِيقِ هشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، بلفظ: (لَا يُصِيبُ المُؤمن من(٢) شَوكَةٍ فَمَا فَوقَها إِلَّا قَصَّ الله بها من خَطِيئَتِه)). ومن طَرِيقِ يَزِيدَ بنِ خُصَيفَةَ(٣) عن عُروةَ [بِلَفِظِ: ((لَا يُصِيبُ المُؤمن من](٤) مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوكَةُ، إِلَّا قَصَّ اللهُ بها من خَطَايَاه، أو كَفَّرَ بها من خَطَايَاه)). لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّتَهمَا قال عُروةُ. ومن طَرِيقِ مَنصُورٍ (٥)، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ،، بلفظ: ((مَا من مسلم يُشَاكُ بِشَوكَةٍ، فَمَا فَوقَها، إِلَّا كُتِبَت(٦) لَه بها دَرَجَةٌ، ومُحِيَت عنه بها خَطِيئَةٌ))، ومنَ طَرِيقِ الأعمَشِ(٧)، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، بلفظِ: ((إلا رَفَعَه الله بها دَرَجَةً، أو حَطَّ عنه بها خَطِيئَةً)). ومن طَرِيقِ أبي بَكرِ ابنِ حَزْمٍ(٨)، عن عَمَرَةَ، عن عائشةَ، بلفظِ (٩): ((إلا كَتَبَ اللهُ لَه بها حَسَنَةً، أو حُطَّت عنه بها خَطِيئَةٌ)). وقد أخرَجَ الترمذيُّ رِوايَةَ الأعمَشِ، عن إبراهيمَ،، بلفظ: ((وحَظَ)) بالواوِ (١٠). ورَواه الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمَيه؛ الأوسَطِ، والصَّغِيرِ)) (١١) من رِوايَةِ حَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمَانَ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ،، بلفظ: ((ما من مسلم يُشَاك شَوكَةً إِلَّا كَتَبَ الله لَه بها(١٢) عَشرَ حَسَنَاتٍ، وكَفَّرَ عنه عَشرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَّ لَه بها عَشِرَ دَرَجَاتٍ)). فيه: رَوُ بنُ مُسَافِرٍ، وهو ضَعِيفٌ. (١) مسلم (٤٢/٢٥٧٢). (٢) ليس في: (ك، م). (٣) مسلم (٥٠/٢٥٧٢). وفي (ك، م): ((حصيفة)). وهو تصحيف، وينظر: تهذيب الكمال (٣٢/ ١٧٢). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٦) في الأصل: ((كتب الله)). (٨) مسلم (٥١/٢٥٧٢). (١٠) الترمذي (٩٦٥). (٥) مسلم (٤٦/٢٥٧٢). (٧) مسلم (٢٥٧٢/ ٤٧). (٩) ما بين المعكوفين ليس في الأصل. (١١) في الأوسط (٥٧٧٣) من طريق إبراهيم، وفي الصغير (٧٠٢) من طريق حماد، وقال في الصغير: لم يروه عن حماد، إلا روح. (١٢) ليس في: (ك، م).