النص المفهرس

صفحات 241-260

=
٢٤١
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
قال أبُو بَكرِ ابنُ العَرَبي(١): وفَائِدَةُ ذِكرِ البَطَّةِ: أنَّهُ حَيَوانٌ مُتَوحِّشٌ لَا يُوصَلُ
إِلَيه إلا بِصَيدٍ وكُلفَةٍ، فَكَانَ أفضَلَ من الدَّجَاجَةِ فِي التَّقَرُّبِ بِهِ.
قُلتُ: الظَّاهرُ أنَّهُ لَم يَفضُل بِالكُلفَةِ في صَيدِه، بَل بِكَونِهِ أكبَرَ وأكثَرَ لَحمًا .
وجَمَعَ ابنُ العَرَبِي بَينَ البَظَّةِ والعُصفُورِ، فقال: جَعَلَ مَرَاتِبَ الرَّواحِ في هَذَا
الحديثِ سَبِعَةً: بَدَنَةٌ، ثُمَّ بَقَرَةٌ، ثُمَّ شَاةٌ، ثُمَّ بَطَّةٌ، ثُمَّ دَجَاجَةٌ، ثُمَّ عُصَفُورٌ، ثُمَّ
بَيْضَةٌ. انتَهَى.
وفيه نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَم يَجمَعِ بَينَها هَكَذَا فِي حَدِيثٍ واحِدٍ، وإِنَّمَا ذَكَرَ البَطَّةَ في
حَدِيثٍ والعُصفُورَ في آخَرَ، لَكِنَّ ابنَ العَرَبِي لَم يَعزُ هَذَا لِلنَّسَائِيِّ، فَلَعَلَّهُ اطَّلَعَ عَلَيه
فِي كِتَابٍ آخَرَ لَم نَقِفِ عَلَيه.
وقَد رَأيت في ((مُعجَم الطََّرَانِيِّ الكَبير)) (٢) من طَرِيقٍ بِشرِ بنِ عَونٍ، عن
بَّارَ بنِ تَمِيمٍ، عن مَكحُولٍ، عن واثِلَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّر [٢٢٣/١و]:
((إِنَّ اللهَ تَعَالى يَبعَثُ المَلَائِكَةَ يَومَ الجُمُعَةِ عَلى أبوابِ المَسجِدِ، يَكْتُبُونَ القَومَ،
الأولَ، والثَّانِيَ، والثَّالِثَ، والرَّابِعَ، والخَامِسَ، والسَّادِسَ، فَإِذَا بَلَغُوا السَّابِعَةَ كَانُوا
بِمَنْزِلَةٍ مَن قَرَّبَ العَصَافیرَ)).
وبَكَّارُ بنُ تَمِيم مَجهولٌ، وبِشرُ بنُ عَونٍ رُوِيَ عنهُ نُسخَةٌ بِهَذَا الإِسنَادِ نَحوُ
مِائَةٍ حَدِيثٍ، كُلُّها مَوَضُوعَةٌ: قاله(٣) الذَّهَبِي فِي ((المِيزَانِ))(٤).
فَإِن ثَبَتَ هَذَا فَتَكُونُ المَلَائِكَةُ تَكتُّبُ الآتي في السَّاعَةِ السَّابِعَةِ أيضًا. لَكِنَّ
هَذَا مُخَالِفٌ لِقَولِه في رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينٍ)): ((إنَّهُم يَطوُونَ الصُّحُفَ عِندَ خُرُوج
الإِمَام))، وقَد كَانَ خُرُوجُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ في أولِ السَّابِعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وعَلى تَقدِيرِ أن لَا تَصِحَّ رِوايَةُ النَّسَائِيّ التي تَقْتَضِي السَّاعَةَ السَّادِسَةَ، فَلَا
مَحذُورَ في أن لَا تَكتُبَ أهلَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ في السَّابِقِينَ، والفَضلُ بيدِ الله يُؤتيه
مَن يَشَاءُ .
(١) عارضة الأحوذي (٢٨٤/٢م).
(٣) في (م): ((قال)).
(٢) المعجم الكبير (١٧٦١٢/١٤٦/٢٢).
(٤) الميزان (١/ الترجمة ١٢١١).

=
٢٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الأمرُ الثَّانِي: قَالوا: مُقتَضَى الحَملِ عَلى السَّاعَاتِ الزَّمَانِيَّةِ أن تَتَسَاوى
مَرَاتِبُ النَّاسِ في كُلِّ سَاعَةٍ، فَمَن أتَى في السَّاعَةِ الأُولِى كَانَ كَمَن قَرَّبَ بَدَنَةً،
سَوَاءٌ كَانَ(١) مَجِيتُهُ في أولِ السَّاعَةِ أو في آخِرِها .
وهَذَا خِلَافُ مَا قَامَت عَلَيه الأدِلَّةُ: أنَّ السَّابِقَ لَا يُسَاوِيه مَن جَاءَ بَعدَهُ؟
والجَوابُ: أَنَّ مَن جَاءَ في أولِ السَّاعَةِ، ومَن جَاءَ في آخِرِها، وإن اشتَرَكا
في تَحصِيلِ الْبَدَنَةِ(٢) (٣/ ١٧٦م) مَثَلًا، لَكِنَّ بَدَنَةَ الأولِ أَكمَلُ، فَيَكُونُ التَّفَاوُتُ في
السَّاعَةِ الواحِدَةِ بِحَسَبِ الصِّفَاتِ.
ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُهُ في رِوايَة النَّسَائِيِّ(٣): ((والنَّاسُ فيه كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً،
وكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً))، وكَذَا كَرَّرَ سَائِرَ المَذكُورَاتِ بَعدَ البَدَنَةِ إِشَارَةً إلى أنَّ الآتيينِ
فِي سَاعَةٍ واحِدَةٍ، وإن اشتَرَكًا في التَّقَرُّبِ بِمُسَمَّى الْبَدَنَةِ، اختَلَفَا من جِهَةِ أنَّ بَدَنَةَ
السَّابِقِ أعظَمُ من بَدَنَةِ المُتَأِّرِ، وهَذَا كَمَا أنَّ صَلَاةَ الجماعَةِ تُضَاعَفُ سَبعًا
وعِشِرِينَ دَرَجَةً، مَعَ صِدقِ الجَمَاعَةِ بِالإِمَامِ والمَأْمُومِ وبِالعَدَدِ الكَثِيرِ، وذَاتُ العَدَدِ
الكَثِيرِ أفضَلُ لِقَولِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((ومَا كَثُرَ فَهو أحَبُّ إلى الله)(٤)، فَفَضلُ
ذَاتِ العَدَدِ الكَثِيرِ عَلى ذلك(٥) العَدَدِ القَلِيلِ بِكِبَرِ الدَّرَجَةِ، مَعَ اشْتِرَاكِ الكُلِّ في
سَبِعٍ وعِشرِينَ(٦)، واللهُ أعلمُ.
الأمرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَبَّرَ في تِلكَ الرِّوايَةِ التي فيها تَرتيبُ السَّابِقِينَ عَلى خَمسٍ
سَاعَاتٍ بِقَولِه: (ثُمَّ رَاحَ)).
والرَّواحُ لَا يَكُونُ إلا بَعدَ الزَّوالِ، كَمَا ذَكَرَهُ الجَوهَرِيُّ(٧) وغَيْرُهُ.
والجَوابُ عنهُ: أنَّ الرَّواحَ يُستَعمَلُ لُغَةً في الذَّهابِ في أيِّ وقتٍ كَانَ، كَمَا
ذَكَرَهُ الأزهَرِيُّ(٨) .
ء(٨)
(١) في (م): ((أكان)).
في (م): ((للنسائي)).
(٣)
(٥)
في (م): ((ذات)).
الصحاح (٣٦٨/١).
(٧)
(٢) ليس في: الأصل.
(٤) أبو داود (٥٥٤).
(٦) بعدها في (م): ((درجة)).
(٨) تهذيب اللغة (١٤٣/٥).

=
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٤٣
والحَمِلُ عَلَيْه هُنَا أرجَحُ لِتَعدَادِهِ هَذِهِ السَّاعَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَورُ بَعدَ الزَّوالِ
خَمسٌ منها، وبِتَقدِيرِ أن تُحمَلَ(١) عَلى المَعنَى الأولِ، وهو اختِصَاصُ الرَّواحِ بِمَا
بَعدَ الزَّوالِ، فَيُمكِنُ أن يُسَمَّى القَاصِدُ إلى الجُمُعَةِ رَائِحًا وإِن كَانَ قَبلَ الزَّوالِ،
بِاعْتِبَارِ أنَّهُ قَصَدَ مَا يُفعَلُ بَعدَ الزَّوالِ وهو وقتُ الرَّواحِ، كَمَا يُقَالُ لِقَاصِدِ مَكَّةَ قَبلَ أن
يَحُجَّ: حَاجٌّ، ولِلمُتَسَاوِمَينِ: مُتَبَايِعَانٍ، ومِثلُ هَذَا الاستِعمَالِ لَا يُنكَرُ، واللهُ أعلمُ.
وقال الرَّافِعِيُّ(٢) بَعدَ حِكَايَةِ الخِلَافِ في ابْتِدَاءِ زَمَنِ التَّكِيرِ: ولَيسَ المُرَادُ
من السَّاعَاتِ عَلى اختِلَافِ الوُجُوه الأربَعِ والعِشرِينَ التي قُسِّمَ اليَومُ والليلَةُ عَلَيها،
وإِنَّمَا المُرَادُ تَرتيبُ الدَّرَجَاتِ وفَضلُ السَّابِقِ عَلى الذي يَلِیه.
واحتَجَّ القَفَّالُ عَلَيه بِوجهَينِ :
أحَدُهُمَا: أنَّهُ لَو كَانَ المُرَادُ السَّاعَاتِ المَذكُورَةَ، لَاستَوى الجَائِيَانِ في
الفَضلِ فِي سَاعَةٍ واحِدَةٍ مَعَ تَعَاقُبِهِمَا في المَجِيءٍ.
والثَّانِي: أنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ، لَاختَلَفَ الأمرُ بِاليَومِ الشَّاتي والصَّائِفِ،
ولَتَفَاوَتت الجُمُعَةُ فِي الْيَومِ الشَّاتِي لِمَن جَاءَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ.
وتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ))(٣)، لَكِنَّهُ خَالَفَهُ في «شَرحٍ
المُهَذَّبِ))(٤)، فقال فيه: المُرَادُ بِالسَّاعَةِ السَّاعَاتُ المَعرُوفَةُ خِلَافًا لِمَا قالهُ
الرَّافِعِيُّ، ولَكِنَّ بَدَنَةَ الأولِ أكمَلُ من بَدَنَةِ الثَّانِي، كَمَا نَقُولُ(٥) (١٧٧/٣م) في
السَّبع والعِشرِينَ دَرَجَةً: إنَّها تَتَرَتَّبُ عَلى مُسَمَّى الجَمَاعَةِ ولَكِنَّ دَرَجَاتِ الأكثَرِ
جَمَاعَةً تَكُونُ أكمَلَ من الأقَلِّ. انتَهَى. وهَذَا الذي ذَكَرَهُ الَّووِيُّ جَوابٌ عن
احْتِجَاجِ القَفَّالِ الأولِ.
والجَوابُ عن احتِجَاجِه الثَّانِي: مَا أَجَابَ بِه والِدِي تَخُّْ [٢٢٣/١ظ] في
(شَرحِ التّرمِذي)) فقال: أهلُ المِيقَاتِ لَّهُم اصطِلَاحَانِ فِي السَّاعَاتِ. والسَّاعَاتُ(٦)
(١) غير منقوطة في: الأصل.
(٣) روضة الطالبين (١/ ٥٥٠).
(٢) الشرح الكبير (٦١٩/٤).
(٤) المجموع (٤ /٤١٣، ٤١٤).
(٥) في (م): ((يقول)).
(٦) في (م): ((فالساعات)).

=
٢٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الزَّمَانِيَّةُ: كُلُّ سَاعَةٍ منها خَمسَ عَشرَةَ دَرَجَةً، والسَّاعَاتُ الآفَاقِيَّةُ يَخْتَلِفُ قَدرُها
بِاخْتِلَافِ طُولِ الأيَّامِ وقِصَرِها في الصَّيفِ والشِّتَاءِ، فَالنَّهَارُ اثنَتَا عَشرَةَ سَاعَةً،
ومِقدَارُ السَّاعَةِ يَزِيدُ ويَنقُصُ. ويَشهَدُ لِهَذَا الاصطِلَاحِ الثَّانِي قَولُهُ عَلَيه الصَّلَاةُ
والسَّلامُ: (يَومُ الجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشرَةَ سَاعَةً))، كَمَا رَواهُ أَبُو دَاوُد، والنَّسَائِيُّ؛ بِإِسنَادٍ
صَحِيحِ، وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
فَلَمْ يُفَرِّق بَيْنَ الصَّيفِ والشِّتَاءِ فَهو دَائِمًا اثْنَتَا عَشرَةَ سَاعَةً.
وعَلى هَذَا الثَّانِي: تُحمَلُ السَّاعَاتُ المَذْكُورَةُ في الحديثِ، فَلَا يَلِزَمُ عَلَيهِ مَا
ذَكَرَهُ من اختِلَافِ الأمرِ بِاليَومِ الشَّاتي والصَّائِفِ، ومن فَواتِ الجُمُعَةِ في الشِّتَاءِ
لِمَن جَاءَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ.
قال والِدِي ◌َّتُهُ: ثُمَّ بَعدَ أن خَطَرَ لِي هَذَا الجَوابُ رَأيته في كَلَامِ القَاضِي
الحُسَينِ، فَحَكَى الخِلَافَ في أَنَّ الإِعْتِبَارَ في حِيَازَةِ الفَضِيلَةِ التي قَدَّرَها الشَّرِعُ
تَجعَلُ (٢) النَّهَارَ اثْنَتَي عَشرَةَ سَاعَةً صَيفًا كَانَ أو شِتَاءً، والمُقَدَّرُ(٣) يَكُونُ في إدَرَاكِ
خَمسِ سَاعَاتٍ منها، طَالَت في الصَّيفِ، أو قَصُرَت في الشِّتَاءِ، أو الاعتِبَارُ في
ذَلِكَ بِالسَّاعَاتِ الزَّمَانِيَّةِ، وإن تَعَاقَبَت لَحَظَاتٌ، وأنَّهُ لَيسَ الخِلَافُ في (٤) المُرَادَ
بِالسَّاعَاتِ التي قُسِّمَ الليلُ والنَّهَارُ عَلَيها شِتَاءً وصَيفًا عَلى مَا يَعتَقِدُهُ أهلُ
الحِسَابِ، فَيَكُونُ نَهارُ الشِّتَاءِ منها تِسْعَ سَاعَاتٍ وشَيْئًا، ونَهارُ الصَّيفِ منها(٥) أربَعَ
عَشرَةَ سَاعَةً وشَيئًا، فَإِنَّا لَو اعتَبَرِنَا ذَلِكَ لَزِمَ مَا تَقَدَّمَ. انتَهَى.
الثَّامنةُ: أطلَقَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ: أنَّ المُهَجِّرَ إلى الجُمُعَةِ كَالمُهدِي بَدَنَةً،
[وقَيَّدَ في الرِّوايَةِ الأُخرَى فقال: ((مَن اغتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ،
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً))](٦)، فَاقْتَضَى هَذَا: أنَّ التَّهجِيرَ إلى الجُمُعَةِ، إِنَّمَا يَكُونُ كَإهدَاءٍ
(١) أبو داود (١٠٤٨)، والنسائي (١٣٨٨)، والحاكم في المستدرك (٢٧٩/١).
(٢)
غير منقوطة في: الأصل.
(٣) في (م): ((المقدم)).
بعدها في (م): ((أن)).
(٤)
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٥) ليس في: الأصل.

٢٤٥
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
البَدَنَةِ، وكَذَا المَذكُورَاتُ بَعدَهُ بِشَرطِ تَقَدُّم الاغتِسَالِ عَلَيه في ذَلِكَ اليَومِ، والقَاعِدَةُ
حَمِلُ المُطلَقِ عَلى المُقَيِّدِ.
■ التَّاسِعَةُ: ذَكَرَ في ((الصِّحَاحِ))، و(المُحكَم) (١): أنَّ البَدَنَةَ من الإبِلِ،
والبَقَرِ مَا أُهدِيَ إلى مَكَّةَ. وكَذَا قال في ((النِّهايَةِ)(٢): إنَّها(٣) تُطلَقُ عَلَيهِمَا .
قال: (١٧٨/٣م) وهيَ بِالإِبِلِ أشبَهُ.
وذَكَرَ القَاضِي(٤) عِيَاضٌ(٥) أنَّها تَختَصُّ بِالإِلِ .
وقال النَّووِيُّ(٦): قال جُمهورُ أهلِ اللُّغَةِ، وجَمَاعَةٌ من الفُقَهاءِ: تَقَعُ عَلى
الواحِدَةِ من الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وخَصَّها جَمَاعَةٌ بِالإِبِلِ، [والمُرَادُ هُنَا: الإِبِلُ](٧)
بِالإِتِّفَاقِ لِتَصرِيحِ الحديثِ بِذَلِكَ. انتَهَى.
قَالوا: سُمِّيَت بِذَلِكَ لِعِظَمٍ بَدَنِها؛ لِأنَّهُم كَانُوا يُسَمِنونَها .
وقال إِمَامُ الحَرَمَينِ (٨) من أئِمَّةِ أصحَابِنَا: البَدَنَةُ في اللُّغَةِ الإِلُ، ثُمَّ الشَّرعُ
قَدْ يُقِيمُ مَقَامَها بَقَرَةً، وسَبعًا من الغَنَمِ.
واعلَم أنَّ البَدَنَةَ والبَقَرَةَ يَقَعَانِ عَلى الذَّكَرِ والأُنثَى بِاتَّفَاقِ أهلِ اللُّغَةِ. والهاءُ
فيهمَا للوحدةِ؛ كَقَمحَةٍ وشَعِيرَةٍ ونَحوِهمَا من أفرَادِ الجِنسِ، ولَيسَت لِلتَّأَنِيثِ.
وأمَّا الكَبشُ: فقال(٩) في ((المُحكَم) (١٠): هو فَحلُ الضَّأْنِ في أيِّ سِنِّ كَانَ.
وقِيلَ: هو كَبشٌ إِذَا أثنَى. وقِيلَ: إِذَا أربَعَ. والجَمعُ: أكبُشٌ وكِبَاشٌ.
والدَّجَاجَةُ: بِفَتحِ الدَّالِ وكَسرِها لُغَتَانِ مَشهورَتَانٍ، الفَتحُ أفصَحُ، ويَقَعُ عَلى الذَّكَرِ
الصحاح (٢٠٧٧/٥)، المحكم (٣٥٦/٩).
(١)
(٣) في الأصل: ((إنهما)).
(٢) النهاية (١٠٨/١).
(٤) إلى هنا انتهى الخرم المشار إليه آنفًا في: (ك)، الذي كان في أثناء الفائدة السابعة من
الحديث الرابع.
(٥)
المشارق (٨٠/١).
شرح النووي على مسلم (١٣٦/٦).
(٦)
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٨) نهاية المطلب (٤٤٠/١٨).
(١٠) المحكم (٦٩١/٦).
(٩) بياض في: (م).

=
٢٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والأُنثَى؛ لِأَنَّ الهاءَ فيها لِلوحدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ، والجَمْعُ: دَجَاجٌ بِفَتحِ الدَّالِ وكَسرِها
ودَجَائِجُ.
قال في ((المُحكَمِ)) (١): سُمِّيَت بِذَلِكَ لِإِقِبَالِها وإدبَارِها .
■ العَاشِرَةُ: استُدِلَّ بِه عَلى أنَّ الأفضَلَ في الهَديِ والأُضحِيَّةِ الإِبِلُ، ثُمَّ
البَقَرُ ثُمَّ الغَنَمُ، لِكَونِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدَّمَ الإِلَ، وجَعَلَ البَقَرَ في الدَّرَجَةِ
الثَّانِيَةِ، والغَنَمَ في الثَّالِثَةِ، وهَذَا مُجمَعٌ عَلَيه في الهَديِ.
وقال بِه في الأُضحِيَّةِ أيضًا: أبُو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ، والجُمهورُ، وقال
مَالِكٌ: الأفضَلُ في الأُضحِيَّةِ الغَنَمُ، ثُمَّ البَقَرُ، ثُمَّ الإيِلُ.
ومنهُم مَن يُقَدِّمُ(٢) الإِبِلَ عَلى الْبَقَرِ: حَكَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ(٣).
قَالُوا: والمقصُودُ في الأَضَاحِيّ طِيبُ اللحمِ، وفي الهَدَايَا كَثرَةُ اللحم.
واحتَجُوا بِأُمُورٍ :
﴾ [الصافات: ١٠٧]، وكَانَ کَبشًا .
١٠٧)
أحَدُها: قَوله تَعَالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ
قال بَعضُهُم: لَو عَلِمَ اللهُ حَيَوانًا أفضَلَ من الكَبشِ لَفَدَى بِه إسحَاقَ. وورَدَ
في حَدِيثٍ رَوَاهُ البَزَّارُ، وابنُ عَبدِ البَرِّ(٤)، عن أبي هُرَيْرَةَ ◌َُبه، عن النَّبِي ◌َّه
عن جِبرِيلَ عَلَيهمَا الصَّلاةُ والسَّلامُ في أثنَاءِ حَدِيثِ: ((اعلَم ◌َا مُحَمَّدُ: أَنَّ الجَذَعَ
من الضَّأْنِ خَيرٌ من السَّيِّدِ من المَعزِ ومن البَقَرِ والإِبِلِ، ولَو عَلِمَ اللهُ ذِبحًا خَيرًا منهُ
لَفَدَى بِهِ إبرَاهیمُ ابنَهُ».
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: [٢٢٤/١ و] وهَذَا الحديثُ لَا أعلَمُ لَهُ إسنَادًا غَيرَ هَذَا،
انفَرَدَ بِهِ الحُنَينِيُّ(٥)، ولَيسَ مِمَّن يُحتَجُّ بِهِ.
(١) المحكم (١٨٩/٧).
(٢) في (ك، م): ((قدم)).
(٣) إكمال المعلم (٢٤١/٣).
(٤) مسند البزار (٨٧٢٤)، الاستذكار (٢٢٠/٥)، وينظر: زاد المعاد لابن القيم (٧١/١ - ٧٤)
في تفنيد دعوى أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق.
(٥) في (م): ((الجنيني)). والمثبت الصواب، وهو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنيني
بالحاء المهملة المضمومة. ينظر: تهذيب الكمال (٣٩٦/٢).

٢٤٧
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
ثَانِيها: أنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ ضَخَّى بِكَبِشَينٍ، فَلَو كَانَ الإِبِلُ والبَقَرُ
أفضَلَ، لَمَا عَدَلَ عنهُمَا إلى الغَنَمِ.
ثَالِثُها: أنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال: ((خَيرُ الأُضحِيَّةِ: الكَبشُ الأقرَنُ))، رواهُ
أَبُو دَاوُد وابنُ مَاجَه من حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ (١٧٩/٣م) الصَّامِتِ(١) بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ.
والجَوابُ عن الأولِ من وجهَينِ :
الأولُ: أنَّهُ لَا يَلزَمُ من كَونِ الكَبشِ عَظِيمًا، أن لَا يَكُونَ غَيْرُهُ من الأنعَامِ
وغَيرِها أعظَمَ منهُ.
الثَّانِي: لَو سَلِمَ ذَلِكَ، فَهَذَا أمرٌ خَاصٌّ بِذَلِكَ الكَبشِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ عن
ابنِ عَبَّاسٍ(٢): ((أنَّهُ رَعَى في الجَنَّةِ أربَعِينَ خَرِيفًا، وأَنَّهُ(٣) الذي قَرَّبَهُ ابنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ
مِنْهُ، ورُفِعَ إلى الجَنَّةِ))، فَلِذَلِكَ قِيلَ فيه: عَظِيمٌ.
والجَوابُ عن الثَّانِي: أنَّهُ لَا يَلزَمُ من تَضْحِيَتِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ بِكَبِشَينِ
تَرجِيحُ الغَنَمِ لِأمرَينِ:
أحَدُهُمَا: أنَّهُ قَد ثَبَتَ في ((الصَّحِيح)) (٤): ((أنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ ضَخَّى
عن نِسَائِهِ بِالبَقَرِ))، فَلَو دَلَّ تَضْحِيَتُهُ بِالغَنَمِ عَلى أفضَلِيَّتِها، لَدَلَّت أُضحِيَتُهُ(٥) بِالبَقَرِ
عَلى أفضَلِيَّتِها ويَتَعَارَضُ الخَبَرَانِ .
ثَانِيهمَا: أنَّهُ ثَبَتَ في ((الصَّحِيح)) (٦): ((أنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ أهدَى
غَنَمَا))، فَلَو دَلَّت تَضحِيَتُهُ(٧) بِالغَنَم عَلى أفضَلِيَّتِها [في الأُضحِيَّةِ](٨)، لَدَلَّ إهدَاؤُهُ
لَها عَلى أفضَلِيَّتِها في الهَدَايَا. ولَيْسَ كَذَلِكَ بِالاِتِّفَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وقَولُ القَاضِي عِيَاضٍ(٩): إنَّ النَّبِي ◌َّهِ إِنَّمَا ضَخَّى بِالضَّأْنِ وَمَا كَانَ لِيَتْرُكَ
(٣)
(١) أبو داود (٣١٥٦)، ابن ماجه (٣١٣٠). (٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٩٠/٢١).
في (ك): ((وأن)).
(٤)
البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١١٩/١٢١١).
في (ك، م): ((تضحیته)) .
(٥)
(٧)
في (ك، م): ((تضحيته)) .
(٩) إكمال المعلم (٢٤٠/٣).
(٦) البخاري (١٧٠١)، ومسلم (١٣٢١).
(٨) ليس في: الأصل.

=
S
٢٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الأفضَلَ كَمَا لَم يَتْرُكُهُ فِي الهَدَايَا فيه نَظَرٌ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ أنَّهُ ضَخَّى بِغَيرِ الضَّأْنِ، وأنَّهُ
تَرَكَ الأفضَلَ في حَقِّنَا في الهَدَايَا فَأَهدَى الغَنَمَ، وكَانَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ إِذَا
فَعَلَ العِبَادَةَ المَفضُولَةَ كَانَت في حَقِّه فَاضِلَةً، لِكَونِهِ يُبَيِّنُ بِذَلِكَ شَرعِيَّتَها. وقَد
تُحمَلُ تَضحِيَتُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِالكَبشَينِ، عَلى أنَّهُ لَم (١) يَجِد ذَلِكَ الوقتَ
إلا الغَنَمَ، أو أنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الجَوازِ، واللهُ أعلمُ.
والجَوابُ عن الثَّالِثِ، وهو أقوى مَا استَدَلوا بِهِ: أنَّهُ مَحمُولٌ عَلى تَفضِيلٍ
الكَبشِ عَلى مُسَاوِيه من الإِبِلِ والبَقَرِ، فَإِنَّ البَدَنَةَ والبَقَرَةَ كُلُّ منهُمَا يُجزِئُ عن
سَبعَةٍ، فَيَكُونُ المُرَادُ تَفضِيلَ الكَبشِ عَن (٢) سُبعٍ بَدَنَةٍ وسُبعٍ بَقَرَةٍ، و(٣) تَفْضِيلَ سَبِعٍ
من الغَنَمِ عَلى البَدَنَةِ والبَقَرَةِ، لِتَتَّفِقَ الأحَادِيثُ، فَإِنَّ ظَاهرَ الحديثِ الذي نَحنُ في
شَرحِه مُوافِقٌ لِلجُمهورِ .
قال والِدِي تَخْلُ: وقَد يُجَابُ بِأنَّ المُرَادَ خَيرُ (٤) الأُضحِيَّةِ [بِالغَنَم
الكَبشُ](٥). قال: وفيه تَعَسُّفٌ. انتَهَى.
واحتَجَّ الجُمهورُ أيضًا بِقِيَاسِ الضَّحَايَا عَلى الهَدَايَا، وأيضًا فَقِيلَ، في قَوله
تَعَالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِْ﴾ [البقرة: ١٩٦]: إنَّ المُرَادَ شَاءٌ(٦).
وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نُقْصَانِ مَرتَتِها عن غَيرِها من النَّعَمِ .
وأيضًا فَإِنَّ النَّبي ◌َّهِ سُئِلَ عن أفضَلِ الرِّقَابِ فقال: ((أعلاها ثَمَنَّا وأنفَسُها
عِندَ أهلِها))(٧) .
ولَا شَكَّ في أنَّ الإِبِلَ والبَقَرَ أنفَسُ عِندَ النَّاسِ وأعلى (٨) ثَمَنًا من الغَنَمِ.
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: استُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ مَن التَّزَمَ هَديًا يَكفيه أن يُخرِجَ
نَاقَةً أو (٣/ ١٨٠م) بَقَرَةً أو شَاةً؛ لِأَنَّهُ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أطلَقَ لَفظَ
(١) ليس في: الأصل.
(٣)
في (ك، م): ((أو)).
(٤) في (ك): ((خبر)).
(٥)
في الأصل: ((بالكبش)).
(٦) ينظر: تفسير الطبري (٢٧/٣).
(٧) البخاري (٢٥١٧)، ومسلم (١٣٦/٨٤). (٨) في (م): ((وأغلى)).
(٢) في (ك، م): ((على)).

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٤٩
=
الهَديِ عَلى الثَّلَاثَةِ، وقَد اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ في الإِبِلِ والبَقَرِ .
واتَّفَقَ عَلَيه أصحَابُنَا في الغَنَمِ أيضًا (١).
وقال القَاضِي عِيَاضٌ (٢): أجَازَ مَالِكٌ مَرَّةً الشَّاةَ ومَرَّةً لَم يُجِزها، إلا(٣) من
قِصَرِ النَّفَقَةَ، عَلى تَضعِيفٍ منهُ فيها .
وبَى القَاضِي الخِلَافَ عَلى أنَّ الغَنَمَ هَل هو (٤) من الهَديِ أم لا؟
■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ مَن التَزَمَ هَديًا مُطلَقًا، يَكفيه إخرَاجُ
الدَّجَاجَةِ والبَيضَةِ أيضًا .
وهو أحَدُ قَولَي الشَّافِعِيِّ، ويُنسَبُ إلى الإملَاءِ، والقَدِيمُ.
والصَّحِيحُ من مَذْهَبِهِ: أنَّهُ يَتَعَيَّنُ النَّعَمُ، وهو قَولُهُ في الجَدِيدِ، وحُكِي عن
أبي حَنِيفَةَ، وأحمَدَ.
ويَحْتَجُّ لِهَذَا: بِأَنَّ مَعنَى الإِهدَاءِ هُنَا التَّصدقُ، لَا بِقَيدِ الصَّدَقَةِ المَخْصُوصَةِ،
والصَّدَقَّةُ تَنْطَلِقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ.
وهَذَانِ القَولَانِ مَبنِيَّانِ عَلى أنَّ النَّذرَ هَل يُسلَكُ بِهِ مَسلَكَ جَائِزِ الشَّرعِ، أو
واجِبِ الشَّرعِ؟
فَإِن قُلنَا بِالأولِ، فَيُحمَلُ النَّذرُ عَلى أَقَلِّ مَا يُتَقَرَّبُ بِه. وإن قُلنَا بِالثَّانِي،
حُمِلَ عَلى أَقَلِّ مَا يَجِبُ من ذَلِكَ الجِنسِ، وهو أقَلُّ مُجزِئٍ في الأُضحِيَّةِ.
قال أصحَابُنَا: وصُورَةُ القَولَينِ [٢٢٤/١ظ] أن يَقُولَ: لِلَّه عَلَيَّ هَديٌّ، أو لِلَّه
عَلَيَّ أن أُهدِيَ، فَأَمَّا لَو قال: لِلَّهِ عَلَيَّ أن أُهْدِيَ الهَديَ، فَإنَّهُم لَم يُجرُوا فيه
الخِلَافَ، بَل جَزَمُوا بِانصِرَافِ النَّذْرِ إِلى المَعهودِ شَرعًا، وهو المُجزِئُّ في الأُضحِيَّةِ.
وأجَابَ القَاضِي عِيَاضٌ(٥) عن هَذَا الحديثِ: بِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَهُ عَلى مَا قَبَلَهُ من
الهَدَايَا أعطَاهُ حُكمَهُ في اللفظِ كَقَولِهم:
(١) ليس في: (ك).
(٣) بعدها في (ك، م): ((أن)).
(٥) إكمال المعلم (٢٤٠/٣).
(٢) إكمال المعلم (٢٤١/٣).
(٤) في (م): ((هي)).

=
٢٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
مُتَقَلِّدًا(١) سَيفًا ورُمِحًا
أي: وحَامِلًا رُمحًا، فَكَأنَّهُ قال: كَالمُتَقَرِّبٍ بِالصَّدَقَةِ بِدَجَاجَةٍ أو بَيضَةٍ،
وأُطلِقَ عَلى ذَلِكَ اسمُ الهَديِ، لِتَقَدُّمِه وتَجْنِيسِ الكُلَامِ بِهِ. انتَهَى.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ إذَا قال: لِلَّه عَلَيَّ أن أُهدِيَ بَدَنَةً.
ولَم يَذْكُر الإِبِلَ لَفِظًا ولَا نَواها، أنَّهُ يَتَعَيَّنُ الإِبِلُ، فَإِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ جَعَلَ
في مُقَابَلَتِها البَقَرَةَ والكَبشَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَا يَنطَلِقُ عَلَيهِمَا؛ لِأَنَّ قَسِيمَ الشَّيءٍ لا
يَكُونُ قِسمًا منهُ.
وفي المَسألَةِ لِأصحَابِنَا ثَلَاثَةُ أوجٍُ :
أحَدُها: تَعَيُّنُ الإِبِلِ لمَا ذَكَرِنَاهُ.
وثَانِيها: إجزَاءُ بَقَرَةٍ وسَبعٍ من الغَنَمِ أيضًا.
وثَالِثُها: وهو الأَصَحُّ الذي نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ، تَعَيُّنُ الإِبِلِ عِندَ وُجُودِها،
وإجزَاءُ الْبَقَرِ (٢) عِندَ عَدَمِها، وإجزَاءُ الغَنَمِ عِندَ عَدَمِهِمَا. وقَد تَقَدَّمَ كَلَامُ أهلِ اللُّغَةِ
في تَفْسِيرِ البَدَنَةِ.
ونَقَلَ القَاضِي عِيَاضُ(٣) عن عَطَاءِ: أنَّ البُدنَ لَا تَكُونُ إلا من الإِبِلِ وحدَها
وعن مَالِكٍ: أَنَّهُ يَرَى الْبَقَرَ (١٨١/٣م) من البُدنِ.
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: أطلَقَ في الأُولى ذِكرَ البَدَنَةِ، وفي الثَّانِيَةِ ذِكرَ البَقَرَةِ،
ولَم يُطلِقِ في الثَّالِئَةِ ذِكرَ الشَّاةِ، بَل قَيَّدَ ذَلِكَ بِالكُبشِ.
وتَقَدَّمَ من ((سُنَنِ النَّسَائِيّ): ((وكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً))، فَأطلَقَها كَمَا أطلَقَ البَدَنَةَ
والبَقَرَةَ.
وفي ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه))(٤) من طَرِيقِ الحَسَنِ، عن سَمُرَةَ بنِ جُندَبٍ: أنَّ
رسولَ الله وَ﴿ِ ضَرَبَ مَثَلَ الجُمُعَةِ ثُمَّ التَّبكِيرِ؛ كَنَاحِرِ (٥) البَدَنَةِ؛ كَناحِرٍ(٦) البَقَرَةِ؛
(١) في الأصل: ((متقلدٌ)).
(٣) إكمال المعلم (٢٤٠/٣).
(٢) في (م): ((البقرة)).
(٤) ابن ماجه (١٠٩٣).
(٥) في (م): ((كتاجر)).
(٦) في (م): ((كتاجر)).

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٥١
=
كَناحِرٍ (١) الشَّاةِ، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ.
ولَا شَكَّ أنَّ الآتينَ إلى الجُمُعَةِ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مُتَفَاوِتُونَ، فَبَعضُهُم كَمَن
قَرَّبَ كَبشًا، وبَعضُهُم كَمَن قَدَّمَ دُونَ ذَلِكَ من أنواعِ الغَنَمِ.
■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: فيه إجزَاءُ الجَذَعِ من الضَّأْنِ في الهَدَايَا والضَّحَايَا،
وهَذَا مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الأَربَعَةِ، وهَذَا بِنَاءً عَلى مَا تَقَدَّمَ عن صَاحِبٍ ((المُحكَمِ)) (٢):
أنَّ الكَبشَ فَحِلُ الضَّأْنِ في أيِّ ◌ِنٌّ كَانَ.
وحُكِيَ عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّهُ لَا يُجزِئُ من الضَّأْنِ إلا الثَّنِيُّ)»؛ كَغَيرِهِ من المَعزِ
والإِبِلِ والبَقَرِ. وهَذَا مَبنِيٌّ عَلى القَولِ الآخَرِ: أنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ كَبشٌ إلا إذَا أَثْنَى،
واللهُ أعلمُ .
الحديثُ الخَامِسُ
جَ وعن جَابِرٍ قال: دَخَلَ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، والنَّبِي وَلَهِ يَخطُبُ، فقال
لَهُ: ((صَلَّيت))؟ قالَ: لَا. قال: ((صَلِّ رَكعَتَينٍ)).
فيه فوائدُ:
الأُولى: اتَّفَقَ عَلَيْه الشَّيخَانِ، وابنُ مَاجَه(٣)، من طَرِيقِ سُفَيَانَ بِنِ عُيَيْنَةَ،
وفي رِوايَةٍ مسلم: ((يَخْطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ))، وفي رِوايَةٍ لَهُ: ((قُم فَصَلِّ الرَّكعَتَينِ)).
واتَّفَقَ عَلَّيه الأئِمَّةُ الخَمسَةُ(٤) من طَرِيقِ حَمَّادِ بنِ زَيدٍ بِلَفِظِ: ((قُمْ فَارَكَع))
(١٨٢/٣م). وقال التِّرمِذي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أصَحُّ شَيءٍ فِي هَذَا الْبَابِ.
واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ، والنَّسَائِيُّ من طَرِيقِ شُعبَةَ بِلَفِظِ: إِنَّ النَّبِي وَّ خَطَبَ
(١) في (م): ((كتاجر)).
(٢) المحكم والمحيط الأعظم (٦/ ٦٩١).
(٣)
البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٥٥/٨٧٥)، وابن ماجه (١١١٢).
(٤) البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٥٤/٨٧٥)، وأبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠)، والنسائي
(١٤٠٨).

=
٢٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فقال: ((إِذَا جَاءَ أحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ وقَد خَرَجَ الإِمَامُ، فَلَيُصَلِّ رَكَعَتَينٍ)): لَفِظُ
مسلم(١).
وأخرَجَهُ مسلمٌ، والنَّسَائِيُّ(٢) من طَرِيقِ ابنِ جُرَيجٍ، وأخرَجَهُ مسلمٌ(٣) من
طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ، خَمسَتُهُم عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابٍِ .
وأخرَجَهُ مسلمٌ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه(٤)، من طَرِيقِ أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ
أَنَّهُ قال: جَاءَ سُلَيكُ الغَطَفَانِيُّ يَومَ الجُمُعَةِ، ورسولُ الله ◌َّ قَاعِدٌ عَلى المنْبَرِ،
فَقَعَدَ سُلَيكٌ قَبلَ أن يُصَلِّيَ، فقال لَهُ النَّبِي وَلِ: ((أَرَكَعتَ رَكَعَتَينٍ؟)) قال: ((لَا))،
قال: ((قُم فَاركَعهُمَا))، وأخرَجَهُ مسلمٌ، وأبُو دَاوُد، وابنُ مَاجَه(٥)، من طَرِيقٍ
أبي سُفْيَانَ، عن جَابِرٍ قال: جَاءَ سُلَيكُ الغَطَفَانِيُّ، بِمَعنَاهُ إلا أنَّهُ قال: ((فَاركَع
رَكَعَتَينٍ وتَجَوَّز فيهمَا))، ثُمَّ قال: ((إِذَا جَاءَ أحَدُكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخطُبُ:
فَلَيَركَعِ ويَتَجَوز فيهمَا)). لَفِظُ مسلمٍ.
وفي رِوايَة ابنِ مَاجَه: ((أصلَيتَ رَكَعَتَينٍ قَبلَ أن تَجِيءَ؟)) [٢٢٥/١ و] ورَوى
ابنُ حِبَّنَ في ((صَحِيحِه) (٦) من طَرِيقِ ابنِ إسحَاقَ، حَدَّثَنِي أَبَانُ بنُ صَالِحٍ، عن
مُجَاهدٍ، عن جَابِرٍ قال: دَخَلَ سُلَيكُ الغَطَفَانِيُّ المَسجِدَ يَومَ الجُمُعَةِ،
ورسولُ اللهِ وَّه يَخْطُبُ النَّاسَ. فقال لَهُ رسولُ الله ◌َّهِ: ((اركَع رَكَعَتَينٍ وَلَا تَعُودَنَّ
لِمِثِلِ هَذَا» فَرَكَعَهُمَا ثُمَّ جَلَسَ.
قال ابنُ حِبَّانَ: أَرَادَ بِهِ الإبطَاءَ.
ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِهِ الكَبيرِ))(٧) من رِوايَةٍ مَنصُورِ بنِ أبي الأسودِ،
عن الأعمَشِ، عن أبي سُفْيَانَ، عن جَابِرٍ قال: دَخَلَ النُّعمَانُ بنُ فَوقَلٍ
(١) البخاري (١١٧٠)، ومسلم (٥٧/٨٧٥)، والنسائي (١٣٩٤).
(٢)
مسلم (٥٦/٨٧٥)، النسائي (١٣٩٥). (٣) مسلم (٨٤٥).
(٤)
مسلم (٥٨/٨٧٥)، النسائي في الكبرى (٤٩٤)، ابن ماجه (١١١٢).
(٥)
مسلم (٥٩/٨٧٥)، أبو داود (١١١٦) ابن ماجه (١١١٤).
(٦)
ابن حبان (٢٥٠٤).
الطبراني في الكبير - كما في نصب الراية (٢٠٣/٢).
(٧)

=
٢٥٣
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
ورسولُ اللهِ وَّهِ عَلى المِنْبَرِ يَخْطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، فقال لَهُ النَّبِي ◌َّهِ: ((صَلِّ رَكَعَتَينٍ
تَجَوز فيهمَا، فَإِذَا جَاءَ أحَدُكُمْ يَومَ الجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخطُبُ، فَلِيُصَلِّ رَكعَتَينٍ
وليُخَفِّفهُمَا))، ومَنصُورُ بنُ أبي الأسودِ: وثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ، ونَسَبَهُ لِلَّشَبُّعِ. وقال
أَبُو حَاتِم : يُكتَبُ حَدِيثُهُ.
■ الثَّانِيَةُ: قَد عَرَفت اختِلَافَ الرِّوايَاتِ فِي هَذَا الرَّجُلِ المُبِهَمِ، هَل هو
سُلَيكُ الغَطَفَانِيُّ، أو النُّعمَانُ بنُ قَوقَلٍ؟.
وحَكَى ابْنُ بَشكُوالَ في ((المُبهَمَاتِ)) قَولًا آخَرَ: أَنَّهُ أَبُو هُدبَةَ(١).
والذي في ((صَحِيحِ مسلم)): أَنَّهُ سُلَيكٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قال والِدِي تَّثُ في شَرح التِّرمِذي: لَا مَانِعَ من أن يَكُونَا واقِعَتَينٍ، فَمَرَّةً
مَعَ سُلَيكِ، ومَرَّةً مَعَ النُّعمَانِ بنِ فَوقَلٍ .
■ الثَّالِثَةُ: فيه استِحِبَابُ تَحِيَّةِ المَسجِدِ لِلدَّاخِلِ يَومَ الجُمُعَةِ والإمَامُ
يَخطُبُ، وهو مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ وأحمَدَ. ورَواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٢) عن
الحَسَنِ البَصرِيِّ. وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ (٣) عن مَكحُولٍ، (١٨٣/٣م) وسُفَيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ،
والمُقْرِئٍ؛ يَعنِي: أبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، والحُمَيدِيِّ، وإسحَاقَ، وأبي ثَورٍ، وطَائِفَةٍ من
أهلِ الحديثِ.
وقال بِهِ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وأَبُو القَاسِمِ السُّيُورِيِّ، عن مَالِكِ.
وحَكَاهُ ابنُ حَزمٍ(٤) عن جُمهورِ أصحَابِ الحديثِ.
وذَهَبَ آخَرُونَ: إلى أنَّهُ لَا يَفعَلُها، وهو قَولُ مَالِكٍ، وأبي حَنِيفَةً، وسُفيَانَ
الثَّورِيِّ، ورَواهُ ابنُ أبي(٥) شَيْبَةَ(٦) عن عَلِيٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وسَعِيدِ بنِ
(١) غوامض الأسماء (٦٢/١). وفيه: ((ابن هدية)). وينظر: تهذيب الأسماء للنووي
(٢٣١/١).
(٣)
الأوسط (١٠٣/٤)، نشر وزارة الأوقاف القطرية.
(٤)
المحلى (٧٠/٥).
(٦) المصنف (٢/ ١١١).
(٢) المصنف (١١٠/٢).
(٥) ليس في: (ك).

٢٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المُسَيِّبِ، ومُجَاهدٍ، وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ، وعُروةً بن الزُّبَيرِ، ومُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ،
وشُرَيحِ القَاضِي، والزُّهرِيِّ.
1
وعن ثَعلَبَةَ بنِ أبي مَالِكِ القُرَظي(١) قال: أدرَكتُ عُمَرَ، وعُثمَانَ، فَكَانَ
الإمَامُ إذَا خَرَجَ يَومَ الجُمُعَةِ تَرَكِنَا الصَّلَاةَ.
وبَيَّنَ والِدِي تَخْتُ في ((شَرحِ التِّرمِذي)): أنَّ الأثَرَ عن عَلِيٍّ لَم يَصِحَّ، وأنَّهُ
هو والمَذكُورِينَ بَعدَهُ لَيسَ كَلَامُهُم صَرِيحًا في تَركِ التَّحِيَّةِ، والّاهرُ: أنَّ مُرَادَهُم
تَركُ الصَّلَاةِ لِمَن هو في المَسجِدِ .
وحَكَى ابْنُ المُنذِرِ تَركَ الثَّحِيَّةِ في هَذِه الحَالَةِ عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ،
وشُرَيحٍ، والنَّخَعِيِّ، وقَتَادَةَ، والليثِ، والثَّورِيِّ، وسَعِيدِ بنِ عَبدِ العَزِيزِ.
ثُمَّ إِنَّ القَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي الثَّحِيَّةَ في هَذِهِ الحَالَةِ: اقْتَصَرَ أكثَرُهُم عَلى
الكَرَاهَةِ، وبِهِ جَزَّمَ ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٢)؛ نَاقِلًا لَهُ عن مَالِكِ، والليثِ،
وأبي حَنِيفَةَ، وطَائِفَةٍ من السَّلَفِ.
وقال القَاضِي أَبُو بَكرٍ ابنُ العَرَبي (٣): الجُمهورُ عَلى أنَّهُ لَا يَفعَلُ، وهو
الصَّحِيحُ أنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ إِذَا شَرَعَ الإمَامُ في الخُطِبَةِ.
قال: والدَّلِيلُ من ثَلَاثَةِ أوجُهٍ، وسَنَحكِيها عنهُ بَعدَ ذَلِكَ.
وذَهَبَ أبُو مِجلَزٍ لَاحِقُ بنُ حُمَيدٍ إلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ بَينَ فِعلِ التَّحِيَّةِ
وتَركِها، فقال: إن شِئتَ رَكَعتَ رَكعَتَينٍ وإن شِئتَ جَلَستَ. رَواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ
في ((مُصَنَّفِه))(٤)، فَهَذِهِ أربَعَةُ مَذَاهبَ: الاستِحبَابُ، والكَرَاهَةُ، والتَّحرِيمُ،
والتَّخِيرُ.
الزَّابِعَةُ: القَائِلونَ بِسُقُوطِ التَّحِيَّةِ في هَذِهِ الصُّورَةِ مُحتَاجُونَ إِلى الجَوابِ
عن هَذَا الحدیثِ.
(١) في (م): ((القرطبي)).
(٣) عارضة الأحوذي (٢٩٩/٢).
(٢) المغني (١٩٢/٣).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (١١١/٢).

=
٢٥٥
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
وقَد أجَابُوا عنهُ بِأجوِبَةٍ: قال ابنُ العَرَبي(١) بَعدَ أن استَدَلَّ عَلى التَّحرِيم
بِثَلَاثَةِ أدِلَّةٍ:
أحَدُها: قَوله تَعَالى: ﴿وَإِذَا قُرِيَ اٌلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]،
قال: فَكَيفَ يَترُكُ الفَرضَ الذي شَرَعَ الإمَامُ فيه إذَا دُخِلَ(٢) [٢٢٥/١ظ] عَلَيه فيه،
ويَشتَغِلُ بِغَيْرِ فَرْضٍ؟
الثَّانِي: قال: صَحَّ عنهُ من كُلِّ طَرِيقٍ أَنَّ النَّبِيِّهِ قال: ((إِذَا قُلتَ لِصَاحِبِك
يَومَ الجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخطُبُ: أنصِت، فَقَد لَغَوتَ))(٣)، فَإِذَا كَانَ الأمرُ بِالمَعْرُوفِ
والنَّهيُ عن المُنكَرِ الأصلَانِ المَفْرُوضَانِ (١٨٤/٣م) الرُّكنَانِ فِي المَسأَلَةِ يَحْرُمَانِ فِي
حَالَةِ الخُطِبَةِ، فَالنَّفْلُ أولى أن يَحْرُمَ.
الثَّالِثُ: قال: لَو دَخَلَ والإمَامُ في الصَّلَاةِ لَم يَركَع، والخُطبَةُ صَلَاةٌ، إذ
يَحْرُمُ فيه من الكَلَامِ والعَمَلِ مَا يَحْرُمُ في الصَّلَاةِ.
قال: فَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيكٍ، فَلَا تُعَارَضُ (٤) بِهِ هَذِهِ الأُصُولُ من أربَعَةِ أوجُهٍ :
أحدها: أنَّهُ خَبَرٌ واحِدٌ تُعَارِضُهُ أخبَارٌ أقوى منهُ، وأُصُولٌ من القُرآنِ
والشَّرِيعَةِ، فَوجَبَ تَرِكُهُ.
الثَّانِ: أنَّهُ يَحتَمِلُ أن يَكُونَ في وقتٍ كَانَ الكَلَامُ مُبَاحًا في الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا
يُعلَمُ تَارِيخُهُ، فَكَانَ مُّبَاحًا في الخُطبَةِ، فَلَمَّا حَرُمَ في الخُطَبَةِ الأمرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهِيُّ
عن المُنكَرِ الذي هو آكَدُ فَرِيضَةٍ من الاِستِمَاعِ، فَأولى أن يَحْرُمَ مَا لَيْسَ بِفَرضٍ.
الثَّالِثُ: أنَّ النَّبِيِيهِ كَلَّمَ سُلَيْكًا، وقال لَهُ: ((قُم فَصَلِّ)). فَلَمَّا كَلَّمَهُ وأمَرَهُ
سَقَطَ عنْهُ فَرِضُ الاستِمَاعِ إِذْ لَم يَكُن هُنَالِكَ قَولٌ ذَلِكَ الوقتَ مِنْهُ وَّهِ إِلا مُخَاطَبَتُهُ
لَهُ وسُؤَالُهُ وأمرُهُ، وهَذَا أَقوى ما في البَابِ.
الرَّابِعُ: أنَّ سُلَيْكًا كَانَ ذَا بَدَّةٍ وفَقرٍ، فَأَرَادَ النَّبِي وَّهِ أن يُشهرَهُ لِيُرَى حاله،
فَيُغَيِّرَ منهُ.
(١) عارضة الأحوذي (٣٠٠/٢ - ٣٠٢).
(٣) البخاري (٩٣٤)، ومسلم (١١/٨٥١).
(٢) هكذا ضبطت في: الأصل.
(٤) في (ك): ((يعارض)).

=
على
٢٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال: وأمَّا فِعلُ الحَسَنِ، فَيُحتَمَلُ أنَّهُ خَطَبَ الإمَامُ بِمَا لَا يَجُوزُ، فَبَادَرَ
الحَسَنُ إلى الصَّلَاةِ.
قال: وقَد رَأينَا الزُّهادَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ والكُوفَةِ إِذَا بَلَغَ الإمَامُ إلى الدُّعَاءِ
لِأهلِ الدُّنيَا قَامُوا فَصَلَّوا، ورَأيتهم أيضًا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ جُلَسَائِهِم فيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيه
من أُمُورِهم أو في عِلمِ، ولَا يَصغَونَ إِلَيهم حِينَئِذٍ، فَالإِشْتِغَالُ بِالطَّاعَةِ عنْهُم
واجِبٌ. انتَهَى.
قال والِدِي كَُّ في ((شَرحِ التِّرمِذي)): ولَيسَ فيمَا احتَجَّ بِه من الأوجُه
السَّبعَةِ حُجَّةٌ لَهُ.
الأولُ: احتِجَاجُهُ بِالآيَةِ، ولَا حُجَّةَ فيها لِوُجُوهِ :
أحَدُها: أنَّ المُتَكَلِّمَ سِرًّا مُنصِتٌ، بَل ورَدَ وصفُهُ في الحديثِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ
سَاكِتٌ، وذَلِكَ في حَدِيثٍ أبي هُرَيْرَةَ، إذ سألَ(١) النَّبِي وَهُ فقال: يا رسولَ الله
سُكُوتُكَ بَيْنَ التَّكبيرِ والقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ فيه؟ فقال: ((أقُولُ: اللَّهُمَّ))(٢)، فَذَكَرَ
الحديثَ. فَسَمَّاهُ سَاكِتًا لِكَونِهِ مُسِرًّا.
الثَّانِي: أنَّ الخَطِيبَ لَيْسَ بِقَارِئٍ لِلقُرآنِ إلا في الآيَةِ التي اختُلِفَ فِي وُجُوِها
في الخُطبَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ كُونِهِ يَأْتِي بِالتَّحِيَّةِ فِي حَالِ (٣) قِرَاءَةِ الخَطِيبِ الآيَةَ (٤) مَعَ
القَولِ بِوُجُوبِها، فَإِنَّمَا يَجِبُ الإنصَاتُ عَلى العَدَدِ الذينَ تَنعَقِدُ بِهِم الجُمُعَةُ، عَلى
الخِلَافِ المَعرُوفِ فِي ذَلِكَ.
وعَلى القَولِ بِوُجُوبِ الإنصَاتِ عَلَى الجَمِيعِ، فَلَا مَانِعَ من استِمَاعِه وإنصَاتِهِ
في حَالِ قِرَاءَتِه ◌ِرًّا.
الثَّالِثُ: بِتَقدِيرِ حَملِ القُرآنِ عَلى جَمِيعِ الخُطبَةِ، فَيَجُوزُ (١٨٥/٣م) تَخْصِيصُ
الكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، عَلى الصَّحِيحِ الذي عَلَيه جُمهورُ الأُصُولِيِينَ.
الوجهُ الثَّانِي: استدلاله بِحَدِيثِ: ((إِذَا قُلتَ لِصَاحِبِك)) الحديثَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ
(١) في (م): ((سئل)).
(٣) في (م): ((حالة)).
(٢) مسلم (٥٨/ ١٤٧).
(٤) في (ك): (للآية)).

=
٢٥٧
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
في المُتَكَلِّم بِحَيثُ يَسمَعُهُ غَيرُهُ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحصُلُ التَّشوِيشُ عَلى السَّامِعِينَ،
والمُتَكَلِّمُ سِرًّا كَالدَّاعِي سِرَّا فَهو مُنصِتٌ، بَل سَاكِتٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وبِتَقدِيرِ كَونِهِ غَيْرَ
مُستَمِعٍ وغَيرَ مُنصِتٍ، فَحَدِيثُ الْبَابِ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الحديثِ.
الوجهُ الثَّالِثُ: قوله(١): إنَّهُ لَو دَخَلَ والإمَامُ في الصَّلَاةِ لَم يَركَع والخُطبَةُ
صَلَاةٌ. مَردُودٌ من أوجُهٍ :
أحَدُها: أنَّهُ إذَا دَخَلَ والإمَامُ في الصَّلَاةِ أجزَاهُ ذَلِكَ عن التَّحِيَّةِ؛ لِأَنَّ
المَقصُودَ شَغلُ البُقعَةِ بِالصَّلَاةِ وقَد حَصَلَ، صَرَّحَ بِهِ أصحَابُنَا .
الثَّانِي: مَا بَينَ الصَّلَاةِ والخُطبَةِ من الفَرقِ، وقَد فَرَّقَ بَينَهُمَا النَّبِي ◌َِّـ
[٢٢٦/١,] فقال: ((إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ (٢) فَلَا صَلَاة٢ً) إلا المَكتُوبَةَ)) (٣)، وأمَرَ الدَّاخِلَ
والإِمَامُ يَخطُبُ بِصَلَاةِ التَّحِيَّةِ، فَلَا يُجمَعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ بَينَهُمَا صَاحِبُ الشَّرعِ،
ولَيسَتِ الخُطبَةُ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً إجمَاعًا. ونِهايَةُ مَا قِيلَ: إنَّ الخُطبَتَينِ بَدَلٌ عن
الرَّكعَتَيْنِ عَلى قَولٍ.
والثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ فيها مَا يَحِرُمُ في الصَّلَاةِ من الكَلَامِ والعَمَلِ، كَمَا
زَعَمَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أن يَتَكَلَّمَ الخَطِيبُ في أثنَائِها بِأمرٍ أجنبي عنها، ويَنزِلَ عن
المنبَرِ، ويَمْشِيَ ويَشرَبَ ويَأْكُلَ الْيَسِيرَ الذي لَا يَحصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ.
وقَد ثَبَتَ في ((صَحِيحِ مسلم))(٤) من حَدِيثِ أبي رِفَاعَةَ قال: انتَهَيت إلى
النَّبِيِ نَّهُ وهو يَخْطُبُ. فَقَلتُ(٥): يَّا رسولَ الله، رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسألُ عن دِينِهِ،
لَا يَدرِي مَا دِينُهُ؟ فَأقبَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ وَّهِ وَتَرَكَ خُطِبَتْهُ(٦)، حَتَّى انتَهَى فَأُتي
بِكُرسِيٍّ خِلتُ قَوائِمَهُ حَدِيدًا، فَقَعَدَ عَلَيه وجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى
خُطبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَها .
(١) ليس في: الأصل، (م). والمثبت أجود.
(٢ - ٢) ليس في: الأصل.
(٣) مسلم (٦٣/٧١٠).
(٤) مسلم (٦٠/٨٦٧).
(٥) في (م): ((فقال)).
(٦) في (ك، م): ((الخطبة)). والمثبت موافقٌ لمصدر التخريج.

=
٢٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَإن قال: فَلَعَلَّ مَا عَلَّمَهُ لِلأعرَابي مِمَّا يَصلُحُ أن يُؤْتَى بِهِ من الخُطِبَةِ. قُلْنَا:
نَعَم يَجُوزُ، لَكِن لَا تَجُوزُ المُخَاطَبَةُ بِالثَّعلِيمِ في الصَّلَاةِ، ولَا النُّزُولُ والمَشيُّ
والصُّعُودُ عَلى كُرسِيٍّ آخَرَ مَعَ تَوالِي ذَلِكَ، فَهو فِعلٌ كَثِيرٌ.
وجَوزَ كَثِيرٌ من العُلَمَاءِ الخُطبَ(١) مُحدِثًا، ولَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ إجمَاعًا، بَل
جَوزَ أحمَدُ أن يَخطُبَ جُنُبًا ثُمَّ يَغَسِلَ ويُصَلِّي بِهِم، والصَّلَاةُ يُشتَرَطُ فيها استِقِبَالُ
القِبِلَةِ، والخُطبَةُ يُشتَرَطُ فيها استِدبَارُها، فَكَيفَ يَستَوِيَانِ؟
الرَّابِعُ: قَولُهُ: إنَّ هَذَا خَبَرٌ واحِدٌ عَارَضَهُ أقوى منهُ.
جَوابُهُ: أنَّ الكُلَّ أخبَارُ آحَادٍ، ولَا نُسَلِّمُ أنَّ الذي يُعَارِضُهُ أقوى منهُ، فَقَد
قال الشَّافِعِيُّ في رِوايَةٍ حَرَمَلَةَ: إنَّ هَذَا الحديثَ ثَابِتٌ غَايَةَ النُّبُوتِ عن
رسولِ الله وَال﴾ (٢).
وقال التِّرمِذي(٣): إنَّهُ أصَحُّ شَيءٍ في هَذَا البَابِ. ولَو كَانَ أقوى منهُ لَم
يُتْرَك، بَل يُجمَعُ بَيْنَهُمَا، كَمَا تَقَدَّمَ.
الخَامِسُ: قَولُهُ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّ الكَلَامَ في الصَّلَاةِ كَانَ في ذَلِكَ الوقتِ
مُبَاحًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعلَمُ تَارِيخُهُ فَكَانَ مُبَاحًا في الخُطبَةِ.
جَوابُهُ: أنَّ سُلَيْكًا لَم يُنقَل تَقَدُّمُ إسلامِه، ولا يُعرَفُ لَهُ ذِكرٌ إلا في هَذَا.
والظّاهرُ: أنَّ إسلَامَهُ مُتَأخِرٌ مَعَ قَبِيلَتِهِ(٤) غَطَفَانَ، ولَو قُدِّرَ تَقَدُّمُ إسلَامِهِ، فَالجُمُعَةُ
إِنَّمَا صَلَّاها النَّبِيِ نَّهِ بَعدَ الهجرَةِ اتِّفَافًا، وتَحرِيمُ الكَلَامِ في الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ
حِينَ قَدِمَ ابنُ مَسعُودٍ من الهجرَةِ بِمَكَّةَ. وحَدِيثُهُ في ((الصَّحِيحَينِ))(٥)، وفيه: ((فَلَمَّا
رَجَعنَا من عِندِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمِنَا عَلَيه [(٦) فَلَم يَرُدَّ عَلَيْنَا! قُلنَا: يَا رسولَ الله، كُنَّا
نُسَلِّمُ عَلَيك في الصَّلَاةِ فقال: إنَّ في الصَّلَاةِ شَغلًا)). وفي رِوايَةٍ أبي دَاوُد،
(١) في (ك، م): ((الخطبة)).
(٣)
الترمذي (٥١٠).
(٢) ينظر: معرفة السنن للبيهقي (٤٧٩/٢).
(٤) في الأصل: ((قبيله)).
البخاري (١١٩٩)، ومسلم (٣٤/٥٣٨).
(٥)
(٦) من هنا إلى آخر المعكوف غير واضح أكثره في النسخة (ك).

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ
٢٥٩
=
والنَّسَائِيُّ(١): فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ. قال: ((إنَّ اللهَ رَتْ يُحدِثُ من أمرِهِ مَا يَشَاءُ،
وإِنَّ اللهَ قَد أحدَثَ أن لَا تَكَلَّمُوا في الصَّلَاةِ)). وابنُ مَسعُودٍ إِنَّمَا هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ
الهجرَةَ الأُولى بِاتِّفَاقِ أهل (٢) السِّيَرِ، وَرَجَعُوا وهو بِمَكَّةَ.
قال ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))(٣): كَانَ رُجُوعُ ابنِ مَسعُودٍ من عِندِ النَّجَاشِيِّ
قَبلَ الهجرَةِ بِثَلَاثٍ سِنِينَ.
السَّادِسُ: قَولُهُ(٤): إِنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَمَّا كَلَّمَ سُلَيْكًا، وقال لَهُ: ((قُم
فَصَلِّ)). سَقَطَ عنْهُ فَرِضُ الاِستِمَاعِ.
كَلَامٌ عَجِيبٌ، أَلَيسَ الذي أمَرَ سُلَيْكًا بِالصَّلَاةِ أمَرَ جَمِيعَ مَن دَخَلَ والإمَامُ
يَخطُبُ بِذَلِكَ بِقَولِه في بَقِيَّةِ الحديثِ: ((إِذَا جَاءَ أحَدُكُم والإِمَامُ يَخطُبُ فَليَركَعِ
رَكَعَتَيْنٍ))، فَمَا الذي خَصَّصَ سُلَيْكًا بِهَذَا الحُكمِ؟
فَإن قال: سَكَتَ لَهُ عن الخُطبَةِ حَتَّى فَرَغَ من صَلَاتِهِ.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ، كَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ(٥) وغَيْرُهُ.
ولَو كَانَ المُسَوِّغُ لِلصَّلَاةِ إمسَاكَهُ عن الخُطبَةِ لَقال: إذَا جَاءَ أحَدُكُم والإمام
يخطب(٦) فَلْيُمسِك لَهُ الخَطِيبُ عن الخُطبَةِ حَتَّى يَرَكَعَ.
وقَد رَوى أبُو سَعِيدِ الخُدرِيُّ: أنَّ رَجُلًا جَاءَ يَومَ الجُمُعَةِ في هَيْئَةٍ [٢٢٦/١ظ]
بَذَّةٍ، والنَّبِي وَّهِ يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَأَمَرَهُ فَصَلَى رَكَعَتَينٍ، والنَّبِي ◌َّهُ يَخْطُبُ .
رَواهُ التِّرمِذي(٧)، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(١) أبو داود (٩٢٤)، النسائي (١٢٢٠).
(٢) ليس في: (م).
(٣)
صحيح ابن حبان (٢٢٤٩).
(٤) ليس في: الأصل.
(٥) أخرج الدارقطني في سننه (١٦/٢) من طريق أبي معشر، عن محمد بن قيس؛ أن
النبي و 18 حين أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد
إلى خطبته .
قال الدار قطني: هذا مرسل لا تقوم به الحجة، وأبو معشر اسمه نجيح وهو ضعيف. انتهى.
(٦)
في (م): ((إلى المسجد)).
(٧) الترمذي (٥١١).

=
٢٦٠
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
السَّابِعُ: أنَّ(١) قَولَهُ: كَانَ سُلَيْكًا ذَا بَذَّةٍ وفَقٍ، فَأَرَادَ النَّبِيِ نَّ أَن يُشهرَهُ
لِيْرَى حاله فَيُغَيِّرَ منهُ.
جَوابُهُ: أنَّهُ لَو كَانَت العِلَّةُ ذَلِكَ لَقال: إِذَا جَاءَ أحَدُكُم وهو ذُو بَذَّةٍ، فَلَيَقُم
فَلَيَركَعِ حَتَّى يَتَصَدَّقَ عَلَيهِ النَّاسُ.
بَل لَيسَ لِذِكرِ التَّحِيَّةِ فَائِدَةٌ، بَل كَانَ يَقُولُ لَهُم: إذَا رَأيْتُم ذَا بَذَّةٍ فَتَصَدَّقُوا
عَلَيه.
قال والِدِي تَخُّْهُ: وأمَّا جَوابُهُ عن صَلَاةِ الحَسَنِ البَصرِيِّ بِاحتِمَالِ أنَّ الإمَامَ
خَطَبَ بِمَا لَا يَجُوزُ، وأنَّ الزُّهَادَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ والكُوفَةِ كَانُوا يَقُومُونَ إِذَا بَلَغَ
الإمَامُ لِلدُّعَاءِ لِأهلِ الدُّنيَا فَيُصَلونَ.
فَمن أعجَبِ الأُمُورِ، فَبِالاحتِمَالِ البَعِيدِ (١٨٧/٣م) يَخرُجُ الحَسَنُ عن كَونِه
فَعَلَهُ اتَّبَاعًا لِلحديثِ.
وقَد قال الثِّرمِذي(٢): وإنَّمَا فَعَلَهُ الحَسَنُ اتَّبَاعًا لِلحديثِ، وقَد رُوِيَ عن
جَابِرٍ عن النَّبِيِ وَلِ هَذَا الحديثُ.
قال والِدِي: ورَواهُ الحَسَنُ عنآ سُلَيكِ كَمَا عِندَ الطَّبَرَانِيِّ(٣)، وأرسَلَهُ(٤) في
((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٥) .
ومَن أهلُ الدُّنْيَا الذينَ يُدعَى لَهُم عَلى المَنَابِ؟
إِنَّمَا يُدعَى لِلسُّلطَانِ بِالصَّلَاحِ والتَّوفيقِ وعِزِّ الإسلامِ بِهِ، وقَد كَانَ يُدعَى
لِلأَئِمَّةِ في (٦) زَمَنِ عُمَرَ دَُّه.
قال: وأمَّا فِعلُ زُهادِ مَدِينَةِ السَّلَامِ والكُوفَةِ عَلى رَأيِهِ؛ فَلَيسُوا أهلًا
لِلإِقتِدَاءِ بِهِم خُصُوصًا عِندَ مُخَالَفَةِ الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ومَا رَأيْنَا مَن يَفعَلُ
ذَلِكَ بِبِلَادٍ مِصرَ والشَّامِ إلا جَهَلَةَ العَوامٌ، فَيَترُكُ أحَدُهُم السُّنَّةَ عِندَ إتيَانِهِ،
(١) ليس في: الأصل.
المعجم الكبير (١٦٤/٧) (٦٧١٢).
(٣)
(٥) المصنف (١١٠/٢).
(٢) الترمذي (٣٨٥/٢).
(٤) بعدها في (ك): ((كما)).
(٦) في (ك): ((من)).