النص المفهرس
صفحات 221-240
بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ كحر ٢٢١ = وعُثمَانَ قَد عَلِمَا أمرَ رسولِ اللهِ وَّهِ بِالغُسلِ عَلى الأَحَبِّ لَا عَلى الإِيجَابِ، وكَذَلِكَ، واللهُ أعلمُ، دَلَّ أنَّ عِلمَ مَن سَمِعَ مُخَاطَبَةَ عُمَرَ وعُثمَانَ مِثلُ عُمَرَ وعُثْمَانَ. انتَهَى، نَقَلَهُ البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(١). وذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ(٢) مِثْلَ ذَلِكَ، وقال: فَفي هَذَا إجمَاعٌ منهُم عَلى نَفيِ وُجُوبٍ الغُسلِ . وقَد اعتَرَضَ ابنُ حَزم(٣) عَلى هَذَا الاستِدلَالِ فقال: يُقَالُ لَهُم: مَن لَكُم بِأَنَّ(٤) عُثْمَانَ لَم يَكُن اغتَسَلَ فِي صَدرٍ يَومِه ذَلِكَ، ومَن لَكُم بِأنَّ عُمَرَ لَم يَأمُرُهُ بِالرُّجُوعِ لِلْغُسلِ؟ فَإِن قَالُوا: ومَن لَكُم بِأَنَّ عُثمَانَ كَانَ اغتَسَلَ في صَدرٍ يَومِه، ومَن لَكُم بِأنَّ عُمَرَ أمَرَهُ بِالرُّجُوعِ لِلِغُسلِ؟ قُلنَا: هَبكُم أنَّهُ لَا دَلِيلَ عِندَنَا بِهَذَا، ولَا دَلِيلَ عِندَكُم بِخِلَافِهِ، فَمَن جَعَلَ دَعواكُم أولى من دَعوى غَيرِكُم، فَالحَقُّ أن يَبقَى الخَبَرُ لَا حُجَّةَ فيه. هَذَا كَلَامُهُ. وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، أمَّا الإِحْتِمَالُ الأولُ، وهو أن يَكُونَ عُثمَانُ اغتَسَلَ في صَدرٍ يَومِه ذَلِكَ، فَهو مَردُودٌ دَلَّ الحديثُ عَلى خِلَافِه؛ لِأَنَّ عُمَرَ أنكَرَ عَلى عُثمَانَ الاقتِصَارَ عَلى الوُضُوءِ، ولَم يَعتَذِر ◌ُثمَانُ عن ذَلِكَ، فَلَو كَانَ اغتَسَلَ لَا عتَذَرَ بِذَلِكَ وذَكَرَهُ ولَم يَكُنْ يَتَوجَّهُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ إِنگَارٌ. وأمَّا الاحتِمَالُ الثَّانِي: وهو أن يَكُونَ عُمَرُ أمَرَهُ بِالرُّجُوعِ لِلغُسلِ فَهو مَدُفُوعٌ أيضًا، بِأنَّ الأصلَ خِلَافُهُ، فَمَن اذَّعَاهُ فَلْيُقِم الدَّلِيلَ (١٦٣/٣م) عَلَّيه. ولَا يُقَالُ: سَقَطَ الدَّلِيلُ لِلاحتِمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هو عِندَ تَكَافُؤِ الاحتِمَالَينِ، فَأَمَّا مَعَ تَرجِيحِ أحَدِهمَا بِوجهٍ(٥) من وُجُوه التَّرِيحَاتِ فَالعَمَلُ بِالرَّاجِحِ. وقَد تَرَجَّحَ عَدَمُ أمرِهِ بِذَلِكَ بِأنَّهُ على(٦) خِلَافُ الأصلِ، كَمَا ذَكَرِنَا، فَيَحْتَاجُ مُثِتُهُ إلى بَيَانٍ وإِلا كَانَ كَاذِبًا مُختَلِقًا . (١) معرفة السنن والآثار (٣٥٥/١)، وهو في الأم (٢٤٢/١). (٢) (٣) المحلى (١٥/٢). شرح معاني الآثار (١١٨/١). (٤) في (ك): ((أن)). (٦) ليس في: (ك، م). (٥) في (ك): ((توجه)). = ٢٢٢ كحر طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثُمَّ قال ابنُ حَزم (١): وبيقِينٍ نَدرِي أنَّ عُثمَانَ قَد أَجَابَ عُمَرَ في إنكَارِه عَلَيهِ، وتَعِظِيمِه أمرَ الغُسلِ بِأحَدٍ أجوِيَةٍ لَا بُدَّ من أحَدِها: إمَّا أن يَقُولَ لَهُ: قَد كُنتُ اغتَسَلتُ قَبلَ خُرُوجِي إلى السُّوقِ. وإمَّا أن يَقُولَ: بي عُذرٌ مَانِعٌ من الغُسلِ، أو يَقُولَ لَهُ نَسِيتُ، وهانَذَا أُرجِعُ وأغتَسِلُ. فَدَارُهُ كَانَت عَلى بَابِ المَسجِدِ مَشهورَةٌ إلى الآنَ، أو يَقُولَ [٢١٩/١ظ] لَهُ: سَأَغْتَسِلُ، فَإِنَّ الغُسلَ لِلَيَومِ لَا لِلصَّلَاةِ. فَهَذِه أربَعَةُ أجوِبَةٍ كُلُّها مُوافِقَةٌ لِقَولِنَا، أو يَقُولَ لَهُ: هَذَا أمرُ نَدَبٍ وَلَيْسَ فَرِضًا. وهَذَا الجَوابُ مُوافِقٌ لِقَولِ خُصُومنا، فَلَيْتَ شِعِرِي مَن (٢) الذي جَعَلَ لَهُم التَّعَلُّقَ بِجَوابٍ واحِدٍ من جُمْلَةِ خَمسَةٍ أجوِبَةٍ، كُلُّها مُمكِنٌ، وكُلُّها لَيسَ في الخَبَرِ منها شَيءٌ أصلًا. انتَهَى. قُلتُ: الإِحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثُ الأُولُ كُلُّها (٣) مَرَدُودَةٌ، بِأنَّها خِلَافُ الأصلِ، والاحتِمَالُ الرَّابِعُ سَيَأْتِي رَدُّهُ بَعدَ ذَلِكَ حِينَ نُقَرِّرُ أنَّ الغُسلَ لِلصَّلَاةِ (٤) في الكَلَامِ عَلى الحديثِ الذي بَعدَهُ. وقَد رُوِيَ أنَّ عُثمَانَ نَاظَرَ عُمَرَ في ذَلِكَ بِمَا دَلَّ عَلى أنَّ الأمرَ بِالغُسلِ لَيسَ عَلى الإِيجَابِ والعُمُومِ، وإنَّمَا هو عَلى الاستِحِبَابِ لِأهلِ الخُصُوصِ المُحَافِظِينَ عَلى جَمِيعِ أفعَالِ البِرِّ، رَواهُ ابنُ أبي شَيبَةً في (مُصَنَّفِه)) (٥)، عن هُشَيمٍ، عن مَنصُورٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، قال: أقبَلَ رَجُلٌ من المُهاجِرِينَ يَومَ الجُمُعَةِ، فَقَال لَهُ عُمَرُ: هَل اغتَسَلتَ؟ قال: لَا، قال: لَقَد عَلِمت أنَّا أُمِرِنَا بِغَيرِ ذَلِكَ، قال الرَّجُلُ: بِمَ أُمِرْتُم؟ قال: بِالغُسلِ، قال: أنتُم مَعاشِرَ (٦) المُهاجِرِينَ أم النَّاسُ؟ قال: لَا أدري. ثُمَّ رَواهُ: عن يَزِيدَ بنِ هارُونَ، عن هشَامٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ. (١) المحلى (١٧/٢). (٢) في (م): ((ما)). (٣) ليس في: (ك). (٥) المصنف (٩٤/٢). (٤) في (ك): ((في الصلاة)). (٦) في (ك، م): ((معشر)). وهو موافقٌ لمصدر التخريج. بَابُ صَلَاَةِ الجُمُعَةِ ٢٢٣ = قال: بَيْنَمَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَخطُبُ، قال: ثُمَّ ذَكَرَ نَحوهُ، لَم يَسُقْ لَفظَهُ. وقَد رَواهُ الطَّحَاوِيُّ: عن عَلِيٍّ بنِ شَيْبَةَ، عن يَزِيدَ بنِ هارُونَ. فَسَاقَهُ عَلى غَيرِ لَفِظِ الرِّوايَةِ الأُولى، ولَفظُهُ عِندَهُ: أنَّ عُمَرَ بَينَمَا هو يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، إذ أقبَلَ رَجُلٌ فَدَخَلَ المَسجِدَ، فقال لَهُ عُمَرُ: الآنَ حِينَ تَوضَّأتَ(١). فقال: مَا زِدتُ حِينَ سَمِعت الأذَانَ عَلى أن تَوضَّأْتُ ثُمَّ جِئت، فَلَمَّا دَخَلَ أمِيرُ المُؤمنينَ ذَكَّرته، فَقُلتُ: يَا أَمِيرَ المُؤمنينَ أمَا سَمِعتَ مَا قال؟ قال: ومَا قال؟ قُلتُ: قال: مَا زِدت عَلى أن تَوضَّأتُ حِينَ سَمِعت النِّدَاءَ ثُمَّ أقبَلتُ. (٣/ ١٦٤م) فقال: أمَا إنَّهُ قَد عَلِمَ أنَّا (٢) أُمِرِنَا بِغَيرِ ذَلِكَ، قُلتُ: ومَا هو؟ قال: الغُسلُ، فَقُلتُ: أنتُم أيُّها المُهاجِرُونَ الأولونَ أم النَّاسُ جَمِيعًا؟ قال: لَا أدرِي(٣). قال الخَطَّابي(٤): ولَم تَختَلِف الأُمَّةُ أنَّ صَلَاتَهُ مُجزِئَةٌ إذَا لَم يَغْتَسِل، فَلَمَّا لَم يَكُن الغُسلُ من شَرطِ صِحَّتِها دَلَّ أنَّهُ استِحِبَابٌ كَالا غتِسَالِ لِلعِيدِ، والإِحرَامِ الذي يَقَعُ الاغتِسَالُ فيه مُقَدّمًا (٥) لِسَبَبِهِ، ولَو كَانَ واجِبًا لَكَانَ مُتَأْخِّرًا عن سَبَبِهِ؛ كَالِ غِتِسَالِ لِلجَنَابَةِ والخَيضِ والنِّفَاسِ. انتَهَى. وبُوافِقُهُ كَلَامُ ابنِ عَبدِ البَرِّ(٦)، فَإِنَّهُ قال: لَا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ غُسلَ الجُمُعَةِ إلا أهلَ الظَّاهِرِ، وهُم مَعَ ذَلِكَ يُجِيزُونَ صَلَاةَ الجُمُعَةِ دُونَ غُسلٍ لَها. انتَهَى. ولَكِن تَقَدَّمَ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَغْتُ التَّصرِيحُ بِتَرجِيحِ كَونِه واجِبًا لَا تُجزِئُ الطَّهَارَةُ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ إلا بِهِ، وهو يَدُلُّ عَلَى شَرِطِيَّتِهِ، إلا إن أولْنَا كَلَامَ الشَّافِعِيِّ بِمَا تَقَدَّمَ. وإِنَّمَا صَدَّ أهلَ الظّاهرِ عن القَولِ بِشَرطِيَّتِهِ: أنَّهُم يَرَونَهُ لِلَيَومِ، فَيَصِحُ عِندَهُم فِعِلُهُ بَعدَ صَلَاةِ الجُمُعَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الجُمُعَةِ بِدُونِهِ، واللهُ تَعَالى أعلَمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةً: قَدْ يَحتَجُ بِهِ مَن يَرَى مُطلَقَ الأمرِ لِلنَّدَبِ دُونَ الوُجُوبِ (١) قال في حاشية (ك): ((لعله جئت)). (٣) شرح معاني الآثار (١/ ١١٧). (٤) معالم السنن (٢١٢/١). (٥) في (ك، م): ((متقدمًا)). (٢) في (ك): ((أننا)). (٦) الاستذكار (٧/٢). = ٢٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ حَيثُ لَا قَرِينَةَ، فَإِنَّ عُثْمَانَ(١) رَُّهَ تَرَكَ الاِغتِسَالَ مَعَ عِلمِهِ بِوُرُودِ الأمرِ بِهِ، ولَم يَأمُرُهُ عُمَرُ بِالاِغْتِسَالِ ولَا أحَدٌ من الصَّحَابَةِ. والجَوابُ: أَنَّهُ قَامَت ◌ِندَهُم أدِلَّةٌ اقْتَضَت أنَّ هَذَا الأمرَ لِلنَّدَبِ. ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): في قَولِ عُثمَانَ: ((سَمِعتُ النِّدَاءَ))، حُجَّةٌ عَلى (٣) أنَّ السَّعيَ إِنَّمَا يَجِبُ بِسَمَاعِه(٤)، وأنَّ شُهودَ الخُطبَةِ لَيسَ بِواجِبٍ عَلى مُقْتَضَى قَولِ أكثَرِ أصحَابِنَا . قُلتُ: أمَّا الاستِدلَال بِهِ عَلى أنَّهُ لَا يَجِبُ السَّعيُ إلا بِسَمَاعِ النِّدَاءِ فَظَاهِرٌ، والمُرَادُ: التَّنبيهُ عَلى أنَّ هَذَا كَانَ من المُقَرَّرِ عِندَهُم، فَإِنَّ الحُجَّةَ إِنَّمَا هيَ في المَرُفُوعِ. وأمَّا الاستِدلَال بِهِ عَلى أنَّ شُهودَ الخُطبَةِ غَيرُ واجِبٍ، فَمَحَلُّ نَظَرٍ، فَإِنَّهُ لَا يَلزَمُ من التَّأْخُرِ إلى سَمَاعِ النِّدَاءِ فَواتُ الخُطبَةِ، فَإِن قُلتَ: هَذَا عُثْمَانُ عَظُهُ قَد فَاتَهُ بَعضُ الخُطِبَةِ . قُلتُ: لَعَلَّهُ لَم يَفْتُهُ شَيءٌ من الأركَانِ، وعَلى تَقدِيرِ فَواتِ بَعضِ الأرکَانِ لِعُثْمَانَ(٥)، فَقَد حَضَرَها [٢٢٠/١و] خَلقٌ زَائِدُونَ عَلى العَدَدِ الذي تَنْعَقِدُ بِهِ الجُمُعَةُ، فَلَمْ يُفَوَّتْ سَمَاعَ بَعضٍ الأركَانِ حَيثُ لَم يَحضُر(٦) عَدَدُ الجُمُعَةَ، فَلَا يَصِحُّ إطلَاقُ الاِسْتِدلَالِ بِهِ عَلى عَدَمِ وُجُوبٍ شُهودِ الخُطبَةِ، بَل يُقَالُ: فيه دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَا يَجِبُ شُهودُها عَلى مَن زَادَ عَلى العَدَدِ الذي تَنعَقِدُ بِهِ الجُمُعَةُ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَة عَشَرَ: قال القَاضِي أَبُو بَكرٍ (١٦٥/٣م) ابنُ العَرَبي(٧): قال عُلَمَا ؤُنَا: لَم يُخرِجِ عُمَرُ عُثمَانَ من المَسجِدِ لِلغُسلِ لِضِيقِ الوقتِ. وأنَا أقُولُ: إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَد تَلَبَّسَ بِالعِبَادَةِ بِشَرطِها، فَلَا يَتْرُكُها لِأفضَلَ من ذَلِكَ، كَمَا لَو تَيَمَّمَ (١) بعدها في (م): ((بن عفان)). (٣) ليس في: (ك). (٥) في (ك): ((بعثمان)). عارضة الأحوذي (٢٨٤/٢، ٢٨٥). (٧) (٢) إكمال المعلم (٢٣٨/٣). (٤) في (م): ((لسماعه)). (٦) غير منقوطة في: (ك). بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢٢٥ = لِعَدَمِ المَاءِ ثُمَّ رَآهُ في أثناءِ الصَّلَاةِ، ولَو لَم يَكُنْ كَذَلِكَ لَخَرَجَ واغتَسَلَ. قاله(١) ابنُ القَاسِمِ، وابنُ كِنَانَةَ(٢). قُلتُ: كِلَا الأمرَينِ ضَعِيفٌ، وإِنَّمَا لَم يُكَلِّفُهُ الخُرُوجَ لِلإِغْتِسَالِ؛ لِأنَّهُ مُستَحَبٌّ وقَد ضَاقَ الوقتُ، [فَضِيْقٌ جُزءُ عِلَّةٍ، ولَيسَ عِلَّةً كَامِلَةً مُنفَرِدَةً بِالحُكمِ، فَإِنَّهُ لَو كَانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ وإن ضَاقَ الوقتُ](٣)، ولَا سِيَّمَا إن قِيلَ: إِنَّهُ شَرطَ، وكَيفَ يُقَالُ: إِنَّهُ تَلَبَّسَ بِالعِبَادَةِ مَعَ كُونِهِ لَم يَشرَع في الصَّلَاةِ بَعدُ. ■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قال أصحَابُنَا: إذَا عَجَزَ عن الغُسلِ لِفَرَاغِ المَاءِ بَعدَ الوُضُوءِ أو لِقُرُوحٍ في بَدَنِهِ تَمَّمَ وحَازَ الفَضِيلَةَ. قال إمَامُ الحَرَمَينِ (٤): هَذَا الذي قَالوهُ هو الظَّاهِرُ، وفيه احتِمَالٌ. وَرَجَّحَ الغَزَّالِيُّ هَذَا الإِحْتِمَالَ، وهو مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ. ■ الخَامِسَةَ عَشَرَ: قال القَاضِي أَبُو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٥): لَمَّا فَهَمَ بَعضُ (٦) أصحَابِنَا أنَّ المَقصُودَ من الغُسلِ يَومَ الجُمُعَةِ النَّظَافَةُ. قال: إنَّهُ يَجُوزُ بِمَاءِ الوردِ! وهَذَا نَظَرُ مَن رَدَّهُ إلى المَعنَى المَعقُولِ، وَنَسِيَ حِفظَ (٧) التَّعَبُّدِ فِي التَّعِينِ، وهو بِمَنْزِلَةِ مَن قال: الغَرَضُ من رَمي الجِمَارِ غَيظُ الشَّيْطَانِ، فَكُونُ بِالمَطَارِدِ ونَحوِها، ونَسِيَ حَّ التَّعَبُّدِ بِتَعِبِينٍ(٨) في (٩ المَعنَى وإِن كَانَ مَعَقُولًا٩). انتَهَى. (١) في (م): ((قال)). (٢) بعده في (ك): ((انتهى)). ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٣) (٤) نهاية المطلب (٥٢٩/٢). عارضة الأحوذي (٢/ ٢٨٠، ٢٨١). (٥) (٦) ليس في: (ك). في (م): ((حظ)). وهو موافق لما في عارضة الأحوذي. (٧) (٨) في عارضة الأحوذي: ((بتعيين المحدود)). (٩ - ٩) في الأصل: ((المعين وإن كان مفعولًا)). WN ٢٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الحديثُ الثَّالِثُ وعن سَالِم، عن أبيه، عن النَّبِيِّ ◌َّ: «مَن جَاءَ منكُم الجُمُعَةَ فَلیَغتَسِل». وعن نَافِع، عن ابنٍ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إِذَا جَاءَ أحَدُكُم الجُمُعَةَ فَلَيَغْتَسِّل)). (١٦٦/٣م) فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الأُولى: البخاريُّ(١) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بِنِ أبي حَمزَةَ، ومسلمٌ(٢) من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، كِلَاهُمَا عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمِ، عن أبيه. ورَواهُ الزُّهرِيُّ أيضًا، [عن عَبدِ الله بنِ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، عن أبيه: رَواهُ مسلمٌ والنَّسَائِيُّ(٣). ورَواهُ الزُّهرِيُّ أيضًا](٤)، عن سَالِم، وعَبدِ الله ابنَي عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، عن أبيهمَا: رَواهُ مسلمٌ، والنَّسَائِيُّ أيضًا(٥) وهَذَا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عِندَ الزُّهرِيِّ عنهُمَا. وحَكَى التِّرمِذي في ((جَامِعِه)) (٦)، عن البخاريِّ أنَّهُ قال: الصَّحِيحُ: حَدِيثُ الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبيه. وأخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: البخاريُّ(٧) من طَرِيقِ مَالِكٍ، ومسلمٌ(٨) من البخاري (٨٩٤) (١) (٢) مسلم (٨٤٤/ ... ). (٣) مسلم (٢/٨٤٤)، والنسائي (١٤٠٦). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٥) مسلم (٨٤٤)، ولم أجده عند النسائي من طريق سالم، وعبد الله - مجتمعين - غير أن النسائي قال بعد ما أخرجه من طريق عبد الله بن عبد الله: ما أعلم أحدًا تابع الليث على هذا الإسناد غير ابن جريج، وأصحاب الزهري يقولون: عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، بدل عبد الله بن عبد الله بن عمر. انتهى. (٦) الترمذي (٤٩٣)، وفيه: ((وقال محمد: وحديث الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث عبد الله بن عبد الله عن أبيه: كلا الحدیثین صحيح)). (٧) البخاري (٨٧٧). (٨) مسلم (١/٨٤٤). = ٢٢٧ بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ، كِلَاهُمَا عن نَافِعِ، ولَفظُ مسلم: ((إِذَا أَرَادَ أحَدُكُم أن يأتي الجُمُعَةَ فَلَغتَسِل)) . ■ الثَّانِيَةُ: هَذَا الحديثُ كَالذي قَبَلَهُ، في أنَّ ظَاهرَهُ إِيجَابُ غُسلِ الجُمُعَةِ، بَل هو أظهَرُ منهُ في ذَلِكَ لِقَولِهِ: ((فَلَيَغْتَسِل))، وهَذِهِ الصِّيغَةُ حَقِيقَةٌ في الوُجُوبِ، بِخِلَافِ قَولِه في الحديثِ المُتَقَدِّم: ((كَانَ يَأْمُرُ))، فَإِنَّهُ [محتملٌ للوُجُوب](١) والاستِحِبَابِ، كَمَا هو مُقَرَّرٌ في الأُضَولِ. وهَذَا بِالنِّسبَةِ إلى لَفِظِ الرِّوايَةِ التي أورَدَها المُصَنِّفُ، وقَد رُوِيَ في ذَلِكَ الحديثِ لَفظٌ آخَرُ: أولَم تَسمَعُوا رسولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إذَا جَاءَ أحَدُكُم إلى(٢) الجُمُعَةِ فَلَيَغتَسِل))، وهو في ((الصَّحِيحِ))(٣) أيضًا، فَهو مُسَاوٍ لِلَفِظِ هَذَا الحديثِ، وقَد تَقَدَّمَ إِيضَاحُ الكَلَامِ عَلَى هَذِهِ المَسألَةِ في الحديثِ الذي قَبَلَهُ. ■ الثَّالِثَةُ: قَد تَبَيَّنَ بِرِوايَةِ مسلم التي قَدَّمتها أنَّ قَولَهُ: ((إِذَا جَاءَ أحَدُكُم الجُمُعَةَ))، مَعنَاهُ: إِذَا أَرَادَ المَجِيءَ لِقَوْلِه: ((إِذَا أَرَادَ أحَدُكُم أن يَأْتِي الجُمُعَةَ))، وهو يَرُدُّ عَلى أهلِ الظَّاهِرِ قَولَهُم: إنَّهُ يَصِحُّ الِاغتِسَالُ في جَمِيعِ النَّهارِ، ولَو قُبَيلَ الغُرُوبِ! وقال ابنُ حَزم(٤): وأمَّا قَولُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إِذَا رَاحَ أحَدُكُم إلى الجُمُعَةِ فَلَيَغْتَسِل))، فَظَاهرُ هَذَا اللفظِ أنَّ الغُسلَ بَعدَ الرَّواح، كَمَا قال تَعَالى: ﴿فَإِذَا اُطْمَأْتَنْتُمْ (٣/ ١٦٧م) فَقِيمُوا الصَّلَوَةُ﴾ [النساء: ١٠٣]، أو مَعَ الرَّواحِ كَمَا قال تَعَالى: ﴿إِذَا طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أو قَبلَ الرَّواحِ كَمَا قال تَعَالى: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّعُواْ بَيِّنَ يَدَىْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾ [المجادلة: ١٢]، وكُلُّ ذَلِكَ مُمكِنٌ. قُلتُ: لَولَا رِوايَةُ: ((إِذَا أَرَادَ)، لَكَانَ ظَاهرُ الحديثِ أنَّ الاغتِسَالَ [٢٢٠/١ظ] بَعدَهُ كَمَا فِي قَوله تَعَالى: ﴿فَإِذَا أُطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَّةُ﴾ [النساء: ١٠٣]، لَكِنَّ تِلكَ الرِّوايَةَ صَرَّحَت بِكَونِهِ قَبلَهُ. (١) في (ك، م): ((يحتمل الوجوب)). (٣) البخاري (٨٨٢)، مسلم (٤/٨٤٥). (٢) ليس في: (م). (٤) المحلى (٢١/٢). = ٢٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وادَّعَى ابنُ حَزم أنَّ الرِّوايَةَ التي فيها: ((إِذَا أَرَادَ))، فيها بَعضُ الصُّورِ! وهو مَرُدُودٌ؛ لِأَنَّهَا بَيَّنَتِ المِّرَادَ. وقَد تَعَلَّقُوا بِإِضَافَةِ الغُسلِ إلى اليَومِ في حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ وغَيرِهِ. وذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في (شَرحِ العُمدَةِ»(١): أَنَّ هَذَا القَولَ يَكَادُ أن يَكُونَ مَجزُومًا بِبُطلَانِه. قال: وقَد بَيَّنَ في بَعضِ الأحَادِيثِ أنَّ الغُسلَ لِأجلِ الرَّوائِحِ الكَرِيهَةِ، ويُفهَمُ منهُ: أنَّ المَقصُودَ عَدَمُ تَأذي الحَاضِرِينَ، وذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى بَعدَ إِقَامَةِ الجُمُعَةِ. قال: وكَذَلِكَ أقُولُ: لَو قَدَّمَهُ بِحَيثُ لَا يَحصُلُ هَذَا المَقصُودُ لَم يُعتَدَّ بِهِ، والمَعنَى إِذَا كَانَ مَعلومًا كَالنَّصِّ قَطعًا أو ظَنَّا مُقَارِبًا لِلقَطعِ فَاتُبَاعُهُ وتَعلِيقُ الحُكمِ بِه أولى من اتِّبَاعِ مُجَرَّدِ اللفظِ. قال: ومِمَّا يُبطِلُهُ أنَّ الأحَادِيثَ التي عُلِّقَ فيها الأمرُ بِالمَجِيءِ والإتيَانِ قَد دَلَّت عَلى تَوجُّه الأمرِ إلى هَذِهِ الحَالَةِ. والأحَادِيثُ التي تَدُلُّ عَلى تَعلِيقِ الحُكمِ بِاليَومِ لَا تَتَنَاولُ تَعلِيقَهُ بِهَذِهِ الحَالَةِ، فَهو إِذَا تَمَسَّكَ بِتِلكَ أبطَلَ دَلَالَةَ هَذِهِ الأحَادِيثِ عَلى تَعَلُّقِ الأمرِ بِهَذِهِ الحَالَةِ، ولَيسَ لَهُ ذَلِكَ، ونَحنُ إذَا قُلنَا بِتَعلِيقِه بِهَذِهِ الحَالَةِ فَقَد عَمِلنَا بِهَذِهِ الحَالَةِ من غَيرِ إبطَالٍ لِمَا استَدَلوا بِهِ. انتَهَى. قال ابنُ حَزمُ (٢): فَإن قَالوا: مَن قال قَبَلَكُمْ إِنَّ الغُسلَ لِليَومِ؟ قُلْنَا: كُلُّ مَنْ ذَكَرِنَا عنهُ فِي ذَلِكَ قَولًا من الصَّحَابَةِ ﴿َّ فَهو ظَاهِرُ قَولِهم، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ نصًا(٣) وغَيرُهُ. انتَهَى. قُلتُ: أمَّا الصَّحَابَةُ: فَالمَفهومُ من كَلَامِهِم عَكسُ مَا فَهِمَهُ هو؛ لِأنَّ المَفهومَ من كَلَامِهم: أنَّ المَقصُودَ قَطعُ الرَّوائِحِ الكَرِيهَةِ المُؤذيةِ لِلحَاضِرَينِ، وهَذَا مَفْقُودٌ فيمَا بَعدَ الصَّلَاةِ. وأمَّا أبُو يُوسُفَ فَقَد حَكَى عنهُ صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٤) من الحَنَفيةِ: أنَّ الغُسلَ لِلصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلى انفِرَادِ الظَّاهِرِيَّةِ بِمَا ذَكَرُوهُ وخَرقِهم الإجمَاعَ فيه. (١) إحكام الأحكام (ص٣٤٤). (٢) المحلى (٢١/٢، ٢٢). (٣) في (ك، م): ((أيضًا)). والمثبت موافق لما في المحلى لابن حزم. (٤) الهداية (١ / ١٧). = = ٢٢٩ بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وقَد حَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ(١): الإجمَاعَ عَلى أنَّ مَن اغتَسَلَ بَعدَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِغُسلٍ لِلسُّنَّةِ ولَا لِلجُمُعَةِ ولَا فَاعِلِ مَا أُمِرَ بِهِ. الرَّابِعَةُ: استُدِلَّ بِهِ لِمَالِكِ عَلى أنَّهُ يَعتَبِرُ أن يَكُونَ الغُسلُ مُتَّصِلًا بِالذَّهابِ إلى الجُمُعَةِ. وذَهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ ذَلِكَ مُستَحَبٌّ ولَا يُشتَرَطُ اتَّصَالُهُ بِهِ، بَل مَتَى اغتَسَلَ بَعدَ الفَجرِ أجزَأْهُ. ورَوَاهُ ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٢) عن مُجَاهدٍ، والحَسَنِ البَصرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وعَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ، وأبي جَعفَرِ البَاقِرِ، والحَكَمِ، والشَّعبي. وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ عن الثَّورِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، وإسحَاقَ، وأبي ثَورٍ . وبِهِ قال ابنُ وهبٍ (١٦٨/٣م) صَاحِبُ مَالِكِ. قال ابنُ المُنذِرِ (٣): وقال الأوزَاعِيُّ: يُجزِتُهُ أن يَغتَسِلَ قَبلَ الفَجرِ لِلجَنَابَةِ والجُمْعَةِ . وحَكَى ابنُ حَزم(٤) عن الأوزَاعِيِّ أنَّهُ قال كَقَولِ مَالِكٍ: لَا يُجزِئُ غُسلُ الجُمُعَةِ إلا مُتَّصِلًا بِالرَّواحِ. قال: إلا أنَّ الأوزَاعِيَّ قال: إن اغتَسَلَ قَبلَ الفَجرِ ونَهَضَ إلى الجُمُعَةِ أجزَاهُ. وحَكَى إمَامُ الحَرَمَينِ في ((النِّهايَةِ))(٥) وجهًا: أنَّهُ يُجزِئُ قَبلَ الفَجرِ كَغُسلٍ العِيدِ. قال النَّووِيُّ(٦): وهو شَاةٌ مُنكَرٌ. وجَوابُ الجُمهورِ عن هَذَا الحديثِ: أنَّهُ تَبَّيَّنَ بِرِوايَةٍ (٧) مسلمٍ تَعلِيقُ الأمرِ بِالغُسلِ عَلى إِرَادَةِ إتيَانِ الجُمُعَةِ، ولَيسَ يَلَزَمُ أن يَكُونَ إتيَانُ الجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِإِرَادَةِ ذَلِكَ، فَقَد يُرِيدُ عَقِبَ الفَجرِ إتيَانَها ويَتَأخَّرُ (١) التمهيد (١٥١/١٤)، والاستذكار (٣٦/٥). (٢) مصنف ابن أبي شيبة (٩٩/٢). (٣) الأوسط (٤٥/٤)، وينظر: التمهيد (١٤٩/١٤)، والاستذكار (٣٧/٥). (٤) المحلى (٢/ ٢٢). (٥) نهاية المطلب (٥٢٨/٢). (٦) روضة الطالبين (٥٤٦/١). (٧) في (ك): ((رواية)). ٢٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الإتيَانُ إلى بَعدِ الزَّوالِ، ولَا شَكَّ أنَّ كُلَّ مَن تَجِبُ عَلَيه الجُمُعَةُ، وهو مُواظِبٌ عَلى الواجِبَاتِ إذَا خَطَرَ لَهُ بعد (١) الفَجرِ أمرُ الجُمُعَةِ أَرَادَ إتيَانَها؛ وإن تَأْخخّرَ الإتيَانُ زَمَنَا طَوِيلًا. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيسَ المَدَارُ (٢) عَلى نَفسِ الإتيَانِ، بَل عَلى إِرَادَتِهِ لِيُحتَرَزَ بِهِ عَمَّن هو مُسَافِرٌ أو مَعذُورٌ بِغَيرِ ذَلِكَ من الأعذَارِ القَاطِعَةِ عن الجُمُعَةِ، واللهُ أعلَمُ. ■ الخَامِسَةُ: فيه استِحبَابُ الاغتِسَالِ لِكُلِّ مَن أرَادَ إتيَانَ الجُمُعَةِ سَواءٌ أَكَانَت واجِبَةً عَلَيه أم(٣) غَيرَ واجِبَةٍ عَلَيه؛ كَالصَّبِي المُمَيِّزِ والمَرأةِ والعَبدِ وغَيرِهم، وهو مَذهَبُ مَالِكِ، كَمَا حَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ والقَاضِي عِیَاضٌ وَغَيرُهُمَا، وهو المَشهورُ عِندَ أصحَابِنَا . ورَوى ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))، والبَيهَقِيُّ [٢٢١/١و] في ((سُنَنِه)) (٤)؛ من طَرِيقٍ عُثْمَانَ بنِ واقِدٍ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّه قال: ((مَنْ أَتَى الجُمُعَةَ من الرِّجَالِ والنِّسَاءِ فَلَيَغْتَسِل)). ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٥)؛ عن عُبَيْدَةَ ابنَةٍ نَابِلٍ (٦) قالت: سَمِعتُ ابنَ عُمَرَ، وابنَةَ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، يَقُولُ(٧) لِلنِّسَاءِ: ((مَن جَاءَ منكُنَّ الجُمُعَةَ فَلْتَغْتَسِل(٨)). وعن طَاؤُسِ: أنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ يَغْتَسِلنَ يَومَ الجُمُعَةِ. (١) في (ك، م): ((عقب)). (٣) في (م): ((أو)). (٢) في الأصل: ((المراد)). صحيح ابن حبان (١٢٢٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٨٨/٣). (٤) (٥) المصنف (١٠٠/٢). (٦) في الأصل: ((نايل))، وفي (م): ((نائل)). والمثبت من تهذيب الكمال (٢٣٩/٣٥)، ينظر: المؤتلف للدارقطني (٢٢٦٣/٤)، الإكمال لابن ماكولا (٣٢٥/٧). (٧) غير منقوطة في: الأصل. وعند ابن أبي شيبة: ((يقولان)). (٨) في (ك): ((فليغتسل)). بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢٣١ = وعن شَقِيقٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أهلَهُ الرِّجَالَ والنِّسَاءَ بِالغُسلِ يَومَ الجُمُعَةِ. وقال ابنُ حَزمٍ(١): وغُسلُ يَومِ الجُمُعَةِ فَرضٌ لَازِمٌ لِكُلِّ بَالِغِ من الرِّجَالِ والنِّسَاءِ . ولَنَا وجهٌ ثَانٍ: أنَّهُ إِنَّمَا يُستَحَبُّ لِمَن تَلزَمُهُ الجُمُعَةُ دُونَ النِّسَاءِ والصِّبَيَانِ والعَبيدِ والمُسَافِرِينَ. ووجهٌ ثَالِثٌ: أنَّهُ يُستَحَبُّ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً، حَكَاهُ النَّووِيُّ في ((شَرحِ (٢) مسلم))(٢). ورَوى ابنُ أبي شَيبَةٍ(٣)؛ عن الشَّعبي: لَيسَ عَلى النِّسَاءِ غُسلٌ يَومَ الجُمُعَةِ. وبِهِ قال أحمَدُ، كَمَا حَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ(٤). وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٥) عن ابنِ عُمَرَ مُعَلَّقًا: إنَّمَا الغُسلُ عَلى مَن تَجِبُ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ. وقَد يُقَالُ: إنَّ هَذَا الحديثَ لَا يَتَنَاوِلُ النِّسَاءَ (١٦٩/٣م)، لِقَولِه: ((إِذَا جَاءَ أحَدُكُمْ))، وهَذَا خِطَابُ الذُّكُورِ (٦). فَإِن قِيلَ: يُطلَقُ عَلى الإِنَاثِ تَغْلِيبًا؟ قِيلَ: هو مَجَازٌ والأصلُ خِلَافُهُ، وأمَّا الرِّوايَةُ الأُخرَى التي لَفِظُها: ((مَن جَاءَ))، وهيَ من صِيَغِ العُمُومِ المُتَنَاوِلَةِ لِلإِنَاثِ، فَقَد خَصَّصَ العُمُومَ قَولُهُ بَعدَهُ: ((منكُم))، لَكِن إن (٧) لَم يَتَنَاوَل اللفظُ (٨) الإِنَاثَ فَحُكمُهُنَّ كَالرِّجَالِ قِيَاسًا لَهُنَّ عَلَيهم؛ لِأَنَّ الأصلَ استِواءُ المُكَلَّفِينَ في الأحكَامِ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: مَفهومُ قَولِه: ((مَن جَاءَ منكُم الجُمُعَةَ فَلَغتَسِل))، أنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الغُسلُ لِمَن لَم يَحضُرها. (١) المحلى (٨/٢). (٣) المصنف (١٠٠/٢). (٥) علقه البخاري على الحديث (٨٩٤). ليس في: الأصل. (٧) (٢) شرح النووي على مسلم (١٣٤/٦). (٤) الأوسط (٤٤/٤). (٦) في (م): ((للذكور)). (٨) ليس في: الأصل. = ٢٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِهَذَا المَفهومِ في رِوايَةِ البَيْهَقِيّ (١) المُتَقَدِّمَةِ في الفَائِدَةِ قَبلَها من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((ومَن لَم يَأْتِها فَلَيسَ عَلَيه غُسلٌ من الرِّجَالِ والنِّسَاءِ))، وإسنادُهُ صَحِيحٌ. وهَذَا أصَحُّ الوجهَينِ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ، وهو مَذْهَبُ مَالِكِ، وأحمَدَ، وحُكيَ عن الأكثَرِينَ، وبِهِ قال أبُو يُوسُفَ. والوجهُ الثَّانِي لِأصحَابِنَا: أنَّهُ يُستَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ سَواءٌ حَضَرَ الجُمُعَةَ أم لا كَالعَبدِ، وهو مَذهَبُ الخَنَفيةِ. وحَكَى النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ))(٢) وجهًا: أنَّهُ إِنَّمَا يُستَحَبُّ لِمَن تَجِبُ عَلَيه الجُمُعَةُ، وإن لَم يَحضُرها لِعُذرٍ. ومَذهَبُ أهلِ الظَّاهرِ: وُجُوبُ الاغتِسَالِ ذَلِكَ الْيَومَ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مُطلَقًا؛ لِأَنَّهُم يَرَونَهُ لِليَومِ. قال ابنُ حَزمٍ(٣): وهو لَازِمٌ لِلحَائِضِ والنُّفَسَاءِ كَلُزُومِه لِغَيْرِهِمَا. انتَهَى. وقَّد أبعَدَ في ذَلِكَ جِدًّا. السَّابِعَةُ: لَيسَ المُرَادُ بِالمَجِيءٍ إلى الجُمُعَةِ أن يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَكَانِ الذي تُقَامُ فيه الجُمُعَةُ مَسَافَةٌ يَحتَاجُ إلى قَطعِها، بَل المُقِيمُ في المَكَانِ الذي يُجَمَّعُ فيه حُكُمُهُ كَذَلِكَ، فَالمَجِيءُ من مَكَان آخَرَ لَيسَ مَقصُودًا، وإنَّمَا المُرَادُ مَن أَرَادَ أن يُصَلِّيَ الجُمُعَةَ فَلَيَغْتَسِل. وإِن كَانَ سَبَبُ وُرُودِ الأمرِ بِالغُسلِ لِلجُمُعَةِ: أنَّهُم كَانُوا يَنتَابُونَ الجُمُعَةَ من مَنَازِلِهم ومن العَوالِي فَيَأْتُونَ في الغُبَارِ، فقال لَهُم: ((لَو تَطَهَّرْتُم لِيَومِكُم هَذَا»، كَمَا في حَدِيثِ عَائِشَةَ، ولَكِنَّ الحُكمَ يَعُمُّ الآتي من بُعدٍ ومن قُربٍ ومَن هو مُقِيمٌ في مَكَانِ الجُمُعَةِ، واللهُ أعلمُ. السنن الكبرى (١٨٨/٣). (١) (٢) روضة الطالبين (٥٤٦/١). (٣) المحلى (١٩/٢). بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢٣٣ = الحديثُ الرَّابِعُ وعن سَعِيدٍ، عن أبي هُرَيرَةَ، يَبلُغُ بِهِ النَّبيَّ وَلَ: «إِذَا (١٧٠/٣م) كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلى كُلِّ بَابٍ من أبوابِ المَسجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأولَ فَالأولَ، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طُوِيَتَّ الصُّحُفُ)). وعنهُ، عن النَّبِي ◌َِّ: ((المُهَجِّرُ إلى الجُمُعَةِ كَالمُهدِي بَدَنَةً، والذي يَلِيه كَالمُهدِي بَقَرَةً، والذي يَلِيه كَالمُهدِي کَبشًا، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ والبَيضَةَ». فيه فوائدُ: ■ الأُولى: هَذَانِ الحديثَانِ إِسنَادُهُمَا واحِدٌ، وَهُمَا فِي مُسنَدِ أحمَدَ(١) رَّ ◌ُ هَكَذَا مُنْفَصِلَيْنٍ، فَتَبِعَهُ والِدِي تَخْذُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أورَدَهُ من طَرِيقِه. وجَمَعَ بَينَهُمَا مسلمٌ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ مَاجَه(٢)، فَجَعَلوهُمَا حَدِيثًا واحِدًا رَواهُ مسلمٌ عن يَحيَى بنِ يَحيَى، وعَمرٍو النَّاقِدِ، ورَواهُ النَّسَائِيُّ عن مُحَمَّدٍ بِنِ [٢٢١/١ظ] مَنصُورٍ، وَرَواهُ ابنُ مَاجَه عن هشَامِ بنِ عَمَّارٍ، وسَهلِ بنِ أبي سَهلٍ، خَمسَتُهُم عن سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ. زَادَ ابنُ مَاجَه عن أحَدٍ شَيخَيه سَهلٍ: ((فَمَن جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ: فَإِنَّمَا يَجِيءُ لِحَقِّ الصَّلَاةِ)). وأخرَجَهُ الشَّيخَانِ، والنَّسَائِيُّ (٣) من طَرِيقٍ الزُّهرِيِّ، عن أبي عَبدِ الله الأغَرِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ بِتَمَامِه. وفي رِوايَةِ النَّسَائِيّ: ((ثُمَّ كَالمُهدِي بَطَّةً، ثُمَّ كَالمُهدِي دَجَاجَةً، ثُمَّ كَالمُهدِي بَيضَةً)). وأخرَجَ البخاريُّ(٤) القِطعَةَ الأُولى منهُ، من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، والأغَرِّ كِلَاهُمَا، عن أبي هُرَيْرَةَ. (١) أحمد (٢٣٩/٢). (٢) مسلم (٨٥٠)، النسائي (١٣٨٥)، ابن ماجه (١٠٩٢). (٣) البخاري (٩٢٩)، مسلم (٢٤/٨٥٠)، النسائي (١٣٨٤). (٤) البخاري (٣٢١١). = ٢٣٤ M طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأخرَجَ مسلمٌ(١)؛ من طَرِيقِ سُهَيلٍ بن أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ ◌ِلَفِظِ: ((عَلَى كُلِّ بَابٍ من أبوابِ المَسجِدِ مَلَك؛ يَكتُبُّ الأولَ فَالأَولَ مَثَّلَ الجَزُورَ، ثُمَّ نَزَّلَهُم حَتَّى صَغَّرَ إلى مِثلِ البَيضَةِ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ وحَضَرُوا الذِّكرَ)). ورَوى (٣/ ١٧١م) الشَّيخَانِ، والتِّرمِذي، والنَّسَائِيُّ(٢) من طَرِيقِ مَالِكٍ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صَالِح، عن أبي هُرَيرَةَ بِلَفِظِ: ((مَن اغتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبشًا أقرَنَ، ومَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، ومن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَستَمِعُونَ الذِّكرَ)). ورَوَاهُ النَّسَائِيُّ(٣) أيضًا من طَرِيقِ مُحَمَّدٍ بنِ عَجلَانَ، عن سُمَيٍّ، وفيه: (وكَرَجُلٍ قَدَّمَ دَجَاجَةً، وكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصفُورًا، وكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيضَةً)). ■ الثَّانِيَةُ: فيه فَضلُ التَّبِكِيرِ إلى الجُمُعَةِ لِمَا دَلَّ عَلَيه من اعتِنَاءِ المَلَائِكَةِ بِكِتَابَةِ السَّابِقِ، وأنَّ الأسبقَ أكثَرُ ثَوابًا بالِتَشبيه(٤) المُتَقَدِّم بِمُهدِي البَدَنَةَ، والذي يَلِيه بِمُهدِي مَا هو دُونَها وهيَ البَقَرَةُ وهَكَذَا . وبِهَذَا قال الثَّورِيُّ، وأَبُو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيُّ، وأكثَرُ أصحَابِهِ، وأحمَدُ ابنُ حَنبَلٍ، والأوزَاعِيُّ، وابنُ حَبيبٍ من المَالِكِيَّةِ، والجُمهورُ. واختَلَفَ أصحَابُنَا في أن (٥) ابتِدَاءِ ذَلِكَ طُلوعُ الفَجرِ أو طُلوعُ الشَّمسِ؟ والأصَحُّ عِندَهُم: طُلوعُ الفَجرِ . قال(٦) والِدِي تَظْتُ: ولَكِن لَيسَ العَمَلُ عَلَيه في أمصَارِ الإسلامِ قَدِيمًا (١) مسلم (٨٥٠/ ٢٥). البخاري (٨٨١)، ومسلم (١٠/٨٥٠)، الترمذي (٤٩٩)، النسائي (١٣٨٧). (٢) (٣) النسائي (١٣٨٦). (٤) في (ك): (التشبيهه))، في (م): (لتشبيه)). ليس في: (م). (٥) (٦) في (م): ((وقال)). بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢٣٥ وحَدِيثًا أن يُبَكِّرَ لِلجُمُعَةِ من طلوعِ الفَجرِ، وفيه طُولٌ يُؤَدِّي إلى انتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وتَخَطِّ الرِّقَابِ. وصَخَّحَ المَاوردِيُّ(١): أنَّ التَّبكِيرَ من طلوعِ الشَّمسِ، لِيَكُونَ مَا قَبَلَ ذَلِكَ من طُلوعِ الفَجرِ زَمَانُ غُسلٍ وتَأْهُّبٍ. قال ابنُ الرِّفعَةِ: ويُؤذِنُ بِهِ قَولُ الشَّافِعِيِّ (٢) رَّبُه: ويُجِئُّهُ غُسلُهُ لَها إِذَا كَانَ بَعدَ الفَجرِ. قال والِدِي تَخُّْ: وأهلُ عِلم المِيقَاتِ يَجعَلونَ ابتِدَاءَ سَاعَاتِ النَّهارِ من طُلوع الشَّمسِ، ويَجعَلونَ مَا بَيْنَ طُلوعِ الفَجرِ والشَّمسِ من حِسَابِ الليلِ، واستِواءُ الليلِ والنَّهارِ عِندَهُم إذَا تَسَاوى مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمسِ وطُلوعِها ومَا بَيْنَ طُلوعِها وغُرُوبِها. انتَهَى. وذَهَبَ مَالِكٌ، وأكثَرُ أصحَابِه إلى أنَّ الأفضَلَ تَأْخِيرُ الذَّهابِ إلى الجُمُعَةِ إلى الزَّوالِ . وقال بِهِ من أصحَابِنَا القَاضِي الحُسَينُ(٣) وإِمَامُ الحَرَمَينِ(٤). ولِصحَابِنَا وجهٌ رَابِعٌ: أنَّ التَّبكِيرَ إلى الجُمُعَةِ من ارتِفَاعِ النَّهارِ. حَكَاهُ الصَّيدَلَانِيُّ في ((شَرحِ المُختَصَرِ))، وزَعَمَ قَائِلُهُ: أَنَّ هَذَا وقتُ الثَّهَجِيرِ، ومِمَّا يَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ المَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِي وَلِ كَانَ يَخرُجُ إلى الجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِالزَّوالِ في أولِ الوقتِ، وقَد أخبَرَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ الإمَامُ لَم يَكْتُبُوا أحَدًا، بَل يَطوُونَ الصُّحُفَ ويَجلِسُونَ (٣/ ١٧٢م) لِاستِمَاعِ الخُطبَةِ، فَكَيفَ يُمكِنُ مَعَ ذَلِكَ بَعدَ الزَّوالِ كِتَابَةُ النَّاسِ عَلى هَذِهِ المَرَاتِبِ المَذْكُورَةِ في الحديثِ قَبلَ خُرُوجِ الإِمَامِ، مَعَ أنَّ خُرُوجَهُ مُقَارِنٌ لِلزَّوالِ ومَا كَانَ يُؤَذَّنُ في أولِ الوقتِ إِلا بَيْنَ يَدَيه وهو عَلى المنبَرِ؟ ، الثَّالِثَةُ: تَعَلَّقَ المَالِكِيَّةُ من هَذَا الحديثِ بِأمرَينٍ : (١) الحاوي (٢/ ٤٥٢). (٣) في (ك): ((حسين). (٢) في (ك): ((للشافعي)). (٤) نهاية المطلب (٥٦٥/٢). = ٢٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أحَدُهُمَا: قَولُهُ فيه: ((يَكتُبُونَ الأولَ فَالأولَ))، فَأَتَى بِالفَاءِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّرتیبِ بِلَا مُهَلَةٍ، فَاقَتَضَى تَعقِيبَ الثَّانِي لِلأولِ وكَذَا مَن بَعدَهُ. ولَو كَانَ كَمَا يَقُولُهُ الجُمهورُ من اعتِبَارٍ (١) أولِ النَّهارِ وتَقسِيمِه إلى(٢) سِتِّ سَاعَاتٍ في النِّصفِ الأولِ من النَّهارِ، لَم يَكُن الآتي في أولِ [٢٢٢/١و] سَاعَةٍ يَعقُبُهُ الآتي في أولِ التي تَلِيها . والجَوابُ عنهُ: أنَّهُ لَا نِزَاعَ في أَنَّهُم يَكْتُبُونَ مَن جَاءَ أولًا، ومَن جَاءَ عَقِبَهُ وهَكَذَا، وهو إنَّمَا أتَى بِالفَاءِ في كِتَابَةِ الآتينَ. وأمَّا مِقدَارُ الثَّوَابِ (٣) فَلَم يَأْتِ فيه بِالفَاءِ. ثَانِيهمًا: قَولُهُ: ((المُهَجِّرُ))، والتَّهجِيرُ إنَّمَا يَكُونُ في الهاجِرَةِ، وهيَ شِدَّةُ الحَرِّ، وذَلِكَ لَا يَكُونُ في أولِ النَّهارِ. والجَوابُ عنهُ من وجهَينِ : أحَدُهُمَا: أنَّ كَونَ التَّهجِيرِ مَعنَاهُ الإتيَانُ في الهَجِيرِ وهو شِدَّةُ الحَرِّ. قَولٌ مَحْكِيٍّ عن الفَرَّاءِ وغَيرِهِ. والذي قالهُ الخَلِيلُ بنُ أحمَدَ وغَيرُهُ من أهلِ اللُّغَةِ: أنَّ التَّهجِيرَ التَّكِيرُ. فَإن ثَبَتَ اشتِرَاكُ اللفظِ بَيْنَ المَعنَيَينِ، فَالحَمِلُ عَلى هَذَا المَعنَى الثَّانِي أَولى لِيُوافِقَ(٤) غَيرَهُ من الأحَادِيثِ. ثَانِيهِمَا: أنَّ المُرَادَ ((بِالمُهَجِّرِ)»: مَن هَجَرَ مَنزِلَهُ وتَرَكَهُ في أيٍّ وقتٍ كَانَ. قالهُ بَعضُ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٥): وأقوى مُعتَمَدِ مَالِكِ في كَرَاهَيَةِ الْبُكُورِ إِلَيها: عَمَلُ أهلِ المَدِينَةِ المُتَّصِلُ بِتَركِ ذَلِكَ وسَعيُهُم إلَيها قُربَ صَلَاتِها، وهَذَا نَقْلٌ مَعلومٌ غَيرُ مُنكَرٍ عِندَهُم ولَا مَعمُولَ بِغَيرِهِ، ومَا كَانَ أهلُ عَصرِ النَّبِي ◌َِّ ومَن بَعدَهُم مِمَّن يَتْرُكُ الأفضَلَ إلى غَيرِهِ ويَتَمَالَؤُونَ عَلَى العَمَلِ بِأقَلِّ الدَّرَجَاتِ. (١) بعدها في (ك): ((من هذا)). (٣) في (م): ((الثوب)). (٥) إكمال المعلم (٢٤٠/٣). (٢) في (ك): ((على)). (٤) في (ك): ((أول لتوافق)). S ٢٣٧ بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ أيضًا(١): أنَّ عَمَلَ أهلِ المَدِينَةِ يَشْهَدُ لَّهُ. انتَهَى. ومَا أدرِي! أينَ العَمَلُ الذي يَشْهَدُ لَهُ، وَعُمَرُ يُنكِرُ عَلى عُثمَانَ ﴿يَا التَّخَلُّفَ والنَّبِي وَّهِ يَنْدُبُ إلى التَّبكِيرِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ؟ منها: حديث(٢) أوسِ(٣) بنِ أوسٍ: ((مَنْ بَكَّرَ وابتَكَرَ))، وفي آخِرِهِ: ((كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطوةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أجرُ صِيَامِها وقِيَامِها))، وهو في السُّنَنِ الأربَعَةِ و((صَحِيحَي)) ابنِ حِبَّنَ والحَاكِمِ (٤). وقَد أنكَرَ غَيرُ واحِدٍ من الأئِمَّةِ عَلى مَالِكِ تَخْتُهُ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ(٥)، فقال الأثرَمُ: قِيلَ لِأَحمَدَ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي التَّهِجِيرُ يَومَ الجُمُعَةِ؟ فقال: هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ رسولِ اللهِ وَ ﴿! وقال: سُبحَانَ الله إلى أيِّ (١٧٣/٣م) شَيءٍ ذَهَبَ في هَذَا، والنَّبِي ◌َِّهِ يَقُولُ: (كَالمُهدِي جَزُورًا))(٦)؟! وأنكَرَ عَلى مَالِكِ أيضًا ابنُ حَبيبٍ إنكَارًا بَلِيغًا، فقال: هَذَا تَحرِيفٌ في تَأْوِيلِ الحديثِ ومُحَالٌ من وُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ واحِدَةٍ، فَشَرحُ الحديثِ بَيِّنٌ في لَفِظِه، ولَكِنَّهُ حُرِّفَ عن مَوضِعِه وشُرِحَ بِالخُلفِ من القَولِ وزهَّدَ فيمَا رَغَّبَ فيه رسولُ اللهِ وَّهَ من التَّهجِيرِ في أولِ النَّهارِ، وَزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي سَاعَةٍ واحِدَةٍ قُربَ زَوالِ الشَّمسِ. حَكَاهُ عنه ابنِ عَبدِ البَرِّ(٧)، وقال: هَذَا مِنهُ تَحَامُلٌ عَلى مَالِكٍ. ا الرَّابِعَةُ: قَد يُستَدَلُّ بِعُمُومِه عَلى استِحِبَابِ التَّبكِيرِ لِلخَطِيبِ أيضًا، لَكِن يُنَافيه قَولُهُ في آخِرِهِ: ((فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ))؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلا بَعدَ انقِضَاءِ وقتِ التَّكِيرِ المُستَحَبِّ في حَقِّ غَيرِهِ. (١) الاستذكار (١٢/٥). (٢) في (م): ((أحاديث)). (٣) في الأصل: ((أويس)). (٤) أبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، والنسائي (١٣٨٠)، وابن حبان (٢٧٨١)، والحاكم (٢٨١/١). في: (ك، م): ((المسألة)). (٥) (٦) ينظر: التمهيد (٢٢/٢٢)، والاستذكار (١٠/٥)، (٧) الاستذكار (١١/٥). = ٢٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقَد قال المَاوردِيُّ(١) من أصحَابِنَا: يُختَارُ لِلإِمَام (٢) أن يَأتي الجُمُعَةَ في الوقتِ الذي تُقَامُ فيه الصَّلَاةُ، ولَا يُبَكِّرُ اتَّبَاعًا لِفِعلِ النَّبِيِ لَّهِ واقتِدَاءً بِالخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. قال: ويَدْخُلُ المَسجِدَ من أقرَبِ أبوابِهِ إلى المنبَرِ. انتَهَى. ■ الخَامِسَةُ: فيه أنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ في الفَضِيلَةِ في الجُمُعَةِ وغَيرِها بِحَسَبٍ أعمَالِهِم، وهو من بَابِ قَوله تَعَالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. ورَوى ابنُ مَاجَه(٣) عن عَلقَمَةَ، قال: ((خَرَجتُ مَعَ عَبدِ الله إلى الجُمُعَةِ، فَوجَدَ ثَلَاثَةً قَد سَبَقُوهُ. فقال: رَابِعُ أربَعَةٍ، ومَا رَابِعُ أربَعَةٍ بِبَعِيدٍ، إِنِّ سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَلّهِ يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ يَجلِسُونَ من الله يَومَ القِيَامَةِ عَلى قَدرِ رَواحِهم إلى الجُمُعَةِ الأولُ والثَّانِي والثَّالِثُ. ثُمَّ قال: رَابِعُ أربَعَةٍ! ومَا رَابِعُ أربَعَةٍ بِبَعِيدٍ)). ■ السَّادِسَةُ: هَؤُلَاءِ المَلَائِكَةُ وظِيفَتُهُم ◌ِتَابَةُ حَاضِرِي الجُمُعَةِ، وهُم غَيرُ الحَفَظَةِ، كَذَا نَقَلَهُ النَّووِيُّ(٤) وغَيْرُهُ. واستَدَلَّ لَهُ القَاضِي عِيَاضٌ(٥) بِقَولِه: ((فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ)). والمُرَادُ كمَا ذَكَرَهُ ابنُ العَرَبي وغيرُهُ: صُحُفُ المُتَسَابِقِينَ المُبَكِّرِينَ. وفي ((مُسنَدِ أحمَدَ))(٦) عن أبي غَالِبٍ قُلتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، لَيسَ لِمَن جَاءَ بَعدَ خُرُوجِ الإمَامِ جُمُعَةٌ؟ قال: بَلى، ولَكِن لَيسَ مِمَّن يُكتَبُ في الصُّحُفِ. وفي رِوايَةِ ابنِ مَاجَه(٧): ((فَمَنْ جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ [٢٢٢/١ظ] فَإِنَّمَا يَجِيءُ لِحَقِّ الصَّلَاةِ)). ، السَّابِعَةُ: رَتَّبَ في هَذَا الحديثِ السَّابِقِينَ إلى الجُمُعَةِ عَلى خَمسَةِ مَرَاتِبَ : (١) الحاوي (٤٣٩/٢). ليس في: الأصل. والمثبت موافقٌ لما في الحاوي. (٢) (٣) سنن ابن ماجه (١٠٩٤). (٤) شرح صحيح مسلم (١٣٧/٦). (٥) إكمال المعلم (٢٤١/٣). (٧) ابن ماجه (١٠٩٢). (٦) مسند أحمد (٢٦٣/٥). = SI ٢٣٩ بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ أولُها: كَمُهدِي البَدَنَةِ. والثَّانِي: كَمُهدِي البَقَرَةِ. والثَّالِثُ: كَمُهدِي الگَبشِ. والرَّابِعُ: كَمُهدِي الدَّجَاجَةِ. والخَامِسُ: كَمُهِي البَيضَةِ. وفي رِوايَةٍ أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ المُتَقَدِّمِ ذِكرُها في (١٧٤/٣م) الفَائِدَةِ الأُولى ترتيبُ هَذِهِ المَرَاتِبِ عَلى خَمسٍ سَاعَاتٍ، فقال الجُمهورُ: المُرَادُ بِهَذِه السَّاعَاتِ: الأجزَاءُ الزَّمَانِيَّةُ التي يُقَسَّمُ النَّهارُ منها عَلى اثنَي عَشَرَ جُزءًا. واختَلَفَ أصحَابُنَا هَل يَكُونُ ابتِدَاؤُها من طُلوعِ الفَجرِ أو الشَّمسِ؟ والصَّحِيحُ عِندَهُم من طُلوعِ الفَجرِ، وفيه مَا تَقَدَّمَ. وقال المَالِكِيَّةُ: المُرَادُ بِها لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ بَعدَ زَوالِ الشَّمسِ. وهو خِلَافُ ظَاهرِ الحديث(١) والمُتَبَادِرِ إلى الفَهمِ منهُ، فَإِنَّ المَفهومَ منهُ إِنَّمَا هو السَّاعَاتُ المَعرُوفَةُ. قال بَعضُ أصحَابِنَا: وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِذَلِكَ في قَولِه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ: ((يَومُ الجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشرَةَ سَاعَةً، فَمَن رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولى: فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً))، الحديثَ. ولَم أقِف عَلى هَذَا الحديثِ هَكَذَا. نَعَم رَوى أبُو دَاوُد والنَّسَائِيُّ(٢) عن جَابِرٍ عن رسولِ اللهِ وَله: ((يَومُ الجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشرَةَ سَاعَةً)) الحديثُ، في سَاعَةٍ الإِجَابَةِ، وفيه: ((فَالتَمِسُوها آخِرَ سَاعَةٍ بَعدَ العَصرِ)). وهو صَحِيحُ الإسنَادِ، فَقَد صَحَّ عن النَّبِيِوَ لِ أَنَّهُ قال(٣): ((يَومُ الجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشِرَةَ سَاعَةً))، لَكِن لَا في مَعرِضِ التَّبكِيرِ، بَل في (٤) مَعرِضِ سَاعَةِ الإجَابَةِ، لَكِنَّهُ يُستَأنَسُ بِهِ في التَّبكِيرِ أيضًا، واللهُ أعلمُ. ومِمَّا يَرُدُّ عَلى المَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ: أنَّا إذَا خَرَجنَا عن السَّاعَاتِ الزَّمَانِيَّةِ، لَم يَبقَ لَنَا مَرَدِّ يَنقَسِمُ فيه الحَالُ إلى خَمسٍ مَرَاتِبَ، بَل يَكُونُ مُقْتَضَاهُ تَفَاؤُتَ الفَضلِ بِحَسَبِ تَفَاؤُتِ السَّبَقِ، ويَتَأَتَّى من هَذَا مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. ذَكَرَهُ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ (١) في (ك، م): ((اللفظ)). (٣) ليس في: الأصل. (٢) أبو داود (١٠٤٨)، النسائي (١٣٨٩). (٤) ليس في: الأصل. = ٢٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(١) بِمَعنَاهُ، ثُمَّ قال: فَإِن قُلتَ: يُجعَلُ الوقتُ من التَّهجِيرِ مُقَسَّمًا عَلى خَمسَةِ أجزَاءٍ ويَكُونُ ذَلِكَ مُرَادًا . قُلتُ: يُشكِلُ ذَلِكَ لِوجهَينِ: أحَدُهُمَا: أنَّ الرُّجُوعَ إلى مَا تَقَرَّرَ من تَقْسِيمِ السَّاعَاتِ إلى اثنَي عَشرَ أولى. الثَّانِي: أنَّ القَائِلِينَ بِأنَّ الثَّهجِيرَ أفضَلُ لَا يَقُولونَ بِذَلِكَ عَلى هَذِهِ القِسمَةِ، فَإِنَّ القَائِلَ قَائِلَانِ: قَائِلٌ يَقُولُ بِتَرتيبِ مَنَازِلِ السَّابِقِينَ عَلى غَيرِ تَقْسِيمِ الأجزَاءِ الخَمسَةِ. وقَائِلٌ يَقُولُ بِتَقْسِيمِ الأجزَاءِ سِتَّةً إلى الزَّوالِ . فَالقَولُ بِتَقسِيمِ هَذَا الوقتِ إلى خَمسَةٍ إلى الزَّوالِ مُخَالِفٌ لِلكُلِّ، وإن كَانَ قَد قال بِهِ قَائِلٌ فَليُكتَفَ بِالوجه الأولِ. انتَهَى. واعتَرَضَ المَالِكِيَّةُ عَلى مَا ذَكَرْنَاهُ بِأُمُورٍ : أحَدُها: أنَّهُ لَا يَصِحُّ حَملُ الحديثِ عَلى السَّاعَاتِ الاثنَي عَشَرَ (٢)؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقتَضِي أَنَّهُ بَعدَ السَّاعَةِ الخَامِسَةِ يَخرُجُ(٣) الإمَامُ وتَطْوِي المَلَائِكَةُ الصُّحُفَ لِاِ سْتِمَاعِ الذِّكرِ، ولَيسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ خُرُوجَ الإمَامِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعدَ السَّادِسَةِ. والجَوابُ عنهُ: (١٧٥/٣م) أنَّهُ ورَدَ ذِكرُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ في هَذَا الحديثِ، فَفي رِوايَةٍ لِلنَّسَائِيُّ(٤) بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: ((بَعدَ الكَبشِ دَجَاجَةٌ، ثُمَّ عُصفُورٌ، ثُمَّ بَيضَةٌ)). وفي رِوايَةٍ لَهُ(٥) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: ((بَعدَ الكَبشِ بَطَّةٌ، ثُمَّ دَجَاجَةٌ، ثُمَّ بَيضَةٌ))، وقَد ذَكَرَتُهُمَا في الفَائِدَةِ الأُولى. وقال النَّوِيُّ في ((الخُلَاصَةِ))(٦): هاتَانِ الرِّوايَتَانِ، وإن صَحَّ إسنَادُهُمَا، فَقَد يُقَالُ: هُمَا شَاذَّتَانِ، لِمُخَالَفَتِهِمَا الرِّوايَاتِ المَشهورَةِ. انتَهَى. (١) إحكام الأحكام (ص٣٤٩). (٢) في (م): ((عشرة)). (٣) من هنا يبدأ خرم في المخطوطة (ك)؛ ينتهي في أثناء الفائدة التاسعة. (٤) النسائي (١٣٨٦). (٦) خلاصة الأحكام (٧٨٣/٢). (٥) النسائي (١٣٨٤).