النص المفهرس
صفحات 201-220
بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ ٢٠١ 2 ■ الثَّانِيَةُ والعِشرُونَ: إطلاقُ الخَوفِ يَتَنَاولُ ما يُحوِجِ(١) إلى المُقَاتَلَةِ، وما يُحوِج(٢) إلى الهَرَبِ، والشَّرطُ فيهما: أن يَكُونَا مُبَاحَينٍ، فَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ شِدَّةِ الخَوفِ لِلبُغَاةِ وقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، لِارتِكَابهم بِذلك مَعصِيَةً، ولَا لِلمُنهَزِمِ من الكُفَّارِ لَا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ [٢١٥/١ظ] أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ، حَيثُ حَرُمَ (١٥٠/٣م) ذلك(٣)، بِأَن لَا يَزِيدَ عَدَدُ الكُفَّارِ عَلى ضِعفِ عَدَدِ المُسلِمِينَ، ويَجُوزُ ذلك في كُلِّ هَرَبٍ مُبَاحٍ من سَيلٍ، أو حَرِيقٍ، إِذَا لَم يَجِد مَعدِلًا عنهُ أو من سَبُعٍ . قال أصحابُنَا(٤): وكَذَا المَديُونُ المُعسِرُ إذَا كَانَ عَاجِزًا عن بَيِّنَةِ الإعسَارِ، ولَو ظَفِرَ به المُستَحِقُّ لَحَبَسَهُ(٥) ولَم يُصَدِّقُهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ عَلَيهِ قِصَاصٌ يَرْجُو العَفو عنهُ إذَا سَكَنَ الغَضَبُ بِتَغييبه(٦). واستَبعَدَ إمامُ الحَرَمَينِ (٧) جَوازَ هَرَبِه بهذا التَّوقُّع. وذَكَرَ أصحَابْنَا (٨) فيما إذَا انهَزَمَ الكُفَّارُ وتَبِعَهُم المُسلِمُونَ، والصُّورَةُ أنَّهُم لَو ثَبَتُوا وكَمَّلُوا الصَّلَاةَ فَاتَهُمْ العَدُوُّ - أنَّهُ لَا تَجُوزُ(٩) لَهُم صَلَاةُ شِدَّةِ الخَوفِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، إلا إن خَافُوا كَمِينًا أو كَرَّتَهُم. وعِندَ المالِكِيَّةِ (١٠) في ذلك ثَلَاثَةُ أقوالٍ: الجَوازُ، والمَنعُ، والتَّفرِقَةُ بَينَ خَوفِ معرَّتِهم إن تَرَكُوا وعَدَمِ ذلك، وفي المَنعِ مُطلَقًّا نَظَرٌ، لِما رَوى أبو داود(١١) بِإِسنَادٍ حَسَنٌ، عن عَبدِ اللهِ بنِ أُنَيسٍ قال: ((بَعَثَنِي رسولُ اللهِ وَّهِ إلى خَالِدِ بنِ سُفيَانَ الهُذَلِيِّ، وكَانَ نَحو عُرَنَةَ و(١٢) عَرَفَاتٍ فقال: اذهَب فَاقتُلُهُ. قال: فَرَأيته وحَضَرَتِ صَلَاةُ العَصرِ، فَقُلتُ: إِنِّي لَأَخَافُ أن يَكُونَ بَينِي وَبَينَهُ ما إن أُؤَخِّر الصَّلَاةَ، فَانطَلَقت أمشِي وأنَا أُصَلِّي أُومِئُ إيماءً نَحوهُ، فَلَما دَنَوت منهُ قال لِي: (١) في (م): ((يخرج)). (٣) في (م): ((بذلك)). (٥) في الأصل: ((لسجنه)). نهاية المطلب (٥٩٩/٢). (٧) (٩) في (ك): ((يجوز)). (١١) أبو داود (١٢٤٩). (٢) في (م): ((يخرج)). (٤) ينظر: روضة الطالبين (٥٦٩/١). (٦) في (م): ((بتغيبه)). (٨) ينظر: روضة الطالبين (٥٦٨/١). (١٠) ينظر: عقد الجواهر (١٧٠/١). (١٢) ليس في: (ك، م). = ٢٠٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مَن أنتَ؟ قُلتُ: رَجُلٌ من العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّك تَجمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ فَجِئْتُك في(١) ذَاكَ. قال: إنِّي لَفِي ذَاكَ. فَمَشَيت معهُ سَاعَةً حَتَّى إِذَا أمكَنَنِي عَلَوتُهُ بِسَيفي حَتَّى بَرَدَ)). وأخرَجَهُ ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه))(٢)، بِمَعْنَاهُ(٣). وقَد يُقَالُ(٤): لَيسَ هَذَا بِحَضرَةِ النبي ◌ِّهِ وَتَقرِيرِه، فَلَا حُجَّةَ فيه. لَكِنَّ أصحَابَنَا استَدَلُّوا به وأقَامُوهُ رَادًّا (٥) عَلى الحَنَفيةِ، في مَنعِهِم صَلَاةَ شِدَّةِ الخَوفِ، مع الأفعَالِ الكَثِيرَةِ والمَشيِ الكَثِيرِ. وقَد يُقَالُ: لَيسَ هَذَا كَيفيةَ صُورِ اتِّبَاعِ المُسلِمِينَ لِلمُشرِكَينِ لِؤُرُودِ الأمرِ الخَاصِّ فيه، وكَونُهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ عَيَّنَ عَبدِ الله بنِ أُنَيْسٍ لِقَتلِ هَذَا الرَّجُلِ بِعَينِهِ، وجَعَلَ لَهُ عَلَامَةً(٦)، وهيَ قُشَعرِيرَةٌ تَحصُلُ لَهُ عِندَ رُؤيَتِهِ، فَكَانَ ذلك كَما أخبَرَ، وكَانَ مُعجِزَةً وعَلَمًا من أعلام النُّبوةِ، فَلَا يَلزَمُ من اغتِفَارِ المَشيِ الكَثِيرِ في تَبَعِيَّتِه اغتِفَارُ ذلك في بَقِيَّةِ الصُّورِ، لَكِن إِذَا كَانَ كَذلك، فَكَيفَ يَحسُنُ رَدُّ أصحَابِنَا عَلى الحَنَفيةِ به، وهُم لَا يَقُولُونَ به في غَيرِ هَذِهِ الصُّورَةِ الخَاصَّةِ؟ ويُحتَمَلُ أن يُقال: كَانَ عَبدُ الله بنُ أُنَيسٍ في مَعنَى الطَّالِبٍ(٧) الذِي يَخْشَى كَرَّةَ العَدُوِّ، إذ لَا يَأْمَنُ شَرَّ خَالِدِ بنِ سُفَيَانَ لَو عَرَفَهُ قَبلَ المُبَادَرَةِ إلَيهِ، وقَد أَشَارَ إلى ذلك الخَطَّابي(٨). وهو (٣/ ١٥١م) حَسَنٌ، واللهُ أعلمُ. ويُوافِقُ ما ذَكَرَهُ أصحَابُنَا في ذلك قَولُ الحَسَنِ الْبَصرِيِّ: إِن كَانَ هو الطَّالِبَ نَزَلَ فَصَلى عَلى الأرضِ، وإِن كَانَ هو المَطلُوبَ صَلى عَلى ظَهرِ(٩). وعَلَيه جَماعَةُ الفُقَهاءِ إلا الأوزَاعِيَّ، فقال(١٠): لَهُ الصَّلَاةُ عَلى ظَهرٍ وإن كَانَ طَالِبًا، وكَذَا قال ابنُ حَبيبٍ، وحُكِيَ عن مالِكِ أيضًا. (١) في الأصل: ((من)). (٣) بعده في (ك، م): ((أطول منه)). (٥) في (م): ((ردًا)). (٧) في الأصل: ((الطلب)). (٩) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (١٥٨/١٠). (١٠) ينظر: التمهيد (٢٨٦/١٥). (٢) صحيح ابن حبان (٧١٦٠). (٤) بعدها في (ك، م): ((له)). (٦) بعده في (ك، م): ((عليه)). (٨) معالم السنن (٢٧٣/١). بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ كم ٢٠٣ = ] الثالثةُ والعِشرُونَ: قَد يُقَالُ: إِنَّ قَولَهُ: ((فَإِن كَانَ خَوفٌ هو أشَدُّ من ذلك صَلَّوا))، يَقْتَضِي فِعلَ ذلك في جَماعَةٍ، كَمَا فِي حَالَةٍ مُطلَقِ الخَوفِ وقَد صَرَّحَ بِذلك أصحَابُنَا، وقَالُوا: إنَّ صَلَاةَ الجَماعَةِ في هَذِهِ الحَالَةِ أفضَلُ من الاِنفِرَادِ كَحَالَةِ الأمنِ . واقتَصَرَ الحَنَابِلَةُ عَلى جَوازِ الجَماعَةِ في هَذِهِ الحَالَةِ، ومَنَعَ الحَنَفيةُ ذلك وأوجَبوا الاِنفِرَادَ في هَذِهِ الصُّورَةِ. قَال صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(١): وعن مُحَمَّدٍ أَنَّهُم يُصَلُّونَ بِجَماعَةٍ. قال: ولَيْسَ بِصَحِيحٍ لِنعِدَامِ الاِتِّحَادِ في المَكَانِ. انتَهَى. وقال أصحَابُنَا: اقتِدَاءُ بَعضِهم بِبَعضٍ مع اختِلَافِ الجِهَةِ كَالمُصَلِّينَ حَولَ الكَعبَةِ وفيها، وذَكَرَ ابنُ قُدَامَةَ الحَنبَلِيُّ(٢) احتِمالًا كَمَذهَبِ أبي حَنِيفَةَ، واللهُ أعلَمُ. (١) الهداية (٨٨/١). (٢) المغني (٣١٩/٣). = ٢٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ الحديثُ الأولُ عن الأعرَج، عن أبي هُرَيرَةَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: «نَحنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ [٢١٦/٢و] يَومَ القِيَامَةِ، بَيدَ أنَّهُم أُوتُوا الكِتَابَ من قَبَلِنَا، وأُوتِينَاهُ من بَعدِهم، ثُمَّ هَذَا يَومُهُم الذي فُرِضَ عَلَيهم، فَاختَلَفُوا فيه فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيه تَبَعُ اليَهودُ غَدًّا والنَّصَارَى بَعدَ غَدٍ)). وعن هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ، عن رسولِ (١٥٢/٣م) الله وَِّ مِثْلُهُ، إلا أنَّهُ قال: ((فَهَذَا يَوَّمُهُم))، وقال: ((فَهُم لَنَا فيه تَبَعٌ فَاليَهودُ غَدًّا)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الأُولى: البخاريُّ(١) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، ومسلمٌ(٢) من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ، كِلَاهُمَا عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعَرَجِ، عن أبي هُرَيرَةً. وفي رِوايَةٍ مسلم: ((بَيدَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتيت الكِتَابَ))، وفيها: (ثُمَّ هَذَا اليَومُ الذي كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْنَا)) . وقال البَيْهَقِيُّ في ((سُنَّنِه)(٣): لَعَلَّ ((عَلَيهم)) أصَحُّ، لِمُوافَقَةٍ شُعَيبٍ بِنِ أبي حَمزَةَ، ومَالِكِ بنِ أنَسٍ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ رَواهُ من طَرِيقِ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، مِثلُ حَدِيثٍ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ إلا أنَّهُ (١) البخاري (٧٤٩٥). (٣) السنن الكبرى (١٧٠/٣). (٢) مسلم (١٩/٨٥٥). = بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢٠٥ قال: ((فَهَذَا يَومُهُم الذي افتُرِضَ عَلَيهم)). وأخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مسلمٌ(١) عن مُحَمَّدٍ بنِ رَافِعٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ. وأخرَجَ الشَّيخَانِ، في تَعبيرِ الرُّؤْيَا من ((صَحِيحَيهمَا))(٢)، من هَذَا الوجه: ((نَحنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ، وبَينَا أَنَا نَائِمٌ أَنْيتُ بِمَفَاتِحِ خَزَائِنِ الأرضِ، فَوُضِعَ في يَدَيَّ سِوارَانٍ)»، الحدیثَ. وأخرَجَهُ مسلمٌ(٣) من طَرِيقِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيرَةَ بِلَفِظِ: (نَحنُ الآخِرُونَ الأولونَ يَومَ القِيَامَةِ، ونَحنُ أولُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُم أُوتُوا الكِتَابَ من قَبِلِنَا وأُوتينَاهُ من بَعدِهم، فَاختَلَفُوا فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اختَلَفُوا فيه من الحَقِّ، فَهَذَا يَومُهُم الذي اختَلَفُوا فيه هَدَانَا اللهُ لَهُ، قال: يَومُ الجُمُعَةِ، فَاليَومُ لَنَا وَغَدًّا لِليَهودِ وبَعدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى)) . ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: (نَحنُ الآخِرُونَ)) بِكَسرِ الخَاءِ؛ أي: في الزَّمَانِ والوُجُودِ وإعطَاءِ الكِتَابِ. وقَولُهُ: ((السَّابِقُونَ يَومَ القِيَامَةِ))؛ أي: بِالفَضلِ ودُخُولِ الجَنَّةِ وفَصلِ القَضَاءِ، فَتَدخُلُ هَذِهِ الأُمَّةُ الجَنَّةَ قَبلَ سَائِرِ الأُمَمِ، وقَد صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَولِه في رِوايَةٍ لِمسلم(٤): ((ونَحنُ أولُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ))، والتَّقَيِيدُ بيومِ القِيَامَةِ يَرُدُّ قَولَ مَن قال: إِنَّ المِّرَادَ سَبِقُهُم بيومِ الجُمُعَةِ عَلى الأيَّامِ بَعدَهُ التي هيَ تَبَعٌ لَهُ، وقَولُ مَن قال: إِنَّ المُرَادَ سَبقُهُم بِالقَبُولِ والطَّاعَةِ التي حُرِمُوها، وقَالوا: سَمِعنَا وعَصَينَا، وصَحَّ وصفُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالآخِرِيَّةِ والسَّبَقِ بِاعتِبَارَينٍ، فَلَمَّا اختَلَفَ الاعتِبَارُ لَم يَكُن في ذَلِكَ تَنَافٍ . فَإِن قُلتَ: كَونُ هَذِهِ الأُمَّةِ (٥) آخِرَ الأُمَم أمرٌ(٦) واضِحٌ، فَمَا فَائِدَةُ الإخبَارِ بِهِ؟ قُلتُ: يُحتَمَلُ أنَّهُ ذُكِرَ تَوِئَةً لِوصفِهِم بِالسَّبْقِ يَومَ القِيَامَةِ، وأَنَّهُ لَا يُتَخَيَّلُ من (١) مسلم (٢١/٨٥٥). (٣) مسلم (٢٠/٨٥٥). (٥) في الأصل: ((الأمم)). (٢) البخاري (٧٠٣٦)، مسلم (٢٢٧٤). (٤) مسلم (٨٥٥/ ٢٠). (٦) ليس في: الأصل. = ٢٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ تَأْخُّرِهم في الزَّمَنِ تَأْخُرُهُم في الحُظُوظِ الأُخرَوِيَّةِ، بَل هم (١) سَابِقُونَ فيها. ويُحَتَمَلُ أن يُرَادَ بِذَلِكَ الدَّلَالَةُ عَلى أنَّهُمْ آخِرُ الأُمَم، وأنَّ شَرِيعَتَهُم بَاقِيَةٌ إلى آخِرِ الدَّهرِ مَا دَامَ التَّكلِيفُ مَوجُودًا، فَسَائِرُ الأُمَم وإِن سَبَقُوا، لَكِن انقَطَعَت شَرَائِعُهُم ونُسِخَت بِخِلَافِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَإِنَّ شَرِيعَتَها بَاقِيَةٌ مُستَمِرَّةٌ، وهَذَا الإِحْتِمَالُ أمكنُ من(٢) الأولِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ في وصفِهم بِالآخِرِيَّةِ شَرَفُ، كَمَا أنَّ في وصفِهِم بِالسَّبقِ شَرَفًا، وعَلى الأولِ يَكُونُ ذِكرُهُ مُجَرَّدَ تَوِئَةٍ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: (بَيدَ))، بِفَتحِ البَاءِ المُوخَّدَةِ، وإسكَانِ اليَاءِ المُثَنَّاةِ من تَحتُ، وفَتَحِ الدَّالِ المُهمَلَةِ. وحَكَى بَعضُهُم أنَّهُ يُقَالُ فيها: مَيدَ بِالمِيمِ، والمَشهورُ: أَنَّها بِمَعنَى غَيرَ وقَد جَزَمَ بِذَلِكَ في ((الصِّحَاحِ))(٣)، وقال: يُقَالُ: هَوَ كَثِيرُ المَالِ، بَيْدَ أنَّهُ بَخِيلٌ. وذَكَرَ في ((المُحكّم))(٤) مِثلَ ذَلِكَ عن حِكَايَةِ ابنِ السِّكِّيتِ. ثُمَّ قال: وقِيلَ: هِيَ بِمَعنَى عَلى، حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، والأولُ أعلى. وحَكَى في ((المَشَارِقِ))(٥) قَولًا آخَرَ أنَّها بِمَعنَى إلَّا، ثُمَّ قال: وقَد تَأتي بِمَعنَى من أجلٍ، ومنهُ قَولُهُ نَّهِ: (بَيدَ أَنِّي من قُرَيشٍ)). وقَد قِيلَ ذَلِكَ في الحديثِ الأولِ، وهو بَعِيدٌ(٦). انتَهَى. وأنشَدُوا [٢١٦/١ظ] عَلى مَجِيئِها بِمَعنَى ((من أجلٍ)) قَولَ الشَّاعِرِ : عَمدًا فَعَلتُ ذَاكَ بَيدَ أَنِّي أَخَافُ إن(٧) هَلَكتُ أن تُرِنِّي(٨) وقَد ذَكَرَ ابنُ مَالِكٍ(٩): أنَّ بَيدَ في قَولِه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((بَيدَ أَنِّي من قُرَيشٍ))، بِمَعنَى: غَيْرَ، مِثْلُ قَولِه: ليس في: (م). (١) الصحاح (٤٥٠/٢). (٣) (٢) في الأصل: ((في)). (٤) المحكم (٤٠٨/٩). (٦) انظر شرح السُّنَّة للبغوي (٢٠٢/٤). (٧) رسمها في الأصل: ((أَن)). بفتح الهمزة. (٥) المشارق (١٠٦/١). (٨) في (م): ((تزني)). وقال في حاشية الأصل: ((من الرَّنة، وهي الصوت عند المصيبة)). والبيت من الرجز، وينسب لمنظور بن مرثد، ينظر: اللسان، مادة: (رنن). (٩) مغني اللبيب (ص١٥٥)، وهمع الهوامع (٢٨١/٣، ٢٨٢). بَابُ صَلَاَةِ الجُمُعَةِ ك ٢٠٧ ولَا عَيبَ فيهم غَيرَ أنَّ سُبُوفَهُم بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتَائِبِ(١) وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ ابنُ الأَثِيرِ في ((النِّهَايَةِ))(٢)، وإِنَّمَا استَبعَدَ القَاضِي عِيَاضٌ كُونَ (بَيدَ)) في الحديثِ الذي نَشرَحُهُ بِمَعنَى من أجلٍ لِتَعَلُّقِهِ بِأقرَبٍ مَذْكُورٍ وهو السَّابِقُونَ، فَهو استِثنَاءٌ منهُ في المَعنَى، كَأنَّهُ اسْتَثْنَى من سَبقِنَا كُونَ أهلِ الكِتَابِ أُوتُوا الكِتَابَ من قَبِنَا، ويَتَّحِدُ في المَعنَى كُونُها بِمَعنَى: غَيرَ وكَونُها بِمَعنَى: عَلى، وكُونُها بِمَعنَى: إلا . أمَّا إِذَا (٣/ ١٥٤م) جَعَلْنَاهُ مُتَعَلِّقًا بِقَولِه: ((الآخِرُونَ))، اتَّجَهَ كَونُها بِمَعنَى: من أجلٍ؛ أي: نَحنُ الآخِرُونَ من أجلِ أنَّهُم أُوتُوا الكِتَابَ من قَبِلِنَا. وهو بَعِيدٌ، كَمَا قال لِبُعدِه في اللفظِ، ولِأنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلى تَوجِيه كَونِنَا الْآخِرِينَ بِهَذَا، فَإِنَّ هَذَا أمرٌ معلوم . إِنَّمَا الذي يَحتاجُ إلى تَوجِيهِه كَونُنَا السَّابِقِينَ، وقَد بَيَّنَ وجهَهُ وهو السَّبقُ يَومَ القِيَامَةِ إلى الحُظُوظِ الأُخرَوِيَّةِ من الإرَاحَةِ من كَربِ المَوقِفِ ودُخُولِ الجَنَّةِ. وقَد يُقَالُ: إِذَا كَانَ السَّبقُ مُقَيَّدًا (٣) بِكَونِهِ يَومَ القِيَامَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلى أن يُستَثْنَى إِيتَاؤُهُم الكِتَابَ قَبلَنَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيسَ يَومَ القِيَامَةِ، وإنَّمَا هو في الدُّنيا، فَالمَذكُورُ أولًا وهو سَبِقُنَا يَومَ القِيَامَةِ لَا استِثنَاءَ فيه، فَإِمَّا أن يُقال: إنَّ هَذَا في مَعنَى الإِسْتِثنَاءِ المُنقَطِعِ، وإمَّا أن يُقال: إيتَاؤُهُم الكِتَابَ قَبَنَا في الدُّنْيَا تَظهَرُ(٤) لَهُ ثَمَرَةٌ يَومَ القِيَامَةِ، فَيَكُونُ هَذَا مُستَثَنَّى من سَبِقِنَا إلى الحُظُوظِ الأُخرَوِيَّةِ؛ أي: إلا ثَمَرَةَ إِيتَائِهِم الكِتَابَ قَبلَنَا، فإنه (٥) يَظهَرُ فيه سَبِقُهُم يَومَ القِيَامَةِ. وفيه بُعدٌ، وهو مُحتَاجٌ إلى زِيَادَةِ نَظَرٍ . وذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ(٦): أنَّهُ وقَعَ عِندَ بَعضِ رُواةٍ مسلمٍ: ((بِأَیٍ»، بِكُسرِ البَاءِ، بَعدَها هَمزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، كَقَولِه تَعَالى: ﴿بَيَْهَا بِأَبْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]؛ أي: (١) البيت للنابغة الذبياني، وهو من بحر الطويل، ينظر ديوانه: (ص١٣) ط. دار الهلال. (٢) النهاية (١٧١/١). (٣) في الأصل: ((مقيد)). (٤) غير منقوطة في الأصل، وفي (م): ((يظهر)). (٥) ليس في: (م). (٦) إكمال المعلم (٢٤٨/٣، ٢٤٩). ٢٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بِقُوةٍ أعطَانَاها اللهُ وفَضَّلَنَا بِها، لِقَبُولِ أمرِهِ وطَاعَتِهِ. قال: وعَلى هَذَا تَكُونُ ((إِنَّهُم)) مَكْسُورَةً لِابتِدَاءِ الكَلَامِ واستِئِنَافِ التَّفْسِيرِ. قال: وقَد صُحِّف (١)، والصَّوابُ الأولُ عِندَ أكثَرِهم. انتَهَى. واعلَم أنَّ الحديثَ في (مُسنَدِ الشَّافِعِيِّ)(٢)، من طَرِيقِ طَاوُسٍ، عن أبي هُرَيْرَةً بِلَفِظِ: ((بَيدَ))، كَمَا هو الرِّوايَةُ المَشهورَةُ، ومن(٣) طَرِيقٍ أبي الزِّنَادِ (٤)، عن الأعرَجِ. ومن طَرِيقٍ مُحَمَّدٍ بنِ عَمرِو(٥)، عن أبي سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عن أبي هُرَيْرَةَ بِلَفِظِ: ((بِأيدٍ». واختَلَفَت النُّسَخُ في ضَبطِه، فَفي بَعضِها مَفْتُوحُ الآخِرِ مِثلُ (بَيدَ))، إلا أنَّهُ زَادَ ألِفًا بِعِدَ البَاءِ، فَكَسَرَ لِذَلِكَ البَاءَ(٦) لِالتِقَاءِ السَّاكِنَينِ، وفي بَعضِها (بِأيدٍ))، ومَعنَاهُ: بِقُوةٍ، كَمَا حَكَّاهُ القَاضِي عن بَعضِ رُواةٍ مسلمٍ. والأولُ هو الذي ذَكَرَهُ في ((النِّهايَةِ»(٧)، فقال: وجَاءَ في بَعضِ الرِّوايَاتِ (بِأيدٍ أَنَّهُم))، ولَم أرَهُ في اللُّغَةِ بِهَذَا المَعنَى. ثُمَّ قال: وقال بَعضُهُم: إنَّها بِأيدٍ؛ أي: بِقُوةٍ. وَرَواهُ(٨) البَيْهَقِيُّ في (سُنَنِه))(٩) من غَيرِ وجهٍ، عن ابنِ عُيَينَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، بِلَفِظِ: ((بِأيد)»، وهو مَضبُوطٌ في الأصلِ بِفَتحِ آخِرِهِ، والشَّافِعِيُّ لِمَا رَواهُ كَذَلِكَ من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، رَوَاهُ عن ابنِ عُيَيْنَةَ عنهُ. الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((أُوتُوا الكِتَابَ))؛ أي: أُعطَوهُ. قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٠): والكِتَابُ الثَّورَاةُ، ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ بِهِ الثَّورَاةُ والإنجِيلُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قَد ذَكَرَ بَعدَ هَذَا الْيَهودَ (١٥٥/٣م) والنَّصَارَى. (١) في (م): ((صَحَّتْ)). (٢) مسند الشافعي (٢٦١/١). (٣) في (م): ((من)). مسند الشافعي (٢٦١/١، ٣٧٢ - شفاء). (٤) (٥) مسند الشافعي (٢٦٢/١، ٣٧٢ - شفاء العي). (٦) في (م): ((الياء)). (٨) في (ك): ((رواه)). (١٠) المفهم (٢/ ٤٩١). (٧) النهاية لابن الأثير (١/ ١٧١). (٩) السنن الكبرى (١٧٠/٣). بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢٠٩ = قُلتُ: وهَذَا أظهَرُ، ويُحتَمَلُ أن يُرَادَ جِنسُ الكُتُبِ لِيَتَنَاولَ الزَّبُورَ وغَيرَهُ، ويَدُلُّ لِهَذَا قَولُهُ في رِوايَةٍ مسلم (١): ((بَيدَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتيت الكِتَابَ من قَبلِنَا))، والمُرَادُ: الأُمَمُ الذينَ أُوتُوا الْكُثَّبَ. ويُحْتَمَلُ أن يُرَادَ بِكُلِّ أُمَّةِ الْيَهودُ والنَّصَارَى خَاصَّةً، بِدَلِيلٍ بَقِيَّةِ الحديثِ في قَولِه: ((اليَهودُ غَدًّا، والنَّصَارَى بَعدَ غَدٍ». ويَدُلُّ عَلى إِرَادَةِ جِنسِ الكِتَابِ قَولُهُ: ((وأُوتينَاهُ من بَعدِهم))، حَيثُ أَعَادَ الضَّمِيرَ في قَولِهِ: ((وأُوتينَاهُ))، عَلى الكِتَابِ، فَلَو أُرِيدَ بِهِ الَّورَاةُ لَمَا صَحَّ [٢١٧/١ و] الإخبَارُ بِأَنَّا أُوتينَاهُ، [حَيثُ أعَادَ الضَّمِيرَ في قَولِه](٢)؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرَادَ الجِنسُ، ولَعَلَّ هَذَا أرجَحُ، واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: ظَاهرُ قَولِهِ: (ثُمَّ هَذَا يَومُهُم الذي فُرِضَ عَلَيهم))، أنَّهُ فُرِضَ عَلى اليَهودِ يَومُ الجُمُعَةِ بِعَينِهِ. وقال ابنُ بَطَّالٍ(٣): لَيسَ فيه دَلِيلٌ أنَّ يَومَ الجُمُعَةِ فُرِضَ عَلَيهِم بِعَيْنِهِ فَتَرَكُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أن يَترُكَ فَرِضَ الله عَلَيه وهو مُؤمن، وإِنَّمَا يَدُلُّ، واللهُ أعلمُ، أنَّهُ فُرِضَ عَلَيهم يَومٌ من الجُمُعَةِ وُكِّلَ إلى اختيارِهِم لِيُقِيمُوا فيه شَرِيعَتَهُم، فَاختَلَفُوا في أيِّ الأيَّامِ يَكُونُ ذَلِكَ اليَومُ، ولَم يَهدِهم اللهُ تَعَالى إلى يَومِ الجُمُعَةِ، وادَّخَرَهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وهَدَاهُمْ لَهُ تَفَضُّلًا منهُ عَلَيهم، فَفُضِّلَت بِهِ عَلى سَائِرِ الأُمَم، إذ هو خَيرُ يَومِ طَلَعَت فيه الشَّمسُ وفَضَّلَهُ اللهُ بِسَاعَةٍ يُسْتَجَابُ فيها الدُّعَاءُ. انتَهَى. وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الكَلَامَ عن بَعضِ المَشَايِخِ. فَجَاءَ النَّوِيُّ في (شَرحٍ مسلم)) (٤)، فَحَكَاهُ عن القَاضِي نَفسِه. وقَد عَرَفت أنَّهُ إِنَّمَا حَكَاهُ عن غَيرِهِ. ومَا أَبْرَدَ قَولَهُ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أن يَتْرُكَ فَرِضَ الله عَلَيه! وهو كَذَلِكَ، لَكِنَّهُم تَرَكُوا وفَعَلُوا مَا لَا يَجُوزُ، فَلِذَلِكَ ذُمُّوا . (١) مسلم (١٩/٨٥٥). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٣) شرح صحيح البخاري (٢/ ٤٦٧). (٤) إكمال المعلم (٣/ ٢٥٠)، وشرح النووي على مسلم (١٤٣/٦). ٢١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثُمَّ قال القَاضِي عِيَاضٌ: وجَاءَ في بَعضِ الأخبَارِ: ((أنَّ مُوسَى لِلَّهُ أَمَرَهُم بِالجُمُعَةِ وأخبَرَهُم بِفَضلِها، فَنَاظَرُوهُ أنَّ السَّبتَ أفضَلُ. فقال اللهُ لَهُ: دَعُهُم ومَا اختَارُوا)). قال: ويُستَدَلُّ عَلى هَذَا بِقَولِه: ((الذي كَتَبَهُ اللهُ عَلَينَا))، وقَولُهُ: ((فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اختَلَفُوا فيه من الحَقِّ)). ولَو كَانَ مَنصُوصًا عَلَيه لَم يَصِحَّ اختِلَافُهُم، بَل كَانَ يَقُولُ: خَالَفُوا فيه. انتَھَی . وقَد عَرَفْتُ أنَّ البَيْهَقِيَّ رَجَّحَ الرِّوايَةَ التي فيها: ((عَلَيهم)). وبِتَقدِيرٍ أَلَّ يَجعَلَ لِإِحدَى الرِّوايَتَينِ تَرجِيحًا عَلى الأُخرَى، فَهُمَا مَعًا صَحِيحَتَانِ، وقَد كُتِبَ عَلَيهِم وعَلَينَا . وأمَّا قَولُهُ: لَو كَانَ مَنصُوصًا عَلَيهِ لَم يَصِحَّ اختِلَافُهُم. فَجَوابُهُ: أَنَّهُ لَم يَقُل: إِنَّهُم اختَلَفُوا بِحَقِّ، بَل بَعضُهُم اتَّبَعَ الحَقَّ، وبَعضُهُم حَادَ عنْهُ، فَصَحَّ أنَّهُم اختَلَفُوا فيه . وفي التَّنزِيلِ: ﴿وَلَكِنْ أُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم ◌َنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. عَلى (١٥٦/٣م) أنَّهُ قَد يَقَعُ الاختِلَافُ بِحَقِّ في المَنصُوصِ عَلَيه عِندَ مُعَارَضَةٍ نَصِّ آخَرَ، وإِذَا لم يَعلَمْ أحَدُ المُختَلِفِينَ بِالنَّصِّ. وقال النَّوِيُّ(١)، مُعتَرِضًا عَلى كَلَامِ القَاضِي: ويُمكِنُ أن يَكُونُوا أُمِرُوا بِه صَرِيحًا ونُصَّ عَلى عَينِهِ، فَاختَلَفُوا فيه: هَل يَلزَمُ بِعَينِه أم لَهُم إبدَالُهُ؟ فَأبدَلوهُ وغَلِطُوا في إِبدَالِهِ. قُلتُ: وهَذَا كَمَا وقَعَ لَهُم في الصَّومِ عَلى أحَدِ القَولَينِ، أنَّهُ فُرِضَ عَلَيهم صِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ بِعَينِهِ، فَأبدَلوهُ بِغَيرِهِ ونَقَلوه إلى فَصلِ مُعتَدِلٍ مَعَ زِيَادَةِ أَيَّامِ، فَالظَّاهرُ الأرجَحُ أنَّهُ فُرِضَ عَلَيهم يَومُ الجُمُعَةِ بِعَينِهِ، فَخَالَفَ فيه بَعضُهُم بِغَيرِ حَقٌّ، مَا نَدرِي بِالإِبدَالِ أو غَيرِهِ، فَإِنَّ أوجُهَ الغَلَطِ والمُخَالَفَةِ كَثِيرَةٌ، واللهُ أعلمُ. (١) شرح مسلم (١٤٤/٦). = ٢١١ بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ■ السَّادِسَةُ: فَإِن قُلتَ: مَا مَعنَى افتِرَاضِ اليَومِ عَلَيهم، وكَيفَ يَصِحُ وصفُهُ بِنَّهُ فُرِضَ؟ قُلتُ: لَا بُدَّ فيه من حَذفٍ، إمَّا افتِرَاضُ تَعِظِيمِه، وإمَّا افتِرَاضُ عِبَادَةٍ فيه، إمَّا هَذِهِ العِبَادَةُ المَخصُوصَةُ المَشِرُوعَةُ لَنَا وإمَّا غَيرُها . السَّابِعَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ، والنَّوِيُّ(١): فيه دَلِيلٌ لِوُجُوبِ الجُمُعَةِ؛ أي: في قَولِه في رِوايَةٍ مسلمٍ: ((هَذَا اليَومُ الذي كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْنَا، هَدَانَا(٢) لَهُ))، وكَذَا استَدَلَّ بِه البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) عَلى فَرضِ الجُمُعَةِ، مَعَ أنَّ لَفظُهُ: ((فُرِضَ عَلَیھم)). فَإِن قُلتَ: إِن أرَادُوا(٣) صَلَاةَ الجُمُعَةِ عَلى الوجه المَخصُوصِ، فَكَيفَ صَحَّ الاِسْتِدِلَال لَهُ(٤) بِهَذَا الحديثِ ولَيسَ فيه تَعِينُ شَيءٍ؟ قُلتُ: لَمَّا ذُكِرَ في الحديثِ أنَّ المَكتُوبَ عَلَيْنَا هُدِينَا لَهُ، والذي عَرَفنًا من شَرعِنَا هِدَايَتَنَا لَهُ هو الصَّلَاةُ عَلى الوجه المَخصُوصِ مَعَ مَا لِذَلِكَ من سَوابِقَ ولَواحِقَ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذَا هو [١/ ٢١٧ظ] المَكْتُوبُ عَلَيْنَا، واللهُ أعلمُ. ] الثَّامنةُ: وفيه فَضِيلَةٌ ظَاهرَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ. ■ التَّاسِعَةُ: قَولُهُ: ((اليهودُ غَدًا)). قال القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ(٥): أي عِيدُ اليَهودِ غَدًا؛ لِأَنَّ ظُرُوفَ الزَّمَانِ لَا تَكُونُ إخبَارًا عن الجُثَثِ، فَيُقَدَّرُ فيه مَعنَّى لِيُمكِنَ كُونُهُ خَبَرًا . وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٦): تَقدِيرُهُ: اليَهودُ يُعَظِّمُونَ غَدًا والنَّصَارَى بَعدَ غَدٍ. انتَهَى. والأولُ أرجَحُ وأوفَقُ لِكَلَامِ أهلِ العَرَبيةِ وأَقَلُّ تَقدِيرًا وتَكَلُّفًا . ] العَاشِرَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرْطُبي(٧): في كَونِ اليَومٍ لَنَا وغَدًا لِليَهودِ (١) إكمال المعلم (٢٥٠/٣)، وشرح النووي على مسلم (١٤٣/٦). (٣) في (ك): ((أرادا)). (٢) بعدها في (ك): ((الله)). (٤) ليس في: الأصل. شرح مسلم للنووي (٦/ ١٤٣)، إكمال المعلم (٢٤٩/٣). (٥) (٦) المفهم (٢/ ٤٩٢، ٤٩٣). (٧) المفهم (٢/ ٤٩٢). = ٢١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وبَعدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى؛ أي: بَعدَ التِزَامِ (١) المَشرُوعِيَّةِ بِالتَّعِيِينِ لَنَا وبِالِاختيارِ لَهُم. قُلتُ: ويُحتَمَلُ أنَّ كَونَ الغَدِ لِليَهودِ وبَعدَ الغَدِ لِلنَّصَارَى بِفِعلِهم وزَعمِهم وتَبَدِيلِهم، لَا بِمَشرُوعِيَّةِ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ الاختيارِ فيه إِلَيهم؛ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيه، والله أعلَمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشرَ: (١٥٧/٣م) قال المَازَرِيُّ(٢): فيه دَلِيلٌ عَلى فَسَادِ تَعَلُّقِ اليَهودِ والنَّصَارَى بِالقِيَاسِ في هَذَا المَوضِعِ؛ لِأَنَّ اليهودَ عَظّمَت السَّبتَ لَمَّا كَانَ فيه فَرَاغُ الخَلقِ وظَنَّت ذَلِكَ فَضِيلَةً تُوجِبُ تَعِظِيمَ اليَومِ، وعَظّمَت النَّصَارَى الأَحَدَ لَمَّا كَانَ فيه ابتِدَاءُ الخَلقِ، واتَّبَعَ المسلمُونَ الوحيَ والشَّرعَ الوارِدَ بِتَعِظِيمِ يَومِ الجُمُعَةِ فَعَظَّمُوهُ. ■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: إن قُلتَ: مَا مَعَنَى قَولِهِ: (فَالنَّاسُ لَنَا فيه تَبَعٌ))؟ قُلتُ: الظّاهرُ: أنَّ مَعنَاهُ: إنَّا أولُ مَن هَدَاهُ اللهُ لِلجُمُعَةِ وأقَامَ أمرَها وعَظّمَ حُرمَتَهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهو تَبَعْ لَنَا. وفي ((صَحِيحٍ مسلمٍ)) وغَيرِه(٣)، عن أبي هُرَيرَةَ وحُذَيفَةَ قالا: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَضَلَّ اللّهُ عِن الجُمُعَةِ مَن كَانَ قَبلَنَا، فَكَانَ لِليَهودِ يَومُ السَّبتِ، وكَانَ لِلنَّصَارَى يَومُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا؛ فَهَدَانَا اللهُ لِيَومِ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الجُمُعَةَ والسَّبتَ والأحَدَ، فَلِذَلِكَ(٤) هُم تَبَعْ لَنَا يَومَ القِيَامَةِ، نَحنُ الآخِرُونَ من أهلِ الدُّنَا والأولونَ يَومَ القِيَامَةِ المَقْضِيُّ لَهُم))، وفي رِوايَةٍ: ((بَينَهُم قَبلَ الخَلَائِقِ))، ورَواهُ الْبَزَّارُ(٥) في ((مُسنَدِه)(٦) بِلَفِظِ: ((المَغفُورِ لَهُم قَبَلَ الخَلَائِقِ)). ويُحتَمَلُ أن يُستَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الجُمُعَةَ أولُ الأُسبُوعِ، ولا أعلَمُ قَائِلًا بِهِ، واللهُ أعلمُ. (١) في (ك)، والمفهم: ((إلزام)). (٢) المعلم (١/ ٢٣٧). (٣) مسلم (٢٢/٨٥٦)، والنسائي في المجتبى (١٣٦٧)، وفي الكبرى (١٦٦٤)، وأبو عوانة (٤٤٢). (٤) في (ك): ((فكذلك)). (٦) مسند البزار (٩٧٧٠). (٥) في (ك): ((البزاز)). بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢١٣ = = الحديثُ الثَّانِي وعن عُمَرَ: بَينَا هو قَائِمٌ يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ من أصحَابِ النَّبِيِ نَّهِ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِه (١)؟! فقال: إنِّي شُغِلتُ اليَومَ، فَلَم أنقَلِب إلى أهلِي حَتَّى سَمِعتُ النِّدَاءَ، فَلَم أزِد عَلى أن تَوضَّأْتُ. فقال عُمَرُ: الوُضُوءُ أيضًا، وقَد عَلِمتُم. وفي مَوضِع آخَرَ: وقَد (١٥٨/٣م) عَلِمت أنَّ رسولَ اللهِ نَّهَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسلِ. فيه فوائدُ: ■ الأُولى: أخرَجَهُ البخاريُّ من طَرِيقِ مَالِكٍ، ومسلمٌ من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، كِلَاهُمَا، عن الزُّهرِيِّ(٢)، عن سَالِم، عن أبيه، عن عُمَرَ. واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ(٣) أيضًا من رِوايَةٍ يَحيَى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن عُمَرَ بِمَعنَاهُ، ولَفُهُ: أَلَم تَسمَعُوا رسولَ الله ◌َّهِ يَقُولُ: ((إِذَا جَاءَ أحَدُكُم إلى الجُمُعَةِ فَلَيَغْتَسِل))، لَفظُ مسلمٍ. وقال البخاريُّ: ((إِذَا رَاحَ)). ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: (بَيْنَا))، قال في ((النِّهايَةِ))(٤): أصلُها بَينَ، فَأُشبِعَت الفَتحَةُ فَصَارَت ألِفًا، يُقَالُ: بَيْنَا وبَينَمَا، وهُمَا ظَرَفَا زَمَانٍ بِمَعنَى المُفَاجَأَةِ، ويُضَافَانِ إِلى جُمْلَةٍ من فِعلِ وفَاعِلٍ، ومُبتَدَأٍ وخَبَرٍ، ويَحْتَاجَانِ إلى جَوابٍ يَتِمُّ بِهِ المَعنَى، والأفصحُ في جَوابِهِمَا: أن لَا يَكُونَ فيه إذ وإِذَا، وقَد جَاءَ في الجَوابِ كَثِيرًا، تَقُولُ(٥): بَيْنَا زَيدٌ جَالِسٌ دَخَلَ عَلَيَه عَمْرٌّو، [وإذ دَخَلَ عَلَيه](٦)، وإذا دخل عليه. ومنهُ قَولُ الحُرَقَةِ بِنتِ النُّعمَانِ: (١) ليس في: الأصل. البخاري (٨٨٢)، ومسلم (٤/٨٤٥). (٣) (٤) النهاية في غريب الحديث (١٧٦/١). غير منقوطة في الأصل، وفي (م): ((يقول)). (٥) (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (م). (٢) البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٣/٨٤٥). = ٢١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَينَا نَسُوسُ النَّاسَ والأمرُ أمرُنَا إذَا نَحنُ فيهم سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ(١) انتَھَی. وقَد اقتَرَنَ جَوابُها فِي هَذَا(٢) الحديثِ بِالفَاءِ، والظَّاهرُ: أنَّها زَائِدَةٌ عَلى رَأيٍ مَن يَرَى زِيَادَتَها، وهو الأخفَشُ وغَيرُهُ، وأنكَرَهُ سِيبَويه. ■ الثَّالِثَةُ: يَومُ الجُمُعَةِ، بِضَمِّ المِيمِ، وإِسكَانِها، وفَتحِها، ثَلَاثُ لُغَاتٍ: الأُولى أشهُرُهُنَّ، وبِها قَرَأ السَّبعَةُ، والإسكَانُ قِرَاءَةٌ [٢١٨/١و] الأعمَشِ، وهو تَخفيفٌ من الضَّمِّ، وفَتحُ الجِيمِ حَكَاهُ في ((المُحكَمِ))(٣). ووجهُهُ بِأَنَّها التي تَجمَعُ النَّاسَ كَثِيرًا، كَمَا قَالوا: رَجُلٌّ لُعَنَةٌ(٤): يُكثِرُ لَعنَ النَّاسِ، وَرَجُلٌ ضُحَكَةٌ: يُكثِرُ الضَّحِكَ. وحَكَاها (٥) الواحِدِيُّ عن الفَرَّاءِ، والمَشهورُ: أنَّ سَبَبَ(٦) تَسمِيَتِها جُمُعَةً اجْتِمَاعُ النَّاسِ فيها. وقِيلَ: لِأَنَّهُ جُمِعَ فيه خَلْقُ آدَم، حَكَاهُ في ((المُحكّمِ)) عن الفَرَّاءِ، أنَّهُ رُوِي عن ابنِ عَبَّاسٍ وذَكَرَ النَّووِيُّ في (تَهذيِه))(٧): أنَّهُ جَاءَ فيها عن النَّبِيِ وَِّ؛ أنَّها سُمِّيَت بِهِ. لِذَلِكَ قَال والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذي)): ولَم أجِد لِهَذَا الحديثِ أصلًا. انتَھَی . وقِيلَ: لِأَنَّ المَخلوقَاتِ اجتَمَعَ خَلقُها وفُرِغَ منها يَومَ الجُمُعَةِ، حَكَاهُ في ((المَشَارِقِ))(٨). وقِيلَ (١٥٩/٣م) لِاجتِمَاعِ آدَمَ عَلِّ فيه مَعَ حَواءَ في الأرضِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ في ((مُستَدرَكِه)) (٩) من حَدِيثِ سَلمَانَ الفَارِسِيِّ ◌َظُّه قال: قال لِي رسولُ اللهِ وَّ: (يَا سَلمَانُ مَا يَومُ الجُمُعَةِ؟)) قُلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلَمُ. (١) ينظر: شرح ديوان الحماسة للتبريزي (٥٣/٢) ط. دار القلم. (٢) ليس في: (ك). (٣) المحكم (٣٥٠/١). (٤) في (ك): «لُعَينة)). (٥) في (م): ((حکا))). (٦) ليس في: الأصل. مشارق الأنوار (١٥٣/١). (٨) (٧) تهذيب الأسماء واللغات (٥٤/٢). (٩) المستدرك (٢٧٧/١)، وقال ((صحيح الإسناد ... )). بَابُ صَلَاَةِ الجُمُعَةِ ٢١٥ = [قال: ((يَا سَلَمَانُ](١)، يَومُ الجُمُعَةِ جُمِعَ فيه (٢) أبُوكُم وأُمُّكُم)). وقِيلَ: لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَت تَجْتَمِعُ فيه إلى قُصَيٍّ في دَارِ النَّدوةِ، حَكَاهُ في ((المُحكَم) (٣) عن ثَعلَبٍ. فَهَذِهِ خَمسَةُ أقوالٍ فِي سَبَبٍ تَسمِيَتِّها بِذَلِكَ. واختَلَفُوا هَل كَانَ فيِ الجَاهِلِيَّةِ اسمًا لَهُ أو حَدَثَتِ الَّسمِيَةُ بِهِ في الإسلامِ؟ فَذَهَبَ إلى الأولِ: ثَعلَبٌ. وقال: إنَّ أولَ مَن سَمَّاهُ بِذَلِكَ كَعبُ بنُ لُؤَيٍّ. وذَهَبَ غَيرُهُ إلى الثَّانِي. حَكَى هَذَا الخِلَافَ ابنُ سِيدَه في ((المُحكَمِ)) (٤) والسُّهَيلِيُّ(٥). واعلَم أنَّ يَومَ الجُمُعَةِ هو الاسمُ الذي سَمَّاهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ، ولَهُ أسمَاءٌ أُخَرُ: ■ الأولُ: يَومُ العَرُوبَةِ، بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ، وكَانَ هو اسمَهُ في الجَاهِلِيَّةِ، قال أبُو جَعفَرِ النَّخَّاسُ فِي كِتَابِهِ ((صِنَاعَةِ الكِتَابِ))(٦): لَا يَعرِفُهُ(٧) أهلُ اللُّغَةِ إلا بِالأَلِفِ واللامِ إلا شَادًّا . قال: ومَعنَاهُ: اليَومُ البَيِّنُ المُعَظّمُ، من أعرَبَ إذَا بَيَّنَ. قال: ولَم يَزَل يَومُ الجُمُعَةِ مُعَظّمًا عِندَ (٨أهلِ كُل٨ِّ) مِلَّةٍ. قُلتُ: لَم تَعرِفُهُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمَةُ وأولُ مَن هُدِيَ لَهُ هَذِهِ الأُمَّةُ، كَمَا تَقَدَّمَ في الحديثِ الصَّحِيحِ، واللهُ أعلمُ. وقال أبُو مُوسَى المَدِينِيُّ في ((ذَيلِه عَلى الغَرِيبَينِ)): والأفصَحُ أن لَا يَدخُلَها الأَلِفُ واللامُ. قال: وكَأنَّهُ لَيسَ بِعَرَبي(٩). (١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٣) المحكم (١/ ٣٥٠). (٤) المحكم (٣٥٠/١). (٥) الروض الأنف (٥٤/٤). (٦) صناعة الكتاب (ص٨١). ط. دار العلوم العربية بيروت، وينظر أيضًا: ((عمدة الكتاب)) لنفس المؤلف (ص٩٢) ط. دار ابن حزم. (٧) في (ك): ((تعرفه)). (٨ - ٨) في (ك): ((كل أهل)). (٩) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٢٠٣/٣). (٢) في (ك): ((فيه جمع)). لحم ٢١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ الثَّانِي: من أسمَائِهِ حَربَةٍ(١). حَكَاهُ أَبُو جَعفَرِ النَّخَّاسُ(٢)؛ أي: مُرتَفِعٌ عَالٍ كَالحَربَةِ. (٣قال: و٣) قِيلَ: و(٤) من هَذَا اشتُقَّ المِحرَابُ. ■ الثَّالِثُ: يَوُ المَزِيدِ . ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِه الأوسَطِ))(٥) بِإسنَادٍ ضَعِيفٍ، عن أنَسٍٍ، عن النَّبِيِ وََّ، عن جِبرِيلَ عَلَّا أَنَّهُ قال: ((ونَحنُ نَدعُوهُ في الآخِرَةِ يَومَ المَزِيدِ))، ذَكَرَهُ في أثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ . ■ الرَّابِعُ: حَجُّ المَسَاكِينِ. سَمَّاهُ بَعضُهُم بِذَلِكَ. قال والِدِي تَخْذُ في ((شَرح التِّرمِذي)): وكَأَنَّهُ أخَذَهُ من الحديثِ الذي رَواهُ الحَارِثُ بنُ أبي أُسَامَةَ في ((مُستَدِه)(٦)، من رِوايَةِ الضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ مَرفُوعًا. والحديثُ ضَعِيفٌ، وكَانَ شُعبَةُ يُنكِرُ أن يَكُونَ الضَّحَّاكُ سَمِعَ من ابنِ عَبَّاسٍ. وقال ابنُ حِبَّانَ: لَم يُشَافِه أحَدًا من الصَّحَابَةِ، زَعَمَ أنَّهُ لَقِيَ ابنَ عَبَّاسٍ! وقَد وهَمَ. انتَهَى(٧) . الزَّابِعَةُ: هَذَا الرَّجُلُ المُبهَمُ هو عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَبِهِ، كَمَا هو مُصَرَّحٌ بِهِ في رِوايَةٍ مسلمٍ(٨)، من طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرَةً الخَامِسَةُ: قَولُهُ(٩): ((أيَّهُ سَاعَةٍ هَذِه))؛ أي: قَد انقَضَت سَاعَاتُ التَّبِكِيرِ التي حَضَّ النَّبِيِوَلَّعَلَيها بِقَولِه: ((المُهَجِّرُ إلى الجُمُعَةِ كَالمُهدِي بَدَنَةً))، الحديثَ(١٠). (١) هكذا ضبط في: الأصل. (٢) صناعة الكتاب (ص٨١)، وينظر أيضًا: ((عمدة الكتاب)) (ص٩٢). (٣ - ٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٤) ليس في: (ك). (٥) المعجم الأوسط (٦٧١٧). (٦) موضوع، أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (٢٣٧٨)، ومن طريقه القضاعي في مسند الشهاب (٧٨، ٧٩)، وعزاه السخاوي في المقاصد (٣٧١) للحارث بن أبي أسامة، من طريق مقاتل بن سليمان البلخي، عن الضحاك به. ومقاتل كذبه بعضهم، وتركه بعضهم. (٧) الثقات لابن حبان (٦/ ٤٨٠)، وينظر: تهذيب الكمال (٢٩١/١٣). (٨) مسلم (٤/٨٤٥). (١٠) البخاري (٩٢٩)، مسلم (٢٤/٨٥٠). (٩) ليس في: الأصل. بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ ٢١٧ = فَأيَّةُ سَاعَةٍ (١٦٠/٣م) هَذِه منها يُنكِرُ عَلَيْه عَدَمَ تَبكِيرِه إلى الجُمُعَةِ، فَفيه أمرُ الإمَامِ رَعِيَّتَهُ بِمَصَالِحِ دِينِهِم وحَثُّهُم عَلى مَا يَنفَعُهُم في أُخرَاهُم، وفيه الإنكَارُ عَلى مَن خَالَفَ السُّنَّةَ وإن عَظُمَ مَحِلُّهُ في العِلمِ والدِّينِ، فَإِنَّ الحَقَّ أعظَمُ منهُ، وفيه أنَّهُ لَا بَأسَ بِالإِنْكَارِ عَلى الأكَابِرِ بِجَمعٍ من النَّاسِ إِذَا اقْتَرَنَت بِذَلِكَ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ. ■ السَّادِسَةُ: فيه جَواز [٢١٨/١ظ] الكَلَام في الخُطبَةِ، وقَد استَدَلَّ بِهِ عَلى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وهو أصَُّ قَولَيه. والقَولُ الثَّانِي: تَحرِيمُ الكَلَامِ، ووُجُوبُ الإنصَاتِ، وهو القَولُ الآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ، وبِه قال مَالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ. السَّابِعَةُ: في قَولِه: ((إنِّي شُغِلت اليَومَ)) إلى آخِرِهِ، الاعتِذَارُ إلى وُلَاةٍ الأُمُورِ وتَركُ المُشَاقَقَةِ لَهُم. والمُرَادُ بِالنِّدَاءِ هُنَا الأَذَانُ، وهو مُصَرَّحٌ بِه في رِوايَةِ ((الصَّحِيحَينِ))(١): ((حَتَّى سَمِعت التَّذِينَ)). والنِّدَاءُ بِكَسرِ النُّونِ، ويَجُوزُ ضَمُّها وهو مَمْدُودٌ. ■ الثَّامنةُ: قَولُهُ: ((الوُضُوءَ أيضًا))، مَنصُوبٌ؛ أي: تَوضَّأت الوُضُوءَ مُقْتَصَرًا عَلَيه، أو خَصَّصت الوُضُوءَ بِالفِعلِ دُونَ الغُسلِ. قالهُ الأزهَرِيُّ وغَيرُهُ(٢). وجَوزَ فيه أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣): الرَّفعَ أيضًا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ مَحذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الوُضُوءُ يُقْتَصَرُ (٤) عَلَيه. والأولُ أوجَهُ وهو المَعْرُوفُ في الرِّوايَةِ. وفي رِوايَةٍ مسلم(٥): ((والوُضُوءَ)، بِزِيَادَةِ واوٍ في أولِهِ. قال أبُو العَبَّاسِ القُرطبي: والواوُ عِوضٌ من هَمزَةِ الاستِفِهامِ، كَمَا قال تَعَالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، في قِرَاءَةِ ابنِ كَثِيرٍ. انتَهَى. وهَمزَةُ الاِسْتِفِهامِ مُقَدَّرَةٌ في رِوايَتِنَا . (١) البخاري (٨٧٨)، المسلم (٣/٨٤٥). الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص٤٣). (٢) (٣) المفهم (٢/ ٤٨١). في (ك): ((نقتصر)). وفي المطبوع من المفهم: ((تقتصر). (٤) (٥) البخاري (٨٧٨) مسلم (٣/٨٤٥). ٢١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ] التَّاسِعَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبٍ غُسلِ الجُمُعَةِ، فَإِنَّ ظَاهرَ الأمرِ الوُجُوبُ. وقَد حَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ (١): عن أبي هُرَيرَةَ، وعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ. وحَكَاهُ الخَطَّابي(٢): عن الحَسَنِ البَصرِيِّ. وحَكَاهُ ابنُ حَزمٍ(٣): عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنٍ عَبَّاسٍ، وأبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، وسَعدِ بنِ أَبِّي وقَّاصٍ، وابنَ مَسعُودٍ، وعَمَرَو بنَ سُلَيمِ، وعَطَاءٍ، وكَعبٍ، والمُسَيِّبِ بنِ رَافِعٍ، وسُفيَانَ الثَّورِيِّ. ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ وأوضَحَهُ، ثُمَّ قال: مَا نَعلَمُ أنَّهُ يَصِحُ عن أحَدٍ من الصَّحَابَةِ ﴿ه إسقَاطُ فَرضِ الغُسلِ يَومَ الجُمُعَةِ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٤): أنَّ سَعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ قال لابنٍ لَهُ: هَل اغتَسَلت؟ قال: لَا، تَوضَّأْتُ ثُمَّ جِئت. فقال لَهُ سَعدٌ: مَا كُنت أحسِبُ أنَّ أحَدًا يَدَعُ الغُسلَ يَومَ الجُمُعَةِ. ورَواهُ الطَّحَاوِيُّ(٥) بِلَفِظِ: مَا كُنت أرَى مسلمًا يَدَعُ الغُسلَ يَومَ الجُمُّعَةِ. وقال: أي لِمَا فيه من الفَضلِ الكَثِيرِ مَعَ خِفَّةٍ مُؤنَتِهِ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ(٦) أيضًا، عن أبي البَختَرِيِّ(٧) قال: قَاولَ عَمَّارٌ رَجُلًا (١٦١/٣م) فَاسْتَطَالَ عَلَيه! فقال: أنا إذًا أنتَنُ من الذي لَا يَغْتَسِلُ يَومَ الجُمُعَةِ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ: مَا شَعَرت أنَّ أحَدًا يَرَى أنَّ لَهُ طَهورًا يَومَ الجُمُعَةِ غَيرَ الغُسلِ. وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ(٨) [قال: قال عُمَرُ في شَيءٍ: لَأَنتَ أَشَرُّ مِمَّن لَا يَغْتَسِلُ يَومَ الجُمُعَةِ. وعن عَبدِ الله بنِ سَعدٍ](٩) قال: كَانَ عُمَرُ إذَا حَلَفَ قال: أنا إذَا أَشَرُّ من الذي لَا يَغَسِلُ يَومَ الجُمُعَةِ. (١) الأوسط (٣٩/٤). المحلى (٩/٢). (٣) (٥) شرح المعاني (٧٢٧). غير منقوطة في: (ك). (٧) (٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٢) معالم السنن (٢١١/١). (٤) المصنف (٩٤/٢). (٦) مصنف ابن أبي شيبة (٩٤/٢). (٨) المصنف (٩٥/٢). ٤٢١٩ = بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ وحُكِيَ إِيجَابَهُ أيضًا عن مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ. أمَّا مَالِكٌ: فَحَكَاهُ عنهُ ابنُ المُنذِرِ والخَطَّابي(١)، وأبَى(٢) ذَلِكَ أصحَابُهُ، وجَزَمُوا عنهُ الاستِحبَابَ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ (٣): إنَّهُ (٤) المَعْرُوفُ من قَولِ مَالِكٍ ومُعظَمِ أصحَابِهِ. وأمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَيه في القَدِيمِ، كَمَا هو مَحكِيٍّ في ((شَرحِ الغُنيَةِ)) لِبنِ سُرَيجٍ. وفي الجَدِيدِ أيضًا، فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَيه في ((الرِّسَالَةٍ))(٥)، وهيَ من كُتُبِهِ الجَدِيدَةِ، من رِوايَةِ الرَّبيع عنهُ، فقال فيها: فَكَانَ قَولُ رسولِ اللهِ وَ ◌ّ في غُسلِ يَومِ الجُمُعَةِ واجِباً، وأمرُهُ بِالغُسلِ يَحتَمِلُ مَعنّيَينِ: الّاهرُ منهُمَا: أنَّهُ واجِبٌ، فَلَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ إلا بِالغُسلِ، كَمَا لَا يُجزِئُ في طَهَارَةِ الجُنُبِ غَيْرُ الغُسلِ . ويَحتَمِلُ: أنَّهُ واجِبٌ في الاختيارِ وكَرَمِ الأخلاقِ والنَّظَافَةِ (٦). ثُمَّ استُدِلَّ لِلِحْتِمَالِ الثَّانِي بِقِصَّةٍ عُثمَانَ التي نَحنُ في شَرحِها، ولَكِنَّ المَشهورَ عنهُ: الاِسْتِحِبَابُ، وهو المَجزُومُ بِهِ في تَصَانِيفِ أصحَابِهِ. وقال الرَّافِعِيُّ والنَّوِيُّ وابنُ الرِّفعَةِ(٧) وغَيرُهُم: إنَّهُ لَا خِلَافَ فيه، لِعَدَمِ اطَلَاعِهِم عَلى النَّصِّ السَّابِقِ. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ قَولُهُ فِي ((الرِّسَالَةِ)): الظّاهرُ، أرَادَ بِهِ الظَّاهَرَ من جَوهَرٍ لَفِظِ الحديثِ، لَكِن صَدَّ عنهُ الدَّلِيلُ فَلَا يَكُونُ أَرَادَ تَرجِيحَ ذَلِكَ حَتَّى يُعَذَّ قَولًا لَهُ(٨). وأمَّا أحمَدُ: فَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٩) عنهُ الوُجُوبَ فِي رِوايَةٍ عنهُ. ولَكِنَّ المَشهورَ عنهُ أيضًا الاستِحبَابُ، وبِهِ صَدَّرَ ابنُ قُدَامَةَ كَلَامَهُ. وقال بِوُجُوبِهِ (١) الأوسط (٤١/٤)، ومعالم السنن (٢١١/١). في (ك): ((وأتى)). (٢) (٣) إكمال المعلم (٢٣٢/٣). (٥) الرسالة (٣٠٢/١). (٤) في (ك): ((إنّ)). (٦) الرسالة (٣٠٣/١). الشرح الكبير (٦١٧/٤)، الروضة (٤٣/٢). (٧) (٨) في (ك): ((قولًا)). وفي (م): ((له قولًا)). (٩) المغني (٢٢٥/٣). = ٢٢٠ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أيضًا ابنُ خُزَيمَةَ(١)، ونَقَلَهُ والِدِي [٢١٩/١و] تَخُْ عن اختيارِ شَيخِه الإمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيّ، قال: وكَانَ يُواظِبُ عَلَيهِ. وذَهَبَ الجَمَاهيرُ من السَّلَفِ والخَلَفِ: إلى أنَّهُ سُنَّةٌ غَيرُ واجِبٍ، وحَكَاهُ الخَطَّابِي(٢) عن عَامَّةِ الفُقَهَاءِ. وحَكَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ (٣)، عن عَامَّةِ الفُقَهَاءِ وأئِمَّةِ الأمصَارِ. ونَقَلَ ابْنُ عَبدِ البَرّ(٤) فيه الإجمَاعَ، فقال: أجمَعَ عُلَمَاءُ المسلمِينَ قَدِيمًا وحَدِيثًا عَلى أنَّ غُسلَ الجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرضٍ واجِبٍ. انتَهَى. ويَرُدُّ عَلَيهِ مَا حَكَيته من الخِلَافِ، وبَوّبَ ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٥) عَلى غُسلِ الجُمُعَةِ وعَلى أنَّ الوُضُوءَ يُجزِئُ منهُ، ثُمَّ بَوّبَ مَن كَانَ لَا يَغْتَسِلُ في السَّفَرِ يَومَ الجُمُعَةِ. ورَوى فيه بِأَسَانِيدِهِ: عن ابنِ عُمَرَ، والأسودِ، وعَلقَمَةَ، ومُجَاهدٍ، وطَاوُسٍ: أَنَّهُم كَانُوا لَا يَغْتَسِلونَ يَومَ الجُمُعَةِ في السَّفَرِ. وعن القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عن الغُسلِ يَومَ الجُمُعَةِ في السَّفَرِ فقال: كَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يَغْتَسِلُ، وأنَا أَرَى لَك أن لَا تَغتَسِلَ. واقتَضَى كَلَامُ ابنِ أبي شَيبَةَ وإِيرَادُهُ: أنَّ هَذَا قَولٌ ثَالِثٌ في المَسألَةِ مُفَصَّلٌ، واللهُ أعلمُ. ■ العَاشِرَةُ: استُدِلَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى أَنَّهُ غَيرُ واجِبٍ، وأنَّ الأمرَ بِهِ إِنَّمَا هو لِلاِسْتِحِبَابِ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ رَّهُ لَم يَغْتَسِل وأقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ عُمَرُ وسَائِرُ الصَّحَابَةِ الذينَ حَضَرُوا الخُطبَةَ وهُم أهلُ الحَلِّ والعَقدِ، ولَو كَانَ واجِبًا لَمَا تَرَكَهُ ولألزَمُوهُ بِهِ. وقَد استَدَلَّ بِهِ عَلى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ◌َخْتُ، فقال في رِوايَةٍ أبي عَبدِ الله: فَلَمَّا عَلِمِنَا أنَّ عُمَرَ، وعُثمَانَ قَد عَلِمَا أمرَ رسولِ اللهِ وَّهِ بِغُسلِ يَومِ الجُمُعَةِ بِذِكرِ عُمَرَ عِلمَهُ وعِلمَ عُثْمَانَ، ولَم يَغتَسِل عُثْمَانُ ولَم يَخرُج فَيَغْتَسِلَ، ولَمْ يَأمُرُهُ عُمَرُ بِذَلِكَ، ولا أحَدٌ مِمَّن حَضَرَهُمَا من أصحَابِ رسولِ اللهِ وَِّ، دَلَّ هَذَا عَلى أَنَّ عُمَرَ، (١) صحيح ابن خزيمة (١٢٢/٣). (٣) إكمال المعلم (٢٣٢/٣). (٥) المصنف (٩٧/٢). (٢) معالم السنن (٢١٢/١). (٤) الاستذكار (١١/٢).