النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦ = بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))، والترمذيِّ، و((صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ))، وغَيرِها (١)، عن مُعَاذٍ: ((أَنَّ النَّبِي ◌َّهُ كَانَ في غَزوةٍ تَبَوكَ، إِذَا ارتَحَلَ قَبلَ زَيغ الشَّمسِ، أخّرَ الظُهرَ إلى العَصرِ، فَيُصَلِّيهمَا جَمِيعًا، وإِذَا ارتَحَلَ بَعدَ زَيغ الشَّمسِ، عَجَّلَ العَصرَ إلى الظُّهرِ، وصَلى الظُّهرَ والعَصرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سَارَ، وكَانَ إذَا ارتَحَلَ قَبلَ المَغرِبِ، أَخَّرَ المَغرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ العِشَاءِ، وإِذَا ارتَحَلَ بَعدَ المَغرِبِ، عَجَّلَ العِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ المَغرِبِ)). قال الترمذيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ. وقال البَيهَقِيُّ: هو مَحفُوظٌ صَحِيحٌ. انتَهَى. فَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ الجَمِعُ بَيْنَ الظّهرِ والعَصرِ أيضًا، ولَم يُقَيِّد ذَلِكَ بِأن يُعَجِّلَ به السَّفَرُ، بَل صَرَّحَ في رِوايَةِ ((المُوطًّا))، وأبي داودَ، وغَيرِهمَا بِالجَمعِ وهو غَيْرُ سَائِرٍ، بَلَ نَازِلٌ مَاكِثٌ في خِبَائِهِ، يَخْرُجُ فَيُصَلِّي الصَّلَاتَينِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَنصَرِفُ إلى خِبَائِهِ. قال الشَّافِعِيُّ تَظْلَمُ في ((الأُمّ)، بَعدَ ذِكرٍ (٢) هَذِهِ الرِّوايَةَ(٣): وهَذَا وهو نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ لِأَنَّ قَولَهُ: (دَخَلَ ثُمَّ (٤) خَرَجَ)). لَا يَكُونُ إلا وهو نَازِلٌ، فَلِلمُسَافِرِ أن يَجْمَعَ نَازِلًا ومُسَافِرًا. انتَهَى. وفي رِوايَةِ أبي داودَ، والترمذيِّ، وغَيرِهمَا: التَّصْرِيحُ بِجَمعِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في الظّهرِ والعَصرِ، وفي المَغْرِبِ والعِشَاءِ، [٢٠٧/١ظ] وقَد كَانَت غَزوةُ تَبوكَ في أواخِرِ الأمرِ، سَنَةَ تِسعِ من الهجرَةِ. وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي هَذِهِ المَسألَةِ عَلى أقوالٍ: أحَدُهَا: جَوازُ الجَمعِ بَينَ الظّهرِ والعَصرِ، وبَينَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، بِعُذٍ السَّفَرِ، جَمِعَ تَقْدِيم في وقت الأُولى منهُمَا، وجَمعَ تَأْخِيرِ في وقتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا . وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ في المَشهورِ عنهُ، والجُمهورُ(٥)، إلا أنَّ (١) في (ك): ((وغيرهم)). وفي (م): ((وغيرهما)). والحديث في أبي داود (١٢٢٠)، والترمذي (٥٥٣)، وابن حبان (١٤٥٨)، والبيهقي (١٦٣/٣). (٢) في (م): ((ذكره)) . في الأصل: ((في)). (٣) الأم (١٦٨/٢). (٤) (٥) ينظر: الأم (١٦٦/٢)، الحاوي الكبير (٣٩٧/٢)، والمجموع (٢٥٣/٤)، والشرح = = ١٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ المَشهورَ من مَذهَبِ مَالِكٍ: اختِصَاصُ الجَمِعِ بِحَالَةِ الجَدِّ في السّيرِ، لِخَوفِ فَواتِ أمرٍ، أو لإِدرَاكِ مُهمٌّ، وبه قال أشهَبُ. وقال ابنُ المَاجِشُونِ، وابنُ حَبيبٍ، وأصبَغُ: إنَّ الجَدَّ لِمُجَرَّدِ قَطعِ السَّفَرِ مُبِيحٌ لِلجَمعِ (١). ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه))(٢)، الجَمِعَ بَيْنِ الصَّلَاتَينِ (١٢٥/٣م) في السَّفَرِ؛ عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وسَعِيدٍ بنِ زَيدٍ، وأبي مُوسَى الأشعَرِيِّ، وأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وغَيرِهم. وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ (٣) عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عُمَرَ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهدٍ، وعِكرِمَةَ، وأبي ثَورٍ، وإسحَاقَ. قال: وبه أَقُولُ. وقال البَيْهَِيُّ(٤): الجَمِعُ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ بِعُذْرِ السَّفَرِ، من الأُمُورِ المَشهورَةِ(٥) المُستَعمَلَةِ فيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ رضي الله عنهم أجمَعِينَ، مَعَ الثَّابِتِ عن النَّبِي ◌ََّ، ثُمَّ عن أصحابه، ثُمَّ مَا أجمَعَ عَلَيه المسلمُونَ من جَمعِ (٦) النَّاسِ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ بِالمُزْدَلِفَةِ. ورَوى في ذَلِكَ عن عُمَرَ، وعُثمَانَ، ثُمَّ رَوى عن زَيدِ بنِ أسلَمَ، وَرَبِيعَةً ومُحَمَّدٍ بنِ المُنكَدِرِ، وأبي الزِّنَادِ: أنَّهُم كَانُوا يَجمَعُونَ بَيْنَ الظّهرِ والعَصرِ إِذَا زَالَت الشَّمسُ. وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): عن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ، وسَالِمٍ بنِ عَبدِ الله، وجُمهورٍ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ. وحَكَاهُ ابنُ بَطَّالٍ (٨) عن جُمهورِ العُلَمَاءِ. الكبير لابن قدامة (١١٤/٢)، والإنصاف للمرداوي (٣٣٤/٢). = (١) ينظر: جامع الأمهات (١٢٠/١)، ومواهب الجليل (١٥٦/٢)، الشرح الكبير للدردير (٣٦٨/١). (٢) المصنف (١٦٥/١٤). (٤) سنن البيهقي (١٦٤/٣). (٦) في (م): ((جميع)). (٨) شرح البخاري (٩٤/٣). (٣) الأوسط (٤٦١/٣). (٥) في الأصل: ((المهمة)). (٧) التمهيد (٢٠٣/١٢). بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ ١٦٣ وحَكَاهُ ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)) (١)، عن أكثَرِ أهلِ العِلمِ. وحَكَاهُ أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٢)، عن جَمَاعَةِ السَّلَفِ وفُقَهَاءِ المُحَدِّثِينَ. القَولُ الثَّانِي: اختِصَاصُ ذَلِكَ بِحَالَةِ الجَدِّ في السَّفَرِ، لِخَوفِ فَواتِ أمرٍ، أو لِإِدَرَاكِ مُهمٍّ، وهو المَشهورُ عن مَالِكِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِظَاهرٍ حَدِيثٍ ابنِ عُمَرَ هَذَا . وجَوابُهُ: أنَّ في حَدِيثٍ غَيرِهِ زِيَادَةً(٣) يَجِبُ الأخذُ بها، وهيَ الجَمعُ من غَيرِ جَدٍّ في السَّفَرِ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ، بَعدَ ذِكرٍ حَدِيثٍ مُعَاذٍ، الذِي سَبَقَ ذِكرُهُ من ((المُوطَّ))، وغَيرِه (٤): في هَذَا أوضَحُ الدَّلَائِلِ، وأقوى الحُجَجِ في الرَّدِّ عَلى مَن قال: لَا يَجمَعُ المُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ إلا إذَا جَدَّ به السَّيرُ، وهو قَاطِعٌ لِلالْتَاسِ. قال: ولَيسَ فيمَا رُوِيَ عن النَّبِيِ نَّهِ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَدَّ به السَّيرُ جَمَعَ بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، مَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ الجَمِعُ نَازِلًا غَيرَ سَائِرٍ، [فَالذِي يَجِدُّ به السَّيرُ أحرَى بِذَلِكَ، وإِنَّمَا يَتَعَارَضَانِ لَو كَانَ في أحَدِهِمَا أنَّهُ قال: لَا يَجمَعُ المُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ إلا أن يَجِدَّ به السَّيرُ، وفي الآخَرِ: أنَّهُ جَمَعَ نَازِلًا غَيرَ سَائِرٍ](٥)، فَأمَّا أن يَجمَعَ وقَد جَدَّ به السَّيرُ، ويَجمَعَ وهو نَازِلٌ لَم يَجِدَّ به السَّيرُ، فَلَيسَ هَذَا بِمُتَعَارِضٍ عِندَ أحَدٍ لَهُ فَهِمٌ. قال: وقَد أجمَعَ المسلمُونَ عَلى الجَمعِ بَينَ الصَّلَاتَينِ بِعَرَفَةَ ومُزدَلِفَةَ، فَكُلُّ مَا اختُلَفَ(٦) فيه من مِثْلِهِ، فَمَرُدُودٌ إلَيه. ورَوى مَالِكٌ عن ابنِ شِهَابٍ؛ أنَّهُ قال: سَألتُ سَالِمَ بنَ عَبدِ الله، هَل يُجمَعُ بَيْنَ الظّهرِ والعَصرِ في السَّفَرِ (٧)؟ فقال: نَعَم، لَا بَأسَ بِذَلِكَ، أَلَم تَرَ إِلى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ؟ فَهَذَا سَالِمٌ قَد نَزَعَ بِمَا ذَكَرْنَا، وهو أصلٌ صَحِيحٌ لِمَن أُلْهمَ رُشدَهُ، ولَم تَمِل به العَصَبِيةُ إلى المُعَانَدَةِ. انتَهَى. (١) المغني (١٢٧/٣). (٣) ليس في: (ك). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (٧) في (ك): ((العصر)). (٢) المفهم (٣٤٣/٢). (٤) التمهيد (٢٠١/١٢ - ٢٠٣). (٦) في (م): ((اختلفت)). = ١٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وحَكَى أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١): عَدَمَ (١٢٦/٣م) اشتِرَاطِ الجَدِّ في السَّفَرِ عن جُمهورِ السَّلَفِ، وعُلَمَاءِ الحِجَازِ، وفُقَهَاءِ المُحَدِّثِينَ، وأهلِ الظَّاهرِ. القَولُ الثَّالِثُ: كَالِذِي قَبَلَهُ في الاختِصَاصِ بِحَالَةِ الجَدِّ في السَّفَرِ، لَكِن لَا يَخْتَصُ ذَلِكَ بِأن يَكُونَ سَبَبُ الجَدِّ خَوفَ فَواتِ أمرٍ، أو إدرَاكِ مُهمٍّ، لَو(٢) كَانَ الجَدُّ لِمُجَرَّدٍ قَطع المَسَافَةِ، كَانَ الحُكمُ كَذَلِكَ، وهَذَا قَولُ جَمَاعَةٍ من المَالِكِيَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ))(٣) عن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ: أَنَّهُ كَانَ إذَا عَجَّلَ به السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ. وعن سَالِمٍ بنِ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ؛ أنَّهُ سُئِلَ عن [٢٠٨/١و] الجَمعِ بَينَ الصَّلَاتَينِ فِي السَّفَّرِ؟ فقال: لَا، إلا أن يعجّلَنِي(٤) سَيرٌ. وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥)، عن الليثِ بنِ سَعدٍ: أنَّهُ لَا يَجمَعُ إلا مَن جَدَّ به السَّيرُ. وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٦): إن قَولَ ابنِ حَبيبٍ هَذَا، هو قَولُ الشَّافِعِيِّ؛ لِنَّ(٧) السَّفَرَ نَفسَهُ إِنَّمَا هو لِقَطْعِ الطَّرِيقِ. انتَهَى. وفيما قالهُ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ المَاكِثَ في المَنزِلَةِ لَيْسَ قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ، وكَذَلِكَ مَن هو سَائِرٌ إلا أنَّهُ لَا استِعِجَالَ به، بَل هو يَسِيرُ عَلى هِينَتِه؛ فهذان(٨) يُجَوِّزَ الشَّافِعِيُّ لَهُمَا الجَمعَ، ولَا يُجَوِّزُهُ لَهُمَا ابنُ حَبيبٍ، ومَن قال بِقَولِه. ولَعَلَّ صَاحِبَ هَذَا القَولِ أسعَدُ بِحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ من القَولِ الذِي قَبلَهُ، فإنَّ الذِي في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ اعتِبَارُ الجَدِّ في السَّفَرِ من غَيرِ سَبَبٍ مَخصُوصٍ لِذَلِكَ، ولَا يُقَالُ: إِنَّمَا يَكُونُ الجَدُّ لِخَوفِ فَواتِ أمرٍ، أو إدرَاكِ مُهمِّ، فَقَد يَكُونُ الجَدُّ لِمُجَرَّدِ قَطعِ المَسَافَةِ والاستِرَاحَةِ من مَتَاعِبِ السَّفَرِ، وقَد قال النبيُّ ونَ: ((فَإِذَا (١) المفهم (٣٤٣/٢). (٣) المصنف (٤٥٨/٢، ٤٥٩). (٥) التمهيد (١٩٨/١٢). (٧) في (ك): ((إلا أن)). (٢) في (م): ((بل)). (٤) في (م): ((تعجلني)). (٦) العارضة (٢٩/٣). (٨) في (م): ((فهو أن)). = ١٦٥ بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ قَضَى أحَدُكُمْ نَهمَتَهُ من سَفَرِهِ، فَليُعَجِّل إلى أهلِه))(١). لَكِن زَادَ حَدِيثُ مُعَاذٍ عَلى ذَلِكَ بِيَانِ الجَمعِ فِي زَمَنِ الإِقَامَةِ التي لَا تَقطَعُ اسمَ السَّفَرِ، فَوجَبَ الأخذُ به كَمَا تَقَدَّمَ، واللهُ أعلمُ. القَولُ الرَّابعُ: أنَّهُ لَا يُجمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ إلا من عُذرٍ، رَواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ عن الحَسَنِ الْبَصرِيِّ، وعُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ(٢). وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ، عن الأوزَاعِيِّ، وقال(٣): لِأَنَّ النبيَّ وَّهِ كَانَ إِذَا جَدَّ به السَّيرُ جَمَعَ، قال: وعن الثَّورِيِّ نَحوُ هَذَا، وعنهُ أيضًا مَا يَدُلُّ عَلى الجَوازِ، وإن لَم يَجِدَّ السَّيرُ. انتَهَى. وفي (مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ)) (٤) عن جَابِرِ بنِ زَيدٍ: مَا أَرَى أن [يَجمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ إلا من أمرٍ. فَجَعَلَ صَاحِبُ هَذَا القَولِ الجَدَّ في السَّيرِ مِثَالًا لِلعُذرِ، والاعتِبَارُ بِالعُذْرِ بِأَيِّ وجهٍ كَانَ، ويَقُولُ الجُمهورُ: السَّفَرُ نَفسُهُ عُذرٌ ومَظِنَّةٌ لِلرُّخصَةِ، فَنِيطَ الحُكمُ بِمُجَرَّدِهِ، واللهُ أعلمُ. القَولُ الخَامِسُ: مَنعُ الجَمعِ بِعُذرِ السَّفَرِ مُطلَقًّا، وإنَّمَا يَجُوزُ لِلنُّسُكِ بِعَرَفَةً ومُزْدَلِفَةَ، وهَذَا قَولُ الحَنَفيةِ، بَلَ زَادَ أبو حَنِيفَةَ (١٢٧/٣م) عَلى صَاحِبِيه، وقال: لَا يَجمَعُ لِلنُّسُكِ، إلا إذَا صَلى في الجَمَاعَةِ، فَإِن صَلى مُنفَرِدًا، صَلَى كُلَّ صَلَاةٍ في وقتِهَا. وقال أبو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: المُنفَرِدُ فِي ذَلِكَ كَالمُصَلِّي جَمَاعَةً (٥). وحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)) (٦): هَذَا، عن رِوايَةِ ابنِ القَاسِمِ، عن مَالِكِ واختیارِه. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)) (٧) عن إبرَاهيمَ النَّخَعِيِّ، قال: كَانَ الأسودُ (١) أخرجه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٧٩/١٩٢٧). (٢) المصنف (٤٥٩/٢). (٤) المصنف (٤٥٩/٢). (٦) المغني (١٢٧/٣، ١٢٨). (٣) التمهيد (١٩٨/١٢). (٥) ينظر: بدائع الصنائع (١٢٦/١). (٧) المصنف (٤٥٩/٢). = على ١٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأصحابُهُ يَنْزِلُونَ عِندَ وقتٍ كُلِّ صَلَاةٍ في السَّفَرِ، فَيُصَلُّونَ المَغْرِبَ لِوقتِهَا، ثُمَّ يَتَعَشَّونَ، ثُمَّ يَمكُثُونَ سَاعَةً، ثُمَّ يُصَلُّونَ العِشَاءَ. وعن الحَسَنِ، وابنٍ سِيرِينَ؛ أنَّهُمَا قالا: مَا نَعلَمُ من السُّنَّةِ الجَمعَ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ، في حَضَرٍ ولَا سَفَرٍ، إلا بَينَ الظّهرِ والعَصرِ بِعَرَفَةَ، وبَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ بِجَمعٍ . وعن عُمَرَ وأبي مُوسَى؛ أنَّهُمَا قالا: الجَمعُ بَينَ الصَّلَاتَينِ بِغَيرِ عُذرٍ من الكَبَائِرِ. ورُوِيَ هَذَا مَرفُوعًا من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ. رَواهُ الترمذيُّ، وهو ضَعِيفٌ(١). وأجَابَ هَؤُلَاءِ عن أحَادِيثِ الجمع: بِأنَّ المُرَادَ بها أن يُصَلِّيَ الأُولى في آخِرٍ وقتِهَا، والأُخرَى في أولٍ وقتِهَا، وهَذَا مَرَدُوٌ بِوجهَينِ : أحَدُهُمَا: أنَّهُ ورَدَت الرِّوايَاتُ مُصَرِّحَةً بِالجَمعِ في وقتِ إِحدَاهُمَا، فَمنهَا مَا تَقَدَّمَ من ((صَحِيحِ مسلم))، من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((جَمَعَ بَيْنَ المَغرِبِ والعِشَاءِ، بَعدَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ)). ومَّنْهَا قَولُهُ في حَدِيثِ أنَسٍ: «أخّرَ الظُّهرَ، حَتَّى يَدخُلَ أولُ وقتِ العَصرِ، ثُمَّ يَجمَعَ بَينَهُمَا)). وحَدِيثُ مُعَاذٍ صَرِيحٌ في جَمعَي التَّقدِيمِ والتَّأخِيرِ، في الظّهرِ والعَصرِ، وفي المَغرِبِ والعِشَاءِ، وهَذِهِ الأحَادِيثُ لَا يُمكِنُ مَعَهَا التَّوِيلُ الذِي ذَكَرُوهُ. الثَّانِ: أنَّ الجَمعَ رُخصَةٌ، فَلَو كَانَ عَلى مَا ذَكَرُوهُ، لَكَانَ أَشَدَّ ضِيقًا وأعظَمَ [١/ ٢٠٨ظ] حَرَجًا من الإتيَانِ](٢) بِكُلِّ صَلَاةٍ في وقتِهَا؛ لِأَنَّ الإتيَانَ بِكُلِّ صَلَاةٍ في وقتِهَا أوسَعُ من (٣) مُرَاعَاةِ طَرَفَي الوقتَينِ، بِحَيثُ لَا يَبْقَى من وقتِ الأُولى إلا قَدرُ فِعلِهَا . ومَن تَدَبَّرَ هَذَا وجَدَهُ واضِحًا كَمَا وصَفنَا، ثُمَّ لَو كَانَ الجَمِعُ هَكَذَا لَجَازَ الجَمِعُ بَيْنَ العَصرِ والمَغرِبِ، والعِشَاءِ والصُّبحِ، ولَا خِلَافَ بَينَ الأُمَّةِ في تَحرِيمِ (١) الترمذي (١٨٨) وفيه الحسين بن قيس الملقب بحنش، قال الترمذي: حنش، وهو أبو علي الرحبي، وهو الحسين بن قيس، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث، ضعفه أحمد، وغيره. (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (٣) في (ك): (في)). ١٦٧ = بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ ذَلِكَ، والعَمَلُ بِالأحَادِيثِ عَلى الوجه السَّابِقِ إلى الفَهم منهَا، أولى من هَذَا التَّكَلُّفِ الذِي لَا حَاجَةَ إِلَيه. واحتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَواهُ الشيخانِ، من حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ ◌َ﴿ه، قال: ((مَا صَلى رسولُ اللهِ بَّهِ قَطُ صَلَاةً لِغَيرِ وقتِهَا إلا المَغرِبَ والصُّبحَ بِالمُزْدَلِفَةِ، فَإِنَّهُ أَخَّرَ المَغْرِبَ حَتَّى جَمَعَهَا مَعَ العِشَاءِ، وصَلى الصُّبْحَ قَبَلَ الفَجرِ))(١). وقَالُوا: إنَّ مَواقِيتَ الصَّلَاةِ ثبتت(٢) بِالثَّواتُرِ، فَلَا يَجُوزُ تَركُهَا بِخَبَرٍ واحِدٍ. والجَوابُ عن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ: أَنَّهُ مَترُوكُ (٣/ ١٢٨م) الظَّاهرِ بِالإجمَاعِ من وجھینِ : أحَدُهُمَا: أنَّهُ قَد جَمَعَ بَيْنَ الظُهرِ والعَصرِ بِعَرَفَةَ بِلَا شَكٌّ، وقَد ورَدَ النَّصرِيحُ ◌ِذَلِكَ فِي بَعضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ، فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الحَصرُ. وثَانِيهمَا: أنَّهُ لَم يَقُل أحَدٌ بِظَاهرِه في إِيقَاعِ الصُّبحِ قَبلَ الفَجرِ، والمُرَادُ أنَّهُ بَالَغَ في التَّعْجِيلِ حَتَّى قَارَبَ ذَلِكَ مَا قَبلَ الفَجرِ، ثُمَّ إِنَّ غَيرَ ابنِ مَسعُودٍ حَفِظَ عن النبيِّي ◌َّهِ الجَمِعَ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ فِي السَّفَرِ بِغَيرِ عَرَفَةَ ومُزِدَلِفَةَ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَم يَحفَظ ولَم يَشهَد. وقَد رَوى أبو يَعلى المَوصِلِيُّ في ((مُسنَدِه))(٣)، بِإسنَادٍ جَيِّدٍ، عن ابنِ مَسعُودٍ رَضُه، قال: ((كَانَ رسولُ الله ◌ِهِ يَجمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَينِ فِي السَّفَرِ)). والجَوابُ عن قَولِهم: لَا يُترَكُ(٤) المُتَواتِرُ بِالآحَادِ. بِأنَّا لَم نَترُكُهَا، وإِنَّمَا خَصَّصنَاهَا، وتَخصِيصُ المُتَواتِرِ بِالْآحَادِ جَائِزٌ بِالإجمَاعِ، وقَد جَازَ تَخصِيصُ الكِتَابِ بِخَبَرِ الواحِدِ إجمَاعًا، فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أولى بِالجَوازِ، واللهُ أعلمُ. وذَكَرَ الشَّافِعِيُّ قَولَ عُمَرَ: جَمعُ الصَّلَاتَينِ من غَيرِ عُذرٍ من الكَبَائِرِ . (١) البخاري (١٦٧٥)، ومسلم (٢٩٢/١٢٨٩). (٢) في (م): ((تثبت)). (٣) مسند أبي يعلى (٥٤١٣). (٤) في (ك): ((نترك)). = ١٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقال(١): العُذرُ يَكُونُ بِالسَّفَرِ والمَطَرِ، ولَيسَ هَذَا ثَابِتًا عن عُمَرَ، وهو مُرسَلٌ. القَولُ السَّادِسُ: جَوازُ جمع (٢) التَّأخِيرِ، ومَنعُ جَمعِ التَّقْدِيمِ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، قال ابنُ قُدَامَةَ(٣): ورُوِيَ نَحوُهُ عن سَعدٍ، وابنٍ عُمَرَ، وعِكرِمَةَ. قال ابنُ بَظَّالٍ (٤): وهو قَولُ مَالِكٍ في المُزَنية(٥). وبهذا قال ابنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيُّ، بِشَرطِ الجَدِّ فِي السَّفَرِ (٦). واعتِمَادُ هَؤُلَاءِ عَلى أنَّ جَمِعَ التَّقَدِيمِ لَم يُذكَر في حَدِيثَي ابنِ عُمَرَ، وأَنَسٍ، وإِنَّمَا ذُكِرَ فيهمَا جَمِعُ التَّخِيرِ، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَولِه في حَدِيثِ أَنَسٍ: ((فَإِن زَاغَت قَبلَ أن يَرتَحِلَ، صَلى الظهرَ ثُمَّ رَكِبَ)). ولَم يَذْكُر صَلَاةَ العَصرِ. وجَوابُهُ: أنَّهُ لَا يَلزَمُ من عَدَمِ ذِكرِهَا أَلَّا يَكُونَ صَلَّاهَا مَعَ الظُّهرِ، وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِجَمعِ التَّقْدِيمِ في حَدِيثٍ مُعَاذٍ، وغَيرِهِ، فَوجَبَ المَصِيرُ إلَيه، وحَمَلَ بَعضُهُم حَدِيثَ أَنَسٍ، عَلى أنَّ مَعنَاهُ: صَلى الظُّهرَ والعَصر، قال: لِأَنَّهُ فَلا إِنَّمَا كَانَ يُؤَخِّرُ الظُهرَ إلى العَصرِ، إِذَا لَم تَزِغْ الشَّمسُ، فَكَذَلِكَ يُقَدِّمُ العَصرَ إلى الظّهرِ، إِذَا(٧) زَاغَتِ الشَّمسُ: ذَكَرَهُ ابنُ بَطَّالٍ(٨). وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِذَلِكَ من حَدِيثٍ أَنَسٍٍ، بِسَنَدٍ لَا بَأسَ به، في ((مُعجَم الطَّبَرَانِيِّ الأوسَطِ)) لَفِظُهُ(٩): ((إذَا كَانَ في سَفَرٍ، فَزَاغَتِ الشَّمسُ قَبلَ أن يَرْتَحِلَ، صَلى الظُهرَ والعَصرَ جَمِيعًا، وإن ارتَحَلَ قَبلَ أن تَزِيغَ الشَّمسُ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا في أولٍ وقتِ العَصرِ، وكَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ في المَغرِبِ والعِشَاءِ)). وحَكَى ابنُ العَرَبي (١٠)؛ أنَّ اللُّؤْلُؤِيَّ، حَكَى عن أبي داودَ؛ أنَّهُ قال: لَيسَ في تَقدِيمِ الوقتِ حَدِيثٌ قَائِمٌ. انتهى. (١) الشافعي، كما في المعرفة للبيهقي (٤٥٢/٢). (٢) ليست في: (م). (٣) المغني (١٢٩/٣، ١٣٠). (٤) شرح البخاري (٩٧/٣). (٥) في (م): ((المدينة)). ينظر: المحلى (٢/٥، ٣، ٩، ٢٠، ٢١). (٦) (٧) في (م): ((إن)). (٩) المعجم الأوسط (٧٥٥٢). (٨) شرح البخاري (٩٨/٣). (١٠) العارضة (٢٨/٣). بَابُ الجَمعِ في السَّفَرِ ١٦٩ = (٣/ ١٢٩م) ولَيسَ ذَلِكَ فِي رِوايَتِنَا ((لِسُنَنِ أبي داودَ))، من طَرِيقِ اللُّؤْلُؤْيِّ. وضَعَّفَ ابنُ حَزمٍ، حَدِيثَ مُعَاذٍ في [٢٠٩/١و] جَمعِ التَّقْدِيمِ. وقَد بَسَطْتُ الرَّدَّ عَلَيه في ذَلِكَ في كُرَّاسَةٍ كَتَبتَهَا قَدِيمًا سَمَّتِهَا: ((الدَّلِيلُ القَوِيمُ(١) عَلَى صِحَّةِ جَمعِ التَّقْدِيمِ)) (٢). ■ الرَّابِعَةُ: غَايَةُ مَا دَلَّ عَلَيهِ هَذَا الحَدِيثُ جَوازُ الجَمعِ، فَأمَّا رُجحَانُهُ وكَونُهُ أفضَلَ من إِيقَاعِ كُلِّ صَلَاةٍ في وقتِهَا فَلَا دَلَالَةَ فيه عَلَيهِ، فَلَّعَلَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ بَيَّنَ بِذَلِكَ الجَوازَ، أو فَعَلَهُ عَلى سَبيلِ التَّرَخُصِ والتَّوسُّعِ، وإن كَانَ الأفضَلُ خِلَافَهُ. وقَد صَرَّحَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ، وقَالُوا (٣): إنَّ تَركَ الجَمْعِ أفضَلُ. وقال الغَزَّالِيُّ (٤): إنَّهُ لَا خِلَافَ في المَذْهَبِ فيه. وعَلَّلُوهُ بِالخُرُوجِ من الخِلَافِ، فَإِنَّ أبَا حَنِيفَةَ، وجَمَاعَةً من التَّابِعِينَ، لَا يُجَوِّزُونَهُ، وعن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ في ذَلِكَ رِوايَتَانٍ، وزَادَ مَالِكٌ كَثُ عَلى مَا قالهُ أصحَابُنَا، من أنَّ الأفضَلَ تَركُ الجَمْعِ، فقال: إنَّ الجَمعَ مَكرُوهُ. رَواهُ(٥) المِصرِيُّونَ عنْهُ، كَمَا قالهُ ابنُ العَرَبي، واحتَجَّ لَهُ بِتَعَارُضِ الأدِلَّةِ (٦). وقال ابنُ شَاسٍ في ((الجَواهرِ))(٧): وقَعَ في ((العُتبيةِ)): قال مَالِكٌ: أكرَهُ جَمعَ الصَّلَاتَينِ فِي السَّفَرِ . فَحَمَلَهُ بَعضُ المُتَأَخِّرِينَ عَلى إِيثَارِ الفَضلِ، لِئَلَّا يَتَسَهَّلَ فيه مَن لَا يَشُقُّ عَلَيه. وقال ابنُ الحَاجِبِ في «مُختَصَرِه))(٨): لَا كَرَاهَةَ عَلى المَشهورِ. (١) في الأصل: ((القديم)). ينظر: كشف الظنون (١/ ٧٦١). (٢) (٣) ينظر: المجموع (٣٧٨/٤)، والروضة (٤٠٣/١). (٤) ينظر: الشرح الكبير (٤٧٣/٤). (٥) في الأصل: ((رواية)). (٦) العارضة (٢٩/٣). (٧) الجواهر (١٥٤/١). (٨) ينظر: بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، لأبي الثناء الأصفهاني (١٢٣/٣). = ١٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحَكَى أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١)، عن مَالِكِ رِوايَةً أُخرَى، أنَّهُ كَرِهَ الجَمعَ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. وقال الخَطَّابي(٢): كَانَ الحَسَنُ، ومَكحُولٌ، يَكرَهَانِ الجَمعَ في السَّفَرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. انتَهَى. فَإِن أَرَادَ(٣) بِالكَرَاهَةِ التَّحرِيمَ، فَهو القَولُ الخَامِسُ المَحِكِيُّ في الفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ، وإن أرَادَ(٤) التَّزِيهَ، فَهو مُوافِقٌ لِهَذَا المَحكِيِّ عن مَالِكِ. ■ الخَامِسَةُ: لَم يُبَيِّن في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، ولَا في غَيرِهِ من الأحَادِيثِ، هَل كَانَ يَفعَلُ ذَلِكَ في كُلِّ سَفَرٍ، أو كَانَ يَخُصُّ به السَّفَرَ الطَّوِيلَ، وهو سَفَرُ القَصرِ، لَكِن قَدِ يُقَالُ: إنَّ الظّاهرَ من الجَدِّ في السَّفَرِ أنَّهُ(٥) إِنَّمَا يَكُونُ في الطَِّيلِ . والحَقُّ: أنَّ هَذِه واقِعَة غير (٦) مُحتَمَلَةٌ، فَلَا يَجُوزُ الجَمعُ في السَّفَرِ القَصِيرِ مَعَ الشَّكِّ في ذَلِكَ، ومَذهَبُ مَالِكٍ أنَّهُ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالطَّوِيلِ، ومَذهَبُ أحمَدَ بِنٍ حَنبَلِ اخْتِصَاصُهُ به، ولِلشَّافِعِيِّ في ذَلِكَ قَولَانٍ؛ أصَخُّهُمَا اخْتِصَاصُهُ بِالطّوِيلِ، واللهُ أعلمُ. المفهم (٢/ ٣٤٣). (١) معالم السنن (١/ ٢٦٢). (٢) في (ك): «أرادا)). (٣) في (ك): «أرادا)). (٤) ليست في: (ك). (٥) (٦) في (م): ((عين)). بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ كي ١٧١ = بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ عن نَافِع؛ أنَّ عَبدَ الله بنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عن صَلَاةِ الخَوفِ، قال: يَتَقَدَّمُ الإِمَّامُ وطَائِفَةٌ من الناسِ، فَيُصَلِّي لَهُم الإمامُ رَكَعَةً، وتَكُونُ طَائِفَةٌ منهُم بَينَهُ وبَينَ العَدُوِّ، لَم يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلى الذِينَ معهُ رَكَعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الذِينَ لَم يُصَلُّوا، ولا يُسَلِّمُونَ، ويَتَقَدَّمُ الذِينَ لَم يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ(١) معهُ رَكَعَةً، ثُمَّ يَنصَرِفُ الإِمامُ وقَد صَلَى رَكَعَتَينٍ، فَتَقُومُ كُلُّ واحِدَةٍ من الطائفتَينِ قَد صَلّوا رَكَعَتَينِ. كَذَا في أصلِ سَماعِنَا، والصَّوابُ: من الطائفتَينِ، فَيُصَلُّونَ لِأَنفُسِهِم رَكَعَةً، بَعدَ أن يَنصَرِفَ الإِمامُ، فَتَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ من الطائفتَينِ قَد صَلّى (٢) رَكَعَتَينٍ. هَكَذَا في النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ: فَإِن كَانَ خَوفٌ هو أشَدُّ من ذلك، صَلَّوا رِجَالًا قِيَامًا عَلى أقدَامِهم، أو رُكبَانًّا مُستَقبِلِي القِبلَةِ، أو غَيرَ مُستَقِليها. (١٣١/٣م) قال نَافِعُ: لَا أَرَى عَبدَ الله بنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذلك إلا عن رسولِ الله وَلـ فيه فوائدُ: ■ الأُولى: رَواهُ البخاريُّ في التَّفْسِيرِ من ((صَحِيحِه))(٣)، عن عَبدِ الله بنِ يُوسُفَ، عن مالِكٍ، عَلى الصَّوابِ الذِي أورَدَهُ المُصَنِّفُ تَخُْ، وحَكَاهُ عن النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ. (١) في الأصل: ((فيصلوا)). (٣) البخاري (٤٥٣٥). (٢) في (م): ((صلوا)). حتى ١٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأما السَّقطُ الذِي وقَعَ في أصلِ سَماعِنَا: فَلَعَلَّهُ من الناسِخِ، لَكِن لَما لَم يَكُن في الرِّوايَةِ لَم يُمكِن لِلمُصَنِّفِ(١) رَغْتُ، ذِكرُهُ إلا مع البَيَانِ، مع أنَّهُ في رِوايَةٍ يَحَيَى بِنِ يَحيَى وغَيرِهِ، عن مالِكِ. واتَّفَقَ عَلَيهِ الشَّيخَانِ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. نَحوًا من قَولِ مُجَاهِدٍ: إذَا اختَلَطُوا قِيَامًا(٣)، وزَادَ ابْنُ عُمَرَ عن النبيِّ ◌َلِّ: ((وإن كَانُوا أكثَرَ من [٢٠٩/١ظ] ذلك، فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا ورُكَبَانًا)). لَفظُ البخاريِّ، ولَفظُ مُسلِم، والنسائيّ: ((صَلى رسولُ الله وَ ◌ّهِ صَلَاةَ الخَوفِ فِي بَعضٍ أَيَّامِهِ، فَقَامَت طَائِفَةٌ مَعُهُ، وطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ العَدُوِّ، فَصَلى بِالذينَ معهُ رَكعَةً، ثُمَّ ذَهَبوا، وجَاءَ الآخَرُونَ فَصَلى بهم رَكعَةً، ثُمَّ قَضَت الطائفتَانِ رَكعَةً رَكعَةً). زَادَ مُسلِمٌ، قال: وقال ابنُ عُمَرَ: ((فَإِذَا كَانَ خَوفٌ أكثَرَ من ذلك، فَصَلِّ رَاكِبًا أو قَائِمًا، تُومِئُ إيماءً)). وما أشَارَ إِلَيه في رِوايَةِ البخاريِّ، هو قَولُ مُجَاهدٍ: إذَا اختَلَطُوا، فَإِنَّما هو الإشَارَةُ بِالرَّأسِ والتَّكبيرُ. وأخرَجَهُ ابنُ ماجَه(٤) (١٣٢/٣م) من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَّرَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ(° في صَلَاةِ الخَوف٥ِ) : ((أن يَكُونَ الإِمامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ معهُ، فَيَسْجُدُونَ سَجِدَةً واحِدَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ منْهُم بَيْنَهُم وبَينَ العَدُوِّ، ثُمَّ يَنصَرِفُ الذِينَ سَجَدُوا السَّجدَةَ مع أمِيرِهم، ثُمَّ يَكُونُون مَكَانَ الذِينَ لَم يُصَلُّوا، ويَتَقَدَّمُ الذِينَ لَم يُصَلُّوا، فَيُصَلّوا(٦) مع أمِيرِهم سَجدَةً واحِدَةً، ثُمَّ يَنصَرِفُ أمِيرُهُم، وقَد صَلى صَلَاتَهُ، وتُصَلِّي كُلُّ واحِدٍ (٧) من الطائفتَينِ بِصَلَاتِه سَجِدَةً لِنَفسِه، فَإِن كَانَ خَوفًا أشَدَّ من ذلك فَرِجَالًا أو رُكْبَانًّا)). قال: يَعنِي بِالسَّجدَةِ: الرَّكعَةَ. (١) في (ك): ((المصنف)). البخاري (٩٤٣)، ومسلم (٣٠٦/٨٣٩)، والنسائي (١٥٤١). (٢) (٣) أشار في الفتح (٢/ ٤٣٢) إلى أن قوله: ((قيامًا)) تصحيف لقوله: ((فإنما))، وليست روايةً. (٤) ابن ماجه (١٢٥٨). (٥ - ٥) ليس في: الأصل. (٧) في (ت، م): ((واحدة)). (٦) في (م): ((فيصلون)). 5 ١٧٣ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ = وأخرَجَهُ الأَئِمَّةُ الخَمسَةُ(١) من طَرِيقٍ مَعَمَرٍ . والبخاريُّ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ. ومُسلِمٌ(٣) من طَرِيقٍ فَلَيحِ(٤) بنِ سُلَيمانَ؛ ثَلَاثَتُهُم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمِ، عن ابنِ عُمَرَ رِ﴿هما، قال: ((صَلى رسولُ اللهِ وَّهِ صَلَاةَ الخَوفِ بِإحدَى الطائفتَينِ رَكَعَةً، والطائفةُ الأُخرَى مُواجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انصَرَفُوا وقَامُوا في مَقَامِ أصحَابهم مُقبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلى بهم النبيِ وَّهَ رَكَعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النبيُّ وَّهِ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكَعَةً وهَؤُلَاءِ رَكعَةً)). لَفُ مُسلِمٍ من طَرِيقٍ مَعمَرٍ، ولَفْظُ الآخَرِينَ بِمَعنَاهُ، ولَفظُ البخاريِّ من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنٍ أَبِي حَمِزَةَ: ((غَزَوت مع النبيِّ وَّهِ قِبَلَ نَجدٍ فَوازَيْنَا العَدُو فَصَاففنا لَهُم، فَقَامَ رسولُ الله ◌َّهِ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَت طَائِفَةٌ معهُ تُصَلِّي، وأقبَلَت طَائِفَةٌ عَلى العَدُوِّ، وَرَكَعَ رسولُ الله ◌ٍَّ بِمَن معهُ وسَجَدَ سَجدَتَينٍ، ثُمَّ انصَرَفُوا مَكَانَ الطائفةِ التي لَم تُصَلِّ فَجَاؤُوا، فَرَكَعَ رسولُ اللهِ وَّه بهم رَكَعَةً وسَجَدَ سَجدَتَينٍ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ واحِدٍ منهُم، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكِعَةً وسَجَدَ سَجدَتَينٍ)). ولَفظُ النسائِيِّ بِمَعنَاهُ. ورَواهُ النسائيُّ أيضًا(٥) من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن ابنِ عُمَرَ، من غَيرِ ذِكرِ سَالِمٍ. وقَد اختُلِفَ في سَماعِ الزُّهرِيِّ من ابنِ عُمَرَ، وقال ابنُ السُّنِّيِّ(٦): الزُّهرِيُّ سَمِعَ من ابنِ عُمَرَ حَدِيثَيْنٍ، وَلَم يَسمَع هَذَا منهُ. · الثَّانِيَةُ: فيه إِثْبَاتُ صَلَاةِ الخَوفِ واستِمِرَارُها، وأنَّها لَا تَخْتَصُّ بِزَمَنِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، لِفَتوى ابنِ عُمَرَ وغَيرِهِ من الصَّحَابَةِ بها بَعدَ النبيِّ وَِّ، (١) البخاري (٤١٣٣)، ومسلم (٣٠٥/٨٣٩)، وأبو داود (١٢٤٣)، والترمذي (٥٦٤)، والنسائي (٨٤٣)، ولم يخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، فلعل المصنف قد عنى بالخمسة الجماعة إلا ابن ماجه، والله أعلم. (٢) البخاري (٩٤٢)، والنسائي (١٥٣٨). (٤) في (م): ((مليح)). (٣) مسلم (٨٣٩) (٥) النسائي (١٥٣٩، ١٥٤٠). (٦) ذكره ابن السني عقب الحديث (١٥٤٠)، ونسبه العلائي في جامع التحصيل (٢٦٩/١) إلى ابن المديني. = ١٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وفِعلُهُم لَها في عِدَّةِ أماكِنَ، وبهذا قال جُمهورُ العُلَماءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ، وخَالَفَ في ذلك إبراهيمُ ابنُ عُلَيَّةً، وأبو يُوسُفَ، والمُزَنِيِّ، والحَسَنُ اللؤلُؤِيُّ، فَقَالُوا: إنَّها غَيرُ مَشرُوعَةٍ بَعدَ النبيِّ وََّ، لِقَولِه [تَعَالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾(١) الآيَةَ [النساء: ١٠٢]. وقال الجُمهورُ (١٣٣/٣م): الأصلُ في الأحكامِ التَّشرِيعُ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى التَّخصِيصِ، فَهو كَقَولِه] (٢) تَعَالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ولَيسَ ذلك من خَصَائِصِهِ اتِّفَاقًا، وإن كَانَ هو المُخَاطَبُ به، فَالحُكمُ بَعدَهُ بَاقٍ، لَا سِيَّمَا وَقَد قال عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي)(٣). ■ الثالثةُ: فيه أنَّ المَشرُوعَ في صَلَاةِ الخَوفِ، فيما إذَا كَانَ العَدُوُّ فِي غَيرِ جِهَةِ القِبِلَةِ، أن يُفَرِّقَ الإمامُ الناسَ فِرِقَتَينٍ؛ فِرِقَةً يَنحَازُ بهم إلى حَيثُ لَا يَبْلُغُهُم سِهامُ العَدُوِّ، فَيَفْتَتِحُ بهم الصَّلَاةَ، ويُصَلِّي بهم رَكعَةً، وفِرِقَةً في وجه العَدُوِّ، فَإِذَا قَامَ إلى الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ لَم يُتِمَّ المُقْتَدُونَ به الصَّلَاةَ، بَل يَذْهَبونَ إلى مَكَانِ إخوانِهم وِجَاهَ العَدُوِّ، وهُم في الصَّلَاةِ فَيَقِفُونَ سُكُوتًا، وتَجِيءُ تِلكَ [٢١٠/١و] الطائفةُ فَتُصَلِّي مع الإمامِ رَكعَتَهُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا سَلَّمَ الإمامُ، صَلَّت كُلٌّ (٤من الطائفتَينِ*) الرَّكعَةَ التي بَقِيَت عَلَيها، وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ وأصحَابُهُ، وأشهَبُ صَاحِبُ مالِكِ، والأوزَاعِيُّ(٥) . والصَّحِيحُ من قَولَي الشَّافِعِيِّ: جَوازُ هَذِهِ الكَيفيةِ، لِصِحَّةِ الحَدِيثِ فيها، وعَدَمِ المُعَارِضِ، وبه قال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، ومُحَمَّدُ بنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ، لَكِنَّهُم اختَارُوا كَيفيةً أُخرَى، وهيَ أنَّ الإمامَ إِذَا قَامَ (٦ إلى الثَّانِيَة٦ِ)، خَرَجَ المُقْتَدُونَ عن مُتَابَعَتِه وأتَمُّوا لِأَنفُسِهِم الرَّكعَةَ الثَّانِيَةَ، وتَشَهَّدُوا، وسَلَّمُوا، وذَهَبوا إلى وجه العَدُوِّ، وَجَاءَ(٧) أُولَئِكَ فَاقْتَدَوا به في الثَّانِيَةِ، [ويُطِيلُ الإمامُ القِيَامَ إلى لُحُوقِهم، فَإِذَا (١) بعده في (م): ((فلتقم طائفة منهم معك)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ت). (٣) البخاري (٦٣١). (٤ - ٤) في الأصل: ((طائفة)). (٥) ينظر: التمهيد (٢٦٠/١٥، ٢٦١). (٧) في الأصل: (وجاءوا)). (٦ - ٦) في الأصل: ((للثانية)). = S ١٧٥ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ لَحِقُوهُ صَلى بهم الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلَّشَهُّدِ، قَامُوا وأتَمُّوا الثَّانِيَةَ](١) وهو يَنْتَظِرُهُم، فَإِذَا لَحِقُوهُ سَلَّمَ بهم. وهَذِهِ رِوايَةُ سَهلِ بنِ أبي حَتْمَةَ (٢) رَُّه، عن رسولِ الله وَّهِ، وهيَ ثَابِتَةٌ في ((الصَّحِيحَينِ))(٣)، فَاختَارَها الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وغَيرُهُما لِسَلَامَتِها من كَثرَةٍ المُخَالَفَةِ، ولأنَّها أحوطُ لِأمرِ الحَربِ، مع تَجوِيزِهم الكَيفيةَ الأُخرَى. وكَذَا نَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): اختيارَ هَذِهِ الكَيفيةِ عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهدِيٍّ، ويَحِيَى بِنِ يَحيَى النيسابورِيِّ، وداودَ، وطَائِفَةٍ من أصحابه. وشَرَطَ القَاضِي من الحَنَابِلَةِ فِي هَذِه الكَيفيةِ، [أن يَكُونَ العَدُوُّ فِي غَيرِ جِهَةِ القِبِلَةِ، ونَصَّ أحمَدُ عَلى خِلَافِهِ، فَقِيلَ لَهُ: حَدِيثُ سَهلِ نَستَعمِلُهُ مُستَقِبِلِينَ القِبِلَةَ كَانُوا أو مُستَدبِرَينٍ؟ قال: نَعَم، هو أنكَى(٥). ولِلشَّافِعِيِّ قَولٌ آخَرُ أنَّهُ لَا يَصِحُ(٦) صَلَاةُ الخَوفِ عَلى الكَيفيةِ](٧) التي في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، واذَّعَى نَاصِرُ هَذَا القَولِ: أنَّها مَنسُوخَةٌ، وهو مَرَدُودٌ، إذ النسخُ لَا يَثْبُتُ بِغَيرِ دَلِيلٍ (٨). وقال بَعضُ الآخِذِينَ بِحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: إنَّ حَدِيثَ سَهلِ بنِ أبي (٩) حَئِمَةَ مُخَالِفُ سُنَّتَينٍ من (١٣٤/٣م) سُنَنِ الصَّلَاةِ المُجمَعِ عَلَيها؛ لِأنَّ فيه أنَّ الطائفةَ الأُولى تُصَلِّ الرَّكعَةَ الثَّانِيَةَ قَبلَ أن يُصَلِّيَها الإمامُ، وتُسَلِّمُ قَبلَ إمامِها، وهَذَا لَا يَجُوزُ عِندَ الجَمِيعِ في غَيرِ هَذَا المَوضِعِ. وذَهَبَ المالِكِيَّةُ إلا أشهَبَ إلى الكَيفيةِ التي في حَدِيثِ سَهلِ بنِ أبي(١٠) خَئمَةَ. (١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٢) في الأصل، (ك): ((سهل بن حثمة)). وهو خطأ. (٣) البخاري (٤١٣١)، مسلم (٣٠٩/٨٤١). (٤) التمهيد (١٥/ ٢٦٥). في (م): ((إنكار)). ينظر: المغني (٢٩٩/٣). (٥) (٦) في (ك): ((تصح)). ينظر: روضة الطالبين (٥٥٨/١، ٥٥٩). (٨) ليس في: الأصل. (٩) (٧) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١٠) ليس في: الأصل. ١٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وظَاهرُ كَلَامِهم: عَدَمُ إِجَازَةِ الكَيفيةِ التي في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ. ثُمَّ إنَّ المَشهورَ عِندَ المالِكِيَّةِ أنَّ الإمامَ يُسَلِّمُ وتَأتي الطائفةُ الثَّانِيَةُ بِالرَّكعَةِ التي بَقِيَت عَلَيها بَعدَ سَلَامِه، وبه قال أبو ثَورٍ . والشَّافِعِيَّةُ والحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ: يَنتَظِرُهُم حَتَّى يَأْتُوا بِالرَّكعَةِ، فَإِذَا لَحِقُوهُ سَلَّمَ كَما تَقَدَّمَ. وزَعَمَ ابنُ حَزم(١): أنَّ ما قالهُ مالِكٌ في ذلك لَم يَأْتِ (٢) فِي شَيءٍ(٢) مِما صَحَّ عن رسولِ الله وَ﴿ أصلًا، ولَم نَجِدهُ (٣) عن أحَدٍ قَبلَهُ إلا عن سَهلِ بنِ أبي حَتمَةَ. ■ الرَّابِعَةُ: دَلَّ هَذَا الحَدِيثُ عَلى أنَّ كُلَّا من الطائفتَينِ تُصَلِّ الرَّكعَةَ التي بَقِيَت عَلَيها بَعدَ سَلَام الإمام، وهو كَذلك، إلا أنَّهُ لَا سَبيلَ إلى فِعلِهم ذلك في حَالَةٍ واحِدَةٍ، لِما فيه من تَضِيعِ أمرِ الحَربِ بِاشْتِغَالِ الطائفتَينِ مَعًا بِالصَّلَاةِ، فَلَا بُدَّ وأن تُصَلِّيَ إحدَى (٤) الفِرقَتَيْنِ بَعدَ الأُخرَى، ولَا سَبيلَ(٥) إلى فِعلِ ذلك وهُم في مُواجِهَةِ العَدُوِّ، إذ لا يُمكِنُهُم مع ذلك مُرَاعَاةُ الشُّرُوطِ المُعتَبَرَةِ، فَلَا بُدَّ من مَجِيئِهم إلى مَوضِعِ الصَّلَاةِ لِيُتِمُّوها هُنَاكَ، لَكِن أيُّ الفِرقَتَينِ تُتِمُّ صَلَاتَها أولًا؛ الأُولى أم الثَّانِيَةُ؟ لَيسَ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ إفصَاحٌ عن ذلك، وإنَّما فيه أنَّ كُلَّا من الطائفتَينِ يُصَلُّونَ لِأَنفُسِهم رَكعَةً بَعدَ أن يَنصَرِفَ الإمامُ، وهَذَا صَادِقٌ بِكُلِّ منهُما، والذي ذَكَرَهُ الحَنَفيةُ: أنَّ الأُولى تَعُودُ إِلى مَوضِعِ الصَّلَاةِ وتُتِمُّ صَلَاتَها، ثُمَّ تَذهَبُ إلى وجه العَدُوِّ، ثُمَّ تَجِيءُ الطائفةُ الثَّانِيَةُ إلى مَوضِعِ الصَّلَاةِ وتُتِمُّ صَلَاتَها، وكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، تَفْرِيعًا عَلى إجَازَةِ الكَيفيةِ التي رَواها ابنُ عُمَرَ، والذي ذَكَرَهُ أشهَبُ: أنَّ الطائفةَ الثَّانِيَةَ تُكمِلُ صَلَاتَها، وتَذهَبُ إلى وجه العَدُوِّ، ثُمَّ تَجِيءُ حِينَئِذِ الطائفةُ الأُولى وتَأتي بِما بَقِيَ من صَلَاتِها، وقَد يَشْهَدُ لَهُ ما في ((سُنَنِ أبي داود))(٦) (١) المحلى (٣٩/٥). (٣) في (م): ((یجده)). (٥) ليس في: الأصل. (٢ - ٢) في الأصل: ((بشيء)). (٤) في (ك): ((أحد)). (٦) أبو داود (١٢٤٤). = ١٧٧ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ من حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ، فقال بَعدَ ذِكرٍ صَلَاةِ الخَوفِ، كَما في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ : (ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَصَلَّوا لِأَنفُسِهِم رَكعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا، ثُمَّ ذَهَبوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ مُستَقبِلِي العَدُو، ورَجَعَ أُولَئِكَ إلى مَقَامِهم فَصَلَّوا لِأَنفُسِهِم رَكعَةً، ثُمَّ سَلَّمُوا)). فَالظَّاهرُ: أنَّهُ إِنَّمَا أَشَارَ بِأُولَئِكَ، التي هيَ إشَارَةُ البَعِيدِ، إلى الفِرقَةِ التي كَانَت بَعِيدَةً عن الإمام وقتَ سَلَامِه، وهيَ الفِرقَةُ الأُولى، وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ، والنووِيُّ في ((شَرح مُسلِّم))(١): أنَّ (١٣٥/٣م) أبَا حَنِيفَةَ أخَذَ بهذا. والذي في كُتُبٍ [٢١٠/١ظ] أصحابه ما قَدَّمته. وذَكَرَ الرَّافِعِيُّ(٢): أنّ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ التي بَدَأْت بِقَضَاءِ الرَّكعَةِ الطائفةُ الأُولى. وقال والِدِي تَخْتُهُ في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)): إنَّهُ لَا أصلَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ في حَدِيثٍ ابنِ عُمَرَ في كُتُبِ الحَدِيثِ، وأنَّ حَدِيثَ ابنِ مَسعُودٍ أيضًا لَم يَصِحَّ، قال: وما وقَعَ في حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ، من قَضَاءِ الطائفةِ الثَّانِيَةِ بَعدَ تَسلِيمِ الإمامِ ورَاءَهُ أولى؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ أَفعَالًا في صَلَاتِهم من رُجُوعِهم إلى العَدُوِّ، ثُمَّ عَودِهم إلى مُصَلَاهُم لِقَضَاءِ الرَّكعَةِ، قال: وهو مُوافِقٌ لِرِوايَةِ مالِكٍ، عن يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، في حَدِيثٍ سَهلِ بنِ أبي حَتْمَةَ، في كَونِ الذِينَ صَلَّوا خَلفَهُ رَكعَتَهُ الثَّانِيَةَ قَامُوا وَرَاءَهُ، فَصَلَّوا لِأَنْفُسِهِم رَكعَةً، واللهُ أعلَمُ. وقال النووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(٣): قِيلَ: إنَّ الطائفتَينِ فَضَوا رَكعَتَّهُم البَاقِيَةَ مَعًا، وقِيلَ: مُتفرِقِينَ(٤)، وهو الصَّحِيحُ. وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ، وغيره(٥): الأولَ عن ابنِ حَبيبٍ، والثَّانِي عن أشھَبُ . (١) التمهيد (٢٦٥/١٥)، والاستذكار (٧١/٧)، وشرح مسلم (١٢٦/٦). (٣) شرح مسلم (١٢٥/٦). (٢) الشرح الكبير (٦٣٣/٤). (٤) في الأصل، (م): ((مفترقين)). (٥) إكمال المعلم (٢٢٠/٣). ١٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحَكَّى ابنُ حَزم(١) مِثلَ مقالةٍ (٢ أبي حنيفة٢)، عن عُبَيدِ الله بنِ عَبدِ الله بنِ عُتَبَةَ بنِ مَسعُودٍ، وإِبْرَاهِيمَ النخَعِيِّ، إلا قَولَهُ: إنَّ الطائفةَ الأُولى لَا تَقرَأُ في رَكَعَتِها التي تَقْضِيها، كَما سَنَحكِيه عنهُ في الفَائِدَةِ السَّابِعَةِ. ■ الخَامِسَةُ: ظَاهرُ إطلَاقِهِ الطائفةَ: أنَّهُ لَا فَرِقَ بَينَ أن يَتَسَاوى عَدَدُ الطائفتَينِ، أو تَكُونَ إحدَى الطائفتَينِ أكثَرَ عَدَدًا. وهو كَذلك، إلا أنَّهُ يُشتَرَطُ أن تَكُونَ الطائفةُ التي(٣) تَحرُسُ يَحصُلُ بها الثِّقَةُ في الثَّحَصُّنِ من العَدُوِّ، فَلا بُدَّ أن يَكُونَ فِيها مُقَاومَةٌ لِلعَدُوِّ. ■ السَّادِسَةُ: ذَهَبَ بَعضُ الحَنَابِلَةِ إلى: أنَّهُ يُشتَرَطُ أن تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فَمَا زَادَ؛ لِأنَّ الطائفةَ اسمُ جَمع، وأقَلُّ الجَمع ثَلَاثَةٌ، وأيضًا فَقَد عَبَّرَ عن الطائفةِ بِضَمِيرِ الجَمعِ في قَولِه: (لَمَ يُصَلُّوا))، وما بَعدَهُ من الضَّمائِرِ: قالهُ أبو الخَطَّابِ الحَنَلِيُّ. وقال القَاضِي منهُم: إن كَانَت كُلُّ فرقة (٤) أقَلَّ من ثَلَاثَةٍ كَرِهنَاهُ؛ لِأَنَّ أَحمَدَ ذَهَبَ إلى ظَاهِرٍ فِعلِ النبي ◌َِّ. قال ابنُ قُدَامَةَ(٥): والأولى: أن لا يُشتَرَطَ هَذَا؛ لِأَنَّ ما دُونَ الثَّلَاثَةِ عَدَدٌ تَصِحُّ به الجَماعَةُ (٦)، ولا يُشتَرَطُ أن يَكُونَ عَدَدُ المُصَلِّينَ عَدَدَ الصَّحَابَةِ، ولِذلك اكتَفَيْنَا بِثَلَاثَةٍ، ولَم تَكُنْ الصَّحَابَةُ كَذلك. وقال ابنُ حَزمِ الظَّاهرِيُّ(٧): من حَضَرَهُ خَوفٌ، وهُم(٨) ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا، فَأَمِيرُهُم مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرَبَعَةَ عَشَرَ وجهًا، وسَاقَ الكَلَامَ عَلى ذلك، فَاعتَبَرَ الثَّلَاثَةَ في المَجُمُوعِ لَا في كُلِّ فِرِقَةٍ، ولَا شَكَّ أنَّ أقَلَّ عَدَدٍ يُمكِنُ تَفْرِيقُهُم فِرِقَتَيْنِ مع الصَّلَاةِ في جَماعَةٍ ثَلَاثَةٌ؛ الإمامُ (١٣٦/٣م) ومعهُ في إحدَى الرَّكعَتَينِ واحِدٌ، وفي الأُخرَى (١) المحلى (٣٩/٥). (٣) ليس في: (ك). (٥) المغني (٢٩٩/٣). المحلى (٣٣/٥). (٧) (٢ - ٢) في الأصل، (م): ((ابن حبيب)). (٤) في الأصل، (م): ((طائفة)). (٦) في (ت، ك): ((الجمعة)). (٨) بعده في (ك): ((في)). ١٧٩ بَابُ صَلَاةِ الخَوفِ = آخَرُ، ولَم يَشتَرِط الأكثَرُونَ لِذلك عَدَدًا، وقَالُوا: الطائفةُ لُغَةَ القِطعَةُ من الشَّيءٍ. قال ابنُ عَبَّاسٍ ﴿ّ، في قَوله تَعَالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]: واحِدٌ فَما فَوقَهُ(١). ويَدُلُّ لِذلك قَوله تَعَالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَأَبِقَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فَالفِرقَةُ ثَلَاثَةٌ فَمَا زَادَ، والطائفةُ واحِدٌ أو اثنَانٍ، لَكِن كَرِهَ الشَّافِعِيُّ كَونَ الطائفةِ أقَلَّ من ثَلَاثَةٍ، ولَم يُوجِب ذلك، وعِبَارَتُهُ في ((الأُمّ))(٢): فَإِن حَرَسَهُ أَقَلُّ من ثَلَاثَةٍ، أو كَانَ معهُ في الصَّلَاةِ أَقَلُّ من ثَلَاثَةٍ، كَرِهتُ ذلك لَهُ؛ لِأَنَّ أقَلَّ اسمِ الطائفةِ لَا يَقَعُ عَلَيهم، ولَا إِعَادَةَ عَلى أحَدٍ منهُم بهذَا الحَالِ؛ لِأَنَّ ذلك إذَا أجزَأ الطائفةَ أجزَأ الواحِدَ إن شَاءَ اللهُ. انتَهَى. السَّابِعَةُ: اختَلَفَ (٣) الحَنَفيةُ، والشَّافِعِيَّةُ، فيما إذَا أَتَت الطائفةُ الأُولى بِالرَّكَعَةِ التي بَقِيَت عَلَيها، هَل تَأتي (٤) فيها بِقِرَاءَةٍ أم لا؟ فقال الحَنَفيةُ: لَا قِرَاءَةَ فيها، مع اعتِرَافِهِم بِقِرَاءَةِ الطائفةِ الثَّانِيَةِ فِي رَكعَتِها التي بَقِيَت عَلَيها، وفَرَّقُوا بَينَهُما، بِأنَّ الأُولى لَاحِقَةٌ والثَّانِيَةَ مَسبوقَةٌ. وقال الشَّافِعِيَّةُ: لَا بُدَّ من القِرَاءَةِ في حَقِّ الطائفتَينِ مَعًا، وهو ظَاهرُ قَولِه: ((فَيُصَلُّونَ لِأَنفُسِهِم رَكعَةً)). إذ الرَّكعَةُ المَعهودَةُ شَرعًا مُشتَمِلَةٌ عَلى القِرَاءَةِ. وقال ابنُ حَزمٍ(٥): إنَّ القَولَ بِعَدَمِ قِرَاءَةِ الطائفةِ الأُولى في الرَّكَةِ التي بَقِيَت عَلَيها زَادَهُ أبو [٢١١/١ و] حَنِيفَةً، ولا يُعرَفُ عن أحَدٍ من الأُمَّةِ قَبلَهُ. ■ الثَّامنةُ: تَسمِيَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ: صَلَاةَ الخَوفِ يَقتَضِي فِعلَها عِندَ كُلِّ خَوفٍ، لَكِن بِشَرطِ أن لَا يَكُونَ ذلك القِتَالُ مَعصِيَةً، فَيَجُوزُ في قِتَالِ الكُفَّارِ، ولِأهلِ العَدلِ في قِتَالِ البُغَاةِ، والرُّفقَةِ في قِتَالِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، ولَا يَجُوزُ لِلِبُغَاةِ (١) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم - كما في الدر المنثور (٤٢٩/٧)، وأخرجه بهذا اللفظ الطبري (١٤٧/١٧) عن مجاهد، وعكرمة. (٢) الأم (٢٤٦/٢). (٤) في (م): ((يأتي)). (٣) في الأصل: ((اختلفت)). (٥) المحلى (٣٩/٥). ١٨٠ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والقُطَّاع أن يُصَلُّوا صَلَاةً يَرتَكِبونَ فيها ما لَا يُبَاحُ في غَيرِ حَالَةِ الخَوفِ، لِما في ذلك من إعَانَتِهِم عَلى مَعصِيَتِهم. أما ما يُبَاحُ في حَالِةُ(١) الأمنِ، من كَونِ الإمامِ يُصَلِّي بِكُلِّ من الطائفتَينِ جَمِيعَ الصَّلَاةِ: فَلَا يُمنَعُ منهُ العُصَاةُ، إذ لَا تَرَخّصَ فِيهِ، واللهُ أعلمُ. ■ التَّاسِعَةُ: مَشرُوعِيَّةُ صَلَاةِ الخَوفِ يَدُلُّ(٢) عَلى تَأكُّدِ أمرِ الجَماعَةِ، فَإِنَّ ارتِكَابَ هَذِهِ الأُمُورِ التي لَا تُغْتَفَرُ في غَيرِ صَلَاةِ(٣) الخَوفِ، سَبَبُهُ المُحَافَظَةُ عَلى الجَماعَةِ، فَلَو صَلَّوا مُنْفَرِدِينَ: لَم يَحتَاجُوا إلى شَيءٍ من ذلك. ■ العَاشِرَةُ: ظَاهرُ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ يَقتَضِي أنَّهُ لَا فَرَقَ في صَلَاةِ الخَوفِ عَلَى هَذِهِ الكَيفيةِ، بَيْنَ أن يَكُونَ العَدُوُّ فِي غَيرِ جِهَةِ القِبلَةِ أو في جِهَتِها. وبه قال (٣/ ١٣٧م) الحنفية (٤)، فَلَم يُفَرِّقُوا. ولَما قالت(٥) المالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ سَهلِ بنِ أبي حَتمَةَ لَم يُفَرِّقُوا فيه أيضًا، بَينَ أن يَكُونَ العَدُوُّ فِي جِهَةِ القِبِلَةِ أو في غَيرِ جِهَتِها . وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والأكثَرُونَ: إلى حَملٍ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وسَهلِ بنِ أبي حَتْمَةَ وما في مَعنَاهُما عَلى ما إذَا كَانَ العَدُوُّ فِي غَيرِ جِهَةِ القِلَةِ، أو كَانوا(٦) في جِهَةِ القِبِلَةِ؛ لَكِن بَينَهُم وبَينَ المُسلِمِينَ حَائِلٌ يَمنَعُ رُؤْيَتَهُم لَو هَجَمُوا، فَإِن كَانُوا فِي جِهَةِ القِبِلَةِ بِلَا حَائِلٍ: فَالمَشرُوعُ حِينَئِذٍ صَلَاتُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ بِعُسفَانَ، وهو أن يُرَتِبُهُم الإمامُ صَفَّيْنٍ ويُحرِمَ بِالجَمِيعِ فَيُصَلُّوا معهُ إلى أن يَنتَهِيَ إلى الاعتِدَالِ عن رُكُوعِ الرَّكعَةِ الأُولى، فَيَسجُدَ معهُ صَفٍّ، ويَحِرُسَ آخَرُ، فَإِذَا قَامَ الإمامُ والسَّاجِدُونَ سَجَدَ أهلُ الصَّفِّ الآخَرِ ولَحِقُوهُ، فَقَرَأ الجَمِيعُ معهُ ورَكَعُوا واعتَدَلُوا، فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ معهُ الحَارِسُونَ في الرَّكَةِ الأُولى وحَرَسَ الآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ سَجَدُوا وَلَحِقُوهُ وتَشْهَدُوا كُلُّهُم معهُ وسَلَّمَ بهم. (١) في (ت، ك): ((حال)). (٣) في (ت، ك): ((حالة)). (٥) في (ت، ك): ((قال)). (٢) في (م): ((تدل)). (٤) في الأصل، (م): ((أبو حنيفة)). (٦) في (م): ((كان)).