النص المفهرس
صفحات 121-140
= ١٢١ بَابُ قِيَامٍ رَمَضَانَ السَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ أيضًا(١): فيهِ جَوازُ الاقتِدَاءِ بِمَن لَم يَنوِ إِمَامَتَه. وهَذا صَحِيحٌ على المَشهورِ من مَذهَبِنَا ومَذاهِبِ العُلَمَاءِ، ولَكِن إن نَوى الإمَامُ إِمَامَتَهم بَعدَ اقتِدَائِهِم، حَصَلَت فضِيلَةُ الجَمَاعَةِ لَه ولَهم، وإن لَم يَنوِهَا حَصَلَت لَهم فضِيلَةُ الجَمَاعَةِ، ولَا تَحصُلُ لِلإِمَامِ على الأصَحِّ؛ لِأنَّه لَم يَنوِهَا، والأعمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وأمَّا المَأْمُومُونَ فقَد نَووهَا . قلتُ: هَذِهِ واقِعَةٌ مُحتَمَلَةٌ، فمن أينَ لَنَا أنَّ النبيَّ وَّهِ لَم يَنْوِ الإمَامَةَ حِينَ أحَسَّ بِاقِدَائِهِم بِهِ؟ والنَّّةُ أمرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَلَعُ عَلَيهِ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: قال النَّووِيُّ أيضًا (٢): وفيهِ أنَّه إذا تَعَارَضَت مَصلَحَةٌ وخَوفُ مَفْسَدَةٍ، أو مَصلَحَتَانِ اعتُبِرَ أهَمُّهمَا؛ لِأَنَّ النبيَّ وَّرَ كَانَ رَأى الصَّلاَةَ في المَسجِدِ مَصلَحَةً، لِمَا ذَكَرِنَاه، فَلَمَّا عَارَضَه خَوفُ الافتِرَاضِ عَلَيهِم تَرَكَه، لِعِظَمِ المَفسَدَةِ [التي تُخَافُ من عَجزِهِم، وتَركِهِم لِلفرضِ. قلتُ: يَنبَغِي أن يُقال: فيهِ دَلِيلٌ لِلقَاعِدَةِ المَشهورَةِ، وهِيَ: تَقْدِيمُ دَرْءِ المَفاسِدِ على جَلبِ المَصَالِحِ (٣)؛ لِأَنَّ اكتِسَابَهم ثَوابَ العِبَادَةِ مَصلَحَةٌ، وتَركَهم الفرضَ مَفسَدَةٌ، وفي هذا الفِعلِ جَلبُ هَذِهِ المَصلَحَةِ، وفي تَركِهِ دَرءُ تِلكَ المَفسَدَةِ، فَقُدِّمَ دَرءُ تِلكَ المَفْسَدَةِ](٤) على جَلبٍ هَذِهِ المَصلَحَةِ، والنَّووِيُّ ◌َُّهُ، تَرَدَّدَ هَل هو من هَذا البَابِ، أو من تَقدِيمِ أهَمِّ المَصلَحَتَينِ؟ وقَد عَرَفتَ مَا(٥) قَرَّرنَاه أنَّه من الأولِ، واللهُ أعلمُ. ■ التَّاسِعَةُ: قال النَّوِيُّ أيضًا(٦): وفيهِ أنَّ الإمَامَ وكَبِيرَ القَومِ إذا فعَلَ شَيْئًا خِلَاف مَا يَتَوقَّعُه أتباعُه، وكَانَ لَه فيهِ عُذرٌ يَذْكُرُه لَهم، تَطِيبًا [١/ ٢٠٠ظ] لِقُلُوبِهِم، وإصلاحًا لِذاتِ البَينِ، لِئَلَّا يَظُنُّوا خِلَاف هَذا، ورُبَّمَا ظَنُّوا ظَنَّ السُّوءِ، واللهُ أعلمُ. (١) شرح مسلم (٤١/٦). (٢) شرح مسلم (٤١/٦). (٣) ينظر في تقرير القاعدة: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص٩٠)، ولابن السبكي (١٢١/١). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) في (ح): ((بما)). (٦) شرح مسلم (٤٢/٦). ١٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ العَاشِرَةُ: قَولُه: ((ولَكِنِّي خَشِيت أن تُكتَبَ(١) عَلَيهِم)). ظَاهِرُهُ أنَّه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ تَوقَّعَ تَرَتُّبَ افتِرَاضٍ قِيَامِ رَمَضَانَ (١٠٠/٣م) في جَمَاعَةٍ على مُواظَبَتِهِم عَلَيهِ، وفي ارتِبَاطِ افتِرَاضِ العِبَادَةِ بِالمُواظَبَةِ عَلَيْهَا إشكَالٌ، ولَعَلَّ لِلحَدِيثِ مَعنّى غَيرِ ظَاهِرِهِ، ولَم أرَ مَن كَشَف الغِطَاءَ في ذَلِكَ(٢)، وقَد تَقَدَّمَ شَيءٌ من الكَلَامِ على ذَلِكَ في صَلَاةِ الضُّحَى، واللهُ أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشرَ: اسْتَدَلَّ بِهِ ابنُ عبدِ البَرِّ(٣): على أنَّه لَا يُؤَذَّنُ ولَا يُقَامُ لِشَيءٍ من النَّوافِلِ، وإن فُعِلَت في جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّه لَو وقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ. وهو إجمَاعٌ. ■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: قَولُه في رِوايَةِ الْبُخَارِيِّ: ((فَتُوُفي رسولُ الله ◌َِّ، والأمرُ على ذَلِكَ)). رَواه في الصِّيَامِ، ومَعنَاه: والأمرُ على أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُصَلِّي قِيَامَ رَمَضَانَ فِي بَيْتِهِ مُنفرٍدًا، حَتَّى جَمَعَ عُمَرُ رَّهِ النَّاسَ على أَبَيِّ بنِ كَعبٍ، فَصَلى بِهِم جَمَاعَةً، واستَمَرَّ العَمَلُ(٤) على ذَلِكَ، واللهُ أعلمُ. [■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: في رِوايَةٍ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، عِندَ مُسلِمٍ: ((أنَّه عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ لَمَّا قَضَى صَلَاةَ الفجرِ، أقبَلَ على النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فقال: أمَّا بَعدُ، فإنَّه لَم يَخْف عَلَيَّ شَانُكُم الليلَةَ)). قال النَّووِيُّ(٥): فيهِ أنَّه يُقَالُ: جَرَى الليلَةَ كَذا. وإن كَانَ بَعدَ الصُّبحِ، وهَكَذا يُقَالُ: الليلَةُ إلى زَوالِ الشَّمسِ، وبَعدَ الزَّوالِ يُقَالُ: البَارِحَةُ. انتَهَى. لَكِن في الرِّوايَةِ التي أورَدَهَا المُصَنِّفُ بَخْلُهُ: أنَّ عُمَرَ رَبُه قال: مَا زَالَ النَّاسُ يَنتَظِرُونَك البَارِحَةَ. ومُقتَضَى ذَلِكَ: أن يَكُونَ ذَلِكَ جَرَى بَعدَ الزَّوالِ، (١) في (ح): ((یکتب)). (٢) قال في حاشية (ت): ((قد كشف الغطاء الخطابي، وابن بطال، في ((شرحي البخاري))، وابن الجوزي في ((شرح المشكل))، والمحب الطبري في ((أحكامه))، وغيرهم)). انتهى. ينظر: أعلام الحديث للخطابي (٤٨٥/١، ٤٨٦)، وشرح البخاري لابن بطال (٣/ ١١٧)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٢٧٩/٤) طبعة دار الوطن، والمفهم للقرطبي (٣٨٨/٢، ٤١٣). (٣) التمهيد (١٠٨/٨)، والاستذكار (١٣٥/٥). (٤) في (ح): ((الأمر)). (٥) شرح مسلم (٤٣/٦). = ١٢٣ بَابُ قِيَامٍ رَمَضَانَ ويُحتَمَلُ الجَمعُ بَيْنَهمَا، بِأَنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قال ذَلِكَ الكَلَامَ بَعدَ الصُّبْحِ، ثُمَّ كَرَّرَ عُمَرُ بَّهِ سُؤَالَه بَعدَ الزَّوالِ، ويُحتَمَلُ أنَّ الرَّاوِيَ تَجَوَّزَ في إحدَى اللفظَتَيْنِ؛ إمَّا الليلَةُ أو البَارِحَةُ، هَذا إن سَلِمَ مَا ذَكَرَه النَّوِيُّ من التَّفْرِقَةِ، واللهُ أعلمُ](١). (١) الفائدة كاملة ليست في: (ح). = ١٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابُ تَعَاهدِ القُرآنِ وحُسنِ القِرَاءَةِ الحديثُ الأولُ عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ نَظُبه، أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبٍ(١) القُرأَنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إن عَاهَدَ عليها أمسَكَها، وإن أُطلَقَها ذَهَبَت)). (١٠١/٣م) فيه فوائدُ: ■ الأُولى: اتَّفَقَ عليه الشيخانِ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقِ مَالِكٍ. وأخرَجَه مسلمٌ، والنسائيُّ(٣) من طَرِيقِ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ. ومسلمٌ، وابنُ مَاجَه(٤) من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ. ومسلمٌ وحدَه(٥) من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ؛ ثَلَاثَتُهم عن نَافِعٍ، وزَادَ في حديثٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ: ((وإِذَا قَامَ صَاحِبُ القُرآنِ، فَقَرَأه بِالليلِ والنَّهارِ ذَكَرَه، وإذَا لم يَقُم بِه نَسِیَه)). ■ الثَّانِيَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): مَعنَى: ((صَاحِبِ القُرآنِ))؛ أي: الذِي ألِفَه، والمُصَاحَبَةُ: المُؤَالَفَةُ، ومنه صَاحِبُ فُلَانٍ، وأصحَابُ الجَنَّةِ، (١) ليس في: ((ح)). البخاري (٥٠٣١)، ومسلم (٢٢٦/٧٨٩)، والنسائي (٩٤١). (٢) (٣) مسلم (٢٢٧/٧٨٩)، والنسائي في الكبرى (٨٠٤٣). (٤) مسلم (٢٢٧/٧٨٩)، وابن ماجه (٣٧٨٣). (٥) مسلم (٢٢٧/٧٨٩). (٦) إكمال المعلم (١٥٦/٣). على كم ١٢٥ بَابٌ تَعَاهدِ القُرآنِ وحُسنِ القِرَاءَةِ وأصحَابُ النَّارِ، وأصحَابُ الحديثِ، وأصحَابُ الرَّأي، وأصحابُ الصُّفَّةِ، وأصحَابُ إِلٍ وغَنَمِ، وصَاحِبُ كِبرٍ، وصَاحِبُ عِبَادَةٍ. انتَهَى. وقَولُه: الذِي ألِفَه، يَصدُقُ بِأن يَألَفَ تِلَاوتَه في المُصحَفِ، مَعَ كُونِه غَيرَ حَافِظِ لَه(١)، لَكِنَّ الظَّاهرَ أنَّ المُرَادَ بِصَاحِبِ القُرآنِ حَافِظُه، ويَدُلُّ لِذَلِكَ الزِّيَادَةُ التي أخرَجَها مسلمٌ وغَيرُه، من حديثٍ مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ: ((وإذَا لم يَقُم بِهِ نَسِيَه)). ولَوَلَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَأَمْكَنَ دُخُولُ تِلكَ الصُّورَةِ في الحديثِ، بِأن يُقال: إنَّ غَيرَ الحَافِظِ الذِي ألِفَ التِّلَاوةَ في المُصحَفِ، مَا دَامَ مُستَمِرًّا على ذَلِكَ، يَذِلُّ لِسَانُه بِهِ، ويَسهلُ عليه قِرَاءَتُه، فَإِذَا هَجَرَ ذَلِكَ ثَقُلَ عليه، وصَارَ في القِرَاءَةِ عليه مَشَقَّةٌ . وقَد صَرَّحَ أبو العَبَّاسِ القُرطُبي، بِاعتِبَارِ الحِفظِ في ذَلِكَ، فَقال(٢): وصَاحِبُ القُرآنِ هو الحَافِظُ لَه، المُشتَغِلُ بِهِ، المُلَازِمُ لِتِلاَوتِهِ. ■ الثَّالِثَةُ: ((المُعَقَّلَةُ)). بِضَمِّ المِيمِ، وفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ (٣)، والقَافِ، وتَشدِيدِها: هيَ المَشدُودَةُ(٤) بِالعُقُلِ، بِضَمِّ العَينِ، والقَافِ، وهو جَمعُ [١/ ٢٠١ و] عِقَالٍ: بِكَسرِ العَينِ، والمُرَادُ بِهِ: الحَبلُ الذِي تُشَدُّ بِهِ رُكِبَةُ الْبَعِيرِ. شَبَّهَ دَرْسَ القُرآنِ(٥)، واستِمرَارَ تِلَاوتِه، بِالعِقَالِ الذِي يَمنَعُ البَعِيرَ من الشِّرَادِ، فَمَا دَامَ الدَّرسُ مَوجُودًا، فَالحِفظُ مُستَمِرٌّ، ومَا دَامَ العِقَالُ مَوتُوقًا، فَالْبَعِيرُ مَحفُوظٌ. وخَصَّ الإِبِلَ بِالذِّكرِ؛ لِأَنَّها أشَدُّ الحَيَوانَاتِ الإِنسِيَّةِ شِرَادًا ونُفُورًا، وتَحصِيلُها بَعدَ نُفُورِها أشَقُّ وأصعَبُ من تَحصِيلٍ غَيرِها بَعدَ نُفُورِهِ، ولِهَذَا قال النَّبِيِ بَّهِ: ((إنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أوابِدَ كَأُوابِدِ الوحشِ))(٦). وقال فيمَا رُوِيَ عنه: ((إنَّ (١) ليست في: ((الأصل)). (٣) ليس في: (ح). (٢) المفهم (٢/ ٤٢٠). (٤) في (ح): ((المشددة)). (٥) في (ح): ((الفرس)). وقال في الحاشية: ((لعله: القرآن)). (٦) أخرجه البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨). = ـ55 ١٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ على فِروةِ سَنَامٍ كُلِّ بَعِيرٍ شَيطَانَ)(١). الزَّابِعَةُ: المُعَاهَدَةُ (١٠٢/٣م) على الشَّيءِ، والتَّعَاهدُ عليه: الاحتِفَاظُ بِهِ، والمُلَازَمَةُ لَه، وفي رِوايَةِ البُخَارِيِّ: ((إن تَعَاهَدَ عليها)). ومنه: ((أشَدُّ تَعَاهدًا على رَكَعَتَي الفَجرِ))(٢). ■ الخَامِسَةُ: فيه الحَثُّ على تَعَاهدِ القُرآنِ بِالتِّلَاوةِ والدَّرسِ، والتَّحذِيرُ من تَعرِیضِه لِلنِّسیَانِ بِإِهمَالٍ تِلاوتِه. وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٣) عن ابنِ مَسعُودٍ، مَرفُوعًا: ((بِنسَمَا لِأحدكُم أن يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ کَیتَ وكَيتَ. بَل هو نُسِّيَ، استَذكِرُوا القُرآنَ، فَلَهو (٤) أشَدُّ تَفَصِّيًا من صُدُورِ الرِّجَالِ، من النَّعَمِ بِعُقُلِها)» . وفي ((الصَّحِيحَينِ)) أيضًا (٥)، عن أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ، مَرفُوعًا: ((تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوالذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، لَهو أشَدُّ تَفَلََّا من الإِلِ فِي عُقُلِها)). [وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، والتِّرمِذِيّ(٦) عن أنَسٍ، مَرفُوعًا: ((عُرِضَت علي ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلم أرَ ذَنبًا أعظَمَ من سُورَةٍ من القُرآنِ، أو آيَةٍ أُوتيها رَجُلٌ، ثُمَّ نَسِيَها)). تَكَلم فيه التِّرمِذِيُّ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا [الفرقان: ٣٠]](٧) . ١٣٠ وفي (سُنَنِ أبِي دَاوُد))(٨) عن سَعدِ (٩) بِنِ عُبَادَةَ، مَرفُوعًا: ((مَن قَرَأ القُرآنَ، ثُمَّ (١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٨٨) من حديث ابن عمر، وفيه القاسم بن غصن، وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في المجمع (١٣٤/١٠). (٢) البخاري (١١٦٣). البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٢٢٨/٧٩٠). (٣) (٤) في (ح): ((فهو)). (٥) البخاري (٥٠٣٤)، ومسلم (٢٣١/٧٩١). (٦) أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (٨) أبو داود (١٤٧٤). (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٩) في الأصل: ((سعيد)). وهو خطأ. ١٢٧ = بَابٌ تَعَاهدِ القُرآنِ وحُسنِ القِرَاءَةِ نَسِيَه: لَقِيَ اللهَ يَومَ القِيَامَةِ أجذَمَ)). قِيلَ: مَعنَاه: مَقطُوعُ اليَدِ. وقِيلَ: مُنقَطِعُ(١) الحُجَّةِ. وقِيلَ: مُنقَطِعُ السَّبَبِ. وقِيلَ: خَالِي الْيَدِ من الخَيرِ، صِفْرَها من الثَّوابِ. وقَد ذَكَرَ صَاحِبُ ((العُدَّةِ) (٢)، وهو أبو المَكَارِمِ الرُّويَانِيُّ، من أصحَابِنَا: أنَّ نِسَيَانَ القُرآنِ من الكَبَائِرِ(٣). ■ السَّادِسَةُ: لَيْسَ فِي هَذَا الحديثِ تَقدِيرُ مُدَّةٍ مَخصُوصَةٍ لِلَّمَنِ الذِي يَخْتِمُ فيه القُرآنَ، لَكِن مُقْتَضَاه أنَّه يَتلُوه على وجهٍ لَو نَقَصَ عنه؛ لَأَذَّى إلى نِسَانِهِ، أو نِسِيَانِ شَيءٍ منه، وذَلِكَ يَختَلِفُ بِاختِلَافِ أحوالِ النَّاسِ في تَمَكُّنِهم من الحِفِظِ، وفي سُرعَةِ النِّسَيَانِ وبُطِهِ، وقَد كَانَ الصَّحَابَةُ ﴿ُهُ يَخْتِمُونَه في كُلِّ سَبِعٍ. وفي ((سُنَنِ أبي دَاوُد)»، وغَيرِه(٤) عن أوسِ بنِ حُذَيفَةَ، قال: قُلنَا لِرسولِ اللهِ وَلّهِ: لَقَد أبطَأتَ عَنَّا الليلَةَ، قال: ((إنَّه طَرَأ عليَّ حِزبي من القُرآنِ، فَكَرِهت أن أجِيءَ، حَتَّى أختِمَه)). قال أوسٌ: ((سَألتُ أصحَابَ رسولِ الله وَّ: كَيفَ تُحَزِّبونَ القُرآنَ؟ قَالُوا: ثَلَاثٌ، وخَمسٌ، وسَبعٌ، وتِسعٌ، وإحدَى عَشرَةَ، وثَلَاثَ عَشرَةَ، وحِزِبُ المُفَصَّلِ وحدَه. وفي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ))(٥)؛ أنَّ النَّبِ نَِّ قال لِعَبدِ الله بنِ عَمرو: ((اقرَأُ القُرآنَ فِي شَهرٍ)). قُلتُ: إِنِّي أجِدُ قُوةً. حَتَّى (٦) قال: ((فَاقْرَأْه في سَبع، ولَا تَزِد على ذَلِكَ)). ومِمَّن كَانَ يَخْتِمُه في كُلِّ سَبعَةٍ أَيَّامٍ؛ تَمِيمُ الدَّارِيُّ، وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ يَزِيدَ، وإبرَاهيمُ النَّخَعِيُّ، وعُروةُ بنُ الزُّبَيرِ، وأبُو مِجَزٍ، وأحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، (٧ وأمَرَ بِه ٧) (١) في (م): ((مقطوع)). (٢) العدة في فروع الشافعية، لأبي المكارم إبراهيم بن علي الطبري، المعروف بالرُّويَاني (ت٥٢٣هـ). كشف الظنون (١١٢٩/٢). (٣) ينظر: الروضة (٢٢٣/١١)، والجوهرة النيرة (٤٥٦/٥). (٤) أبو داود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥). (٥) البخاري (٥٠٥٤). (٧ - ٧) في (م): ((وامرأة)). (٦) ليست في: (ح). = ١٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ابنُ (١٠٣/٣م) مَسعُودٍ، واستَحسَنَه مَسرُوقٌ، ومِمَّن كَانَ يَخْتِمُه في ثَمَانٍ؛ أُبَيٌّ، وأبو قِلَابَةَ، ومِمَّن كَانَ يَخْتِمُه في سِتُّ؛ الأسودُ بنُ يَزِيدَ، ومِمَّن كَانَ يَخْتِمُه في خَمسٍ؛ عَلقَمَةُ بنُ قَيسٍ، ومِمَّن كَانَ يَخْتِمُه في ثَلَاثٍ؛ ابنُ مَسعُودٍ، وقال: مَن قَرَأه في أقَلَّ من ثَلَاثٍ فَهو رَاجِزٌ. وكَرِهَ ذَلِكَ مُعَاذٌ، وكَانَ المُسَيِّبُ بنُ رَافِعٍ: يَخْتِمُه في كُلِّ ثَلَاثٍ، [ثُمَّ يُصبِحُ اليَومَ الذِي يَخْتِمُ فيه صَائِمًا؛ رَواها كُلَّها ابْنُ أبي شَيبَةَ(١). ورَوى ابنُ أبي دَاوُد، عن بَعضِ السَّلَفِ: [٢٠١/١ظ] أنَّهم كَانُوا يَخْتِمُونَ في شَهرَينٍ خَتمَةً واحِدَةً، وعن بَعضِهم: في كُلِّ شَهرٍ خَتمَةً، وعن بَعضِهم: في كُلِّ عَشرٍ لَيَالٍ. وقال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: أكثَرُ مَا سَمِعت أن يُختَمَ القُرآنُ في أربَعِينَ. وكَرِهَ الحَنَابِلَةُ تَأْخِيرَه عن ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيِ وَ سَأْلَه عَبدُ الله بنُ عُمَرَ: وفي كَم يُقرَأُ القُرآنُ؟ قال: ((في أربَعِينَ يَومًا)). ثُمَّ قال: ((في شَهرٍ)). ثُمَّ قال: ((في عِشِرِينَ)). ثُمَّ قال: ((في خَمسَ عَشرَةَ)). ثُمَّ قال: ((في عَشٍ)). ثُمَّ قال: ((فِي سَبعٍ)). لم يُنزِل من سَبعِ، رَواه أبو دَاوُد(٢). قَالُوا: ولِأنَّ تَأْخِيرَه أكثَرَ من ذَلِكَ يُفضِي إلى النِّسَيَانِ والتَّهاوُنِ بِهِ، قَالُوا: وهَذَا إذَا لم يَكُن لَه عُذرٌ، فَأَمَّا مَعَ العُذْرِ فَواسِعٌ لَه، واستَحَبوا أن يَخْتِمَه في سَبع، وقَالُوا: إن قَرَأه في ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ، لِمَا رُوِيَ عن عَبدِ الله بنِ عَمرُو، قال: قُلتُ لِرسولِ اللهِ وَّهِ: إنَّ بي قُوةً، قال: ((اقرَأه في ثَلَاثٍ))](٣). رَواه أبو دَاوُد(٤). وعن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ؛ أنَّه قال: أكرَه أن يَقرَأه في أقَلَّ من ثَلَاثٍ، وَذَلِكَ لِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((لَا يَفقَه مَن قَرَأه في أَقَلَّ من ثَلَاثٍ)). رَواه أبو دَاوُد(٥). (١) مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١، ٥٠٢). (٢) أبو داود (١٣٩٥). (٤) أبو داود (١٣٩١). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) أبو داود (١٣٩٠). = ١٢٩ بَابُ تَعَاهِدِ القُرآنِ وحُسنِ القِرَاءَةِ وجَعَلَ ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ قِرَاءَتَه في أقَلَّ من ثَلَاثٍ حَرَامًا، فَقال(١): يُستَحَبُّ أن يَخْتِمَ القُرَأَنَ مَرَّةً في كُلِّ شَهرٍ، ويُكرَه أن يَختِمَ في أقَلَّ من خَمسَةٍ أيَّامِ، فَإِن فَعَلَ: فَفي ثَلَاثَةِ أيَّامِ، لَا يَجُوزُ أن يَخْتِمَ القُرآنَ(٢) في أقَلَّ من ذَلِكَ، ولَاَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أن يَقرَأ أكثَرَ مَن ثُلُثِ القُرآنِ فِي يَومِ ولَيلَةٍ، ثُمَّ استَدَلَّ على ذَلِكَ بِالحديثِ المُتَقَّدِّمِ: (لَا يَفقَه مَن قَرَأْ القُرآنَ في أَقَلَّ منَ ثَلَاثٍ)). ولَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ على تَحرِيمِه، ولَا يُقَالُ: إنَّ كُلَّ مَن لم يَتَفَقَّه في القُرآنِ فَقَد ارتَكَبَ مُحَرَّمًا. ومُرَادُ الحديثِ: أنَّه لَا يُمكِنُ - مَعَ قِرَاءَتِه في أقَلَّ من ثَلَاثٍ - التَّفَقُّهُ فيه (٣)، والتَّدَبُّرُ لِمَعَانِيه، ولَا يَتَّسِعُ الزَّمَانُ لِذَلِكَ. وقَد رُوِيَ عن جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ قِرَاءَةُ القُرآنِ كُلِّه فِي رَكعَةٍ واحِدَةٍ؛ منهم عُثْمَانُ بنُ عَقَّانَ، وتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ . وعن عَلِيِّ الأزدِيِّ، وعَلقَمَةَ قِرَاءَتُه في لَيلَةٍ واحِدَةٍ؛ رَواها كُلَّها ابنُ أبي شَيبَةَ في (مُصَنَّفِه))(٤). وكَانَ الشَّافِعِيُّ ◌َخْذُ: (٣/ ١٠٤م) يَخْتِمُ القُرآنَ في كُلِّ يَومٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِذَا كَانَ في شَهِرٍ رَمَضَانَ خَتَمَ في الْيَومِ والليلَةِ مَرَّتَيْنِ. (٥ وكَانَ الأسود٥ُ): يَخْتِمُه في رَمَضَانَ فِي لَيلَتَينٍ، وفي سِواه في سِتِّ، وكَانَ بَعضُهم يَزِيدُ على ذَلِكَ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): كَانَ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ، وجَمَاعَةٌ يَخْتِمُونَ القُرآنَ مَرَّتَينِ وأكثَرَ فِي لَيْلَةٍ . وقال النَّوِيُّ(٧): وأكثَرُ مَا بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ، عن ابنِ الكَاتِبِ (٨): أنَّه كَانَ يَقرَأُ (١) المحلى (٥٣/٣). (٢) ليس في: (ح). (٣) ليس في: (ح). (٤) المصنف (٢/ ٥٠٢). (٥ - ٥) ليس في: الأصل. (٦) الاستذكار (٣٨٢/٢). (٧) ينظر: التبيان في آداب حملة القرآن (ص٦٠)، وشرح مسلم (٤٢/٨، ٤٣). (٨) هو: أبو علي الحسن بن أحمد بن أبي علي، المعروف بابن الكاتب، من كبار مشايخ = = ١٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ في اليَومِ والليلَةِ ثَمَانِي(١) خِتمَاتٍ. وأكثَرُ العُلماءِ على أنَّه لَا تَقدِيرَ في ذَلِكَ، وإنَّمَا هوَ بِحَسَبِ النَّشَاطِ والقُوةِ، والتَّرتيلُ أفضَلُ من العَجَلَةِ. وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ))(٢) عن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ: لَأن أقرَأ القُرآنَ في شَهرٍ، أحَبُّ إِلَيَّ من أن أقرَأه في خَمسَ عَشرَةَ، ولَأن أقرَأه في خَمسَ عَشرَةَ، أَحَبُّ إِلَيَّ من أن أقرَأه في عَشرٍ، ولَأن أقرَأه في عَشرٍ، أحَبُّ إلَيَّ من أن أقرَأه في سَبعٍ، أقِفُ وأدعُو. السَّابِعَةُ: وفيه استِحِبَابُ ضَربِ الأمثَالِ، لِإِيضَاحِ المَقَاصِدِ. ■ الثَّامنةُ: إن قُلتَ: مُقْتَضَى الحديثِ على القَولِ بِدَلَالَةِ ((إِنَّمَا)) على الحَصرِ، أنَّه لَا مَثَلَ لِصَاحِبِ القُرآنِ، سِوى المَثَلِ المَذْكُورِ في هَذَا الحديثِ، مَعَ أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قَد ضَرَبَ لَه أمثَالًا أُخرَى؛ فَمنها قَولُه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((مَثَلُ المُؤْمنِ الذِي يَقرَأُ القُرآنَ مَثَلُ الأُثْرُجَّةِ: رِيحُها طَيِّبٌ، وطَعمُها طَيِّبٌ))(٣) . قُلتُ: المُرَادُ حَصرُ مَثَلِه في هَذَا بِالنِّسَبَةِ إلى أمرٍ مَخصُوصٍٍ، وهو دَوامُ حِفِظِهِ بِالدَّرسِ، (٤ونِسَانِهِ بِالتَّركِ، فَهو في حِفِظِهِ بِالدَّرس٤ِ) كَحَافِظِ البَعِيرِ بِالعَقلِ، وفي نِسَيَانِهِ بِالتَّركِ كَمُضَيِّعِ البَعِيرِ بِعَدَمِ العَقلِ . وأمَّا [٢٠٢/١ و] بِالنِّسَبَةِ إلى أُمُورٍ أُخرَى: فَلَه أمثِلَةٌ أُخرَى، والحَصرُ (٥) وإِن كَان٥َ) ظَاهرُه (٦) العُمُومَ، فَهو حَصرٌ مَخصُوصٌ، ولَه نَظَائِرُ مَعرُوفَةٌ، واللهُ أعلمُ. الصوفية المصريين. ينظر: الحلية (٣٦٠/١٠)، وطبقات الصوفية للأزدي (ص٢٩٢). = (٢) المصنف (٥٠٢/٢). (١) في (م): ((ثمان)). (٣) أخرجه البخاري (٥٤٢٧)، ومسلم (٧٩٧/ ٢٤٣) من حديث أبي موسى. (٤ - ٤) ليس في: (ح). (٦) في (ح): ((ظاهر)). (٥ - ٥) في الأصل: ((إنما)). = VWN ١٣١ بَابُ تَعَاهدِ القُرآنِ وحُسنِ القِرَاءَةِ الحديثُ الثَّانِي عَ عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، وَ﴿ُّ: أنَّ النَّبيِنَّ سَمِعَ صَوتَ أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ وهو يَقرَأُ، فَقال: ((لَقَد أُوتِي أبو مُوسَى من مَزَامِيرٍ (١٠٥/٣م) آلِ دَاوُدَ)). رَواه النسائيُ(١): وهو مُتَّفَقٌ عليه، من حديث أبي مُوسَى(٢). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: قَولُه: ((من مَزَامِيرٍ)). نَعتٌ لِمَحذُوفٍ؛ أي: مِزمَارًا من مَزَامِيرٍ آلٍ دَاوُد، [ويَدُلُّ على هَذَا المَحذُوفِ، التَّصرِيحُ بِهِ في حديثِ أبِي مُوسَى، المتفقِ عليه: (لَقَد أُوتِيتَ مِزِمَارًا من مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد))](٣) . والمُرَادُ بِالمِزمَارِ هنَا: الصَّوتُ الحَسَنُ، وأصلُه الآلَةُ التي يُزَمَّرُ بِها، شَبَّهَ حُسنَ صَوتِه، (٤وحَلَاَوةَ نَعْمَتِه٤)، بِصَوتِ المِزْمَارِ. ■ الثَّانِيَةُ: ((آلِ دَاوُدَ)). هنا هو داودُ نَفسُه، وآلُ فُلَانٍ قَد يُطلَقُ على نَفسِهِ، ولَفِظُ الآلِ مُقْحَمٌّ، وقِيلَ: مَعنَاه هنَا الشَّخصُ، وداودُ هَذَا هو النبيُّ وَّهِ، وَقَد كَانَ إِلَيه المُنْتَهَى في حُسنِ الصَّوتِ بِالقِرَاءَةِ. ■ الثَّالِثَةُ: فيه استِحَبَابُ تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقِرَاءَةِ، وهو مُجمَعٌ عليه(٥). قال أصحَابُنَا: وذَلِكَ يَكُونُ بِالثَّرتيلِ، وهو التَّأْنِّي في التِّلَاوةِ، وبِالحَدرِ، والتَّحزِينِ . قال أبو الفَرَجِ الزَّازُ(٦)، من أصحَابِنَا: والحَدرُ: أن يَرفَعَ الصَّوتَ مَرَّةً، النسائي (١٠١٩). (١) البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٢٣٦/٧٩٣). (٢) (٣) ليس في: (ح). (٤ - ٤) في (ح): ((وحلاوته، ونغمته)). (٥) نقل الإجماعَ غيرُ واحد؛ منهم القاضي عياض، والنووي. (٦) في (ح): ((الرازي)). وأبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن محمد ابن زاز، بالزاي المكررة، السرخسي الشافعي، شيخ الشافعية، وحافظ المذهب، صنف الإملاء في المذهب (ت٤٩٤هـ). المنتظم (١٢٥/٩)، وسير أعلام النبلاء (١٥٥/١٩)، وطبقات = = ١٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ويَخْفِضَه أُخرَى، والتَّحزِينُ(١): أن يُلَيِّنَ الصَّوتَ. ولم أرَ في كَلَامِ أهلِ اللغَةِ: ذِكرَ الحَدرِ: بِالمَعنَى الذِي ذَكَرَه الزَّازُ(٢). وقال في ((الصِّحَاحِ)) (٣): حَدَرَ في قِرَاءَتِهِ، وفي أذَانِهِ: أسرَعَ. ■ الرَّابِعَةُ: استُدِلَّ بِه على أنَّه لَا بَأسَ بِالقِرَاءَةِ بِالألِحَانِ، وبِه قال أبو حَنِيفَةَ، وجَمَاعَةٌ من السَّلَفِ، وقال بِكَرَاهَتِها؛ مَالِكٌ، وأحمَدُ، والجُمهورُ(٤). ونَقَلَ المُزَنِيُّ، والرَّبِيعُ المُرَادِيُّ، عن الشَّافِعِيِّ: أَنَّه لَا بَأسَ بِها(٥). ونَقَلَ عنه الرَّبيعُ الجِيزِيُّ: أنَّها مَكرُوهَةٌ. قال أصحَابُنَا(٦): ولَيسَ في هَذَا اختِلَافُ قَولٍ، ولَكِن مَوضِعُ الكَرَاهَةِ: أن يُفْرِطَ في المَدِّ، وفي إشباعِ الحَرَكَاتِ، حَتَّى يَتَوَلَّدَ من الفَتحَةِ ألِفٌ، ومن الضَّمَّةِ واوٌ، ومن الكَسرَةِ يَاءٌ، أو (٧) يُدْغِمَ(٨) في غَيرِ مَوضِعِ الإدغَامِ، فإن لم يَنتَه إلى هَذَا الحد فَلَا كَرَاهَةَ. وكَذَا حَمَلَ الحَنَابِلَةُ نَصَّ إمَامِهِم على الكَرَاهَةِ على هَذِهِ الصُّورَةِ، وهيَ كَرَاهَةُ تَنزِيهِ (٩). وقال النَّووِيُّ في ((الرَّوضَةٍ)) (١٠): الصَّحِيحُ: أَنَّه إذا أفرَطَ على الوجه المَذكُورِ، فَهو حَرَامٌ، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ ((الحَاوِي)) (١١)، فَقال: هو حَرَامٌ، يَفسُقُ بِهِ القَارِئُ، ويَأْثَمُ المُستَمِعُ؛ لِأَنَّه عَدَلَ بِهِ عن نَهجِه (١٠٦/٣م) القَوِيم (١٢). وهَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالكَرَاهَةِ. الشافعية لابن السبكي (١٠١/٥). = (١) في (ح): ((التحدیر)). في (ح): ((الرازي)). ينظر: المحكم (٢٥٤/٣)، النهاية (٣٥٣/١)، تهذيب اللغة (٢) (٢٣٦/٤). الصحاح (٦٢٥/٢). (٣) ينظر: ابن بطال على البخاري (٢٥٨/١٠، ٢٦٠)، النووي على مسلم (٨٠/٦). (٤) الأم (٢٢٧/٦). (٥) في (ح): ((و)). (٧) (٦) ينظر: النووي على مسلم (٨٠/٦). (٨) في (م): ((تدغم)). ينظر: الفروع (١٩/٢)، والكافي (٢٧١/٤). (٩) (١٠) الروضة (٢٢٧/١١). (١٢) في الأصل: ((القديم)). (١١) الحاوي (١٩٨/١٧). ١٣٣ بَابُ تَعَاهدِ القُرآنِ وحُسنِ القِرَاءَةِ وذَكَرَ شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإسنَوِيُّ في ((المُهمَّاتٍ)): أنَّ تَصحِيحَ النَّووِيِّ في هَذِهِ المَسألَةِ ضَعِيفٌ، مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ والأصحَابِ، فَلَا مُعَوَّلَ عليه، قال: ثُمَّ إِنَّ القَولَ بِالتَّفسِيقِ، بِتَقدِيرِ التَّحْرِيمِ مُشكّلٌ، لَا دَلِيلَ عليه، بَل الصَّوابُ على هَذَا التَّقْدِيرِ أن يَكُونَ صَغِيرَةً. انتَهَى. [وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي، بَعدَ ذِكرِهِ الخِلَافَ في ذَلِكَ(١): ولَا شَكَّ أنَّ مَوضِعَ الخِلَافِ في هَذِهِ المَسألَةِ إِنَّمَا هو إذَا لم يُغَيِّرِ لَفظَ القُرآنِ بِزِيَادَةٍ أو نُقْصَانٍ، أو يُبهم مَعنَاه بِتَردِيدِ الأصواتِ، فَلَا يُفهَمُ مَعنَى القُرآنِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ في تَحرِيمِه. فَأَمَّا إِذَا سَلِمَ من ذَلِكَ، وحَذَا بِهِ حَذو أسَالِيبِ الغِنَاءِ والتَّطْرِيبِ والتَّحِزِينِ فَقَط، فَقال مَالِكٌ: يَنبَغِي أن تُنَزَّهَ أذكَارُ الله، وقِرَاءَةُ القُرآنِ، عن التَّشَبُّه بِأحوالِ المُجُونِ والبَاطِلِ، فَإِنَّها حَقُّ، وجِدٌّ، وصِدقٌ، والغِنَاءُ هَزلٌ، ولَهوٌ، وَلَعِبٌ، وهَذَا الذِي قاله مَالِكٌ وجُمهورُ العُلماءِ هو الصَّحِيحُ. انتَهَى] (٢). ■ الخَامِسَةُ: وفيه مَنقَبَةٌ لِأَبي مُوسَى الأشعَرِيِّ ◌َظُه، وفي حديثٍ أبي مُوسَى جَوازُ مَدحِ الإنسَانِ في وجهه، إذَا لم يُخشَ من ذَلِكَ مَفسَدَةٌ، بِحُصُولٍ العُجبِ لِلمَمدُوحِ، واللهُ أعلمُ. (١) المفهم (٢/ ٤٢١). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). ـلى M ١٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابُ الدَّعَاءِ الحديثُ الأولُ جَ عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: كَانَ رسولُ اللهِوَّهُ يَدعُو بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ: ((اللهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِك من عَذَابِ النَّارِ، ومن عَذَابِ القَبرِ، ومن فِتْنَةِ المَحيَا والمَمَاتِ، ومن شَرِّ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)). فيه فوائدُ: ■ الأُولى: اتَّفَقَ (٣/ ١٠٧م) عليه الشيخانِ(١) من طَرِيقِ هشَامِ الدَّستُوائِيِّ، عن يَحيَى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةً. ورَواهُ مسلمٌ (٢) من طَرِيقِ الأوزَاعِيِّ، عن يحيى بنِ أبي كَثِيرٍ، بِلَفِظِ: ((إِذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُم، فَليَستَعِذْ بِاللهِ من أربَعٍ؛ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِك من عَذَابٍ جَهَنَّمِ، ومن عَذَابِ القَبرِ، ومن فِتْنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، [ومن شَرِّ فِتَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)). ورَواهُ مسلمٌ أيضًا (٣) من طَرِيقِ الأوزَاعِيِّ، عن حَسَّانَ بنِ عَطِيَّةَ، عن مُحَمَّدٍ بنِ أبي عَائِشَةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ: ((إِذَا فَرَغَ أحَدُكُم من التَّشَهُّدِ الآخِرِ، فَلَيَتَعَوذ بِاللهِ من أربَعِ))، فَذَكَرَهَا. وفي رِوايَةٍ لَّهُ من هَذَا الوجه من التَّشَهُّدِ، ولَم يَذكُر الآخِرَ. ورَواهُ مسلمٌ أيضًا (٤) من طَرِيقٍ طَاؤُوسٍ، عن أبي هريرةَ مَرفُوعًا، بِلَفِظِ: ((عُوذُوا (١) البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (١٣١/٥٨٨). (٢) مسلم (١٢٨/٥٨٨). (٤) مسلم (١٣٢/٥٨٨). (٣) مسلم (١٢٨/٥٨٨). بَابُ الدُّعَاءِ ١٣٥ = بِالله من عَذَابِ الله، عُوذُوا بِالله من عَذَابِ القَبرِ، عُوذُوا بِالله من فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، عُوذُوا بِالله من فِتْنَةِ المَحَيَا والمَمَاتِ))](١). ولَهُ عن أبي هريرةَ طُرُقٌ أُخرَى(٢). ■ الثَّانِيَةُ: اسْتِعَاذَةُ النبيُّ وَّهِ مِن هَذِه الأُمُورِ، مَعَ أنَّهُ مُعَاذُ منهَا قَطعًا(٣)، فائدَتُهُ إظَهَارُ الخُضُوعِ، والاِسْتِكَانَةِ، والعُبودِيَّةِ، والافتِقَارِ، ولِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في ذلك، ويُشَرِّعَ لِأُمَّتِه. ■ الثَّالِثَة: لَم يُبَيِّن في هَذِه الرِّوايَةِ المَحَلَّ الذِي كَانَ النَّبِيُّ وَلّ يَأتي فيه بِهَذِهِ الاِستِعَاذَةِ. وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٤) من حديثٍ عَائشَةَ؛ أنَّهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((كَانَ يَدعُو بذلك في صَلَاتِه)). وفي ((صَحِيحٍ مسلمٍ)) (٥)، وغَيرِهِ، من حديث أبي هريرةَ: الأمرُ بذلك بَعدَ الفَرَاغِ من التَّشَهُّدِ. [وفيِّ رِوايَةٍ لَهُ(٦): تَقِيدُ ذلك بِالأخِيرِ، وقَد تَقَدَّمَ في الفائدَةِ الأُولى. فَفيه استِحِبَابُ الإتيَانِ بِهَذَا الدُّعَاءِ، بَعدَ التَّشَهُّدِ الأخِيرِ، وقَد صَرَّحَ بذلك العُلَمَاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم. وزَادَ ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ عَلى ذلك، فقال بِوُجُوبِهِ، ولَم يَخُصَّ ذلك بِالتَّشَهُّدِ الأخِيرِ، فقال(٧): ويَلزَمُهُ فَرِضًا أن يَقُولَ إِذَا فَرَغَ من التَّشَهُّدِ](٨) في كِلتَا الجِلسَتَينِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِك)). فَذَكَرَهَا. قال: وقَد رُوِيَ عن طَاوُسٍ: أَنَّهُ صَلى ابنُهُ بِحَضرَتِه، فقال لَهُ: ذَكَرتَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ؟ قال: لَا، فأمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ. انتَهَى. وهَذَا الأثَرُ عن طَاوُسٍ، ذَكَرَهُ مسلمٌ في ((صَحِيحِه)) بَلَاغًا، بِغَيرِ إِسنَادٍ(٩) . (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٢) مسلم (٥٨٨). (٣) ليس في: (ح). (٤) البخاري (٨٣٢)، ومسلم (١٢٩/٥٨٩). (٥) مسلم (١٢٨/٥٨٨). (٦) مسلم (١٣٠/٥٨٨). (٧) المحلى (٢٧١/٣). (٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٩) مسلم عقب (١٣٤/٥٩٠). وقد وصله عبد الرزاق (٣٠٨٧). ١٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال القَاضِي عِيَاضٌ(١): وهَذَا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَمَلَ أمرَ النبيِّ وَّ بذلك عَلى الوجوب. وقال النَّووِيُّ(٢): ظَاهرُ كَلَامِ طَاوُسٍ أَنَّهُ حَمَلَ الأمرَ بِهِ عَلى الوُجُوبِ، (٣فأوجَبَ إِعَادَة٣ً) الصَّلَاةِ لِفَواتِه، وجُمهُورُ العُلَمَاءِ عَلى أنَّهُ مُستَحَبٌّ، لَيسَ بِواجِبٍ، ولَعَلَّ طَاوُسًا أرَادَ تَأْدِيبَ ابنِهِ، (١٠٨/٣م) وتَأْكِيدَ هَذَا الدُّعَاءِ عِندَهُ، (٤لا أَنَّه٤ُ) يَعتَقِدُ وُجُوبَهُ. انتَهَى. وكَذَا قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٥): يُحتَمَلُ أن يَكُونَ إِنَّمَا أمَرَهُ بِالإِعَادَةِ، تَغْلِيظًا عليه، لِئَلَّا يَتَهَاونَ بِتِلكَ الدَّعَواتِ، فَيَتْرُكَهَا، فَيُحرَمَ فائدَتَهَا وثَوابَهَا . انتَهَى. ومَا ذَكَرَهُ ابنُ حَزم، [من وُجُوبٍ ذلك عَقِبَ التَّشَهُّدِ الأولِ، لَم يُوافِقهُ عليه أحَدٌ، ثُمَّ إِنَّهُ تَرُدُّهُ الرِّوايَةُ التي تَقَدَّمَ ذِكرُهَا من عِندِ مسلم، التي فيهَا تَقِيدُ الَّشَهُّدِ بِالأخِيرِ، فَوجَبَ حَملُ المُطلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، لَا سِيَّمَا والحديثُ واحِدٌ، مَدَارُهُ عَلى أبي هريرةً قُلُه. وقَد أورَدَ ابنُ حَزمٍ](٦) هَذِهِ الرِّوايَةَ عَلى نَفسِه، وقال(٧): فَهَذَا خَبَرٌ واحِدٌ، وزِيَادَةُ الولِيدِ بنِ مسلمٍ زِيَادَةُ عَدلٍ، فَهِيَ مَقبولَةٌ، فإنمَا يَجِبُ ذلك في التَّشَهُّدِ الأخِيرِ فَقَط، ثُمَّ أجَابَ عنهُ، بِقَولِه: لَو لَم يَكُن إلا حديثُ مُحَمَّدٍ بنِ أبي عَائِشَةَ وحدَهُ لَكَانَ مَا ذَكَرتُ، [٢٠٢/١ظ] لَكِنَّهُمَا حديثَانٍ، كَمَا أَورَدَنَا؛ أحَدَهُمَا من طَرِيقِ أبي سَلَمَةَ، والثَّانِي من طَرِيقِ مُحَمَّدٍ بنِ أبي عَائشَةَ، وإِنَّمَا زَادَ الولِيدُ عَلى وكِيعِ بنِ الجَرَّاحِ، وبَقِيَ خَبَرُ أبي سَلَمَةَ عَلى عُمُومِهِ، فيمَا يَقَعُ عليه اسمُ تَشَهُّدٍ. انتَهَى. وهُو مَرُدُودٌ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بنَ أبي عَائشَةَ، وأبَا سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا يَروِيِه عن أبي هريرةَ، فَهُو حديثٌ واحِدٌ لَا حديثَانٍ، ثُمَّ إنَّ سُنَّةَ الجُلُوسِ الأول [الثَّخفيفُ فيه، عِندَ الأئمَّةِ الأربَعَةِ، وغَيرِهم. (١) إكمال المعلم (٢/ ٥٤٠، ٥٤١). (٣ - ٣) في (م): ((فأمر بإعادة)). (٥) المفهم (٢٠٨/٢، ٢٠٩). (٧) المحلى (٢٧١/٣، ٢٧٢). (٢) مسلم بشرح النووي (٨٩/٥). (٤ - ٤) في (ح): ((لأنه)). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). = ١٣٧ بَابُ الدُّعَاءِ وفي ((سُنَنِ أبي دَاوُد))، والتِّرمِذِيِّ، والنَّسَائِيِّ(١) عن ابنِ مَسعُودٍ، عن النَّبِيِ وَّهِ: ((كَانَ في الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ، كَأَنَّهُ عَلى الرَّضفِ)). قُلنَا: حَتَّى يَقُومَ؟ قال: حَتَّى يَقُومَ. وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، عَلى شَرطِ الشيخين(٢). وحَكَى ابنُ المُنذِرِ (٣)، عن الشَّعبي: أنَّ مَن زَادَ فيه عَلى التَّشَهُّدِ، عليه سَجدَتَا السَّهوِ. وعن ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَبَاحَ أن يَدعُو فيه بِمَا بَدَا لَهُ. ولَم يَستَحضِرِ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ) هَذِه الرِّوايَةَ المُقَيَّدَةَ بِالأخِيرِ، فقال(٤): قَولُهُ: ((إِذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُم)). عَامٌّ في التَّشَهُّدِ الأولِ والأخِيرِ، وقَد اشتَهَرَ بَينَ الفُقَهَاءِ الثَّخفيفُ في التَّشَهُّدِ الأولِ](٥)، وعَدَمُ استِحبَابِ الذِّكرِ بَعدَهُ، حَتَّى سَامَحَ بَعضُهُم في الصَّلَاةِ عَلى الآلِ(٦) فيه، والعُمُومُ الذِي ذَكَرِنَاهُ يَقْتَضِي الطََّبَ لِهَذَا الدُّعَاءِ، فَمَن خَصَّهُ فَلا بُدَّ لَهُ من دَلِيلٍ رَاجِحٍ، وإن كَانَ نَصًّا، فَلا بُدَّ من صِخَّتِه. انتَهَى. وقَد عَرَفت المُخَصِّصَ، واللهُ أعلَمُ. ■ الرَّابِعَةُ: قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ (٧): قَد ظَهَرَت العِنَايَةُ بِالدُّعَاءِ بِهَذِهِ الأُمُورِ، حَيثُ أُمِرِنَا بِهَا في كُلِّ صَلَاةٍ، وهيَ حَقِيقَةٌ بذلكَ، لِعِظَم الأمرِ (٨) فيهَا، وشِدَّةِ البَلَاءِ في وُقُوعِهَا، ولِأنَّ كُلَّهَا أو أكثَرَهَا أُمُورٌ إِيمَانِيَةٌ(٩) غَيبيةٌ، فَتَكَرُّرُهَا عَلى الأنفُسِ (٣/ ١٠٩م) يَجعَلُهَا مَلَكَةً لَهَا. انتَهَى. ] الخَامِسَةُ: المَحيًا: مَفعَلُ من الحَيَاةِ، والمَمَاتِ: مَفعَلُ من المَوتِ، ويَقَعُ عَلى المَصدَرِ، والزَّمَانِ، والمَكَانِ. (١) أبو داود (٩٩٥)، والترمذي (٣٦٦)، والنسائي (١١٧٥) وقال الترمذي: حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. (٢) المستدرك (٤٠٢/١). إحكام الأحكام (ص٣٢٢). (٤) (٦) في (ح): ((الأول)). (٨) ليس في: الأصل. (٣) الأوسط لابن المنذر (٥/٥). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٧) إحكام الأحكام (ص٣٢٢). (٩) في (ح): ((ثمانية)). ١٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال النَّورِيُّ (١): واختَلَفُوا في المُرَادِ بِفِتْنَةِ المَوتِ؛ فَقِيلَ: فِتَنَةُ القَبرِ. وقِيلَ: يُحتَمَلُ أن يُرَادَ بِهِ الفِتنَةُ عِندَ الاحتِضَارِ. قال: وأمَّا الجَمعُ بَينَ فِتْنَةِ المَحيًا والمَمَاتِ، [وفِتِنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وعَذَابِ القَبرِ، فَهُو من بَابٍ ذِكرِ الخَاصِّ بَعدَ العَامِّ، ونَظَائرُهُ كَثِيرَةٌ. انتَهَى. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٢): فِتَنَةُ المَحيًا: مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ الإنسَانُ مُدَّةَ حَيَاتِه، من الافتِتَانِ بِالدُّنيَا والشَّهَواتِ والجَهَالَاتِ، وأشَدُّهَا وأعظَمُهَا، والعِيَاذُ بِالله تَعَالى، أمرُ الخَاتِمَةِ عِندَ المَوتِ. قال: وفِتْنَةُ المَمَاتِ](٣): يَجُوزُ أن يُرَادَ بِهَا الفِتنَةُ عِندَ المَوتِ، أُضِيفَت(٤) إلى المَوتِ لِقُربِهَا منهُ، وتَكُونُ فِتَنَةُ المَحيَا عَلى هَذَا مَا يَقَعُ قَبلَ ذلك في مُدَّةِ حَيَاةِ الإِنسَانِ، وتَصَرُّفِه في الدُّنيَا، فإن مَا قَارَبَ الشَّيءَ أُعطِيَ حُكمَهُ، فَحَالَةُ المَوتِ تُشبِهُ المَوتَ، ولَا تُعَدُّ من الدُّنيَا، ويَجُوزُ أن يُرَادَ بِفِتْنَةِ المَمَاتِ فِتْنَةُ القَبرِ، كَمَا صَحَّ عن رسولِ اللهِ وََّ فِي فِتْنَةِ القَبرِ، كَمَثَلِ أو أعظَمَ من فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. قُلتُ: المَعرُوفُ في لَفِظِ الحديثِ: ((أو قَرِيبًا من فِتْنَةِ الدَّجَّالِ))(٥). واللهُ أعلمُ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ولَا يَكُونُ هَذَا مُتَكَرِّرًا، مَعَ قَولِه: ((من عَذَابٍ القَبرِ))؛ لِأَنَّ العَذَابَ مُرَتَّبٌ عَلى الفِتنَةِ، والسَّبَبُ غَيرُ المُسَبِّبِ، ولا يُقَالُ: إنَّ المَقصُودَ زَوالُ عَذَابِ القَبرِ، لِأَنَّ الفِتَةَ نَفسَهَا أمرٌ عَظِيمٌ، وهُو شَدِيدٌ يُستَعَاذُ بِالله من سُوئه. انتَھَی. قلتُ: هَذَا مَبِنِيٌّ عَلى أنَّ المُرَادَ بِالفِتْنَةِ الامتِحَانُ والاختِبَارُ، [وهُو الظَّاهرُ. فأمَّا إن حُمِلَت الفِتنَةُ عَلى العَذَابِ، كَمَا في قَوله تَعَالى: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ فَوْ اْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠]؛ أي: عَذَّبوهُم، فَتَتَّحِدُ حِينَئذٍ (٦) فِتَنَةُ القَبرِ مَعَ عَذَابٍ (١) شرح صحيح مسلم (٨٥/٥). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) أخرجه البخاري (١٨٤). (٢) إحكام الأحكام (ص٣٢٢). (٤) في (ح): ((أضيف)). (٦) ليست في: (م). = كم ١٣٩ بَابُ الدُّعَاءِ القَبرِ، والأولى حَملُ الفِتنَةِ عَلى [٢٠٣/١ و] الإِمْتِحَانِ والاختِبَارِ](١)، لِيَحصُلَ التَّغَايُرُ، لَا سِيَّمَا وقَد ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا هُو أصلُ مَدُلُولِ الفِتَنَةِ، واللهُ أعلمُ. ا السَّادِسَةُ: المَشُورُ فِي لَفِظِ: ((المَسِيحِ الدَّجَّالِ). أنَّهُ بِفَتحِ المِيمِ، وكُسرِ السِّينِ المُهمَلَةِ، وتَخفيفِهَا، وبِالحَاءِ المُهمَلَةِ؛ كَالمَسِيحِ ابنِ مَرِيَمَ عَا، إلا أنَّهُ مَسِيحُ الهُدَى، وذَاكَ مَسِيحُ الصَّلَالَةِ، سُمِّيَ بِهِ لِمَسحِ إحدَى عَينَيه، فَيَكُونُ بِمَعنَى مَفْعُولٍ، وقِيلَ: لِمَسحِه الأرضَ، فَيَكُونُ بِمَعنَى فاعِلٍ، وقِيلَ: التِّمسَحُ(٢) والتِّمسَاحُ: المَارِدُ الخَبِيثُ، فَقَدْ يَكُونُ فَعِيلًا من هَذَا. وقال ثَعَلَبِّ في ((َوادِ)(٣): التّمْسَحُ، والمِمْسَحُ(٤): الكَذَّابُ(٥). فَقَد يَكُونُ من هَذَا أيضًا، وضَبَطَهُ بَعضُهُم بِكُسرِ المِيمِ، وتَشدِيدِ السِّينِ، [حُكِيَ عن (٦) أبي مَروانَ ابنِ سِرَاجٍ، وأنكَرَهُ الهَرَوِيُّ، وقال: لَيْسَ بِشَيءٍ. وضُبِطَ بِوجهَينٍ آخَرِينَ هُمَا؛ بِفَتحِ المِيمِ، مَعَ تَخفيفِ السِّينِ، وكَسرِ المِيمِ، مَعَ تَشدِيدِ السِّينِ](٧)، مَعَ الخَاءِ المُعجَمَةِ فيهمَا (٨): يُقَالُ: مُسِخَ خَلقُهُ؛ أي: شُوِّهَ، وقِيلَ: هُو المَمسُوعُ العَينِ، والمَسِيخُ الأعورُ. وقال بَعضُهُم: أصلُهُ بِالعِبرَانِيَّةِ مشيح؛ أي: بِالشِّينِ المُعجَمَةِ، والحَاءِ المُهمَلَةِ، فَعُرِّبَ كَمَا عُرِّبَ مُوسَى. (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٢) الضبط من الأصل، (ت). وينظر: تاج العروس (١٢٩/٧). (٣) نوادر ثعلب، لأبي العباس أحمد بن يحيى بن ثعلب (ت٢٩١هـ)، كما في مشارق الأنوار (٣٨٧/١). (٤) في (ح): ((والمتمسح)). (٥) ينظر: المحكم (٢١٩/٣)، والمخصص (٢٩٤/١). (٦) بعده في (م): ((ابن)). وهو خطأ، وأبو مروان ابن سراج، هو: عبد الملك بن سراج بن عبد الله، الإمام المحدث اللغوي الوزير القرطبي الأموي مولاهم، إمام الأندلس (ت٤٨٩ هـ) في يوم عرفة. ترتيب المدارك (٨١٦/٤)، والصلة (٣٦٣/٢)، وبغية الملتمس (ص٣٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٣٣/١٩). (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٨) في (ح): ((فيها)). = ١٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأمَّا الدَّجَّالُ؛ فَقِيلَ: مَعنَاهُ الكَذَّابُ، وقِيلَ: المُمَوِّهُ بِبَاطِلِه وسِحرِهِ، المُلَبِّسُ بِهِ، والدَّجلُ: طَليُ البَعِيرِ بِالقَطِرَانِ، وقِيلَ: سُمِّيَ بذلك لِضَربِهِ نَواحِيَ الأرضِ (١ وقَطعِه لَهَا١)، يُقَالُ: دَجَلَ الرَّجُلُ: بِالتَّخفيفِ، والتَّقِيلِ، كَمَا ذَكَرَهُ القَاضِي(٢) في ((المَشَارِقٍ))(٣)، وبِالفَتحِ، والضَّمِّ، كَمَا ذَكَرَهُ في ((الإكمَالِ شَرحٍ مسلم)» (٤): إِذَا فَعَلَ ذلك، وقِيلَ: هُو من التَّغِطِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُغَِّي الأرضَ بِجُمُوعِه، والَّدَّجلُ التَّغْطِيَةُ، ومنهُ سُمِّيَت دَجلَةُ، لِتَغْطِيَةِ مَا فاضَت عليه. ا السَّابِعَةُ: استَدَلَّ بِهِ ابنُ بَظَّالٍ، والقَاضِي عِيَاضٌ، وغَيرُهُمَا(٥): عَلى جَوازِ الدُّعَاءِ في الصَّلَاةِ، بِمَا لَيسَ من القُرآنِ، خِلَافًا لِأبي حَنِيفَةَ، فإنه قال: لَا يَجُوزُ أن يَدعُوَ في الصَّلَاةِ إلا بِمَا يُوجَدُ في القُرآنِ. قال ابنُ بَطَّالٍ: وهُو قَولُ النَّخَعِيِّ، وطَاوُسٍ. وهُو استِدلَالٌ واضِحٌ، لَكِن فيمَا حَكَوهُ عن أبي حَنِيفَةَ نَظَرٌ، فإنه لَا يَقْصُرُ ذلك عَلى مَا في القُرآنِ، بَل يَلحَقُ بِهِ في الجَوازِ الأدعِيَةُ المَأْتُورَةُ، والذِي يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ بِهِ في الصَّلَاةِ عِندَ الحَنَفيةِ مَا يُشِبِهُ كَلَامَ النَّاسِ، وهُو مَا لَا يَستَحِيلُ سُؤَالُهُ من العِبَادِ، فَلَا يُرَدُّ عليه بِهَذَا الحديثِ، لَكِن يُرَدُّ عليه بِغَيرِهِ من الأحَادِيثِ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): جَاءَ دُعَاؤُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذِهِ الأحَادِيثِ وغَيرِهَا جُمْلَةً، كَقَولِه: ((فِتْنَةِ المَحَيَا والمَمَاتِ)). فَقَد أدخَلَ فيه جَمِيعَ دُعَاءِ الدُّنيَا والآخِرَةِ، وجَاءَ تَفصِيلًا كَقَولِه: ((أعُوذُ بِك من المَأَمِ والمَغرَمِ))(٧). وهَذَا دَاخِلٌ في فِتْنَةِ [المَحيًا، وجَاءَ دُعَاؤُهُ بِالتَّعَوُّذِ، من عَذَابٍ القَبرِ، وعَذَابِ النَّارِ، وفِتْنَةِ القَبرِ، وهُو دَاخِلٌ فِي فِتْنَةِ المَمَاتِ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ الدُّعَاءِ بِالوجهَينِ. (١ - ١) في (ح): ((وقطعها)). (٣) المشارق (٢٥٤/١). (٢) بعده في (ح): ((عياض)). (٤) إكمال المعلم (١/ ١١٧). (٥) شرح البخاري لابن بطال (٤٤٩/٢، ٤٥٠)، وإكمال المعلم (٥٤٠/٢، ٥٤١). (٦) إكمال المعلم (٣/٢ ٥٤). (٧) البخاري (٨٣٢)، ومسلم (١٢٩/٥٨٩) من حديث أم المؤمنين عائشة.