النص المفهرس

صفحات 81-100

كم
٨١
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
=
وقال أبو حَنِيفَةَ(١): الأفضَلُ أن يُصَلِّيَ أرِبَعًا أربَعًا، وإن شَاءَ رَكعَتَينٍ، وإن
شَاءَ سِتًّا، وإن شَاءَ ثَمَانِيًا، وتُكرَهُ الزِّيَادَةُ على ذلك.
■ الخَامِسَةُ: استُدِلَّ بِهِ على أنَّهُ لَا يُزَادُ في صَلَاةِ الليلِ على رَكَعَتَينٍ، وبِهِ
قال مَالِكٌ(٢).
وقال الشَّيخُ (٣/ ٧٥م) تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٣): إِنَّهُ ظَاهِرُ لَفِظِ الحديثِ؛
لِأنَّ المُبتَدَأْ مَحصُورٌ في الخَبَرِ، فَاقَتَضَى(٤) ذلك حَصرُ صَلَاةِ الليلِ فيمَا هُو مَثنَى.
وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ والأكثَرُونَ: إِلَى جَوازِ الزِّيَادَةِ في صَلَاةِ الليلِ على رَكعَتَينٍ، وحَمَلُوا
هذا الحديثَ على أنَّهُ بَيَانٌ لِلأفضَلِ، لَا أنَّ غَيرَهُ مُمتَنِعٌ، فَقَد صَحَّ من فِعِلِهِ وَلِ: ((أَنَّهُ
كَانَ يُصَلِّي من الليلِ ثَلَاثَ عَشرَةَ رَكعَةً، يُوتِرُ من ذلك بِخَمسٍ، [لَا يَجلِسُ فِي شَيءٍ
إلا في آخِرِهَا)): رَواهُ الشَّيخَانِ من حديثٍ عَائِشَةَ(٥). وفي ((الصَّحِيحَينِ)) أيضًا، من
حديثِهَا(٦): (كَانَ يُصَلِّي أربَعًا، فَلَا تَسأل عن حُسنِهِنَّ وطُولِهِنَّ»، الحديثَ.
وأجَابَ بَعضُ المَالِكِيَّةِ عن هَذَينِ الحديثَينِ، بِأَنَّ القَولَ إِذَا عَارَضَهُ الفِعلُ:
قُدِّمَ القَولُ، لِاحتِمَالِ الفِعلِ التَّخصِيصَ.
ويَرُدُّ احْتِمَالَ التَّخصِيصِ: حديثُ أبي أيُّوبَ مَرفُوعًا: ((مَن شَاءَ أوتَرَ بِخَمسٍ،
ومَن شَاءَ أُوتِّر بِثَلَاثٍ، ومَن شَاءَ أُوتِّر بِواحِدَةٍ)): رَواهُ أبو دَاوُد، والنسائيُّ، بِإسنَادٍ
صَحِيحٍ، ورَواهُ الحَاكِمُ في (مُستَدرَكِهِ))، وصَحَّحَهُ(٧). وأجَابَ بَعضُهُم أيضًا، عن
الحديثِ الأولِ: بِأنَّ مَعنَى قَولِهَا](٨): ((لَا يَجلِسُ في شَيءٍ إلا في آخِرِهِنَّ»؛ أي:
جُلُوسَ قِيَامِ، بِمَعنَى: أنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِنَّ قَائِمًا، الا الرَّكعَةَ الأخِيرَةَ: فَيَجلِسُ في
مَحَلِّ القِيَامِ.
(١) شرح المعاني (٣٣٤/١).
(٢) ينظر: الذخيرة (٤٠٢/٢)، كفاية الطالب (٣٦٦/١).
(٣) ص(٢١١).
(٤) في (ح): ((واقتضى)).
(٥)
مسلم (١٢٣/٧٣٧).
البخاري (١١٤٧)، ومسلم (١٢٥/٧٣٨).
(٦)
أبو داود (١٤٢٢)، النسائي (١٧٠٩)، المستدرك (٤٤٤/١).
(٧)
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وهذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: استُدِلَّ بِمَفْهُومِهِ: على أنَّ نَوافِلَ النَّهَارِ لَا يُسَلِّمُ فيهَا من كُلِّ
رَكَعَتَينٍ، بَل الأفضَلُ أن يُصَلِّيَهَا أربَعًا أربَعًا، وبِهِذا قال أبو حَنِيفَةَ، وصَاحِباهُ؛
أبو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وَرَجَّحَ ذلك بِفِعلِ ابنِ عُمَرَ، رَاوِي الحديثِ، فَقَد صَحَّ عنهُ:
((أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أربعًا أربَعًا))، رَواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ في (مُصَنَّفِهِ))(١) عنهُ، وعن
نَافِعِ مَولَاهُ، وإبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَيَحيَى، وهُو ابنُ سَعِيدِ الأَنصَارِيُّ.
وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ (٢): عن إسحَاقَ بنِ رَاهويهِ، وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): عن
الأوزَاعِيِّ.
وذَهَبَ مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجُمهُورُ: إِلَى أَنَّ الأفضَلَ في نَوافِلٍ
النَّهَارِ أيضًا التَّسلِيمُ من كُلِّ رَكَعَتَينٍ. وَرَواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ(٤) عن أبي هُرَيْرَةَ،
والحَسَنِ، وابنٍ سِيرِينَ، وسَعِيدٍ بنِ جُبَيرٍ، وحَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمَانَ، وحَكَاهُ
ابنُ المُنذِرِ: عن الليثِ. وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ: عن ابنِ أبِي لَيلَى، وأبي يُوسُفَ،
ومُحَمَّدٍ، وأبي ثَورٍ، ودَاوُد.
والمَعرُوفُ عن أبي يُوسُفَ، ومُحَمَّدٍ في نَوافِلِ النَّهَارِ: تَرجِيحُ [١٩٣/١ و]
أربَعٍ على رَكَعَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
واحتَجَّ الجُمهُورُ بِمَا رَواهُ أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةُ))، وابنُ خُزَيمَةَ،
وابنُ حِبانَ في ((صَحِيحَيهِمَا))(٥) من طَرِيقِ شُعبَةً، عن يَعلَى بنِ عَطَاءٍ، عن عَلِيٍّ بنِ
عَبدِ الله البارِقِيٍّ، عن ابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِ وَِّ، قال: ((صَلَاةُ الليلِ والنَّهَارِ مَثنَى
مَثنَى)).
(٧٦/٣م) سَكَتَ عَلَيهِ أبو دَاوُد، وقال التِّرمِذِيُّ: اختَلَفَ أصحَابُ شُعبَةً في
(١) المصنف (٢٧٤/٢).
التمهيد (٢٤٣/١٣).
(٣)
(٢) الأوسط (٢٣٦/٥).
(٤) المصنف (٢٧٤/٢).
(٥) أبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (١٦٦٥)، وابن ماجه (١٣٢٢)،
وابن خزيمة (١٢١٠)، وابن حبان (٢٤٥٣).

كو
٨٣
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
حديثِ ابنِ عُمَرَ: فَرَفَعَهُ بَعضُهُم، ووقَفَهُ بَعضُهُم. وقال النسائيُّ: هذا الحديثُ
عِندِي خَطَأْ، وسُئِلَ(١) البخاريُّ عن حديثٍ يَعلَى هذا، أصَحِيحٌ هُو؟ فقال: نَعَم (٢).
وقال الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ خَبَرٌ يُثبِتُ أهلُ الحديثِ مِثْلَهُ، حَكَاهُ البَيْهَقِيُّ في ((المَعرِفَةِ))(٣).
وقال البَيْهَقِيُّ في ((الخِلَافياتِ))(٤): حديثٌ صَحِيحٌ، رُواتُهُ كُلُّهُم ثِقَاتٌ، فَقَد
احتَجَّ مسلمٌ بِعَلِيٍّ بنِ عَبدِ اللهِ البارِقِيِّ [الأزدِيِّ، والزِّيَادَةُ من الثِّقَةِ مَقبولَةٌ.
وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ، عن مُضَرَ بنِ مُحَمَّدٍ، قال: سَأَلَت يَحيَى بنَ مَعِينٍ، عن
صَلَاةِ الليلِ والنَّهَارِ؟ فقال: صَلَاةُ النَّهَارِ أرَبَعٌ، لَا يَفصِلُ بَينَهُنَّ، وصَلَاةُ الليلِ
رَكَعَتَان(٥). فَقُلت لَهُ: إنَّ أبا عَبدِ اللهِ أحمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: صَلَاةُ الليلِ والنَّهَارِ
مَثْنَى مَثنَى. فقال: بِأيِّ حديثٍ؟ فَقُلت: بِحديثِ شُعبَةَ، عن يَعلَى بنِ عَطَاءٍ، عن
عَلِيٍّ الأزدِيِّ، عن ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيِّهِ، قال: ((صَلَةُ الليلِ والنَّهَارِ مَثنَى
مَثنَى). فقال: ومَن عَلِيُّ الأَزدِيُّ حَتَّى أقبَلَ منهُ هذا، أدَعُ يَحيَى بنَ سَعِيدٍ
الأنصَارِيَّ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّهُ كَانَ يَتَطَوعُ بِالنَّهَارِ أربَعًا، لَا يَفصِلُ
بَينَهُنَّ)). وآخُذُ بِحديثٍ عَلِيِّ الأزدِيِّ؟ لَو كَانَ حديثُ عَلِيٍّ] (٦) الأزدِيِّ صَحِيحًا: لَم
يُخَالِفهُ ابنُ عُمَرَ، قال: وكَانَ شُعبَةُ يَنفي هذا الحديثَ، ورُبَّمَا لَم يَرفَعهُ.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وحديثُ عَلِيٍّ الأزدِيِّ لَا نَكَارَةَ فيهِ، ولَا مَدفَعَ لَهُ في
شَيءٍ من الأُصُولِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَد ذَكَرَ في ((مُوطَّئِهِ)) (٧)؛ أنَّهُ بَلَغَهُ: أنَّ عَبدَ الله بنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلَاةُ الليلِ والنَّهَارِ مَثنَى مَثْنَى. ورَواهُ ابنُ وهبٍ، عن عَمرِو (٨) بنِ
الحَارِثِ، عن (٩ بُكَير بن٩ٍ) الأشَجِّ، عن مُحَمَّدٍ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ ثَوبانَ؛ أنَّهُ
سَمِعَ ابنَ عُمَرَ، يَقُولُ: ((صَلَاةُ الليلِ والنَّهَارِ مَثْنَى مَثنَى)).
(١) في أصل (ح): ((وقال))، وقال في الحاشية: ((ولعله: سئل)).
(٢) أسنده إلى البخاري: البيهقي في المعرفة (٢٩٦/٢).
(٣) المعرفة (٢٩٦/٢).
ينظر: مختصر خلافيات البيهقي لابن فرح الإشبيلي (٢٨٨/٢).
(٤)
(٥) في (م): ((ركعتين)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٧) (١١٩/١)، في (م): ((موطآته)).
(٨) في الأصل: ((عمر)).
(٩ - ٩) في الأصل: ((يحيى بن بكير)). وهو خطأ.

=
٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ومن الدَّلِيلِ على ذلك: ((أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يُصَلِّي قَبلَ الظّهرِ رَكعَتَينِ،
وبَعدَهَا رَكعَتَينٍ، وبَعدَ المَغرِبِ رَكعَتَينٍ، وبَعدَ الجُمُعَةِ رَكَعَتَينٍ)). وقَد رُوِيَ: ((قَبلَ
العَصرِ رَكَعَتَينٍ)). وقال: ((إِذَا دَخَلَ أحَدُكُم المَسجِدَ، فَلَيَركَعِ رَكعَتَينٍ)). ((وكَانَ إذَا
قَدِمَ من سَفَرٍ نَهَارًا: صَلَّى رَكَعَتَينٍ)).
وصَلَاةُ الفِطرِ، والأضحَى، والاستِسِقَاءِ: رَكعَتَانِ. وهَذِهِ كُلُّهَا(١) صَلَاةُ
[النَّهَارِ، ومَا أجمَعُوا عَلَيهِ من هذا وجَبَ رَدُّ مَا اختَلَفُوا فيهِ إلَيهِ، قِيَاسًا،
ونَظَرًا(٢). انتَهَى.
وقال الخَطَّابي(٣): رَوى هذا عن ابنِ عُمَرَ: نَافِعٌ، وطَاوُسٌ، وعَبدُ اللهِ بنُ
عُمَرَ، لَم يَذكُر فيهَا أَحَدٌ: ((صَلَاةَ النَّهَارِ)). إلا أنَّ سَبِيلَ الزِّيَادَاتِ أن تُقبَلَ، وقَد
صَلَّى رسولُ اللهِنَّهِ صَلَاةَ الضُّحَى يَومَ الفَتحِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، سَلَّمَ (٧٧/٣م) من
كُلِّ رَكَعَتَيْنٍ، وصَلَاةُ العِيدِ رَكَعَتَانٍ، والاستِسِقَاءِ رَكعَتَانِ، وهَذِهِ كُلُّهَا مِن صَلَاةٍ] (٤)
النَّهَارِ. انتَهَى.
وقال الدَّارَقُطْنِيُّ في ((العِلَلِ))(٥): المَحفُوظُ عن ابنِ عُمَرَ عن النَّبِيّ ◌َِّ:
(صَلَاةُ الليلِ مَثنَى مَثنَى))، وكَانَ ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أربَعًا، وإنَّمَا تُعرَفُ صَلَاةُ
النَّهَارِ: عن يَعلَى بنِ عَطَاءٍ، عن عَلِيٍّ الأزدِيِّ، عن ابنِ عُمَرَ. وخَالَفَهُ نَافِعُ وهُو
أحفَظُ منهُ. انتَھَی.
وأجَابوا عن مَفْهُومِ الرِّوايَةِ المَشهُورَةِ بِجَوابَينِ :
أحَدُهُمَا: أنَّهُ(٦) مَفْهُومُ لَقَبٍ، ولَيْسَ بِحُجَّةٍ عند الأكثَرِينَ.
وثَانِيهِمَا: أنَّهُ خَرَجَ جَوابًا لِسُؤَالِ مَن سَألَ عن صَلَاةِ الليلِ، فَكَأنَّ التَّقِيدَ
بِصَلَاةِ الليلِ: لَيُطَابِقَ الجَوابُ السُّؤَالَ، لَا لِتَقِيدِ الحُكمِ بِهَا، كَيفَ، وقَد تَبَيَّنَ
بِرِوايَةٍ (٧) أُخرَى: أنَّ حُكمَ المَسكُوتِ عنهُ وهُو صَلَاةُ النَّهَارِ مِثلُ حُكمِ المَنْطُوقِ
(١) بعده في (ح): ((من)).
معالم السنن (٢٧٨/١).
(٣)
(٥) العلل (٣٦/١٣).
(٧) في (ح): ((رواية)).
(٢) الاستذكار (٨٤/٢).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٦) ليس في: (ح).

صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
٨٥
2
=
بِهِ(١)، وهُو صَلَاةُ الليلِ .
وأمَّا فِعلُ رَاوِي الحديثِ: ابنِ عُمَرَ، وهُو صَلَاتُهُ بِالنَّهَارِ أربَعًا، فَقَد
عَارَضَهُ: قَولُهُ: ((إنَّ صَلَاةَ الليلِ والنَّهَارِ مَثنَى مَثنَى))، وقَد تَقَّدَّمَ ذلك في كَلَامِ
ابنِ عَبدِ البَرِّ.
ثُمَّ إنَّ العِبرَةَ عند الجُمهُورِ بِمَا رَواهُ الصَّحَابي (٢)، لَا بِمَا رَآهُ وفَعَلَهُ، واللهُ
أعلمُ.
■ السَّابِعَةُ: وإِذَا قُلْنَا بِأنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ أيضًا مَثنَى، فَلَيْسَ المُرَادُ [١٩٣/١ظ]
بذلك أنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَونُهَا مَثنَى، بَل الأفضَلُ فيهَا ذلك، ولَهُ أن يَجمَعَ بَيْنَ رَكَّعَاتٍ
بِتَسلِيمَةٍ واحِدَةٍ.
وقَد صَرَّحَ بذلك(٣) أصحَابُنَا وغَيرُهُم، وقال الأثرَمُ: سَألتُ أحمَدَ بنَ حَنْبَلٍ
عن صَلَاةِ الليلِ والنَّهَارِ في النَّافِلَةِ؟ فقال(٤): أمَّا الذِي أختَارُ: فَمَثنَى مَثنَى، وإن
صَلَّى بِالنَّهَارِ أربَعًا فَلا بأسَ، وأرجُو ألا يُضَيَّقَ عَلَيهِ. فَذَكَرتُ لَهُ حديثَ يَعلَى بِنِ
عَطَاءٍ، عن عَلِيِّ الأزدِيِّ؟ فقال: لَو كَانَ ذلك الحديثُ يَثْبُتُّ، ومَعَ هذا فَإِنَّ ابنَ عُمَرَ:
كَانَ يُصَلِّي في تَطَوُّعِهِ بِالنَّهَارِ، (٥قَبلَ الظّهرِ رَكعَتَينٍ(٥)، ورَكعَتَينٍ بَعدَهَا، فَهُو أَحَبُّ
إِلَيَّ، وإن صَلَّى أربَعًا، فَقَد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ : أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أربَعًا بِالنَّهَارِ.
وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي) (٦): الصَّحِيحُ: أنَّهُ إِن تَطَوعَ في النَّهَارِ بِأَرَبَعِ
فَلَا بأسَ، فَعَلَ ذلك ابنُ عُمَرَ، ومَفهُوُ الحديثِ المتفقِ عليه يَدُلُّ على جَوازٍ
الأربَع، لَا على تَفضِيلِهَا، وأمَّا حديثُ البارِقِيِّ فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِزِيَادَةٍ لَفَّةِ: ((النَّهَارِ)).
من بَيْنِ سَائِرِ الرُّواةِ، وقَد رَواهُ عن ابنِ عُمَرَ نَحوٌ من خَمسَةَ عَشَرَ نَفسًا، لَم يَقُل
ذلك أحَدٌ سِواهُ، وكَانَ ابنُ عُمَرَ يُصَلِّ أربَعًا؛ فَيَدُلُّ ذلك على ضَعفِ رِوايَتِهِ، أو
على أنَّ المُرَادَ بذلك الفَضِيلَةُ، مَعَ جَوازٍ غَيرِهِ. انتَهَى.
(١) ليس في: (ح).
(٣) في (ح): (به)).
(٥ - ٥) في (ح): ((ركعتين قبل الظهر)).
(٢) في (م): ((الصحابة)).
(٤) ليس في: (ح).
(٦) المغني (٣٠٩/٣).

٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّامنةُ: استُدِلَّ بِهِ على مَنعِ التَّطَوُّعِ بِرَكَعَةٍ فَردَةٍ في غَيرِ الوِتِرِ، وهُو
مَحِكِيٍّ عن مَالِكٍ، وإحدَى الرِّوايَتَينِ (٧٨/٣م) عن أحمَدَ.
ومَذهَبُ الشَّافِعِيِّ وآخَرِينَ: جَوازُهُ، قِيَاسًا على الوِترِ، ولِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ
والسَّلَامُ: ((الصَّلَاةُ خَيرُ مَوضُوعٍ، فَمَن شَاءَ استَقَلَّ، ومَن شَاءَ استَكثَرَ))(١). صَحَّحَهُ
ابنُ حِبانَ والحَائِمُ.
ورَوى البَيْهَقِيُّ، وغَيرُهُ: ((أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ مَرَّ في مَسجِدِ النَّبِي وََّ،
فَرَكَعَ رَكعَةً واحِدَةً، ثُمَّ انطَلَقَ فَلَحِقَهُ رَجُلٌ، فقال: يَا أمِيرَ المُؤمنينَ مَا رَكَعت إلا
رَكَعَةً واحِدَةً. قال: هُو التَّطَوُّعُ، فَمَن شَاءَ زَادَ، ومَن شَاءَ نَقَصَ))(٢).
■ التَّاسِعَةُ: فيهِ حُجَّةٌ على أبي حَنِيفَةَ تَظْتُهُ في مَنِعِهِ الوِتْرَ بِرَكَعَةٍ واحِدَةٍ.
ومَذهَبُ مَالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ، والجُمهُورُ: جَوازُ الوِترِ بِرَكَعَةٍ فَرِدَةٍ (٣).
ورَوَاهُ البَيهَقِيُّ في ((سُنَنِهِ))، عن عُثمَانَ، وسَعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، وتَمِيمِ الدَّارِيِّ،
وأبي مُوسَى الأشعَرِيِّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَباسٍ، وأبي أيُّوبَ الأَنصَارِيِّ،
ومُعَاوِيَةَ، وأبي حَلِيمَةَ مُعَاذِ بِنِ الحَارِثِ القَارِئِّ(٤).
قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحبَةٌ(٥).
ورَواهُ ابنُ أبي شَيبَةَ: عن أكثَرِ هَؤُلَاءِ، وعن ابنِ مَسعُودٍ، وحُذَيفَةَ، وعَطَاءٍ
ابنِ أبي رَباحِ، والحَسَنِ البَصرِيِّ(٦).
وحَكَاهُ ابنُ المُنذِرِ: عن أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمَانَ، وَزَيدِ بنِ ثَابِتٍ،
وابنِ الزُّبَيرِ، وعَائِشَةَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، والأوزَاعِيِّ، وإسحَاقَ، وأبي ثَورٍ .
قال: وقالت طَائِفَةٌ: يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، [ومِمَّن رَوينَا ذلك عنهُ: عُمَرُ بنُ
الخَطَّابِ، وعَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ، وأُبَيُّ بنُ كَعبٍ، وأنَسُ بنُ مَالِكِ، وابنُ مَسعُودٍ،
(١) أخرجه أحمد (١٧٨/٥)، وابن حبان (٣٦١)، والحاكم (٦٥٢/٢).
(٢)
البيهقي (٢٤/٣).
(٣) ينظر: الاستذكار (١١٠/٢).
(٤)
البيهقي (٢١/٣ - ٢٧).
ينظر: الاستيعاب (١٤٠٧/٣)، أسد الغابة (٢٠٧/٥).
(٥)
(٦) المصنف (٢٤٧/١٤).

صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
٨٧
=
وابنُ عَباسٍ، وأبو أُمَامَةَ، وعُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ، وِهِ قال أصحَابُ الرَّأيِ(١) .
قُلت: ولَيسَ في كَلَامِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ: مَنعُ الوِتِرِ بِرَكَعَةٍ واحِدَةٍ، قال
ابنُ المُنذِرِ: وقال الثَّورِيُّ: أعْجَبُ إلَيَّ ثَلَاثٌ.
وأباحَت طَائِفَةٌ: الوِتَرَ بِثَلَاثٍ، وخَمسٍ، وسَبعٍ، وتِسعٍ، وإحدَى عَشرَةَ. ثُمَّ
بَسَطَ ذلك(٢).
وهذا مَذهَبُ أصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ: أنَّهُ يَحصُلُ الوِترُ بِرَكعَةٍ، وبِثَلَاثٍ](٣)،
وبِخَمسٍ، وبِسَبِعٍ، وبِتِسعِ، وبِإحدَى عَشرَةً، وهُو أكثَرُهُ على أَصَحِّ الوجهَينِ.
[وقال آخرونَ من أصحابِنا: أكثرُه ثلاثَ عشرةَ، وصححه الرافعيُّ في ((شرحٍ مسندٍ
الشافعيِّ))، ولا تَجوزُ الزيادةُ على أكثرِه على الأصحِّ](٤)، فَإِن زَادَ لَم يَصِحّ وِترُهُ،
فَإِن أَرَادَ الإتيَانَ(٥) بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ؛ فَهَل الأفضَلُ فَصْلُهَا بِسَلَامَينٍ، أو وصلُهَا
بِسَلَامِ؟
فيهِ لِأَصحَابِنَا أوجُهُ؛ أصَحُّهَا الفَصلُ أفضَلُ. والثَّانِي: الوصلُ أفضَلُ.
والثَّالِثُ: إِن كَانَ مُنفَرِدًا فَالفَصلُ، وإن صَلَّهَا بِجَمَاعَةٍ فَالوصلُ. والرَّابِعُ:
سُهُ.
وهَلِ الثَّلَاثُ المَوصُولَةُ أفضَلُ من رَكَعَةٍ فَردَةٍ (٦)؟ فِيهِ أوجُهُ:
الصَّحِيحُ: أنَّ الثَّلَاثَ أفضَلُ. والثَّانِي: الفَردَةُ أفضَلُ: قالهُ إِمَامُ الحَرَمَينِ في
((النِّهَايَةِ)). وعلى هذا فَيُقَالُ: الفَردَةُ أفضَلُ من إحدَى عَشرَةَ رَكعَةً مَوصُولَةً.
والثَّالِثُ: إِن كَانَ مُنفَرِدًا: فَالفَردَةُ أفضَلُ، وإن كَانَ [١٩٤/١ و] إمَامًا: فَالثَّلَاثُ
المَوصُولَةُ.
وفي ((مُصَنَّفِ (٧٩/٣م) ابنُ أبي شَيبَةَ))(٧) عن الحَسَنِ، وهُو البَصرِيُّ: أجمَعَ
المسلمُونَ على أنَّ الوِتَرَ ثَلَاثٌ، لَا يُسَلِّمُ إلا في أخرَاهُنَّ.
(١) الأوسط (١٧٦/٥ - ١٧٩).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٥) في (ت): ((للإتيان)).
(٧) في (م): ((آخرهن)).
(٢) الأوسط (١٨١/٥).
(٤) ما بين المعكوفين من: (ت، ح).
(٦) في (م): ((مفردة)).

5
٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وهذا لَا يَصِحُّ عن الحَسَنِ، وَرَاوِيهِ عنهُ: عَمُرُو بنُ عُبَيدِ المُبتَدَعُ الضَّالُّ (١)،
ولا يُحفَظُ عن أحَدٍ من التَّابِعِينَ حِكَايَةُ الإجمَاعِ في مَسألَةٍ من المَسَائِلِ، سَمِعتُ
والِدِي ◌َخْذُ يَقُولُ ذلك.
■ العَاشِرَةُ: استُدِلَّ بِقَولِهِ: ((تُوتِرُ لَهُ مَا قَد صَلَّى)). على أنَّ الوِتَرَ لَا يَصِحُ
حَتَّى تَتَقَدَّمَهُ نَافِلَةٌ، فَلَو صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ أوتَرَ بِرَكعَةٍ قَبلَ أن يَتَنَفَّلَ: لَم يَصِحَّ
وِتْرُهُ. وبِهِذا قال بَعضُ أصحَابِنَا .
وفي ((المُدَونَةِ))(٢): و(٣) لَا يُوتِرُ بِواحِدَةٍ، لَا شَفْعَ قَبَلَهَا فِي سَفَرٍ أو حَضَرٍ.
لَكِنَّ الأصَخَّ عند أصحَابِنَا، وبِهِ قال ابنُ نَافِعٍ من المَالِكِيَّةِ، وهُو المَشهُورُ
عندهُم: صِحَّةُ الوِتِرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، ولَا يَتَعَيَّنُ أَن يُوتِرَ بِهَا نَفْلًا، فَقَد يُوتِرُ(٤)
بِهَا فَرِضًا، وهُو العِشَاءُ.
[وفي ((سُنَنِ أبي دَاوُ))(٥)، وغَيرِهِ من حديث أبي أيُّوبَ: ((ومَن أحَبَّ أن
يُوتِرَ بِواحِدَةٍ: فَليَفعَل)).
ورَوَى البَيْهَقِيُّ في ((سُنَنِهِ)) (٦): أنَّ سَعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ صَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ
صَلَّى بَعدَهَا رَكعَةً.
وإنَّ أبا مُوسَى الأشعَرِيَّ: كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَصَلَّى العِشَاءَ رَكَعَتَيْنِ، ثُمَّ
قَامَ فَصَلَّى رَكعَةً، أوتَرَ بِهَا .
وعن ابنِ عَباسٍ: أنَّهُ لَمَّا فَرَغَ من العِشَاءِ، قال لِرَجُلٍ: أَا أُعَلِّمُك الوِتَرَ؟
فقال: بَلَى. فَقَامَ فَرَكَعَ رَكَعَةً.
وعن مُعَاوِيَةَ: أنَّهُ صَلَّى العِشَاءَ](٧)، ثُمَّ أوتَرَ بِرَكَعَةٍ، فَذُكِرَ ذلك لِابنِ عَباسٍ،
فقال: أصَابَ.
(١) ينظر: المجروحين (٦٩/٢)، وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار (٣٥)، وميزان
الاعتدال (٢٧٣/٣).
(٢) المدونة (٢١٢/١).
في الأصل: ((أوتر)».
(٤)
(٦) سنن البيهقي (٢٥/٣، ٢٦).
(٣) ليس في: (ح).
(٥) أبو داود (٤٥١/١).
(٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

٨٩
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
الحَادِيَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِقَولِهِ: ((فَلِيُوتِر بِواحِدَةٍ)): على وُجُوبِ الوِتِرِ،
لِلأمرِ بِهِ.
ولَا حُجَّةَ فيهِ؛ لِأنَّ هذا الأمرَ لَم يَرِد ابتِدَاءً، وإنَّمَا وَرَدَ بَعدَ سُؤَالٍ: فَلَا
يَكُونُ لِلوُجُوبِ، وقَد أُمِرَ قَبَلَهُ بِصَلَاةِ الليلِ، والحَنَفيةُ(١): لَا يَقُولُونَ بِوُجُوبِهَا .
■ الثَّانِيَةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((فَإِذَا خَشِيَ أحَدُكُم الصُّبْحَ)): دَلِيلٌ على خُرُوج
وقتِ الوِترِ بِطُلُوعِ الفَجرِ، وهُو مَذهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، والحَنَفيةِ، والجُمُهُورِ، إلا أنَّ
المَالِكِيَّةَ، قَالُوا: إنَّمَا يَخْرُجُ بِطُلُوعِ الفَجرِ: وقتُهُ الاختيارِيُّ، ويَبقَى وقَتُهُ الضَّرُورِيُّ
إِلَى صَلَاةِ الصُّبحِ: هذا هُو المَشْهُورُ عندهُم .
وقال أبو مَصعَبٍ كَالجُمُهُورِ: يَنتَهِي وقتُهُ بِطُلُوعِ الفَجرِ، ولَيسَ لَهُ وقتُ
ضَرُورَةٍ.
وحَكَى ابنُ المُنذِرِ عن جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ: أنَّ وقتَهُ يَمتَدُّ إلَى صَلَاةِ
[الصُّبْحِ، قال: رَوينًا (٢) عن ابنِ مَسعُودٍ؛ أنَّهُ قال: ((الوِترُ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَينِ)).
ورَوى الوِترَ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ: عن ابنِ عَباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وعُبادَةَ بنِ
الصَّامِتِ، وأبي الدَّردَاءِ، وحُذِّيفَةَ، وعَائِشَةً.
قال: وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ: يُوتِرُ مَا لَم يُصَلِّ الصُّبحَ.
ورَخَّصَ الثَّورِيُّ، والأوزَاعِيُّ: في الوِتِرِ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ.
وقال النَّخَعِيّ، (٢٨٠/٣) والحَسَنُ، والشَّعبي: إذَا صَلَّى الغَدَاةَ فَلَا يُوتِرُ.
وقال أيُّوبُ السِّختيانِيُّ، وحُمَيدٌ الطَّوِيلُ: إنَّ أكثَرَ وِتِنَا لَبَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ(٣).
قُلت: مَا حَكَاهُ عن مَالِكٍ: صَحِيحٌ عنهُ، لكنَّهُ يَرَى مَا بَعدَ الفَجرِ، وقَبلَ
صَلَاةٍ](٤) الصُّبح: وقتَ ضَرُورَةٍ لَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ.
وكَذَا مَذْهَبُ أحمَدَ، فَإِنَّهُ سُئِلَ: أيوتِرُ(٥) الرَّجُلُ بَعدَ مَا يَطْلُعُ الفَجرُ؟ فقال: نَعَم.
(١) ينظر: المبسوط (٢٨٩/١).
(٣) الأوسط (١٩٠/٥ - ١٩٣).
(٢) في الأصل: ((وروينا)).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٥) في (م): ((ألا يوتر)).

=
٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال ابنُ قُدَامَةَ: لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ: أن يَتَعَمَّدَ تَركَ الوِتِرِ حَتَّى يُصبِحَ، لِقَولِهِ
عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((فَإِذَا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبِحَ: فَلْيُصَلِّ رَكَعَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَد
صَلَّى)): مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، ولِحديثٍ(١) أبي هُرَيْرَةَ مَرُفُوعًا: ((مَن نَامَ عن الوِتِرِ أو نَسِيَهُ:
فَلْيُصَلِّهِ(٢) إِذَا أصبَحَ أو ذَكَرَ)) رَواهُ ابنُ مَاجَهَ(٣). انتَهَى.
ومَا حَكَاهُ عن الشَّافِعِيِّ: لَيسَ قَولُهُ في الجَدِيدِ، وبِهِ الفَتوى، وإنَّمَا هُو
قَولُهُ(٤) في القَدِيمِ.
وحَكَى أبو العَباسِ القُرطُبي(٥): أنَّ مَذهَبَ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبٍ مَالِكِ، في أنَّ
وقتَ ضَرُورَتِهِ: من طُلُوعِ الفَجرِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبحِ.
ولیس گذلك.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦)، بَعدَ ذِكرِهِ امتِدَادَهُ إلَى صَلَاةِ الصُّبح: وهُو الصَّوابُ
عِندِي؛ لِأِنِّي لَا أعلَمُ لِهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا من الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ إجمَاعُهُم على
أنَّ مَعنَى الحديثِ في مُرَاعَاةٍ طُلُوعٍ [١٩٤/١ ظ] الفَجرِ أُرِيدَ بِهِ: مَا لَم يُصَلِّ صَلَاةَ
الفَجرِ، ويُحتَمَلُ أيضًا أن يَكُونَ ذلك لِمَن قَصَدَهُ واعتَمَدَهُ، وأمَّا مَن نَامَ عنهُ حَتَّى
انْفَجَرَ الصُّبحُ، وأمكَّنَهُ أن يُصَلِّيَهُ مَعَ الصُّبحِ، قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ: فَلَيسَ مِمَّن أُرِيدَ
بذلك الخِطَابِ. انتَهَى.
[ثُمَّ قال ابنُ المُنذِرِ: وفيهِ قَولٌ ثَالِثٌ، وهُو: أن يُصَلِّيَ الوِترَ، وإن صَلَّى
الصُّبحَ: هذا قَولُ طَاؤُسٍ، وكَانَ النُّعمَانُ يَقُولُ: عَلَيهِ قَضَاءُ الوِتِرِ، وإن صَلَّى
الفَجرَ، إِذَا لَم يَكُن أوتَرَ.
وفيهٍ قَولٌ رَابِعٌ: وهُو أن يُصَلِّيَ الوِتَرَ وإن طَلَعَت الشَّمسُ: رُوِيَ هذا القَولَ،
عن عَطَاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ، والحَسَنِ، والشَّعبي، وحَمَّادِ بنِ أبي(٧) سُلَيمَانَ،
وبِهِ قال الأوزَاعِيُّ، وأبو ثَورٍ. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: ((مَن فَاتَهُ الوِترُ، يُوتِرُ بِواحِدَةٍ
(١) في (ح): ((وبحديث)).
(٢) في (ح): ((فليصلٍ)).
المغني (٣٠٠/٣).
(٣)
(٤) في (ح): ((له)).
المفهم (٣٨٢/٢).
(٥)
ليس في: الأصل.
(٧)
(٦) الاستذكار (٩٤/٢).

٩١
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
من القابِلَةِ))(١)، وهذا قَولُ خَامِسٌ(٢). انتَهَى](٣).
وهَذِهِ الأقوالُ الثَّلَاثَةُ (٤) الأخِيرَةُ: الظَّاهِرُ: أنَّهَا إِنَّمَا هِيَ في صَلَاةِ الوِتِرِ
قَضَاءً، ومَا أَرَادَ قَائِلُوهَا اسْتِمِرَارَ وقتِهَا إلَى ذلك الحد أدَاءَ.
وفي عِبَارَةِ بَعضِهِم: التَّصرِيحُ بذلك، ومَن لَم يُصَرِّح بِهِ منهُم: فَعِبَارَتُهُ
مَحمُولَةٌ على ذلك، واللهُ أعلمُ.
قال أبو العَباسِ القُرطُبي(٥): وقَد رَوى أبو دَاوُد: عن أبي سَعِيدٍ مَرفُوعًا:
((مَنْ نَامَ عن وِتِرِهِ أَو نَسِيَهُ: فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ)) .
قال: وهذا الظَّاهِرُ يَقْتَضِي أنَّهُ يُقْضَى دَائِمًا كَالفَرضٍ، ولَم أرَ قَائِلًا بِهِ.
قُلت: هُو مَذهَبُ الشَّافِعِيِّ وأصحَابِهِ، واللهُ أعلمُ. (٢٨١/٣)
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ(٦): استَدَلَّ بِهِ الحَافِظُ أبو مُوسَى المَدِينِيُّ: على امتِنَاعِ
التَّقُّلِ بَعدَ طُلُوعِ الفَجرِ، بِغَيرِ رَكعَتَي الفَجرِ.
قال: إذا لَو كَانَ التَّنَقُّلُ (٧بَعدَ الفَجرِ ٧) مُباحًا: لَمَا كَانَ لِخَشْيَةِ الصُّبحِ مَعَنَّى.
قال والِدِي ◌َظْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): بَل لَهُ مَعنّى صَحِيحٌ: هُو المَقصُودُ
من الحديثِ، وهُو: أن يُوقِعَ الوِترَ قَبلَ خُرُوجٍ وقتِهِ، ولَا يُؤَخِّرَهُ حَتَّى يَطلُعَ
الفَجرُ، ويَدُلُّ عَلَيهِ قَولُهُ، عَقِبَهُ في بَعضِ طُرُقِهِ: ((واجعَل آخَرَ صَلَاتِك وِتْرًا))(٨).
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ(٩): فيهِ دَلِيلٌ على أنَّ الأفضَلَ تَأْخِيرُ الوِتِرِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِفِعِلِهِ
عند خَشيَةِ الصُّبحِ، وذلك في آخِرٍ وقتِهِ. وهُو كَذلك فيمَن وثِقَ من نَفسِهِ
بِالاِستيقَاظِ [آخِرَ الليلِ، فَإِن لَم يَثِقِ بِالاستيقَاظِ: فَتَعجِيلُهُ قَبلَ النَّومِ أفضَلُ: كَذَا
ذَكَرَهُ النَّوِيُّ في ((شَرحَي مسلم، والمُهَذَّبٍ)) (١٠)، وهُو مُقَيِّدٌ لِمَا أطلَقَهُ في
(١) في (م): ((النافلة)).
(٣) ليس في: (ح).
(٥) المفهم (٣٨٢/٢).
(٧ - ٧) ليس في: الأصل.
(٩) في (م): ((عشرة)).
(١٠) شرح مسلم (٢٢٨/٤)، المجموع (٤/ ١٤).
(٢) الأوسط (١٩٣/٥).
(٤) ليس في: (ح).
(٦) في (م): ((عشرة)).
(٨) مسلم (٧٤٩ - ١٤٨).
-

=
٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
((الرَّوضَةِ))(١)، تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ، من أنَّ الأفضَلَ في حَقِّ مَن لَا تَهَجُّدَ لَهُ: الإتيَانُ بَعدَ
فَرِيضَةِ العِشَاءِ ورَاتِبَتِهَا، فَيُقَالُ: مَحَلُّ ذلك فيمَا إذَا (٢) لَم يَثِقِ بِالاِستيقَاظِ](٣) آخِرَ
الليلِ، واللهُ أعلمُ.
■ الخَامِسَةَ عَشرَ(٤): ذَكَرَ ابنُ حَزمٍ: أنَّ الوِترَ وتَهَجُّدَ الليلِ يَنقَسِمُ ثَلَاثَةً
عَشَرَ وجهًا، أيَّهَا فَعَلَ أجزَأْهُ:
قال: وأفضَلُهَا أن يُصَلَِّ ثِنتَي عَشرَةَ رَكعَةً، يُسَلِّمَ من كُلِّ رَكَعَتَيْنٍ، ثُمَّ يُصَلِّيَ
رَكَعَةً واحِدَةً ويُسَلِّمَ ... إِلَى أن قال: والتَّاسِعُ: أن يُصَلِّيَ أربَعَ رَكَعَاتٍ، يَتَشَهَّدَ،
ويُسَلِّمَ من كُلِّ رَكعَتَينٍ، ثُمَّ يُوتِرَ بِواحِدَةٍ، لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((صَلَاةُ
الليلِ مَثنَى مَثنَى، فَإِذَا خَشِيت الصُّبحَ: فَأَوِر بِواحِدَةٍ» (٥)، فَفُهِمَ: أنَّ المُرَادَ بِهِذا
اللفظِ: الاقتِصَارُ على أربَع رَكَعَاتٍ. ولَيسَ كَذلك، وإِنَّمَا المُرَادُ: أنَّهُ يُسَلِّمُ من
كُلِّ رَكَعَتَينٍ، من غَيرِ حَصرٍ في هذا العَدَدِ.
ولِهِذا عَقَّبَهُ: بِقَولِهِ: ((فَإِذَا خَشِيتِ الصُّبْحَ))، فَدَلَّ على أنَّهُ يُصَلِّ من غَيرِ حَصرٍ،
بِحَسَبٍ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ من العَدَدِ، إلا أنَّهُ يَكُونُ على هذا الوجهِ، وهُو: السَّلَامُ من كُلِّ
رَكَعَتَينٍ](٦)، إلا (٧) أن يَخْشَى الصُّبحَ: فَيَضِيقَ حِينَئِذٍ وقتُ صَلَاةِ الليلِ، فَيَتَعَيَّنَ الإتيَانُ
بِآخِرِهَا وخَاتِمَتِهَا، وهُو الوِتِرُ، وهذا هُو الذِي فَهِمَهُ منهُ جَمِيعُ النَّاسِ، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةَ عَشرَ: مُقْتَضَاهُ أن يَكُونَ الوِترُ آخِرَ صَلَاةِ الليلِ، فَلَو أوتَرَ ثُمَّ
أرَادَ التَّنَقُّلَ، لَم يَشفَع وِتَرَهُ على الصَّحِيحِ المَشهُورِ عند أصحَابِنَا وغَيرِهِم. وقِيلَ:
يَشِفَعُهُ بِرَكَعَةٍ ثُمَّ يُصَلِّي.
وإِذَا لَم يَشِفَعُهُ: فَهَل يُعِيدُ الوِترَ آخِرًا؟ فيهِ خِلَافٌ عند المَالِكِيَّةِ، وقال
الشَّافِعِيَّةُ: لَا يُعِيدُهُ لِحديثِ: (لَا وِتْرَانِ فِي لَيلَةٍ))(٨).
(١) (٣٢٩/١).
لیس في: (ح).
(٣)
(٢) ليس في: الأصل.
(٤) في (م): ((عشرة)).
(٥)
المحلى (٤٦/٣).
(٦) ليس في: (ح).
(٧)
في (ح): ((إلى)).
أخرجه أبو داود (١٤٣٩)، والترمذي (٤٧٠)، والنسائي (١٦٧٨).
(٨)

صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
٩٣
=
(٨٢/٣م) الحديثُ الثَّانِي
وعن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ: أنَّ رسولَ الله، قال: ((يَعقِدُ الشَّيْطَانُ
على قَافيةِ رَأْسٍ أحَدَكُم، إِذَا هُو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، ويَضرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقدَةٍ:
عَلَيك [١٩٥/١ و] لَيلًا (١) طَوِيلًا فَارِقُد، فَإِن استَيْقَظَ فَذَكَرَ الله: انحَلَّت عُقدَةٌ.
فَإِن تَوضَّأ: انحَلَّت عُقدَةٌ. فَإِن صَلَّى: انحَلَّت عُقْدَةٌ، فَأصبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ
النَّفْسِ، وإلا أصبَحَ خَبِيثَ النَّفْسَ كَسلَانَ)).
فيه فوائد:
■ الأُولَى: أخرَجَهُ الأَئِمَّةُ السِّنَّةُ، خَلَا التِّرمِذِيَّ؛ فَرَواهُ البخاريُّ،
وأبو دَاوُدُ(٢) من طَرِيقِ مَالِكِ.
ورَواهُ مسلمٌ، والنسائيُّ(٣) من طَرِيقِ سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ؛ كِلَاهُمَا عن أبي الزِّنَادِ،
عنهُ.
ورَواهُ ابنُ مَاجَه(٤) من طَرِيقِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيرَةَ،
بِلَفِظِ: «على(٥) قَافِيةِ رَأْسِ أحدِكُم بِالليلِ حَبَلٌ(٦) فيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ، فَإن استَيقَظَ
فَذَكَرَ اللهَ: انحَلَّت عُقدَةٌ، فَإِذَا قَامَ فَتَوضَّأ: انحَلَّت عُقدَةٌ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ:
انحَلَّت عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَيُصبِحُ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، قَد أصَابَ خَيرًا، وإن لَم يَفعَل
أصبَحَ كَسِلًا، خَبِيثَ النَّفْسِ، لَم يُصِب خَیرًا)).
■ الثَّانِيَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٧): أمَّا عُقَدُ الشَّيْطَانُ على قَافيةِ رَأسِ ابنِ آدَمَ
(١) بعده في الأصل، وفي حاشية (ت): ((كذا)). وسيأتي التوجيه الإعرابي لها في الفائدة
السادسة لهذا الحديث، وينظر: إعراب ما يشكل للعكبري (ص٦٧).
(٢) البخاري (١١٤٢)، أبو داود (١٣٠٦). (٣) مسلم (٢٠٧)، النسائي (١٦٠٦).
(٤)
ابن ماجه (١٣٢٩).
في (م)، وابن ماجه: ((يعقد الشيطان على)). وينظر: تحفة الأشراف (٣٨٤/٩).
(٥)
(٦) في (م): ((بحبل)).
(٧) التمهيد (٤٥/١٩).

=
2
٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إِذَا رَقَدَ: فَلَا يُوصَلُ (١) إِلَى كَيفيتِهِ، وأظُنُّهُ مَجَازًا، كِنَايَةً عن حَبسِ الشَّيْطَانِ وتَشْبِيطِهِ
لِلإِنسَانِ عن قِيَامِ الليلِ وعَمَلِ البِرِّ. وقِيلَ: إِنَّهَا كَعُقَدِ السِّحرِ، من قَولِ الله:
﴿التَّفَشَتِ فِىِ الْعُقَدِ﴾ [الفلق:
وقال ابنُ بَظَالٍ (٢): قال المُهَلَّبُ: قَد فَسَّرَ النَّبِيِوَّهِ مَعنَى العَقْدِ، وهُو
قَولُهُ: ((عَلَيك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارِقُد)). فَكَأنَّهُ يَقُولُهَا (٣) إِذَا أَرَادَ النَّائِمُ الاستيقَاظَ إلَى
حِزِهِ، فَيَعْتَقِدُ(٤) في نَفْسِهِ أنَّهُ بَقِيَت من الليلِ بَقِيَّةٌ طَوِيلَةٌ، حَتَّى يَرُومَ بذلك إتَلَافَات
سَاعَاتٍ(٥) لَيْلِهِ، وتَفِيتَ حِزِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ اللّهَ انحَلَّت عُقدَةٌ؛ أي: عَلِمَ أنَّهُ (٨٣/٣م)
قَد مَرَّ من الليلِ طَوِيلٌ (٦)، وأنَّهُ لَم يَبقَ منهُ طَوِيلٌ، فَإِذَا قَامَ وتَوضَّأ(٧): استَبَانَ لَهُ
ذلك أيضًا، وانحَلَّ مَا كَانَ عَقَدَ في نَفسِهِ، من الغُرُورِ والاستِدَرَاجِ، فَإِذَا صَلَّى
واستَقبَلَ القِبِلَةَ: انحَلَّت العُقدَةُ الثَّالِثَةُ؛ لِأَنَّهُ لَم يُصغ إِلَى قَولِهِ، ويَيْسَ الشَّيْطَانُ منهُ.
والقَافيةُ: هِيَ مُؤَخَّرُ الرَّأسِ، وفيهِ (٨) العَقلُ والفَهمُ، فَعَقدُهُ فيهِ إثباتُهُ في
فَهِمِهِ أنَّهُ بَقِيَ عَلَيهِ لَيلٌ طَوِيلٌ، ثُمَّ قال ابنُ بَطَّالٍ: ورَأيتُ لِبَعضِ مَن فَسَّرَ هذا
الحديثَ، قال: العُقَدُ الثَّلَاثُ هِيَ الأكلُ والشُّربُ والنَّومُ، وقال: أَلَا تَرَى أنَّ مَن
أكثَرَ الأكلَ والشُّربَ أنَّهُ يَكثُرُ نَومُهُ لِذلك، واللهُ أعلَمُ بِصِحَّةٍ هذا التَّأْوِيلِ، وبِمَا (٩)
أَرَادَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ من ذلك.
وقال الثَّوِيُّ(١٠): اختَلَفَ العُلَمَاءُ في هَذِهِ العُقَدِ، فَقِيلَ: هُو عَقْدٌ حَقِيقِيٌّ،
بِمَعنَى عُقَدِ السِّحرِ لِلإِنسَانِ، ومَنعِهِ من القِيَامِ، قال الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ
[الفلق: ٤]. فَعلى هذا: هُو قَولٌ يَقُولُهُ يُؤثِّرُ في تَثبيطِ
اُلَّفَشَتِ فِىِ الْعُقَدِ ﴾
النَّائِمِ؛ كَتَأثِيرِ السِّحرِ.
وقِيلَ: يُحتَمَلُ أن يَكُونَ فِعلًا يَفْعَلُهُ؛ كَفِعلِ النَّفَّاثَاتِ في العُقَدِ.
(١) في (ت): ((توصل)).
(٢) شرح صحيح البخاري (١٣٥/٣).
(٣)
في (ح): ((یقول)).
(٤) في الأصل: ((فيعقد)).
في الأصل: ((سماعات)).
(٥)
(٦) ليس في: (ح).
(٧) في (م): ((فتوضأ)).
(٨) في (ح): ((ففيه)).
(٩) في الأصل: ((وربما)).
(١٠) مسلم بشرح النووي (٦٥/٦).

٩٥
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
=
وقِيلَ: هُو من عَقدِ القَلبِ وتَصمِيمِهِ، فَكَأنَّهُ يُوسوِسُ في نَفسِهِ، ويُحدثُهُ بِأنَّ
عَلَيكَ لَيْلًا طَوِيلًا، فَتَأخَّر عن القِيَامِ.
وقِيلَ: هُو مَجَازٌ، كُنِّيَ بِهِ عن تَتبِيطِ الشَّيْطَانِ عن قِيَامِ الليلِ. انتَهَى.
[وقال أبو العَباسِ القُرطُبي، بَعدَ ذِكرِهِ المَعنَى المَحكِيَّ عن المُهَلَّبِ(١):
وإنَّمَا خَصَّ العُقَدَ بِثَلَاثٍ؛ لِأَنَّ أغلَبَ مَا يَكُونُ انتِباهُ النَّائِم في السَّحَرِ، فَإِن اتَّفَقَ
لَّهُ أن يَستَيقِظَ، ويَرجِعَ إِلَى النَّومِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَم تُنقَض النَّومَةُ الثَّالِثَةُ في الغَالِبِ،
إلا والفَجرُ قَد طَلَعَ. انتَهَى)(٢).
وقال في ((النِّهَايَةِ))(٣): أَرَادَ تَثْقِيلَهُ في النَّومِ وإِطَالَتَهُ، فَكَأنَّهُ قَد (٤) شَدَّ عَلَيهِ
شِدَادًا، وعَقَدَهُ ثَلَاثَ عُقَدٍ .
■ الثَّالِثَةُ: الظَّاهِرُ: أنَّ المُرَادَ بِالشَّيْطَانِ هُنَا جِنسُ الشَّيَاطِينِ(٥)، ولَا يُرَادُ
بذلك الشَّيطَانُ الأكبَرُ، وهُو إِيلِيسُ.
■ الرَّابِعَةُ: ذَكَرَ صَاحِبُ ((الصِّحَاحِ))، و((المُحكَم))، و((المَشَارِقٍ)»،
و((النِّهَايَةِ))(٦): أنَّ القَافيةَ القَفَا، ثُمَّ قال في ((النُّهَايَةِ)): وقِيلَ: قَافِيةُ الرَّأسِ مُؤَخَّرُهُ،
وقِيلَ: وسَطُهُ.
وقال النَّورِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٧): القَافيةُ: آخِرُ الرَّأسِ، وقَافيةُ كُلِّ شَيءٍ:
آخِرُهُ، ومنهُ قَافيةُ الشِّعرِ .
وقال ابنُ بَطَّالٍ (٨): القَافيةُ: مُؤَخَّرُ الرَّأسِ، وفيهِ العَقلُ والفَهمُ.
] الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((ويَضرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقدَةٍ)). لَم أرَ مَن تَعَرَّضَ لِلكَلَامِ
عَلَيهِ، ويَحتَمِلُ وجهَينٍ :
(١)
المفهم (٤٠٩/٢).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) النهاية (٩٤/٤).
(٤) ليس في: (ح).
في الأصل، (م): ((الشيطان)).
(٥)
(٦) الصحاح (٢٤٦٦/٦)، المحكم (٥٧٢/٦)، المشارق (١٩٢/٢)، النهاية (٩٤/٤).
(٨) شرح صحيح البخاري (١٥٣/٣).
(٧) النووي على مسلم (٦٥/٦).

=
٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أحَدُهُمَا: أنَّ مَعنَاهُ [١٩٥/١ ظ]: أنَّهُ يَضرِب بيدِهِ على مَكَانِ العُقَدِ(١)، تَأْكِيدًا
لَهَا وإحكامًا، أو أنَّ ذلك من تَمَامِ سِحِرِهِ، وفي فِعلِهِ ذلك خُصُوصِيَّةٌ، وَلَهُ تَأْثِرٌ
يَعلَمُهُ هُو.
ثَانِيهِمَا: أنَّ الضَّربَ هُنَا كِنَايَةٌ عن (٨٤/٣م) حِجَابٍ يَصنَعُهُ في ذلك
المَوضِعِ، يَمنَعُ وُصُولَ الحِسِّ إِلَى ذلك النَّائِم، حَتَّى لَا يَستَقِظَ. ومنهُ الحديثُ
الآخَرُ: ((فَضَرَبَ على آذَانِهِم)»(٢).
قَالُوا فِيهِ: هُو كِنَايَةٌ عن النَّومِ، ومَعنَاهُ: حَجبُ الصَّوتِ والحِسِّ، أن يَلِجَا
آذَانَهُم، فَيَنْتَبِهُوا، فَكَأنَّهَا قَد ضُرِبَ عَلَيْهَا حِجَابٌ.
■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((عَلَيك لَيلًا طَوِيلًا)). كَذَا هُو في رِوايَتِنَا من ((مُوطَّإِ
أبي مُصعَبٍ))، بِالنَّصبِ على الإغرَاءِ(٣).
وقال النَّوِيُّ(٤): كَذَا هُو في مُعظَمٍ نُسَخِ بِلَادِنَا لِ ((صَحِيحٍ مسلمٍ)، وكَذَا
نَقَلَّهُ القَاضِي، عن رِوايَةِ الأكثَرِينَ، ورَواهُ بَعضُهُم: ((عَلَيك لَيْلٌ طَّوِيلٌ)). [بِالرَّفعِ؛
أي: بَقِيَ عَلَيك لَيْلٌ طَوِيلٌ.
ورَجَّحَ أبو العَباسِ القُرطُبي: هَذِهِ الرِّوايَةَ، فقال: رِوايَتُنَا الصَّحِيحَةُ:
((عَلَيك لَيلٌ طَوِيلٌ)). على الابتِدَاءِ والخَبَرِ، ووقَعَ في بَعضِ الرِّوايَاتِ:
((عَلَيك لَيلًا طَوِيلًا)). على الإغرَاءِ، والأولُ أولَى من جِهَةِ المَعنَى؛ لِأَنَّهُ الأمكَنُ
في الغُرُورِ، من حَيثُ إِنَّهُ يُخبِرُهُ عن طُولِ الليلِ، ثُمَّ يَأمُرُهُ بِالرُّقَادِ بِقَولِهِ:
((فَارِقُد)) .
وإذَا نُصِب على الأغرَاءِ، لَم يَكُن فيهِ إلا الأمرُ بِمُلَازَمَةِ طُولِ الرُّقَادِ،
وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَولُهُ: ((فَارِقُد)). ضَائِعًا، واللهُ أعلَمُ(٥). انتَهَى.
(١) في الأصل: ((العقدة)).
(٢) في حديث جبير بن مطعم: ((كان رسول الله في سفر فقال: من يكلؤنا الليلة)) الحديث،
رواه أبو داود (٤٣٧)، والنسائي (٦٢٣)، وأصله في الصحيحين.
(٣) ينظر: همع الهوامع (٢٦/٢).
(٥) المفهم (٤٠٩/٢).
(٤) مسلم بشرح النووي (٤٧/١).

٩٧
صَلَاةُ الوترِ وَقِيَامُ الليلِ
وعلى كُلِّ تَقدِيرِ: فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعمُولٌ لِقَولٍ مَحذُوفٍ؛ أي: يَقُولُ الشَّيْطَانُ
لِلنَّائِمِ هذا الكَلَامَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ قَولُهُ: (لَيلًا طَوِيلًا))، مَنصُوبٌ على الظَّرفِ؛ أي: يَضرِبُ
مَكَانَ كُلِّ عُقدَةٍ فِي لَيْلٍ طَوِيلٍ](١).
وقَولُهُ: ((عَلَيك)): يَحتَمِلُ حِينَئِذٍ: أن يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَولِهِ: ((يَضرِبُ)).
ويَحْتَمِلُ: أن يَكُونَ صِفَةً لِكُلِّ عُقدَةٍ، ويَدُلُّ لِهذا: قَولُهُ في رِوايَةِ النسائيّ: ((يَضرِبُ
على كُلِّ عُقدَةٍ لَيلًا طَوِيلًا)(٢)؛ أي: ارقُد.
ا السَّابِعَةُ: فيهِ الحَثُّ على ذِكرِ الله تعالى عند الاستيقاظِ، وجَاءَت فيهِ
أذكَارٌ (٣) مَخصُوصَةٌ مَشهُورَةٌ في الصَّحِيحِ، منها: حديثُ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ: ((مَن
تَعَارَّ من الليلِ، فقال: لَا إِلَهَ إلا الله وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمدُ،
وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، الحَمدُ لله، وسُبحَانَ الله، والله أكبَرُ، ولَا حَولَ وَلَا قُوةَ
إلا بِالله، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ اغفِر لِي، أو دَعَا: استُجِيبَ لَهُ، فَإِن تَوضَّأْ قُبِلَت
صَلَاتُهُ))(٤)، ولَا يَتَعَيَّنُ لِتَحصِيلِ هذا المَقصُودِ ذِكْرٌ، لَكِنَّ الأذكَارَ(٥) المَأْثُورَةَ فِيهِ
أفضَلُ.
■ الثَّامنةُ: وفيهِ الثَّحرِيضُ على الوُضُوءِ في هَذِهِ الحَالَةِ، وهُو قُربَةٌ (٦)
تَنْحَلُّ بِهِ إحدَى عُقَدِ الشَّيْطَانِ، وإن لَم تَنضَمَّ(٧) إِلَيهِ في تِلكَ الحَالَةِ صَلَاةٌ.
التَّاسِعَةُ: الظَّاهِرُ: أنَّ التَّيَّهُمَ بِشَرِطِهِ يَقُومُ مَقَامَ الوُضُوءِ في ذلك.
العَاشِرَةُ: الظّاهِرُ: أَنَّهُ لَو كَانَ عَلَيهِ غُسلٌ: لَم تَنحَلَّ عُقدَةُ الشَّيطَانِ
بِمُجَرَّدِ الوُضُوءِ، حَتَّى يَغْتَسِلَ؛ لِأَنَّهُ (٨٥/٣م) لَا (٨) يَتَمَكَّنُ من الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدٍ
الوُضُوءِ، وإِنَّمَا اقْتَصَرَ على ذِكرِ الوُضُوءِ في الحديثِ؛ لِأنَّ الأصلَ عَدَمُ الجَنَابَةِ.
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) في (ح): ((أخبار)).
(٢) النسائي (١٦٠٦).
(٤) البخاري (١١٥٤).
(٥) في (ح): ((الآثار)).
(٦) في (م): ((كونه)).
(٧) في (ح): ((ينضم)).
(٨) ليس في: الأصل.
=

=
٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الحَادِيَةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((فَإِن صَلَّى انحَلَّت عُقَدُهُ))، رُوِيَ بِفَتحِ القَافِ على
الجَمعِ، وبِإِسكَانِهَا على الإفرَادِ؛ كَاللَتَينِ قَبَلَهُمَا، والأولُ هُو المَشهُورُ، وهُو الذِي
ضَبَطْنَاهُ عن شَيخِنَا والِدِي ◌َخْذُهُ، ويَدُلُّ لَهُ قَولُهُ في رِوايَةِ مسلم (١): ((العُقَدُ))، وقَولُهُ
في رِوايَةِ النسائيّ(٢): ((العُقَدُ كُلُّهَا)).
ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣)، عن رِوايَةٍ يَحْيَى بِنِ يَحيَى: الثَّانِي.
وعلى الأولِ: فَالمُرَادُ: أَنَّهُ انحَلَّ بِالصَّلَاةِ تَمَامُ عُقَدِهِ، فَإِنَّهُ قَد انحَلَّ بِالذِّكرِ
والوُضُوءِ اثنَانِ منهَا (٤)، ومَا بَقِيَ إلا واحِدَةٌ، فَإِذَا صَلَّى: انحَلَّت تِلكَ الواحِدَةُ،
وحَصَلَ حِينَئِذٍ: تَمَامُ انحِلَالِ المَجُمُوعِ، وهُو نَظِيرُ (٥) قَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ:
((مَنْ صَلَّى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ: فَكَأنَّمَا قَامَ نِصفَ الليلِ، ومَن صَلَّى الصُّبحَ في
جَمَاعَةٍ: فَكَأَنَّمَا قَامَ الليلَ كُلَّهُ)(٦)، ونَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَ: [١٩٦/١ و] فيهِ فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ بِالليلِ وإن قَلَّت، لَكِن هَل
يَحصُلُ انحِلَالُ عُقدَةِ الشَّيطَانِ الأخِيرَةِ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ في الصَّلَاةِ أو بِتَمَامِهَا؟
الظَّاهِرُ الثَّانِي، فَإِنَّهُ لَو أفسَدَهَا قَبلَ(٧) تَمَامِهَا: لَم يَحصُلُ بذلك غَرَضٌ.
ورَأيت والِدِي تَخْتُ: لَمَّا سُئِلَ عن الحِكمَةِ في افِتَاحِ صَلَاةٍ (٨) الليلِ بِرَكَعَتَيْنٍ
خَفِيفَتَينِ(٩)؟
أجَابَ عن ذلك: بِأنَّ الحِكمَةَ فيهِ استِعجَالُ حَلِّ عُقَدِ الشَّيطَانِ، وهُو مَعنّى
حَسَنٌ بَدِيعٌ، ومُقتَضَاهُ: مَا رَجَّحته من أنَّهُ لَا يَحصُلُ ذلك الا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ، ولَا
يَخدِشُ في هذا المَعنَى: أَنَّ النَّبِيِ وَّهِ مُنَزَّهُ عن عَقدِ الشَّيطَانِ على قَافيتِهِ؛ لِأَنَّا
(١) مسلم (٧٧٦/ ٢٠٧).
(٢) النسائي (١٦٠٦). وقال في حاشية (ت): ((وقع في رواية البخاري أيضًا، في بدء الخلق
(٣٢٩٦): ((انحلت عقده كلها)).
(٣) الاستذكار (٣٦٨/٦).
(٥)
لیس في: (ح).
(٤) في (ح): ((منهما)).
(٦) مسلم (٢٦٠/٦٥٦).
(٧)
في الأصل: (لم)).
(٨) ليس في: (م).
(٩) قال في حاشية (ت): ((في مسلم (١٩٨/٧٦٨)، من حديث أبي هريرة: ((إذا قام أحدكم
من الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين)).

٩٩
صَلَاةُ الوِتِرِ وَقِيَامُ الليلِ
=
نَقُولُ: إِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ فَعَلَ ذلك، تَشرِيعًا لِأُمَّتِهِ، لِيَقتَدُوا(١) بِهِ، فَيَحْصُلَ
لَهُم هذا المَقصُودُ، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةَ عَشْرَ: بَوّبَ عَلَيهِ البخاريُّ في ((صَحِيحِهِ)): ((بابُ عَقدِ الشَّيطَانِ
على قَافيةِ الرَّأْسِ، إِذَا لَم يُصَلِّ بِالليلِ))(٢)، وقَد أنكَرَ عَلَيهِ المَازَرِيُّ(٣) في ذلك،
وقال: الذِي في الحديثِ: أنَّهُ يَعقِدُ على قَافيةِ رَأْسِهِ، وإن صَلَّى بَعدَهُ، وإِنَّمَا تَنْحَلُّ
عُقَدُهُ: بِالذِّكرِ، والوُضُوءِ، والصَّلَاةِ.
قال: ويُتَأولُ كَلَامُ البخاريِّ: أنَّهُ أرَادَ أنَّ استِدَامَةَ العَقدِ: إنَّمَا تَكُونُ على
مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ، وجَعَلَ مَن صَلَّى وانحَلَّت عُقَدُهُ: كَمَن لَا يُعقَدُ عَلَيهِ، لِزَوالٍ
أثَرِهِ.
قُلتُ: مَا أُوِّلَ عَلَيهِ كَلَامُ البخاريِّ واضِحٌ، ويُمكِنُ حَمَلُهُ على وجهٍ آخَرَ:
وهُو أنَّهُ(٤) أرَادَ: أنَّ الشَّيطَانَ إِنَّمَا يَعقِدُ على رَأسٍ مَن لَم يُصَلِّ العِشَاءَ: فَإن
استَيقَظَ وصَلَّى العِشَاءَ انحَلَّت العُقَدُ، وإلا استَمَرَّت.
أمَّا مَن صَلَّى العِشَاءَ: فَقَد قَامَ بِمَا عَلَيْهِ: فَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَيهِ الشَّيطَانُ، ولَا
(٨٦/٣م) يَعقِدُ على قَافيتِهِ شَيئًا .
ويُوافِقُ ذلك: أنَّ الطَّحَاوِيَّ(٥) حَمَلَ قَولَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((فيمَن نَامَ
لَيَلَهُ كُلَّهُ حَتَّى أصبَحَ: ذَاكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِهِ))(٦)، على أنَّهُ نَامَ عن صَلَاةِ
[العِشَاءِ، حَتَّى انقَضَى الليلُ كُلُّهُ.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ويَدُلُّ على ذلك أنَّ من السَّلَفِ قَومًا كَانُوا يَنَامُونَ قَبلَ
العِشَاءِ، ويُصَلُّونَهَا في وقتِهَا .
ثُمَّ حَکَی: عن الحَكَم، قال: «كَانُوا يَنَامُونَ قَبلَ صَلَاةِ العِشَاءِ»،
(٢) البخاري (١١٤٢).
(١) بعده في (ح): ((فيه)).
(٣) نقله عنه النووي في شرح مسلم (٦٧/٦).
(٤)
في (م): ((إن)).
في مشكل الآثار (١٩١/١٠، ١٩٢).
(٥)
(٦) البخاري (١١٤٤)، مسلم (٢٠٥/٧٧٤).

=
2
١٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وعن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّهُ كَانَ يَرِقُد قَبلَ صَلَاةِ العِشَاءِ، ويُوكِّلُ مَن يُوقِظُهُ)). وعن سُرِّيَّةٍ
لِعَلِيِّ رَُّهُ: ((أَنَّهُ رُبَّمَا أغفَى قَبلَ العِشَاءِ»، ورُوِيَ: ((أنَّهُ مَا كَانَت نَومَةٌ أحَبَّ إِلَيهِ
من نَومَةٍ بَعدَ العِشَاءِ، قَبَلَ صَلَاةِ العِشَاءِ)).
وذَكَرَ إِياحَةَ النَّومِ قَبلَ](١) العِشَاءِ: عن الأسودِ بنِ يَزِيدَ، وعُروةَ بنِ الزُّبَيرِ،
وعَلِيِّ الأزدِيِّ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيٍ، وابنِ سِيرِينَ: ذَكَرَهُ ابنُ أبي شَيبَةَ(٢) عنهُم. وهذا
كُلُّهُ عنهُم: على أنَّهُم كَانُوا يُصَلُّونَ العِشَاءَ في وقتِهَا، أو مَعَ الجَمَاعَةِ. انتَهَى كَلَامُ
ابنِ عَبدِ البَرِّ(٣).
ويُخَالِفُ هذا التَّأْوِيلَ الذِي ذَكَّرته في كَلَامِ البخاريِّ: أنَّهُ إنما (٤) أورَدَ هذا
الحديثَ في صَلَاةِ الليلِ، وذلك مُنَافٍ لِحَملِهِ على صَلَاةِ العِشَاءِ، واللهُ أعلمُ.
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي: اختَلَفَ النَّاسُ في
صَلَاةِ الليلِ، ومَالَ البخاريُّ: إِلَى وُجُوبِهَا، وتَعَلَّقَ بِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
(يَعقِد الشَّيْطَانِ على قَافيةِ رَأْسِ أحدكُم))، الحديثَ.
قال ابنُ العَرَبي: وهَذِهِ العُقدَةُ(٥) تَنحَلُّ بِصَلَاةٍ (٦) الصُّبحَ، ويَكُونُ في
ذِمَّةِ الله، كَمَا قال رسولُ اللهِ نَّهِ، وقَد بَيَّنَت عَائِشَةَ رِّ الأمرَ غَايَةَ البَيَانِ، فقالت
في ((صَحِيحٍ مسلم))، إنَّ قِيَامَ الليلَ مَنسُوحٌ، قالت عَائِشَةُ فيهِ: ((إنَّ الله افتَرَضَ قِيَامَ
الليلِ في أولِ (٧) هَذِهِ السُّورَةِ، تَعنِي(٨): ((المُزَّمِّلَ))، فَقَامَ نَبي(٩) الله وَلِّ حَولًا ،
وأمسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا في السَّمَاءِ اثنَي عَشَرَ شَهرًا، حَتَّى أنزَلَ اللهُ تعالى في آخِرٍ
السُّورَةِ الثَّخفيفَ، فَصَارَ قِيَامُ الليلِ تَطَوُّعًا بَعدَ الفَرِيضَةِ)). انتَهَى.
وهُنَا أُمُورٌ:
أحَدُهَا: مَا ادَّعَاهُ ابنُ العَرَبي على البخاريِّ، من مِيلِهِ إلَى الوُجُوبِ، وتَعَلُّقِهِ
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(٣) الاستذكار (٧٠/٢).
(٥)
في (م): ((العقد)».
(٧)
لیس في: (ح).
(٩) في (ح): ((رسول)).
(٢) المصنف (٣٣٥/٢).
(٤) ليس في: (م).
(٦) في (م): ((بصلاته)).
(٨) في (ح): ((يعني)).