النص المفهرس
صفحات 21-40
بابُ صَلاةِ التَّطَّوُّعِ ٢١ 42 = وصَرَّحَ بِهِ مِن أصحَابِنَا؛ الخُوارَزمِيُّ في ((الكافي))، فقال: الأفضَلُ أن يُصَلِيَ بعدَها سِتَّا؛ رَكعَتَينٍ، ثم أربَعًا، بِسَلامِ واحِدٍ . وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(١): قال أحمَدُ: إن شَاءَ صَلى بعدَ الجمُعَةِ رَكَعَتَيْنٍ، وإن شَاءَ أربَعًا، وفي رِوايَةٍ: وإن شَاءَ سِتًّا. وقال [التِّرِمِذِيُّ في ((جَامِعِهِ))، بعدَ رِوايَتِهِ (٢) حَدِيثَ ابنِ عمرَ: ((كان يُصَلي بعدَ الجُمُعَةِ رَكَعَتَينٍ)). والعَمَلُ على هذا عِندَ بَعضِ أهل العِلمِ، وبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وأحمَدُ(٣)، ثم قال، بعدَ رِوايَةٍ حَدِيثِ أبي هريرةَ(٤) ((مَن كان مِنكُم مُصَليًا بعدَ الجمُعَةِ: فَليُصَل أربعًا)): والعَمَلُ على هذا عِندَ بَعضِ أهل العِلمِ. ورُوِيَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ: أنَّه كان يُصَلي قبلَ الجُمُعَةِ أربَعًا، وبعدَها أربَعًا. ورُوِيَ عن عَليٍّ بنِ أبي طالبٍ: أنَّه أُمِرَ أن يُصَلي بعدَ الجُمُعَةِ رَكعَتَينٍ، ثم أربعًا . وذَهَبَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ، وابنُ المباركِ؛ إلى قَول ابنِ مَسعُودٍ. وقال إسحاقُ: إن صَلى في المسجِدِ يَومَ الجُمُعَةِ: صَلى أربَعًا، وإن صَلى في بَيْتِهِ: صَلَى رَكَعَتَينٍ، واحتَجَّ: ((بأنَّ النَّبِيِ ◌ّهِ كان يُصَلي بعدَ الجمُعَةِ ركعتين(٥) في بَيْتِهِ))، وبِحَدِيثِ النبيِّي ◌َّهِ: ((مَن كان مِنكُم مُصَليًا بعدَ الجُمُعَةِ: فَلِيُصَل أربعًا)). قال](٦) التِّرمِذِيُّ: وابنُ عمرَ هُو الذي رَوى عن النبيِّ وَّهِ: ((أنَّه كان يُصَلي بعدَ الجمُعَةِ رَكَعَتَينٍ في بَيتِهِ)). وابنُ عمرَ بعدَ النبيِّ وَّه صَلى في المسجِدِ بعدَ الجُمُعَةِ: رَكَعَتَينٍ، وصَلى بعدَ الرَّكعَتَينِ: أَرْبَعًا (٧)، ثم رَواهُ كَذلك. ورَوى أبو داودَ في ((سُنَتِهِ))، عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان إذا كان بِمَكَّةَ، فَصَلى الجُمُعَةَ: تَقَدَّمَ فَصَلَى رَكعَتَينٍ، ثم تَقَدَّمَ (٣٩/٣م) فَصَلى أربعًا، وإذا كان بالمدِينَةِ : (١) المغني (٢٤٨/٣، ٢٤٩). (٢) في (م): (رواية)). (٣) جامع الترمذي (٣٩٩/٢). (٤) الترمذي (٥٢٣). (٥) ليس في: ((م))، لكنه قال في الحاشية: ((في نسخةٍ: بعد الجمعة ركعتين)). (٦) ليس في: (ح). (٧) الترمذي (٥٢٣). = ٢٢ S طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ صَلى الجمُعَةَ، ثم رَجَعَ إلى بَيْتِهِ، فَصَلَى رَكَعَتَينٍ، ولم يُصَل في المسجِدِ، فقيلَ له؟ فقال: كان رسولُ اللهِ وَالِهِ يَفْعَلُ ذلك(١). قال والدِي تَخْثُ في ((شرحِ التِّرمِذِيِّ)): والظّاهِرُ: أنَّ المرُفُوعَ منه آخِرُ الحديثِ فقط، وهو [١٧٩/١ظ] ما كان يَفعَلُهُ بالمدِينَةِ، دُونَ ما كان يَفعَلُهُ بِمَكَّةَ، فإن النَّبِيِ نَّهِ لم يَصِحَّ: أنَّه صَلى الجمُعَةَ بِمَكَّةَ، وكان ابنُ عمرَ في زَمَنِهِ بِمَكَّةَ قبلَ الهِجرَةِ صَغِيرًا(٢). فإن أُرِيدَ رَفعَ فِعلِهِ بِمَكَّةَ أيضًا: وهُو بَعِيدٌ، فَيُحتَمَلُ: أَنَّه رَآهُ يُصَلِي بِمَكَّةَ بعدَ الظّهرِ في المسجِدِ، أو(٣) أنَّه صَلى الجمُعَةَ بِمَكَّةَ بعدَ الفَتحِ، ولم يُنقَل ذلك. ثم قال والدِي ◌َُّهُ بعدَ ذلك: قَد يُسألُ عن الحِكمَةِ، في كَونِ ابنِ عمرَ كان يُصَليها بِمَكَّةَ في المسجِدِ، وفي المدِينَةِ بِمَنزِلِهِ؟ وقَد يُجَابُ: بأنه لَعَله كان يُرِيدُ التَّأْخُرَ في مَسجِدِ مَكَّةَ، للطّوافِ بِالبَيتِ، فَيَكرَهُ أن يَفُوتَهُ بِمُضِيِّهِ إِلى مَنزِلِهِ لِصَلاةِ سُنَّةِ الجمُعَةِ زَمَنٌ(٤) مِما يَغْتَنِمُهُ في الطّوافِ، أو أنَّه يَشُقُّ (٥) عليه الذَّهابُ إلى مَنزِلهِ، ثم الرُّجُوعُ إلى المسجِدِ للطّافِ، أو أنَّه كان يَرَى النَّوافِلَ تُضَاعَفُ بِمَسجِدٍ مَكَّةَ، دُونَ بَقِيَّةِ مَكَّةَ، فَكان(٦) يَتَنَفَّلُ في [المسجِدِ لذلك، أو كان له أمرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ في المسجِدِ من الاجتماعِ بِأحَدٍ، أو غَيرٍ (٧) ذلك مِما يَقتَضِي أولَوِيَّةَ(٨) صَلاتِهِ في المسجِدِ](٩). انتَهَى. وهُو مَبنِيٌّ على ما ذَكَرَهُ أولًا، مِن أنَّ المرفُوعَ آخِرُ الحديثِ فقط، لَكِن ظَاهِرُ اللفظِ: أنَّ تَفْرِيقَ ابنِ عمرَ بَيْنَ البَلَدَينِ في ذلك: فَعَله لمُجَرَّدِ الاتِّبَاعِ، واللهُ أعلمُ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: قال أبو حَنِيفَةَ: يُصَلي بعدَ الجمُعَةِ أربَعًا، (١) أبو داود (١١٣٠). ليس في: (ح). (٣) في (ح): ((شق)). (٥) ليس في: (ح). (٧) (٩) ليس في: (ت). (٢) ليس في: (ح). (٤) لیس في: (ح). (٦) في (ح): ((وكان)). (٨) في (ح): ((أو كونه)). بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ ٢٣ = وقال في مَوضِعِ آخَرَ: سِتًّا، وقال الثَّورِيُّ: إن صَلَّيت أربَعًا أو سِتَّا فَحَسَنٌّ. وقال الحَسَنُ بنُ حَيٍّ: يُصَلي أربَعًا، وقال أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: أحَبُّ إِلَيَّ أن يُصَلَيَ بعدَ الجمُعَةِ سِتًّا، وإن صَلى أربَعًا فَحَسَنٌ، لا بأسَ بِهِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وكُلُّ هذه الأقَاوِيل مَروِيَّةٌ عن الصَّحَابَةِ، قَولًا وعَمَلًا، ولا خِلافَ بَينَ العُلَماءِ: أنَّ ذلك على الاختِيَارِ(١). وقال(٢) ابنُ بَطَالٍ: قالت طَائِفَةٌ: يُصَلي بعدَها رَكَعَتَينٍ، رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، وعِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، والنَّخَعِيِّ. وقالت طَائِفَةٌ: يُصَلي بعدَها رَكَعَتَينٍ، ثم أربَعًا: رُوي عن عَليٍّ، وابنٍ(٣) عمرَ، وأبي مُوسَى. وهُو قَولُ عَطَاءٍ، والثَّورِيِّ، وأبي يُوسُفَ، إلا أنَّ أبا يُوسُفَ: استَحَبَّ أن يُقَدِّمَ الأربَعَ قبلَ الرَّكعَتَينِ. وقالت طَائِفَةٌ: يُصَلي أربَعًا، لا يَفصِلُ بَينَهُنَّ بِسَلام: رُوي ذلك عن ابنِ مَسعُودٍ، وعَلقَمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وهُو قَولُ أبي حَنِيفَةَ، وإسحَاقَ(٤). انتَهَى. وفي مُصَنَّفِ ابنِ (٣/ ٤٠م) أبي شَيبَةَ، وغيرِه(٥)، عن أبي عَبدِ الرَّحمَنِ، وهُو السُّلَمِيُّ، قال: ((قَدِمَ عَلَينَا ابنُ مَسعُودٍ، فَكان يَأْمُرُنَا أن(٦) نُصَليَ بعدَ الجمُعَةِ أربعًا، فَلَما قَدِمَ عَلَيْنَا عَلَيٍّ: أمَرَنَا أن نُصَلَيَ سِتًّا، فأخَذْنَا بِقَول عَلَيٍّ، وتَرَكِنَا قَولَ عَبدِ الله، قال: كان يُصَلِي رَكَعَتَينِ ثم أربَعًا))(٧) . وذَكَرَ ابنُ العَرَبي (٨): أنَّ أمرَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالأربَعِ؛ لتَلا يُتَوهَّمَ مِنِ الرَّكعَتَينِ: أنَّها تَكمِلَةُ الرَّكعَتَينِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ، فَتَكُونَ(٩) ◌ُظُهرًا . (١) الاستذكار (٣٢٦/٢). (٣) لیس في: (ح). (٥) لیس في: ((ح)). ابن أبي شيبة (١٣٢/٢) (٥٤١٠). (٧) (٩) في (م): ((فيكون)). (٢) في الأصل: ((قال)). (٤) شرح صحيح البخاري (٥٢٥/٢). (٦) لیس في: (ح)). (٨) عارضة الاحوذي (٣١١/٢، ٣١٢). ٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وسَبَقَهُ إلى ذلك: المازَرِيُّ(١)، فقال: وكُلُّ هذا(٢) إشَارَةٌ إلى تَركِ الاقتِصَارِ على رَكَعَتَينٍ؛ لثَلا تَلتَبِسَ الجمُعَةُ بالظُّهرِ، التي هي أربَعٌ، على الجَاهِل، أو لثَلا يَتَطَرَّقَ أهلُ البِدَعِ إلى صَلاتِها ظُهرًا أربَعًا . وقال النَّووِيُّ في ((شرحِ مسلم)): نَبَّهَ بِقَولِهِ: ((مَن كان مِنكُم (٣) مُصَليًا)): على أنَّها سُنَّةٌ، لَيسَت واجِبَةً، وذَكَرَ الأَرْبَعَ لفَضلها، وفَعَلَ (٤) الرَّكَتَينِ(٥) في أوقَاتٍ، بَيَانًا لأنَّ أَقَلَّهَا رَكعَتَانِ. قال: ومَعُلُومٌ أَنَّه وَله: كان يُصَلي في أكثَرِ الأوقَاتِ أربعًا؛ لأنَّه أمَرَنَا بِهِنَّ، وحَثَّنَا عليهنَّ بِقَولِهِ: ((إذا (٦) صَلى أحَدُكُم الجمُعَةَ: فَلَيُصَل بعدَها أربَعًا)). وهُو أرغَبُ في الخَيرِ، وأحرَصُ عليه، وأولى بِهِ(٧). انتَهَى. وقال والدِي تَظْتُهُ في ((شرح التِّرمِذِيِّ)). وما ادَّعاهُ مِن أنَّه مَعلُومُ أنَّه كان يُصَلي في أكثَرِ الأوقَاتِ أربَعًا: فيه نَظَرٌ، فَلَيسَ ذلك بِمَعلُوم، ولا مَظِنُونٍ؛ لأنَّ الذي صَحَّ عنهُ صَلاةُ رَكعَتَينٍ فِي بَيْتِهِ، ولا يَلزَمُ مِن كَونِهِ أَمَرَ بِهِ: أنَّه يَفْعَلُهُ، وكَلامُ ابنِ عمرَ المُتَقَدِّمُ: إنَّما أرَادَ بِهِ رَفعَ فِعلِهِ بالمدِينَةِ حَسبُ، كَما تَقَدَّمَ؛ لأنَّه لم يَصِحّ أنَّه صَلى الجمُعَةَ بِمَكَّةَ، وعلى تَقدِيرٍ وُقُوعِهِ بِمَكَّةَ منه: فَلَيسَ ذلك في أكثَرِ الأوقَاتِ، بَل نَادِرٌ. ورُبَّما كانت الخَصَائِصُ في حَقِّهِ، بالتَّخفيفِ في بَعضِ الأوقَاتِ، فإنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((كان إذا خَطَبَ احمَرَّت عَينَاهُ، وعَلا صَوتُهُ، واشتَدَّ غَضَبُهُ، كأنَّه مُنذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُم، مَسَّاكُمْ)). الحديثَ عِندَ مسلمٍ(٨). فَرُبَّمَا لَحِقَهُ تَعَبٌّ مِن ذلك: فاقتَصَرَ على الرَّكعَتَينِ فِي بَيتِهِ، وكان يُطِيلُهُما كَما تَبَتَ في رِوايَةِ النَّسَائِيّ (٩): ((وأفضَلُ الصَّلاةِ(١٠) طُولُ القُنُوتِ)). [١/ ١٨٠و]؛ (١) المعلم (٢٤٤/١). (٣) ليست في: (ت، ح). (٥) في الأصل، (م): ((للركعتين)). (٧) شرح مسلم (١٦٩/٦، ١٧٠). النسائي (٢٥٢٥). (٩) (٢) في (ح): ((هذه)). (٤) في ((م)): ((وفعله)). (٦) في (م): ((إذ)). (٨) مسلم (٨٦٧/ ٤٣). (١٠) ليس في: (ح). بابٌ صَلاةِ التَّطَوُّعِ ٢٥ 2 = أي: القِيَام، فَلَعَلَّها: كانت أطولَ مِن أربَعِ خِفافٍ، أو مُتَوسِّطَاتٍ، وكَما تَرَكَ قِيَامَ الليل لَيلَةَ المُزدَلفَةِ في حَجَّةِ الودَاعِ، ونَامَ حَتَّى أصبَحَ: لما تَقَدَّمَ له من الأعمال بِعَرَفَةَ: مِن وُقُوفِهِ من الزَّوال إلى بعدَ الغُرُوبِ، واجتِهادِهِ في الدُّعاءِ، وسَيرِهِ بعدَ الغُرُوبِ إلى المُزدَافَةِ، فاقتَصَرَ فيها على صَلاةِ المغرِبِ والعِشَاءِ قَصرًا، ورَقَدَ بَقِيَّةً لَيلِهِ، مَعَ كَونِهِ كان يَقُومُ في الليل، حَتَّى تَورَّمَت قَدَماهُ، ولَكِنَّهُ أَرَاحَ نَفسَهُ لما تَقَدَّمَ في عَرَفَةَ، ولما هُو بِصَدَدِهِ يَومَ النَّحرِ، مِن (٤١/٣م) كَونِهِ نَحَرَ بيدِهِ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً، وذَهَبَ إلى مَكَّةَ، لطَوافِ الإفاضَةِ، وَرَجَعَ إلى مِنَّى، والله أعلم. انتهى. السَّابِعَةُ: قَد يُستَدَلُّ بِهِ على: أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يَكُن يُصَلي قبلَ صَلاةِ الجمُعَةِ شَيئًا، إذ لَو وقَعَ ذلك منه(١): لَضُبِطَ كَما ضُبِطَت صَلاتُهُ بعدَها، وكَما ضُبِطَت صَلاتُهُ قبلَ الظُّهرِ . ولَعَلَّ البُخَارِيَّ أَشَارَ إلى ذلك، بِقَولهِ في ((صحيحِهِ)): ((بابُ الصَّلاةِ بعدَ الجمُعَةِ وقبلَها))(٢)؛ أي: بابُ حُكم ذلك، وهُو الفِعلُ بعدَها، لوُرُودِهِ، والتَّركُ قبلَها لعَدَمٍ وُرُودِهِ، فَيَكُونُ بِدعَةً، فإنه لم يَذكُر في البابِ المذكُورِ: ما يَدُلُّ على الصَّلاةِ قبلَها . ويُحتَمَلُ: أَنَّه أَشَارَ إلى فِعل الصَّلاةِ قبلَها، بالقِيَاسِ على سُنَّةِ الظُهرِ التي قبلَها، المذكُورَةِ في حَدِيثِ ابنِ عمرَ الذي أورَدَهُ. وهذانِ الاحتِمالانِ: يَجِيئَانِ(٣) أيضًا في قَول التِّرمِذِيِّ في ((جَامِعِهِ)): ((بابُ ما جَاءَ في الصَّلاةِ قبلَ الجُمُعَةِ وبعدَها))(٤). واقتَصَرَ(٥) والدِي تَخْتُهُ في ((شرحِ التِّرمِذِيِّ)): على احتِمالٍ ثَالثٍ. وهُو: أنَّه إنَّما ذَكَرَ الصَّلاةَ قبلَ الجمُعَةِ في تَبِيِهِ، لما حَكَاهُ في أثنَاءِ البابِ المذكُورِ عن ابنِ مَسعُودٍ: ((أنَّه كان يُصَلي قبلَ الجمُعَةِ أربَعًا وبعدَها أربَعًا))، وقَد (١) ليس في: (ح). (٣) في (ح): ((بحثان)). (٥) في (ح): ((قال)). وفي (م): ((واختصر)). (٢) البخاري (٩٣٧). (٤) الترمذي قبل حديث (٥٢١). = ٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ أنكَرَ جَماعَةٌ: كَونَ الجمُعَةِ لَها سُنَّةٌ قبلَها، وبالَغُوا في إنكَارِهِ، وجَعَلُوهُ بِدعَةً، وذلك: لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يَكُن يُؤَذَّنُ للجُمُعَةِ: إلا بَينَ يَدَيهِ، وهُو على المِنْبَرِ، فَلم يَكُن يُصَليها . وكَذلك الصَّحَابَةُ ﴿ُه؛ لأنَّه إذا خَرَجَ الإمامُ انقَطَعَتِ الصَّلاةُ. ومِمَّن أنكَرَ ذلك مِن مُتَأخّرِي(١) أصحَابِنَا، و(٢) جَعَله من البِدَعِ والحَوادِثِ: الإمامُ شِهابُ الدينِ أبو شَامَةً(٣) . ولم أرَ في كَلامِ الفُقَهاءِ، من الحَنَفيةِ، والمالكِيَّةِ، والحَنَابِلَةِ: استحبابَ سُنَّةِ للجُمُعَةِ قبلَها . وذَهَبَ آخَرُونَ: إلى أنَّ لَها سُنَّةً قبلَها، منهمُ النَّوِيُّ، فقال في ((المنهاج)(٤): إنَّه يُسَنّ قبلَها ما قبلَ الظُّهرِ. ومُقْتَضَاهُ: إنَّه يُستَحَبُّ قبلَها أربَعٌ، والمُؤَكَّدُ مِن ذلك رَكَعَتَانِ. ونَقَلَ في ((الرَّوضَةِ))(٥)، عن ابنِ القَاصِّ، وآخَرِينَ: استحبابَ أربَعِ قبلَها. ثم قال: ويَحصُلُ(٦) أيضًا بِرَكَعَتَيْنِ. قال: والعُمدَةُ فيه القِيَاسُ على الظُّهرِ . ويُستَأَنَسُ: بِحَدِيثِ سُنَنٍ (٧) ابنِ ماجَه: ((أَنَّ النَّبِيِ كان يُصَلي قبلَها أربَعًا))، وإسنادُه ضَعِيفٌ جِدًّا. قُلت: رَواهُ ابنُ ماجَه (٨) مِن رِوايَةِ بَقِيَّةَ بنِ الوليدِ، عن مُبَشِّرِ بنِ عُبَيْدٍ، عن حَجَّاجٍ بنِ أرطَاةَ، عن عَطِيَّةَ العَوفي، عن ابنِ عباسٍ. قال النَّوِيُّ في ((الخُلاصَةِ))(٩): وهُو حَدِيثٌ باطِلٌ، اجتَمَعَ هَؤُلاءِ الأَربَعَةُ، وهُم ضُعَفاءُ، ومُبَشِّرُ: وضَّاعٌ، صَاحِبُ أباطِيلَ. (١) ليس في: (ح). في الباعث على إنكار البدع (ص٩٦). (٣) (٥) روضة الطالبين (٣٣٣/١). (٧) ليس في: (ح). (٩) الخلاصة (٨١٣/٢). (٢) في الأصل: ((أو)). (٤) المنهاج (ص١٦). (٦) في (ح): ((وتحصل)). (٨) ابن ماجه (١١٢٩). بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ ٢٧ = قال والدِي تَخُّْ في ((شرحِ التِّرمِذِيِّ)) (٤٢/٢م): بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ: مُوثَّقٌ، و(١)لَكِنَّهُ مُدَلسٌ. وحَجَّاجٌ: صَدُوقٌ، (٢ رَوى له٢) مسلمٌ مَقرُونًا بِغيرِهِ. وعَطِيَّةُ: مَشَاهُ يَحيَى بنُ مَعِينٍ، فقال فيه: صَالحُ، ولَكِن ضَعَّفَهُما الجمهُورُ. انتَهَى. والمتنُ المذكُورُ: رَواهُ أبو الحَسَنِ الخِلَعِيِّ(٣) في ((فَوائِدِهِ)، باسنادٍ جَيِّدٍ، مِن طَرِيقِ أبي إسحَاقَ، عن عاصِمٍ بِنِ ضَمْرَةَ، عن عَلَيٍّ ◌َظُه، عن النبيِّ ◌ََِّ(٤). واستَدَّلُّوا لذلك أيضًا: بِما رَواهُ ابنُ ماجَه في ((سُنَّنِه). بإسنادٍ صَحِيحٍ، عن أبي هريرةَ ◌َ ◌َبه، قال(٥): جَاءَ سُلَيْكُ الغَطَفانيُّ، ورسولُ اللهِ وَلَهِ يَخْطُبُ، فَقال له رسولُ اللهِ وَّهِ: أصلَيتَ قبلَ أن تَجِيءَ؟ قال: لا. قال: فَصَل رَكَعَتَينٍ، وَتَجَوَّزْ فيهما))(٦). قال المجدُ ابنُ تَيمِيَّةَ في ((الأحكام)). رِجَالُ إسنَادِهِ ثِقَاتٌ. ورَواهُ [١/ ١٨٠ظ] ابنُ ماجَه أيضًا، مِن حَدِيثٍ جَابِرٍ(٧). قال والدِي تَخُّْ في ((شرحِ التّرمِذِيِّ): وإسنادُه صَحِيحٌ، قَالُوا: فقولُهُ: ((قبلَ أن تَجِيءَ(٨): يَدُلُّ على أنَّ الصَّلاةَ المأمورَ بِها: لَيسَت تَحِيَّةَ المسجِدِ؛ لأنَّ فِعلَها في البَيتِ لا يَقُومُ مَقَامَ فِعلها في المسجِدِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهَا سُنَّةُ الجمُعَةِ. وفيه نَظَرٌ، فَلَم يَتَعَيَّن ذلك، فَلا يَجُوزُ إثباتُ سُنَّةِ الجمُعَةِ، لمُجَرَّدِ هذا، (١) ليس في: (ح). (٢ - ٢) في (ح): ((رواه)). (٣) بكسر الخاء المعجمة، وفتح اللام، وقيل: بسكونها، ثم عين مهملة مكسورة، أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين الشافعي، مسند الديار المصرية، كان يبيع الخِلَع للملوك، وهو صاحب الفوائد العشرين: ((الخلعيات)). وراوي السيرة النبوية، مولده بمصر، ووفاته بها: سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. السير (٧٤/١٩)، وفيات الأعيان (٣١٧/٣)، طبقات ابن السبكي (٢٥٣/٥). (٤) أخرجه الترمذي في الشمائل (٢٩٧)، والطبراني في الأوسط (١٦١٧)، وابن الأعرابي في معجمه (٨٧٤)، من طريق أبي إسحاق، وهي رواية منكرة. (٥) لیس في: (ح). (٧) ابن ماجه (١١١٤). (٦) ابن ماجه (١١١٤). (٨) في (م): ((يجئ)). = ٢٨ S طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ إِذا يَحْتَمِلُ أنَّ مَعنَاهُ: قبلَ أن تَقرُبَ (١) مِنِّي لسَماع الخُطبَةِ، ولَيسَ المُرَادُ: قبلَ أن تَجِيءَ(٢) إلى المسجِدِ؛ لأنَّ صَلاتَهُ قبلَ مَجِيءٍ المسجِدِ: غَيرُ مَشرُوعَةٍ، فَكَيفَ يَسألُهُ عنها؟ إذِ المأمورُ بِهِ بعدَ دُخُول وقتِ الجُمُعَةِ: السَّعيُ إلى مَكَانِ الصلاةِ(٣)، وقبلَهُ لا يَصِحُّ فِعلُها، بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِها . واستَدَلُّوا لذلك أيضًا: بِما رَواهُ أبو داودَ، وابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ)). عن نَافِعٍ، قال: ((كان ابنُ عمرَ يُطِيلُ الصَّلاةَ قبلَ الجمُعَةِ، ويُصَلي بعدَها رَكعَتَينٍ في بَيْتِهِ، ويُحَدِّثُ أنَّ النَّبِي ◌َِّ كان يَفْعَلُ ذلك))(٤). [قال والدِي ◌َظْلُهُ: وفي الاستِدلال بِهِ نَظَرٌ، مِن وجهَينِ : أحَدُهُما: أنَّه لا يَلزَمُ مِن إِطَالَتِهِ الصَّلاةَ قبلَ الجمُعَةِ: أن يَكُونَ ذلك سُنَّةً للجُمُعَةِ، بَل قَد يَكُونُ قبلَ الزَّوال في انِتِظَارِهِ للصَّلاةِ. والوجهُ الثَّانِي: أنَّ الظَّاهِرَ: أنَّ المُرَادَ بالمرُفُوعِ منه: ((صَلاةُ رَكعَتَينِ بعدَها فِي بَيْتِهِ)). على وفقِ حَدِيثِهِ المُتَّفق عليه، في الصَّحِيحَينِ(٥). فأما إطَالَةُ الصَّلاةِ قبلَها: فَلم يُنقَل عنهُ فِعلُهُ؛ لأنَّه كان يَخرُجُ إِلى صَلاةِ الجمُعَةِ، فَيُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيهِ، ثم يَخطُبُ. انتَهَى. واستَدَّلُّوا أيضًا: بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَينِ، عن عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ، عن النبيِّ وَّهِ: (بَينَ كُلِ أذانَينٍ صَلاةٌ))(٦)](٧). قال والدِي تَخْلُ: ولقَائِلِ أن يَعتَرِضَ على الاستدلال بِهِ: بأنَّ ذلك كان مُتَعَذِّرًا فِي حَيَاتِهِ وَِّ؛ لأنَّه (٣/ ٤٣م) كان بَينَ الأذانِ والإِقَامَةِ الخُطبَةُ: فَلا صَلاةَ حِينَئِذٍ بَينَهُما؟ (١) في (م): ((تقترب)). (٢) في (م): ((يجئ)). في الأصل، (م): ((الجمعة)). وقال في حاشية (م): ((وفي نسخة: الصلاة)). (٣) (٤) أبو داود (١١٢٨)، وابن حبان (٢٤٧٦). البخاري (١١٦٩)، ومسلم (١٠٤/٧٢٩). (٥) (٦) البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٣٠٤/٨٣٨). (٧) ليس في: (ح). = ٢٩ بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ نَعَم، بعدَ أن جَدَّدَ عُثمانَ: الأذانَ على الزَّورَاءِ (١): يُمكِنُ أن تُصَلى(٢) سُنَّةَ الجُمُعَةِ، قبلَ خُرُوجِ الإمامِ للخُطبَةِ، واللهُ أعلمُ. واستَدَلُّوا أيضًا: بِما رَواهُ ابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ)). والدَّارَقُطِنِيّ في ((سُنَتِهِ). وغَيرُهُما، عن عَبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما مِن صَلاةٍ مَفِرُوضَةٍ، إلا وبَينَ يَدَيها رَكَعَتان(٣))(٤). وهذا يَتَنَاولُ الجمُعَةَ وغَيرَها، لَكِن يَضعُفُ الاستِدلالُ بِهِ مِن جِهَةِ: أنَّه عُمُومٌ، يَقبلَ التَّخصِيصَ. فقد تَقَدَّمَ(٥): عليه ما هُو الظَّاهِرُ مِن حَال النبيِّ وَّهِ والصَّحَابَةِ: أنَّهم لم يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذلك. قال والدِي تَُّهُ: واستَدَلَّ بَعضُهُم على سُنَّةِ الجمُعَةِ قبلَها: بِحَدِيثٍ عَبدِ الله بنِ السَّائِبِ، وأبي أيُّوبَ الأنصَارِيِّ، وثَوبانَ: ((فِي صَلاةِ أربَعِ رَكَعاتٍ بعدَ الزَّوال)). وقَولِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّها سَاعَةٌ تُفتَحُ(٦) فيها أبوابُ السَّماءِ))(٧). ولقَائِلٍ أن (٨) يَقُولَ: هذه سُنَّةُ الزَّوال، فَفي حَدِيثِ عَليٍّ: ((أنَّه كان يُصَلي بعدَها أربَعًا قبلَ الظّهرِ))(٩)؟ وقَد يُجَابُ عنهُ: بأنه حَصَلَ في الجملَةِ اسْتِحبابُ أربَعِ بعدَ الزَّوال كُلَّ يَومٍ، سَواءٌ فيه يَومُ الجُمُعَةِ وغَيرُهُ، وهُو المقصُودُ. انتَهَى. وهذه الأُمُورُ التي استُدِلَّ بِها على سُنَّةِ الجمُعَةِ قبلَها: إن كان في كُلِّ مِنها على انفِرَادِهِ نَظَرٌ، فَمَجُمُوعُها قَوِيٌّ يَضعُفُ مَعَهُ إِنكَارُها . وأقوى ما يُعارِضُ ذلك (١٠): أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يَكُنْ يُؤَذَّنُ فِي زَمَنِهِ (١) بفتح الزاي، وسكون الواو، بعدها راءٌ: موضع بالسوق بالمدينة، قرب المسجد النبوي. وذكر الداودي: أنه مرتفع كالمنار. مشارق الأنوار (٣١٥/١). (٢) في (م): ((يصلي)). (٣) في (م): ((ركعتين)). (٤) ابن حبان (٢٤٥٥)، والدار قطني (١/ ٢٦٧). (٥) في (ح): ((يقدم)) . (٦) في (م): ((يفتح). أحمد (٤١١/٣)، (٤١٨/٥)، والترمذي (٤٧٨)، وابن ماجه (١١٥٧). (٧) لیس في: (ح). (٨) (٩) أخرجه الترمذي في الشمائل (٢٩٧)، والطبراني في الأوسط (١٦١٧). (١٠) ليس في: (ح). = ٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ يَومَ الجمُعَةِ غَيرُ أذانٍ واحِدٍ في أول الوقتِ وهُو على المِنبَرِ، وذلك الأذانُ: تَعقُّبُهُ(١) الخُطبَةُ، ثم الصَّلاةُ، فَلا يُمكِنُ (٢ مَعَ ذلك(٢): أن يَفْعَلَها النَّبِي وَلِّ، ولا أحَدٌ مِن أصحَابِهِ. وبالجملَةِ فالمسألَةُ مُشكِلَةٌ، وبَوبَ ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ))(٣)، على الصَّلاةِ قبلَ الجمُعَةِ، وأورَدَ فيه عن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ: أنَّه كان يُصَلي قبلَ الجمُعَةِ أربَعًا . وعن ابنِ عمرَ: أنَّه كان يُهَجِّرُ يَومَ الجُمُعَةِ، فَيُطِيلُ الصَّلاةَ، قبلَ أن يَخرُجَ الإمامُ. وعن عمرَ بنِ [١/ ١٨١ و] عَبدِ العَزِيزِ: صَل(٤) قبلَ الجمُعَةِ عَشرَ رَكَعاتٍ. وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: كَانُوا يُصَلُّونَ قبلَها أربَعًا . وعن أبي(٥) مِجَزٍ: أنَّه كان يُصَلِي فِي بَيْتِهِ رَكعَتَيْنِ يَومَ الجُمُعَةِ. وعن طَاوُسِ: أنَّه كان لا يَأتِي المسجِدَ يَوَ الجمُعَةِ، حَتَّى يُصَلَيَ في بَيتِهِ رَكَتَينِ. ولَيسَ في شَيءٍ مِنها دَليلٌ على سُنَّةِ الجمُعَةِ، فَلَعَلَّ ذلك قبلَ الزَّوال، واللهُ أعلمُ. وقال ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)) (٦): لا أعلم في الصَّلاةِ قبلَ الجمُعَةِ، إلا (٤٤/٣م) حَدِيثَ ابنِ ماجَه: ((كان يَركَعُ قبلَ الجمُعَةِ أربَعًا))، ورَوى عمرُو بنُ سَعِيدٍ بنِ العاصِي، عن أبيهِ، قال: ((كُنت ألقَى (٧) أصحَابَ رسول الله وَّر، فإذا زَالَتِ الشَّمسُ: قَامُوا، فَصَلَّوا أربَعًا))، قال أبو بَكرٍ: ((كُنَّا نَكُونُ مَعَ حَبیبٍ (١) في (م): ((يعقبه)). (٢ - ٢) ليس في: (ح). (٣) ابن أبي شيبة (١٣١/٢) (٥٤٠٢ - ٥٤٠٧). (٤) في الأصل، (م): ((صلى)). وقال في حاشية (م): ((في نسخةٍ: صلِّ)). (٥) في الأصل: ((ابن)). وهو تصحيف. (٧) في النسخ ((أتقى)). (٦) المغني (٢٥٠/٣). = ٣١ بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ ابنِ أبِي ثَابِتٍ، في الجمُعَةِ، فَيَقُولُ: أَزَالَتِ الشَّمسُ بَعدُ؟ أو يَلتَفِتُ، فَيَنْظُرُ: فإذا زَالَتِ الشَّمسُ صَلى الأربَعَ، التي قبلَ الجمُعَةِ». وعن ابنِ مَسعُودٍ: ((أنَّه كان يُصَلي قبلَ الجُمُعَةِ أربَعًا، وبعدَها أربَعًا)). رَواهُ سَعِيدُ بنُ مَنصُورٍ. انتَهَى. وخَلَطَ القَاضِي أبو بَكرِ بنُ العَرَبي(١): سُنَّةَ الجمُعَةِ بالصَّلاةِ وقتَ الاستِواءِ، ووقَعَ له في ذلك أوهامٌ عَدِيدَةٌ، نَبَّهَ عَلَيها والدِي ◌َظُّهُ في ((شرحِ التِّرمِذِيِّ)). وبَسَطَّ الرَّدَّ علیه. وكَذلك وقَعَ هذا التَّخليطُ لابنٍ بَطَّالٍ في ((شرحِ البخاريِّ))(٢)، فقال في الكَلامِ على قَول البخاريِّ: بابُ الصَّلاةِ بعدَ الجمُعَةِ وقبلَها: وأما الصَّلاةُ قبلَ الجُمُعَةِ، فقد تَقَدَّمَ اختِلافُ العُلَماءِ في الصَّلاةِ عِندَ استِواءِ الشَّمسِ، فأغنَى عن إعادَتِهِ. انتَهَى. والصَّلاةُ عِندَ الاستِواءِ، التي هي مُختَلَفٌ في جَوازِها: قبلَ الزَّوال، وسُنَّةُ الجمُعَةِ، التي قبلَها: بعدَ الزَّوال: فَلا اجتِماعَ بَينَهُما، لاختِلافِ وقتِهِما، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: فيه أنَّ الأفضَلَ في سُنَّةِ الجمُعَةِ التي بعدَها: فِعلُها(٣) في البَيتِ؛ كَسَائِرِ الرَّواتِبِ، وبِهِ قال أصحَابُنَا والجمهُورُ. وذَهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ: إلى أنَّ الأفضَلَ للإمامِ: أَلَّا يَتَنَّفَّلَ بأثَرِها في المسجِدِ، ووسَّعَ في ذلك للمأمومِ(٤). ووجَّهَ ابنُ بَطَّالٍ فِعلَها(٥) في البَيتِ: بأنه لَما كانتِ الجمُعَةُ رَكعَتَينٍ: لم يُصَل بعدَها صَلاةً مِثْلَها، خَشِيَةَ أن يُظَنَّ أنَّها التي حُذِفَت مِنها، وأنَّها واجِبَةٌ، فَلَما زَالَ عن مَوطِنِ الفَرضِ: صَلى في بَيتِهِ. واستَشهَدَ على ذلك بِقَول مُعاوِيَةَ(٦): ((إذا صَلَّيتَ الجمُعَةَ: فَلا تَصِلها (١) عارضة الأحوذي (٣١٠/٢ - ٣١٤). (٢) شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٥٢٧). (٣) ليس في: الأصل. (٤) في الأصل: ((للإمام)). (٥) في الأصل، (م): ((فعلهما)). (٦) مسلم (٨٨٣/ ٧٣). = ٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بِصَلاةٍ، حَتَّى تَتَكَلم أو تَخرُجَ، فإن النَّبِي وَّهِ أَمَرَنَا: ألَّا تُوصَلَ (١) صَلاةٌ بِصَلاةٍ، حَتَّى نَتَكَلم أو نَخْرُجَ))(٢). قُلت: وهذا التَّوجِيهُ الذي ذَكَرَهُ ابنُ بَطَّالٍ: مَبنِيٌّ على ما سَبَقَت حِكَايَتُهُ عن مالكٍ: أنَّ الأفضَلَ فِعلُ رَاتِبَةِ النَّهارِ في المسجِدِ، والجمهُورُ على خِلافِهِ كَما تَقَدَّمَ، فَلا فَرِقَ في ذلك بَيْنَ الجمُّعَةِ وغَيرِها . والحديثُ المرفُوعُ الذي رَواهُ مُعاوِيَةُ: لم يُخَصَّ(٣) فيه ذلك بالجمُعَةِ، فَكُلُّ نَافِلَةٍ كَذلك في استِحبابِ فِعلها في البَيتِ، إلا ما استُثِنِيَ. وبِتَقدِيرِ فِعلها (٤) في المسجِدِ: فَيُستَحَبُّ الفَصلُ بَيْنَها وبَيْنَ الفَرضِ، ولَعَلَّ ذلك يَتَأَّدُ في الجُمُعَةِ: لمَلا يَحصُلَ التَّشَبُّهُ بأهل البِدَعِ، الذينَ يُصَلُّونَ يَومَ الجُمُعَةِ ورَاءَ الإمامِ تَقِيَّةً، يُوهِمُونَ أنَّهم (٤٥/٣م) يَفْعَلُونَ الجَمُعَةَ، وإنَّما يُصَلُّونَ الظُهرَ، ويَقُومُونَ إِلى رَكعَتَينِ بعدَها، ليُتِمُّوا ظُهرَهُم، فإذا سُئِلُوا عن ذلك: مَوهُوا بأنها سُنَّةُ الجمُعَةِ. وفي ((مُصَنَّفِ ابنِ أبِي شَيْبَةَ))(٥) أنَّ عِمرَانَ بنَ حُصَينٍ كان يُصَلي بعدَ(٦) الجُمُعَةِ رَكعَتَينٍ، فقيلَ له: يَا أبا نُجَيدٍ، ما يَقُولُ النَّاسُ؟ قال: وما يَقُولُونَ؟ قال يَقُولُونَ: إِنَّك تُصَلي رَكعَتَينٍ إلى الجمُعَةِ، فَتَكُونُ أربَعًا، [فقال: لأن تَخْتَلِفَ النَّيَازِكُ بَيْنَ أضلاعِي أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أفعَلَ ذلك. فَلَما كانت (٧) الجمُعَةُ المُقبلَةُ صَلى الجُمُعَةَ، ثم احتَبَى فَلم يُصَل شَيئًا، حَتَّى أُقِيمَت صَلاةُ العَصرِ . وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))(٨) أنَّ ابنَ عمرَ رَأى رَجُلًا يُصَلِي رَكعَتَيْنِ يَومَ الجُمُعَةِ [١٨١/١ ظ] في مَقَامِهِ، فَدَفَعَهُ، وقال: أتُصَلي الجمُعَةَ أربَعًا؟](٩). وفي ذلك رَدٍّ على مَن (١٠) يُبادِرُ من الحَنَفيةِ وغيرِهم، إلى فِعل التَّطَوُّعِ في (ح، م): ((نوصل)). (١) (٢) شرح صحيح البخاري (٥٢٦/٢). (٣) في (ح): ((یختص)). (٤) في الأصل: ((فعلهما)). ابن أبي شيبة (١٣٢/٢) (٥٤٠٩). (٥) (٦) في (ح): ((يوم)). (٧) بعده في الأصل: ((يوم)). (٨) أبو داود (١١٢٧). (٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (١٠) ليس في: (ح). بابُ صَلاةِ التَّطَوُعِ ٣٣ = مُتَّصِلًا بالفَرضِ، وقَد كَرِهَ ذلك حَافِظُ الحَنَفيِ الطَّحَاوِيُّ، واستَدَلَّ بِحَدِيثٍ مُعَاوِيَةً في الفَصلِ بَيْنَ الفَرضِ والنَّفَل، واللهُ أعلمُ. ■ التَّاسِعَةُ: قال المُهَلَّبُ بنُ أبي صُفرَةَ المالكِيُّ: هاتَانِ الرَّكعَتَانِ: هُما الرَّكعَتَانِ اللَانِ كان يُصَليهِما بعدَ الظّهرِ، فِي سَائِرِ الأيَّامِ. وكَرَّرَ ابنُ عمَرَ ذِكرَهُما مِن أجل: أنَّه وَِّ كان يُصَليهِما في بَيْتِهِ (١). قُلت: وهذا أيضًا مَبنِيٌّ على: أنَّ رَاتِبَةَ النَّهارِ تُفْعَلُ في المسجِدِ. والجمهُورُ على خِلافِهِ كَما تَقَدَّمَ. ولا تَكرَارَ في كَلام ابنِ عمرَ: لأنَّ الجمُعَةَ غَيرُ الظُّهرِ، اسمًا وحُكمًا وصُورَةً، لا سِيَّما مَعَ التَّفْرِيع على أنَّها صَلاةٌ على حِيَالها، فَلَوِ اقْتَصَرَ على ذِكرِ الرَّكعَتَينِ بعدَ الظُّهرِ: لم يُستَفَد حُكُمُ الرَّكعَتَينِ بعدَ الجمُعَةِ، إلا بِطَرِيقِ القِيَاسِ، كَما وقَعَ في الرَّكعَتَينِ قبلَ الجُمُعَةِ. ■ العاشِرَةُ: قَولُهُ: ((وأخبَرَتِنِي حَقصَةُ)). فيه رِوايَةُ أحَدِ الأَخَوينِ عن الآخَرِ، ورِوايَةُ بَعضِ الأَقْرَانِ عن بَعضٍ؛ لأنَّ عَبدَ الله وحَفْصَةَ: ابنَي عمرَ: صَحَابيانٍ، فاضِلانٍ، مَعرُوفان. وهُما فَنَّانِ(٢) مُستَحسَنَانِ. الحَادِيَةَ عَشرَ: قَولُهُ: ((إذا سَكَتَ المُؤَذِّنُ)). من الأذانِ، لَعَله: ضَمَّنَ سَكَتَ مَعنَى فَرَغَ، فإنه يُقَالُ: سَكَتَ عن كَذا، قال الله تَعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ ◌ُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، ولم أجِد في كَلامِهِم: سَكَتَ مِن كَذا(٣). وفي رِوايَةِ أبي داودَ: ((بالأذانِ))(٤)، و((الباءُ)) تَكُونُ بِمَعنَى ((عن)). كَما (١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٢٦/٢). (٣) أثبت ابن بطال ذلك، فقال (٢٥٤/٢): ((المشهور في ((سكت)) أن تكون معلقة ((بعن)) أو (٢) في (م): ((فتيان)). ((من))؛ كقولهم: سكت عن كذا، أو سكت من كذا)). انتهى. وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى، خلافًا لمن نفاه. وتدل عليه كتب اللغة، ينظر: الصحاح (٥٢٣/٢)، القاموس المحيط (١٣٩٤/١)، جمهرة اللغة (٢٧٠/١)، تاج الزبيدي (٢٦١/٣١). (٤) أبو داود (١٣٣٦)، ولفظه: ((إذا سكت المؤذن بالأولى)). = ٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ في قَوله تَعالى: ﴿فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]؛ أي: عنهُ. قال الخَطّابي: يُرِيدُ أنَّه لا يُصَلي، ما دَامَ يُؤَذَّنُ، فإذا فَرَغَ من الأذانِ وسَكَتَ: قَامَ(١) فَصَلَى رَكَعَتَي الفَجرِ(٢). وقال المُنذِرِيُّ: المشهُورُ في الرِّوايَةِ: ((سَكَتَ)). بالتَّاءِ ثَالثِ الحُرُوفِ، ورَواهُ سُويدٌ، عن ابنِ المباركِ: ((سَكَبَ)). بالباءِ المُوخَّدَةِ، فقال بَعضُهُم: ((سَكَتَ)) و (سَكَبَ)) (٤٦/٣م): بِمَعنّى. وقال غَيرُهُ: ((سَكَبَ)): يُرِيدُ: أَذَّنَ. قال: والسَّكبُ: الصَّبُّ، وأصلُهُ في الماءِ يُصَبُّ، وقَد يُستَعمَلُ في القَول استِعارَةً؛ كَقَول القَائِل: أفرَغَ في أُذُنِي كَلامًا، لم أسمَع مِثله(٣). انتَهَى. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: قَد يُستَأَنَسُ بِقَولِهِ: ((من الأذانِ لصَلاةِ الصُّبح)). على أنَّ الأذانَ شُرِعَ الصَّلاةِ دُونَ الوقتِ والجَماعَةِ، والخِلافُ في ذلك مَشهُورٌ، وهذا الاستِنَاسُ ضَعِيفٌ. ■ الثَّالِثَةَ عَشْرَ: قَولُهُ: ((وبَدَا له الصُّبحُ)). بِغَيرِ هَمزٍ؛ أي: ظَهَرَ واستَبَانَ. ■ الرَّابِعَةَ عَشرَ: فيه استِحبابُ تَخفيفِ رَكعَتَي الفَجرِ، ولذلك بالغَ بَعضُ السَّلَفِ، فقال: لا يَقرَأُ فيهما شَيئًا أصلًا. وقال مالكٌ وجُمهُورُ أصحَابِهِ: لا يَقرَأُ (٤) غَيرَ الفاتِحَةِ، وحَكَاهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): عن أكثَرِ العُلَماءِ. وقال الشَّافِعِيُّ وأحمَدُ والجمهُورُ، كَما حَكَاهُ عنهُم النَّوِيُّ(٦): يُستَحَبُّ أن يَقرَأ فيهما بعدَ الفاتِحَةِ سُورَةً. قال أصحَابُنَا وغَيرُهُم: يُستَحَبُّ أن يَقرَأ فيهما بِ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ و﴿قُلُ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، أو بِقَولهِ تَعالى: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾. (١) في (ح): ((قال)). (٢) معالم السنن (٢٨٠/١). (٣) غريب الحديث للخطابي (١٦٧/١)، وينظر: شرح ابن بطال (٢٥٣/٢)، والمشارق (٢١٥/٢). (٤) في (ح): ((تقرأ)). (٦) شرح مسلم (٣/٦ - ٦). (٥) التمهيد (٤٦/٢٤). ٣٥ بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ [البقرة: ١٣٦]، وقَوله تَعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَد وَرَدَ الأمرَانِ في الصحيحِ(١). لَكِنَّ الأولَ أفضَلُ؛ لأنَّ قِرَاءَةَ سُورَةٍ أفضَلُ مِن قِرَاءَةِ بَعضٍ سُورَةٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ أصحَابُنَا وغَيْرُهُم. وأشَارَ إلى ما ذَكَرته؛ ابنُ العَرَبي هُنَا(٢). وعَلَّلَ تَرجِيحَ السُّورَةِ: بأنَّ التَّحَدِّيَ وقَعَ بِسُورَةٍ، ولم يَقَعِ بَآيَةٍ. وهُو غَرِيبٌ. والذي عَلَّلَ بِهِ أصحَابُنَا ذلك: أنَّ الوقفَ على آخِرِ السُّورَةِ صَحِيحٌ بالقَطعِ، بِخِلافِ البَعضِ؛ فإنه قَد يَخْفَى عليه الوقفُ فيه، فَيَقِفُ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ. وذَهَبَ النَّخَعِيُّ إلى جَوازٍ إِطَالَةِ القِرَاءَةِ في رَكعَتَي الفَجرِ، [واختَارَهُ الطَّحَاوِيُّ. وَذَهَبَ [١٨٢/١ و] الحَسَنُ البَصرِيُّ، والثَّورِيُّ، وأبو حَنِيفَةً إلى أنَّه يَجُوزُ لمَن فاتَهُ حِزِبُهُ من الليل، أن يَقرَأهُ فيهما، وإن طُولَ. وقال والدِي تَخْذُ، في ((شرح التِّرمِذِيِّ))، بعدَ أن نَقَلَ مِن «مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةً))(٣) عن عائِشَةَ، قالت: ((كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُصَلي أربَعًا قبلَ الُظُهرِ، يُطِيلُ فيهنَّ القِيَامَ، ويُحسِنُ فيهنَّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ)). والحِكمَةُ في تَخفيفِ رَكعَتَّي الفَجرِ](٤)، وتَطوِيل الأربَعِ (٥قبلَ الظّهر٥ِ) مِن وجهَينِ: أحَدُهُما: استِحبابُ التَّغليسِ في الصُّبحِ، واستِحبابُ (٦) الإبرَادِ في الظُّهرِ. والثَّانِي: أنَّ رَكعَتَي الفَجرِ: تُفعَلانِ(٧) بعدَ طُول القِيَامِ في الليل، فَنَاسَبَ تَخفيفَهُما، وسُنَّةُ الظُّهرِ: لَيسَ قبلَها إلا سُنَّةُ الضُّحَى، وَلَم يَكُن عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: يُواظِبُ عَلَيها، ولم يُرِدِ تَطوِيلَها، فَهي واقِعَةٌ بعدَ رَاحَةٍ، واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةَ عَشرَ: قَد يُستَدَلُّ بِهِ(٨) على (٤٧/٣م): خُرُوجِ وقتٍ رَكَعَتَّي (١) مسلم (٧٢٧ /١٠٠). (٢) عارضة الأحوذي (٢١٤/٢، ٢١٥). (٣) ابن أبي شيبة (٢٠٠/٢) (٦٠٠٣). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥ - ٥) ليس في: (ح). (٦) ليس في: الأصل. (٧) في (ح): ((يفعلان)). (٨) ليس في: (ح) ٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الفَجرِ بِفِعل فَرضِ الصُّبح، لكونِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيَّنَ بِفِعلِهِ وقتَهُما فَلا يُتَعَدَّى: وبِهِذا قال الخَنَاِلَةُ وغَيْرُهُم. وقال أصحَابُنَا: يَمتَدُّ وقتُهُما إلى خُرُوجِ وقتِ الصُّبحِ، وكَذلك سَائِرُ الرَّواتِبِ المُتَقَدِّمَةِ على الفَرَائِضِ: يَستَمِرُّ وقتُها بعدَ فِعل الفَرِيضَةِ إلى خُرُوجِ الوقتِ، وإن كان الأفضَلُ فِعلَها قبلَ الفَرضِ، بَل في رَكعَتَي الفَجرِ وجهٌ عِندَنَا: أنَّ وقتَهُما يَمْتَدُّ (١) إلى زَوال الشَّمسِ. وجَوابُهُم عن هذا الحديثِ: أنَّ فِعله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لهما(٢) قبلَ الفَرضِ: فِعلٌ للأفضَل، ولَيسَ يَلزَمُ خُرُوجُ وقتِهِما بِفِعل الفَرضِ، والفِعلُ لا يَدُلُّ على الوُجُوبِ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةَ عَشرَ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): يَحتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ الأذانَ للصُّبْحِ قبلَ الفَجرِ، وهُو قَولُ الكُوفيينَ. قال: ولا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه يُحتَمَلُ أن يُرِيدَ المُؤَذِّنَ الثَّانِيَ، ولأنَّ حَدِيثَ: ((إِنَّ بِلالًا يُنَادِي بِلَيلٍ)): يَرفَعُ الاحتِمالَ، مَعَ عَمَل أهل المدِينَةِ، وبِها رَجَعَ أبو يُوسُفَ، عن قَول أصحَابِهِ إلى قَول مالكٍ، حِينَ دَخَلَ المدِينَةَ، ونَاظَرَهُ في ذلك مالكٌ. ا السَّابِعَةَ عَشرَ: ظَاهِرُ الحديثِ: أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يَكُن يُصَلي بَيْنَ طُلُوعِ الفَجرِ وصَلاةِ الصُّبحِ: غَيرَ هاتَينِ الرَّكعَتَينِ، وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِهِ في رِوايَةٍ أُخرَى في الصحيح (٤)، فاستُدِلَّ بِهِ على أنَّه يَمْتَنِعُ أن يَتَقَّلَ بعدَ طُلُوعِ الفَجرِ بِغَيرِ رَكَعَتَي الفَجرِ، وبِهِ قَطَعَ المُتَولي مِن أصحَابِنَا . وقال ابنُ الصَّباغ في ((الشَّامِل)): إنَّه ظَاهِرُ المذهَبِ، وبِهِ قال مالكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، وأحمَدُ، في المشهُورِ عنهُ. وتَمَسَّكُوا أيضًا: بِحَدِيثِ ابنِ عِمرَ: ((لا تُصَلَّوا بعدَ الفَجرِ إلا سَجدَتَينٍ))، (١) في (ح): ((يستمر)). (٣) إكمال المعلم (٦٤/٣، ٦٥). (٢) ليس في: (ح). (٤) في الأصل: ((الصبح)). ٣٧ بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ رَواهُ أبو داودَ(١) وغَيرُهُ. وقال مالكٌ في رِوايَةٍ عنهُ: هُو وقتُ ضَرُورَةٍ لصَلاةِ الليل، لمَن تَرَكَ الوِتَرَ حَتَّى أصبَحَ أو نَامَ عن حِزِیهِ من الليل. وعن مالكٍ أيضًا: أنَّه لا بأسَ أن يُصَليَ بعدَ الفَجرِ سِتَّ رَكَعاتٍ، وإنَّما يُكرَهُ مِن ذلك: ما كَثُرَ، لِئَلا تُؤَخَّرَ (٢) صَلاةُ الصُّبحِ. والمشهُورُ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ: أنَّه إنَّما يَدخُلُ وقتُ الكَرَاهَةِ بِصَلاةِ الصُّبحِ، فَله أن يَتَنَفَّلَ قبلَ ذلك ما(٣) شَاءَ، والذي في أكثَرِ الأحَادِيثِ: تَعليقُ النَّهيِ بِصَلاةٍ الصُّبحِ. وأما هذا الحديثُ: فَلا يَدُلُّ على المنع؛ لأنَّه لا يَلزَمُ مِن تَركِهِ للصَّلاةِ(٤) امْتِنَاعُها، وقَد تَقَدَّمَ إِيضَاحُ المسألَةِ في: ((بابِ: مَواقِيتِ الصَّلاةِ)). ■ الثَّامنةَ عَشرَ: قال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٥): فإن قِيلَ: فإذا كانت هذه النَّوافِلُ تُفعَلُ قبلَ الصَّلاةِ (٦)، (٤٨/٣م) فَفي ذلك تَأخِيرٌ لَها عن أول الوقتِ، فَكَيفَ يَكُونُ فَضلُ النَّفْلِ مُقَدَّمًا على فَضل الفَرضِ؟ فالجوابُ عن ذلك مِن وجهَینِ : أحَدُهُما: أنَّه يُرِيدُ بِقَولِهِ: (قبلَ الظُّهرِ، وقبلَ العَصرِ)): قبلَ الوقتِ. الثَّانِي: أن يُرِيدَ: قبلَ الصَّلاةِ [في الجَماعَةِ، فإنه قد(٧) يَأْتِي(٨) بِهِذه بِقَدرِ ما يَنْتَظِرُها. انتَھَى. والجَوابُ الأولُ: بَعِيدٌ ضَعِيفٌ مَرَدُودٌ. ويَرُدُّهُ: قَولُهُ في رِوايَةِ النَّسَائِيّ في ((سُنَتِهِ الكُبرَى)). مِن حَدِيثٍ عَليٍّ: ((كان النَّبِيِ وَّهَ إذا زَالَتِ الشَّمسُ: صَلى أربَعَ رَكَعاتٍ قبلَ الظّهرِ،](٩) حِينَ تَزُولُ (١) أبو داود (١٢٧٨). (٣) في (ح): ((بما)). عارضة الأحوذي (٢٢١/٢، ٢٢٢). (٥) (٧) ليس في: (م). (٩) ليس في: (ح). (٢) في (ت، ح): ((يؤخر)). (٤) في (ح): ((الصلاة)). (٦) في (ح): ((الصبح)). (٨) في (ت): ((أتى)). = ٣٨ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الشَّمسُ))(١). وقَولُهُ في حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ السَّائِبِ، عِندَ التِّرمِذِيِّ، والنَّسَائِيِّ في ((الكُبرَى))(٢): ((كان يُصَلي أربَعًا، (٣) بعد أن٣) تَزُولُ الشَّمسُ قبلَ الظُّهرِ)). [وقَولُهُ في حَدِيثِ أبي أيُّوبَ، عِندَ ابنِ ماجَه(٤): ((كان يُصَلي قبلَ الظُهرِ أربَعًا، إذا زَالَتِ الشَّمسُ)). [١٨٢/١ ظ] وقَولُهُ فِي حَدِيثٍ أُمِّ حَبيبَةَ عِندَ البَيهَقِيِّ(٥): ((مَن حَافَظَ على أربَعِ رَكَعاتٍ، قبلَ صَلاةِ الظُّهرِ))](٦). والجَوابُ الثَّانِي أقرَبُ، أَنَّه يَأتِي بِهذه النوافل في حَال انتِظَارِهِ للجَماعَةِ، لَكِن يَلزَمُ عليه أنَّه لا يَأْتِيَ بِها، إذا لم يَنتَظِرِ جَماعَةً، بأن صَلى(٧) مُنفَرِدًا، أوِ اجتَمَعَ الجَماعَةُ. فالجَوابُ المُعتَمَدُ في ذلك: أنَّ هذه الرَّواتِبَ مِن مُقَدَّماتِ الصَّلاةِ وسَوابِقِها، فالاشتِغَالُ بِها لا يُخرِجُ الفَرضَ عن كَونِهِ مَفعُولًا في أول الوقتِ، وصَارَ هذا كَالاشتِغَال بالطّهَارَةِ، والسِّتَارَةِ، وإزَالَةِ الجوعِ بالأكل، وإزَالَةٍ مُدَافَعَةِ الأخبَثِينَ، وغَيرِ ذلك، مِما يُستَعَدُّ بِهِ للدُّخُول في الفَرضِ، فَفِعلِ ذلك لا يُخرِجُ الصَّلاةَ عن كَونِها مَفعُولَةً أولَ الوقتِ؛ لأنَّ في سَبقِ النَّافِلَةِ على الفَرِيضَةِ جَلبَ الخُشُوعِ إِلَيها، وجَبرَ ما يَقَعُ فيها مِن نَقْصٍ، فَهُو مِن هَيآتِها ومَصلَحَتِها، واللهُ أعلمُ. ■ التَّاسِعَةَ عَشرَ: قال ابنُ العَرَبي أيضًا(٨): هذه الأحَادِيثُ كُلُّها تَدُلُّ على أنَّ الأمرَ لَيسَ على الفَورِ، ولَو كان مَحمُولًا عليه، لَما قُدِّمَ قبلَ المُخَاطَبَةِ بالصَّلاةِ شَيءٌ . انتَهَى. (١) النسائي في الكبرى (٣٣٢). (٢) الترمذي (٤٧٨)، والنسائي في الكبرى (٣٣١). (٣ - ٣) في (م): ((حين)). وأشار أنها كالمثبت في نسخة. (٤) ابن ماجه (١١٥٧). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٨) عارضة الأحوذي (٢٢٢/٢). (٥) سنن البيهقي (٢/ ٤٧٢). (٧) في (ح): ((يصلي)). = ٣٩ بابُ صَلاةِ التَّطَوُعِ وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ اتِّسَاعَ الوقتِ وامتِدَادَهُ، ولَولا ذلك: لَوَجَبَتِ المُبادَرَةُ أولَ الوقتِ، والخِلافُ في دَلالَةِ الأمرِ على الفَورِ مَعرُوفٌ في أُصُول الفِقهِ، والله أعلم. الفائِدَةُ العِشرُونَ: استُدِلَّ بِهِ على أنَّ الأفضَلَ في نَوافِل الليل والنَّهارِ أن تَكُونَ(١) مَثنَى؛ أي: يُسَلِّمُ مِن كُلِّ رَكعَتَينٍ؛ لأنَّ هذه النَّوافِلَ بَعضُها لَيلِيَّةٌ، وبَعضُها نَهارِيَّةٌ، وكُلُّها رَكعَتَانِ رَكَعَتَانِ، ويُؤَيِّدُ ذلك، قَولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((صَلاةُ الليل مَثنَى مَثَنَى)). رَواهُ البخاريُّ، ومسلمٌ(٢) مِن حَدِيثِ ابنِ عمرَ. وفي ((سُنَنِ أبي داودَ))، و((صحيحِ ابنِ حبانَ)) (٤٩/٣ م) مِن حَدِيثِهِ أيضًا(٣): ((صَلاةُ الليل والنَّهارِ مَثنَى مَثنَى)). وبِهذا قال مالكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والجمهُورُ(٤). وقال أبو حَنِيفَةً(٥): الأفضَلُ في نَوافِل الليل والنَّهارِ أن تَكُونَ أربَعًا أربَعًا. وقال صَاحِباهُ؛ أبو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ: الأفضَلُ في الليل مَثنَى مَثنَى، وفي النَّهارِ أَربَعٌ أربَعٌ، وهذا الحديثُ وما في مَعنَاهُ حُجَّةٌ عليهم، واللهُ أعلمُ. ■ الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: أَورَدَ عَبدُ الغَنِيِّ المقدِسِيُّ الحَافِظُ: هذا الحديثَ في ((العُمدَةِ) في صَلاةِ الجَماعَةِ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدينِ في ((شرحِ العُمدَق)(٦): ولَيسَ يَظْهَرُ له مُنَاسَبَةٌ، فإن كان أرَادَ أنَّ(٧) قَولَ ابنِ عمرَ: ((صَلَّيت مَعَ رسول الله ◌َِّه))، مَعنَاهُ: أنَّه اجتَمَعَ مَعَهُ في الصَّلاةِ: فَلَيسَتِ الدَّلالَةُ على ذلك قَوِيَّةً، فإن المعِيَّةَ مُطلَقًّا أعَمُّ من المعِيَّةِ في الصَّلاةِ، وإن كان مُحتَمَلًا. انتَهَى. وهذا اللفظُ، وهُو قَولُهُ: ((مَعَ رسول الله (وَلَّه). لَيسَ في اللفظِ الذي أورَدَهُ والدِي تَخْتُ، إذا لَيسَ في رِوايَةِ مالكٍ، وإنَّما هُو في رِوايَةُ عُبَيدِ الله بنِ عمرَ، (١) في (ح): ((یکون)). (٢) البخاري (٤٧٢)، ومسلم (١٤٥/٧٤٩). (٣) أبو داود (١٢٩٥)، وابن حبان (٢٤٥٣). ينظر: مسلم بشرح النووي (٦/ ٣٠، ١٢١). (٤) (٥) ينظر: المبسوط (٣٨٩/١). (٧) ليس في: (ح). (٦) إحكام الأحكام (ص٢٠٩). = ٤٠ S طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأيُّوبَ السَّخِيَانِيِّ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عمرَ. وفي رِوايَةِ سَالمٍ، عن ابنِ عمرَ. والمعِيَّةُ التي فيه، تَحتَمِلُ ثَلاثَةً أوجُهٍ : أحَدُها: أنَّ المُرَادَ بِها: المعِيَّةُ في جَماعَةِ الصَّلاةِ. وهُو بَعِيدٌ. والثَّانِي: أنَّ المُرَادَ المعِيَّةُ في الزَّمانِ، أو المكَانِ، أو فيهما، وإن كانا مُنْفَرِدِينَ. والثَّالثُ: أنَّ المُرَادَ المعِيَّةُ(١) في أصل الفِعل؛ أي: إنَّ كُلَّ منهما فَعَلَ ذلك، وإن اختَلَفَ زَمانُ الفِعلِ ومَكَانُه، ولَعَلَّ هذا أرجَحُ، واللهُ أعلمُ. الحديثُ الثَّانِي عن عُروةَ، عن عائِشَةَ، قالت: ((كان رسولُ اللهِ نَّهِ يُصَلي من الليل إحدى عَشرَةَ رَكَعَةً، فإذا فَجَرَ الفَجرُ صَلَى رَكَعَتَينٍ خَفيفَتَينٍ، ثم اتَّكَأ على شِقِّهِ الأيمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ للصَّلاةِ)(٢). فيه فوائدُ: ■ الأولى: قَولُهُ: (يُصَلي من الليلٍ)). [١٨٣/١ و] (٣/ ٥٠م) الظَّاهِرُ في ((مِن)) أنَّها لا بتِدَاءِ الغَايَةِ؛ أي: ابتِدَاءِ صَلاتِهِ الليلَ، ويُحتَمَلُ أنَّها للتَّبِعِيضِ؛ أي: يُصَلي في بَعضِ الليل: إحدى عَشرَةَ رَكعَةً. ■ الثانيةُ: فيه مَشرُوعِيَّةُ الصَّلاةِ بالليل، وقَد اتَّفق العُلَماءُ على أنَّه لَيسَ له حَدٍّ مَحْصُورٌ، ولَكِنِ اختَلَفَتِ الرِّوايَاتُ، فيما كان يَفْعَلُهُ النَّبِيِّ وَّ . قال القَاضِي عِيَاضُ(٣)، في حَدِيثِ عَائِشَةَ، مِن رِوايَةِ سَعدِ بنِ هِشَامِ: ((قِيَامُ (١) ليس في: (ح). (٢) البخاري (٦٣١٠)، ومسلم (١٢١/٧٣٦)، وأبو داود (١٣٣٥ - ١٣٣٧)، والترمذي (٤٤٠، ٤٤١)، وابن ماجه (١٣٥٨)، والنسائي (١٦٩٥، ١٧٢٥). (٣) إكمال المعلم (٨٠/٣ - ٨٢).