النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ = ولَا أرتَضِيهِ، انتَهَى. وهَذا بَاطِلٌ؛ لأنَّه لَو وقَعَ عَمدًا لَأَبَطَلَ الصَّلَاةَ، وتَمَسَّكُوا بِمَا ذَكَرُوه من(١) الحديثِ: ((إِنِّي لَا أنسَى، ولَكِن أُنَسَّى لأسُنَّ)). والجَوابُ: أنَّ هَذا الحديثَ لَا أصلَ له، وإِن كَانَ ذَكَرَهُ مَالٌ في ((المُوطَّ)) (٢)، من بَلَاغَاتِهِ، فَهو أحَدُ الأحَادِيثِ الأربَعَةِ التي في ((المُوطَّ)) بَلَاغَا، ولَم يُوجَدُ لَها إسنَادٌ مُتَّصِلٌ ولَا مُنقَطِعٌ. قالهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣)، ثُمَّ إِنَّ الرِّوايَةَ الصَّحِيحَةَ فهي على الإثْبَاتِ، لَا على النَّفي: ((إِنِّي لَأَنسَى، أو أُنَسَّى، لأَسُنَّ)).؛ أي: إنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ، هل قال: ((أنسَى)). أوَ (أُنَسَّى))(٤). ولَو كَانَت الرِّوايَةُ على النَّفي، لَكَانَ مُخَالفًا للحديثِ الصَّحِيحِ المتفقِ عليه(٥) من حديثِ ابنِ مَسعُودٍ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أنسَى كما تَنسَونَ)). فَأَثْبَتَ له وصفَ النِّسيَانِ، ولَم يَكتَفِ بِذلك، لئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّ نِسِيَانَهُ لَيْسَ كَنِسِيَانِنَا، فقال: ((كما تَنْسَونَ)). وأثبَتَ أولًا العِلَّةَ قَبلَ الحُكم، بِقَولهِ: ((إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)). وكما قال في الحديثِ الآخَرِ: (فَنُسِّيَ آدَم فَنُسِّيَتَ ذُرِّيَّتُهُ)). أخرَجَهُ التِّرمِذي(٦)، وصَحَّحَهُ من حديثٍ أبي هُرَيرَةَ. وقَسَّمَ القَاضِي عِيَاضُ(٧) الأفعَالَ إلَى نَوعَينٍ؛ مَا طَرِيقُهُ البَلَاغُ، وتَقِرِيرُ الشَّرعِ، وتَعَلُّقُ الأحكَامِ، ومَا لَيسَ طَرِيقُهُ البَلَاغَ، ولَا بَيَانَ الأحكامِ من أفعَالِهِ، ومَا يَختَصُ به من ◌ُمُورِ دِينِهِ. فَأَمَّا الأولُ: فَذَهَبَ إِلَى مَنع جَوازِ السَّهوِ عليه فيه جَمَاعَةٌ من العُلَمَاءِ، وإِلَيهِ (١) في (م): ((في)). (٢) الموطأ (١٠٠/١). (٣) التمهيد (٣٧٥/٢٤)، والاستذكار (٥/٢). وقال ابن رجب في فتح الباري (٣٢٨/٣): وقد قيل: إن هذا لم يعرف له إسنادٌ بالكلية، ولكن في تاريخ المفضل بن غسَّان الغلابي: حدثنا سعيد بن عامر، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، قال: قالت عائشة: قال رسول الله: ((إنما أنسى، أو أسهو، لأسن)). انتهى. (٤) ينظر: إكمال المعلم (٥١٨/٢)، الإحكام (ص١٧٩). (٥) البخاري (٤٠١)، ومسلم (٨٩/٥٧٢). (٦) الترمذي (٣٠٧٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. (٧) إكمال المعلم (٥٧٤/٢). ٤٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ مَالَ أبو إسحاقَ (١٠/٣م). وذَهَبَ أكثَرُ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِمِينَ إلَى جَوازِهِ عليه، كما وقَعَ في أحَادِيثِ السَّهِ فِي الصَّلَاةِ. وأمَّا الثَّانِي: فَالأكثَرُ من طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ على جَوازِ السَّهوِ والغَلَطِ فيه. قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ: وأبَى ذلك بعضُ مَن تَأخَّرَ عن زَمَنِهِ، وقالوا: [١/ ١٧٠ و] إنَّ أقوالَه وأفعَالَه وإقرَارَهُ كُلَّهِ بَلَاٌ، من حَيثُ التَّأْسِّي به، ولَم يُصَرِّح في ذلك بِالفَرقِ (١) بَيْنَ عَمدٍ أو سَهوٍ. قال الشَّيخُ(٢): فَإِن كَانَ يَقُولُ بِأَنَّ السَّهوَ، والعَمدَ سَواءٌ في الأفعَالِ، فَهَذا الحديثُ يَرُدُّ عليه، ثُمَّ إنَّ مَن أجَازَ عليهم السَّهو في الأفعَال، التي طَرِيقُها البَلَاغُ، يَشتَرِطُونَ أنَّ الرُّسُلَ لَا تُقَرُّ على السَّهوِ والغَلَطِ، بَل يُنَبَّهُونَ عليه على الفَورِ، كما في هذه الواقِعَةِ، على أصَحِّ القَولَينِ. وهو قَولُ القَاضِي أبي بَكرٍ، وأكثَرِ العُلَمَاءِ، كما حَكَاهُ صَاحِبُ ((المُفهِمِ)) عنهم. والقَولُ الآخَرُ: أَنَّه لَا يُشتَرَطُ ذلك على الفَورِ، بَل على التَّرَاخِي في بَقِيَّةِ العُمرِ، وإِلَيهِ مَالَ إِمَامُ الحَرَمَينِ. وهَذا كُلُّهُ في الأفعال. فَأُمَّا الأقوالُ فَهِيَ أيضًا على نَوعَينٍ؛ مَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ، وهم مَعصُومُونَ فيه من السَّهوِ بِإجمَاعٍ(٣) المُسلِمِينَ، كما حَكَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ (٤). ومَا لَيسَ طَرِيقُهُ البَلَاغَ من الأخبَارِ، التي لَا مُستَنَدَ لَها إلَى الأحكام، ولا أخبَارِ المعادِ، ولَا تُضَافُ إلَى وحي، بَل في أُمُورِ الدُّنيَا وأحوال نَفسِهِ. قال(٥) القَاضِي(٦): فَالذي يَجِبُ اعتِقَادُهُ: تَنزِيهُهُ عن الخُلفِ(٧) فيها؛ لَا عَمِدًا، ولَا سَهوًا، ولَا غَلَطًا، وأنَّه مَعصُومٌ من ذلك في حَالِ رِضَاهُ، وفي حَال (١) ليس في: (ح). (٢) إحكام الأحكام (ص١٧٧). (٤) إكمال المعلم (٥١٤/٢). (٣) بعدها في (ك): ((من)). (٥) في (ك): ((قاله)). إكمال المعلم (٥١٤/٢). وينظر: الشفا (١٠٩/٢). (٦) (٧) في (م): ((الحلف)). ٤٤٣ بَابُ السَّهوِ في الصَّلاَةِ = سَخَطِهِ، وجِدِّهِ، ومَزحِهِ، وصِخَّتِهِ، ومَرَضِهِ، قال: ودَليلُ ذلك: اتِّفَاقُ السَّلَفِ وإجماعُهم(١) عليه. وأطَالَ الكَلَامَ، إلَى أن قال: فَليُقطَّع عن يَقِينٍ بِأنَّه لَا يَجُوزُ على الأنبِيَاءِ خُلفٌ في القَول، في وجهٍ من الوُجُوهِ، لَا بِقَصدٍ، ولَا بِغَيرٍ قَصدٍ، ولا يُتَسَامَحُ مع مَن سَامَحَ في تَجوِيزِ ذلك عليهم حَالَ السَّهوِ، فيمَا لَيسَ طَرِيقُهُ البَلَاغَ(٢). ومَا اذَّعَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ من الإجمَاعِ: خَالَفَهُ القُرطُبِيُّ، فقال في (المُفهِم)) (٣): والصَّحِيحُ أنَّ السَّهوَ عليه جَائِزٌ مُطلَّقًا، إذ هو واحِدٌ من نَوعِ البَشَرِ، فَيَجُوزُ عليه مَا يَجُوزُ عليهم، إذا لم يَقدَح في حَالهِ، وعليه نَبَّهَ حَيثُ قالَ: ((إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ، أنسَى كما تَنسَونَ)). غَيرَ أنَّ مَا كَانَ منهُ فيمَا طَرِيقُهُ بَلَاغُ الأحكَامِ قَولًا أو فِعلًا، لَا يُقَرُّ على نِسِيَانِهِ، بَل يُنَبَّهُ عليه، إذا دَعَتِ الحَاجَةُ إِلَى ذلك المُبَلِغِ، فَإِن أُقِرَّ على نِسَانِهِ لذلك، فَذلك من بَابِ النَّخِ، كما قال تعالى: ﴿سَنُفْرِكُكَ فَلَا تَسَ إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. وقد تَقدمَ الجَوابُ عن قَولهِ: ((لَم تُقصَر، ولَم أنسَهْ)). في الفائدةِ السابعةِ المتَقدمَةِ، واللهُ تعالى أعلمُ. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: (١١/٣م) استَدَلَّ بَعضُهم بِقَولهِ: ((أحَقُّ مَا يَقُولُ ذُو اليَدَينِ)). على اشتِرَاطِ العَدَدِ في الرِّوايَةِ، إذ لم يَكتَفِ في ذلك بِخَبَرِ ذي اليَدَينِ، حتى أخبَرَ معهُ غَيرُهُ. وهَذا قَوْلٌ حَكَاهُ الحَازِمِيُّ في ((شُرُوطِ الأَئِمَّةِ)) (٤)، عن بَعضٍ مُتَأخِّرِي المُعتَزِلَةِ، وقد حَكَاهُ أبو مُحَمَّدٍ الجُوينِيُّ في ((الفُصُول))، التي أملاها عن بَعضٍ أصحَابِ الحديثِ، كما ذَكَرَهُ البَيْهَِيُّ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أبي مُحَمَّدِ الجُويِيِّ. وهَذا قَولٌ مُخَالفٌ لإجمَاعِ أهل السُّنَّةِ؛ لإجمَاعِهِم على قَبُول خَبَرِ الواحِدِ. والجَوابُ عن(٥) احتِجَاجِهم: أنَّ المُصَليَ لَا يَترُكُ اعتِقَادَهُ وَظَنَّهُ، لقَول (١) في (ك): ((واجتماعهم)). (٣) المفهم (١٨٥/٢). (٥) في الأصل، (م): ((أنَّ). (٢) ينظر: إحكام الأحكام (ص١٧٧). (٤) شروط الأئمة (ص١٣). ٤٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ واحِدٍ، وإن كَانَ عَدلًا، إذ هو يُخبِرُ عن خِلَافِ مَا يَعتَقِدُهُ المُخبِرُ، واللهُ تعالى أعلمُ. ■ الثَّالثَةَ عَشرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): فيه أنَّ الواحِدَ إذا اذَّعَى شَيئًا كَانَ في مَجلسٍ جَمَاعَةٍ، لَا يُمكِنُ في مِثْل مَا اذَّعَاهُ أَن يَنْفَرِدَ بِعِلمِهِ دُونَ أهل المَجلسِ، لم يَقطَع بِقَولهِ حتى يَستَخبِرَ الجَمَاعَةَ، فَإن خَالَفُوهُ سَقَطَ قَولُهُ، أو نُظِرَ فيه بِمَا يَجِبُ، وإن تَابَعُوهُ ثَبَتَ. قلتُ: إِنَّمَا استَخِبَرَ الحَاضِرِينَ، لَكَونِهِ أخبَرَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ أو يَظُنُّ خِلَافَهُ، وإلَّا فقد حَدَّثَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ على المنْبَرِ بِحديثٍ: ((الأعمَال بِالنِّيَّةِ)). كما ثَبَتَ في ((الصَّحِيحِينِ))، ولم يَصِحَّ أنَّ أحَدًا من التَّابِعِينَ رَواهُ عنهُ، إلَّا عَلقَمَةُ بنُ وقَّاصٍ، مع كَونِهِ من قَواعِدِ الإسلامِ، ولم يَرُدَّهُ أحَدٌ (٢) لانفِرَادٍ عَلقَمَةَ به، إذ لَيسَ فيه مُخَالفَةٌ لمَا رَواهُ غَيرُهُ عن عُمَرَ، واللهُ تعالى أعلمُ. ا الزَّابِعَةَ عَشرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): فيه أنَّ المُحَدثَ إذا خَالَفَهُ جَمَاعَةٌ (٤) في نَقلهِ، أنَّ القَولَ قَولُ الجَمَاعَةِ، وأنَّ القَلبَ إلَى رِوايَتِهِم(٥) أشَدُّ سُكُونًا، من رِوايَةِ الواحِدِ. ■ الخَامِسَةَ عَشرَ: استَدَلَّ به بَعضُ الحَنَفيةِ والمَالكِيَّةِ (٦)، على أنَّه لَا يُقبَلُ [١٧٠/١ظ] في رُؤْيَةِ الهِلَال في غَيرِ الغَيمِ إلَّ الجَمُّ الغَفيرُ، لكُونِهِ لم يَقبَل ذلك من ذي اليَدَينِ وحدَهُ، إذ حَضَرَ ذلك جَمَاعَةٌ، حتى يُوافِقَهُ غَيرُهُ. ولَا يَلزَمُ من الحديثِ ذلك؛ لأنَّ إنَّمَا سَأَلَ غَيرَهُ، لكَونِهِ أخبَرَهُ عَمَّا يُخَالفُ ظَنَّهُ واعتِقَادَهُ، كما تَقدمَ، وأمَّا رُؤيَةُ الهِلَال فَلَيسَ عند الحَاضِرِينَ مَا يُخَالفُ ذلك، مع خَلقِ الله تعالى الأبصَارَ مُتَفَاوِتَةً، فَيَرَى الواحِدُ مَا لَا يَرَاهُ الجَمُّ الغَفيرُ، (١) التمهيد (٣٤٢/١). (٢) ليس في: (ك). (٣) التمهيد (٣٤٢/١). (٤) ليس في: (ك). فى الأصل، (ت، م): ((روايته)). والمثبت هو الصواب في المعنى، الموافق لمصدر (٥) التخريج. (٦) ينظر: الكافي لابن عبد البر (٣٣٤/١)، المبسوط (١١٥/٣). ٤٤٥ بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ وهَذا أمرٌ مُشَاهَدٌ، فَلَا وجهَ لَرَدِّ قَولِهِ مع كَونِهِ ثِقَةً، إلَّا حَيثُ انفَرَدَ واشتَرَطنَا العَدَدَ، واللهُ تعالى أعلمُ. السَّادِسَةَ عَشرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): فيه أنَّ الشَّكَّ قد يَعُودُ يَقِينًا بِخَبَرِ أهل الصِّدَقِ، وأنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ يُوجِبُ (١٢/٣م) اليَقِينَ، انتَهَى. قلتُ: وإِنَّمَا يَعُودُ يَقِينًا إذا بَلَغَ حَدَّ الثَّواتُرِ، ويَجُوزُ أن يَكُونَ إِنَّمَا صَارَ يَقِينًا، بِتَذَكُرِهِ أنَّه لم يُتِمَّ(٢) الصَّلَاةَ، كما رَواهُ أبو دَاوُدُ(٣)، في بَعضٍ ◌ُرُقِهِ، قال: ((وَلَم يَسْجُد سَجِدَتَي السَّهوِ، حتى يَقَّنَهُ اللهُ ذلك)). وأمَّا قَولُهُ: إنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ يُوجِبُ الْيَقِينَ. فَإِن أَرَادَ خَبَرَ الواحِدِ: فَلَا نُسَلمُ أنَّه يُوجِبُ اليَقِينَ، وهو قَولٌ ضَعِيفٌ، مَحكِيٍّ عن حُسَينٍ (٤) الكَرَابيسِيِّ، من أصحَابِ الشَّافِعِيِّ، أنَّه يُوجِبُ العِلمَ الظَّاهِرَ(٥)، وبه قال أحمَدُ في رِوايَةٍ عنهُ(٦)، وحَكَاهُ ابنُ الصَّبَّغِ في ((كِتَابِ العُدَّةِ)(٧)، في أُصُول الفِقهِ، عن قوم من أصحَابِ الحديثِ(٨)، وحَكَى الخَطِيبُ في ((الكِفَايَةِ»(٩)، عن القَاضِي أبي بَكرِ البَاقِلَّانِيّ: أنَّه قَولُ مَن لَا يُحَصِّلُ عِلمَ (١٠) هَذا الْبَابِ. ■ السَّابِعَةَ عَشرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ، وصَاحِبُ ((المُفهِم)) أيضًا(١١): فيه حُجَّةٌ لمَالكٍ، على قَولِهِ: إنَّ الحَاكِمَ إذا نَسِيَ حُكمَهُ، فَشَهِدَ عندهُ عَدلَانِ بِحُكمِهِ، (١) التمهيد (٣٤٢/١). أبو داود (١٠١٢). (٣) (٢) في (ك): ((تتم)). (٤) في (ك): ((خبر)). (٥) ذكره في التمهيد (٨/١). حكاها الباجي عنه، وجعلها ابنُ خويز منداد قولًا لمالك، تخريجًا على أصوله، وهو (٦) مذهب داود الظاهري، والحارث المحاسبي، وابن حزم، وانتصر له جدًّا. ينظر: الإحكام لابن حزم (١٠٣/١)، والبحر المحيط (٣٢٣/٣). (٧) هو: عدة العالم والطريق السالم، لأبي نصرٍ عبد السيد بن محمد بن الصباغ الشافعي (ت٤٧٧ هـ). ينظر: كشف الظنون (١١٢٩/٢). (٨) ينظر: شرح التبصرة والتذكرة (ص٣٨). (٩) الكفاية (ص٢٥). (١٠) في (ك): ((علي)). هكذا بالياء الشامية. (١١) الاستذكار (٤٥٣/١)، والمفهم (١٩٤/٢). ٤٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ أمضَاهُ، خِلَافًا لأبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيِّ في قَولهِمَا: إنَّه لَا يُمضِيهِ، حتى يَذْكُرَهُ، وأنَّه لَا يَقبَلُ(١) الشَّهادَةَ على نَفْسِهِ، بَل على غَيرِهِ. قال القُرطُِيُّ (٢): وهَذا إنَّمَا يَتِمُّ لمَالكِ، إذا سَلمَ له أنَّ رُجُوعَهُ للصَّلَاةِ إِنَّمَا كَانَ لأجلِ الشَّهادَةِ، لَا(٣) لأجل تَيَقُّنِهِ مَا كَانَ قد نَسِيَهُ. وقال ابنُ عَبدِ البَرْ(٤)، في مَوضِع آخَرَ: إِنَّه لَا (٥) حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه يُحتَمَلُ أن يَكُونَ تَيَقَّنَ ذلك حِينَ أخبَرُوهُ، فَرَجَعَ مَن شَكِّهِ إِلَى يَقِينِهِ، وهَذا(٦) المُجتَمَعُ عليه في الأُصُول. ■ الثَّامنةَ عَشرَ: فيه حُجَّةٌ لِمَن ذَهَبَ إلَى أنَّ مَن تَكَلَّمَ غَيرَ عَالَمٍ بِأَنَّه في الصَّلَاةِ، أو تَكَلَّمَ في الصَّلَاةِ نَاسِيًّا، لَا تَفسُدُ صَلَاتُهُ، وهو قَولٌ مَالكِ، والأوزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ. وخَالَفَ فيه: أهلُ الكُوفَةِ، النَّخَعِيُّ، وحَمَّادٌ، والثَّورِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، فقالوا: تَفسُدُ صَلَاتُهُ كَالعَمَل فيها. وأجابوا عن قِصَّةِ ذي اليَدَينِ: بِأنَّها مَنسُوخَةٌ، بِحديثِ ابنِ مَسعُودٍ، وحديثِ زَيدِ بنِ أرقَمَ، في تَحْرِيمِ الكَلَامِ في الصَّلَاةِ. ورُدَّ عليهم بِأنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ مُتَقدمًا(٧)، وحديثُ ابنِ مَسعُودٍ كَانَ بِمَكَّةَ في أحد القَولَينِ، وفي أول الهِجِرَةِ في القَول الآخَرِ، وكَذلك حديثُ زَيدِ بنِ أرقَمَ. وأمَّا حديثُ ذي اليَدَينِ: فَكَانَ إِمَّا (٨) في السَّنَةِ السابعةِ أو بَعدَها؛ لأنَّ إسلامَ أبي هريرةَ، وعِمرَانَ بنِ حُصَينٍ كَانَ فِي السَّنَةِ السابعةِ (٩)، وقد شَهِدَ القِصَّةَ، وكَانَ إسلَامُ مُعَاوِيَّةَ بنِ حُدَيجٍ: قَبلَ مَوتِ النَّبِيِّ وَلَهَ بِشَهِرَينٍ، كما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُ، وقد تَقدمَ في تَرجَمَتِهِ، وقد شَهِدَ مُعَاوِيَةُ هَذا قِصَّةً أُخرَى في السَّهوِ؛ كَقِصَّةِ ذِي الْيَدَينِ، وكَلَامُهم كما هو في الأصل. (١) في (ح): ((تقبل)). ليس في: (ك). (٣) ليس في: (ك). (٥) في (ك): ((مقدّمًا)). (٧) بعده في (ح): ((أو بعدها)). (٩) (٢) المفهم (١٩٤/٢). (٤) الاستذكار (٤٥٣/١). (٦) في (ك): (وهو). (٨) ليس في (ح). ٤٤٧ بَابُ السَّهوِ في الصَّلاَةِ = = وقد تَقدمَ بَيَانُ تَأْخُرٍ(١) قِصَّةٍ ذي اليَدَينِ، في الفَائِدَةِ الأُولَى، من هَذا الحديثِ، وشُهُودِ (١٣/٢م) أبي هريرةَ لَها. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): ولَو صَحَّ للمُخَالفينَ مَا اذَّعُوهُ من نَسخ حديثٍ(٣) أبي هريرةَ، بِتَحْرِيمِ الكَلَامِ في الصَّلَاةِ، لم يَكُن لهم في ذلك حُجَّةٌ؛ لأنَّ النَّهيَ عن الكَلَامِ في الصَّلَاةِ إِنَّمَا تَوجَّهَ(٤) إلَى العَامِدِ الفَاصِدِ لَا إِلَى النَّاسِي؛ لأنَّ النِّسيَانَ مُتَجَاوزٌ عنهُ، والنَّاسِي والسَّاهِي لَيسَا مِمَّن دَخَلَ تَحتَ النَّهي؛ لاستِحَالَةِ ذلك في النَّظَرِ. ح التَّاسِعَةَ عَشرَ: فَإِن قِيلَ: فَإِنَّ كَلَامَ كَثِيرٍ من الصَّحَابَةِ كَانَ بعد اطَّلَاعِهِم على أنَّهم إلَى الآنَ في الصَّلَاةِ، بِإِخْبَارِهِ وَِّ[١/ ١٧١ و] أنَّ الصَّلَاةَ لم تَقصُر، وقد كَانُوا على يَقِينٍ من كَونِهِ صَلَّى بهم رَكعَتَينٍ، ومع ذلك فقد سَألهم بعد ذلك: ((أحَقُّ مَا يَقُولُ ذُو اليَدَينِ؟)). قَالُوا: نَعَم. وفي رِوايَةٍ لمُسلم(٥): ((قَالُوا: صَدَقَ (٦) لم تُصَل إلَّا رَكَعَتَينٍ)). فَأجابوهُ بِالكَلَامِ بعد عِلمِهِم أنهم في الصَّلَاةِ بَعدُ(٧) . والجَوابُ عنهُ من أربَعَةِ أوجُهٍ : أحَدُها: أنهم لم يَتَكَلَّمُوا بِقَولِهِم: نَعَم. وإنَّمَا أومَنُوا بِالجَوابِ، كما رَواهُ أبو دَاوُد(٨)، بِسنَادٍ صَحِيحٍ، من رِوايَةِ حَمَّادِ بنِ زَيدٍ، عن أيُّوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ. قال أبو دَاوُد: ولم يَذْكُر فَأْومَثُوا، إلَّا حَمَّدَ بنَ زَيدٍ. قال الخطابيُّ (٩): فَدَلَّ ذلك على أنَّ(١٠) رِوايَةَ مَن رَوى أنهم قَالُوا: نَعَم. إِنَّمَا هو على المَجَازِ والتَّوسُّعَةِ في الكَلَامِ، كما يَقُولُ الرَّجُلُ: قلتُ بِيَدِي، وقلتُ بِرَ أْسِي. قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(١١): وفيه بُعدٌ؛ لأنَّه خِلَافُ الظَّاهِرِ، قال: ويُمكِنُ لیس في (ح). (١) (٣) لیس في (ح). (٥) مسلم (٥٧٣ / ٩٧). ليس في: (ك). (٧) (٩) معالم السنن (٢٣٥/١). (١١) إحكام الأحكام (ص ١٨٠). (٢) التمهيد (٣٦٩/١). (٤) في (ك): «يُوجَّه)). (٦) في الأصل، (م): ((نعم)). (٨) أبو داود (١٠٠٩). (١٠) ليس في: (ح). ٤٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الجَمِعُ بِأن يَكُونَ بَعضُهم فَعَلَ ذلك إيمَاءً، وبَعضُهم كَلَامًا، أو اجتَمع الأمرَانِ في حَقِّ بَعضِهِم. والوجهُ الثَّانِي: أنَّ كَلَامَهم على تَقدِيرٍ وُقُوعِهِ لَفِظًا، كَانَ إجابةً للنَّبِّ وََِّّ، وهو واجِبٌ، كما سَيَأْتِي في الفَائِدَةِ [التي تَلي هذه. والوجهُ الثَّالثُ: أنَّه كَانَ من مَصلَحَةِ الصَّلَاةِ(١)، على قَاعِدَةِ المَالكِيَّةِ، كما سَيَأْتِي فِي الفَائِدَةِ](٢) الحَادِيَةِ والْعِشرِينَ. والوجهُ الرَّابعُ: مَا قالهُ الشَّافِعِيُّ، رضي الله تعالى عنه: إنَّه لَمَّا سَألَ غَيرَ ذي اليَدَينِ، احتَمَلَ أن يَكُونَ سَألَ مَن لم يَسمَعِ كَلَامَهُ، فَيَكُونَ مِثله؛ يَعنِي: مِثلَ ذي اليَدَينِ، واحتَمَلَ أن يَكُونَ سَألَ مَن سَمِعَ كَلَامَهُ، ولم يَسمَعِ النَّبِيُّ وَلَّهُ رَدَّ عليه، فَلَمَّا لم يَسمَعِ النَّبِيُّ ◌َّهِ، كَانَ في مَعنَى ذي اليَدَينِ، من أنَّه لم يَدرِ أَقُصِرَت الصَّلَاةُ أَم نَسِيَ؟ فَأجابهُ، ومَعنَاهُ معنى ذي الْيَدَينِ، مع أنَّ الفَرضَ عليهم جَوابُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّه لَمَّا أخبَرُوهُ فَقَبِلَ قَولهم لم يَتَكَلَّم، ولَم يَتَكَلَّمُوا حتى بَنَوا(٣) على صَلَاتِهِم، فَلَمَّا قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّهِ تَنَاهَتِ الفَرَائِضُ، فَلَا يُزَادُ فيها ولَا يُنْقَصُ. ■ الفَائِدَةُ العِشرُونَ: استُدِلَّ به على أنَّ إجابةَ النَّبِيِّ نَِّ إذا دَعَاهُ أو سَأله، (١٤/٣م) وهو في الصَّلَاةِ، أنَّها لَا تُفسِدُ الصَّلَاةَ. وبَيَانُ ذلك: أنَّ كَلَامَ ذي اليَدَينِ في أول الأمرِ كَانَ مع احتِمَال أن تَكُونَ الصَّلَاةُ قد قُصِرَت، فَلَم يَكُن على يَقِينٍ من بَقَّائِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَكَلَامُ النَّبِيِّ وَّ فِي الجَوابِ له، كَانَ وهو يَظُنُّ أنَّ الصَّلَاةَ انقَضَت، وكَلَامُ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ، وَكَذا كَلَامُ ذي اليَدَينِ في قولهِ: ((بَلَى، قد نَسِيتَ)). أو قد كَانَ بَعضُ ذلك على مَا كَانَ بعد تَحَقُّقِ أَنَّ الصَّلَاةَ لِم تُقْصَرِ بِإِخبَارِهِ وَّهِ، ولَكِنَّهُ كَانَ جَوابًا له وَِّ حِينَ سَألهم، وجَوابُهُ لَا يُبِطِلُ(٤) الصَّلَاةَ؛ لأنَّ أجابتَهُ واجِبَةٌ، بِدَليل مَا رَواهُ الْبُخَارِيُّ(٥) من (١) ليس في: (ك). (٣) في الأصل: (يتمُّوا)). (٥) البخاري (٤٤٧٤). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٤) في: (ك): ((تبطل)). = بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ ٤٤٩ M حديث أبي سَعِيدِ ابنِ المُعلى، قال: كُنت أُصَلِي فَمَرَّ بي رسولُ اللهِ وَّهِ، فَدَعَانِي: فَلَمْ آتِهِ، حتى صَلَّيتُ، ثُمَّ أَتَيتُه، فقال: ((مَا مَنَعَك أن تَأْتِينِي؟ ألم (١) يَقُل اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤])). ورَوى التِّرمِذي، وصَحَّحَهُ، والنَّسَائِيُّ(٢) من حديث أبي هريرةَ: ((أَنَّه دَعَا أُبَّيَّ بنَ كَعبٍ، بِنَحوِ هذه القِصَّةِ، وقال: إنِّي لَا أَعُودُ، إن شَاءَ اللهُ). ومَا ذَكَرْنَاهُ من وُجُوبِ الإجابةِ وعَدَمِ البُطلَانِ، هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، رضي الله تعالى عنه، وبه جَزَمَ الرَّافِعِيُّ، والنَّوِيُّ، وحَكَى ابنُ الرِّفعَةِ وجهًا: أنَّه لَا تَجِبُ(٣)، وتَبطُلُ به الصَّلَاةُ(٤). قال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(٥): واعتَرَضَ عليه بَعضُ المَالِكِيَّةِ، بِأن قال: إنَّ الإجابةَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالقَول فيها، فَيَكفي فيها الإيمَاءُ. وعلى تَقدِيرِ أن يَجِبَ (٦) القَولُ، لَا يَلزَمُ منهُ الحُكمُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، لِجَوازِ أن تَجِبَ الإجابةُ، ويَلَزَمَهم الاستِئِنَافُ، انتَهَى. قلتُ: في هذا الحديثِ أنهم أجابوهُ بِاللفظِ، بعد العِلم أنهم في الصَّلَاةِ، وأكمَلَ بهم الصَّلَاةَ، ولَم يَأْمُرهم بالاستِئْنَافِ، فَتَرَجَّحَ مَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ، واللهُ تعالى أعلَمُ. الحَادِيَةُ والعِشرُونَ: [١٧١/١ظ] استَدَلَّ به مَن ذَهَبَ من المَالكِيَّةِ إِلَى أنَّ تَعَمُّدَ الكَلَام في الصَّلَاةِ لإصلاحِها، لَا يُبطِلُها، وبه قال رَبِيعَةُ، وهِيَ رِوايَةُ ابنِ القَاسِمِ، عن مَالكِ: أنَّ الإمَامَ لَو تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِه النَّبِيُّ ◌َِّ، من الاستِفِسَارِ والسُّؤَال عند(٧) الشَّكِّ، وأجابَه المأمُومون، أنَّ صَلَاتَهم تَامَّةٌ، على (١) في الأصل، (م): ((أوَ لَم)). الترمذي (٢٨٧٥)، والنسائي (٩١٣)، وقال الترمذي: حسن صحيح. (٢) (٣) في (ك): ((یجب)» . ينظر: الحاوي (١٧٩/٢، ١٨٠)، والشرح الكبير (١١٥/٤)، المجموع (١٢/٤). (٤) (٥) إحكام الأحكام (ص ١٨٠). (٧) في (ك): ((عن)). (٦) بعده في (ك): «أنَّ). ٤٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مُقْتَضَى الحديثِ(١). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): وهو المَشهُورُ من مَذهَبِ مَالكِ، وإِيَّاهُ تَقَلَّدَ إسمَاعِيلُ بنُ إسحاق(٣)، واحتَجَّ له، في كِتَابِ ((رَدِّهِ على مُحَمَّدٍ بنِ الحَسَنِ))(٤)، وخَالَفَ في ذلك جُمهُورَ الفُقَهاءِ (٥)، فَذَهَبُوا إِلَى أنَّها تَبطُلُ، وبه جَزَمَ أصحَابُ الشَّافِعِيِّ، وأكثَرُ أصحَابِ مَالكِ. قال الحَارِثُ بنُ مِسكِينٍ: أصحَابُ مَالكِ على خِلَافِ قَول مَالكِ في مَسألَةٍ ذي اليَدَينِ، إلَّا ابنَ القَاسِم وحدَهُ، فإنَّه يَقُولُ (١٥/٣م) فيها (٦) بِقَول مَالكِ، وغَيرُهم (٧) يَأْبَونَهُ، ويَقُولُونَ(٨): إنَّمَا كَانَ هَذا في أول الإسلام، فَأَمَّا الآنَ: فقد عَرَفَ النَّاسُ صَلَاتَهم؛ فَمَن تَكَلَّمَ فيها أَعَادَها، انتَهَى. وقد قِيلَ: إنَّ مَالِكًا رَجَعَ إِلَى قَول الجُمهُورِ، فقد رَوى عنهُ أبو قُرَّةَ مُوسَى بنُ طَارِقٍ الزَّبِيدِيُّ(٩)، بِالإِسنَادِ الصَّحِيحِ إلَيهِ، قال: سَمِعت مَالكًا يَسْتَحِبُّ إذا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ في الصَّلَاةِ: أن يَعُودَ لَها، ولَا يَبِنِيَ، قال: وقال لَنَا مَالكٌ: إِنَّمَا تَكَلَّمَ (١) ينظر: البيان والتحصيل (٥٢/٢، ٥١)، والكافي لابن عبد البر (٣٤٣/١). (٢) التمهيد (٣٤٦/١)، والاستذكار (٤٩٩/١). (٣) هو: قاضي بغداد، صاحب المسند، وغيره من التصانيف النافعة؛ كـ((أحكام القرآن))، و((معاني القرآن))، و((الرد على محمد بن الحسن))، ولم يكمله (ت٢٨٢هـ). المنتظم (١٥١/٥)، وسير أعلام النبلاء (٣٣٩/١٣)، وشذرات الذهب (١٧٨/٢). (٤) ألف في الرد على محمد بن الحسن جماعة منهم: الشافعيُّ في الأم، وأبو بكر محمد بن الجهم المالكي، المعروف بابن الوراق (ت٢٧٧ هـ)، وابن سريج الشافعي (ت٣٠٦هـ)، وإسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي. (٥) ينظر: المبسوط (٥٩/١)، والحاوي (١٧٧/١، ١٧٨)، والفروع (٢٨٢/٢). (٦) ليس في: (ح). (٧) في نسخة بحاشية (ح) رمز إليها بالرمز (ط): ((وغيره)). (٨)- ليس في: (ح). (٩) بفتح الزاي، وكسر الباء، قاضي زَبِيد، الإمام المحدث الحجة، عن موسى بن عقبة، وابن جريج، ومالك، وعنه أحمد بن حنبل، وإسحاق، أخرج له النسائيُّ وحده، وله كتاب ((السنن)). الجرح والتعديل (١٠٨/٨)، وتهذيب الكمال (٨٠/٢٩)، وسير أعلام النبلاء (٣٤٦/٩). ٤٥١ بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ = رسولِ اللهِ وَل﴿، وتَكَلَّمَ أصحَابُهُ معهُ يَومَئِذٍ؛ لأنهم ظَنُوا أَنَّ الصَّلَاةَ قد قُصِرَت، ولَا يَجُوزُ ذلك لأحَدِ اليَومَ(١). ورَوى أشهَبُ، عن مَالكِ، في سَمَاعِهِ: أنَّه قِيلَ له: أبَلَغَكَ أنَّ رَبِيعَةَ صَلَّى خَلفَ إِمَامٍ فَأَطَالَ الَّشَهُّدَ، فَخَافَ رَبِيعَةُ أن يُسَلَمَ، وكَانَ على (٢) الإمَامِ السُّجُودُ(٣) قَبلَ السَّلَامِ، فَكَلَّمَهُ رَبِيعَةُ، وقال له: إنَّه مَا قَبلَ السَّلَامِ. فقال: مَا بَلَغَنِي، ولَو بَلَغَنِي مَا تَكَّلَّمت به، أيُتَكَلَّمُ(٤) في الصَّلَاةِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): تَحْتَمِلُ رِوايَةُ أشهَبَ هذه أن يَكُونَ مَالكٌ رَجَعَ فيها عن قَولِهِ الذي حَكَاهُ عنهُ ابنُ القَاسِم، إلَى مَا حَكَاهُ عنهُ أبو قُرَّةَ. ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ أَنكَرَ هَذا من فِعل رَبِيعَةَ، من أجل أنَّه لم يَكُن يَلزَمُهُ عندهُ الكَلَامُ فيمَا تَكَلَّمَ فيه، إلَى آخِرِ كَلَامِهِ. وقال ابنُ كِنَانَةَ(٦) من المَالِكِيَّةِ: لَا يَجُوزُ لأَحَدٍ (٧) من النَّاسِ اليَومَ مَا جَازَ لَمَن كَانَ يَومَئِذٍ مع النَّبِّ وَِّ؛ لأنَّ ذا الْيَدَينِ ظَنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ قد قُصِرَت، فَاسْتَفْهَمَ عن ذلك، وقد عَلَمَ النَّاسُ اليَومَ أنَّ قَصرَها لَا يُتْرَكُ، فَعلى مَن تَكَلَّمَ الإِعَادَةُ. قال عِيسَى(٨): فَقَرَأْتُهُ على ابنِ القَّاسِمِ: فقال: مَا أَرَى في هَذا حُجَّةً. أخرجه عنه ابن عبد البر في التمهيد (٣٤٥/١). (١) (٢) ليس في: (ك). (٣) في (ك): ((سجود)). في (م): ((أتتكلم)). وفي الاستذكار: ((أنتكلم)). (٤) (٥) التمهيد (٣٤٦/١). أبو عمرو عثمان بن عيسى بن كنانة، وكنانة: مولى عثمان بن عفان، كان من فقهاء (٦) المدينة، وهو الذي جلس في مجلس مالك بعد وفاته، ولم يكن هناك أضبط، ولا أدرس منه للفقه عنده (ت٢٨٦ هـ)، وقيل: (٢٨٥هـ). طبقات ابن منظور (ص١٤٦، ١٤٧)، والوفيات لابن قنفذ (ص١٤٣)، وترتيب المدارك (٢٩٢/١). (٧) ليس في: (ك). (٨) هو: فقيه الأندلس أبو محمد عيسى بن دينار الغافقي القرطبي، رحل فسمع ابن القاسم، وكانت الفتوى تدور عليه، وكان مجاب الدعوة، وما خلف مثله من نظرائه (ت٢١٢هـ) في سن الكهولة. ترتيب المدارك (١٦/٣)، وسير أعلام النبلاء (٤٣٩/١٠)، والعبر (٣٦٣/١)، والديباج المذهب (٦٤/٢). ٤٥٢ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقد قال لهم رسولِ اللهِ وَله: ((كُلُّ ذلك لم يَكُن! فقالوا له: بَلَى.))، فقد كَلَّمُوهُ عَمِدًا بعد عِلمِهِم: أنَّها لم تُقصَر، وبَنَوا معهُ، وقد قِيلَ: إنَّ ابنَ القَاسِمِ أيضًا اختَلَفَ كَلَامُهُ فيها، كما سَيَأتي(١) في الوجهِ الذي يَليهِ. ■ الثَّانِيَةُ والعِشرُونَ: ذَهَبَ أكثَرُ المَالِكِيَّةِ البَغْدَادِيِّينَ، على قَول ابنِ القَاسِمِ، إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُنفَرِدِ (٢) والجَمَاعَةِ في الكَلَام في مَصلَحَةِ الصَّلَاةِ، وأنَّه لَا يَجُوزُ ذلك للمُنفَرِدِ. وقد ذَكَرَ سُحْنُونَ(٣)، عن ابنِ القَاسِمِ، في رَجُلٍ صَلَّى وحدَهُ، فَفَرَغَ عند نَفْسِهِ من الأربَعِ، فقال له مَن حَضَرَهُ: إِنَّكَ لَم تُصَل إلَّا ثَلَاثًا. فَالتَّفَتَ إلَى آخَرَ، فقال: أحَقُّ مَا يَقُولُ هَذا؟ قال: نَعَم. قال: تَفسُدُ صَلَاتُهُ، ولَم يَكُن يَنْبَغِي له أن يُكَلِمَهُ، ولَا يَلتَفِتَ إلَیهِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): وكَأنَّ غَيرَ هَؤُلَاءِ يَحمِلُونَ جَوابَ ابنِ القَاسِمِ في هذه، على خِلافٍ من قَولِهِ في استِعمَالِ(٥) حديثَ ذي اليَدَينِ، كما اختَلَفَ كَلَامُ مَالكِ فيه، ويَذْهَبُونَ إلَى جَوازٍ (١٦/٣م) الكَلَامِ في إصلاحِ الصَّلَاةِ للمُنفَرِدِ والجَمَاعَة. ■ الثَّالِثَةُ والعِشرُونَ: فيه حُجَّةٌ، (٦على أحمَد٦َ)، حَيثُ ذَهَبَ إلَى أنَّه إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ (٧) لمَصلَحَةِ الصَّلَاةِ الإِمَامُ خَاصَّةً، فَأَمَّا غَيرُ الإمَامِ فَمَتَّى تَكَلَّمَ عَامِدًا أو سَاهِيًا بَطَلَتِ صَلَاتُهُ، كَذا حَكَاهُ الخِرَقِيُّ(٨): أنَّه مَذهَبُهُ. وعنهُ رِوايَتَانِ أُخرَیَانٍ، حَكَاهما الأثرَمُ(٩) : إحدَاهما: أنَّ الكَلَامَ لمَصلَحَةِ الصَّلَاةِ(١٠) لَا يُبطِلُها؛ كَقَول مَالكِ. ليس في: الأصل. (١) ينظر: التمهيد (٣٤٦/١). (٣) (٢) في (ك): ((الفرد)). (٤) التمهيد (٣٤٧/١). (٥) في (م): ((استعماله)). (٦ - ٦) في (ك): ((لأحمد)). (٧) في (ك): ((تكلم)). (٨) مختصر الخرقي (ص٣١). (٩) ينظر: مسائل أحمد للمروزي (٣٨٨/٢)، المغني (٧٤٠/١ - ٧٤١)، الزركشي على الخرقي (٢١٦/١). (١٠) ليس في (ك). = بَابُ السَّهو في الصَّلَاةِ ٤٥٣ والثَّانِيَةُ: كَقَول الشَّافِعِيِّ، فقال: إنَّمَا تَكَلَّمَ ذُو الْيَدَينِ، وهو يَرَى أنَّ الصَّلَاةَ قُصِرَت، وتَكَلَّمَ النَّبِيُّ وََّ، وهو [١٧٢/١ و] دَافِعٌ لِقَول ذي اليَدَينِ، فَكَلَّمَ القَومَ فَأجابوهُ؛ لأنهم كَانَ عليهم أن يُجِيبُوهُ. ■ الرَّابِعَةُ والعِشرُونَ: فيه أنَّ السَّهوَ في الصَّلَاةِ لَا يُفسِدُها، بَل يَجُوزُ البِنَاءُ عَلَيها، خِلافًا لَبَعضِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): ولا أعلَمُ أحَدًا من فُقَهاءِ الأمصَارِ قال به. ■ الخَامِسَةُ والعِشرُونَ: فيه أنَّ(٢) نِيَّةَ قَطع الصَّلَاةِ على ظَنِّ التَّمَامِ لَا يُفسِدُها، إذا تَبَيَّنَ أنَّها لم تَتِمَّ، وله أن يَبْنِيَ عَلَيها، ولَا يَلَزَمُهُ الاستِنَافُ، وهو كَذلك. ■ السَّادِسَةُ والعِشرُونَ: وفيه أنَّ إِيقَاعَ السَّلَامِ سَهوًا لَا يُبِطِلُ الصَّلَاةَ، وهو كَذلك عند أكثَرِ أهل العِلمِ، وقال بَعضُ أصحَابِ أبي حَنِيفَةَ(٣): يُبِطِلُها السَّلَامُ سَاهِیًا(٤)؛ گالگلام فيها . قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): وأجمَعُوا أَنَّ السَّلَامَ فيها عَامِدًا قَبَلَ تَمَامِها يُفسِدُها. ■ السَّابِعَةُ والعِشرُونَ: فَرَّقَ أكثَرُ أصحَابِ الشَّافِعِيِّ، في كَلَامِ السَّاهِي، أو مَن لَا يَعلَمُ أنَّه في الصَّلَاةِ، بَينَ قَليل الكَلَام وكَثِيرِهِ، وقَالُواَ: إِنَّمَا لَا يُبطِلُ(٦) منهُ هُو (٧) اليَسِيرُ، فَأمَّا الكَثِيرُ فَيُفسِدُها، وحَدَّ أبو نَصرِ ابنُ الصَّبَّاغِ منهم القَليلَ بِالقدرِ الذي تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َ لِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَينِ، كما حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عنهُ(٨)، وَحَدَّ الشَّيخُ أبو حَامِدِ الْيَسِيرَ بِثَلَاثٍ كَلِمَاتٍ. قال الرَّافِعِيُّ: وكُلُّ واحِدٍ منهما للتَّمْثِيل أصلَحُ منهُ للتَّحدِيدِ، قال: والأظهَرُ فيه وفي نَظَائِرِهِ الرُّجُوعُ إلَى العَادَةِ. (١) التمهيد (٢٩/٥). (٢) ليس في: الأصل. (٣) نقله عنهم ابن عبد البر في الاستذكار (٥٠٣/١). وينظر: الهداية (٦١/١)، والبحر الرائق (٨/١). في الأصل: ((سهوًا)). وفي (ك): ((ها هنا)). (٤) (٥) التمهيد (٣٥/١). ليس في: (ح). (٧) (٦) في (ك): ((تبطل)). (٨) الشرح الكبير (١١٢/٤). ٤٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ · الثَّامنةُ والعِشرُونَ: استَدَلَّ به مَن قال من أصحَابِ الشَّافِعِيِّ، ومَالكِ أيضًا(١): إنَّ الأفعَالَ الكَثِيرَةَ في الصَّلَاةِ، التي لَيسَت من جِنسِها، إذا وقَعَت على وجهِ السَّهوِ لَا تُبطِلُها؛ لأنَّه خَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، وفي بَعضِ طُرُقِ الصَّحِيحِ (٢): (أَنَّهِ وَ خَرَجَ إِلَى(٣) مَنْزِلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ))، وفي بَعضِها: ((أتَى جِذعًا في قِلَةِ المَسجِدِ، واستَنَدَ إلَيها، وشَبَّكَ بَينَ أصَابِعِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، ورَجَعَ النَّاسُ، وبَنَى بهم)). وهذه أفعَالٌ (٤) كَثِيرَةٌ. وللقَائِل بِأَنَّ الكَثِيرَ يُبطِلُ أن يَقُولَ: هذه غَيرُ كَثِيرَةٍ، كما قالهُ ابنُ الصَّبَّغِ في الكلام(٥). وقد حَكَاهُ القُرطُبِيُّ(٦)، عن أصحَابٍ مَالكِ، أنهم حَمَلُوا مَا وقَعَ في هذه القِصَّةِ، على (٧) أنَّه عَمَلٌ قَليلٌ، والرُّجُوعُ في الكَثرَةِ والقِلَّةِ إلَى العُرفِ على الصَّحِيحِ، والمذهَبُ الذي قَطَعَ به جُمهُورُ أصحَابِ الشَّافِعِيِّ (٨): أنَّ النَّاسِيَ في ذلك كَالْعَامِدٍ، فَيُبطِلُها الفِعلُ الكَثِيرُ سَاهِيًّا، والله تعالى أعلمُ. ■ التَّاسِعَةُ والعِشرُونَ: استَدَلَّ به مَن ذَهَبَ من المُتَقدِمِينَ، إلَى جَوازٍ البِنَاءِ على الصَّلَاةِ، فيما إذا تَرَكَ بَعضَها سَهوًا، وإن طَالَ الفَصلُ، وهو مَنقُولٌ عن رَبِيعَةَ، وعن مَالكِ أيضًا، ولَيسَ بِمَشهُورٍ عنهُ(٩)، ولَم يُوافِقِ الجُمُهُورَ على جَوازِ البِنَاءِ مع طُول الفَصلِ، ولهم أن يَقُولُوا: لَا نُسَلِّمُ طُولَ الفَصلِ في مِثل هَذا، كما سَيَأْتِي فِي الفَائِدَةِ التي تَليهِ. ■ الفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ: اختُلفَ في قدرِ الزَّمَنِ الذي يَجُوزُ البِنَاءُ معهُ؛ فَذَهَبَ بَعضُ أصحَابِ الشَّافِعِيِّ (١٠): أنَّ تَقدِيرَهُ بِمَا ثَبَتَ في حديثٍ ذِي الْيَدَينِ، (١) ليس فى: (ك). (٢) البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٩٧/٥٧٣). (٤) في الأصل، (م): ((الأفعال)). (٣) ليس في: (ح). (٥) حكاه صاحب البيان، كما قال الرافعي في الشرح الكبير (١١٢/٤). (٦) المفهم (٢ /١٩٠). (٧) ليس في: (ح). الشرح الكبير (١٣٠/٤)، وروضة الطالبين (٢٩٤/١)، ومنهاج الطالبين (ص١٤) .. (٨) (٩) ينظر: إحكام الأحكام (ص١٨١)، وفتح الباري لابن رجب (٤٦١/٦) . . (١٠) بعده في: (ك، ح، م): ((إلى)). بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ ٤٥٥ 22 = كما حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (١)، وقال بَعضُهم: هو قدرُ الصَّلَاةِ، فَمَا زَادَ فَطَوِيلٌ، والذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في ((الأُمّ»: أنَّ المَرجِعَ فيه إلَى العُرفِ. ونَصَّ في البُويطِيِّ على أنَّ الطَِّيلَ مَا زَادَ على قدرٍ رَكعَةٍ(٢). وحَكَى صَاحِبُ ((المُفهِم))(٣): أنَّه رُوِيَ عن مَالكِ، وَرَبِيعَةَ: أنَّ ذلك مَا لم يَنْتَقِض وُضُوءُهُ. ■ الحَادِيَةُ وِالثَّلاثُونَ: استُدِلَّ بِرُجُوعِهِ بَّهِ إِلَى خَبَرٍ أصحَابِهِ، حِينَ صَدَّقُوا ذا اليَدَينِ: على مَا ذَهَبَ إلَيهِ مَالِكٌ، ومَن قال بِقَولِهِ: أنَّ الإمَامَ يَرجِعُ إلَى قَول المَأْمُومِينَ. وعندهم خِلَافٌ في اشتِرَاطِ العَدَدِ، بِنَاءً على أنَّه يَسلُكُ(٤) به مَسلَكَ الشَّهادَةِ، أو الرِّوايَةِ. وكذا عندهم خِلَافٌ آخَرُ؛ بَينَ أن يَكثُرُوا أو يَقِلُّوا، فَإِن كَانَ الإمَامُ على شَكٌّ: فإنَّه يَرجِعُ إلَى قَولهِم بِلَا خِلافٍ عندهم، قالهُ القُرطُبِيُّ(٥)، قال: وأمَّا إن كَانَ جَازِمًا في اعتِقَادِهِ، بِحَيثُ يُصَمِّمُ إلَيهِ، فَلَا يَرجِعُ إلَيهِم، إلَّا أن (٦) يُفيدَ خَبَرُهم العِلمَ فَيَرجِعَ إلَيهِم، وإن لم يُفِد خَبَرُهم العِلمَ، فَذَكَرَ ابنُ القَصَّارِ، عن مَالكِ في ذلك قَولَينِ: [١/ ١٧٢ ظ] الرُّجُوعَ إلى قَولِهِم، وعَدَمَهُ. [وبِالأول: قال ابنُ حَبِيبٍ، ونَصُّهُ: إذا صَلَّى الإمَامُ بِرَجُلَينٍ فَصَاعِدًا، فإنَّه يَعْمَلُ على يَقِينِ مَن ورَاءَهُ، ويَدَعُ(٧) يَقِينَ نَفسِهِ. قال المَشَائِخُ: يُرِيدُ الاعتِقَادَ. وبِالثَّانِي: قال ابنُ مسلَمَةَ(٨). ونَصُّ مَا حُكِيَ عنهُ: يَرجِعُ إلَى قَولِهِم إن الشرح الكبير (١١٢/٤). (١) (٣) المفهم (١٩٠/٢). (٥) المفهم (١٨٤/٢). (٧) في (ك): ((ويدفع)). (٢) ينظر: الشرح الكبير (١٨٢/٤، ١٨٣). (٤) في: (ك): ((سلك)). (٦) بعده في: (ك): ((كان)). في (ت، م): ((سلمة)). والظاهر أنه: أبو هشام محمد بن مسلمة المخزومي المدني الفقيه، صاحب مالك (ت٢١٦ هـ). وينظر: التاريخ الكبير (٢٤٠/١)، والجرح والتعديل (٧١/٨). (٨) ٤٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ كَثُرُوا، ولَا يَرجِعُ إذا قَلُّوا، فَيَنصَرِفُ ويُتِمُّونَ لأَنْفُسِهِم، انتَهَى](١). وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وآخَرُونَ(٢)، إلَى أَنَّه لَا يَترُكُ اعتِقَادَهُ لقَول مَن وَرَاءَهُ من المَأْمُومِينَ وغَيرِهِم. ويَدُلُّ له: مَا رَواهُ أبو دَاوُد(٣)، من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ (١٨/٣م)، وأبي سَلَمَةَ، وعُبَيدِ (٤) الله بنِ عَبدِ الله، عن أبي هريرةَ، بِهذه القِصَّةِ، قال: ((ولَم يَسُجُد سَجدَتَي السَّهوِ، حتى يَقَّنَهُ اللهُ تعالى ذلك)). ■ الثَّانِيَةُ والثَّلاثُونَ: فَإن قِيلَ: قد تَقدمَ قَولُ ابنِ عَبدِ البَرِّ، وغَيرِهِ(٥): أنَّ الزُّهرِيَّ اضطَرَبَ في مَتنِ هَذا الحديثِ وإسنَادِهِ، اضطِرَابًا أوجَبَ عند أهل العِلمِ تَركَهُ من رِوايَتِهِ، وأيضًا على تَقدِيرِ ثُبُوتِهِ: يَجُوزُ أن يَكُونَ قَولُهُ: ((حتى يَقَّنَهُ الله)؛ أي: يَقَّنَهُ بِإِخبَارِ مَن أخبَرَهُ بِذلك، مِمَّن يَستَحِيلُ إجمَاعُهم على الخَطَاءِ لُبُلُوغِهِم حَدَّ الثَّواتُرِ، لَا بِتَذَكُّرِهِ أنَّه تَرَكَ بَعضَ الصَّلَاةِ. والجَوابُ: أَنَّه وإن لم يَتَذَكَّرِ، فَاتَّفَاقُ أصحابه أوجَبَ حُصُولَ الشَّكِّ عندهُ، وحُصُولُ الشَّكِّ يَقتَضِي إعَادَةَ مَا شَكَّ فيه؛ على أحد الوجهَينِ لأصحَابِ الشَّافِعِيِّ، ولأصحَابٍ مَالكِ أيضًا: أنَّ حُصُولَ الشَّكِّ يُؤثِّرُ وإن كَانَ بعد الفَرَاغِ من العِبَادَةِ. فَأمَّا على القَول المُرَجِّحِ: أنَّ الشَّكَّ لَا يُؤَثِّرُ بعد الفَرَاغِ من العِبَادَةِ، فَلقَائِلٍ أن يَقُولَ: فَعَله احتياطًا، بِالنِّسَبَةِ إلَى نَفسِهِ، إن كَانَ لم يَتَذَكَّر، وفَعَله معهُ غَيْرُهُ وُجُوبًا، لِعِلمِهِم أنَّ الصَّلَاةَ لم تَتِمَّ. وهَذا بَعِيدٌ لاتُّفَاقِ أهل الكَلَام(٦)، مِمَّن جَوزَ السَّهو عليه: أنَّه لَا يُقَرُّ(٧) (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). وينظر: إكمال المعلم (٥١٠/٢)، والمفهم (١٨٤/٢). (٢) ينظر: إكمال المعلم (٥٢١/٢)، وفتح الباري لابن رجب (٢٤٠/٤). (٣) أبو داود (١٠١٢). (٤) في (ك): ((وعبد)). (٥) التمهيد (٣٦٥، ٣٦٤)، وينظر: فتح الباري لابن رجب (٤٥٧/٦، ٤٥٦)، ومسلم بشرح النووي (٧٢/٥). (٦) ينظر: البحر المحيط (٢٤٤/٣)، وإرشاد الفحول (١٠١/١). (٧) في (م): ((يقرّه)). بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ ٤٥٧ = عليه، بَل يُنَبَّهُ عليه، ويُبَيَّنُ له، ولَكِنَّ إمَامُ الحَرَمَينِ: مَالَ إلَى أَنَّه لَا يُشتَرَطُ تَنِيهُهُ عليه على الفَورِ . وإِن كَانَ الأكثَرُونَ على خِلَافِهِ، فَلَعَله يَبِينُ(١) له بعد ذلك. والأقرَبُ في هذه المَسألَةِ مَا اختَارَهُ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ ابنُ عَبدِ السَّلَامِ في ((القَواعِدِ))(٢): أنَّ إن بَلَغَ المُخبِرُ (٣) له، بِأَنَّه لم تَتِمَّ(٤) صَلَاتُهُ، عَدَدَ التَّواتُرِ، وجَبَ رُجُوعُهُ إِلَيهِم، وإلَّا عَمِلَ على اعتِقَّادِهِ. وقد تَقدمَ نَقلُهُ أيضًا عن صَاحِبِ (المُفهِم))(٥)، عن المَالِكِيَّةِ، (٦ وبِهَذا يُجَابُ عن الحديث٦ِ). ■ الثَّالِثَةُ والثَّلاثُونَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): قد زَعَمَ بَعضُ أهل الحديثِ، أنَّ في هذا الحديثِ دَليلًا على قَبُول خَبَرِ الواحِدِ، وقد اذَّعَى المُخَالفُ أنَّ فيه حُجَّةً على مَن قال بِخَبَرِ الواحِدِ، قال أبو عُمَرَ: والصَّحِيحُ أنَّه لَيسَ بِحُجَّةٍ في قَبُول خَبَرِ الواحِدِ، ولا في رَدِّهِ. الزَّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: لم يَذكُر يَحيّى (٨) بنُ أبي كَثِيرٍ فِي رِوايَتِهِ، عن أبي سَلَمَةَ(٩)، سَجدَتَي السَّهوِ، بَل رَواهما عن ضَمَضَمٍ بنِ جَوسٍ، عن أبي هريرةَ. وقال(١٠) أبو دَاوُدُ(١١): إنَّه رَواهُ عِمرَانٌ (١٢) بنُ أبي أنَسٍ، عن أبي سَلَمَةَ أيضًا، ولَم يَذكُر: ((أنَّه سَجَدَ السَّجدَتَينِ)). ورِوايَةُ ضَمضَمٍ بنِ جَوسٍ؛ رَواها أبو دَاوُد(١٣) أيضًا، من رِوايَةٍ عِكرِمَةَ بنِ (١٤) عَمَّارٍ عنهُ، وفيها إثبَاتُ السَّجدَتَينِ(١٥)، (١) في (ك): ((بُيّنَ)). ينظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ٣٧). (٢) (٣) في (ك، ح): ((المخبرون)). (٥) المفهم (١٨٤/٢). (٧) التمهيد (٣١٣/١). (٩) في (ح): ((أبي هريرة)). (١١) في السنن (١٠١٣). (١٣) أبو داود (١٠١٦). (١٥) في (ك): ((السورتين)). (٤) في (ك، ح): ((يُتِم)). (٦ - ٦) ليس في: (ح). (٨) ليس في: (ك). (١٠) في (ح): ((رواها)). (١٢) في (ك): ((عن)). (١٤) في (ك): ((عن)). = ٤٥٨ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وزِيَادَةُ كَونِهِمَا بعدمَا سَلَّمَ، وذلك صَحِيحٌ من رِوايَةٍ أبي سَلَمَةَ، كما رَواهُ البُخَارِيُّ(١)، من رِوايَةِ سَعدِ بنِ إبرَاهِيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، فقال في آخِرِهِ: ((ثُمَّ سَجَدَ سجدتینِ)). وقد ذَكَرَ ابنُ (١٩/٣م) عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهِيدِ))(٢): أنَّ ابنَ شِهابٍ كَانَ يُنكِرُ أن يَكُونَ رسولُ اللهِ وَهِ سَجَدَ يَومَ ذي اليَدَينِ. ولَا وجهَ لقَولهِ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ في هَذا الحديثِ وغَيرِهِ. ثُمَّ رَواهُ من(٣) رِوايَةِ عِرَاكِ بنِ مَالكِ، عن أبي هريرةَ: ((سَجَدَ يَومَ ذي البَدَينِ، سَجِدَتَيْنِ بعد السَّلَامِ». انتَهَى. وهو عند النَّسَائِيّ من هَذا الوجهِ(٤)، وهو في الصَّحِيحِ من ظُرُقٍ، عن [١٧٣/١ و] أبي هُرَيرَةَ، فَاتَّفَقَا عليه من رِوايَةِ ابنِ سِيرِينَ عنهُ(٥)، وانفَرَدَ به البُخَارِيُّ(٦) من رِوايَةِ أبِي سَلَمَةَ عنهُ(٧)، كما تَقدمَ، وانفَرَدَ به مُسلمٌ(٨) من رِوايَةِ أبي سُفيَانَ، مَولَى ابن(٩) أبي أحمَدَ عنهُ، ومن حديثٍ عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ (١٠)، وأخرَجَهُ أبو دَاوُدُ(١١)، من حديثِ ابنِ عُمَرَ: فَلَا وجهَ لإنكَارِهِ. وقال مُسلمٌ في ((الثَّميِيزِ))(١٢): قَولُ ابنِ شِهابٍ: إنَّه لم يَسجُد يَومَ ذِي الْيَدَينِ. خَطَأُ وَغَلَطٌ، وقد ثَبَتَ ذلك عنهُ عَلُ، انتَهَى. على أنَّه قد اختَلَفَتِ الرِّوايَةُ على ابنِ شِهابٍ، في إنكَارِهِ؛ فقال أبو دَاوُد عنهُ في رِوايَةٍ: ((وَلَم يَسجُد السَّجدَتَينِ اللَّينِ تُسجَدَانٍ(١٣) إذا شََك، حِينَ لَقَّاهُ النَّاسُ)) (١٤). وفي رِوايَةٍ أُخرَى: ((وَلَم يَسجُد [سَجدَتَي السَّهوِ، حتى يَقَّنَهُ الله (١) البخاري (٧١٥). (٣) في (ك): ((في)). (٥) البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣/ ٦٧). (٧) ليس في: (ك). (٩) ليس في: الأصل، (م). (١١) أبو داود (١٠١٧). (١٢) التمييز (ص١١٧)، طبعة دار ابن الجوزي، تحقيق: الدكتور عبد القادر المحمدي. (١٤) أبو داود (١٠١٣). (١٣) في (ك)، (ح): ((يسجدان)). (٢) التمهيد (٣٤٣/١). (٤) النسائي (١٢٣٢). (٦) البخاري (٧١٥). (٨) مسلم (٩٩/٥٧٣). (١٠) مسلم (١٠١/٥٧٤). بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ ٤٥٩ ذلك))(١). ولَيسَ في هَذا نَفيُ السُّجُودِ مُطلَقًا . وقد جَاءَ عن غَيرِ ابنِ شِهابٍ أيضًا نَفيُ السَّجدَتَينِ، وذلك فيمَا رَواهُ أبو دَاوُد(٢) أيضًا، من رِوايَةِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال فيه: ((ثُمَّ انصَرَفَ وَلَم يَسجُد](٣) سَجدَتَي السَّهِ)). ومَن أَثْبَتَ سَجدَتَي السَّهوِ أكثَرُ وأولَى، إذ معهم زِيَادَةُ عِلمٍ. وقد اضطَرَبَ ابنُ شِهابٍ في حديثٍ ذي اليَدَينِ، كما تَقدمَ. ■ الخَامِسَةُ والثَّلاثُونَ: فيه مَشرُوعِيَّةُ سَجدَتَي السَّهوِ، وهو كَذلك عند عَامَّةِ العُلَمَاءِ، إلَّا أنَّ الزُّهرِيَّ، قال: ((إذا عَرَفَ الرَّجُلُ مَا نَسِيَ من صَلَاتِهِ، فَأَتَمَّها: فَلَيسَ عليه سَجِدَتَا السَّهوِ))(٤). لحديثِ ذي اليَدَينِ، فَإِنَّ ابنَ شِهابٍ كَانَ يَقُولُ: (إنَّه لم يَسجُد يَومَ ذي اليَدَينِ)). كما تَقْدمَ في الفَائِدَةِ قَبلَها . السَّادِسَةُ والثَّلاثُونَ: فيه أنَّ السُّجُودَ للسَّهوِ سَجدَتَانٍ، من غَيرِ زِيَادَةٍ عليهمَا ولَا نَقصٍ، وهو كذلك. السَّابِعَةُ والثَّلاثُونَ: ذَكَرَ المُهَلَّبُ بنُ أبي صُفْرَةَ حِكمَةَ سُجُودِ السَّهوِ، فقال: إنَّه في الزِّيَادَةِ لأحد مَعنَيَينٍ؛ ليَشْفَعَ له مَا زَادَ إِن كَانَت زِيَادَةً كَثِيرَةً، وإن كَانَت زِيَادَةً قَليلَةً فَالسَّجدَتَانِ تَرغِيمٌ للشَّيطَانِ الذي أسهَى وشَغَلَ، حتى زَادَ في الصَّلَاةِ، فَأُغِيظَ الشَّيطَانُ بِالسُّجُودِ؛ لأنَّ السُّجُودَ هو الذي استَحَقَّ إبليسُ بِتَركِهِ العَذابَ في الآخِرَةِ، والخُلُودَ في النَّارِ، فَلَا شَيءَ أرغَمُ منهُ له(٥). (٢٠/٣م). قلتُ: ومَا ذَكَرَهُ من الإرغَامِ في الزِّيَادَةِ القَليلَةِ: مُخَالفٌ لمَا في ((صَحِيحِ مُسلم)) (٦)، من حديث أبي سَعِيدٍ، فإنَّه قال فيه: ((فَإِن كَانَ صَلَّى: خَمسًا شَفَعنَ له صَلَاَّهُ، وإن كَانَ صَلَّى إتمَامًا لأربَعٍ: كَانَتَا تَرغِيمًا للشَّيْطَانِ)). فَجَعَلَ الشَّفعَ لمُطلَقِ الزِّيَادَةِ، والتَّرغِيمَ عند عَدَمِها، واللهُ تعالى أعلمُ. (١) أبو داود (١٠١٢). (٢) أبو داود (١٠١٥). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٤) ابن عبد البر في التمهيد (٣٦٥/١). (٥) ذكره غير واحد عن المهلب، وانظر: شرح البخاري لابن بطال (٢١٦/٣). (٦) مسلم (٨٨/٥٧١). ٤٦٠ M طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأمَّا أصحَابُ الشَّافِعِيِّ فَاختَلَفُوا فِي سَبَبِ سُجُودِ السَّهِ، فيما إذا شَكَّ صَلَّى ثَلَاثًا أم أربَعًا: فقال القَفَّالُ، وأبو عَليِّ السِّنجِيُّ، والبَغَوِيُّ، وآخَرُونَ: سَبَبُهُ احتِمَالُ أنَّ التي أتَى بِها خَامِسَةٌ، فَيَسجُدُ للزِّيَادَةِ، وصَحَّحَهُ النَّووِيُّ. وقال أبو مُحَمَّدِ الجُوينِيُّ، وابنُهُ، والغَزَّالِيُّ: المُعتَمَدُ فيه النَّصُّ، ولَا يَظهَرُ مَعنَاهُ(١). [■ الثَّامنةُ والثَّلاثُونَ: فيه أنَّ السَّجدَتَينِ للسَّهوِ مَحَلُّهما في آخِرِ الصَّلَاةِ، وهو كَذلك. وذَكَرَ بَعضُهم لذلك حِكمَةً، وهو احتِمَالُ ظُرُوءٍ سَهوٍ آخَرَ بعد الأول، فَيَكُونُ السُّجُودُ جَائِزًا للكُل](٢). ■ النَّاسِعَةُ والثَّلَاَثُونَ: لَو سَجَدَ في آخِرِ الصَّلَاةِ للسَّهوِ، ثُمَّ تَبَيَّنَّ أنَّ ذلك لَيسَ آخِرَ الصَّلَاةِ: أَعَادَهُ(٣) في آخِرِها، وذلك بِأن يَسجُدَ في الجُمُعَةِ لسَهوٍ، ثُمَّ يَخرُجَ الوقتُ، وهو في السُّجُودِ الأخِيرِ، أو بعد الرَّفعِ منهُ وقَبلَ السَّلَامِ: فَيَلْزَمَهُ إتمَامُ الْظُهرِ، ويُعِيدَ السُّجُودَ. وكَذلك إذا كَانَ مُسَافِرًا، فَصَلَّى صَلَاةَ المُسَافِرِ، وسَها فيها، فَسَجَدَ في آخِرِها للسَّهوِ، وتَصِلُ السَّفينَةُ به إلَى الوطَنِ قَبلَ السَّلَامِ، أو يَنوِي الإِقَامَةَ قَبلَ السَّلَامِ: فَإِنَّه يُتِمُّ، ويُعِيدُ السُّجُودَ(٤)، والله أعلمُ. ■ الفَائِدَةُ الأرْبَعُونَ: فيه أنَّ السَّهو يَتَدَاخَلُ، ويَكفي للجَمِيعِ سَجدَتَانِ؛ لأَنَّه وَلِّ سَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ، ومَشَى(٥)، وهذه كُلُّها مُقتَضِيَةٌ للسُّجُودِ، واقتَصَرَ على سَجِدَتَينٍ. وفي المَسألَةِ ثَلَاثَةُ أقوالٍ؛ الصَّحِيحُ، وعليه أكثَرُ العُلَمَاءِ هَذا، وقيل: يَسجُدُ لكُل سَهوٍ سَجدَتَينٍ، وهو قَولُ الأوزَاعِيِّ (٦)، والقَولُ الثَّالثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أن (١) ينظر: الوسيط (١٩٥/٢، ١٩٦)، والمجموع (١٢٨/٤)، والروضة (٣٠٨/١). (٣) في (ك): ((أعاد)). وفي (ت): ((إعادة)). (٢) الفائدة كاملة ليست في: (ح). (٤) ينظر: الشرح الكبير (١٧٣/٤)، والمجموع (١٤١/٤)، وروضة الطالبين (٣١٠/١). (٥) ليس في: الأصل. (٦) وممن قال به: ابن أبي ليلى، والنخعي، والشعبي، وابن الماجشون. ينظر: الاستذكار (٤٨٦/١)، وفتح الباري لابن رجب (٤٨٥/٦)، ومسلم بشرح النووي (٥/ ٥٧)، وفتح الباري لابن حجر (١٠٢/٣).