النص المفهرس
صفحات 421-440
بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بين يَدَیهِ ٤٢١ السَّادِسَةُ: قد ورَدَ مِمَّا يَقطَعُ الصَّلَاةَ، غَيرُ الثَّلَاثَةِ المَذكُورِينَ، الذينَ وُصِفُوا بِوصفِ الشَّيطَانِ، أو بِكَونِهِ مَعَهُم، وذلك فيمَا رَواهُ ((أبو دَاوُد))(١) مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، قال: أحسَبُهُ عن النَّبِّ وََّ، قال: ((إِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إِلَى غَيرٍ (٢) سُترَةٍ، فإنَّه يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الحِمَارُ، والخِنزِيرُ، واليهودِيُّ، والمَجُوسِيُّ، والمَرأةُ)). الحديثُ تَكَلَّمَ فيه أبو دَاوُد، وقال: فيه نَكَارَةٌ، وأحسَبُ الوهمَ مِن ابنِ أبي سَمِينَةَ، قال: والمُنكَرُ فيه ذِكرُ المَجُوسِيِّ، وذِكرُ الخِنزِيرِ. ولأحمدَ مِن حديثٍ عَائِشَةَ: ذَكَرَ الكَافِرَ فيمَا يَقطَعُ الصَّلَاةَ، وسَيَأْتِي في الفَائِدَةِ الثَّانية(٣) عَشرَ مِن هذا الحديثِ. ] السَّابِعَةُ: أَشَارَ ابنُ بَطَّالٍ إلى كَونِ الصَّلَاةِ إلى المَرأةِ مِن الخَصَائِصِ، كما قالت عَائِشَةُ في القُبلَةِ الصَّائِمِ: ((وأيُّكُم كان يَملكُ إربَهُ)) الحديثَ(٤). فَقال(٥): ووجهُ كَرَاهَتِهِم (٦) لذلك [١٦٦/١ظ]، والله تعالى أعلمُ؛ لأنَّ الصَّلَاةَ مَوضُوعَةٌ للإخلاصِ والخُشُوعِ، والمُصَلى خَلفَ المَرأةِ(٧) النَّاظِرُ إِلَيها: تُخشَى عَلَيهِ الفِتنَةُ بِها، والاشتِغَالُ بِنَظَرِهِ إليها؛ لأنَّ الُّفُوسَ مَجبُولَةٌ على ذلك، والنَّاسُ (٣٩٣/٢م) لَا يَقدِرُونَ(٨) مِن مِلكِ آرَابِهِم، على مِثل مَا كان يَقدِرُ عَلَيهِ النبي ◌َّ﴿ مِن ذلك، فلذلك صَلَّى هو (٩) خَلفَ المَرأةِ، حِينَ أمِنَ مِن شَغل بَالهِ بِها، ولَم تَشْغَلهُ(١٠) عن صَلَاتِهِ. انتَهَى. ولك أن تَقُولَ: الأصلُ عَدَمُ التَّخصِيصِ، حَتَّى يَصِحَّ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ، واللهُ تعالى أعلمُ. أبو داود (٧٠٤). (١) في (م): ((الثامنة)). وهو خطأً . (٣) (٤) (٦) في (م): ((كراهيتهم)). (٨) في (ح): ((يملكون)). (٩) ليس في (ك). (٢) ليس في (ح). يأتي تخريجه مستوفى في الحديث السابع، من كتاب الصيام. (٥) شرح البخاري لابن بطال (١٤١/٢). (٧) بعده في الأصل: (و)). (١٠) في (ك): ((يشغله)). ٤٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ■ الثَّامِئَةُ: أجَابَ بَعضُهُم عن حديثٍ عَائِشَةَ: بأنَّه لَيسَ فيه مُرُورٌ، وإِنَّمَا يَقْطَعُ المُرُورَ بين يَدَي المُصَلي، وأمَّا كَونُ المَرأةِ كَالسُّترَةِ للمُصَلِي، فَلَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ، وإنَّمَا كَرِهَهُ بَعضُهُم. قال ابنُ بَطَّالٍ (١): كَرِهَ كَثِيرٌ مِن أهل العِلمِ أن تَكُونَ(٢) المَرأةُ سُترَةً للمُصَلي(٣). قال مَالكٌ في ((المُختَصَرِ)): ولَا يُستَتَرُ بالمَرأةِ، وأرجُو أن تَكُونَ السُّترَةُ بالصَّبِيِّ واسِعَةً. قال: وقال الشَّافِعِيُّ(٤): لَا يُستَتَرُ بامرأةٍ، وَلَا دَابَّةٍ. وأَشَارَ ابنُ عبدِ البَرِّ إلَى أَنَّ مُرُورَ المَرأةِ أخَفُّ مِن الصَّلَاةِ إليها، فقال في ((التَّمهِيدِ)) (٥): وكَيفَ تُقطَعُ الصَّلَاةُ بِمُرُورِها، وفي هذا الحديثِ أنَّ اعِرَاضَها في القِلَةِ نَفسِها لَا يَضُرُّ؟ قلتُ: في حديثِ عَائِشَةَ المُتَّفِقِ عَلَيهِ مَا يُشِيرُ إلَى أنَّ المُرُورَ أَشَدُّ؛ فَإِنَّها قالت: (فَأْكِرَه أن أسنَحَهُ؛ فَأَنسَلُّ مِن قِبَل رِجِلَي السَّرِيرِ))(٦). وفي رِوايَةٍ لهمَا(٧). (فَتَبَدُو لِي الحَاجَةُ، فَأَكرَهُ أن أجلسَ فَأُوْذِيَ رسولَ اللهِ، فَأَنسَلُّ مِن عِندِ رِجلَيهِ))؛ أي: مِن عِندِ رِجَلَي السَّرِيرِ. ] التَّاسِعَةُ: لقَائِلِ أن يَقُولُ: إنَّ عَائِشَةَ لَم يَكُن بينها وبين النَّبِّ وَِّ سُتْرَةٌ، بَل كان السَّرِيرُ الذي عَلَيهِ عَائِشَةُ هو السُّتْرَةُ، وكأنَّ (٨) عَائِشَةَ مِن ورَاءِ السُّتْرَةِ؛ لأَنَّ (٩) قَوائِمَ السَّرِيرِ (١٠) التي تَلي(١١) النَّبِيَّ وَّهِ بينهُ وبينها. والدَّليلُ على ذلك: مَا اتَّفَقَ عَلَيهِ الشَّيخَانِ(١٢) مِن رِوايَةِ الأسودِ، عن عَائِشَةَ: ((لَقد رَأيتنِي مُضطَجِعَةً على شرح البخاري (١٤١/٢). (١) (٢) في (ك): ((يكون)). (٣) ليس في (ح). ينظر: البيان للعمراني (١٥٧/٢)، والمجموع (٢٢٧/٣). (٤) (٥) التمهيد (١٦٨/٢١). (٦) البخاري (٥٠٨)، ومسلم (٢٧١/٥١٢). (٧) البخاري (٥١٤)، ومسلم (٢٧٠/٥١٢). (٨) في الأصل: «وأنّ)). (٩) في الأصل: ((لا)). (١٠) في (ك): ((السير)). (١١) في (ك): ((يلي)). (١٢) البخاري (٥٠٨)، مسلم (٥/٢٩٦). بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بین یَدَیهِ ٤٢٣ السَّرِيرِ، فَيَجِي ءُ النَِّيُّ ◌َِّ، فَيُتَوَسَّطُ السَّرِيرَ، فَيُصَلي)). الحديثَ. وعلى هذا فَلَا يَكُونُ في حديثٍ عَائِشَةَ مَا يُنَافي حديثَ أبي ذَرٍّ، وأبي هريرةَ في قَطع المَرأةِ الصَّلَاةَ، لوُجُودِ السُّتَرَةِ هُنَا. والله تعالى أعلمُ. ] العَاشِرَةُ: إن قال قَائِلٌ: قد ثَبَتَ حديثُ أبي ذَرٍّ في قَطع المَرأةِ للصَّلَاةِ، وكذلك(١) حديثُ أبي هريرةَ، وليسَ في حديثِ عَائِشَةَ هُنَا (٢) تَعمِيمٌ، لَكَونِ النِّسَاءِ لَا يَقطَعنَ . فَلَو قال قَائِلٌ: إِنَّمَا يَقَطَعُ الصَّلَاةَ المَرأةُ الأجنَبِيَّةُ، خَوفَ الافتِتَانِ بِها(٣)، فَأْمَّا زَوجَتُهُ(٤) ومَحرَمُهُ، فَلَا يَضُرُّ؛ وإنَّمَا نُقِلَ أَنَّه وَلِهِ صَلَّى وبين يَدَيْهِ عَائِشَةُ ومَيمُونَةُ، كَمَا تَقدمَ، وكذلك عند أبي دَاوُدَ، وابنِ مَاجَه(٥): ((أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كان فِرَاشُها بِحِيَال مَسجِدٍ رسول اللهِ وَ ◌ّ). زَادَ أحمَدُ (٦) ((وكان يُصَلِي وأنَا حِيَالَهُ)). والجَوابُ عن ذلك: أنَّه لَا قَائِلَ بالفَرقِ بين الأجنَبِيَّةِ وغيرِها في ذَلكَ، وأيضًا فَقد ورَدَ مُرُورُ الأجنَبِيَّةِ، فيمَا رَواهُ أبو دَاوُد، والنَّسَائِيُّ(٧) مِن حديثٍ (٣٩٤/٢م) ابنِ عباسٍ، قال: ((جِئتُ أَنَا وغُلَامٌ مِن بَنِي عبدِ المُطَّلبِ على حِمَارٍ، ورسولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِي، فَنَزَلَ ونَزَلتُ، وتَرَكِنَا الحِمَارَ أمَامَ الصَّفِّ، فَمَا بَالَاهُ، وجَاءَتِ جَارِيَتَانِ مِن بَنِي عبدِ المُطَّلبِ، فَدَخَلَتَا بين الصَّفِّ، فَمَا بَالَا ذَلَكَ)). وقال مَالكٌ في ((المَجمُوعَةِ»(٨): ولَا يُصَلي وبين يَدَيهِ امرأةٌ، وإن كانت أُمَّهُ (٩) أو أُختَهُ، (١٠إلَّا أن يَكُونَ دُونَها سُترَةٌ ١) . ا الحَادِيَةَ عَشرَ: قَولُ عَائِشَة: ((بِئْسَ مَا عَدَلتُمُونَا)). أرَادَت بِخِطَابِها ذلك ابنَ أُختِها عُروةَ، أو (١١) أبا هريرةَ؛ فَرَوى مسلمٌ(١٢) مِن رِوايَةٍ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، (١) بعده في (ح): (في)). (٣) ليس في: (ك). أبو داود (٧٢٤)، وابن ماجه (٩٥٧). (٦) أحمد (٣٢٢/٦). (٥) (٧) أبو داود (٧١٦)، والنسائي في الكبرى (٧١٥). حكاه ابن بطال في شرح البخاري (١٤١/٢). (٨) (٩) في (ك): ((وامرأته)). (١١) في (م): ((و)). (٢) في (ك): ((هذا)). (٤) في الأصل: ((زوجه). (١٠ - ١٠) ما بين المعكوفين ليس في (ك). (١٢) مسلم (٢٦٩/٥١٢). 5 ٤٢٤ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قال: ((قالت عَائِشَةُ: مَا يَقطَعُ الصَّلَاةَ؟ قال: قلتُ: المَرأةُ، والحِمَارُ. فقالت: إنَّ المَرأةً لَدَابَّةُ سُوءٍ. فَذَكَرَتِ (١) الحديثَ. ورَوى ابنُ عبدِ البَرّ (٢) مِن رِوايَةِ القَاسِمِ، قال: ((بَلَغَ عَائِشَةَ أنَّ أبا هريرةَ، يَقُولُ: إنَّ المَرأةَ تَقْطَعُ الصَّلَاةَ)). فَذَكَرَت الحديثَ. ■ الثانيَةَ عَشرَ: فإن قِيلَ: كَيفَ أنكَرَت عَائِشَةُ على مَن ذَكَرَ المَرأةَ مَعَ الحِمَارِ والكَلبِ فيمَا يَقَطَعُ الصَّلَاةَ، وهِيَ قد رَوت الحديثَ عن النَّبِيِّ ◌َِِّ، كَمَا [١٦٧/١ و] رَواهُ أحمَدُ في ((المُسنَدٍ))(٣)، بِلَفِظِ: ((لَا يَقطَعُ صَلَاةَ المُسلمِ شَيءٌ، إلّا الحِمَارُ، والكَافِرُ، والكَلبُ، والمَرأةُ)). فَقالت عَائِشَةُ: يَا رسولَ الله، لقد قُرِنَّا بِدَوابِ سُوءٍ. والجوابُ: أنَّ عَائِشَةَ لَم تُنكِر وُرُودَ الحديثِ، ولم تَكُن لتُكَذِّبَ أبا هريرةَ، وأبَا ذَرٍّ، وإنَّمَا أنكَرَت ◌َونَ الحُكم بَاقِيَا هَكَذَا، فَلَعَلَّها كانت تَرَى نَسخَهُ بِحديثِها الذي ذَكَرَتُهُ، أو كانت تَحمِلُ قَطعَ الصَّلَاةِ على مَحمَلٍ غَيرِ البُطلَانِ، والظَّاهِرُ: أَنَّها رَأْت تَغِيرَ الحُكمِ بالنِّسبَةِ إِلَى المَرأةِ، وإلَى الحِمَارِ أيضًا، فَقد حَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ(٤) أنَّها كانت تَقُولُ: يَقطَعُ الصَّلَاةَ: الكَلبُ الأسودُ. وهذا كَقَول أحمَدَ، وإسحَاقَ، والله تعالى أعلمُ. ■ الثالثَةَ عَشرَ: اسْتَدَلَّ ابنُ عبدِ البَرِّ (٥) بِغَمِزِهِ نَّهِ رِجلَ عَائِشَةَ على أنَّ مُطلَقَ اللمسِ لَيسَ بِنَاقِضِ للوُضُوءِ، وإن كان(٦) يَحتَمِلُ أن يَغْمِزَها على الثَّوبِ، أو يَضرِبَها بِكُمِّهِ، ونحو ذلك. ثُمَّ حَکَی اختِلَافَ العُلَمَاءِ في ذلك؛ فَقال سُفیَانُ الثَّورِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، والأوزَاعِيُّ، فيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ، وأكثَرُ أهل العِرَاقِ: لَا يَنقُضُ اللمسُ مِن غَيرِ (١) في (ح): ((فذكر)). (٢) التمهيد (١٦٦/٢١). (٣) أحمد (٨٤/٦). وفيه ضعفٌ. (٤) ينظر: التمهيد (١٦٧/٢١)، الاستذكار (٨٤/٢). (٥) ينظر: التمهيد (١٧٢/٢١). (٦) ليس في (ك). بَابُ صَلَاةِ الرَّجُل، والمَرأةُ بين يَدَیهِ ٤٢٥ جِمَاعٍ. قال أبو حَنِيفَةَ: إلَّا أن يَقصِدَ(١) مَسَّها لشَهوةٍ (٢) وانتَشَرَ. وقال مَالكٌ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ: ينقُضُ اللمسُ بِشَهوةٍ وَلَذَّةٍ. وزَادَ(٣) مَالكٌ، والليثُ(٤): ولو كان مِن فَوقِ حَائِلٍ. قال مُحَمَّدُ بنُ نَصرٍ: ولم أرَهُ لغَيرِهِمَا. وقال الشَّافِعِيُّ، والأوزَاعِيُّ، فيمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بنُ نَصرِ المَروزِيُّ: يَنقُضُ اللمسُ مُطلَقًا بِشَهوةٍ وغَيرِها، مَا لَم يَكُن بينهُمَا مَحرَمِيَّةٌ، على مَا هو مَعْرُوفٌ فِي مَوضِعِهِ(٥). قلتُ: ولَيسَ في هذا الحديثِ حُبَّةٌ، لمَن لَم يَرَ النَّقضَ بِمُطلَقِ اللمسِ؛ لأنَّ عَائِشَةَ كانت مُستَتِرَةً مُغَطَّةً باللحَافِ (٣٩٥/٢م)، كَمَا ثَبَتَ في ((الصَّحِيحَينِ))(٦) مِن رِوايَةِ الأسودِ عنها: ((فَأَنْسَلُّ مِن قِبَل رِجِلَي السَّرِيرِ، حَتَّى أنسَلَّ مِن لحَافي)). الرابعَةَ عَشرَ: إذَا قُلْنَا بِقَطْعِ المَرأةِ ومَن ذُكِرَ مَعَها الصَّلَاةَ، بِمُرُورِهِ أو استِقِبَالِهِ، فَمَا مِقِدَارُ المَسَافَةِ بين يَدَي المُصَلي التي يَحصُلُ بِها المحذُورُ؟ والجوابُ: أنَّه إِنَّمَا يَحرُمُ أو يُكرَهُ، إذَا كان على دُونِ ثَلَاثَةِ أذرُع؛ لأنَّه مِقدَارُ السُّترَةِ، فإن زَادَ على الثَّلَاثَةِ، فَلَا يَضُرُّ. وقال بَعضُهُم: سِتَّةُ أذرُعٍ. وقال بَعْضُهُم: قَدْفَةٌ بِحَجَرٍ(٧) . ويَدُلُّ لَهُ مَا رُوِّينَاهُ في بَعضِ طُرُقِ الحديثِ عند أبي دَاوُد(٨)، مِن حديثٍ ابنِ عباسٍ، قال: أحسَبُهُ عن رسول اللهِ وَّهِ، قال: ((إِذَا صَلَّى أحَدُكُم إلَى غَيرِ سُترَةٍ، فإنَّه يَقِطَعُ صَلَاتَهُ: الحِمَارُ، والخِنزِيرُ، واليَهودِيُّ، والمَجُوسِيُّ، والمَرأةُ، ويُجِزِئُ عَنْهُ، إِذَا مَرُّوا بين يَدَيهِ على قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ)). قال أبو دَاوُد: في نَفسِي مِن هذا الحديثِ شَيءٌ، وأحسَبُ الوهمَ مِن ابنِ أبي سَمِينَةَ، والمُنكَرُ فيه ذِكرُ المَجُوسِيِّ، وفيه: ((على قَدْفَةٍ بِحَجَرٍ)). وذِكرُ الخِنِزِيرِ، وفيه نَكَارَةٌ. ولَيسَ كَلَامُ أبي دَاوُد هذا ثَابِتًا في أصل سَمَاعِنَا مِن ((السُّنَنِ))، وهو ثَابِتٌ (١) في (ح): ((قصد)). (٣) في (م): ((وأراد)). (٥) ينظر: الإشراف (٦٢/١ - ٦٣). ينظر: الإشراف (٢٤٤/٢). (٧) (٢) في (ح): ((بشهوة)). (٤) ليس في (ح). (٦) البخاري (٥٠٧)، ومسلم (٢٧١/٥١٢). (٨) أبو داود (٧٠٤). ٤٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ في كَثِيرٍ مِن النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ (١). ■ الخَامِسَةَ عَشرَ: في غَمِزِهِ وَ﴿ِ رِجِلَي(٢) عَائِشَةَ أنَّ الفِعلَ القَليلَ لَا يُطِلُ الصَّلَاةَ. وهو كَذَلكَ. فَإِن قِيلَ: فَفي بَعضِ طُرُقِ ((أبي دَاوُد)(٣): (غَمَزَنِي، فَقال: تَنَخِّي))، فَهذا دالٌ (٤) على أنَّ غَمزَهُ لَها لَم يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ، لِقَولِهِ مَعَ الغَمزِ(٥): (تَتَخِّي)). والجوابُ: أنَّ الغَمزَ مَعَ قَولهِ: ((تَنَخِّي)). إنَّمَا هو إِذَا أَرَادَ أن يُوتِرَ، بين الفَرَاغِ مِن التَّهَجُدِ (٦) وبين الوِتِرِ، كَمَا هو مُصَرَّحٌ بِهِ فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ، فإنَّها قالت: ((فَيُصَلَي رسولُ اللهِ نَّهِ وَأَنَا أَمَامَهُ، إِذَا(٧) أرَادَ أن يُوتِرَ)). زَادَ عُثمَانُ: ((غَمَزَنِي)). ثُمّ اتَّفَقَا: ((فَقال: تَنَخِّي)). وهذا كَقَولهِ في الحديثِ الآخَرِ: «حَتَّى إِذَا أَرَادَ أن يُوتِرَ، أيقَظَها، فَأَوْتَرَت))(٨) . ■ السَّادِسَةَ عَشرَ: قَولُ الرَّاوِي عن عَائِشَةَ، أو مَن بَعدَهُ: ((تَعنِي: رِجلي)). هَكَذَا وقَعَ في ((المُسنَدِ))(٩)، بِزِيَادَةِ: (تَعنِي))، والحديثُ عند البخاريٌّ(١٠) بِدُونِها: ((غَمَزَ رِجلي)). وفَائِدَةُ زِيَادَةِ (تَعنِي)) هُنَا: أنَّه سَقَطَ ذِكرُ ((رِجلي)) عند بَعضِ الرُّواةِ، وعَلَمَ مَن بَعدَهُ أَنَّ مَن قَبَلَهُ أَتَى بِها، وإِنَّمَا سَقَطَت مِن بَعضِ الرُّواةِ بَعدَهُ. [١٦٧/١ ظ] وقد رَوى الخَطِيبُ في ((الكِفَايَةِ))(١١) بإسنادِهِ عن أحمَدَ بنِ حَنبَلَ، قال: سَمِعت وكِيعًا، يَقُولُ: أنَا أُستَعِينُ في الحديثِ بِيَعنِي (١٢). وفَعَلَ الخَطِيبُ (١) ينظر: تحفة الأشراف (١٧٥/٥) ح (٦٢٤٥)، وفيه: قال أبو داود: لم أر أحدًا يحدث به عن هشام، وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه. (٢) في (ك): ((رجل)). (٣) أبو داود (٧١٤). (٤) في (م): ((يدل)). (٥) في (م): ((الغمزة)). بعده في (ح): ((من صلاته)). (٦) (٧) في (م): ((فإذا)). (٨) البخاري (٥١٢)، ومسلم (٢٦٨/٥١٢). (٩) أحمد (٥٤/٦). (١٠) البخاري (٥١٩). (١١) الكفاية (٥١٥/١)، تحقيق الدكتور ماهر الفحل، ط. دار ابن الجوزي. (١٢) في (ك): ((بتعني)). بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بين يَدَیهِ ٤٢٧ ذلك في حديثٍ رَواهُ(١) عن أبي(٢) عُمَرَ ابنِ مَهدِيٍّ، عن القَاضِي المَحَامِليِّ، بإسنادِهِ، عن عُروةَ، عن عَمرةَ، تَعنِي(٣): عن (٤) عَائِشَةَ، [أنَّها قالت: ((كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُدنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ)). قال الخَطِيبُ: كان في أصل ابنِ مَهدِيٍّ: عن عَمرَةَ، أنَّها قالت: ((كان رسولُ اللهِ نَّهِ يُدنِي إِلَّ رَأْسَهُ)). فَألحَقْنَا فِيه ذِكرَ عَائِشَةَ، (٣٩٦/٢) إذا لَم يَكُن مِنْهُ بُدٌّ، وعَلمِنَا أنَّ المَحَامِليَّ كذلك رَواهُ، وإنَّمَا سَقَطَ مِن كِتَابٍ شَيخِنَا أَبِي عُمَر، وقُلنَا فيه: تعني(٥): عن عَائِشَةَ] (٦)، لأجل أنَّ ابنَ مَهدِيٍّ لم يَقُل لنا ذَلكَ، قال الخَطِيبُ: وهَكَذَا رَأيتُ غَيرَ واحِدٍ مِن شُيُوخِنَا يَفْعَلُ(٧) مِثلَ هذا. قال ابنُ الصَّلَاحِ(٨): وهذا إذَا كان شَيخُهُ قد رَواهُ لَهُ على الخَطَإ، أمَّا إِذَا وجَدَ ذلك في كِتَابِهِ، وغَلَبَ على ظَنِّهِ أنَّ ذلك مِن الكُتَّابِ، لَا مِن شَيخِهِ، فَيُتَّجَهُ هُنَا إصلاحُ ذلك في كِتَابِهِ، وفي رِوايَتِهِ عند تَحدِيثِهِ بِهِ مَعًا . ■ السَّابِعَةَ عَشرَ: قَولُ عَائِشَةَ: ((والبُيُوتُ يَومَئِذٍ لَيسَ فيها مصابيحٌ)). أَرَادَت حِينَئِذٍ؛ لأنَّه لَا يُعهَدُ وُقُودُ المصابيحِ في اليَومِ، وهو النَّهارُ، والعَرَبُ تُعبرُ باليَومِ عن الحِينِ والوقتِ، كَمَا يُعبَرُ (٩) بِهِ عَن النَّهارِ، وهو مَشهورٌ عندهُم (١٠) . ■ الثامنةَ عشرَ: وفي قول عَائِشَةَ بَيّانٌ لمَا كَانُوا عليهِ مِن ضِيقِ العَيشِ، إذا لَم يَكُونُوا يُسرِجُونَ فِي بُيُوتِهِم مصابيحَ. (١) الكفاية (٥١٤/١، ٥١٥). (٢) في الأصل، (ت، م): ((ابن)). وهو تصحيف، وأبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي الفارسي، شيخ الخطيب البغدادي، ومسند العراق (ت٤١٠ هـ). المنتظم (٢٩٥/٧)، سير أعلام النبلاء (٢٢١/١٧). (٤) ليس في: (ك). (٣) في (م): ((يعني)). في (م)، والكفاية: ((يعني)). (٥) (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). وهو انتقال نظر واضح. (٧) بعده في: (ح): ((في)). (٩) في (م): ((تعبر). (٨) علوم الحديث لابن الصلاح (ص٤٠٤). (١٠) ينظر: التمهيد (١٨٢/٢١)، وإكمال المعلم (٤٢٧/٢). WN ٤٢٨ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قال ابنُ عبدِ البَرِّ(١): وفيه أنَّها إذ حَدَّثَت بِهذا الحديثِ، كانت في بُيُوتِهِم المصابيحُ، وَذَلكَ(٢) أنَّ اللهَ تعالى فَتَحَ عَلَيهِمْ بَعدَ النَّبِّ وَهَ مِن الدُّنْيَا، فَوسَّعُوا على أنفُسِهِم، إذ وسَّعَ اللهُ عَلَيهِم. ■ التَّاسِعَةَ عَشرَ: فَإِن قِيلَ: قد جَعَلتُم أنَّ قَولَها: ((يَومَئِذٍ)). المُرَادُ بِهِ الحِينُ والزَّمَنُ؛ فَيَحتَمِلُ أن تُرِيدَ بِذلك الوقتِ: وقتَ صَلاتِهِ وَّهِ مِن آخَرِ الليلِ، لَا كُلِ الليلِ، وإِنَّمَا كَانُوا يُطفِئُونَ مصابيحَهُم عند النَّومِ؛ كَقَولِهِ(٣) في حديثٍ جَابٍِ في ((الصَّحِيحِ))(٤): ((وأطفِئُوا مصابيحَكُم)). فإنَّما هوَ عند النَّوم، وقد ورَدَ: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كان لَا يَجلسُ في بَيتٍ مُظلم، حَتَّى يُوقد لَهُ))(٥). وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٦) أيضًا مِن حديثٍ أبي هريرةَ، في قِصَّة الأنصَارِيِّ الذي نَزَلَت فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٩]. أنَّه قال لا مرَأتِهِ: وتَعَالَي فَأْطِفِي السِّرَاجَ. فَدَلَّ ذلك(٧) أنَّهم كانت لَهُم مصابيحُ في بُيُوتِهِم، في زَمَنِ النَّبِيِّ وََِّّ، غَيرَ أنَّها كانت تُطفَأُ عند الثَّومِ. والجوابُ: أنَّ هذا وإن كان مُحتَمَلًا، إلَّا أنَّ قَولَها: ((ليسَ فيها (٨) مصابيحُ)). ظَاهِرٌ فِي مُطلَقِ النَّفي، وإن حَدَثَت(٩) بَعدَ ذلك في زَمَنِهِ وَّةِ، ويَدُلُّ على ذلك قَولُ عَائِشَةً في بَعضِ ظُرُقِهِ، إذ سُئِلَت عن ذَلكَ (١٠): ((لَو كان لَنَا مِصْبَاحٌ، لَاكَلِنَاهُ)). وأمَّا كَونُهُ كان لَا يَقعُدُ في بَيتٍ مُظلمٍ: فَهذا لَا يَثْبُتُ، وقد ضَعَّفَهُ ابنُ حِبَّانَ(١١). واللهُ تعالى أعلمُ. (١) التمهيد (١٨٢/٢١). (٣) في الأصل، (ح): ((لقوله)). (٢) ليس في (ح). (٤) البخاري (٥٦٢٣)، ومسلم (٢٠١٢). (٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣٨٧/١)، والبزار، كما في كشف الأستار (٤٢٤/٢). وفيه: جابر بن يزيد الجعفي، وهو متروك، عن أبي محمدٍ، وهو مجهول. وينظر: ميزان الاعتدال (٤/ ٥٧٠). (٦) البخاري (٤٨٨٩)، ومسلم (١٧٢/٢٠٥٤). (٧) بعده في (م): ((على)). (٩) في (ك): ((حدث)). (١٠) أخرجه أحمد في المسند (٢١٧/٦)، والطبراني في الأوسط (٨٨٧٢)، واللفظ له. (١١) المجروحين (١٥٧/٣). (٨) في (ح): ((فيه)). ٤٢٩ بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ، والمَرأةُ بين يَدَیهِ الفَائِدَةُ العِشرُونَ: ذَكَرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ القُشَرِيُّ(١)، مَا حَاصِلُهُ: أنَّ قِصَّةَ عَائِشَةَ في كَونِها في قِبلَتِهِ بَّهِ، وهِيَ رَاقِدَةٌ، لَيسَ يُبَيِّنُ مُسَاواتَها لمُرُورٍ المَرأةِ؛ لأنَّها ذَكَرَت أنَّ الْبُيُوتَ حِينَئِذٍ ليسَ فيها مصابيحُ، فَلَعَلَّ سَبَبَ هذا الحُكمِ عَدَمُ المُشَاهَدَةِ لَها . (١) إحكام الأحكام (ص٢٩٧). ٤٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ (٢/٣م) بَابُ السَّهوِ فِي الصَّلَاةِ عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: ((بَينَمَا أَنَا أُصَلي مع رسولِ اللهِ ن ◌َّهِ صَلَةَ الظَّهرِ، سَلَّمَ رسولُ اللهِ نَّهِ مِن رَكَعَتَينٍ، فَقَامَ رَجُلٌ من بَنِي سُلَيم، فقال: يا رسولَ اللهِ، أُقُصِرَت الصَّلَاةُ أم نَسِيتَ؟ قال رسولُ اللهِ وَيَّ ((لم تُقْصَرِ الصَّلَاةُ، وَلَم أنسَه)). قال: يا رسولَ اللهِ، إِنَّمَا صَلَّيْتَ رَكَعَتَينِ، [١٦٨/١ و] فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أحَقُّ مَا يَقُولُ ذُو اليَدَينِ؟» قَالُوا: نَعَم، فَصَلَّى بهم رَكَعَتَينِ أُخرَيَينِ))(١). قال يَحيَى؛ يَعنِي: ابنَ أبي كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي ضَمِضَمُ بنُ جَوسٍ (٢)، أنَّه سَمِعَ أبا هريرةَ، يَقُولُ: ((ثُمَّ سَجَدَ رسولُ اللهِ وَّهِ سَجِدَتَينٍ))(٣). فيه فوائدُ: ■ الأُولَى: فيه أنَّ أبا هريرةَ شَهِدَ مع رسولِ اللهِ نَّهِ هذه الصَّلَاةَ، خِلَافًا لمَن قال: إنَّه رَواها مُرسَلَةً ولَم يَشهَدها؛ لأنَّ ذا اليَدَينِ المَذكُورَ قُتِلَ بِبَدرٍ، وأبو هريرةَ إِنَّمَا أسلَمَ بعد خَيْبَرَ سَنَةَ سَبعٍ، قالهُ الطَّحَاوِيُّ، وغَيرُ واحِدٍ من الحَنَفيةِ (٤)، واحتَجُوابِمَا رَواهُ ابنُ (٢٣/٣) وهبٍ، عن العُمَرِيِّ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ إسلَامَ أبي هريرةَ كَانَ بعد مَوتِ ذِي الْيَدَينِ)). (١) البخاري (١٢٢٧)، ومسلم (٥٧٣). بفتح الجيم المعجمة، وسكون الواو، وآخره سين مهملة. (٢) (٣) أبو داود (١٠١٦)، النسائي (١٣٢٩). (٤) ينظر: شرح المعاني (٤٤٨/١ - ٤٥٠)، والمبسوط (٣١٣/١)، وتبيين الحقائق (١٥٥/١). بَابُ السَّهوِ في الصَّلاَةِ ٤٣١ = وأَنَّه لَا خِلَافَ بَينَ أهل السِّيَرِ: أنَّ ذا اليَدَينِ قُتِلَ [بِبَدٍ. قَالُوا: وهَذا الزُّهرِيُّ - مع عِلمِهِ بِالسِّيَرِ والأثَرِ، وهو الذي لَا نَظِيرَ له في ذلك - يَقُولُ: إنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَينِ كَانَت قَبلَ بَدٍ، حَكَاهُ مَعمَرٌ وغَيرُهُ، عن الزُّهرِيِّ. قال الزُّهرِيُّ(١): ثُمَّ اسْتَحِكَمَتِ الأُمُورُ بَعدُ. وهو قَولُ أبي مَعشَرٍ: إنَّ ذا اليَدَينِ قُتِّلَ](٢) بِيَدٍ . قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): وقَولُهم: إنَّ ذا اليَدَينِ قُتِلَ يومَ بَدٍ. غَيرُ صَحِيحٍ، وإنَّمَا المَقتُولُ بِبَدرٍ ذُو الشِّمَالَينِ، ولَسنَا نُدَافِعُهم أنَّ ذا الشِّمَالَيْنِ مَقتُولٌ بِبَدرٍ؛ لأنَّ ابنَ إسحَاقَ، وغَيرَهُ من أهل السِّيَرِ (٤) ذَكَرُوهُ فيمَن قُتِلَ يَومَ بَدٍ، وذُو الشِّمَالَينِ المَقتُولُ بِبَدِرٍ خُزَاعِيٌّ، وذُو الْيَدَينِ الذي شَهِدَ سَهو النَّبِّ ◌َِّ: سُلَمِيٌّ. قال ابنُ إسحَاقَ: ذُو الشِّمَالَينِ: هو عُمَيرُ بنُ عَمرِو بنِ غُبِشَانَ بنِ سُلَيمٍ بِنِ مَالكِ بنِ أفصَى بِنِ حَارِثَةَ بنِ عَمرِو بنِ عَامِرٍ، من(٥) خُزَاعَةَ، حَلِيف لبَنِي زُهرَةَ(٦). ورَوى (٧) عن ابنِ المُسَيِّبِ، قال: قُتِلَ يَومَ بَدرٍ خَمسَةُ رِجَالٍ من قُرَيْشٍ؛ فَعَدَّ منهم ذا(٨) الشِّمَالَينِ(٩). وإِنَّمَا عَدَّهُ من قُرَيْشٍ، لَكُونِهِ حَليفَ بَنِي زُهرَةَ، وذُو الْيَدَينِ (٤/٣م) اسمُهُ: الخِرِبَاقُ، كما ثَبَتَ في حديثِ عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ (١٠). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١١): ويُمكِنُ(١٢) أن يَكُونَ رَجُلَانِ وثَلَاثَةٌ، يُقَالُ لكُل واحِدٍ (١) عبد الرزاق (٣٤٤١)، وابن خزيمة (٢٦٨٥)، وينظر: التمهيد (٣٥٢/١، ٣٥٣)، والاستذكار (٥٠٣/١). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٣) التمهيد (٣٦٢/١)، والاستذكار (٥٠٨/١). ينظر: سيرة ابن إسحاق (٢٨٨/٣)، ومغازي الواقدي (٥٤)، والبداية والنهاية (٢٢٣/٥). (٤) (٥) في (ح)، (م): ((بن)). ينظر: الاستيعاب (٤٦٩/٢)، غوامض الأسماء المبهمة (٨٦٦/٢). (٦) (٧) يعني: ابن عبد البر. في الأصل، (ك): ((ذو)). وكأنه على الحكاية. (٨) (٩) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٦٠). (١٠) عند مسلم (١٠١/ ٥٧٤). (١١) التمهيد (٣٦٣/١، ٣٦٤). (١٢) في (ح): ((يمكن)). ٤٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ منهم: ذُو الْيَدَينِ، وذُو الشِّمَالَينِ، ولَكِنَّ المَقُولَ يَومَ بَدٍ : غَيرُ الذي تَكَلَّمَ في حديثٍ أبي هُرَيرَةَ، قال: وهَذا قَولُ أهل الحِذقِ والفَهم (١) من أهل الحديثِ والفِقهِ . ثُمَّ رَوی بِإِسنَادِهِ، إلَى مُسَدَّدٍ، قال: الذي قُتِلَ يَومَ بَدرٍ إِنَّمَا هو ذُو الشِّمَالَينِ بنُ عَبدِ عَمروٍ، حَليفٌ لبَنِي زُهرَةَ، وهَذا ذُو الْيَدَينِ: رَجُلٌ من العَرَبِ، كَانَ يَكُونُ بِالْبَادِيَةِ، فَيَجِيءُ فَيُصَلي مع النَّبِيِّ ◌َ﴾ . قال أبو عُمَر: وأمَّا قَولُ الزُّهرِيِّ: إنَّه ذُو الشِّمَالَينِ فَلَم يُتَابَع عليه، قال: وقد اضطَرَبَ الزُّهرِيُّ في حديثٍ ذي اليَدَينِ اضطِرَابًا، أوجَبَ عند أهل العِلمِ بِالنَّقل تَركَهُ من رِوايَتِهِ خَاصَّةً. ثُمَّ ذَكَرَ اضطِرَابَهُ فيه، ثُمَّ قال: لَا أعلَمُ أحَدًا من أهل العِلمِ بِالحديثِ المُصَنِّفِينَ فيه عَوَّلَ على حديثِ ابنِ شِهابٍ، في قِصَّةٍ ذي اليَدَينِ؛ لاضطِرَابه فيه، وأنَّه لم يُقِم له إسنَادًا ولَا مَتنَا، وإن كَانَ إِمَامًا عَظِيمًا في هَذا الشَّأْنِ، فَالغَلَطُ لَا يَسلَمُ منهُ أحَدٌ، والكَمَالُ لَيسَ لمَخلُوقٍ، وكُلُّ أحَدٍ يُؤخَذُ من قَولِهِ ويُترَكُ إلَّا النَّبِيَّ بَ، فَلَيسَ(٢) قَولُ ابنِ شِهابٍ: إنَّه المَقتُولُ بِبَدرٍ حُجَّةً؛ لأنَّه قد تَبَيَّنَ غَلَطُهُ في ذلك. (٢٥/٣) ثُمَّ ذَكَرَ مَن رَوى عن ذي اليَدَينِ وَلَقِيَهُ من التَّابِعِينَ، وأنَّ بَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وأنَّه تُؤُفي بِذي خَشَبٍ(٣)، فاللهُ تعالى أعلَمُ، انتَهَى كَلَامُ ابنِ عَبدِ البَرِّ(٤). ودَعواهم اتِّفَاقَ أهل السِّيَرِ على ذلك: خَطَأْ صَرِيحٌ، وإنَّمَا يُعرَفُ ذلك عن الزُّهرِيِّ، وهو خَطَأُ، وعن أبي مَعشَرٍ، وهو ضَعِيفٌ عند الجُمهُورِ . وقد خَالَفَهما جُمْهُورُ أهل السِّيَرِ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ ذي الْيَدَينِ، وذي الشِّمَالَينِ : (١) ليس في: (ك). (٢) بعده في (ح): ((في)). (٣) وادٍ على مسيرة ليلة من المدينة. ينظر: مراصد الاطلاع (٤٦٨/١). (٤) ينظر: التمهيد (٣٦٢/١ - ٣٦٨)، والاستذكار (٥٠٨/١، ٥٠٩). بَابُّ السَّهوِ في الصَّلَاةِ ٤٣٣ = قالهُ الشَّافِعِيُّ ◌َّهِ، فِي كِتَابِ ((اختِلَافِ الحديثِ))(١)، وأبو عَبدِ الله الحَائِمُ، والبَيهَِيُّ(٢)، وغَيرُهم. قال الحَاكِمُ: كُلُّ مَن قال في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ: ((فقال ذُو الشِّمَالَينِ)): فقد أخطَأ، فَإِنَّ ذا الشِّمَالَينِ(٣) تَقدمَ مَوتُهُ، ولَم يُعقِب، ولَيسَ له راوٍ . وقال النَّورِيُّ في ((الخُلَاصَةِ))(٤): المَقُولُ بِبَدرٍ ذُو الشِّمَالَينِ، وهو غَيرُ المُتَكَلمِ في حديثِ السَّهوِ، هَذا قَولُ الحُفَّاظِ كُلِهِم وسَائِرِ العُلَمَاءِ، إلَّا الزُّهرِيَّ، فقال: هو هو. واتَّفَقُوا على تَغليطِ الزُّهرِيِّ في هَذا. ومِمَّا [١٦٨/١ظ] يَدُلُّ على شُهُودِ أبي هريرةَ لِقِصَّةٍ ذي اليَدَينِ: أنَّ جَمَاعَةً من أصحابه الثِّقَاتِ صَرَّحُوا عنهُ بِحُضُورِهِ للواقِعَةِ(٥)، فَعند البُخَارِيِّ(٦)، من رِوايَةِ سَعدِ بنِ إبرَاهِيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ: ((صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ◌َِّ الظُّهرَ أو العَصرَ)). الحديثَ. وعند مُسلمٍ(٧) من رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عنهُ: ((صَلَّى بِنَا رسولِ اللهِ وَّهَ إحدَى صَلَاتَي العَشِيِّ)). الحديثَ. وعندهُ(٨) من رِوايَةٍ أبي سُفْيَانَ، مَولَى ابنِ أبي أحمَدَ، سَمِعت أبا هريرةَ، يَقُولُ: ((صَلَّى لَنَا رسولُ اللهِ وَّهِ العَصرَ)). ورَواهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ، من رِوايَةٍ ضَمضَمٍ بنِ جَوسٍ، عن أبي هريرةَ قال: ((صَلَّى بِنَا رسولِ اللهِ وَّ) . (٩قال ابنُّ عَبدِ البَر٩ِّ): وكذلك رَواهُ العَلَاءُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبيهِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، وابن أبي ذِئبٍ، عن المَقْبُرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، انتهى(١٠). (١) اختلاف الحديث (٢٢٩/١٠). (٢) سنن البيهقي (٣٦٥/٢، ٣٦٧). (٣) بعده في (م): ((قد)). (٤) الخلاصة (٦٣٥/٢). (٥) في (ك): ((الواقعة)). (٦) البخاري (١٢٢٧). (٧) مسلم (٩٧/٥٧٣)، وهو في البخاري (٤٨٢) من هذا الوجه. (٨) مسلم (٩٩/٥٧٣). (٩) التمهيد (٣٥٧/١). (١٠) هذه الفقرة جعلها في الأصل، بعد قول المصنف: ويرد عليهم: قوله في حديث الباب: (بينا أنا أصلي مع رسول الله (وَلآت). ٤٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحَمَلُوا قَوْلَ أبي هريرةَ: ((صَلَّى لَنَا رسولِ اللهِ)). على أنَّه عنى صَلَّى بِالمُسلمِينَ، قَالُوا: وهَذا جَائِزٌ في اللغَةِ (١). ويَرِدُ عليهم (٢): قَولُهُ في حديثٍ البَابِ: (بَينَا أَنَا أُصَلي مع رسولِ اللهِ وَلاَ). وإِنَّمَا أَنكَرَ مَن أنكَرَ من الحَنَفيةِ شُهُودَ أبي هريرةَ للقِصَّةِ، لِيَجعَلُوا حديثَ ابنِ مَسعُودٍ (٣)، وحديثَ زَيدِ بنِ أرقَمَ (٤)، في تَحْرِيمِ الكَلَامِ في الصَّلَاةِ، نَاسِخًا لِقِصَّةٍ ذي اليَدَينِ، كما سَيَأْتي في ذِكرِ المَذاهِبِ. ■ الثَّانِيَةُ: في رِوايَةٍ يَحيّى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، الجَزمُ بِأنَّ الصَّلَاةَ التي وقَعَ فيها ذلك الظّهرُ، وهِيَ عند مسلم(٥)، وهَكَذا عند البخاريِّ(٦)، في لَفِظِ آله، من رِوايَةِ سَعدِ بنِ إبرَاهِيمَ، عن أبي سَلَمَةَ. وعند مسلم(٧)](٨) من رِوايَةٍ أبي(٩) سُفيَانَ، مَولَى ابنِ (١٠) أبي أحمَدَ، عن (٦/٣م) أبي هريرةَ، الجَزمُ بِأنَّها العَصرُ، وهِيَ في ((الصَّحِيحَينِ)) (١١)، من رِوايَةِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيرَةَ، على الشَّكِّ إحدَى الصَّلَاتَينِ، زَادَ البُخَارِيُّ(١٢): قال مُحَمَّدٌ؛ أي: ابنُ سِيرِينَ: وأكثرُ ظَنِّي: العَصرُ. وقد أجاب النَّورِيُّ (١٣): عن هَذا الاختِلَافِ، بِمَا حَكَاهُ عن المُحَقِّقِينَ أنَّهمَا قَضِيَتَانِ . وقد تَبِعته على ذلك في (الأحكام))، ثُمَّ تَبَّنَ: أنَّ الصَّوابَ أنَّ قِصَّةَ أبي هريرةً واحِدَةٌ، وأنَّ الشَّكَّ من أبي هُرَيرَةَ. ويُوضِّحُ ذلك مَا رَواهُ النسائيُّ (١٤)، من رِوايَةٍ ابنِ عَونٍ، عن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، قال: قال أبو هريرةَ: ((صَلَّى النَّبِيُّ ◌َّ إحدَى (١) ينظر: شرح البخاري لابن بطال (٢٢٠/٣ - ٢٢١). (٣) البخاري (١١٩٩)، ومسلم (٥٣٨/٣٤). (٢) في (م): ((عليه)). البخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩/٣٥). (٥) مسلم (٥٧٣). (٤) (٧) مسلم (٩٩/ ٥٧٣). (٦) البخاري (٧١٥). (٨) ليس في (ح). (١٠) ليس في: (ك). (١٢) البخاري (١٢٢٩). (١٤) النسائي (١١٤٠). (٩) ليس في: (م). (١١) البخاري (١٢٢٧)، ومسلم (٩٧/ ٥٧٣). (١٣) خلاصة الأحكام (٦٣٥/٢). = = ٤٣٥ 2 بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ صَلَاتَي العَشِيِّ)). قال أبو هريرةَ: ((ولَكِنِّي نَسِيت، قال: فَصَلَّى بِنَا رَكَعَتَينٍ)) . فَبَيَّنَ أبو هريرةَ في رِوايَتِهِ هذه - وإسنَادُها صَحِيحٌ -، أنَّ الشَّكَّ منهُ. وإذا كَانَ كَذلك: فَلَا يُقَالُ: هما واقِعَتَانٍ، كما نَقَله النَّووِيُّ عن المُحَقِّقِينَ، وإنَّمَا الجَمعُ: أنَّ أبا هريرةَ رَواهُ كَثِيرًا على الشَّكِّ، ومَرَّةً غَلَبَ على ظَنِّهِ أنَّها الظُّهِرُ فَجَزَمَ بِها، ومَرَّةً أُخرَى غَلَبَ على ظَنِّهِ أنَّها العَصرُ فَجَزَمَ بِها . وأمَّا قَولُ ابنِ سِيرِينَ: وأكثَرُ ظَنِّي. فَهو شَكٌّ آخَرُ من ابنٍ سِيرِينَ، وذلك أنَّ أبا هريرةَ حَدَّثَهُ بِها مُعَيَّنَةً، كما عَيَّنَها لغَيرِهِ، ويَدُلُّكَ على أنَّه عَيَّنَها له: قَولُ الْبُخَارِيِّ(١) في بَعضِ طُرُقِهِ: قال ابنُ سِيرِينَ: سَمَّاها أبو هريرةَ، ولَكِنِّي نَسِيتُ أنَا. ■ الثَّالثَةُ: في حديثِ أبي هُرَيْرَةَ: ((أَنَّه سَلَّمَ من رَكَعَتَينٍ)). وفي حديثٍ عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، عند مُسلمٍ (٢): (أَنَّ سَلَّمَ فِي ثَلَاثٍ رَكَعَاتٍ)). ولَيسَ هَذا بِاختِلَافٍ، بَل هما قضيتَانٍ(٣)، كما حَكَاهُ النَّووِيُّ في ((الخُلَاصَةِ))(٤)، عن المُحَقِّقِينَ. الزَّابِعَةُ: فيه أنَّ اليَقِينَ لَا يُزَالُ بِالاحتِمَال والشَّكِّ (٥)؛ لأنَّ ذا اليَدَينِ كَانَ على يَقِينِ من أنَّ الصَّلَاةَ رَبَاعِيَةٌ، فَلَمَّا صَلَّاها رسولُ اللهِ وَّه رَكَعَتَينِ: لم يَكْتَفِ ذُو اليَدَينِ بِالشَّكِّ، هل قَصُرَت أم لا، واحتِمَال ذلك، بَل سَأله عن ذلك، لِيَتَحَقَّقَ الحَالَ، ويُؤَدِّيَ مَا عليه بِيَقِينٍ. ■ الخَامِسَةُ: فَإِن قِيلَ: قد سَكَتَ النَّاسُ أجمَعُونَ، وفيهم أبو بَكرٍ ، وعُمَرُ مَِّ، فَإِذا وسِعَهم السُّكُوتُ، وتَركُ السُّؤَالَ: فَهَلَّا وسِعَ ذلك ذا الْيَدَينِ؟ والجوابُ: أنَّ السُّؤَالَ [١٦٩/١ و] عن ذلك يَحصُلُ بِسُؤَالِ واحِدٍ من النَّاسِ، وقد وقَعَ، وكَانَت عَادَتُهم أن يَتَكَلَّمَ الأكبَرُ كَأْبِي بَكرٍ، وعُمَرَ، فَلَمَّا حَضَرًا ولَم يَتَكَلَّمَا سَكَتَ النَّاسُ إِلَّ ذا الْيَدَينِ. (١) البخاري (٤٨٢). (٢) مسلم (٥٧٤ /١٠١). (٣) في (ح، م): ((قصتان)). (٤) الخلاصة (٦٣٥/٢)، وشرح مسلم (٦٩/٥). (٥) ينظر: الأشباه والنظائر: لابن نجيم (٥٦)، والسبكي (٢٣/١)، وللسيوطي (٣٥). ٤٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقد بَيَّنَ (١) في حديث أبي هريرةَ في ((الصَّحِيح)) (٢)، العِلَّةَ في سُكُوتٍ أبي بَكرٍ، وعُمَرَ، بِأَنَّه مَا (٣) هابَاهُ أن يُكَلِمَاهُ. قال القُرطُبِيُّ(٤): مع عِلمِهِمَا بِأنَّه سَيُبَيِّنُ أمرَ مَا وقَعَ، قال: ولَعَله (٥ بعد الَّهيِ عن السُّؤَالِ(٥)، انتَهَى. ورُبَّمَا كَانَ فيهم مَن يَظُنُّ أنَّه لَا يَجُوزُ عليه النِّسيَانُ، حتى بَيَّنَ لهم جَوازَهُ (٧/٣م) عليه، فقال(٦): ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أنسَى كما تَنسَونَ، فَإِذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي)). على أنَّه قد يَقُولُ القَائِلُ: لَا نُسَلِّمُ أنَّه لم يسأله إلَّا ذُو اليَدَينِ، فَعند أبي داودَ، والنسائيِّ(٧)، بِإِسنَادٍ صَحِيح، من حديثِ(٨) مُعَاوِيَةَ بنِ حُدَيج(٩): أنَّه سَأله عن ذلك طَلحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله، ولَكِنَّهُ ذَّكَرَ فِيه ((أَنَّهَ كَانَت(١٠) بَقِيَت من الصَّلَاةِ رَكَعَةٌ)). فَيَجُوزُ أن يَكُونَ العَصرَ، فَيَكُونَ مُوافِقًا لحديثِ عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، فَيَكُونَ قد سَأله طَلحَةُ مع الخِرِبَاقِ أيضًا، وقد يَكُونُ في بَعضِ الصَّحَابَةِ جُرأةٌ وإقدَامٌ، فَيَحصُلُ مَقصُودُ السَّاكِتِ(١١) به، كما قال أنَسٌ في الحديثِ الصَّحِيحِ(١٢): (كُنَّا نُهِينَا أن نَسأَلَ رسولَ اللهِ نَّهِ، فَكَانَ يُعجِبُنَا أن يَجِيءَّ الرَّجُلُ العَاقِلُ من أهل البَادِيَةِ: فَيسأله)). الحديثَ. السَّادِسَةُ: وقَولُهُ: ((أقُصِرَت الصَّلَاةُ)). هو بِضَمِّ القَافِ، وكَسرِ الصَّادِ، على الرِّوايَةِ المَشهُورَةِ، على الِنَاءِ للمَفْعُول، ورَواهُ بَعضُهم: بِفَتحِ القَافِ، وضَمِّ الصَّادِ، على أنَّه قَاصِرٌ(١٣). وقِيَاسُ هذه الرِّوايَةِ، أن يُقال في الجَوابِ: (لَم(١٤) تَقْصُر)). بِفَتحِ التَّاءِ، وضَمِّ الصَّادِ. والمَشهُورُ الأولُ. (١) في (ح): (تبين)). (٣) في (ك): «لأنهما)). وفي (ح): ((فإنهما)). (٤) المفهم (١٨٨/٢). في الأصل: ((بعد النبي عن النسيان». (٥) (٧) أبو داود (١٠٢٣)، النسائي (٦٦٣). (٩) في (م): ((خديج)). وهو خطأ . (١١) في (ك): ((الساكتين)). (١٣) ينظر: المشارق (١٨٧/٢)، وفتح الباري (١٠٠/٣). (١٤) في (ك): ((أنَّ). (٢) البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٩٧/ ٥٧٣). (٦) البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢/٨٩). (٨) ليس في: (ك). (١٠) في (م): ((كان)). (١٢) أخرجه مسلم (١٠/١٢). ٤٣٧ بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ وقَولُهُ: (وَلَم أنسَهْ)). هو بِالهاءِ السَّاكِنَةِ في آخِرِهِ للسَّكتِ، وَلَيسَتِ ضَمِيرًا. السَّابِعَةُ: اختَلَفَتِ الرِّوايَةُ فِي جَوابِهِ وَّهِ الذي اليَدَينِ؛ فقال في هذه الرِّوايَةِ مَا تَقدمَ، وكَذا قال ابنُ عَونٍ، ويَزِيدُ بنُ إبرَاهِيمَ، عن ابنِ سِيرِينَ: ((لَم أنسَ، ولَم تُقْصَر)). كما عند البُخَارِيِّ(١). وقال أبو(٢) سُفيَانَ، مَولَى(٣) ابنِ أبي أحمَدَ، عن أبي هريرةَ: ((كُلُّ ذلك لم يَكُن، فقال: قد كَانَ بَعضُ ذلك))(٤). ولَم يَذْكُر أيُّوبُ فِي رِوايَتِهِ، عن ابنِ سِيرِينَ، كما في ((الصَّحِيحَين))(٥): نَفيَ القَصرِ، والنِّسَيَانِ رَأْسًا، بَل سَألَ مَن حَضَرَ: ((أَصَدَقَ (٦) ذُو اليَدَينِ)). وكَذا في رِوايَةٍ سَعدِ بنِ إبرَاهِيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عند الْبُخَارِيِّ(٧)، وهذه الرِّوايَةُ لَا إشكَالَ فيها . وأمَّا رِوايَةُ نَفي الأمرَينِ، فقد أُجِيبَ عنها بِأجوِيَةٍ: أحَدُها: أنَّ(٨) المُرَادَ لم يَكُن الأمرَانِ مَعًا، وكَانَ الأمرُ كَذلك، وهو ضَعِيفٌ؛ لأنَّه أورَدَ العَامِلَ في النَّفي على كُل واحِدٍ من الأمرَينِ. والثَّانِي: أنَّه أخبَرَ عَمَّ فِي ظَنِّهِ، فَهُو مُقدرٌ، وإِن كَانَ مَحذُوفًا. والثَّالثُ: أنَّه أرَادَ لَم (٩) أنسَ السَّلَامَ، بَل سَلَّمتُ قَصدًا، على ظَنِّ التَّمَام، وهو بَعِيدٌ أيضًا . والرَّابعُ: أنَّ السَّهو لَيسَ نِسَيَانًا، بَلِ بَيْنَهما فَرِقٌ، فَكَانَ يَسهو ولَا يَنسَى؛ لأنَّ النِّسَيَانَ غَفْلَةٌ، والسَّهو قد يَقَعُ عن بَعضِ الأفعَال الظّاهِرَةِ، اشتِغَالًا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأحوال الصَّلَاةِ، أَشَارَ إِلَيهِ القَاضِي عِيَاضٌ(١٠)، واستُبعِدَ من حَيثُ عَدَمِ الفَرقِ بينَهما (٢٨/٣) لُغَةَ(١١)، ويَرُدُّهُ أيضًا قَولُهُ في حديثِ ابنِ مَسعُودٍ، (١) البخاري (٤٨٢، ١٢٢٩، ٦٠٥١). ليس في (ك). (٣) (٥) البخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣/٩٩). البخاري (٧١٥). (٧) (٩) ليس في (ك). (١١) ينظر: المفهم (٢/ ١٩٢). (٢) لیس في (ح). (٤) مسلم (٩٩/٥٧٣). (٦) في (ك): ((صدق)). (٨) بعدها في (ح): ((يكون)). (١٠) إكمال المعلم (٥١٨/٢). ٤٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیپِ المُتَّفَقِ عليه (١): ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أنسَى كما تَنسَونَ)). والخَامِسُ: واختَارَهُ القَاضِي عِيَاضٌ(٢): أنَّه نَفَى كَونَهُ نَسِيَ بِالَّخفيفِ قَاصِرًا، ولَم يَنفِ كَونَهُ نُسِّيَ بِالتَّشدِيدِ، مَبنِيٍّ للمَفعُول، كما قال(٣): ((بِئْسَمَا لأحدكُم، أن يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ(٤) كَذا، بَل هو نُسِّيَ)). فَكَأنَّه قال: لم أنسَ من قِبَل نَفسِي، غَفْلَةً عن الصَّلَاةِ(٥)، ولَكِنَّ اللهَ نَسَّانِي لأسُنَّ (٦). ويَرُدُّهُ أيضًا حديثُ ابنِ مَسعُودِ المُتَقدمُ، فإنَّه نَسَبَ النِّسَيَانَ إِلَى نَفْسِهِ. وفَرَّقَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ(٧): بَينَ إضَافَةِ نِسَانِ(٨) كَلَام الله تعالى إلَى(٩) الإنسَانِ، وبَيْنَ إضَافَةِ نِسَيَانِ غَيرِهِ إِلَيهِ، ولَا(١٠) يَلزَمُ من النَّهي عن الخَاصِّ، النَّهيُ عن العَامِّ، واللهُ تعالى أعلمُ. السَّادِسُ: مَا أجاب به عَبدُ الكَرِيمِ بنُ عَطَاءِ اللهِ [١٦٩/١ ظ] السَّكَندَرِيُّ (١١): أنَّ العِصمَةَ إِنَّمَا ثَبَتَت(١٢) في الإخبَارِ عن اللهِ تعالى في الأحكام وغَيرِها، دُونَ (١٣) الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ. هَذا حَاصِلُ كَلَامِهِ، وقد أبهَمَهُ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِقَولِهِ: بَعضُ المُتَأْخِّرِينَ(١٤) . والسَّابِعُ: أنَّ النِّسَانَ يُطلَقُ بِإِزَاءِ مَعنَيَينٍ؛ أحَدُهما: خِلَافُ العَمدِ، وهو الأغلَبُ. والمَعنَى الثَّانِي: التَّركُ. وأرَادَ هُنَا هذا(١٥) المَعنَى الثَّانِي، هَكَذا أجاب (١) البخاري (٤٠١)، ومسلم (٨٩/٥٧٢). (٢) إكمال المعلم (٥١٨/٢ - ٥١٩). (٣) أخرجه مسلم (٢٢٨/٧٩٠). (٤) في (م): ((أنّه)). (٥) في الأصل: ((الله)). (٦) في (م): ((لأنسى)) (٧) في الإحكام (ص١٧٩). (٩) ليس في (ك). (٨) ليس في (ح). (١٠) في (ح): ((لم)). (١١) أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله السكندري، إمام في الفقه، والأصول، واللغة، تفقه على الشيخ أبي الحسن الإبياري، في مذهب مالك، واختصر المفصل للزمخشري، وألف البيان والتقريب في شرح التهذيب (ت٦١٢هـ). ينظر: الديباج المذهب (٢/ ٤٣)، وحسن المحاضرة (٤٥٦/١)، وشجرة النور الزكية (٦٧/١). (١٢) في (ح)، والإحكام: ((تثبت)). (١٣) ليس في: (ح). (١٥) في (ح): (لم)). (١٤) الإحكام (ص١٧٩). بَابُ السَّهوِ في الصَّلَاةِ ٤٣٩ به بَعضُ مَن تَعَقَّبَ(١) كَلَامَ القَاضِي عِيَاضٍٍ. ولَيسَ هَذا بِكَافٍ؛ لأنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ؛ لأنَّ قُصَارَاهُ أن يَكُونَ أخبَرَ أَنَّه مَا تَرَكَ، وقد تَرَكَ رَكعَتَينٍ، فَإِن أَرَادَ إخبَارَهُ على ظَنِّهِ، فقد تَقدمَ أنَّه أخبَرَ أنَّه مَا نَسِيَ على ظَنِّهِ، فَلَا حَاجَةَ لتَأوِيلهِ بِالتَّركِ، والله تعالى أعلمُ، وأجودُ (٢ هذه الأجوِبَةِ: الوجه٢ُ) الثَّانِي. ■ الثَّامنةُ: قال الخطابيُ(٣): فيه دليلٌ على أنَّ مَن قال: لم أفعَل كَذا. وكَانَ قد فَعَله نَاسِيًّا، أنَّه غَيْرُ كَاذِبٍ، انتَهَى. والخِلَافُ في هذه المَسألَةِ (٤): مَعرُوفٌ بَيْنَ أهل السُّنَّةِ والمُعتَزِلَةِ، هل الكَذِبُ الإخبَارُ(٥) بِخِلَافِ الواقِعِ(٦)، أو تَعَمُّدُ الإخبَارِ بِخِلَافِ الواقِعِ؟ وهَذا الخِلَافُ هو في حَقِيقَتِهِ، مع إجمَاعِهِم على أنَّ غَيرَ المُتَعَمِّدِ لَيسَ بِآيِمٍ، وإن انطَلَقَ عليه الاسمُ على أحد القَولَينِ، ولذلك قالت عَائِشَةُ(٧): ((يَرحَمُ اللهُ أبَا عَبدِ الرَّحمَنِ لم يَكذِب، ولَكِنَّهُ وهَلَ (٨). ■ التَّاسِعَةُ: استُدِلَّ به على أنَّ الحَالفَ بِاللهِ على شَيءٍ يَعتَقِدُهُ، فَيَظهَرُ أنَّه بِخِلَافِ [مَا حَلَفَ عليه، أنَّ تِلكَ اليَمِينَ لَاغِيَةٌ، لَا حِنثَ فيها، حَكَاهُ القُرطُبِيُّ(٩)، وقال: إنَّه صَارَ إِلَيهِ أكثَرُ الفُقَهاءِ، انتهى. وفيه نَظَرٌّ؛ لأنَّه قد ظَهَرَ خِلَافُ] (١٠) مَا حَلَفَ عليه، فَعليه الكَفَّارَةُ، كما ذَهَبَ إِلَيهِ الشَّافِعِيُّ في أحد قَولَيهِ، وغَيرُهُ(١١). نَعَم، لَا إثمَ عليه، لعَدَمِ تَعَمُّدِ الكَذِبِ، (٩/٣م) واللهُ تعالى أعلمُ. العَاشِرَةُ: قَولُ ذي اليَدَينِ: ((إِنَّمَا صَلَّيتَ رَكَعَتَينٍ)). أرَادَ به إثْبَاتَ (١) بعده في (ك): ((به)). (٣) معالم السنن (٤٦٢/١). (٤) ينظر: مسلم بشرح النووي (٦٩/١). (٥) في الأصل، (ت): ((للإخبار)). (٦) ليس في (ح). (٧) أخرجه مسلم (٢٧/٩٣٢)، والترمذي (١٠٠٤). (٨) في (م): ((ذهل)). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١١) ينظر: المجموع (١٣/١٨). (٢ - ٢) في (ك): «الوجوه)). (٩) المفهم (١٩٢/٢). 2 ٤٤٠ S طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ كَونِهِ نَّهَ نَسِيَ، كما هو عند البُخَارِيِّ(١) من رِوايَةِ ابنِ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ: «قال: بَلَی، قد نَسِیت». وكَذا قَولُهُ في رِوايَةٍ مُسلمٍ(٢): ((فقال: قد كَانَ بَعضُ ذلك)). أرَادَ به أيضًا إِثْبَاتَ النِّسَيَانِ، ولَا يَجُوزُ أن يُرَادَ به النَّسُ بعد إخبَارِهِ أنَّها لم تَقصُر؛ لأنَّه(٣) لَا يَجُوزُ الخُلفُ(٤) فيه، لكَونِهِ حُكمًا شَرعِيًّا، بِخِلَافِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالإخبَارِ عن الأحوال(٥) البَشَرِيَّةِ، التي لَيسَت من طَرِيقِ الْبَلَاغِ، والله تعالى أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشرَ: فيه جَوازُ السَّهوِ في الأفعَال على الأنبِيَاءِ، صَلَّى الله عليهم وسَلَّمَ، وهو مَذهَبُ أكثَرِ العُلَمَاءِ لهَذا الحديثِ، ولَقَولِهِ [تعالى، إخبَارًا عن مُوسَى وَّهِ: ﴿لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]. وقال ◌َّر في حديثٍ أُبَيِّ، المُتَّفَقِ على صِحَّتِهِ](٦): (كَانَت الأُولَى من مُوسَى نِسَانًا)). فَبَيَّنَ بَّهِ: أنَّ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى من النِّسيَانِ(٧) على حَقِيقَتِهِ. وأنكَرَت طَائِفَةٌ جَوازَ السَّهوِ، وإنَّمَا يَقَعُ منهُ صُورَةُ النِّسَانِ قَصِدًا لِيَسُنَّ(٨). قال القَاضِي عِيَاضٌ(٩): وقد مَالَ إلَى هَذا(١٠) عَظِيمٌ من المُحَفِّقِينَ من أئِمَّتِنَا، وهو أبو المُظَفَّرِ الإسفَرائينِيّ (١١)، ولَم يَرتَضِهِ(١٢) غَيرُهُ منهم(١٣)، (١) البخاري (١٢٢٩). (٢) مسلم (٩٩/٥٧٣). (٣) في (م): ((الحلف)). في الأصل: ((أحوال)». (٥) (٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. والحديث أخرجه البخاري (٦٦٧١)، ومسلم (١٧٠/٢٣٨٠). بعده في (م): ((كان)). (٧) (٨) هم الباطنية، وطائفة من أرباب القلوب، وهذا شذوذ منهم. أفاده القاضي عياض. (٩) إكمال المعلم (٥١٤/٢). (١٠) ليس في: (ك). (١١) أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفرائيني الشافعي، العلامة الأصولي، المعروف بشاهفور: بالفاء وبالقاف (ت٤٧١هـ)، من تصانيفه: تاج التراجم في تفسير القرآن للآعاجم، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين. سير أعلام النبلاء (٤٠١/١٨)، طبقات الشافعية لابن السبكي (١١/٥)، كشف الظنون (٤٤٢/١). (١٢) في (ك): ((يرتضيه)). (١٣) ليس في: (ك). (٤) في (ح): ((لكنه)).