النص المفهرس
صفحات 381-400
بابُ الجُلُوسِ في المُصَلَّى وانتِظارِ الصلاةِ
٣٨١
وفيه أقوالٌ أُخَرُ مَذكُورَةٌ في عُلُومِ الحديثِ(١).
■ الثالِثَةُ: فيه استِحبابُ انتِظارِ الصلاةِ في المسجِدِ، وهو كذلك، وقد
(٣٧١/٢°م) تَقدمَ في الحديثِ الذي قبلهُ.
■ الزَّابِعَةُ: وفي قَولِهِ: ((ما كانت الصلاةُ تَحْبِسُهُ)). بَيَانٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا صَرَفَ
نِيَّتَهُ عن ذلك(٢) صَارِفٌ آخَرُ، مِنِ انتِظارِ أحَدٍ، أو تَنَزُّهِ، أو نَحوِ ذلك، أنَّهُ
يَنْقَطِعُ(٣) عنهُ أجرُ(٤) الصلاةِ، فَإِن تَجَدَّدَت(٥) نِيَّةٌ أُخرَى مَعَ اسْتِحِضَارٍ (٦) انتِظارٍ (٧)
الصلاةِ، فَهل يَنقَطِعُ الثَّابُ لِما (٨) وُجِدَ من التَّشرِيكِ، أو لا يَنقَطِعُ لِوُجُودِ النِّيَّةِ
في انتِظارِ الصلاةِ؟
مُحتَمَلٌ، لَكِنَّ الظاهِرَ انقِطَاعُ الثَّوابِ بِالتَّشْرِيكِ فِي النَّيَّةِ (٩)، لِقَولِهِ: ((لا يَمنَعُهُ
إلا انتِظارُها)). فَهو يَدُلُّ على أنَّه إذَا مَنَعَهُ مانِعٌ آخَرُ، ولَو مَعَ وُجُودٍ قَصدِ الاِنِتِظارِ
لَها؛ فإنَّه لا يَكُونُ كَالمُصَلِّي، والله تعالى أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: المُرَادُ بِكَونِ الجَالِسِ يَنتَظِرُ الصلاةَ فِي صَلاةٍ: أنَّهُ يُكتَبُ له
أجرُ المُصَلِّي، لا أنَّ عَلَيهِ ما على المُصَلِّ مِنِ اجْتِنَابِ ما يَحْرُمُ في الصلاةِ
أو يُكرَهُ فيها، إلا أنَّهُ يَجتَنِبُ العَبَثَ المَنِهِيَّ عنهُ في الصلاةِ، لِما رَوى الحَاكِمُ في
((المُستَدرَكِ))(١٠)؛ مِن حَدِيثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((إِذَا تَوضَّأ أحَدُكُم
في بَيتِهِ ثُمَّ أتَى المسجِدَ كان في صَلاةٍ حَتَّى يَرجِعَ فَلا يَقُلِ هَكَذَا، وشَبَّكَ بَينَ
أصَابِعِهِ)). وقال: صَحِيحٌ على شَرطِ الشَّيخَينِ، ولَم يُخَرِّجَاهُ.
ورَوى أبو داودَ، وابنُ حِبانَ في ((صَحِيحِهِ))(١١) مِن حَدِيثٍ كَعبِ بنِ عُجرَةَ،
(١) ينظر: شرح التبصرة (ص١٦٧)، والمقنع البلقيني (ص٣٧٧)، والمنهل الروي لابن جماعة
(ص١٠٠).
(٢)
ليس في (ح).
(٤)
في (ح): ((أجزاء)).
في (ك): ((استحباب)).
(٦)
(٨) في (ك): ((بما)).
(١٠) المستدرك (٢٠٦/١).
(٣) في (ك): ((يقطع)).
(٥) في الأصل: ((تجدت)).
(٧) ليس في: الأصل.
(٩) ليس في: (ك).
(١١) أبو داود (٥٦٢)، وابن حبان (٢٠٣٦).
5
٣٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
سَمِعت رسولَ اللهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((إذَا تَوضَّأ أحَدُكُمْ فَأحسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى
الصلاةِ عَامِدًا، فَلا يُشَبِّك بَيْنَ يَدَيهِ، فإنَّه في صَلاةٍ)).
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ
٣٨٣
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ
الحديثُ الأولُ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ، قال: ((هل تَرَونَ
قِبلَتِي هَاهُنَا؟ والله،َ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُم ولا رُكُوعُكُم، (١ إِنِّي لأَرَاكُم ١)
مِن وَرَاءِ ظَهرِي)»(٢).
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: فيه الحَضُّ على الخُشُوعِ في الصَّلاةِ، وقد مَدَحَ الله تعالى على
ذلك، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
(٢/ ٣٧٢م) وقد اختُلِفَ فيه، هل هو (٣) سُنَّةٌ أو واجِبٌ (٤)؟
فَحَكَى النَّوِيُّ في ((شَرحِ المُهَذَّبِ)) (٥): الاتِّفَاقَ على أنَّه سُنَّةٌ، وأنَّه لَيسَ
بِواجِبٍ. وفيه نَظَرٌ، فقد رُوِّيناَ في كِتَابِ ((الزُّهدِ)) لابنِ المُبَارَكِ، عن عَمَّارِ بنِ
يَاسِيرٍ، قال: لا يُكتَبُ لِلرَّجُلِ مِن صَلاتِهِ مَا سَهَا عنهُ(٦). وقد رُوِيَ مَرفُوعًا، كما
سَيَأْتِي. وأيضًا فَفي كَلامِ غَيرِ واحِدٍ مِنَ العُلماءِ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، فقد قال إمَامُ
الحَرَمَينِ(٧): إنَّ المَرِيضَ إذَا لَحِقَهُ بِالقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذهِبُ خُشُوعَهُ: سَقَطَ عنهُ
القِيَامُ.
(١ - ١) في الأصل، (م): ((لأني أراكم)).
(٢) البخاري (٤١٨)، ومسلم (١٠٩/٤٢٤). (٣) ليس في: (ك).
(٤) ينظر: الحاوي الكبير (١٩١/٢ - ١٩٣). (٥) المجموع (٥١٩/٣).
(٦) الزهد لابن المبارك (١٣٠٠).
(٧) ينظر: روضة الطالبين (٢٣٤/١).
M
٣٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
فَلِقَائِلِ أن يَقُولَ: لَولا وُجُوبُ الخُشُوعِ لما جَازَ تَركُ القِيَامِ، وهو واجِبٌ
لأجلِهِ .
ولِقَائِلِ أن يَقُولَ: إِنَّمَا جَعَلَ الإمَامُ ذلك حَدًّا لِمَا يُسقِطُ القِيَامَ مِنَ المَرَضِ،
ولا يَشْتَرِظُ في سُقُوطِ القِيَامِ عن المَرِيضِ العَجزُ عنهُ جُمْلَةً، بَل وُجُودُ المَشَقَّةِ
كَافِيةٌ في سُقُوطِهِ، فَحَدَّ الإمَامُ المَشَفَّةَ بِمَا يَذْهَبُ معهُ الخُشُوعُ.
وذَهَبَ القَاضِي حُسَينٌ (١): إلى أنَّه إذَا صَلَّى مع مُدَافَعَةِ الأخبَثَينِ، بِحَيثُ
يَذْهَبُ خُشُوعُهُ، أنَّ صَلاتَهُ لا تَصِحُّ، مع انِّفَاقِ (٢) أصحابِ الشَّافِعِيِّ على أنَّ
مُدَافَعَةَ الأخبَثَينِ لَيسَت مُبطِلَةً لِلصَّلاةِ، فإذا وصَلَ ذلك إلى حَدِّ يَذهَبُ معهُ
الخُشُوعُ بَطَلَت، على مَا قالهُ القَاضِي حُسَيْنٌ، فَيَقْتَضِي وُجُوبُ الخُشُوعِ أيضًا.
ومِمَّا يَدُلُّ على وُجُوبِهِ: مَا رَواهُ أحمَدُ، والنَّسَائِيُّ، وابنُ حِبَّانَ في
((صحيحِه)(٣) مِن حديثٍ عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ: أنَّه صَلَّى رَكعَتَينٍ فَخَفَّفَهُمَا، فقال
[١٦٠/١ ظ] له عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ الحَارِثِ: يا أبا اليَقظَانِ، أَرَاك خَفَّفْتَهُمَا(٤)؟ فقال:
إِنِّي بَادَرتُ(٥) بِهِمَا (٦) الوسواسَ، وإِنِّي سَمِعت رسولَ اللهِنَّهِ، يَقُولُ: ((إنَّ الرَّجُلَ
لِيُصَلِّيَ الصَّلاةَ(٧)، ولَعَله لا يَكُونُ له مِنهَا إلا عُشرُهَا، أو تُسعُهَا، أو ثُمُنُهَا، أو
سُبُعُهَا، أو سُدُسُهَا، حَتَّى أَتَى على العَدَدِ)). وقال أحمَدُ: ((إِنِّي بَادَرتُ بِهَا السَّهو)).
ورَوى مُحَمَّدُ بِنُ نَصرِ المَروزِيِّ فِي كِتَابِ (تَعظِيمِ قدرِ الصَّلاةِ)) (٨)، في
حديثٍ مُرسَلٍ: ((لا يَقبَلُ الله (" مِن عَبد٩ٍ) عَمَلًا، حَتَّى يَشهَدَ قَلبُهُ مع بَدَنِهِ)). ورَواهُ
أبو شُجَاعِ الدَّيلميُّ في (مُسنَدِ الفِردَوسِ)» (١٠) مِن حديثِ أُبَيِّ بنِ کَعبٍ.
وقد ورَدَ: ((أنَّ الصَّلاةَ الخَالِيَةَ مِنَ الخُشُوعِ والتَّمَامِ، يُضرَبُ بِهَا وجهُ
(١) ينظر: الوسيط (٢٢٥/٢)، والشرح الكبير (٣١٠/٤).
(٢) في الأصل: ((اتفاقهم)).
(٣) أحمد (٣١٩/٤)، والنسائي في الكبرى (٦١١)، وابن حبان (١٨٨٩).
(٤)
في (ك): ((خففتها)).
(٥) في الأصل: ((بادرني)).
(٦) في (ك): ((بها)).
(٧) في (ك): ((العلة)).
(٨) تعظيم قدر الصلاة (١٥٧).
(١٠) مسند الفردوس (١١٤/٤).
(٩ - ٩) في (م): ((ممن عمل)).
بَابُّ الْخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ
٣٨٥
المُصَلِّي)). رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في ((الأوسَطِ))(١)، مِن حديثِ أنَسٍ. واستُدِلَّ على عَدَمِ
وُجُوبِ الخُشُوعِ بِحديثِ البَابِ، إذ لم يَأْمُرُهُم بِالإِعَادَةِ: كما قال المُهلبُ(٢).
■ الثَّانِيَةُ: في بَيَانِ الخُشُوعِ في الصَّلاةِ، رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ في تَفْسِيرِ
(٢)﴾ [المؤمنون: ٢]؛ يَعْنِيَ: خَائِفينَ للهِ
قَوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ
سَاكِنِينَ(٣).
ورُوِّينا في ((السُّنَنِ)) لِلبَيهَقِيِّ(٤)، عن عَلِيٍّ: أنَّه سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ، فقال:
الخُشُوعُ في القَلبِ، وأن تُلِينَ كَتِفَك (٣٧٣/٢م)، وألَّا تَلتَفِتَ فِي صَلاتِك.
فَجَعَلَ الالتِفَاتَ الظَّاهِرَ دَلِيلًا على عَدَمِ الخُشُوعِ فِي البَاطِنِ، كما رَوى
عَبدُ الرَّزَّاقِ فِي ((المُصَنَّفِ))، وكذلك ابنُ أبي شَيْبَةَ في ((المُصَنَّفِ))(٥) عن سَعِيدِ بنِ
المُسَيِّبِ: أنَّه رَأى رَجُلًا، يَعبَثُ(٦) بِلِحِيَتِهِ في الصَّلاةِ، فقال: لَو خَشَعَ قَلبُ هذا
لَخَشَعَت جَوارِحُهُ.
هذا هو المَعرُوفُ في هذا أنَّه عن ابنِ المُسَيِّبِ، وفي إسنَادِهِ مِن لم يُسَمَّ.
وقد رَواهُ الحَكِيمُ التِّرمِذِيُّ في ((تَوادِرِ الأُصُولِ)) مَرفُوعًا (٧) مِن حديثِ (٨) أبي هريرةَ،
وفيه سُلَيمَانُ بنُ عَمرِو: مُجمَعٌ على ضَعفِهِ.
وقد تَتَحَرَّكُ اليَدُ مع وُجُودِ الخُشُوعِ، كما رُوِّيناه(٩) في ((سُنَنِ البَيْهَقِيِّ))(١٠)
مِن حديثٍ عَمروٍ (١١) بنِ حُرَيثٍ، قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ نَّهِ رُبَّمَا مَسَّ لِحِيَتَهُ، وهو
يُصَلِّي)). وفي ((الكَامِلِ)) لابنِ عَدِيٍّ(١٢)، مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهـ
كَانَ رُبَّمَا يَضَعُ (١٣) يَدَهُ على لِحَيَتِهِ فِي الصَّلاةِ، مِن غَيرِ عَبَثٍ)).
الطبراني في الأوسط (٣٠٩٥).
(١)
(٣) تفسير الطبري (١٠/١٧).
(٥) المصنف لعبد الرزاق (٣٣٠٨)، وابن أبي شيبة (٢٨٩/٢) (٦٨٥٤).
(٦)
في الأصل: ((يلعب)).
(٨) في (ح): ((عن)).
(١٠) سنن البيهقي (٢٦٤/٢).
(١٢) الكامل (١٨٩٢/٥).
(٢) شرح ابن بطال (٣٦٠/٢).
(٤) سنن البيهقي (٢٧٩/٢).
(٧) نوادر الأصول (٢١٠/٣).
(٩) في الأصل: (روينا)).
(١١) في (م): ((عمر).
(١٣) في الأصل: ((وضع)).
٣٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقِيلَ: الخُشُوعُ في الصَّلاةِ الإقبَالُ عَلَيهَا، قاله مَالِكٌ في ((العُتْبِيَّةِ))، فيمَا
حَكَاهُ البَاجِيُّ في ((المُنْتَقَى))(١).
وقِيلَ: هو السُّكُونُ فيهَا، [رَواهُ البَيهَقِيُّ، عن مُجَاهِدٍ(٢). وفي ((صَحِيحٍ
مُسلِمٍ))؛ مِن حديثِ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، مَرفُوعًا](٣): ((اسكُنُوا (٤) في الصَّلاةِ)(٥).
وقِيلَ: الخُشُوعُ: الخَوفُ، رَواهُ الْبَيْهَقِيُّ (٦): عن الحَسَنِ.
ورَوى عن قَتَادَةَ: الخُشُوعُ في القَلبِ، وإِلِبَادُ(٧) البَصَرِ فِي الصَّلاةِ.
وقِيلَ: الخُشُوعُ: إطرَاقُ (٨) الرَّأسِ إلى الأرضِ، وقد رَوى البَيهَقِيُّ(٩)، مِن
حديثٍ أبي هريرةَ: ((أَنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ كَانَ إِذَا صَلَّى: رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّمَاءِ)).
فَنَزَلَت ﴿الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِمْ خَشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: ٢]. (فَطَأْطَأْ رَأْسَهُ)). قال
البَيهَقِيُّ: والصَّحِيحُ: عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، مُرسَلٌ.
وقِيلَ: الخُشُوعُ أَلَّا يُحدِّثَ نَفسَهُ فِي الصَّلاةِ، كما في حديثٍ عُثمَانَ المتفقِ
عليه(١٠): ((مَن تَوضَّأْ نَحو وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينٍ لا يُحدثُ فيهمَا نَفسَهُ،
غُفِرَ له مَا تَقْدمَ مِن ذَنِهِ)).
■ الثَّالِثَةُ: إن قِيلَ: مَا وجهُ مَا رَواهُ أبو عُثمَانَ النَّهدِيُّ، عن عُمَرَ بنِ
الخَطَّابِ، أنَّه قال: إِنِّي(١١) لأجَهِّزُ جَيشِي وأنَا في الصَّلاةِ(١٢). ورَوى عُروةُ بنُ
الزُّبَيرِ، عن عُمَرَ، قال: إنِّي(١٣) لأحسِبُ جِزيَةَ البَحرَينِ، وأنَا في الصَّلاةِ(١٤).
فَكَيفَ يَجْتَمِعُ الخُشُوعُ مع هذا؟
(١) ينظر: البيان والتحصيل (٢١٩/١).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٥)
مسلم (١١٩/٤٣٠).
(٢) سنن البيهقي (٢٨٠/٢).
(٤) في (ك): ((اسكتوا)).
(٦) سنن البيهقي (٢٨١/٢، ٢٨٠).
(٧) في (ك)، ونسخة بحاشية (م): ((إكباب)). وإلباد البصر في الصلاة؛ أي: إلزامه موضع
السجود من الأرض. تاج العروس (١٢٩/٩).
(٨) بعده في (م): ((من)).
(٩) سنن البيهقي (٢٨٣/٢).
(١١) ليس في (ح).
(١٠) سنن البيهقي (٢٨٠/٢، ٢٨١).
(١٢) أخرجه البخاري (١٢٢١) تعليقًا، ووصله ابن أبي شيبة (٤٢٤/٢) (٨٠٣٤).
(١٣) ليس في (ح).
(١٤) ابن أبي شيبة (٤٢٤/٢) (٨٠٣٣).
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلِهِي عن الصَّلاةِ
٣٨٧
=
والجَوابُ: أنَّ المُصَلِّيَ لا يُمكِنُهُ دَفعُ الخَواطِرِ العَارِضَةِ في الصَّلاةِ، ولم
يَقُل في حديثٍ عُثمَانَ: ((لا تُحدَّثُهُ(١) نَفْسُهُ فيهِمَا)). وإِنَّمَا قال: ((لا يُحدِّثُ فيهمَا
نَفْسَهُ».
والغَالِبُ على الإنسَانِ: الفِكرَةُ فيمَا يُهِمُّهُ، وكَانَ عُمَرُ رَّبِهِ: إِذَا عَرَضَ له
تَجهِيزُ جَيشٍ ونَحوُهُ مِن أُمُورِ المُسلِمِينَ: أَهَمَّهُ ذلك، فَرُبَّمَا عَرَضَ له ذلك في
الصَّلاةِ (٣٧٤/٢م)، واستَرسَلَ فيه مِن غَيرِ أن يَقصِدَ ذلك.
وقد ورَدَ في كَونِهِ لا يُحدثُ نَفسَهُ في الصَّلاةِ: تَقِيدُهُ بِأُمُورِ الدُّنيا، رَواهُ
ابنُ أبي شَيبَةَ في «المُصَنَّفِ))، في(٢) حديثٍ مُرسَلٍ، قال فيه(٣): ((لا يُحدثُ فيهمَا
نَفْسَهُ بِشَيءٍ مِنَ الدُّنيَا))(٤)، ولَيسَ مَا كَانَ يَعرِضُ لِعُمَرَ في الصَّلاةِ مِن أُمُورِ الدُّنيا،
بَل مِن أُمُورِ الدِّينِ [١٦١/١و] الذي يُهِمُّهُ (٥) ذلك.
قال ابنُ بَطَّالٍ: فَإن قال قَائِلٌ: وإنَّ (٦) الخُشُوعَ فَرِضٌ في الصَّلاةِ؟
قِيلَ له: بِحَسبِ الإنسَانِ أن يُقبِلَ على صَلاتِهِ بِقَلبِهِ ونِيَّتِهِ، ويُرِيدُ بِذلك
وجهَ اللهِ رَتْ، ولا طَاقَةَ له بِمَا اعتَرَضَهُ مِنَ الخَواطِرِ(٧) .
الزَّابِعَةُ: لم يُبَيِّن في حديث أبي هريرةَ: مَا أَنكَرَهُ عليهِم ◌ََّ فِي الرُّكُوعِ
والسُّجُودِ، وفي رِوايَةٍ لِمُسلِم: ((صَلَّى رسولُ اللهِنَّهِ يَومًا، ثُمَّ انصَرَفَ، فقال:
يَا فُلانُ، ألا تُحسِنُ صَلاَك؟ ألا يَنظُرُ(٨) المُصَلِّي إِذَا صَلَّى، كَيفَ يُصَلِّي(٩)؟
فَإِنَّمَا (١٠) يُصَلِّي لِنَفسِهِ، إِنِّي واللهِ لأبصِرُ مِن ورَائِي، كما أُبِصِرُ مِن بَيْنَ يَدَيَّ))(١١).
وقد ورَدَ في حديثٍ آخَرَ، مَا يَقتَضِي أنَّه: عَدَمُ إتمَامِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وفي حديثٍ آخَرَ مُبَادَرَتُهُ لِلإِمَامِ بِذلك، فَفي ((الصَّحِيحَينِ))، مِن حديثٍ
في (ك): «یحدثه)) .
(١)
(٣)
لیس في (ح).
(٥)
في (ك): ((یهم)).
(٧) شرح صحيح البخاري (٣٥٩/٢).
(٩) في (ك): ((يصل)).
(١١) مسلم (١٠٨/٤٢٣).
(٢) في (ك): ((من)).
(٤) ابن أبي شيبة (٣٨٦/٢) (٧٧١٣).
(٦) في (م): ((فإن)).
(٨) في (ك)، (ح): ((تنظر)).
(١٠) في (ح): ((قائمًا)).
٣٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أَنَسٍ: «أَقِيمُوا الزُّكُوعَ والسُّجُودَ، فواللهِ إنِّي لأرَاكُم مِن بَعدِي، (١ ورُبَّمَا قال: ((مِن
بَعد١ِ) ظَهرِي، إذَا رَكَعْتُم وسَجَدتُم)(٢) .
وفي رِوايَةٍ لِمُسلِم (٣): ((أَتِمُوا الزُّكُوعَ والسُّجُودَ). وفي رِوايَةٍ له (٤): ((إِنِّي
إِمَامُكُمْ فَلا تَسِقُونِي، بِالرُّكُوعِ، ولا بِالسُّجُودِ، ولا بِالقِيَامِ، ولا بِالانصِرَافِ، فَإِنِّي
أَرَاكُم أمَامِي ومِن خَلفي)). وقد ورَدَ: أنَّ ذلك الصَّحَابِيَّ فَعَلَ ذلك عَمدًا، لِيَعلم
بِذلك هل يَعلمُهُ النَّبِيُّ ◌َِّ أم لا؟
كما رَواهُ أحمَدُ(٥)؛ مِن حديثٍ أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ رَظُلُه، قال: صَلَّى رَجُلٌ
خَلفَ النَّبِيِّ بَّهِ، فَجَعَلَ يَركَعُ قَبلَ أن يَركَعَ، ويَرفَعُ قَبلَ أن يَرفَعَ، فلما قَضَى
النَّبِيُّ وَّرِ الصَّلاةَ، قال: ((مَن فَعَلَ هذا؟)). قال: أنَا يَا رسولَ اللهِ، أحبَبتُ أن
أعلمَ تَعلمُ ذلك أم لا؟ قال: ((اتَّقُوا خِدَاجَ الصَّلاةِ، إِذَا(٦) رَكَعَ الإِمَامُ فَاركَعُوا،
وإِذَا رَفَعَ فَارِفَعُوا)).
وقِيلَ: إنَّمَا أنكَرَ عليهم عَدَمَ تَسوِيَةِ الصُّفُوفِ، كما في الحديثِ المتفقِ
عليه (٧)، مِن حديثٍ أَنَسٍ أيضًا: ((أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلفَ ظَهرِي)) .
قلتُ: الظَّاهِرُ: أنَّ هَذِهِ واقِعَةٌ أُخرَى؛ إتمَامُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، المَذكُورِ في
حديثٍ أَنَسِ المُتَقدمِ.
■ الخَامِسَةُ: قال المُهلبُ بنُ أبي صُفْرَةَ، في هذا الحديثِ: النَّهيُّ عن
نُقْصَانِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، لِتَوغُدِهِ عليه الصلاة والسَّلامُ لهم على ذلك(٨) .
■ السَّادِسَةُ: قال ابنُ بَطَّالٍ، نقلاً عن المُهلبِ أيضًا: فيه دَلِيلٌ أنَّ
الظُّمَأْنِينَةَ والاعتِدَالَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ مِن سُنَنِ الصَّلاةِ، ولَيسَت مِن فروضِه؛
لأنَّ النَّبِيَّ وَّهِ لم يَأْمُر هَؤُلاءِ الذينَ قال لهم: ((مَا يَخفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُم،
(١ - ١) ليس في (ك).
(٢) البخاري (٧٤٢)، ومسلم (١١٠/٤٢٥). (٣) مسلم (١١١/٤٢٥).
(٤)
مسلم (٤٢٦ /١١٢).
(٦)
في الأصل، (م): ((فإذا)).
شرح البخاري لابن بطال (٣٦٠/٢).
(٨)
(٥) أحمد (٤٣/٣).
(٧) البخاري (٧١٨)، ومسلم (١٢٥/٤٣٤).
٣٨٩
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلِهِي عن الصَّلاةِ
ولا رُكُوعُكُم)) بِالإِعَادَةِ، ولَو كَانَ ذلك فَرِضًا: مَا سَكَتَ عن إعلامِهِم بِذلك؛ لأنَّ
فَرْضًا (١) عليه البَيَان لأُمَّتِّهِ (٢).
وإلى هذا ذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، وهِيَ رِوايَةُ ابنِ القَاسِمِ،
(٣عن مَالِك٣ِ) .
وذَهَبَ أكثَرُ العُلماءِ: إلى وُجُوبِ الظُمَأْنِينَةِ والاعتِدَالِ، وهو قَولُ سُفيَانَ
الثَّورِيِّ، والأوزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وأحمَدَ، وإسحَاقَ، وابنٍ وهبٍ،
وغَیرِهم.
ولَيسَ لِمَن اسْتَدَلَّ بِالحديثِ: حُجَّةٌ على قَولِهِ؛ لأنَّه لَيسَ في الحديثِ: أنَّهم
لم يَطْمَئِنُّوا في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. والذي ورَدَ التَّصرِيحُ بِهِ: إِنَّمَا هو مُسَابَقَتُهُ
بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ، لا تَركُ الظُّمَأْنِينَةِ، كما تَقدمَ نقله(٤)، مِن عِندِ مُسلِمٍ، و((مُسنَدِ
أحمَدَ»، ولا يُتَصَورُ مِنهُم(٥): تَركُ الظُمَأْنِينَةِ؛ لأنَّهم كَانُوا مَأْمُومِينَ ورَاءَهُ،
وكَانَ بِّهَ يَطْمَئِنُّ فِي صَلاتِهِ قَطْعًا، فَلَو تَرَكُوا الظُّمَأْنِينَةَ ورَاءَهُ: لَلَزِمَ مِنْهُ مُفَارَقَتُهُم
له، وإِنَّمَا كَانَ بَعضُهُم يُسَاوِقُهُ(٦) أو يُبَادِرُهُ، فَنَهَاهُم عن ذلك.
وقد أمَرَ النَّبِيُّ نَّهِ المُسِيءَ صَلاتَهُ بِالإِعَادَةِ، بِقَولِهِ (صَلِّ فَإِنَّك لم تُصَلِّ))،
وبَيَّنَ له فَرِضَ الظُّمَأْنِينَةِ، بِقَولِهِ: ((ثُمَّ اركَع حَتَّى تَطمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارفَع حَتَّى تَعتَدِلَ
قَائِمًا، ثُمَّ اسجُد حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارفَع حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسجُد حَتَّى
تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افعَل ذلك في صَلاتِك كُلُّهَا)). وهو صَحِيحٌ، ((مُتَّفَقٌ عليه)(٧)،
وبَوّبَ عليه البُخَارِيُّ: ((بَابَ أمرِ النَّبِيِّ وَِّ الذي (٨) يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالإِعَادَةِ»(٩).
وقَولُ المُهلبٍ: إنَّه لم يَأمُرُهُ أن يُعِيدَ الصَّلاةَ التي نَقَصَهَا (١٠)، إجرَاءً على
الصِّفَةِ التي عليه، ولم يَقُل: لا يُجزِئك حَتَّى تُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلاةَ، على هَذِهِ الصِّفَةِ،
(١) في (ك): ((فرضها)).
(٣ - ٣) ليس في (ح).
(٥) ليس في (ك).
(٧) البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥/٣٩٧).
(٩) البخاري (٧٩٣).
(٢) شرح صحيح البخاري (٣٦٠/٢).
(٤) ليس في (م).
(٦) في (ك): ((ليساوقه)).
(٨) في (م): ((لم)).
(١٠) في (ك): ((يقضيها)).
٣٩٠
22
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
[١٦١/١ظ] وإنَّمَا علمه كَيفَ يُصَلِّي فيمَا يَستَقْبِلُ. كَلامٌ مَرُدُودٌ عليه، فقد أمَرَهُ بِالإِعَادَةِ
في آخَرٍ مَرَّةٍ (١)، بِقَولِهِ: ((صَلِّ)). ونَفَى صَلاتَهُ، بِقَولِهِ: ((فَإِنَّك لم (٢ ) تُصَلِّ)). ثُمَّ علمه
كَيفَ يَفعَلُ مَا أمَرَهُ بِهِ، فَلا يَحتَاجُ أن يَقُولَ له [بَعدَ الثَّعلِيم: صَلِّ هَكَذَا. فَإِنَّ أمرَهُ
بِالصَّلاةِ لم يَخرُج عنهُ إلى الآنَ، ولا يَحتَاجُ(٣) أن يَقُولَ له](٤): لا تُجزِئُك، حَتَّى
تُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلاةَ، على هَذِهِ الصُّفَةِ. على أنَّه قد جاءَ في حديثٍ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ،
في حديثِ المُسِيءٍ صَلاتَهُ: ((لا تَتِمُّ صَلاةُ أحدكُم حَتَّى يَفعَلَ ذلك))(٥).
ورَوى ((أصحَابُ السُّنَنِ))(٦) مِن حديثِ أبي (٧) مَسعُودِ البَدرِيِّ، مَرَفُوعًا: ((لا
تُجِئْ صَلاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهرَهُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ)). وقال التِّرمِذِيُّ:
حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
· السَّابِعَةُ: (٣٧٦/٢م) إذَا قُلْنَا: إنَّ الحديثَ ورَدَ في كَرَاهِيَةٍ مُبَادَرَةِ الإمَامِ
في الصَّلاةِ. فَفيه حُجَّةٌ على أنَّ مُسَاوقَتَهُ ومُسَابَقَتَهُ اليَسِيرَةَ لا تُبِطِلُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه
لم يَأْمُرُهُم بِالإِعَادَةِ، وهو قَولُ الجُمهورِ.
وَذَهَبَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وأهلُ الّاهِرِ: إلى أنَّ ذلك يُفسِدُ الصَّلاةَ، وهو وإن
كَانَ غَيرَ مُفسِدٍ عِندَ أصحَابِنَا، ولَكِنَّهُ لَيسَ له ثَوابُ الجَمَاعَةِ في المُسَابِقَةِ
والمُسَاوقَةِ(٨)، وقد (٩) حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (١٠): في المُسَاوقَةِ عن بَعضِهِم، مُقْتَصِرًا عليه.
وقال الإمَامُ (١١): إنَّ المُسَاوقَةَ خِلافُ الأولَى، ولا تُكرَهُ، وأمَّا المُسَابَقَةُ
بِرُكنٍ فَتُكرَهُ.
وقال البَغَوِيُّ، والمُتَولِّيُّ: كَرَاهَةَ تَحرِيمِ، وإن سَبَقَهُ بِرُكنَينِ عَمدًا، مع العِلمِ
(١) في (ك)، (ح): («أمره)).
(٣)
بعده في (ح): ((إلى)).
(٢) في (ح): ((لن)).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٥)
أبو داود (٨٥٨).
أبو داود (٨٥٥)، والترمذي (٢٦٥)، والنسائي (١٠٢٦)، وابن ماجه (٨٧٠).
(٦)
(٧) ليس في (ك).
(٨) أي: المقارنة.
(٩) ليست في: (ت، م). وفي (ك، ح): ((كما)).
(١٠) ينظر: الشرح الكبير (٣٨٠/٤ - ٣٨٢).
(١١) ينظر: الوسيط (٢٣٦/٢)، وروضة الطالبين (٣٦٩/١).
M
٣٩١
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلِهِي عن الصَّلاةِ
بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَت صَلاتُهُ، وإن كَانَ جَاهِلًا لم تَبطُل، ولَكِن لا يَعتَدُّ بِتِلكَ الرَّكعَةِ،
والله تعالى أعلمُ.
■ الثَّامِئَةُ: فيه مُعجِزَةٌ لِلنَّبِّ وََّ، فِي أَنَّه كَانَ يَنْظُرُ مِن وَرَائِهِ، كما يَنظُرُ
مِن بَیْنِ يَدَیهِ .
وهو مَحمُولٌ على الحَقِيقَةِ، (١ لا أن١َّ) المُرَادَ بِهِ العِلمُ دُونَ الرُّؤْيَةِ، كما
حَمَلَ بَعضُهُم الحديثَ عليه(٢).
قال ابنُ بَطَّالٍ(٣): يَحتَمِلُ: أن يَرَاهُم بِمَا [يُوحَى إلَيهِ مِن أفعَالِهِم وهَيئَاتِهِم؛
لأنَّ(٤) الرُّؤْيَةَ قد يُعَبَّرُ(٥) بِهَا عن العِلم والاعتِقَادِ، ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ يَرَاهُم بِمَا](٦)
خُصَّ بِهِ أن زِيدَ في قُوةٍ بَصَرِهِ، حَتَّى يَرَى مَن ورَاءَهُ.
وقد سَألَ أبو بَكرٍ الأثرَمُ، أحمَدَ بنَ حَنبَلٍ، عن هذا الحديثِ، فَحَمَله على
الحَقِيقَةِ، قلتُ له(٧): إنَّ إنسَانًا قال لِي: هو في(٨) ذلك مِثْلُ غَيرِهِ، وإنَّمَا كَانَ
يَرَاهُم كما يَنْظُرُ الإمَامُ مَن عن يَمِينِهِ وشِمَالِهِ، فَأَنكَرَ ذلك إنكَارًا شَدِيدًا .
وقال صَاحِبُ ((المُفهِم))(٩): مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ مِنَ الأشعَرِيَّةِ، وغَيرِهِم: أنَّ
هذا الإبصَارَ يَجُوزُ أن يَكُونَ إدراكًا خَاصَّا بِالنَّبِيِّ وَِّ مُحَفَّقًا، انخَرَقَت له (١٠) فيه
العَادَةُ، وخُلِقَ له ورَاءَهُ، أو يَكُونَ الإدرَاكُ العَينِيُّ انخَرَقَت له العَادَةُ فَكَانَ يَرَى بِهِ
مِن غَيرِ مُقَابَلَةٍ، فَإِنَّ أهلَ السُّنَّةِ لا يَشتَرِطُونَ في الرُّؤْيَةِ عَقْلًا، هَيئَةً مَخْصُوصَةً، ولا
مُقَابَلَةً، ولا قُربًا، ولا شَيئًا مِمَّا يَشتَرِظُهُ المُعتَزِلَةُ وأهلُ البِدَعِ، وأنَّ تِلكَ الأُمُورَ
إِنَّمَا هِيَ شُرُوطٌ عَادِيَّةٌ، يَجُوزُ حُصُولُ الإدرَاكِ مع عَدَمِهَا، ولِذلك حَكَمُوا بِجَوازِ
رُؤْيَةِ اللهِ تعالى في الدَّارِ الآخِرَةِ، مع إِحَالَةٍ تِلكَ الأُمُورِ كُلِّهَا .
(١ - ١) في (ح): ((لأن)).
(٣) شرح صحيح البخاري (٧١/٢).
(٥)
في (ك): ((أخبر)).
(٢) ليس في (ح).
(٤) في (ك): ((لا)).
(٦) ما بين المعكوفين ليس في (ت).
(٧)
التمهيد (٣٤٦/١٨)، وشرح ابن رجب للبخاري (٣٥٩/٢).
(٨)
ليس في: الأصل.
(١٠) ليس في: (ح).
(٩) المفهم (٢ / ٥٧، ٥٨).
VIN
٣٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ولما ذَهَبَ أهلُ البِدَع، إلى أنَّ تِلكَ الشُّرُوطَ عَقْلِيَّةٌ، استَحَالَ عِندَهُم رُؤيَةُ الله
فَأَنْكَرُوهَا، وخَالَفُوا قَواطِعَ الشَّرِيعَةِ التي ورَدَت بِإِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ، وخَالَفُوا مَا أجمع
عليه الصَّحَابَةُ والتَّابِعُونَ، ويُؤَيِّدُ هذا قَولُ عَائِشَةَ(١) ﴿ّ، في هذا: ((زِيَادَةٌ
زَادَهُ(٢) اللهُ تعالى إِيَّاهَا في حُجَّتِهِ)).
ورَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهِيدِ)) (٣) عن مُجَاهِدٍ، في تَفسِيرٍ قَوله تعالى:
(٣٧٧/٢م) ﴿وَتَقَلُّكَ فِ السَّجِدِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٢١٩] قال: كَانَ يَرَى مِن خَلِفِهِ في
الصَّلاةِ، كما يَرَى مِن بَيْنِ يَدَيهِ. وقال بَقِيُّ بنُ مَخلَدٍ: كَانَ عليه الصلاة السَّلامُ
يَرَى في الظَّلامِ، كما يَرَى في الضَّوءِ.
الحديثُ الثَّانِي
عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: ((صَلَّى رسولُ اللهِن ◌َّهِ فِي خَمِيصَةٍ
ذَاتٍ عَلم، فلما قَضَى صَلاتَهُ: قال: اذهَبُوا بِهَذِهِ الخَمِيصَةِ إلى أبي جَهمِ،
وأتُونِي بِأنبِجَانِيَّةٍ، فَإِنَّهَا ألهتني آنِفًا عن صَلاتِي)) (٤).
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: الخَمِيصَةُ بِفَتح الخاءِ المُعجَمَةِ، وكَسرِ المِيمِ، بَعدَهَا يَاءٌ
(١) أخرجه سيف بن عمر، في كتاب الفتوح، عن الشعبي، عن مسروق، قال: سألت عائشة،
عن إطباق ابن مسعود يديه بين ركبتيه إذا ركع؟ فقالت: ((إن النبي چو کان یری من خلفه،
كما يرى من بين يديه، زيادةً من الله زاده إياها في حُجَّته، فرأى أناسًا يصنعون كما كان
يصنع الرهبان، فحولهم من ذلك إلى ما عليه الناس اليوم، من إطباق الركب بالأكف وتفريج
الأصابع)). ينظر: شرح العيني على أبي داود (٣٤٥/٣)، وإكمال المعلم (٣٣٦/٢).
(٢)
في (ك): ((زادها)).
(٣) التمهيد (٣٤٧/١٨)، والطبري في تفسيره (٤١٢/١٩). وينظر: الكامل لابن عدي
(١٥٣٤/٤)، والعلل المتناهية (١٦٨/١).
(٤) البخاري (٣٧٣، ٧٥٢، ٥٨١٧)، ومسلم (٦٢/٥٥٦)، وأبو داود (٩١٤، ٤٠٥٢،
٤٠٥٣) والنسائي (٧٧٠)، وابن ماجه (٣٥٥٠).
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ
٣٩٣
سَاكِنَةٌ، آخِرُ الحُرُوفِ، ثُمَّ صَادٌ مُهمَلَةٌ: وهِيَ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ له أعلامٌ(١).
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢): كِسَاءُ (٣ صُوفٍ رَقِيقٌ(٣)، وقد يَكُونُ [١٦٢/١و] بِغَيرِ
عَلمِ.
وقال الجَوهَرِيُّ(٤): أسودُ له عَلمانٍ. وقال المَازَرِيُّ(٥): مَصبُوغٌ علمه
حَرِيرٌ.
والأنبِجَانِيَّة: بِفَتح الهَمزَةِ، وكَسرِهَا أيضًا، وسُكُونِ النُّونِ، وفَتح البَاءِ
المُوحَّدَةِ، وكَسرِهَا أيضًا، ثُمَّ جِيمٌ، (٦ وبَعدَ الألِف٦ِ) نُونٌ، ثُمَّ يَاءٍ(٧) مُثَنَّةٌ مِن
تَحثُ مُشَدَّدَةٌ، وفِيهَا التَّخفيفُ أيضًا.
ووقَعَ في رِوايَةِ ((أحمَدَ)(٨): ((بِأَنِجَانِيّة))(٩)، بِالتَّذْكِيرِ، على إرَادَةِ الكِسَاءِ،
وهِيَ الكِسَاءُ الغَلِيظُ الذي لَيسَ له عَلم.
وقال ابنُ قُتَيبَةً(١٠): إنَّمَا هو مَنبَجَانِيٌّ(١١)، ولا(١٢) يُقَالُ: أَنبَجَانِيٌّ، مَنسُوبٌ
إلى مَنبجٍ، وفُتِحَتِ الْبَاءُ في النَّسَبِ.
■ الثَّانِيَةُ: فيه جَوازُ لُبسِ الثَّوبِ الذي له عَلم، وكَذلك الكِسَاءُ ونَحوُهُ،
وهو گذلك.
الثَّالِثَةُ: فيه نَفيُ مَا يَشغَلُ عن الصَّلاةِ ويُلهِي عنهَا، والحَضُّ على
الإقبَالِ على الصَّلاةِ والخُشُوعِ فيهَا .
ا الزَّابِعَةُ: فيه أنَّ اشتِغَالَ الفِكرِ يَسِيرًا في الصَّلاةِ (٣٧٨/٢م) غَيرُ فَادِحٍ في
صِحّتِها . وهو گذلك.
(١) ينظر: المشارق (١/ ٢٤٠)، والنووي على مسلم (٤٣/٥).
(٢) الاستذكار (٤٧٠/١).
(٣ - ٣) في (ك): ((عرف دقيق)).
(٤) الصحاح (١٠٣٨/٣).
(٥) المفهم (١٦٢/٢).
(٦ - ٦) في (ك): ((وبعدها ألف)).
(٧) ليس في (ك).
(٨) أحمد (٢٠٨/٦).
(٩) في (ك): ((بالتحتانية)). وفي مطبوعة المسند: ((أنبجانيًّا)). ولعله الأنسب للسياق.
(١٠) أدب الكاتب (ص٣٥٤)، وينظر: مسلم بشرح النووي (٤٣/٥)، والمفهم (١٦٣/٢).
(١١) في (ك): ((منبجى)).
(١٢) في (ك): ((فلا)).
٣٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ الخَامِسَةُ: قال صَاحِبُ ((المُفهِم)) (١): يُستَفَادُ مِنهُ كَرَاهَةُ التَّزَاوِيقِ
والنُّقُوشِ في المَسَاجِدِ.
ورُوِّينا في ((المَصَاحِفِ))(٢) لابنِ أبي دَاوُد، عن أبي الدَّردَاءِ: أنَّه قال: ((إذَا
زَخرَفْتُم مَسَاجِدَكُم، وحَلَّيْتُم مُصاحِفَكُم، فَعَلَيْكُمْ (٣) الدَّمَارُ)).
ولا بنِ مَاجَه(٤) مِن حديثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، مَرُفُوعًا: ((مَا سَاءَ عَمَلُ قَوم إلا
زَخِرَفُوا مَسَاجِدَهُم)). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: ((والله(٥)، لَتُزَخِرِفُنَّهَا كما زَخرَفَت اليَّهودُ
والنَّصَارَى))(٦).
■ السَّادِسَةُ: استَدَلَّ بِهِ بَعضُ المَالِكِيَّة على كَرَاهَةِ غَرسِ الأشجَارِ في
المَسَاجِدِ، لِمَا فيه مِن شُغلِ المُصَلِّي بِذلك.
وقد اختَلَفَ أصحَابُنَا في ذلك؛ فقال النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ)(٧)، مِن زَوائِدِهِ:
يُكرَهُ غَرَسُ الشَّجَرِ فِيهِ، فَإِن غَرَسَ قَطَعَهُ الإمَامُ. وجَزَمَ القَاضِي الحُسَينُ في (تَعلِيقِهِ))،
والبَغَوِيُّ في ((الفَتَاوى)): بِالتَّحرِيمِ، وحَكَى القَاضِي الحُسَينُ، عن الأصحَابِ: أنَّه
لا يَجُوزُ قَطْعُهَا بَعدَ غَرِهَا؛ لأنَّهَا صَارَت مِلكًا لِلمَسجِدِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
السَّابِعَةُ: فَإِن قِيلَ: كَيفَ بَعَثَ بِهَا إلى أبي جَهم، وإِذَا كَانَ نَّ قد
أخبَرَ عن نَفسِهِ أنَّهَا ألهَته عن صَلاتِهِ مع قُوتِهِ وَّهَ، فَكَيفَ لا تَشغَلُ أَبَا جَهمٍ عن
صَلاتِهِ؟
والجَوابُ: أَنَّه لم يَبعَث بِهَا إِلَيهِ لِيَلْبَسَهَا في الصَّلاةِ، بَل لِيَنتَفِعَ (٨) بِهَا في
غَيرِ الصَّلاةِ، كما قال في حُلَّةِ عُطَارِدَ لِعُمَرَ: ((إِنِّي لم أبعَث بِهَا إِلَيك ◌ِتَلْبَسَهَا))(٩)،
واللهُ تعالى أعلمُ.
(١) المفهم (١٦٣/٢).
(٣)
ليس في (ك).
(٥)
ليس في (ح).
أخرجه البخاري تعليقًا قبل حديث (٤٤٦)، ووصله أبو داود (٤٤٨).
(٦)
(٧)
روضة الطالبين (٢٩٧/١).
(٩) مسلم (٢٠٦٨).
(٢) المصاحف (٤٧٤).
(٤) ابن ماجه (٧٤١).
(٨) في (ك): ((ينتفع)).
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلِهِي عن الصَّلاةِ
٣٩٥
■ الثَّامِنَةُ: قال صَاحِبُ ((المُفهِم))(١): فيه سَدُّ الذّرَائِع، والانتِزَاعُ عَمَّا
يَشْغَلُ الإِنسَانَ(٢) عن أُمُورِ دِينِهِ.
■ التَّاسِعَةُ: قال ابنُ بَطَّالٍ (٣): فيه أنَّ النَّبِيَّ ◌َ آنَسَ أَبَا جَهم حِينَ رَدَّهَا
إِلَيهِ، بِأن سَأله ثَوبًا مَكَانَهَا لِيُعلِمَهُ أَنَّه لم يَرُدَّ عليه (٤) هَدِيَّتَهُ، استِخِفَّافًا بِهِ، ولا
كَرَاهِيَةً لِكَسِبِهِ (٥)، وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستِذْكَارِ))(٦) نَحوهُ.
وقال صَاحِبُ ((المُفهِم))(٧): وفيه قَبُولُ الهَدَايَا مِنَ الأصحَابِ، واستِدعَاؤُهُ،
عليه الصلاة السَّلامُ، أنبِجَانِيَّةَ أبي جَهم: تَطِيبٌ لِقَلِهِ، ومُبَاسَطَةٌ معهُ، وهذا مع
مَن يُعلم طِيبُ نَفْسِهِ وصَفَاءُ وُدِّهِ: جَائِزٌ.
قلتُ: قد ذَكَرَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارَ(٨): أنَّ الخَمِيصَةَ والأنبِجَانِيَّة كِلاهُمَا كَانَ
لِلَّبِّ وَِّ، فَرَوى بِإِسْنَادٍ له مُرسَلٍ: ((أنَّه ◌َِرَ أُنِيَ بِخَمِيصَتَينِ سَودَاوينٍ، فَلَبِسَ
إحدَاهُمَا، وبَعَثَ الأُخرَى إلى أبي جَهم، ثُمَّ أَنَّه أرسَلَ إلى أبي جَهم في تِلَكَ
الخَمِيصَةِ، وبَعَثَ إلَيهِ التي لَبِسَهَا، (٦ ولَبِسَّ هو٩) التي كَانَت عِندَ أبي جَهَّم، بَعدَ أن
لَبِسَهَا أبو جَهِمٍ لِيسَاتٍ)).
ء
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٠): ومَعنَى رِوايَةِ الحديثِ؛ أي: عِندَ مَالِكٍ(١١):
((أنَّ أبَا جَهم أهدَى إلى رسولِ الله وَّهِ خَمِيصَةً لَهَا عَلم، فَشَغَلَتْهُ في الصَّلاةِ، فَرَدَّهَا
عليه))(١٢). فَاللهُ أعلمُ.
المفهم (٢ / ١٦٣).
(١)
في (ح): ((الناس)). وقال في الحاشية: ((وفي نسخة: الإنسان)).
(٢)
(٣)
شرح صحيح البخاري (٣٧/٢).
(٤) ليس في (ح).
في (ح): ((تَكَسُّبه)). وفي (م): ((للبسه)). (٦) الاستذكار (٥٣٠/١، ٥٣١).
(٥)
(٧)
المفهم (٢ /١٦٣).
الزبير بن بكار، كما في الاستيعاب (١٦٢٤/٤) عن سعيد بن عبد الكبير بن عبد الحميد بن
(٨)
عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أبيه، عن جده. وينظر: الفتح (١ /٤٨٣).
(٩ -٩) في (ك): ((ليس هي)).
(١٠) الاستيعاب (١٦٢٤/٤)، وقال: هذا معنى رواية أئمة أهل الحديث.
(١١) ينظر: الموطأ (١ / ٩٧).
(١٢) في (ح): ((إليه)).
٣٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
(٢/ ٣٧٩م) ■ العَاشِرَةُ: قال ابنُ بَطَّالٍ(١): فيه أنَّ الواهِبَ و(٢) المُهدِيَ إِذَا
رُدَّت عَلَيهِ (٣) عَطِيَّتُهُ مِن غَيرِ أن يَكُونَ هو الرَّاجِعُ فِيهَا، فَله أن يَقبَلَهَا، إذ لا عَارَ
عليه في قَبُولِهَا. وكَذَا قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤).
■ الحَادِيَةَ عَشرَ: جَرَت عَادَةُ الأنبِيَاءِ والصَّالِحِينَ بِإِخِرَاجِ مَا شَغَلهم عن
بَعضِ العِبَادَاتِ عن مِلكِهِم رَأْسًا، وكَذلك مَا أعجَبَهُم مِن مِلكِهِم، كما قال الله
تعالى في حَقِّ سُلَيمَانَ بَّ: ﴿ .. إِنَّ أَحَْيْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ حَتَّى تَوَرَتْ
بِالْحِجَابِ ﴾ [سورة ص: ٣٢، ٣٣]. وأخرَجَ النَّبِيُّ وَِّ الخَمِيصَةَ عن مِلكِهِ، ورَمَی
بِالخَاتَمِ أيضًا لما شَغَله، كما رَواهُ النَّسَائِيُّ(٥) مِن حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ
رسولَ اللهِ لَّهِ اَنَّخَذَ خَاتَمًا وَلَبِسَهُ، [١٦٢/١ظ] قال: شَغَلَنِي هذا عنكُم مُنذُ اليَومِ:
إِلَيهِ نَظرَةٌ، وإلَيكُمْ نَظِرَةٌ، ثُمَّ القَاهُ)).
(٦ وأمَّا نَزْعُه٦ُ) خَاتَمَ الذَّهَبِ عِندَ الثَّحرِيمِ: فَهو مُتَّفَقٌ عليه، مِن حديثٍ
ابنِ عُمَرَ(٧)، وفي ((الصَّحِيحَينِ))(٨) مِن حديثٍ أَنَسٍ: ((أنَّه كَانَ(٩) فِضَّةً)). وقال
القُرطُبِيُّ (١٠): إنَّه وهمٌ(١١) .
قلتُ: ولَعَله كَانَ لما شَغَله عنهُم، وإن كَانَ فِضَّةً، فَيَكُونُ لا لِحُرمَتِهِ، ولَكِن
لاشتِغَالِهِ(١٢) بِهِ عنهُم، ولا حَاجَةَ حِينَئِذٍ(١٣) إلى الحُكمِ عليه بِالوهمِ (١٤)، واللهُ
تعالى أعلمُ.
ورُوِّينا في ((الزُّهدِ)) لابنِ المُبَارَكِ، عن مَالِكٍ، عن أبي النَّضرِ، قال(١٥):
(١) شرح صحيح البخاري (٣٧/٢).
(٣) في الأصل، (م): ((إليه)).
(٥)
النسائي (٥٣٠٤).
(٦ - ٦) في (ك): ((وانتزاع)).
(٨) النسائي (٥٣٠٤).
(٩) بعده في (م): ((من)).
(١٠) في (ك): ((الدارقطني)).
(١١) المفهم (٤١٣/٥، ٤١٢).
(١٢) في (ك): ((لاستعماله)).
(١٣) ليس في: (ك).
(١٤) ينظر: التمهيد (١٠٠/١٧)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ٧٠).
(١٥) في (ح): ((كان)).
(٢) في (ك): ((أو)).
(٤) الاستذكار (٥٣٢/١).
البخاري (٥٨٦٦)، ومسلم (٥٥/٢٠٩١).
(٧)
بَابُ الخُشُوعِ والأَبِ، وتَركُ مَا يُلهِي عن الصَّلاةِ
٣٩٧
((انقَطَعَ شِرَاكُ نَعلِ رسولِ اللهِ وَِّ، فَوَصَله بِشَيءٍ جَدِيدٍ، فَجَعَلَ يَنظُرُ إِلَيهِ، وهو
يُصَلِّي، فلما قَضَى صَلاتَهُ: قال: انزِعُوا هذا، واجعَلُوا الأولَ مَكَانَهُ، فَقِيلَ(١): كَيفَ
يَا رسولَ اللهِ؟ قال: إنِّي كُنت أنظُرُ إِلَيهِ، وأَنَا أُصَلِّي))(٢).
ورَوى مُحَمَّدُ بنُ خَفيفٍ(٣) الشِّيرَازِيُّ(٤)، بِإسنَادِهِ إلى عَائِشَةَ: (أَنَّه ◌َُِّ
احتَذَى (٥) نَعلًا، فَأعجَبَهُ حُسنُهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا فَدَفَعَهَا إلى أولِ مِسكِينٍ لَقِيَهُ، ثُمَّ
قال (٦): اشتَرٍ لِي نَعَلَيْنِ مَخصُوفَتَينٍ)).
ورَوى مَالِكٌّ في ((المُوطًّا))(٧)، عن عَبدِ اللهِ بنِ أبي بَكرٍ: «أنَّ أُبَا طَلحَةَ
الأَنصَارِيَّ كَانَ يُصَلِّي فِي خَائِطِهِ، فَطَارَ دُبسِيٌّ (٨)، فَطَفِقَ بَتَرَدَّدُ، يَلتَمِسُ مَخرَجًا،
فَأَعْجَبَهُ ذلك، فَجَعَلَ يَتَبَعُهُ بَصَرَهٍ (٩) سَاعَةً، ثُمَّ رَجَعَ إلى صَلاتِهِ: فإذا هو لا يدرِي، کم
صَلَّى؟ فقال: لَقد أصَابَتْنِي فِي مَالِي هذا فِتْنَةٌ، فَجَاءَ إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ فَذَكَرَ له الذي
أصَابَهُ فِي حَائِطِهِ مِنَ الفِتَنَةِ، وقال: يَا رسولَ اللهِ هو صَدَقَةٌ لَك، فَضَعهُ حَيثُ شِئت)).
■ الثَّانِيَةَ عَشْرَ: قال أبو الولِيدِ البَاجِيُّ: إنَّ صَلاتَهُ في الخَمِيصَةِ لِمَعنّيَينِ؛
لأنَّ(١٠) الصُّوفَ لا يَنْجُسُ بِالمَوتِ، أو لأنَّ ذَبَائِحَ أهلِ الكِتَابِ حَلالٌ لَنَا.
قلتُ: لا يَلَزَمُ واحِدٌ مِنَ الأمرَينِ، لا أنَّ صُوفَ الخَمِيصَةِ كَانَ مِن مَيْتَةٍ،
(١) في (ح): ((قيل)).
(٢) الزهد لابن مبارك (٤٠٢).
هو شيخ الصوفية: أبو عبد الله الضبي، المتوفى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. من
(٣)
تصانيفه: ((آداب المريدين))، ((اختلاف الناس في الروح))، ((جامع الإرشاد))، ((الجمع
والتفريق))، ((شرف الفقراء على الأغنياء))، ((الفصول في الأصول))، ((فضل التصوف))،
كتاب ((الاستدراج))، وغيرها. الحلية (٣٨٥/١٠)، والمنتظم (١١٢/٧)، وسير أعلام
النبلاء (٣٤٢/١٦).
(٤) في كتابه ((شرف الفقراء))، لكن بإسنادٍ ضعيف، كما قال العراقي. ينظر: تخريج أحاديث
الإحياء (٣٦٧/١) ح (٤٢٩) طبعة العاصمة.
(٥)
في (ك): ((اشتری)».
(٧)
الموطأ (٩٨/١).
(٦) بعده في (ك، ح): ((لعلي)).
بضم الدال المهملة، وإسكان الموحدة، وسين مهملة: طائر يشبه اليمامة، في لونه
(٨)
دُبسة، وهي حمرة وسواد. وقيل: هو اليمامة نفسها. ينظر: الاستذكار (٥٣٤/١)،
ومشكلات الموطأ (ص ٨٠).
(٩) في (م): ((ببصره)).
(١٠) في (ح): ((أن)).
٣٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ولا أنَّه مِن ذَبَائِحِ أهلِ الكِتَابِ، ولَو شَكَّ في ذلك، فَالأصلُ الطَّهَارَةُ (٣٨٠/٢م)
والحِلُّ. وكَأْنَ الْبَاجِيَّ أَخَذَ ذلك مِن رِوايَةِ مَالِكِ، ((خَمِيصَةً شَامِيَّةً)) .
■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: قال البَاجِيَّ أيضًا: فيه أنَّ لِلإِنسَانِ أن يَشتَرِيَ مَا أهدَاهُ،
بِخِلافِ الصَّدَقَةِ.
■ الرَّابِعَةَ عَشرَ: أثبَتَ فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ إلَهَاءَ الخَمِيصَةِ له (١)، بِقَولِهِ: ((فَإِنَّهَا
ألهَتْنِي(٢)). وقال في رِوايَةِ مَالِكٍ: ((نَظَرتُ إلى عَلمَهَا في الصَّلاةِ، فَكَادَ يَقْتِنُنِي)).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): فيه دَلِيلٌ على أنَّ الفِتنَةَ لم تَقَع، قال: والفِتنَةُ هُنَا:
الشُّغلُ عن خُشُوعِ (٤) الصَّلاةِ، انتَهَى.
فَيُحْتَمَلُ: أن يُقال: الفِتْنَةُ فَوقَ الإلهَاءِ، فَلِهِذا أثبَتَهُ، ولم يُثبِتِ الفِتنَةَ.
ويُحْتَمَلُ: أن يُقال: هُمَا واحِدٌ، ويَكُونُ قَولُهُ: ((ألهَتِنِي))؛ أي: كَادَت، وقَارَبَت، كما
يَقُولُ المُؤَذِّنُ فِي الإِقَامَةِ: ((قد قَامَتِ الصَّلاةُ))؛ أي: قَرُبَت إِقَامَتُهَا، والله تعالى أعلمُ.
الحديثُ الثَّالِثُ
وعن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا قَامَ
أحَدُكُم لِلصَّلاةِ(٥):َ فَلا يَبصُقِ(٦) أمَامَهُ، فَأَنَّه مُنَاجٍ للهِ رَتْ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ،
ولا عن يَمِينِهِ، فَإِنَّ عن يَمِينِهِ مَلَكًا، ولَكِن لِيَبِّصُق عن شِمَالِهِ، أو تَحتَ
رِجِلَيهِ فَيَدِفِنُهُ)). رَواهُ الْبُخَارِيُّ(٧).
فيه فوائدُ:
■ الأُولَى: هذا النَّهيُّ في البُصَاقِ أمَامَهُ، أو هو عن يَمِينِهِ، هل هوَ
ليس في (ح).
(١)
(٣) الاستذكار (٥٣٠/١).
في (ح): ((إلى الصلاة)).
(٥)
البخاري (٤١٦).
(٧)
(٢) بعده في (ك): ((آنفًا عن صلاتي)).
(٤) في (ح): ((الخشوع)).
(٦) في (ك): ((يبزقن)).
بَابُ الخُشُوعِ والأدَبِ، وتَركُ مَا يُلِهِي عن الصَّلاةِ
٣٩٩
بقَيد(١) كَونِهِ في المَسجِدِ، أو عَامٌّ في المُصَلِينَ، في أيِّ مَوضِعٍ كَانُوا؟
الظَّاهِرُ: أنَّ المُرَادَ العُمُومُ؛ لأنَّ المُصَلِّيَ مُنَاجٍ للهِ في أيِّ مَوضِعٍ صَلَّى،
والمَلَكُ الذي عن يَمِينِهِ: معهُ أيَّ مَوضِعٍ صَلَّى، ولَكِنَّ (٣٨١/٢م) البُخَارِيَّ، بَوبَ
على هذا الحديثِ(٢): بَابَ دَفنٍ(٣) النُّخَامَّةِ فِي المَسجِدِ.
وإِنَّمَا قَيَّدَهُ الْبُخَارِيُّ بِالمَسجِدِ؛ لأنَّه لم يُؤمَر(٤) بِدَفنِ النُّخَامَةِ فِي غَيرِ
المَسجِدِ(٥). ويَدُلُّ عليه مَا في ((الصَّحِيحَينِ)) (٦)، مِن حديثٍ أبي هريرةَ،
وأبي سَعِيدٍ: ((أَنَّه وَّ رَأى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسجِدِ، فَتَنَاولَ حَصَاةً، فَحَكَّهَا، فقال:
إِذَا تَنَخَّمَ أحَدُكُم: فَلا يَتَنَخَّم قِبَلَ وجهِهِ، ولا عن يَمِينِهِ))، الحديثَ، ((ولِيَبصُق عن
يَسَارِهِ أو تَحتَ قدمِهِ اليُسرَى)). لفظُ الْبُخَارِيِّ، ولم يَسُق مُسلِمٌ لَفظُهُ.
■ الثَّانِيَةُ: هل المُرَادُ بِالقِيَامِ لِلصَّلاةِ الدُّخُولُ فيهَا، أو النُّهوضُ
والانتِصَابُ لَهَا، ولَو قَبلَ الإحرَامِ؟
والجَوابُ: أنَّه إن كَانَ [١٦٣/١ و] المُرَادُ أعَمَّ مِن كَونِهِ في المَسجِدِ أو في
غَيرِهِ: فَلا حَرَجَ في ذلك قَبلَ الشُّرُوعِ في الصَّلاةِ، إذَا كَانَ في غَيرِ المَسجِدِ .
وإِن كَانَ المُرَادُ بِذلك: بقيد(٧) كَونِهِ في المَسجِدِ، فَسَواءٌ في ذلك بَعدَ
الإحرَام و(٨) قَبله، بَل دُخُولُ المَسجِدِ كَافٍ (٩) في النَّهي عن البُزَاقِ فيه، وإن لم
يَكُن قَامُ (١٠) إلى الصَّلاةِ، كما ثَبَتَ في حديثٍ أنَسِ المتفقِ عليه: ((البُزَاقُ في
المَسجِدِ: خَطِيئَةٌ))(١١).
(١) في (م): ((يفيد) .
(٢) في (ك): ((الخلاف)).
(٤) في الأصل، (م): ((يأمر)).
(٥)
(٣)
ليس في (ح).
ينظر: فتح الباري (١/ ٥١٢).
البخاري (٤١٠، ٤١١)، ومسلم (٥٤٨).
(٦)
(٧)
في (م): ((فقید)) .
(٩) في (م): ((كان)).
(١١) البخاري (٤١٥)، ومسلم (٥٥/٥٥٢).
(٨) في (م): ((أو)).
(١٠) في (م): ((قائمًا)).
٤٠٠
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: هذا النَّهيُ عن بُصَاقِ المُصَلِّي أمَامَهُ أو عن يَمِينِهِ، هل هو على
التَّحْرِيمِ أوٍ (١) الشَِّزِيهِ؟
قَال القُرْطُبِيُّ(٢): إنَّ إقبَاله ◌َّه على النَّاسِ مُغضَبًا: يَدُلُّ على تَحْرِيمِ البُصَاقِ
في جِدَارِ القِبلَةِ، وعلى أنَّه لا يُكَفَّرُ بِدَفِهِ ولا بِحَكِّهِ، كما قال في جُملَةِ المَسجِدِ :
((البُصَاقُ فِي المَسجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفُهَا» .
قلتُ: ويَدُلُّ على تَحرِيمِ البُصَاقِ في القِبَلَةِ، مَا رَواهُ أبو دَاوُد(٣)، پِإِسنَادٍ
جَيِّدٍ، مِن حديثِ السَّائِبِ بنِ خَلادٍ: ((أنَّ رَجُلًا أَمَّ قَومًا، فَبَصَقَ(٤) في القِبِلَةِ
ورسولُ اللهِ وَّهِ يَنظُرُ(٥)، فقال حِينَ فَرَغَ: لا يُصَلِّي لَكُم)). الحديثَ، وفيه أنَّه قال
له: ((إِنَّك آذَيتَ اللهَ ورسوله)».
وأطلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ(٦): كَرَاهَةَ البُصَاقِ فِي المَسجِدِ، مِنْهُمُ
المَحَامِلِيُّ، وسُلَيْمُ الرَّازِيّ، والرُّوبَانِيُّ، وأبو العَبَّاسِ الجُرجَانِيُّ، وصَاحِبُ البَيَانِ.
وجَزَمَ النَّوِيُّ في «شَرحِ المُهَذَّبِ»(٧)، و((الثَّحقِيقِ)»، بِتَحرِيمِهِ، وكَأنَّه تَمَسَّكَ
بِقَولِهِ في الحديثِ الصَّحِيحِ: ((إنَّه خَطِيئَةٌ)).
قال أبو الوليدِ البَاجِيُّ: فَأمَّا مَن بَصَقَ في المَسجِدِ وسَتَرَ بُصَاقَهُ: فَلا إِثْمَ عليه.
وحَكَى القُرطُبِيُّ أيضًا (٨): عن ابنِ مَكِّيٍّ: أنَّه إنما يَكُونُ خَطِيئَةً، لِمَن تَفَلَ
فیه، ولم يَدفِنهُ.
قال القُرطُبِيُّ(٩): وقد دَلَّ على صِحَّةٍ هذا: قَولُهُ في حديثِ أبي ذَرِّ؛ (١٠ أي:
عِندَ (مُسلِم)) (١): ((ووجَدت في مُسَاوِيٍ أعمَالِهَا: النُّخَاعَةَ(١١)، تَكُونُ فِي المَسجِدِ لا
(١) بعده في (ح): ((على)).
(٢) المفهم (١٥٨/٢).
(٣)
أبو داود (٤٨١).
(٤) في (ك، ح): ((فبسق)). وهما لغتان، ثالثهما: بزق، بالزاي، وأضعفها التي بالسين.
ينظر: المجموع (٤ /٣٣).
(٥)
بعده في الأصل، (م): ((إليه)).
ينظر: التنبيه (ص٣٦)، والمهذب (٨٩/١)، والحاوي (١٩٢/٢)، والروضة (٢٩٧/١).
(٦)
(٩) المفهم (١٦١/٢).
(٧)
المجموع (٣٣/٤ - ٣٤).
(٨) المفهم (١٦٠/٢).
(١٠ - ١٠) في (ك): ((إني عبدٌ مسلمٌ)).
(١١) في الأصل، (م): ((النخامة)). قال ابن الأنباري: هما واحدٌ، وبعضهم فرق بين اللفظين =