النص المفهرس
صفحات 341-360
بَابُ الإمَامَةِ ٣٤١ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): التخفيفُ لِكُلِّ إمَام، أمرٌ مَجتمَعٌ(٢) عَلَيهِ، مَندُوبٌ عِندَ العُلَمَاءِ إلَيهِ. وقال أيضًا: لا أعلَمُ بَيْنَ أهلِ العِلمِ خِلَافًا في استِحِبَابِ الَّخفيفِ لِكُلِّ مَن أَمَّ قَومًا، على مَا شَرَطنَا مِن الإِتمَامِ (٣) بِأقَلِّ مَا يُجزِئُ. وسَاقَ(٤) الكَلَامَ على ذَلِكَ. وكَأنَّ التِّرمِذِيَّ تَوهَّمَ الخِلَافَ في ذَلِكَ مِن قَولِ ابنِ أبِي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ) (٥)، في التَّوِيبِ (٢/ ٣٤٧م): التخفيفُ في الصَّلَاةِ، مَن كَانَ يُخَفِّفُهَا. وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا في وُجُودِ خِلَافٍ، ولَم يُيَوِّب ابنُ أبِي شَيبَةَ على التَّطوِيلِ المِقَابِلِ للتخفيفِ، ولَو كَانَ ثَمَّ قَائِلٌ به، لَبَوبَ عَلَيهِ، وذَكَرَهُ. وقد رَوى ابنُ أبِي شَيبَةَ، في البَابِ المذكُورِ (٦): عن ثَابِتِ البُنَانِيِّ، قال: صَلَّيَت مَعَ أَنَسِ العَتَمَةَ، فَتَجَوزَ مَا شَاءَ الله. وعَن مُصعَبٍ(٧) بنِ سَعدِ بنِ أبِي وقَّاصٍ، قال: كَانَ أَبِي إِذَا صَلَّى في المسجِدِ خَفَّفَ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، وَتَجَوزَ، وإذَا صَلَّى في بَيتِهِ، أَطَالَ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ والصَّلَاةَ(٨)، فَقُلتُ لَهُ. فقال: إنَّا أئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِنَا. وعَن أبِي رَجَاءٍ، وهُو العُطَارِدِيُّ، قال: رَأيتُ الزُّبَيرَ بنَ العَوامِ صَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً، فَقُلت(٩): أنتُم - أصحَابَ رسولِ اللهِ وَّهَـ أَخَفُّ النَّاسِ صَلَاةَ؟ فقال: إِنَّا نُبَادِرُ هَذَا الوسواسَ. وعَن عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ قال: احذِفُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ، قَبَلَ وسوسَةِ الشَّيطَانِ. وعَن حُذَيفَةَ: أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا، فقال: إنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفِّفُ (١٠) الصَّلَاةَ، ويُتِمُّ (١) التمهيد (٩/١٩). (٢) في (م): ((مجمع). (٣) في الأصل، (م): ((الائتمام))، وفي التمهيد: ((الإتيان)). (٤) في (ح): ((بيان)). (٥) المصنف (٥٤/٢). (٦) المصنف (٥٤/٢، ٥٥). (٧) ليس في: (ك). (٨) لیس في: (ح). (٩) ليس في: (ك). (١٠) في (ح): ((يخفف)). = ٣٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ. وعَن إسمَاعِيلَ بنِ أبِي خَالِدٍ، عن أبِيهِ، قال: رَأيت أبَا هُرَيرَةَ صَلَّى صَلَاةً تَجَوزَ فيها، فَقُلتُ لَهُ: هَكَذَا كَانَتِ صَلَاةُ النَّبِيِّ وََّ؟ قال: نَعَم، وأجوزُ. وعَن عَمرِو بنِ مَيمُونٍ: لَمَّا ◌ُعِنَ عُمَرُ، ومَاجَ النَّاسُ، تَقَدمَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، فَقَرَأْ بِأقصَرٍ سُورَتَينٍ في القُرآنِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ ﴾﴾ [الكوثر]، و﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر]، وعَن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ، ويُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ. وعَن أبِي مِجِلَزٍ، قال: كَانُوا يُتِمُّونَ ويُوجِزُونَ، ويُبَادِرُونَ الوسوسَةَ. وعَن عَمرِو بنِ مَيمُونٍ، قال: مَا رَأيتُ الصَّلَاةَ في مَوضِع أخَفَّ مِنهَا، فيما بَيْنَ هَاتَينِ الحَائِطَينِ؛ يَعنِي: مَسجِدَ الكُوفَةِ الأعظَمَ. وعَن النُّعمَانِ بنِ قَيسٍ، قال: كُنَّ النِّسَاءُ إِذَا مَرَرنَ على عَبِيدَة، وهُو يُصَلِّي، قُلنَ: خَفِّقُوا، فَإِنَّهَا صَلَاةُ عَبِيدَةَ؛ يَعنِي: مِن خِفَّتِهَا، رَواهَا كُلَّهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةً. وحَكَى ابنُ حَزمٍ في: (المحَلَّى)) (١): عن عَمرِو بنِ مَيمُونٍ، أنَّهُ قال: لَو أنَّ رَجُلًا أخَذَ شَاةً عَزُوزًا، لَم يَفْرَغِ مِن لَبَنِهَا، حَتَّى أُصَلِّي الصَّلَواتِ الخَمسَ، أُتِمُ رُكُوعَهَا [١/ ١٥٣و] وسُجُودَهَا. والعَزُوزُ: بِالعَينِ المهمَلَةِ، والزَّايِ المعجَمَّةِ المكَرَّرَةِ الضَّيَّقَةُ: الأحلَبين(٢). وعَن عَلقَمَةَ: لو أُمِرَ بِذَبح شَاةٍ، فَأخَذَ في سَلخِهَا، لَصَلَّيتُ الصَّلَواتِ الخَمسِ في تَمَامِ، قَبلَ أن يَفْرَغَ مِنْهَا . ويُحْتَمَلُ أَنَّ ابنَ أَبِي شَيبَةَ إنَّمَا بَوبَ على تَخفيفِ الصَّلَاةِ مَعَ الاِنْفِرَادِ، أو مَعَ إِمَامَةِ المحصُورِينَ، فَذَكَرَ فيه مَن كَانَ (٣) يُؤْثِرُ تخفيفَهَا، ولَو مَعَ هَذِهِ الحَالَةِ، فَتَقَلَهُ التِّرمِذِيُّ إِلَى أَئِمَّةِ العَامَّةِ، (٣٤٨/٢م) وأُولَئِكَ لا خِلَافَ فيهم، كَمَا تَقْدمَ. (١) المحلى (١٠٠/٤). (٢) قال في حاشية (ح): ((لعله الإحليل)). وينظر: غريب الحديث (٣٧٦/٤)، والفائق (٤٢٧/٢). (٣) ليس في: (ك). بَابُ الإمَامَةِ كير ٣٤٣ الثانيةُ: هَذَا الأمرُ بِالتَّخفيفِ، صَرَّحَ أصحَابُنَا، وغَيرُهُم بِأَنَّهُ على سَبِيلٍ الاِسْتِحِبَابِ، وذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى الوُجُوبِ، تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الأمرِ. قال ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ (١): يَجِبُ على الإمَامِ التخفيفُ إذَا أَمَّ جَمَاعَةً، لا يَدرِي کَیفَ طَاقَتُهُم. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ المالِكِيُّ (٢): في هَذَا الحَدِيثِ أوضَحُ الدَّلَائِلِ على أنَّ أئِمَّةَ الجَمَاعَةِ يَلزَمُهم التخفيفَ، لِأمرِ رسولِ اللهِ وَّهِ إِيَّاهُم بِذَلِكَ، ولَا يَجُوزُ لَهُم التَّطوِيلُ؛ لِأَنَّ في الأمرِ لَهُم (٣) بالتخفيفِ، نَهيًا عن التَّطوِيلِ. وكَذَا قال ابنُ بَظَّالٍ في (شَرحِ البُخَارِيِّ))(٤): فيه دَلِيلٌ أنَّ أئِمَّةَ الجَمَاعَةِ يَلْزَمُهُم التخفيفُ، لِأمرِ رسولِ اللهِ وَّهِ لَّهُم بِذَلِكَ. انتَهَى. ■ الثَّالِثَةُ: مَا المرَادُ بِصَلَاتِهِ لِلنَّاسِ؟ أن يَكُونَ إِمَامًا مَنصُوبًا لِلإِمَامَةِ مِن جِهَةِ الإِمَامِ الأعظَمِ، أو مِن جِهَةِ نَاظِرِ المسجِدِ الذي يُصَلِّ به، بِحَيثُ لا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِن الإمَامَةِ فِي ذَلِكَ المحَلِّ؟ أو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ومِن كَونِ أهلِ المحَلَّةِ نَصَبُوهُ لِلإِمَامَةِ بِهِم، بِحَيثُ لو شَاءُوا لَغَيَّرُوهُ، وأقَامُوا غَيرَهُ في ذَلِكَ، أو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ومِن أن يَتَقدمَ لِلإِمَامَةِ بِغَيرِ تَقْدِيمِ أحَدٍ، أو كَونُهُ صَارَ إِمَامًا، ولَو لَم يَقصِد التَّقْدِيمَ(٥) لِذَلِكَ مِن الأولِ، بَل تَقدمَ لِيُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا، فَتَابَعَهُ غَيْرُهُ، فَنَوى الإمَامَةَ به، أو ولَو لَم يَنِ الإمَامَةَ به، بَل نَوى المأمُومُ الإِئْتِمَامَ فَقَط؛ لأنه يَصِيرُ بِذَلِكَ عِندَ الشَّافِعِيِّ وجَمَاعَةٍ إِمَامًا، ولَو لَم يَنِ هُو الإمَامَةَ. غَايَتُهُ أَنَّهُ لا يَحصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الجَمَاعَةِ، إِذَا لَم يَنِ الإمَامَةَ؟ هَذِهِ احْتِمَالَاتٌ خَمسَةٌ؛ وأرجَحُهَا عِندِي(٦) الرَّابِعُ، فَمَتَى صَارَ إمَامًا بِنَّتِهِ لِلإِمَامَةِ على أيِّ وجهٍ تَقدمَ، يُستَحَبُّ لَهُ الثَّخفيفُ، وأمَّا إذَا لَم يَنوِ هُو الإمَامَةَ، فَالظَاهِرُ أنَّهُ لا يُستَحَبُّ لَهُ التخفيفُ بِاقِدَاءِ غَيرِهِ به. والله تعالى أعلمُ. (١) المحلى (٩٨/٤). (٣) ليس في: (ك). (٥) في (ك): ((التقدم)). (٢) الاستذكار (١٦١/٢). (٤) شرح صحيح البخاري (٣٣٣/٢). (٦) في (ك): ((عنده)) . ٣٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الرَّابِعَةُ: قال أصحَابُنَا، وغَيرُهُم: المرَادُ بِتَخفيفِ الصَّلَاةِ: أن يَكُونَ بِحَيثُ لا يُخِلُّ بِسُنَنِهَا ومَقَاصِدِهَا. وفي ((الصَّحِيحَينِ)) (١) عن أنَسٍ، قال: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ [يُوجِزُ الصَّلاةَ وَيُتِمُّها)). وفي ((سنن النسائيّ))(٢) عن ابن عمر، قال: (كَانَ رَسُولُ الله ◌ِ](٣) يَأْمُرُنَا بالتخفيفِ، ويَؤُمُّنَا بِالصَّافَّاتِ)). وبَوبَ النَّسَائِيُّ على حَدِيثِ ابنِ عمرَ: الرُّخصَةَ في التَّطْوِيلِ، بَعدَ ذَكَرِهِ أحَادِيثَ الثَّخفيفِ. ويُحتَمَلُ: أنَّ هَذَا لَيسَ تَطْوِيلًا، وإنَّمَا هُو بَيَانٌ للتخفيفِ المأمُورِ به. وقال ابنُ حَزمِ الظَاهِرِيُّ(٤): لَمَّا ذَكَرَ قَولَهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، في حَدِيثِ عُثْمَانَ بِنِ أبِي العَاصِي(٥): ((واقتَدِ بِأضعَفِهِم). هَذَا حَدُّ الثَّخفيفِ، وهُو أن يَنظُرَ مَا يَحتَمِلُ أضعَفُ مَن خَلفَهُ، وأمَسُّهُم حَاجَةً، مِن الوُقُوفِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، فَلْيُصَلِّ (٣٤٩/٢م) على حَسَبِ ذَلِكَ. انتَهَى. وهُو عِندِي حَسَنٌ، لَكِن ضَبَطَ أصحَابُنَا مَا يَحصُلُ به التخفيفُ مِن (٦) تَسِيحَاتِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ وغَيرِهِمَا: بِمَا(٧) (٨قد ينافي ما٨) ذَكَرَهُ ابنُ حَزْمِ، فقالوا (٩): إنَّهُ يَقتَصِرُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ على ثَلَاثِ تَسِيحَاتٍ، وقِيلَ: خَمسٍ، ولَا يَضُمُّ إلَيهِ: ((اللَّهُمَّ لَك رَكَّعت)) إلَى آخِرِهِ، في الرُّكُوعِ، ولَا: «اللَّهُمَّ لَك سَجَدت)) إِلَى آخِرِهِ، في السُّجُودِ، إِلَّا إن انحَصَرَ المأمُومُونَ، وَرَضُوا بِالتَّطوِيلِ، وأنَّهُ يَقتَصِرُ في الاعتِدَالِ على قَولِهِ: ((رَبَّنَا لَك الحَمدُ، مِلَ السَّمَواتِ، ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ مَا شِئت مِن شَيءٍ بَعدُ)). ولَا يَضُمُّ إلَيهِ: ((أهلَ الثَّنَاءِ والمجدِ))(١٠) إِلَى آخِرِهِ، إلَّا إن انحَصَرَ المأمُومُونَ، وَرَضُوا بِالتَّطوِيلِ. (١) البخاري (٧٠٦)، ومسلم (١٨٨/٤٦٩). (٢) النسائي (٨٢٥) (٣) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل، (م). (٤) المحلى (٩٩/٤). (٥) في (ح): ((العاص)). والحديث أخرجه أبو داود (٥٣١)، والنسائي (٦٧١). (٦) في (ك، ح): ((في)). (٧) في (ح): ((مما)). (٨ - ٨) في (م): ((قدمنا فيما)). (٩) ينظر: الحاوي (١٢٠/٢)، والشرح الكبير (٣٩٧/٣)، (٢٩١/٤ - ٢٩٦)، وروضة الطالبين (٢٥١/١). (١٠) مسلم (٢٠١/ ٧٧١). بَابُ الإمَامَةِ ٣٤٥ بل نَقَلَ النَّووِيُّ في ((شَرح المَهَذَّبِ))(١): عن الأصحَابِ، أنَّهُ لا يُستَحَبُّ لَهُ الزِّيَادَةُ على قَولِهِ: (رَبَّنَا لَك الحَمدُ)). وقَالُوا: يُستَحَبُّ أن يَكُونَ مَا يَأْتِي به الإمَامُ بَعدَ التَّشَهُّدِ، والصَّلَاةِ على النَّبِيِّ نَّهِ مِن الدُّعَاءِ أَنقَصَ مِنْهُمَا. وأمَّا القِرَاءَةُ، فَإِنَّ أكثَرَ الأصحَابِ (٢): أطلَقُوا أنَّهُ يُستَحَبُّ لِلمُصَلِّي أن يَقرَأ في الصُّبحِ والظّهرِ بِطِوالٍ المفَضَّلِ، وفي العَصرِ والعِشَاءِ بِأوسَاطِهِ، وفي المغرِبِ بِقِصَارِهِ. واقتَضَى كَلَامُهُم: أنَّهُ لا فَرِقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الإمَامِ وغَيرِهِ، وعَلَيهِ يَدُلُّ قَولُ صَاحِبٍ ((التَّنِيهِ) (٣): ويُستَحَبُّ لِلإِمَام أن يُخَفِّفَ الأذكَارَ. فَلَم يَذكُر تخفيفَ القِرَاءَةِ، وشَرَحَهُ [١٥٣/١ظ] ابنُ الرِّفعَةِ في ((الكِفَايَةِ)) على ذَلِكَ، فقال: إنَّ التخفيفَ في القِرَاءَةِ غَيرُ مُستَحَبٍّ، وإنَّمَا المستَحَبُّ فيها مَا تَقَرَّرَ في بَابِهِ، ونَقَلَهُ (٤عن القاضي حسين، ونقله٤) في مَوضِعِ آخَرَ عن إمَامِ الحَرَمَينِ. لَكِنَّ الشَّيخَ في ((المهَذَّبِ)) قال(٥): ويُستَحَبُّ لِلإِمَام أن يُخَفِّفَ الأذكَارَ والقِرَاءَةَ. ومَشَى على ذَلِكَ النَّورِيُّ في (شَرِحِ المَهَذَّبِ)) فقال(٦): هَذَا الذي ذَكَرِنَاهُ مِن اسْتِحبَابِ طِوالِ المفَصَّلِ، وأوسَاطِهِ، (٧إنَّمَا هُو ٧) إِذَا آثَرَ المأمُومُونَ المحصُورُونَ ذَلِكَ، وإلَّا خَقَّفَ، وجَزَمَ به أيضًا في ((التَّحقِيقِ))، و((شَرحِ مُسلِمٍ))(٨). ثُمَّ يُستَثنَى(٩) المسَافِرُ في الصُّبح، فَالمستَحَبُّ لَهُ أن يَقرَأ في الرَّكعَةِ الأولى: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾﴾. وفي الثَّانِيَةِ: ((سُورَةَ الإخلاصِ))، قالهُ الغَزَّالِيُّ في ((الخُلَاصَةِ))، و((الإحيَاءِ))(١٠). (١) المجموع شرح المهذب (٤٥٢/٣). (٢) ينظر: الحاوي (٢٣٦/٢، ٢٣٧)، الشرح الكبير (٣٥٦/٣، ٣٥٧)، روضة الطالبين (٢٤٨/١). (٣) التنبيه (ص ٢٧). (٤ - ٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل، (م). (٦) المجموع (٣٤٩/٣). (٥) المهذب (٩٥/١). (٧ - ٧) في (ح): ((فيما)). وفي المجموع: ((هو فيما)). (٨) مسلم بشرح النووي (٤/ ١٧٤). (١٠) إحياء علوم الدين (٢٩٩/١). (٩) في الأصل: ((استثنى)). ٣٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَة)(١): التَّطوِيلُ والتَّخفيفُ مِن الأُمُورِ الإضافيةِ، فَقد يَكُونُ الشَّيءُ طَوِيلًا بِالنِّسبَةِ إلَى عَادَةِ قَومٍ، وقد يَكُونُ خَفيفًا بِالنِّسَبَةِ(٢) إِلَى عَادَةٍ آخَرِين(٣). وقد قال بَعضُ الفُقَهَاءِ: إِنَّهُ لا يَزِيدُ الإمَامُ على ثَلَاثِ تَسِيحَاتٍ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. والمروِيُّ عن رسولِ اللهِ وَ﴿ أكثَرُ مِن ذَلِكَ، مَعَ أمرِهِ بالتخفيفِ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ(٤) عَادَةَ الصَّحَابَةِ لِأجلِ شِدَّةِ رَغبَتِهِم في الخَيرِ (٢/ ٣٥٠م) تَقْتَضِي(٥) ألَّا يَكُونَ ذَلِكَ طَوِيلًا، هَذَا إذَا كَانَ فِعلُ النَّبِّ نَّهِ ذَلِكَ عَامًّا في صَلَاتِهِ، أو أكثَرِهَا، وإِن كَانَ خَاصَّا بِبَعضِهَا، فَيُحتَمَلُ أن يَكُونَ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ المأمُومِينَ(٦) يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ، وهُو مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَلَّا يَكُونَ طَوِيلًا، بِسَبَبِ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُ الصَّحَابَةِ، وَبَيْنَ أن يَكُون طَوِيلًا، لَكِنَّ(٧) سَبَبَهُ إِيثَارُ المأمُومِينَ(٨) لَهُ، وظَاهِرُ الحَدِيثِ المروِيِّ لا يَقْتَضِي الخُصُوصَ بِبَعضِ صَلَاتِهِ نَّهِ. انتَهَى. ] الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((إِذَا صَلَّى أحَدُكُم لِلنَّاسِ)). لَم يَذكُرِ الصَّلَاةَ، فَتَنَاوَلَ(٩) الفَرَائِضَ، والنَّوافِلَ التي يُشرَعُ(١٠) لَهَا الجَمَاعَةُ؛ كَالعِيدِ والتَّرَاوِيحِ ونَحوِهِمَا؛ لِأنَّ حَذفَ المعمُولِ يَدُلُّ على العُمُومِ(١١)، بِدَلِيلٍ صِحَّةِ الاسْتِثنَاءِ، فَإِنَّهُ مِعِيَارُ العُمُومِ(١٢). نَعَم، يُستَثنَى مِن ذَلِكَ صَلَاةُ الكُسُوفِ، لِمَشرُوعِيَّةِ تَطوِيلِ القِرَاءَةِ فيها، فَلَا يُسَنُّ النَّقصُ عن المشرُوعِ في ذَلِكَ، وكَأَنَّهُ لِنُدُورِهَا، والاهتِمَامِ بِشَأْنِهَا لِلأمرِ العَارِضِ. ■ السَّادِسَةُ: هَذَا الحُكمُ، وهُو الأمرُ بالتخفيفِ، مَذْكُورٌ مَعَ عِلَّتِهِ، وهُو كَونُ المأمُومِينَ فيهم السَّقِيمُ والضَّعِيفُ والكَبِيرُ، فَلو انتَفَتِ هَذِهِ العِلَّةُ؛ فَلَم يَكُن (١) أحكام الإحكام (ص٢٣٦ - ٢٣٧). (٢) ليس في: (ك). (٣) في الأصل، (ك): ((أخرى)). (٤) في (ك): ((كان)). (٥) في (ك، ح): ((يقتضي)). (٦) في (ك): ((المؤمنين)). (٧) ليس في: (ح). (٨) في الأصل، (م): ((المؤمنين)). (١٠) في (ح): ((تشرع)). (٩) في (ح): ((فيتناول)). (١١) ينظر: البحر المحيط (٣١٨/٢)، وإرشاد الفحول (٣٣١/١). (١٢) ينظر: الإبهاج (١٤٣/٣)، التحبير (٢٣٦٧/٥). بَابُ الإمَامَةِ ٣٤٧ = في المأمُومِينَ أحَدٌ مِن هَؤُلَاءِ، وكَانُوا مَحصُورِينَ، وَرَضُوا بِالتَّطوِيلِ، طَوَّلَ لِانْتِفَاءِ العِلَّةِ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ أصحَابُنَا، وغَيرُهُم(١). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢): قد بَانَ فِي هَذَا الحَدِيثِ العِلَّةُ الموجِبَةُ للتخفيفِ، وهِيَ عِندِي غَيرُ مَأْمُونَةٍ على أحَدٍ مِن أئِمَّةِ الجَمَاعَةِ؛ لأنه وإن عَلِمَ قُوَ مَن خَلفَهُ، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا يَحدُثُ بِهِم (٣) مِن آفَاتِ بَنِي آدَمَ، ولِذَلِكَ قال: ((فَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفسِهِ، فَليُطَوِّل مَا شَاءَ))؛ لأنه يَعلَمُ مِن نَفسِهِ مَا لا يَعلَمُ مِن غَيرِهِ، وقد يَحدُثُ(٤) لِلظَاهِرِ القُوةِ، ومَن يُعرَفُ مِنهُ الحِرصُ على طُولِ الصَّلَاةِ، حَادِثٌ مِن شُغلٍ، وعَارِضٌ مِن حَاجَةٍ، وآفَةٌ مِن حَدَثِ بَولٍ، أو غَيرِهِ. انتَهَى. وتَبِعَهُ على ذَلِكَ ابنُ بَطَّالٍ (٥)، فَذَكَرَ مِثلَ هَذَا الكَلَامِ. وهُو ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الِحْتِمَالَ الذي لَم يَقُم عَلَيهِ (٦) دَلِيلٌ، لا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ حُكمٌ، فَإِذَا انحَصَرَ المأمُومُونَ، ورَضُوا بِالتَّطوِيلِ، لا نَأْمُرُ إِمَامَهُم بالتخفيفِ، لِإِ حْتِمَالِ عَارِضٍ لا دَلِيلَ عَلَيهِ، وحَدِيثُ أبِي قَتَادَةَ(٧) يَرُدُّ على مَا ذَكَرَاهُ، فَإِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، قال: ((إِنِّي لَأَقُومُ في الصَّلَاةِ، وأَنَا أُرِيدُ أن أُطَوِّلَ فيها، فَأَسمَعُ بُكَاءَ الصَِّيِّ، فَأَتَجُوزُ؛ كَرَاهِيَةَ أن أشُقَّ على أُمِِّ». فَإِرَادَتُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أولًا التَّطوِيلَ، يَدُلُّ على جَوازٍ مِثْلٍ ذَلِكَ، ومَا تَرَكَهُ إلَّا لِدَلِيلِ قَامَ على تَضَرُّرِ بَعضِ المأمُومِينَ به، وهُو بُكَاءُ الصَّبِيِّ، الذي يَشغَلُ خَاطِرَ (٢/ ٢٣٥١) أُمِّهِ. والله تعالى أعلمُ. ■ السَّابِعَةُ: إن قُلتَ: مَا فَائِدَةُ عَطفٍ (٨) الضَّعِيفِ على [١٥٤/١ و] السَّقِيم، وهُو بِمَعنَاهُ؟ (١) ينظر: الحاوي (١٢٠/٢)، الشرح الكبير (٣٩٧/٣)، (٢٩١/٤ -٢٩٦)، روضة الطالبين (٢٥١/١). (٢) الاستذكار (١٦٢/٢ - ١٦٣). (٤) في (ك): ((تحدث)). (٦) ليس في: (ك). (٧) ليس في: الأصل. والحديث أخرجه البخاري (٧٠٧). (٨) في الأصل: ((ضعف)). (٣) في (م)، والاستذكار: ((لهم)). (٥) شرح صحيح البخاري (٣٣٣/٢ - ٣٣٤). ٣٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ قُلتُ: لَيْسَ بِمَعنَاهُ، فَقد ذَكَرَ الجَوهَرِيُّ، وغَيرُهُ(١) أنَّ الضَّعفَ خِلَافُ القُوةِ، وأنَّ السَّقَمَ المَرَضُ. فَدَلَّ على أنَّ الضَّعفَ أعَمُّ مِن السَّقَم، فَقد يَكُونُ الإنسَانُ قَلِيلَ القُوةِ مِن أصلِ الخِلقَةِ، لا مِن سَقَمِ عَرَضَ لَهُ. ■ الثَّامِنَةُ: قَولُهُ: ((وإذَا صَلَّى لِنَفسِهِ، فَلَيُطَوِّل مَا شَاءَ)). هَل هُو أمرُ(٢) اسْتِحِبَابٍ؛ كَالمذكُورِ قَبَلَهُ، أو أمرُ إِبَاحَةٍ وتَرخِيصٍ؟ يَتَرَجَّحُ الأولُ، لِكَونِهِ أمرًا في عِبَادَةٍ (٣)، ويَتَرَجَّحُ الثَّانِي، لِتَعلِيقِهِ بِمَشِيئَةِ المصَلِّي، ولَو كَانَ لِلاستِحبَابِ لَم يُعَلَّق بمشِيئَتِهِ، ولَا يُحتَمَلُ هُنَا أن يَكُونَ لِلوُجُوبِ، كَمَا قِيلَ به في الأمرِ الذي قَبلَهُ. ■ التَّاسِعَةُ: قال ابنُ حَزم(٤): حَدُّ التَّطوِيلِ مَا لَم يَخرُج وقتُ الصَّلَاةِ التي تَلِي التي هُو فيها. ثُمَّ استَدَلَّ على ذَلِكَ: «بِأَنَّ رسولَ اللهِلَّهِ صَلَّى الظُّهرَ في الوقتِ الذي صَلَّى فيه العَصرَ بِالأمسِ))(٥)، وقال عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ: ((وقتُ الصُّبْحِ مَا لَم تَطلُعِ الشَّمسُ، ووقتُ العَصرِ مَا لَم تَغرُبِ الشَّمسُ، ووقتُ المغرِبِ مَا لَم يَسقُط نُورُ الشَّفَقِ، ووقتُ العِشَاءِ الآخِرَةِ إِلَى نِصِفِ اللَّيلِ))(٦). قال: فَصَحَّ يَقِينًا أنَّ مَن دَخَلَ في صَلَاةٍ في آخِرٍ وقتِهَا، فَإِنَّمَا يُصَلِّي بَاقِيَهَا في وقتِ الأُخرَى، أو في وقتٍ لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ إِلَيهِ أَصَلًا، وقد صَحَّ عن النَّبِيِّ وَِّ أنَّ التَّفرِيطَ أن تُؤَخِّرَ(٧) [١٥٤/١ ظ] صَلَاةً حَتَّى يَدخُلَ وقتُ أُخرَى (٨)، صَحَّ أنَّ لَهُ إِذَا دَخَلَ في الصَّلَاةِ في وقتِهَا أن يُطَوِّلَ مَا شَاءَ، إلَّا تَطوِيلًا مَنَعَ النَّصُّ مِنْهُ، وَلَيسَ إلا (٩) أن يُطِيلَ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ التَّالِيَةُ لَهَا فَقَط. انتَهَى كلامُهُ. الصحاح (١١٠٦/٣)، (١٣٩٠/٤)، وتهذيب اللغة (٣٠٥/١). (١) (٢) ليس في: (ك). (٣) في (ك): ((العبادة)). المحلي (١٠١/٤، ١٠٠). (٤) (٥) أبو داود (٣٩٣). (٦) أحمد (٢١٠/٢)، ومسلم (١٣٢٨). (٧) في (ح): ((يؤخر)). (٨) أخرجه بنحوه مسلم (٦٨١/٣١١). (٩) في (م): (له)). بَابُ الإمَامَةِ ٣٤٩ = وهُو ضَعِيفٌ، والذي يَنبَغِي أن يُقال في حَدِّ التَّطوِيلِ المَبَاحِ، أنَّهُ مَا لَم يَخرُج وقتُ الصَّلَاةِ التي هُو فيها، ولَو جَوزَّنَا لَهُ أن يُخرِجَ جُزءًا مِنْهَا عن وقتِهَا، لَم يَكُن لِتَوقِيتِهَا فَائِدَةٌ، وقد قال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ: ((الوقتُ مَا بَيْنَ هَذَينٍ (١)). وأمَّا استِدلَالُهُ على ذَلِكَ، بِأنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ، صَلَّى الُّهرَ في الوقتِ الذي صَلَّى فيه العَصرَ بِالأمسِ، فَقد تَقَرَّرَ تَأوِيلُهُ عِندَ أكثَرِ العُلَمَاءِ، على مَعنَى أَنَّهُ (٢) فَرَغَ مِن صَلَاةِ الظُّهرِ في اليَومِ الثَّانِي في الوقتِ الذي ابتَدَأْ فيه صَلَاةَ العَصرِ في اليَومِ الأول(٣). فَقَولُهُ: ((صَلَّى الظُّهرَ))؛ أي: ابتَدَأْهَا، وقَولُهُ: ((صَلَّى العَصرَ))؛ أي: فَرَغَ مِنْهَا(٤). و(فَعَلَ)) يَصلُحُ لِلِابْتِدَاءِ والشُّرُوعِ، فَحُمِلَت في كُلِّ مَوضِعٍ على اللَّائِقِ بِهَا، (° ولا اشتِرَاكَ ٥) بَينَ الصَّلَاتَينِ في وقتٍ، وعلى تَقدِير ألَّا نُؤَوِّلَهُ، ونجعَلُ(٦) بَيْنَ الصَّلَاتَينِ اشْتِرَاكًا في الوقتِ، كَمَا يَقُولُهُ المَالِكِيَّةُ(٧)، فَالإِشْتِرَاكُ إِنَّمَا هُو في مِقدَارِ أربَعِ رَكَعَاتٍ خَاصَّةٍ، وهَكَذَا يَقُولُ (٣٥٢/٢م) المالِكِيَّةُ. وهَل ذَلِكَ مِن وقتٍ العَصرِ، أَوَ الظُهرِ؟ خِلَافٌ عِندَهُم. وأمَّا القَولُ بِالإِشْتِرَاكِ في جَمِيع الوقتِ، فَلَا قَائِلَ به، ولَا دَلِيلَ يُعَضِّدُهُ، ولَا يَصِحُ القِيَاسُ فِي ذَلِكَ عِندَ مَن يَقُولُ بالقِيَاسِ، فَكَيفَ بِمَن(٨) يُنكِرُهُ؟ والعَجَبُ مِن استِدلَالِهِ على مَطلُوبِهِ، بِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّ التَّفرِيطَ أن يُؤَخِّرَ صَلَةً حَتَّى يَدخُلَ وقتُ أُخرَى(٩)). وهَذَا عَلَيهِ(١٠) لا لَهُ، فَإِنَّهُ دَاٌ على أنَّ غَايَةَ التَّأخِيرِ المَبَاحِ دُخُولُ وقتِ الأُخرَى، لا فَرَاغُهُ، ولَا تَضِقُهُ. ومَا ذَكَرَهُ ابنُ حَزْمِ مَبنِيٍّ على أنَّ هَذِهِ الأوقَاتِ لِلشُّرُوعِ (١١ في الصَّلَاةِ (١)، (١) في (ك): ((هاتين)). والحديث عند أبي داود (٣٩٣). (٣) ينظر: معالم السنن (٢٣٢/١ - ٢٣٣). (٢) ليس في: (ح). (٤) قال في حاشية (م): ((هكذا في النسخ، فلينظر)). (٥ - ٥) في الأصل: ((فالاشتراك)). وفي (م): ((الاشتراك)). (٦) في (م): ((ويجعل)). (٨) ليس في: (ك). (١٠) ليس في: (ك). (٧) ينظر: الذخيرة (٢٠/٢). (٩) في (م): ((الأخرى)). (١١ - ١١) ليس في: (ك). = 22 ٣٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ لا لِلفَرَاغِ مِنهَا، وهُو مَردُودٌ، بَل هَذِهِ المواقِيتُ لِجُمْلَةِ الصَّلَاةِ، أوَّلِهَا، و(١) وسَطِهَا، وآخِرِهَا . وقد ذَكَرَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ(٢): أنَّهُ يَحرُمُ تَأخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى حَدِّ يُخرِجُ بَعضَهَا عن الوقتِ، وهُو مُوافِقٌ لِمَا ذَكَرته، لَكِنَّهُم قَالُوا: إنَّهُ لو شَرَعَ في الصَّلَاةِ، وقد بَقِيَ مِن الوقتِ مَا يَسَعُ جَمِيعَهَا، فَمَذَّها(٣) بِتَطوِيلِ القِرَاءَةِ، لَم يَأْثَم بِذَلِكَ، إلَّا في وجهٍ حَكَاهُ القَاضِي حُسَينٌ في («تَعلِيقِهِ))، وقال: إنَّ(٤) هَذَا الخِلَافَ يَنْبَنِي على أنَّ هَذِهِ الأوقَاتِ وقتٌ لِلدُّخُولِ والخُرُوجِ، أو لِلدُّخُولِ فَقَط، وهَل يُكرَهُ ذَلِكَ؟ فيه وجهَانٍ؛ أصَحُّهُمَا عِندَهُم: لا يُكرَهُ، لَكِن قال النَّوِيُّ في ((شَرِحِ المَهَذَّبِ))(٥): إنهُ خِلَافُ الأولَى. وعِندِي أنَّ تَجوِيزَهُم تَطوِيلَ القِرَاءَةِ حَتَّى يَخرُجَ الوقتُ مُخَالِفٌ لِقَولِهِ: ((إنَّ التَّفْرِيطَ أن يُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدخُلَ وقتُ أُخرَى)). ولِقَولِهِ: ((الوقتُ مَا بَيْنَ هَذَينٍ)). وقد تَبَيَّنَّ بِكَلَام(٦) القَاضِي الحُسَين (٧): أنَّهُ مَبنِيٌّ على أنَّ هَذِهِ الأوقَاتَ وقتٌ لِلُّخُولِ فَقَط، والصَّحِيحُ: أنَّهَا وقتٌ لِلدُّخُولِ والخُرُوجِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الكَلَامَ، بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، مُقَيِّدٌ بِمَا إِذَا أوقَعَ رَكعَةً في الوقتِ، كَمَا ذَكَرَ شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإِسَوِيُّ تَغْتُ: أَنَّهُ المثَجَهُ، مَعَ تَجوِيزِهِ أن يَكُونَ كَلَامُهُم على إطلاقِهِ. ■ العَاشِرَةُ: ويَنبَغِي أَن يَتَقَيَّدَ التَّطوِيلُ أيضًا، بِمَا إذَا لَم يُخرِجِ إِلَى سَهوٍ، فَالتَّطْوِيلُ المُؤَدِّي إِلَى سَهوِ مَكَرُوهٌ، وقد نَصَّ على ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ كَُّ، في الدُّعَاءِ الذي في آخَرِ الصَّلَاةِ، ويُقَاسُ عَلَيهِ غَيْرُهُ مِن أَفْعَالِ الصَّلَاةِ. قال الشَّافِعِيُّ في «الأُمّ» (٨): أُحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أن يَزِيدَ على التَّشَهُّدِ والصَّلَاةِ (١) في (ح): (أو)). (٢) المجموع (٦٦/٣)، روضة الطالبين (٢٩٥/١)، مغني المحتاج (١٢٧/١). (٣) في (م): ((فمدّ هذا)). (٤) في (ح): ((من)). (٥) المجموع شرح المهذب (٦٦/٣). (٦) في (ك): ((من كلام)). (٧) في (م): ((حسين)). (٨) الأم (٢٧٥/٢). بَابُ الإمَامَةِ ٣٥١ على النَّبِيِّ وَ ﴿ ذِكِرَ اللّهِ رَ، وتَحمِيدَهُ، ودُعَاءَهُ في الرَّكعَتَينِ الأخِيرَتَينِ، وأَرَى أن تَكُونَ زِيَادَتُهُ ذَلِكَ، إِن كَانَ إِمَامًا، أقَلَّ مِن قدرِ التَّشَهُّدِ والصَّلَاةِ على النَّبِيِّ وَِِّّ فِيه قَلِيلًا، للتخفيفِ عَمَّن(١) خَلفَهِ، وأرَى أن يَكُونَ جُلُوسُهُ، إِن كَانَ وحدَهُ، أكثَرَ مِن ذَلِكَ، (٣٥٣/٢م) ولا أكرَهُ مَا أَطَالَ مَا لَم يُخرِجِهُ ذَلِكَ إلَى سَهوٍ، أو يَخَافُ به سَهوًا. انتَهَى. وهَذَا التَّقِيدُ، إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيهِ إِذَا قُلنَا: إنَّ الأمرَ بِالتَّطوِيلِ لِلمُنْفَرِدِ على سَبِيلٍ الاسْتِحبَابِ، أو قُلنَا: إنَّهُ على سَبِيلِ الإِبَاحَةِ، وفَسَّرنَا الإِبَاحَةَ بِالمستَوِيَةِ الَّرَفَيْنِ، فَإِن فَسَّرْنَاهَا بِمَعنَى رَفعِ الحَرَجِ والإثمِ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى هَذَا القَيدِ (٢)، إذ لا إثمَ في ذَلِكَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وإِنَّمَا غَايَتُهُ الكَرَاهَةُ، ويُوافِقُ هَذَا مَا تَقدمَ عن غَيرٍ واحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ (٣)، مِن تَعلِيلِ تَخفيفِ الصَّلَاةِ بِمُبَادَرَةِ الوسواسِ(٤). وعلى هَذَا فَيَخْتَلِفُ القَصرُ والتَّطوِيلُ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ في مُبَادَرَةِ الوسوسَةِ إِلَيهِم، وتَأخُّرِهِ عَنْهُم، فَمَن كَانَ سَرِيعَ الوسواسِ لا يُطَوِّلُ، ومَن كَانَ بَطِيءَ الوسواسِ طَوَّلَ. واللهُ تعالى أعلمُ. ] الحَادِيَةَ عَشرَ: هَذَا التَّطوِيلُ إِنَّمَا هُو في الأركَانِ، التي تَحتَمِلُ التَّطوِيلَ؛ وهِيَ القِيَامُ والرُّكُوعُ والسُّجُودُ والتَّشَهُّدُ، دُونَ الاعتِدَالِ والجُلُوسِ بَينَ السَّجدَتَينِ . ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: قال النَّوِيُّ(٥): فيه دَلِيلٌ على الرِّفقِ بِالمأمُومِينَ، وسَائِرِ الأتْبَاعِ، ومُرَاعَاةِ مَصلَحَتِهِم، وألَّا يُدخِلَ عَلَيهِم مَا يَشُقُّ(٦) عَلَيهِم، وإن كَانَ يَسِيرًا مِن غَيرِ ضَرُورَةٍ. (١) في (م): ((عن)). (٢) في (ح): ((التقييد)). (٣) ينظر: مصنف ابن أبي شيبة (٥٤/٢). (٤) في (ك): ((الوساوس)). وفي (ح): ((الوسوسة)). (٥) شرح صحيح مسلم (٤/ ١٨٧). (٦) في (م): ((شق)). ٣٥٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بابُ المَسبُوقِ يَقضِي ما فاتَهُ عن هَمام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا نُودِيَ بِالصَّلاةِ: فاتُوهاً وأنتُم تَمشُونَ، وعَلَيكُم السَّكِينَةُ، فَما أدرَكتُم فَصَلُّوا، وما فاتَكُم فاقضُوا)). كَذا في ((المُسنَدِ))(١)، مِن هَذا الوجهِ، ولَم يَسُق مسلمٌ لَفظَهُ(٢)، وسَاقَهُ(٣) أبو نُعَيم في ((المُستَخرَجِ))(٤)، فقال: ((فأتموا)). (٣٥٤/٢م) وعن سَعِيدٍ،ً عن أبي هريرةَ، قِيلَ لَّهُ: عن النَّبِيِّ وَّرَ؟ قال: نَعَم، ((إذا أَتَيْتُم الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوها وأنتُم تَسعُونَ، وأتُوها وعَلَيكُم السَّكِينَةُ)). فَذَكَرَهُ، لَم يَقُلِ الشَّيخَانِ: ((فاقضُوا))(٥). قالا: ((فأتموا))(٦). فيه فوائدُ: ■ الأُولَى: فيهِ الأمرُ بِإتيَانِ الصَّلاةِ مَشيًا، والنَّهيُّ عن إتيَانِها سَعيًا، وأنَّ ذلك يَكُونُ بِتُؤَدَةٍ ووقَاٍ . وظاهِرُهُ: أنَّهُ لا فَرِقَ في ذلك بين الجُمُعَةِ وغَيرِها، ولا بين أن يَخَافَ فَوتَ تَكَبِيرَةِ الإحرامِ، أو فَوتَ الرَكعَةِ(٧)، أو فَوتَ الجَماعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، أو لا يَخَافُ شَيئًا مِن ذلك، وبِهَذا قال جُمهُورُ العُلَماءِ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ، ومَن بَعدَهُم. (١) أحمد (٣١٨/٢). (٢) مسلم (١٥٣/٦٠٢) من هذا الوجه، وساق لفظه. وسوف ينبه الشارح على هذا في أثناء الفائدة الثامنة من شرح هذا الحديث. (٣) في الأصل، (ت): ((وساق)). (٥) بعده في (م): ((وإنما)). (٧) في (م): ((ركعة)). (٤) المستخرج (١٣٣٧). (٦) البخاري (٩٠٨)، ومسلم (١٥١/٦٠٢). 5 بابُ المَسبُوقِ يَقضِي ما فاتَهُ ٣٥٣ ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِه)) هَذا المَعنَى(١): [١٥٥/١ و] عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، وابنٍ عُمَرَ، وزَيدِ بنِ ثَابِتٍ، وأنَسٍ بنِ مالِكِ، والزُّبَيرِ بنِ العَوامِ، وأبي ذَرِّ، وعَلِيٍّ بنِ الحُسَينِ، ومُجاهِدٍ، وهُو قَولُ مالِكِ، والشَّافِعِيِّ، وأحمَدَ. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ: الهَرولَةَ إلَى الصَّلاةِ، (٣٥٥/٢م) عن ابنِ عُمَرَ، والأسودِ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيٍ . وعن إبراهِيمَ النَّخَعِيّ، قال: رأيتُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ يَزِيدَ مُسَارِعًا(٢) إِلَى الصَّلاةِ . وعن ابنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ الإِقَامَةَ بِالبَقِيعِ، فأسرعَ المَشْيَ. وعن ابنِ مَسعُودٍ: أنَّهُ قال: أحَقُّ ما سَعَينَا إلَى الصَّلاةِ(٣). وقال التِّرمِذِيُّ في ((جامِعِهِ))(٤): اختَلَفَ أهلُ العِلم في المَشي إلَى المَسجِدِ، فَمِنْهُم مَن رأى الإسراعَ إذا خَافَ فَوتَ التَّكبِيرَةِ الأُولَى، حَتَّى ذُكِرَ عن بَعضِهِم: أنَّهُ كَانَ يُهَروِلُ إلَى الصَّلاةِ، ومِنْهُم مَن كَرِهَ الإسراعَ، واختَارَ (°أن يَمشِي٥َ) على تُؤَدَةٍ ووقَارٍ، وبِهِ يَقُولُ أحمَدُ وإِسحَاقُ، وقالا: العَمَلُ على حَدِيثِ أبي هريرةَ. وقال إسحاقُ: إن خَافَ فَوتَ التَّكِيرَةِ الأُولَى فَلا بأس أن يُسرِعَ في المَشِئِ، انتَهَی. وقال والِدِي ◌َّتُهُ في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ))، بَعدَ نَقلِهِ ما قَدَّمته، عن «مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ)): [والظاهِرُ: أنَّ مَن أطلَقَ الإسراعَ عنهُ مِنِ ابنِ عُمَرَ وغَيرِهِ، إنَّما هُو عِندَ خَوفِ فَوتِ تَكبِيرَةِ الإحرامِ، كَما قَيَّدَهُ التِّرمِذِيُّ، فَقَدْ رَوى ابنُ أبي شَيْبَةً](٦)، مِن رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ زَيدِ بنِ خُلَيدَةَ(٧)، قال: ((كُنت أمشِي مَعَ ابنِ عُمَرَ (١) ابن أبي شيبة (٣٥٨/٢) (٧٤٧٨ - ٧٤٨٩). (٣) ابن أبي شيبة (٣٥٨/٢) (٧٤٧٠ - ٧٤٧٧). (٢) في (ك): ((مسرعًا)). (٤) جامع الترمذي (١٤٨/٢)، عقب الحديث (٣٢٧). (٥ - ٥) في (ك): ((المشي)). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٧) في (ك): ((خليفة)). وهو تصحيف. ينظر: التاريخ الكبير (٨٥/١)، والجرح والتعديل (٢٥٦/٧)، والثقات (٣٧٠/٥). W ٣٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ إِلَى الصَّلاةِ، فَلَو مَشَت (١) مَعَهُ نَمَلَةٌ لَرأيت أن لا يَسِقَها))(٢). وحُكِيَ عن ابنِ مَسعُودٍ أيضًا: الإسراعُ إذا خَافَ فَوتَ التَّكبِيرَةِ الأُولَى، وحُكِيَ عن مالِكِ: أنَّهُ إذا خَافَ فَوتَ(٣) الرَّكعَةِ أسرَعَ، وقال: لا بأسَ لِمَن كَانَ على فَرَسٍ أن يُحَرِّكَ الفَرَسَ. قال القَاضِي عِيَاضٌ، وتَبِعَهُ صَاحِبُ ((المُفهِم))(٤): وتَأولَهُ بَعضُهُم، على الفَرقِ بين الراكِبِ والماشِي؛ لِأِنَّهُ لا (٥ يَنْبَهِرُ كَما يَنْبَهِرُ) الماشِي، وحكيا(٦) أيضًا عن إسحَاقَ: أنَّهُ يُسرِعُ إذا خَافَ فَوتَ الرَّكعَةِ، وهُو مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاهُ التِّرمِذِيُّ عن إسحَاقَ، مِن تَعلِيقِ الإسراعِ بِخَوفِ فَواتِ التَّكبِيرَةِ الأُولَى، ولَعَلَّهُ يَقُولُ بِالإسراعِ في المَوضِعَينِ مَعًا، واللهُ تعالى أعلمُ، انتَهَى. [وقال أبو إسحاقَ المَروزِيُّ، مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: بِالإسراعِ إذا خَافَ فَوتَ تَكَبِيرَةِ الإحرامِ](٧). وقال ابنُّ بَطَّالٍ، بَعدَ نَقلِهِ عن ابنٍ عُمَرَ: أنَّهُ سَمِعَ الإِقَامَةَ فأسرعَ المَشيَ: وهَذا يَدُلُّ مَعَ(٨) ما رُوِيَ عنهُ: أنَّهُ لا يُسرِعُ المَشِيَ إلَى الصَّلاةِ: أنَّهُ جَعَلَ مَعنَى قَولِهِ: ((عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ)). على ما إذا لَم يَخشَ فَوتَ الصَّلاةِ، وكَانَ في سَعَةٍ مِن وقتِها . قال: وقَولُهُ: ((إذا سَمِعتُمُ الإِقَامَةَ فامشُوا إِلَى الصَّلاةِ)). يَرُدُّ فِعلَ (٩) ابنِ عُمَرَ، ويُبين أنَّ الحَدِيثَ على العُمُومِ، وأنَّ السَّكِينَةَ تَلزَمُ مَن سَمِعَ الإِقَامَةَ، كَما تَلزَمُ مَن كَانَ فِي سَعَةٍ مِنَ الوقتِ (١٠)، انتَهَى. (٢) ابن أبي شيبة (٣٥٩/٢) (٧٤٨٨). (١) في الأصل: ((مشيت)). (٣) ليس في: الأصل. (٤) إكمال المعلم (٥٥٣/٢)، والمفهم (٢٢٠/٢، ٢١٩). (٥ - ٥) في (ك): ((يسير كما يسير)) .. والبُهر: انقطاع النَفَس من الإعياء. قاله في اللسان (٨١/٤). (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (٦) في (م): ((وحكى)). (٨) في (م): ((على)). (١٠) شرح صحيح البخاري (٢٦١/٢). (٩) في (ح): ((فعله)). بابُ المَسبُوقِ يَقضِي ما فاتَهُ ٣٥٥ = وأما الجُمُعَةُ: فَلا نَعلَمُ أحَدًا قال بِالإسراعِ لَها، دُونَ غَيرِها مِنَ الصَّلَواتِ (١). وأما قَوله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ (٣٥٦/٢م) اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فإنَّ المُرادَ بِالسَّعي فيهِ: مُطلَقُ المُضِيِّ أو القَصدِ(٢). وقال عِكرِمَةُ، ومُحَمَّدُ بنُ كَعبِ القُرَظِيُّ: السَّعيُّ العَمَلُ(٣)، وبَوبَ البُخَارِيُّ(٤) على هَذا الحَدِيثِ: ((المَشِيُّ إِلَى الجُمُعَةِ)). وقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ومَن قال: السَّعيُّ العَمَلُ، والذَّهابُ، لِقَولِ الله تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. انتَهَى. واعلَم أنَّ النَّسَائِيَّ بَعدَ أن أورَدَ هَذا الحَدِيثَ: تَرجَمَ: ((الإسراعُ إلَى الصَّلاةِ، مِن غَيرِ سَعي)). وأورَدَ فيهِ: حَدِيثَ أبي رافِعٍ، قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَلّهِ إذا صَلَّى العَصرَ، ذَهَبَّ إلَى بَنِي عَبدِ الأشهَلِ، فَيَتَحَدَّثُ عِندَهُم حَتَّى يَنْحَدِرَ المَغْرِبُ)). قال أبو رافِعٍ: ((فَبينما التَّبِيُّ ◌ِ يُسرِعُ إِلَى المَغرِبِ))(٥). وذَكَرَ حَدِيثًا. وذلك يَدُلُّ على أنَّ النَّسَائِيَّ فَهِمَ أنَّ بين السَّعيِ والمَشيِ رُتبَةً وهِيَ الإسراعُ، وأَنَّها مُلتَحِقَةٌ بِالمَشي في عَدَمِ النَّهي عنها، لَكِن يَرُدُّهُ قَولُهُ في بَعضِ طُرُقِ الحَدِيثِ [١٥٥/١ ظ] في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٦): ((ولا تُسرِعُوا)). إلا أن يُقال: السَّعيُ نَوعٌ مِنَ الإسراعِ، فَيُحمَلُ الإسراعُ المَنهِيُّ عنهُ على السَّعيٍ مِنْهُ، دُونَ ما لَم يَكُن سَعيًا، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أبي رافِعٍ. لَكِنَّ كَلامَ ابنِ سِيدَه في «المُحكَم)»: يَدُلُّ على: أنَّ السَّعيَ لَيسَ فيهِ تِلكَ المُبالَغَةُ في الإسراع، فإنَّهُ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ: عَدَوِّ دُونَ الشَّدِّ، وإن كَانَ صَاحِبًا ((الصِّحَاحِ)) و ((النِّهايَةِ)(٧): فَسَّرَاهُ(٨): بِمُطلَقِ العَدوِ، ومَن لا يَنظُرُ إِلَى الفَرقِ بين السَّعىِ (١) حكاه عن طائفةٍ ابنُ العربي، في أحكام القرآن (٣٣٩/٧)، فجعلوه فضلًا، وليس شرطًا. (٢) ينظر: تفسير الطبري (٣٨٠/٢٣ - ٣٨٣). (٣) ابن أبي شيبة (١٥٧/٢) (٥٥٩٩، ٥٦٠٢). (٤) البخاري قبل حديث (٩٠٧). (٦) البخاري (٦٣٦). (٥) النسائي (٨٦١). المحكم (٢٢١/٢)، والصحاح (٢٣٧٧/٦)، والنهاية (٣٧٠/٢). (٧) في (ح): ((فسره)) . (٨) ٣٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والإسراعِ، ويَمِيلُ إلَى التَّعَارُضِ بينهُما: يَقُولُ: حَدِيثُ البابِ أَصَحُ مِن حَدِيثٍ أبي رافِعٍ، فالأخذُ بِهِ مُتَعَيَّنٌ، واللهُ أعلمُ. ، الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((إذا نُودِيَ بِالصَّلاةِ(١)»: يَحتَمِلُ: أن يُرادَ بِالنِّدَاءِ الأذانُ، ويَحْتَمِلُ: أن يُرادَ بِهِ الإِقَامَةُ، ويَدُلُّ لِلاحتِمالِ الثَّانِي: قَولُهُ فِي رِوايَةٍ أُخرَى، في ((الصَّحِيحِ)): ((إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ)(٢). وسَواءٌ، فَسَّرْنَاهُ بِالأذانِ أوِ الإِقَامَةِ، فَلَيسَ هَذا القَيدُ مُعتَبَرًا في الحُكمِ، فَلَو قَصَدَ الصَّلاةَ قَبلَ الإِقَامَةِ، كُرِهَ لَهُ الإسراعُ أيضًا، بَل هُو أولَى بِالكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعدَ الإِقَامَةِ يَخَافُ فَوتَ(٣) بَعضِ الصَّلاةِ، وقَبلَها لا يَخَافُ ذلك، فإذا نُهِيَ عن الإسراعِ مَعَ خَوفِ فَواتِ بَعضِ الصَّلاةِ، فَمَعَ عَدَمِ الخَوفِ أولَى، فَهَذا مِنَ التَّنِيهِ بِالأدنَى على الأعلَى، وهُو مِن مَفهُومِ المُوافَقَةِ (٤). وقَد صَرَّحَ بِذلك النَّووِيُّ، فقال في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(٥): إنَّما ذَكَرَ الإِقَامَةِ، للتنبيه(٦) بِها على ما سِواها؛ لِأنَّهُ إذا نُهِيَ عن (٧) إنيَانِهَا سَعيًا في حَالِ الإقَامَةِ، مَعَ خَوفِهِ (٨) فَوتَ بَعضِها: فَقَبَلَ الإِقَامَةِ أولَى. قال: وأَّدَ ذلك بِبَيَانِ العِلَّةِ، فقال ◌َِّ: ((فإنَّ أحَدَكُم إذا كَانَ يَعمِدُ إلَى الصَّلاةِ: فَهُو في صَلاةٍ). قال: (٢/ ٣٥٧م) وهَذا يَتَنَاولُ جَمِيعَ أوقَاتِ الإتْيَانِ إِلَى الصَّلاةِ، وأكَّدَ ذلك تَأْكِيدًا آخَرَ، فقال: ((فَما أدرَكتُم فَصَلُّوا، وما فاتَكُم فأتموا)). فَحَصَلَ فيهِ(٩) تَنِيَةٌ وتَأْكِيدٌ، لِثَلا يَتَوهَّمَ مُتَوهِّمُ أنَّ النَّهيَ إنَّما هُو لِمَن لَم يَخَف فَوتَ بَعضِ الصَّلاةِ، فَصَرَّحَ بِالنَّهي، وإن فاتَ مِنَ الصَّلاةِ ما فاتَ، انتَهَى. وهُو حَسَنٌّ. (٢) البخاري (٩٠٨)، ومسلم (١٥١/٢٠٢). في (م): ((الصلاة)). (١) (٣) في (ح): ((فوات)). مفهوم الموافقة: هو ما كان المسكوت عنه موافقًا للملفوظ به، فإن كان أولى بالحكم (٤) من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويًا فيسمى لحن الخطاب. ينظر: البحر المحيط (٤٠٢/٢)، وإرشاد الفحول (٣٧/٢). شرح النووي على مسلم (٩٩/٥). (٥) (٧) ليس في: (ك). في الأصل، (م): ((به)). (٩) (٦) في الأصل، (م): ((لينبه)). (٨) في (ح): ((خوف)). ٣٥٧ بابُ المَسبُوقِ يَقضِي ما فاتَهُ وقال والِدِي تَّتُ في ((شَرح التِّرمِذِيِّ)) بَعدَ حِكَايَتِهِ: ويَحتَمِلُ أنَّ هَذا خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ؛ لِأنَّ الغَالِبَ أنَّهُ إنَّما يَفعَلُ ذلك مَن خَافَ الفَوتَ، فأما مَن بادَرَ في أولِ الوقتِ: فَلا يَفعَلُ ذلك، لِؤُثُوقِهِ بِإدراكِ(١) أولِ الصَّلاةِ، انتَهَى. وقال القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٢): هَذِهِ الوصِيَّةُ بِالسَّكِينَةِ، إِنَّمَا هِيَ لِمَن غَفَلَ عن المَشي إلَى المَسجِدِ، حَتَّى سَمِعَ الإِقَامَةَ، أو لِمَن كَانَ لَّهُ عُذرٌ، وكِلاهُما سَواءٌ في النَّهي عن الإسراعِ، انتَهَى. ومُقْتَضَى هَذِهِ العِبَارَةِ: أنَّهُ فُهِمَ، أنَّ مَفْهُومَ الشَّرطِ هُنَا مُعتَبَرٌ، وأنَّهُ مِن مَفْهُومِ المُخَالَفَةِ، فَلا يُنْهَى عن الإسراعِ مَن قَصَدَ الصَّلاةَ قَبلَ الإِقَامَةِ. وهَذا مَرُدُودٌ يُنفَرُ عن القَولِ بِهِ بِبادِئ الرأىِ وآخِرِهِ، إلا أن يُقال: إنَّما خَصَّ النَّهيَ عن الإسراعِ بِما بَعدَ الإقَامَةِ؛ لِأنَّهُ يَدخُلُ في الصَّلاةِ مُنبَهِرًا، فَيَمنَعُهُ ذلك الخُشُوعَ وإِقَامَةَ الأركَانِ على وجهِها، فأما إذا كَانَ قَبلَ الإِقَامَةِ، فإنَّهُ إذا وصَلَ إلَى المَسجِدِ لا يَدخُلُ في الصَّلاةِ بِمُجَرَّدٍ دُخُولِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلاةَ لَم تُقَم، فَيَستَرِيحُ، ويَذْهَبُ عنهُ ما بِهِ مِنَ البَهرِ والتَّعَبِ قَبلَ الإِقَامَةِ. وفي هَذا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الصَّلاةَ وإن كَانَت لَم تُقَمِ، فَقَد تُقَامُ بِمُجَرَّدٍ وُصُولِهِ إلَى المَسجِدِ، فَيَقَعُ في المَحذُورِ، ثُمَّ إنَّ هَذا المَعنَى لَيسَ هُو المُعتَبَرَ في الحَدِيثِ، على ما سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وقَد ظَهَرَ بِذلك أنَّهُ وقَعَ التَرَدُّدُ في أَنَّ هَذا مِن مَفْهُومِ المُوافَقَةِ، أو المُخَالَفَةِ، أو لا مَفْهُومَ لَهُ، والأولُ هُو الراجِحُ، والله تعالى أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: ((وعَلَيْكُم السَّكِينَ)). ذَكَرَ أبو العَباسِ القُرطُبِيُّ: أنَّهُ بنَصبِ ((السَّكِينَة)) على الإغراءِ؛ كَأنَّهُ قال: إِلزمُوا السَّكِينَةَ(٣). وقال والِدِي ◌َظْثُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): المَشهُورُ في الرِّوايَةِ: رَفعُ السَّكِينَةِ، (١) في (ك): ((بإدراكه)). (٣) المفهم (٢٢٠/٢). (٢) عارضة الأحوذي (١٢٥/٢). = ٣٥٨ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ على أنَّ قَولَهُ: ((وعَلَيكُمُ [١٥٦/١و] السَّكِينَةُ)). جُملَةٌ فِي مَوضِعِ الحَالِ، انتَهَى. والسَّكِينَةُ هِيَ: الوقَارُ، كَمَا فَسَّرَهُ أئِمَّةُ اللغَةِ (١)، لَكِن في بَعضِ ظُرُقِهِ في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)): ((وعَلَيكُم السَّكِينَةُ والوقَارُ))(٢)، فقال القَاضِي عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ)): كَرَّرَ فيهِ الوقَّارَ لِلتَّأَكِيدِ(٣). وكَذا(٤) قال أبو العَباسِ القُرطُبِيُّ(٥): السَّكِينَةُ والوقَارُ: اسمانُ لِمُسَمَّى واحِدٍ؛ لِأَنَّ السَّكِينَةَ: مِنَ السُّكُونِ، والوقَارَ: مِنَ الاستقرارِ والتَّشَاقُلِ، وهُما بِمَعنّى واحدٍ. (٣٥٨/٢م) وأنكَرَ والِدِي ◌َظْلُ على القُرطُبِيِّ، قَولَهُ: إنَّ الوقَارَ مِنَ الاستِقِرارِ. لِأَنَّ الوقَارَ: مُعتَلُّ الفاءِ، وهَذا واضِحٌ (٦). وقال في ((الصِّحَاحِ))(٧): الوقَارُ: الحِلمُ والرَّزَانَةُ. وقال النَّووِيُّ(٨): الظاهِرُ أنَّ بينهُما فَرقًا، وأنَّ السَّكِينَةَ: التأني(٩) في الحَرَكَاتِ، واجتِنَابُ العَبَثِ، ونَحوِ ذلك، والوقَارَ: في الهَيئَةِ، وَغَضِّ البَصَرِ، وخَفضِ الصَّوتِ، والإقبالِ على طَرِيقِهِ مِن غَيرِ التِفاتِ، ونَحوِ ذلك، انتَهَى. ■ الرابِعَةُ: المَعنَى في نَهيٍ قَاصِدِ الصَّلاةِ عن الإسراعِ وأمرِهِ بِالمَشئٍ بِسَكِينَةٍ أُمُورٌ : أحَدُها: قَولُهُ في رِوايَةٍ لِمُسلِم (١٠): ((فإنَّ أحَدَكُم إذا كَانَ يَعمِدُ إِلَى الصَّلاةِ: فَهُو في صَلاةٍ». فأشَارَ بِذلك إلَى أَنَّهُ: يَنبَغِي أن يَتَأْذَّبَ بِآدَابِ الصَّلاةِ: مِن (١) ينظر: النهاية (٣٨٥/٢)، وتهذيب اللغة (٢١٦/٩)، والمحكم (٧٢٠/٦)، وتاج العروس (٢٠٧/٣٥). (٢) البخاري (٦٣٦). (٣) مشارق الأنوار (٢١٦/٢). (٤) ليس في: (ك، ح). (٥) المفهم (٢٢٠/٢). (٦) ينظر: المفصل للزمخشري (ص٢٧٥)، وأوضح المسالك (٤٠٣/٤)، وهمع الهوامع (٥٠/٦). (٧) الصحاح (٨٤٩/٢). ليس في: (م). (٩) (٨) شرح صحيح مسلم (١٠٠/٥). (١٠) مسلم (٦٠٢/ ١٥٢). ٣٥٩ بابُ المَسْبُوقِ يَقضِي ما فاتَهُ تَركِ العَجَلَةِ، والخُشُوعِ، وسُكُونِ الأعضَاءِ، ومِن هَذا: أمرُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((مَن خَرَجَ إلَى المَسجِدِ أَلَّا يُشَبِّكَ بين أصَابِعِهِ))(١). وعَلَّلَ ذلك: بِكَونِهِ في صَلاةٍ. وحَكَى النَّوِيُّ(٢): هَذا المَعنَى عن العُلَماءِ. الثَّانِي: تَكثِيرُ الخُطَا، فَقَد رَوى الطَّبَرانِيُّ، بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، عن أنَسٍ بِنِ مالِكٍ، قال: ((كُنت أمثِي مَعَ زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، فَقَارَبَ في الخُطا. فقال: أَتَدرِي لِمَ مَشَبت بِك هَذِهِ المِشيَةَ؟ فَقُلتُ: لا، فقال: لِتَكثُرَ خُطَانًا في المَشيٍ إِلَى الصَّلاةِ)(٣)، وقَد رُوِيَ هَذا مَرفُوعًا، مِن حَدِيثِ زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، ومِن حَدِيثٍ أَنَس ◌َِّ(٤). الثَّالِثُ: ذَكَرَ المُهَلَّبِ: أنَّ المَعنَى في ذلك: أن لا يُبهِرَ الإنسَانُ نَفسَهُ، فَلا يَتَمَكَّنُ مِن تَرتِيلٍ (٥) القُرآنِ، ولا مِنَ الوقَارِ اللازِمِ لَهُ في الخُشُوعِ(٢)، انتَهَى. وذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ أيضًا(٧) . قال والِدِي ◌َخْلُ: يَنْبَنِي على المَعنَيَينِ؛ أي: الأولَينِ: عَودُ المُصَلِّي مِنَ المَسجِدِ إلَى بَيتِهِ، فإن عَلَّلنَا بِالمَعنَى الأولِ: فَقَد زَالَ في رُجُوعِهِ إِلَى بَيتِهِ: كَونُهُ في صَلاةٍ. وإن عَلَّلْنَا بِالمَعنَى الثَّانِي: فَيُستَحَبُّ أيضًا المَشيُّ ومُقَارَبَةُ الخُطَا، لِحَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عَمٍو، مَرفُوعًا: (مَن راحَ إلَى مَسجِدِ الجَماعَةِ(٨)، فَخُطوةٌ تَمحُو سَيِّئَةً، وخُطوةٌ تَكتُبُ حَسَنَةً، ذاهِبًا وراجِعًا))(٩). وإِسنَادُهُ جَيِّدٌ. قُلتُ: وإن عَلَّلنَا بِالمَعنَى الثَّالِثِ، فَلا يَثْبُتُّ هَذا الحُكمُ (١٠) في الرُّجُوعِ، كَما قُلنَا على المَعنَى الأولِ. (١) أبو داود (٥٦٢)، والترمذي (٣٨٦). (٢) في شرح مسلم (٩٩/٥). (٤) ابن أبي شيبة في مسنده (١٣٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٥٨). (٣) المعجم الكبير (١١٧/٥) (٤٧٩٦). (٥) في (ك، ح): ((ترسل)). (٦) شرح البخاري لابن بطال (٢٦١/٢). إكمال المعلم (٥٥٣/٢). (٧) (٨) في (ك): ((جماعة)). (٩) أحمد (١٧٢/٢)، وابن حبان (٢٠٣٩). (١٠) في الأصل: ((المعنى)). ٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الخَامِسَةُ: هَذا الحَدِيثُ نَاسِخٌ؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ الصَّحَابَةَ رِ﴿ه، كَانُوا إذا سُبِقُوا بِبَعضِ الصَّلاةِ، صَلَّوا مِقْدَارَ ما فاتَهُم مُنفَرِدِينَ، ثُمَّ دَخَلُوا مَعَ الإمامِ فَصَلَّوا مَعَهُ بَقِيَّةَ الصَّلاةِ، كَما رَواهُ أبو دَاوُد، في ((أبوابِ الأذانِ))(١) عن عَبدِ الرَّحمَنِ ابنِ أبِي لَيَلَى، قال: حَدَّثَنَا أصحَابُنَا، قال: ((كَانَ الرَّجُلُ إذا جاءَ يَسألُ فَيُخبِرُ بِما سَبَقَ مِن صَلاتِهِ، وأَنَّهُم قَامُوا مَعَ رسولِ اللهِ وَّهِ، مِن بَينِ قَائِم وراكِعٍ وقَاعِدٍ ومُصَلُّ، مَعَ رسولِ اللهِ وَّهِ، فَجَاءَ مُعَاذٌ، فأشَارُوا إِلَيهِ: فقال مُعَاذٌ: لَّ أراهُ عَلى حَالٍ إلا كُنتُ عليها. فقال: إنَّ مُعَاذًّا قَد سَنَّ لَكُم سُنَّةً، كذلك فافعَلُوا)). ورَوَاهُ الطَّبَرانِيُّ في ((مُعجَمِهِ))(٢) مِن حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي لَيلَى، عن مُعَاذٍ. وفي لَفِظِ لَهُ(٣)، فقال: ((قَد سَنَّ لَكُم مُعَاذٌ، فاقتَدُوا بِهِ، إذا جاءَ أحَدُكُم وقَد سُبِقَ بِشَيءٍ مِنَ الصَّلاةِ، فَلْيُصَلِّ مَعَ الإِمامِ بِصَلاتِهِ، فإذا فَرَغَ الإِمامُ فَلَقضٍ ما سَبَقَهُ بِهِ)). قال المُزَنِيِّ (٤): قَولُهُ: ((إنَّ مُعَاذًّا قَد سَنَّ لَكُمْ)). يَحْتَمِلُ: أن يَكُونَ النَّبِيُّ ◌َّ أمَرَ أن تُسَنَّ(٥) هَذِهِ السُّنَّةُ، فَوافَقَ ذلك فِعلَ(٦) مُعَاذٍ، وذلك أنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى رسولِ اللهِ وَ﴿ فِي كُلِّ ما يُسَنُّ، ولَيسَ بِهِم حَاجَةٌ إِلَى غَيرِهِ، انتَهَى. ويَحْتَمِلُ أن يُقال: لا نَسَخَ فِي هَذِهِ القَضِيَّةِ، ولَكِنِ الأمرانِ جائِزَانٍ، أعنِي: مُتَابَعَةَ الإمامِ فيما هُو فيهِ، ثُمَّ استِدراكَ ما بَقِيَ بَعدَ سَلامِهِ، والدُّخُولِ في الصَّلاةِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ الاقتِدَاءِ [١٥٦/١ظ] بِالإمام في أثنَاءِ الصَّلاةِ. وكَانَ الصَّحَابَةُ، رضي الله عنهم أجمعين، يَفْعَلُونَ أحَدَ الأمرَيْنِ، فَلَما فَعَلَ مُعَاذُ الأمرَ الآخَرَ، استَحسَنَهُ النَّبِيُّ وَّةِ، وَرَجَّحَهُ على الأمرِ الأولِ، لا أنَّهُ حَتَّمَهُ وصَيَّرَهُ نَاسِخًا، بِحَيثُ إنَّهُ امتَنَعَ فِعلُ الأمرِ الآخَرِ، والله تعالى أعلمُ. (١) أبو داود (٥٠٦). (٢) معجم الطبراني (١٣٢/٢٠) (٢٧٠). (٣) معجم الطبراني (١٣٤/٢٠) (٢٧١). (٤) ينظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ للحازمي (ص١٠٦، ١٠٥). (٥) في (ت): ((تستن)). وفي (ك): (يستن)). (٦) ليس في: (ح).