النص المفهرس

صفحات 221-240

=
بابٌ القراءة في الصلاةِ
٢٢١
أحمَدُ، [١٣١/١ظ] وعَزَوتُهُ إليهِ، وإن كان عُرِفَ أنه فيه، لِئَلا أسكُتَ عليهِ(١)،
فَيُظَنُّ أنه مِما اتَّفَقَ عليهِ الشَّيخَانِ، كما نَبَّهت على ذلك في الخُطبَةِ.
الثانيةُ: فيه أنَّ أحَقَّ الجماعَةِ بالإمامَةِ أفقَهُهُم؛ لأنَّ مُعاذًا كان أفقَهُ
قَومِهِ، فَكَان يَؤُمُّهُم، بَل كان أعلمَ الأُمَّةِ (٢)، كما رواهُ الترمذيُّ(٣) من حديثٍ
أَنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((أرحَمُ أُمَّتي: أَبُو بكرِ (٤)). الحديثَ، وفيه:
((وأعلمهُم بالحَلالِ والحَرامِ: مُعاذُ بنُ جَبَلٍ)). قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ.
الثالثةُ: فيه استِحبابُ تَخفيفِ الصلاةِ لِلإمام، مُراعاةً لِحالِ المأمومينَ،
وهو كذلك، فإن كانُوا مَحصُورِينَ وعُلِمَ أنهم يُؤْثِرُونَ التَّطوِيلَ، فَلا بأسَ حينئذٍ،
وإنَّما نَهاهُ النَّبِيُّ وََّ، لِمَا عَرَضَ لِبَعضِ المأمومينَ من الشُّغلِ، كما في بَقِيَّةِ
الحديث.
الرابعةُ: فيه أنه يَجُوزُ للمأمومِ أن يُخرِجَ نَفسَهُ من الجماعَةِ لِعُذرٍ، فإنَّ
الرَّجُلَ ذَكَرَ أنه خَافَ على الماءِ، ولم يُنكِر عليهِ النَّبِيُّ وَّر ذلك، (° والحُكمُ
كذلك٥)، ومِما يُستَدَلُّ به أيضًا على ذلك (٦): قَضِيَّةُ صلاةِ الخَوفِ، فإنهم
يُخرِجُونَ أَنفُسَهُم من الجماعَةِ، ويُتِمُّونَ لأَنفُسِهِم على إحدَى الْهَيئَاتِ في صلاةٍ
الخَوفِ، ومفارَقَتُهُم لِعُذرٍ، وأما المفارَقَةُ بغَيرٍ (٢٧٣/٢م) عُذرٍ؛ ففيه قَولانِ
للشافعيِّ :
أحدُهما: أنه لا يَجُوزُ، وتَبطُلُ صلاتُهُ؛ لِقَولِهِ وََّ في الحديثِ الصحِيحِ(٧):
((إنَّما جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَلا تَختَلِفُوا عليهِ)).
(١) في الأصل: ((عنه)).
(٢) قال في حاشية (ح): ((صوابه: بل كان أفقه الأمة؛ لقوله في الحديث: ((وأعلمهم
بالحلال والحرام»، وإلا فلا يسلم أنه أعلم الأمة مطلقًا)). انتهى.
وصحَّ عن عمر، أنه قال، كما في الفتح (١٢٦/٧): من أراد الفقه فليأت معاذًا.
(٣) الترمذي (٣٧٩٠، ٣٧٩١).
(٥ - ٥) ليس في: (ك).
(٤) بعده في الأصل، (م): ((الصديق)).
(٦) ليس في: (ك).
(٧) أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٨٥١) من حديث أنس.

٢٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والقولُ الثاني: جَوازُهُ، وصَحَّحَهُ الرافِعِيُّ (١)؛ لأنَّ الاقتداءَ مُستَحَبٌّ، فهو
بِمَنْزِلَةِ الخُرُوجِ من النافِلَةِ.
] الخامسةُ: فيه حُجَّةٌ لأصَحِّ الوجهَينِ عند أصحابِنا؛ أنَّ مفارَقَةَ المأمومِ
لِكَونِهِ لا يَصْبِرُ على طُولِ القراءةِ لِضَعفٍ أو شُغلٍ، عُذرٌ مُجَوِّزٌ(٢) لِلخُرُوجِ منها،
وفيه وجهٌ آخَرُ: أنه لَيسَ بِعُذرٍ، والله تعالى أعلمُ.
■ السادسةُ: استَثنَى بعضُهُم من جَوازِ الخُرُوجِ من الجماعَةِ لِعُذرٍ صلاةً
الجُمُعَةِ، وهو الفَقِيهُ نَجمُ الدِّينِ ابنُ الرِّفعَةِ، فقال في ((الكفايةِ)): إنَّ الانتقالَ من
الجُمُعَةِ إلى الانفِرادِ لا يَجُوزُ، ولو كان في الرَّكعَةِ الثانيةِ، هكذا جَزَمَ به.
وهو قَضِيَّةُ تَعلِيلِهِم جَوازَ الخُرُوجِ من الجماعَةِ لِغَيرِ عُذرٍ، بأنَّ الاقتداءَ
مُستَحَبٌّ، فاقتَضَى وُجُوبُ الاقتِدَاءِ في الجُمُعَةِ: أَلَّا يَجُوزَ الخُرُوجُ منه، ولَكِنَّ
الذي جَزَمَ به الرافِعِيُّ (٣)، والنَّووِيُّ، تَبَعًا له: أنَّ الجُمُعَةَ كَغَيرِها، فقال في
((الرَّوضَةِ)) (٤): لو صَلَّى مع الإمامِ رَكعَةً من الجُمُعَةِ، ثم فارَقَهُ بِعُذْرٍ أو بِغَيرِهِ،
وقُلنا: لا تَبطُلُ الصلاةُ بالمفارَقَةِ، أتَمَّها جُمُعَةً، كما إذا أحدَثَ الإمامُ، وزَادَ على
هذا في ((شَرِحِ المُهَذَّبِ)) (٥) فقال: إنه لا خِلافَ فيه.
والمسألةُ مَحَلُّ نَظَرٍ، لاشتِراطِ الجماعَةِ في الجُمُعَةِ، بِخِلافِ سَائِرٍ
الصلواتِ.
والظَّاهِرُ: أنَّ الجُمُعَةَ إنَّما جُعِلَ إدراكُها بِرَكعَةٍ، لأجلِ المسبُوقِينَ، لا لِمَن
خَرَجَ من الجماعَةِ بِغَيرٍ عُذرٍ، ويَدُلُّ عليهِ ظَاهِرُ الحديثِ: ((مَن أدرَكَ رَكعَةً من
الجُمُعَةِ، فَلْيُضِف إليها أُخرَى، وقد تَمَّت صلاتُهُ)). رواهُ الدَّارَقُطِنِيُّ(٦)، إلا أنَّ في
إسنادِهِ ضَعفًا، واللهُ أعلمُ.
(١) ينظر: الشرح الكبير (٢٤٦/٣).
(٣) ينظر: الشرح الكبير (٥٦٢/٤).
المجموع (٤ / ٩٧).
(٥)
(٢) في (ح): ((محوج)).
(٤) روضة الطالبين (١٧/٢).
(٦) سنن الدار قطني (١٠/٢).

بابُ القراءة في الصلاةِ
٢٢٣
=
] السابعةُ: وقَولُهُ فيه: ((فَقَامَ رَجُلٌ من قَبلِ أن يَفرُغَ، فَصَلَّى وَذَهَبَ)). هَل
المُرادُ به أنه بَقِيَ على إحرامِهِ، وإنَّما أخرَجَ نَفسَهُ من الجماعَةِ فَقَط، كما(١) تَقْدمَ،
أو أنه أبطَلَ إحرامَهُ معهُ، ثم أنشا إحرامًا مُنْفَرِدًا؟
ولَفظُ هذا الحديثِ مُحتَمِلٌ لِكُلِّ من الأمرَينِ، لَكِن عند مسلم(٢) من حديثٍ
جابرٍ: التَّصْرِيحُ بالاحتمالِ الثاني، فإنه قال فيه: ((فانحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّم، ثم صَلَّى
وحدَهُ، وانصَرَفَ)). فإن كانت القِصَّةُ واحِدَةً فإنه خَرَجَ من الصلاةِ رأسًا، وإن كانا
واقِعَتَينٍ، وهو الأظهَرُ كما سَيأتي في آخَرِ البابِ: فالأمرُ في هذه الواقِعَةِ على
الاحتمالِ، وقد أشارَ البَيهَقِيُّ(٣) إلى أنَّ روايةَ مسلم: ((أنه سَلم)). شادَّةٌ ضَعِيفَةٌ
(٢٧٤/٢م)، فقال: لا أدرِي هَل حُفِظَت هذه الزِّيادَةُ(٤) أم لا، لِكَثرَةٍ مَن رواهُ عن
سُفيانَ بِدُونِها؟ وانفَرَدَ(٥) بها مُحَمَّدُ بنُ عَبادٍ، عن سُفيانَ.
[١٣٢/١و] ■ الثامنةُ: وقولُهُ فيه: «فقال له مُعاذٌ قولًا شَدِيدًا)). أبهَمَ قَولَ
مُعاذٍ في هذه الروايةِ، وفي ((صَحِيحِ مسلم)) (٦) التَّصرِيحُ بأنه قال فيه: ((إنه مُنافِقٌ)).
■ التاسعةُ: فيه اعتِذارُ مَن وقَعَ منه خَطَأٌ، أو ما يَجُوزُ أن يَكُونَ خَطَأَ،
وإظهارُهُ عُذْرَهُ في ذلك، حتى يُعلَمَ بِعُذرِهِ.
] العاشرةُ: قد اختَلَفَ بَيانُ عُذرِهِ الذي اعتَذَرَهُ في طُرُقِ الحديثِ؛ ففي
هذا الحديثِ، أنه قال: ((كُنت أعمَلُ في نَخلِ، وخِفت على الماءِ)). وفي الحديثِ
الذي يَلِيهِ (٧)، أنه قال: ((إنَّما نَحنُ أصحابُ(٨) نَواضِحَ، نَعمَلُ بأيدِينا)). وفي روايةٍ
لِلْبُخَارِيِّ(٩) من روايةٍ مُحارِبٍ بنِ دِثَارٍ، عن جابرٍ: أنه كان مع الرَّجُلِ ناضِحانٍ،
وقد جنح اللَّيلُ، فَوافَقَ مُعاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ ناضِحَيهِ وأقبَلَ إلى مُعاذٍ. الحديثَ.
وفي روايةٍ لأحمدَ(١٠) من حديثِ الرَّجُلِ، صَاحِبِ الواقِعَةِ: ((إنَّ مُعاذَ بنَ
(١)
في الأصل: ((فقد)).
(٢) مسلم (١٧٨/٤٦٥).
(٤) في (ح): ((الرواية)).
(٥)
في (ك): ((تفرد)).
(٦) مسلم (١٧٩/٤٦٥).
(٧)
مسلم (٤٦٥ /١٧٩).
(٨) ليست في: الأصل.
البخاري (٧٠٥).
(٩)
(١٠) المسند (٧٤/٥).
(٣)
معرفة السنن (٣٩٢/٢).

٢٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
جَبَلٍ يأتينا بعد ما نَنامُ، ونَكُونُ في أعمالِنا بالنَّهارِ، فَيُنادِي (١) بالصلاةِ، فَتَخْرُجُ
إليهُ (٢)، فَيُطَوِّلُ علينا)). الحديثَ. ولا مُنافاةَ في شَيءٍ من ذلك، ولا يَلزَمُ من
كَونِهِم أصحابَ نَواضِحَ ألَّا يَكُونَ معهُ(٣) ناضِحانِ حينئذٍ، ولا يَلزَمُ من ذِكرِ هذينِ
ألَّا يَكُونَ خَافَ على الماءِ.
وقَولُهُ في الحديثِ الآخَرِ: ((أنه يأتيهِم بعد ما يَنامُونَ)). لَعلهُ أرادَ في بَعضٍ
اللَّيَالِي، غَيرِ تِلكَ اللَّيلَةِ التي جاءَ فيها بالناضِحَينِ، أو أرادَ بعد ما يَدخُلُ وقتُ
نَومِهِم، أو بعد أن نامَ غَيرُ صَاحِبِ الواقِعَةِ، أو يَكُونُ ذلك واقِعَتَينٍ، كما سيأتي
في آخَرِ البابِ.
■ الحاديةَ عشرَ: هذا الرَّجُلُ المُبهَمُ في حديثٍ بُرَيدَةَ، وحديثٍ جابرٍ:
اسمُهُ سُلَيمٌ (٤)، وقد جاءَ مُبَيَّنًا في (مُسنَدِ أحمدَ»(٥)؛ من روايةٍ مُعاذٍ بنِ رِفَاعَةَ
الأنصَارِيِّ، عن رَجُلٍ من بَنِي سُلَيم (٦)، يُقَالُ له: سُلَيْمٌ، أَتَى رسولَ اللهِ بَّهِ، فقال:
((يا رسولَ الله، إنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ يَأتينا بعد ما نَنامُ، ونَكُونُ في أعمالِنا بالنَّهارِ))،
الحدیثَ.
وقِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ المذكُورَ اسمُهُ: حَزمُ بنُ أبي كَعبٍ؛ فقد رواهُ أَبُو دَاوُد(٧)
من روايةٍ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ جابرٍ، عن حَزمٍ بنِ أبي كَعبٍ: «أنه أتَى مُعاذًا، وهو
يُصَلِّ بِقَوم صلاةَ المغرِبِ)). في هذا الخَبَرِ، والظَّاهِرُ: أنهما واقِعَتَانٍ، كما
ذَكَرنا، واللهُ أعلمُ.
[وروايةُ أبي داودَ هذه، فيها طَالِبُ بنُ حَبِيبٍ، قال البخاريُّ: فيه نَظَرٌّ(٨).
انتَھَی.
(١) في الأصل: ((فنادى)).
(٣) في (ك): ((فقد)).
(٤) ينظر: التاريخ الكبير (١١٠/٣)، والأسماء المبهمة للخطيب (ص١١٧)، وغوامض
الأسماء المبهمة لابن بشكوال (ص٣١٨).
(٥) المسند (٧٤/٥).
(٧) أبو داود (٧٩١).
(٢) ليس في: (م).
(٦) في المسند: ((من بني سلمة)).
(٨) التاريخ الكبير (٣٦٠/٤).

بابُ القراءة في الصلاةِ
٢٢٥
وطَرِيقُ أحمدَ، في كَونِهِ (١) اسمُهُ سُلَيْمٌ: أصَحُّ، واللهُ أعلمُ](٢).
وقال النَّووِيُّ في ((الخُلاصَةِ))(٣): قِيلَ: إنه حَرامٌ (٤) بالراءِ(٥). وقِيلَ:
حازٌ(٦).
الثانيةَ عَشرَ: في حديثٍ بُرَيدَةَ، وحديثِ جابرٍ بعدهُ(٧): أنَّ (٢٧٥/٢م)
الصلاةَ التي طَوَّلَ فيها مُعاذٌ، هي العشاءُ، ووقَعَ في ((سُنَنِ النَّسائِيّ)) (٨): من
روايةٍ مُحارِبٍ بنِ دِثَارٍ، عن جابرٍ، قال: ((مَرَّ رَجُلٌ من الأنصَارِ بِناضِحَينِ على
مُعاذٍ، وهو يُصَلَّ المغرِبَ، فافتَتَحَ سُورَةَ(٩) البَقَرَةِ، فَصَلَّى الرَّجُلُ ثم ذَهَبَ))
الحدیثَ.
هكذا في روايةِ النَّسَائِيِّ، وبَوبَ عليهِ: القِراءَةَ في المغرِبِ.
ورواهُ البَيهَقِيُّ (١٠) هكذا، ثم قال: كَذا قال مُحارِبُ بنُ دِثَارٍ، عن جابرٍ :
((المغرِبُ)). قال: وقال عمرُو بنُ دِينارٍ، وأبُو الزُّبَيرِ، وعُبَيْدُ الله بنُ مِقسَمٍ، عن
جابرٍ: ((العشاء)). ثم رواهُ من حديثٍ حَزمٍ بنِ أبي كَعبٍ، وقال فيه: ((المغرِبُ)).
ثم قال: والرِّواياتُ المُتَقدمَةُ في العشاءِ أَصَحُّ، والله تعالى أعلمُ.
وروايةُ مُحارِبٍ بنِ دِثَارٍ (١١) عند البُخَارِيِّ(١٢)، كما تَقدمَ، فَلم يَذكُر فيها
المغرِبَ، ولا العشاءَ، وإنَّما قال: ((فَوافَقَ مُعاذًا يُصَلِّي)). وروايةُ النَّسَائِيِّ هذه:
وهمٌّ من بَعضِ رُواةِ الحديثِ، فإنَّها شاذَّةٌ، مُخَالِفَةٌ لِيَقِيَّةِ الظُّرُقِ الصحِيحَةِ.
في الأصل: ((كون)).
(١)
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٣) الخلاصة (٦٨٦/٢).
(٥) خال أنس بن مالك، وهو في مسند أحمد (١٠١/٣).
(٦) في (م)، والخلاصة: ((خازم)). وقال في حاشية (ت): ((رواية حرام صحيحة: أخرجها
أحمد (١٠١/٣، ١٢٤)، عن إسماعيل، عن عبد العزيز بن صهيب. ورواية حازم
ضعيفة: أخرجها أبو موسى في ((الذيل))، من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن
جابر)).
(٧) ليس في: (ك).
(٩) في الأصل، (م): ((بسورة)).
(٨) النسائي (٩٨٣)، وفي الكبرى (١٠٥٦).
(١٠) سنن البيهقي (١١٦/٣، ١١٧).
(١١) بعده في (م): ((عن جابٍ: ((المغْرِبُ))). (١٢) صحيح البخاري (٧٠٥).
(٤) بعدها في (ك): ((وقيل)).

٢٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وفي روايةِ البُخَارِيِّ، في روايةِ مُحارِبٍ هذه: ((أنه مَرَّ، وقد جَنَحَ اللَّيلُ)).
والمشهورُ عند أهلِ [١٣٢/١ظ] اللُّغَةِ: أنَّ جُنحَ اللَّيلِ أولُهُ، وقِيلَ: قِطعَةٌ منه(١)،
نِصفُ النِّصِفِ، حَكَاهُمَا صَاحِبُ ((النِّهَايَةِ))، قال: والأولُ أَشبَهُ(٢).
■ الثالثةَ عشرَ: في حديثٍ بُرَيدَةَ هذا: ((أنَّ مُعاذًا قرَأ: باقتَرَبَتِ
الساعَةُ)). وفي حديثِ جابرٍ الذي بعدهُ: ((أنه قرَأ البَقَرَةَ)). وهو المشهورُ في أكثَرِ
الرواياتِ، ولِلبُخَارِيِّ من روايةٍ مُحارِبٍ، عن جابرٍ: ((فقرَأْ بسورَةِ البَقَرَةِ، أو
النِّساءِ».
والجمعُ بَينَ هذه الرواياتِ: أنَّ روايةَ البُخَارِيِّ، التي قال فيها: ((أو
النِّساءِ)). شَكٌّ من بَعضِ الرُّواةِ، وقد جَزَمَ أكثرهم (٣): بأنَّها البَقَرَةُ، فَوجَبَ المِصِيرُ
إلى قَولِهِم؛ لأنهم حَفِظُوا ما شَكَّ فيه مَن شَكَّ.
وأما روايةُ: ((اقتَرَبَت)). فإن أمكَنَ الجمعُ بِكَونِهِما (٤) واقِعَتَينِ، كما ذَكَرناهُ
في آخِرِ البابِ، فَلا تَعارُضَ، وإن تَعَذَّرَ الجمعُ بِذلك، على ما سَيأتي في الفائِدَةِ
التي تَلِي هذه، وجَبَ العَمَلُ بالأرجَحِ، ولا شَكَّ أنَّ روايةَ جابرٍ أصَحُ(٥) لِكَثرَةٍ
طُرُقِها، ولِكَونِها اتَّفَقَ عليها الشَّيخَانِ، فهي أولَى بالقَبُولِ من روايةٍ بُرَيدَةَ، واللهُ
تعالى أعلمُ.
الرابعةَ عشرَ: قد يُستَشكّلُ ما ذَكَرناهُ في الجمعِ بَينَ حديثٍ بُرَيدَةً،
وجابرٍ لِكَونِهِما (٦) واقِعَتَينٍ، من حَيثُ إنه لا يُظَنُّ بِمُعاذٍ رَضِيَ الله تعالى عنهُ، أن
يأمُرَهُ النَّبِيُّ وَّهِ بِالتَّخفيفِ، وقِراءَةِ ما سَمَّى له من السُّورِ في واقِعَةٍ، ثم يَصنَعُ ذلك
مَرَّةً أُخرَى: فَهذا بَعِيدٌ عن مُعاذٍ(٧) .
وقد يُجابُ: بأنَّ الواقِعَةَ الأولى كان قرَأ فيها البَقَرَةَ، كما في حديثِ جابٍ،
ولِهِذا تَغَيَّظَ عليهِ النَّبِيُّ وَّهَ، وقال له: ((أَفَتَّانٌ أنتَ؟!)). فَنَهَاهُ النَّبِيُّ وَّر عن ذلك،
(١) في (ك): ((من)).
(٣) في الأصل، (م): ((بعضهم)).
(٥)
ليس في: الأصل.
(٧) قد استشكله النووي في الخلاصة (٦٨٦/٢).
(٢) النهاية (٣٠٥/١).
(٤) ليس في: (ح).
(٦) في (ح): ((بكونهما)).

بابُ القراءةِ في الصلاةِ
كمـ
٢٢٧
=
وأمَرَهُ(١) بِما سَمَّى له من السُّورِ، وهي (٢) من المُفَصَّلِ، وإن كانت من أوسَاطِهِ:
فَلَعلهُ ظَنَّ أنه لا حَرَجَ في قِراءَةِ ما شاءَ من المُفَصَّلِ، وإنَّما سَمَّى له غَيرَ طِوالٍ
المُفَصَّلِ، لِيَكُونَ أبلَغَ في تَخفيفه(٣)، فاتَّفَقَ أنه صَلَّى مَرَّةً أُخرَى: باقتَرَبَت، وهي
من المُفَصَّلِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أمَرَهُ أيضًا بأوسَاطِهِ فَأَتَمَرَ (٤).
ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ نَهِيُّهُ له عن قِراءَةِ البَقَرَةِ في الإمامَةِ، لما كان في أولٍ
الهِجْرَةِ، وأنه يَخشَى(٥) من تَنفيرِ بَعضٍ مَن دَخَلَ في الإسلام، فإنَّ سُلَيْمًا صَاحِبَ
الواقِعَةِ قُتِلَ بأحُدٍ، كما وقَعَ في ((مُسنَدِ أحمدَ))(٦)، وطال عَهدُ الناسِ بالإسلامِ،
ووقَرَ في نُفُوسِهِم، وشاهَدَ مُعاذٍ من صلاةِ النبيِّ وَّوَ التَّطوِيلَ(٧) في بَعضٍ
الأحيانِ، حتى في المغرِبِ فقرَأ فيها بِطِوالِ المُفَصَّلِ: كالظُّورِ، بل قرَأ فيها
بالأعرافِ، كما في ((الصحِيح)) (٨): ظَنَّ مُعاذٍ زَوال ما كان يَخشَى من التَّطوِيلِ،
فَعَدَلَ إلى التَّوسُطِ، فَوَافَقَ صَاحِبَ شُغلٍ أيضًا، فَنَهاهُ ثَانِيًا .
ويُحتَمَلُ: أنَّ مُعاذًا في المرَّةِ الثانيةِ عَرَفَ من قَومِهِ إِيثَارَ التَّطوِيلِ، فَلِذلك
قَرَأْ ((باقتَرَبَت)). فَصَادَفَهُ صَاحِبُ شُغلٍ فَتَهَاهُ ثَانِيًا، واللهُ أعلمُ.
وقال النَّوِيُّ في ((الخُلاصَةِ))(٩): ولعلهُ قرَأ البَقَرَةَ في رَكعَةٍ، فانصَرَفَ رَجُلٌ،
وقرَأ اقتَرَبَت في رَكَعَةٍ أُخرَى: فانصَرَفَ آخَرُ.
(١) في الأصل: ((وأمر)).
(٢)
في (ك): ((وهو)).
(٣)
في (م): ((تحقيقه)).
(٤)
في الأصل: ((فاستمر)).
(٥)
في (ك): ((خشي)).
المسند (٧٤/٥).
(٦)
ليس في: (ح).
(٧)
البخاري (٧٦٤، ٧٦٥).
(٨)
(٩) الخلاصة (٦٨٦/٢).

٢٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثَّالِثُ
عن جابرٍ، قال: ((كان مُعاذٌ يُصَلِّي مع رسولِ الله وََّ، ثم يَرجِعُ فَيَؤُمُّنا،
وقال مَرَّةً: ثم يُرجِعُ فَيُصَلِّي بِقَومِهِ، فَأَخَّرَ النَّبِيُّ بَّهِ لَيلَةً، قال مَرَّةً: الصلاةَ،
وقال مَرَّةً: العشاءَ، فَصَلَّى مُعاذٌ مع النبيِّ بَّهِ، ثم جاءَ يَؤُمُّ قَومَهُ، فقرأ البَقَرَةَ،
فاعتَزَلَ رَجُلٌ من القَومِ فَصَلَّى، فَقِيلَ: نَافَقتَ يا فُلانُ! قال: ما نافَقتُ. فأتى
النبيَّ وَّه، فقال: إنَّ مُعاذًا يُصَلِّي (٢٧٧/٢م) معك، ثم يرجِع فَيَؤُمُّنا
يا رسولَ الله، وإنَّما نَحنُ أصحابُ نَواضِحَ، نَعمَلُ بأيدينا، وأنه جاءَ يَؤُمُّنا
فقرأْ سُورَةَ البَقَرَةِ، فقال: ((يا مُعاذُ أفَتَّنٌ أنتَ؟ أفَتَانٌ أنتَ؟ اقرأ بِكَذا، وكذا».
ثم ذَكَرَ: قَولَ أبي الزُّبَيرِ، وقَولَ عَمرٍو: أراهُ قد ذَكَرَهُ.
وفيه فوائد:
■ الأولى: فيه حُجَّةٌ لِلشافِعِيِّ، وأحمدَ (١): أنه تَصِحُ(٢) صلاةُ المُفتَرِضِ
خَلفَ المُتَنَفِّلِ، كما تَصِحُ صلاةُ المُتَنَفِّلِ خَلفَ المُفتَرِضِ؛ لأنَّ مُعاذًا كان قد سَقَطَ
فَرِضُهُ بِصلاتِهِ مع النبيِّ وَّةِ، فَكانت صلاتُهُ بِقَومِهِ نافِلَةً، وهُم مُفتَرِضُونَ، وقد
[١٣٣/١و] وَرَدَ التَّصْرِيحُ بذلك في روايةِ الشافِعِيِّ(٣)، والبَيهَقِيِّ(٤): ((هي له تَطَوٌُّ،
ولهم(٥) مَكتُوبَةٌ العشاءُ)).
قال الشافِعِيُّ في ((الأُمّ»: وهذه الزِّيادَةُ صَحِيحَةٌ، وهكذا(٦) في ((مُسنَدِ
الشافِعِيِّ))(٧)، وصَحَّحَها: البَيهَقِيُّ أيضًا، وغَيرُهُ(٨).
(١) قال في حاشية (ت): ((قال ابن الجوزي: المشهور عن أحمد أنه لا يصح)). انتهى.
هما روايتان عن أحمد. ينظر: المغني (٥٢/٢)، والزركشي على الخرقي (٢٠٢/١).
(٣) ليس في: (ك).
(٢) في (ك): ((يصح)).
(٤) الأم (١٧٣/١)، سنن البيهقي (٣٦٥/٢)، معرفة السنن (١٥٣/٤).
(٥) في الأصل: ((ولكم)) !.
(٧) مسند الشافعي (٣٠٥).
(٦) في الأصل، (م): ((وكذا)).
(٨) ينظر: نصب الراية (٥٣/٢)، والبدر المنير (٤٧٦/٤)، والتلخيص الحبير (١٠١/٢).

٢٢٩
بابُ القراءةِ في الصلاةِ
وخَالفَ في ذلك رَبِيعَةُ، ومالِكٌ، وأَبُو حَنِيفَةَ، فقالوا: لا تَصِحُّ صلاةٌ
المُفتَرِضِ خَلفَ المُتَنَفِّلِ (١)؛ لِقَولِهِ وََّ: ((إنَّما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فَلا تَخَلِفُوا
عليهٍ)(٢). وأجابَ عنهُ القَائِلُونَ بالصِّحَّةِ: بأنَّ المُرادَ الاختِلافُ في الأفعالِ
الظَّاهِرَةِ، لا في النِّياتِ، فإنَّ ذلك لا يَخْتَلِفُ به تَرتيبُ الصلاةِ(٣).
وأيضًا: فإنَّ النبيَّ نَّهِ بَيَّنَ (٤) مُرادَ الحديثِ بِقَولِهِ (٥ في بَقِيَّتِه٥ِ): ((فإذا كَبَّرَ
فَكَبِّرُوا، وإذا رَكَعَ فاركَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنا ولك
الحمدُ، وإذا سَجَدَ فاسجُدُوا، وإذا صَلَّى جالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجمَعُونَ)).
فَهذا المُرادُ بِقَولِهِ: ((لا تَختَلِفُوا عليهِ)). ومع هذا فقد نَسَخَ بعضَ وُجُوهِ
المُخَالفَةِ المذكُورَةِ في هذا الحديثِ، بِصلاتِهِ (٢٧٨/٢م) بَِّ فِي مَرَضٍ مَوتِهِ
جالِسًا، والناسُ وراءَهُ قِيامٌ. واللهُ أعلمُ.
■ الثانيةُ: أجابَ المُخَالِفُونَ لِقِصَّةٍ مُعاذٍ بأجوِيَةٍ :
فمنها: أنه كان يُصَلِّ مع النبيِّ نَّهِ بعضَ الصلواتِ المكتُوبَةِ، ثم يَرجِعُ إلى
قَومِهِ، فَيَؤُمُّهُم في صلاةٍ أُخرَى بعد ذلك.
وهذا عِيٍّ من القَولِ، وتَرُدُّهُ(٦) الروايةُ المذكُورَةُ في آخَرِ البابِ، من عِندِ
مسلم: ((فَيُصَلِّي بهم تِلكَ الصلاةَ))(٧).
ومنها: أنَّ مُعاذًا كانت صلاتُهُ مع النبيِّ وَِّ نافِلَةً، وكانت صلاتُهُ بِقَومِهِ(٨)
هي الفريضَةُ.
قال ((صَاحِبُ المُفهِم)) (٩): وليسَ هذا الاحتمالُ بأولَى مِما صَارُوا إليهِ،
(١) ينظر: الهداية شرح البداية (٥٨/١)، الذخيرة (٢٤٢/٢ - ٢٤٣).
(٢) البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٨٦١)، عن أبي هريرة.
(٣) ينظر: إحكام الأحكام ص (١٤٠)، ومسلم بشرح النووي (٤/ ١٣٤).
(٤) في (ح): ((عيَّن)).
(٥ - ٥) في الأصل: ((في نفسه)). وليس في: (ح).
(٦) في الأصل: ((يرد)). وفي (ح): ((يرده)). (٧) صحيح مسلم (١٨٠/٤٦٥).
(٨) في (ك): (مع قومه)).
(٩) المفهم (٧٦/٢).

=
٢٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
فَلَحِقَ(١) بالمُجمَلاتِ، فَلا يَكُونُ فيه حُجَّةٌ، ثم استَدَلَّ بِما في ((مُسنَدِ البَزَّارِ))(٢):
عن عَمرِو بنِ يَحيّى المازِنِيِّ، عن مُعاذٍ بنِ رِفَاعَةَ، عن رَجُلٍ من بَنِي سُلَيمٍ (٣)،
يُقَالُ له: سُلَيمٌ(٤): أنه أتَى النبيَّ ◌َِّ، فقال: يا رسولَ الله، إنا نَظَلَّ في أعمَّالِنا،
فَنأْتِي حِينَ نُمسِي، فَيَأْتِي مُعاذٌ فَيُطَوِّلُ علينا. فقال رسولُ الهِ نَّهِ: ((يا مُعاذُ، لا تَكُنْ
فَتَّانًا، إما أن تُخَفِّفَ بِقَومِك، أو تَجعل(٥) صلاتَك مَعِي)). قال: وظَاهِرُ هذا يَدُلُّ (٦)
أنه كان يُصَلِّي الفريضَةَ مع قَومِهِ. انتَهَى.
وقد قدمنا أنَّ هذا الحديثَ؛ رواهُ أحمَدُ في ((مُسنَدِهِ))(٧)، وقال فيه: ((إما أن
تُصَلِّيَ مَعِي، وإما أن تُخَفِّفَ على قَومِكَ)).
والجوابُ: أنه لا يُظَنُّ بِمُعاذٍ أنه يَترُكُ فَضِيلَةَ صلاةِ الفرضِ مع النبيِّ ◌َِّ،
لو لم يَقَعِ نَهِيٌّ من النبيِّ وَّهِ عن ذلك، فَكَيفَ، وقد قال في الحديثِ الصحِيحِ:
((إذا أُقِيمَت الصلاةُ: فَلا صلاةَ إلا المكتُوبَةَ)) (٨)؟ فَلم يَكُن مُعاذٍ لِيُخَالِفَ أمرَهُ،
(٢٧٩/٢م) ويُصَلِّي نافِلَةً بعد إِقَامَةِ الصلاةِ، والله تعالى أعلمُ.
وأما هذا الحديثُ الذي عند أحمدَ، والبَزَّارِ فَمُرادُهُ: إما أن تُصَلِّيَ مَعِي
مُقْتَصِرًا على ذلك ولا تَؤُمَّ قَومَكَ، وكَذا قَولُهُ: ((أو تَجعل صلاتَك مَعِي)). [وهذا
هو المُرادُ، وإلا فهو كان يُصَلِّي معهُ، فَتَعَيَّنَ أن يَكُونَ المُرادُ: تَقتَصِرُ على
صلاتِك مَعِي](٩)، ولَيسَ فيه كَونُ الفرضِ هي التي كانت مع قَومِهِ.
وإذا كان (١٠) هذا مُحتَمِلًا لِلتَّأوِيلِ، وقَولُ جابرٍ: ((هي له تَطَوٌُّ)). لا يَحْتَمِلُ
في (ح): ((فیلحق)).
(١)
(٢) الحديث ليس عند البزار من هذا الوجه، وقد أخرجه الطحاوي في شرح المعاني
(٤٠٩/١)، والطبراني ٦٧/٧ (٦٣٩١). وينظر: مجمع الزوائد (٧٢/٢).
(٣) في مصادر التخريج: ((بني سلمة)).
(٤) في المفهم: ((سلم)). وهو تصحيف. وينظر: فتح الباري (١٩٤/٢).
(٥)
في الأصل: ((تحول)).
(٦) لیس في ح.
(٧) في الفائدة الحادية عشر، من شرح الحديث الثاني من هذا الباب، وهو في المسند
(٧٤/٥).
(٨) مسلم (١٥٩١) عن أبي هريرة.
(١٠) ليس في: (ك).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.

بابُ القراءة في الصلاةِ
٢٣١
التَّأْوِيلَ، وجابِرٌ مِمَّن كان يُصَلِّ مع مُعاذٍ، فَوجَبَ المِصِيرُ إليهِ.
وقد اعتَرَضَ الطَّحاوِيُّ(١) على هذه الروايةِ، بِما حاصِلُهُ: أنَّ ابنَ عُيَينَةَ لم
يَذكُرِها، وذَكَرَها ابنُ جُرَيج، فَيَحتَمِلُ أن تَكُونَ من قَولِهِ، أو قَولِ مَن رَوى
عنهُ(٢)، أو قَولِ جابٍ .
والجوابُ: أنا لا نَحْكُمَ عليها بأنَّها مُدرَجَةٌ(٣) بالاحتمالِ، وإذا كانت مُتَّصِلَةً
بالحديثِ فهي من كَلامِ الذي رَوى القِصَّةَ، وهو جابِرٌ، وهو مِمَّن حَضَرَ الصلاةَ
مع مُعاذٍ، فهو أعلم بِها، فَوجَبَ المصِيرُ إليهِ، واللهُ أعلمُ.
ومنها: أنَّ الاحتِجاجَ بِقِصَّةِ مُعاذٍ: إنَّما هو من تَركِ إنكارِ النبيِّ وَِّ ذلك،
ولَعلهُ لم يَكُن عَلِمَ بِها .
والجوابُ: [١٣٣/١ظ] أنه يَبعُدُ، بَل يَمتَنِعُ عادَةً أن يَتَرافَعُوا فِي قِصَّةٍ (٤) إلى
النبيِّي ◌َّهَ، ولا يَطَّلِعُ(٥) عليها(٦).
ومنها: أنَّ حديثَ: ((فَلا تَخَلِفُوا عليهِ)). ناسِخٌ لِقِصَّةٍ مُعاذٍ؛ لأنَّها كانت قَبلَ
أُحُدٍ، بِدَلِيلِ أنَّ صَاحِبَ الواقِعَةِ مع مُعاذٍ قُتِلَ شَهِيدًا بأحُدٍ، كما (٧) رواهُ أحمَدُ (٨)
في (مُسنَدِهِ))(٩)، وحديثُ النَّهي عن الاختِلافِ رواهُ أبو هريرةَ(١٠)، وإنَّما أسلم
بعد خَيْبَرَ(١١) .
والجوابُ: أنه لا يُصَارُ إلى النَّسخِ مع إمكانِ الجمعِ، فَحَمْلُ النَّهىِ على
الاختِلافِ في الأفعالِ، الظَّاهِرَةِ(١٢) فيه إعمالٌ لِلحديثَينِ، فهو أولَى من المصِيرِ
شرح المعاني (٤٠٩/١).
(١)
(٣) في (ك): ((مرجوحة)).
(٥)
في (ك): ((تطلع)).
ينظر: إحكام الأحكام (ص١٩٦)، شرح أبي داود للعيني (١٠٥/٣).
(٦)
(٧)
ليس في: (ك).
(٩) المسند (٣٠٢/٣).
(٢) يعني: عمرو بن دينار.
(٤) في (ك): ((قصته)).
(٨) ليس في: (ك).
(١٠) البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٨٦١).
(١١) في (ك): ((حنين)). وينظر: طبقات ابن سعد (٣٦٢/٢)، الاستيعاب (١٧٦٨/٤)، السير
(٥٧٨/٢)، الإصابة (١٢ /٦٣).
(١٢) من (م): ((الظاهرة)).

٢٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
إلى النَّسخِ(١)، واللهُ أعلمُ.
ومنها: أنَّ النبيَّ وَّهِ قد صَلَّى صلاةَ الخَوفِ غَيرَ مَرَّةٍ بعد سنينَ(٢) من
الهِجَرَةِ، على وجهٍ فيه مُخَالفَةٌ ظَاهِرَةٌ بالأفعالِ المُنافيةِ لِلصلاةِ في غَيرِ حالةٍ
الخَوفِ، فَلو جازَت صلاةُ المُفتَرِضِ خَلفَ المُتَنَفِّلِ، لَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ صلاةً(٣)
على وجهٍ لا يَقَعُ فيه مُنافاةٌ، وكان إسلامُ مُعاذٍ مُتَقدمًا على هذا، وفي هذا أيضًا
إشارَةٌ إلى النَّسخِ(٤).
والجوابُ: أنا لا نُسَلِّمُ أنَّ النبيَّ وَه لم يُصَلِّ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صلاةً(٥) مُنفَرِدَةً،
فقد رَوى أبُو دَاوُد، والترمذيُّ، بإسنادٍ حَسَنٍ (٦)؛ من حديث أبي بَكرَةَ، قال:
صَلَّى النَّبِيُّ وَّهِ فِي خَوفٍ الظهرَ، فَصَفَّ بعضَهُم خَلفَهُ، وبعضَهُم بإزَاءِ العَدُوِّ،
فَصَلَّى بهم رَكَعَتَينٍ، ثم سَلم، فانطَلَقَ الذينَ صَلوا معهُ، فَوقَّقُوا(٧) مَوقِفَ أصحابِهِم،
ثم جاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوا خَلفَهُ، فَصَلَّى بهم رَكَعَتَينٍ، ثم سَلم.
ففي هذا التَّصرِيحُ بأنه صَلَّى بهم (٢/ ٢٨٠م) مَرَّتَيْنِ، والظُّرُقُ التي ليسَ فيها
ذكرُ التَّسلِيم في صلاةِ الخَوفِ مَحمُولَةٌ على هذه، فَهذه زِيادَةُ ثِقَةٍ مَقْبُولَةٌ، وإنَّما لم
يُصَلِّهَا النَّبِيُّ ◌ِهِ كَامِلَةً أَرَبَعَ رَكَعاتٍ؛ لأنه يَلزَمُ منه إتمامُ صلاةِ النبيِّ وََّ، ولو أَتَّمَّ
لَتَشَوَّفَ أصحابُهُ إلى الإتمامِ؛ لأنهم كانُوا يَحْرِصُونَ على الاقتِدَاءِ به، كما كانُوا
يَفْعَلُونَ في صِيامِهِ في السَّفَرِ ونَحوِ ذلك، واللهُ أعلمُ.
(١) ينظر: شرح معاني الآثار (٣٦٣/١)، وشرح أبي داود للعيني (١٠٧/٣).
(٢) في (م): ((سنتين)).
(٣) ليس في: (ك).
(٤) ينظر: مسلم بشرح النووي (١٨١/٤)، وفتح الباري (١٩٧/٢).
(٥) من: (ك، ح).
(٦) أبو داود (١٢٤٨)، والحديث لم ينسبه أحدٌ ممن جمع الأطراف إلى الترمذي. ينظر:
تحفة الأشراف (٤١/٩) (١١٦٦٣)، وجامع الأصول (٧٤٨/٥)، ونصب الراية (٥٥/٢)،
والبدر المنير (٨/٥)، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (٤٨٨/٢). وقد نقل المصنف
هذا من عبارة النووي في الخلاصة (٦٩٩/٢).
(٧) في (ك): ((فصفوا)).

بابُ القراءة في الصلاةِ
٢٣٣
=
ورواهُ مُسلِمٌ أيضًا في ((صَحِيحِه)(١): من حديثٍ جابرٍ، في صلاةِ الخَوفِ،
أنه صَلَّى بِكُلِّ طَائِقَةٍ رَكَعَتَينٍ. وفيه: أنه سَلَّم بعد الرَّكعَتَينِ الأولَتِينِ (٢).
■ الثالثةُ: أُبِهِمَ في هذه الروايةِ القَائِلُ له: نافَقتَ. وفي ((صَحِيحٍ
مسلم))(٣): أنَّ مُعاذًا هو الذي قال: إنه (٤) مُنافِقٌ.
ويَحتَمِلُ: أن يُرادَ بالقَائِلِ المُبهَم الذي بَلَّغَهُ عن مُعاذٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنه لم
يُواجِههُ، وفي قَولِهِ: قِيلَ له: نافَقتَ. خِطَابُهُ بِذلك، وهذا الاحتمالُ الثاني أظهَرُ،
بِدَلِيلِ روايةٍ مسلمٍ: فأخبِرَ مُعاذٌ عنهُ، فقال: إنه مُنافِقٌ. فَلما بَلَغَ ذلك الرَّجُلَ،
دَخَلَ على رسولِ اللهِوَّهِ، الحديثَ.
ويُحتَمَلُ: أنَّ قَوله: فَقِيلَ له: نافَقتَ. ليسَ خَبَرًا، وإنَّما هو استِفِهامٌ بِغَيرٍ
هَمزَةِ الاستفهامِ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ قَولُ غَيرٍ مُعاذٍ له(٥)، بِدَلِيلٍ روايةٍ
مسلمِ الأولى: فقالوا له: أنافَقتَ يا فُلانُ؟ قال: لا واللهِ، ولآتينَّ رسولَ اللهِ وَيقوم
فَلأَخِرَنَّهُ، الحديثَ.
وهذا صَرِيحٌ في: أنَّ جَماعَةً اسْتَفْهَمُوهُ بهذا اللَّفِظِ، وكأنهم لما سَمِعُوا قَولَ
مُعاذٍ فيه: إنه مُنافِقٌ. سَألُوهُ عن ذلك مُستَفهِمِينَ، حتى يَنظُرُوا جَوابَهُ، وهذا
أولَى، واللهُ أعلمُ.
■ الرابعةُ: إن قِيلَ: كَيفَ أطلَقَ مُعاذٌ القَولَ في هذا: أنه مُنافِقٌ، ولم يَكُن
كذلك؟
فالجواب: أنه كان من المُقَرَّرِ عندهُم من علاماتِ النفاقِ؛ التَّخَلُّفُ عن
الجماعَةِ في العشاءِ، حتى قال ◌َّهِ: (بَينَنا وبَينَ المُنافِقِينَ، شُهودُ العَتَمَةِ))(٦). فلما
(١) مسلم (٣٠٧/٨٤٠). وليس فيه: أنه سلّم بعد الركعتين الأوليين. وقد نبه على هذا
ابن التركماني في الجوهر النقي (٨٥/٣ - ٨٦).
(٢)
في (م): ((الأوليين)).
(٣) مسلم (١٧٩/٤٦٥).
(٤)
في الأصل: ((له)).
(٥) ليس في: (ح).
(٦) الموطأ (١٣٠/١)، عن ابن المسيب، مرسلًا. وقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/٢٠):
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث وإرساله، ولا يحفظ هذا اللفظ عن النبي والقر =

٢٣٤
22
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وُجِدَت منه (١) أمارَةُ النفاقِ، وهو تَركُ الجماعَةِ فيها، مع كَونِهِ قد حَضَرَ المسجِدَ،
أطلَقَ عليهِ اسمُ النفاقِ، باعتِبارِ أمارَتِهِ (٢) عليهِ، ولم يَكُن مُعاذٌ عَلِمَ (٣) عُذرَهُ في
ذلك، حتى أبدَى الصحابيُّ المذكُورُ لِلنَّبِيِّ وَ﴾ [١٣٤/١ و] عُذْرَهُ في (٤) صلاتِهِ
وحدَهُ، فَعُرِفَ حينئذٍ أنه غَيرُ مُنافِقٍ.
وقال أحمَدُ(٥) في آخَرِ حديثِهِ، قال سُلَيمٌ: سَتَرَونَ(٦) غَدًا إذا التَّقَى القَومُ، إن
شاءَ الله تعالى، قال: والناسُ يَتَجَهَّزُونَ إلى أُحُدٍ، فَخَرَجَ فَكان في الشُّهَدَاءِ. انتَهَى.
فأرادَ سُلَيْمٌ بهذا الكَلامِ عَقِبَ هذا أن يُبَيِّنَ لهم بَراءَتَهُ مِما اتُّهِمَ به من النفاقِ،
بِشَهادَتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ نَّهِ، وفي ((سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ)) (٧): قال الفَتَى: ولَكِن سَيَعلمُ مُعاذٌ
إذا قدمَ القَومُ. وزَادَ في آخِرِهِ (٨): فقال (٢/ ٢٨١م) النَّبِيُّ ◌َّهِ بعد ذلك لِمُعاذٍ: ((ما
فَعل خَصمِي وخَصمُك؟)) قال: يا رسولَ الله، صَدَقَ اللهَ وكَذَبتُ، استُشهِدَ.
■ الخَامِسَةُ: كَيفَ الجمعُ بَيْنَ قِصَّةٍ مُعاذٍ هذه، وبَينَ ما رواهُ أَبُو دَاوُد،
والنَّسَائِيُّ(٩)، بإسنادٍ صَحِيح، عن سُلَيمانَ(١٠)، مَولَى مَيمُونَةَ، قال: أتيت
ابنَ عمرَ، وهُم يُصَلُّونَ، فَقُلتُ: ألا تُصَلِّيَ معهُم، فقال: قد صَلَّيتُ، إنِّي سَمِعت
رسولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لا تُصَلُّوا الصلاةَ فِي يَومٍ مَرَّتَيْنِ)).
[وأجابَ عنهُ النَّووِيُّ في ((الخُلاصَةِ)) (١١)؛ بأن قال: قال أصحابنا وغيرُهُم:
مَعناهُ: لا تَجِبُ الصلاةُ في اليَومِ مَرَّتَينٍ](١٢)، فَلا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ من
استِحبابِ إعادَتِها، قال: وأما ابنُ عمرَ فَلم يُعِدْها؛ لأنه كان صلاها جَماعَةً،
ومَذْهَبُهُ إعادَةُ المُنفَرِدِ كما سَبَقَ عنهُ.
مسندًا، ومعناه محفوظ من وجوه ثابتة.
=
(١) ليس في: (ح).
(٣)
في (ح): ((عرف)).
(٥)
المسند (٧٤/٥).
سنن البيهقي (١١٦/٣).
(٧)
(٩) أبو داود (٥٧٩)، والنسائي (٨٥١).
(١١) الخلاصة (٦٦٨/٢).
(٢) في (ك): ((أماراته)).
(٤) بعدها في الأصل: ((عذره في)).
(٦) في (ك): ((سيرون)).
(٨) في الأصل: ((الآخرة)).
(١٠) في الأصل، (ت، م): ((سلمان)).
(١٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.

بابُ القراءة في الصلاةِ
٢٣٥
وأرادَ بِما سَبَقَ، ما رواهُ مالِكٌ في ((المُوطَّأ)(١) عن نافع، أنَّ رَجُلًا قال
لابنِ عمرَ: إِنِّي أُصَلِّي في بَيْتِي، ثم أُدرِكُ الصلاةَ مع الإمام، أفأُّصَلِّي معهُ؟ قال:
نَعَم. فقال: أيَّتُهُما أجعَلُ صلاتي؟ فقال ابنُ عمرَ: أوَ ذلك إليك، إنَّما ذلك
إلى الله تعالى، يَجعَلُ أيَّتَهُما شاءَ.
فَتَبَيَّنَ(٢) أنَّ ابنَ عمرَ لم يَكُنْ يَرَى تَرِكَ إِعادَةِ الصلاةِ مُطلَقًّا، والأحادِيثُ في
الإعادَةِ أكثَرُ واصَحُّ:
منها: حديثُ البابِ في قِصَّةٍ مُعاٍ.
ومنها: حديثُ أبي ذَرٍّ، عند مسلم(٣): ((كَيفَ أنتَ إذا كانت عليك أُمَراءُ
يُؤَخِّرُونَ الصلاةَ؟» قُلتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قال: ((صَلِّ(٤) الصلاةَ لِوقتِها، فإن أدرَكتها
معهُم فَصَلِّ، فإنَّها لَك نافِلَةٌ)) .
وحديثُ يَزِيدَ بنِ الأسودِ؛ عند أبي داودَ، والترمذيِّ، والنَّسَائِيِّ(٥): ((إذا
صَلَّيتُما في رِحالِكُما، ثم أتَيتُما مَسجِدَ جَماعَةٍ، فَصَلِّيًا معهُم، فإنَّها لَكُما (٦) نافِلَةٌ)).
قال الترمذيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وحديثُ أبي سعيدِ الخُدرِيِّ؛ عند أبي داودَ، والترمذيِّ(٧)، وحَسَّنَهُ: جاءَ
رَجُلٌ، وقد صَلَّى النَّبِيُّ ◌َّهِ، فقال: ((أيُّكُم بأَتَجِرُ(٨) على هذا؟)) فَقَامَ رَجُلٌ معهُ.
وفي روايةِ البَيْهَقِيّ(٩) أنَّ الذي صَلَّى معهُ أبُو بكرٍ .
وحديثُ مِحجَنِ الدِّيلِيِّ في ((المُوطَّ)(١٠)، بإسنادٍ صَحِيحٍ: ((إذا جِئتَ فَصَلِّ
مع الناسِ، وإِن كُنت قد صَلَّیت)).
فَهذه الأحادِيثُ أكثَرُ في إعادَةِ الصلاةِ لِمَصلَحَةٍ، واللهُ تعالى أعلمُ.
الموطأ (١٣٣/١). وينظر: الخلاصة (٦٦٦/٢).
(١)
(٢)
لیست في: (ح).
(٤)
في (ح): ((تصلي)).
أبو داود (٥٧٥)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (١١٢/٢).
في (ك): («لك)) !.
(٦)
(٨) في مصدري التخريج: ((يَتَّجر)).
(١٠) الموطأ (١٣٢/١).
(٣) مسلم (٢٣٨/٦٤٨).
(٥)
(٧) أبو داود (٥٧٤)، والترمذي (٢٢٠).
(٩) سنن البيهقي (٦٩/٣).

٢٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
السادسةُ: وفي قَولِهِ، في روايةِ الشافِعِيِّ(١): ((هي له تَطَوُّعٌ)). دَلِيلٌ
على أنَّ مَن صَلَّى صلاةً واحِدَةً مَرَّتَينٍ، تَكُونُ الفريضَةُ هي الأولى، وهو
الصحِيحُ عند أصحابِنا، ونَصَّ عليهِ الشافِعِيُّ في ((الجدِيدِ))، لِلأحادِيثِ
السَّائِقَةِ(٢) .
وذَهَبَ في ((القديم))(٣): إلى أنَّ الله تعالى يَحتَسِبُ بأيَّتِهِما شاءَ، لأَثَرِ
ابنِ عمرَ، الذي في ((المُوطًّا))، وقد تَقدمَ.
وذَهَبَ بعضُ أصحابِنا إلى أنَّ كِلتَيهِما (٤) فَرضٌ، وقال بعضُهُم: الفرضُ
أكمَلُهُما. وكلاهُما ضعيفٌ، ولم يَقُل أحَدٌ من (٢٨٢/٢م) أصحابنا: إنَّ. الفرضَ
هي الناقِصَةُ، ولا شَكَّ أنَّ صلاةَ مُعاذٍ مع النبيِّ وَِّ أكمَلُ من صلاتِهِ بِقَومِهِ، فَلا
يَتَّجِهُ أن يُقال: إنَّ فَرضَهُ الثانيةُ. هكذا أطلَقَ أصحابُنا هذا الخِلافَ(٥).
وفي هذا الإطلاقِ نَظَرٌ؛ لأنَّ الرَّجُلَ إذا صَلَّى فَرضَ الوقتِ، كَيفَ كان،
جَماعَةً أو مُنفَرِدًا، مُستَجمِعًا لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، ونَوى به الفرضَ، فَكَيفَ يُتَصَورُ أن
يَنْقَلِبَ نَفْلًا بعد تَمامِهِ على الصِّحَّةِ والفرضِيَّةِ، أو كَيفَ يُوصَفُ الثاني بالفريضَةِ
أيضًا، وإنَّما الفرضُ صلاةٌ واحِدَةٌ؟
نَعَم، الخِلافُ له وجهٌ، فيما إذا صَلَّى وفي نِيَّتِهِ أن يُصَلِّيَها مَرَّةً أُخرَى،
كَقِصَّةٍ مُعاذٍ هذه، ويَنْبَغِي أيضًا أن يُعلَّقَ الحُكمُ [١٣٤/١ظ] باعتِبارِ نِيَّتِهِ، فإن لم يَنِ
بالأولى الفرضَ، فالفرضُ هي الثانيةُ قَطعًا، وإن نَوى بالأولى الفرضَ، فَكَيفَ
يُتَصَورُ وُقُوعُ الثانيةِ فَرِضًا، والفرضُ واحِدٌ؟
■ السابعةُ: في قَولِهِ: ((هي له تَطَوُّعٌ)). دَلِيلٌ لِمَن قال: لا يَنْوِي بالثانيةِ
الفرضَ، بَل يَنوِي الظهرَ أو العصرَ مَثَلًا، وهو اختيارُ إمامِ الحَرَمَينِ، وَرَجَّحَهُ
النَّووِيُّ، والذي حَكَاهُ الرافِعِيُّ عن الأكثَرِينَ: أنه يَنوِي الفريضَةَ، مع القَولِ بأنَّ
(١) الأم (١/ ١٧٣).
(٢) ينظر: الأم (١٧٣/١)، ومعرفة السنن (٣٦٣/٢)، وسنن البيهقي (٨٥/٣).
(٤) في (ح): ((كليهما)).
(٣) ينظر: الحاوي (١٩٥/٢).
(٥) ينظر: الشرح الكبير (٢٩٦/٤)، والروضة (٣٤٤/١).

بابٌ القراءة في الصلاةِ
٢٣٧
الفرضَ الأولى (١)، لا جَرَمَ قال إمامُ الحَرَمَينِ: إنَّ هذه هَفوةٌ(٢).
■ الثامنةُ: في قِصَّةٍ مُعاذٍ: أنه لا فَرِقَ في إعادَةِ الصلاةِ بَيْنَ أن تَكُونَ مِما
يُكرَهُ الصلاةُ بعدها، بأن تَكُونَ صُبحًا، أو عَصرًا، أو لا؟ لإطلاقِ جابرٍ: أنه كان
يُصَلِّي مع النبيِّ وَِّ، ثم يَرجِعُ فَيَؤُمُّ قَومَهُ. وهو كذلك.
وفي وجهٍ لأصحابِنا: أنه لا يُعِيدُ العصرَ والصبحَ؛ لأنَّ الإعادَةَ، وإن كانت
مُستَحَبَّةً، فالصلاةُ مَكرُوهَةٌ في هذينِ الوقتَينِ؛ كراهيةَ تَحرِيمٍ، وفي وجهٍ آخَرَ: يُعِيدُ
الظهرَ والعشاءَ، ولا يُعِيدُ بَقِيَّةَ الصلواتِ(٣). وكلاهُما ضعيفٌ.
(١) في (م): ((الأول)).
(٢) ينظر: الوسيط (٣٧٨/١)، والشرح الكبير (٣٠٣/٤)، والمهذب (٩٨/١)، والروضة
(٣٤٤/١).
(٣) ينظر: الشرح الكبير (٢٩٨/٤)، وحلية العلماء (٦٠/٢).

5
٢٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بابُ التَّطبِيقِ في الرُّكُوعِ ونسخِهِ
عن عَلقَمَةَ، والأسودِ، عن عَبدِ الله، قال: ((إذا رَكَعَ أحَدُكُم:
فَليُفرِش ذِراعَيهِ(١) فَخِذَيهِ، وليجنا، ثم طَبَّقَ بَينَ كَفَّيهِ، فَلَكأنّي أَنظُرُ إلى
اخْتِلافِ أصَابِعِ رسولِ اللهِ (٢٨٣/٢م) وَّةِ، ثم (٢) طَبَّقَ بَينَ كَفَّيهِ)). رَواهُ
*(٣)
مُسلِمٌ(٣).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أنَّ الأسودَ ليس من الأسَانِيدِ التي ذكّرتُها في هذا الكِتابِ،
وإنَّما وقَعَ في ((المُسنَدِ))(٤) روايةُ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، عن عَلقَمَةَ، والأسودِ مَعًا،
فذكرتُهُ معه، فهو على هذا مُتَّصِلُ الإسنادِ فيما بيننا وبينه.
وإنَّما ذكرتُه ولم أحذِفْه، لما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحديثِ(٥): أنَّ الحديثَ إذا
كانَ عن رجلينٍ، فلا يَحسُنُ حذفُ أحدِهِما وإبقاءُ الآخَرِ، لاحتِمالٍ أن يكونَ
اللفظُ لأَحَدِهِما وحُمِلَ لفظُ الآخَرِ عليه، ويَجُوزُ على هذا أن يكونَ المحذُوفُ هو
الذي له لفظُ الحديثِ، فالاقتِصَارُ عليه ليس بِجَيِّدٍ، وحَذفُهُ فِي حَالَةٍ كَونِهِما ثِقَتَيْنِ
أقرَبُ وأخَفُّ ضَرَرًا، مما إذا كانَ أحَدُهُما ضَعِيفًا وحُذِفَ الضَّعِيفُ وأُبقِيَ الثِّقَةُ،
فإنه رُبَّما أدَّى إلى أن يُذكَرَ لفظُ الضَّعِيفِ مَعزُوًّا إلى الثَّقَةِ.
وقد أرادَ مُسلِمٌ نَّتُهُ، في كتابه ((الصَّحِيحِ)) الاحترازَ عن هذا، فما أدَّاهُ ذلك
(١) بعده في مسلم: ((على)).
(٣) مسلم (٢٦/٥٣٤).
(٢) في الأصل، (م): ((و)).
(٤) مسند أحمد (٣٧٨/١).
(٥) ينظر: شرح التبصرة للعراقي (١٧٦/١)، والمقنع لابن الملقن (ص٣٩٢)، وتدريب
الراوي (١٢٣/٢).

بابُ التَّطبِيقِ في الزُّكُوعِ ونسخِهِ
٢٣٩
إلى الاحترازِ والاحتياطِ، فيقولُ مثلًا: عن عَمرِو بنِ الحارِثِ، وذكر آخَرَ معه،
ويَكُونُ الذي ذُكِرَ معه، وحَذَفَهُ مُسلِمٌ هُو عبدُ اللهِ بنُ لَهِيعَةَ، فلا يُسَمِّيهِ مُسلِمٌ؛ لأنَّهُ
ليس من شَرطِهِ، ولا يُحِبُّ أن يَقتَصِرَ على الثِّقَةِ، فَيُشِيرُ إلى أنَّ معه آخَرَ، وأكثَرُ
ما يُفيدُ ذلك، عِندَ مَن له اطّلاعٌ على طُرُقِ الحديثِ أن يَتَنَّهَ بذكرِ الآخرِ (٢٨٤/٢م)
مُبهَمًا (١)، على أنَّهُ ابنُ لَهِيعَةَ، فَيَصِيرُ ذلك الحديثُ مَحَلَّ نَظَرٍ؛ لاحتِمالِ أن يكونَ
اللَّفظُ لابنِ لَهِيعَةً، واللهُ أعلمُ.
■ الثانيةُ: في ((غَرِيبه)): قولُهُ: ((فَليُفرِش)). هُو بِضَمِّ الياءِ؛ لأنَّ فِعله
رُباعِيٌّ، لكَونِهِ عَدَّاهُ إلى مَفعُولَينٍ، تقولُ (٢): فَرَشتُ الثَّوبَ أفرُشُهُ، وأفرَشتُ
الضَّيفَ بساطًا (٣). إذا عَدَّيتَهُ إلى اثنَينٍ (٤).
وقَولُهُ: (وليجنا)). هُو بِفَتح(٥) الياءِ، (٦ وبالجِيم والنُّون٦ِ)، مَهُمُوزٌ (٧)؛ على أنَّهُ
ثُلاثِيٌّ، هَكَذا في الأُصُولِ الصَّحِيحَةِ، وضَبَطَهُ بَعضُهُم بِضَمِّ الياءِ، فَجَعَله رُباعِيًّا،
وهُو الميلُ بالرأسِ والإكبابُ، فكأنَّهُ خَشِيَ من التَّقَغُّسِ. وَرَواهُ بَعضُهُم، عِندَ
((مُسلِم))(٨): ((ولِيَحنِ)). بالحاءِ المُهمَلَةِ، غَيرَ مَهُمُوزٍ، من الانحِناءِ، وهُو بِمَعناهُ.
وقَولُهُ: ((ثم طَبَّقَ)). والتَّطِيقُ: هُو أن يَجمَعَ بَيْنَ أصَابِعِ يَدَيهِ، ثم يَجعَلُها بَيْنَ
رُكَبَتَيْهِ في الرُّكُوعِ. وقال ابنُ الأثِيرِ في ((النِّهايَةِ) (٩): في الرُّكُوعِ والتَّشَهُّدِ، وعُلِمَ
أَنَّهُ أدخَله ما بَيْنَ فَخِذَيهِ، كَما ذكرته في بَقِيَّةِ البابِ.
وقَولُهُ في الزِّيادَةِ التي عِندَ «مُسلِمٍ))(١٠): ((ويَخُقُونَها إلى شَرَقِ الموتَى)).
(١)
في (ك): ((منهما)).
(٢) في (ك): ((بقوله)).
(٣)
في (م): ((بسطًا)).
ينظر: النهاية في غريب الحديث (٤٥٣/١)، والصحاح للجوهري (١٠١٤/٣)، وتاج
(٤)
العروس (٢٩٩/١٧).
(٥)
ليس في: (ك).
(٧)
ليس في: (ك).
(٦ - ٦) في (ح): ((والجيم)).
(٨) ينظر: مشارق الأنوار (١٥٧/١)، وإكمال المعلم (٤٥٦/٢)، ومسلم بشرح النووي
(١٦/٥، ١٧).
(٩) النهاية (٤٥٣/١، ٤٥٤).
(١٠) مسلم (٢٦/٥٣٤).

٢٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
هُو مِن خَنَقَ يَخنِقُ ويَخْنُقُ خَنقًا، والمُرادُ: تَضِيقُ وقتِها، ومنهُ خِناقُ
الموتِ(١).
((وشَرَقُ الموتَى)): بِفَتحِ الشِّينِ المُعجَمَةِ والراءِ، واختُلِفَ في مَعناهُ؛ فَقِيلَ:
هُو من شَرَقَ الميِّثُ بِرِيقِهِ، إذا غَصَّ به، فكأنَّهُ شَبَّهَ ما بَقِيَ من وقتِ الصَّلاةِ، بِما
بَقِيَ من حَياةِ مَن شَرَقَ بِرِيقِهِ، وقيل: شَرَقُ (٢٨٥/٢م) الموتَى: هُو أن تَرتَفِعَ
الشَّمسُ عن الحِيطَانِ، فَصَارَت بَينَ القُبُورِ كأنَّها [١٣٥/١و] لُّجَّةٌ، وحُكِيَ ذلك عن
الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ بنِ الحَنَفيةِ (٢)، ويُقالُ: شَرَقَتِ الشَّمسُ شَرَقًا، إذا ضَعُفَ
ضَوءُها(٣).
و((السُّبحَةُ)) بِضَمِّ السِّينِ المُهمَلَةِ، وسُكُونِ الباءِ المُوحَّدَةِ، وبالحاءِ المُهمَلَةِ،
النافِلَةُ، وأصلُ التَّسبِيحِ التَّنزِيهُ والتَّقدِيسُ، وأُطلِقَ على غَيرِهِ من الأذكارِ مَجازًا،
وأُطلِقَ على صَلاةِ التَّطَوُّعِ دُونَ الفَرِيضَةِ(٤).
قال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ))(٥): وإنَّما خُصَّت النافِلَةُ بالسُّبحَةِ، وإن شارَكَتها
الفَرِيضَةُ في مَعنَى التَّسبِيحِ؛ لأن التَّسبِيحَاتِ في الفَرائِضِ نَوافِلُ، فَقِيلَ: لصلاةٍ
النافلةِ سُبحَةٌ؛ لأنَّها نافلةٌ كالتَّسبِيحَاتِ والأذكارِ، في أنَّها غَيرُ واجِبَةٍ. انتَهَى
کَلامُهُ. وفیهِ نَظَرٌ.
■ الثالثةُ: دَلَّت فَتوى ابنِ مَسعُودٍ بالتَّطْبِيقِ بَعدَ النبيِّ وََّ، على أنَّهُ يَجُوزُ
أن يَخفَى على العَالِم، وإن كانَ كَبِيرَ المحَلِّ في العِلمِ، بَعضُ الأحكامِ، من
النَّسخِ ونَحوِها، مما لَّعَله عِندَ غَيرِهِ مِمَّن هُو مِثْلُهُ أو دُونَهُ أو فَوقَهُ في العِلمِ، واللهُ
أعلمُ.
(١) ينظر: العين للخليل (١٥٣/٤)، والصحاح للجوهري (١٤٧٢/٤).
(٢) ينظر: غريب الحديث لابن سلام (٣٢٩/١)، والفائق للزمخشري (٢٣١/١) .
(٣) ينظر: مشارق الأنوار (٢١٠/١)، وإكمال المعلم (٤٥٦/٢، ٤٥٧)، ومسلم بشرح
النووي (١٦/٥).
(٤) ينظر: مسلم بشرح النووي (١٦/٥).
(٥) النهاية (٣٣١/٢)، وهو من كلام الزمخشري في الفائق (١٤٧/٢).