النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ قال ابنُ بطالٍ في (شَرحِهِ))(١): مَعناهُ الرَّدُّ على أبي حَنِيفَةَ في قولهِ: إنَّ المُحدِثَ في صَلاتِهِ يَتَوضَّأُ، ويَبنِي على ما تَقدمَ من صَلاتِهِ، وهو قولُ ابنِ أبي ليلى (٢). وقال مالكٌ، والشَّافِعِيُّ: يَستَأنِفُ الصَّلاةَ ولا يَبنِي، وحُجَّتُهُما هذا الحَدِيثُ، وقولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((لا صَلاةَ إلا بِطُهورٍ)). قال ابنُ القَصَّارِ(٣): ولا يَخلُو في حال انصِرَافَهُ من الصَّلاةِ، وقد أحَدَثَ، أن يَكُونَ مُصَليًا أو غَيرَ مُصَلِّ، فَبطل أن يَكُونَ مُصَليًا؛ لقولهِ: ((لا صَلاةَ إلا بِطَهورٍ)). وهذا غَيرُ مُتَطَهِّرٍ، فَلا يَجُوزُ لهُ البِناءُ، وَكُلُّ حَدَثٍ مَنَعَ ابْتِدَاءَ الصَّلاةِ، مَنَعَ البِناءَ عَليها، يَدُلُّ على ذلك أنه لو سَبَقَهُ المَنِيُّ استَأنَفَ، بالاتِّفَاقِ منا ومنهُم، فإن احتَجُوا بالرُّعَافِ أنه يَبنِي، قِيل: الرُّعَافُ عندنا لا يُنافي حُكمَ الطَّهَارَةِ، والحَدَثُ يُنافيها . قال ابنُ بطالٍ: وهذا الحَدِيثُ أيضًا يَرُدُّ قول(٤) أبي حَنِيفَةَ(٥): إنَّ مَن قَعَدَ في الجَلسَةِ الأخِيرَةِ مِقَدَارَ التَّشَهُّدِ، ثُمَّ أحدَثَ، فَصَلاتُهُ تَامَّةٌ. وقال سَائِرُ العُلماءِ (٦): لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إلا بالسَّلامِ، ولا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ منها بِما يُفسِدُها، إذا عَرَضَ في خِلالها؛ كَالحَجِّ لا يُتَحَللُ منهُ بالجِماعِ؛ لأنه لو ظَرَأ فیه أفسَدَهُ، انتهى. شرح البخاري لابن بطال (٣١١/٨ - ٣١٢). (١) (٢) ينظر: الحجة على أهل المدينة (ص٢٨١)، والمبسوط (٣١٠/١). هو: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن القَصَّار البغدادي، الفقيه المالكي الكبير، (٣) صنف: عيون الأدلة وإيضاح الملة، في الخلافيات، ولي قضاء بغداد، وكان ثقة قليل الحديث، توفي سنة (٣٩٧هـ) طبقات الشيرازي (ص١٦٨)، والديباج المذهب (ص١٩٩)، وشجرة النور الزكية (ص٩٢). (٤) في (ك): ((على)). (٥) ينظر: الآثار لأبي يوسف (ص٣٧)، بدائع الصنائع (١١٣/١). (٦) ينظر: الحاوي (١٤٣/٢)، البيان والتحصيل (٣٢٩/١)، العدة شرح العمدة (٧٣/١). ١٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ (٢/ ٢٢٢م) الحَدِيثُ الثَّانِي(١) وعنهُ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كانت بَنُو إسرَائِيلِ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً؛ يَنظُرُ بَعضُهُم إلى سَوأةٍ بَعضٍ، وكان مُوسَى وَهِ يَغْتَسِلُ وحدَهُ، فَقالُوا: والله ما يَمنَعُ مُوسَى يَغتَسِلُ مَعنا، إلا أنه آدَرُ، قال: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوضَعَ ثَوبَهُ على حَجَرٍ، فَفَزَّ الحَجَرُ بِثَوبه، قال: فَجَمَحَ مُوسَى بأثرِهِ، يَقُولُ: ثَوبِي حَجَرُ، ثَوِيَ حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتِ بَنُو إسرَائِيل إلى سَوأةٍ مُوسَى، وقالُوا: والله ما بِمُوسَى من(٢) بأسٍ، فَقامَ الحَجَرُ بَعدُ، حَتَّى نَظَرَ إليه، فأخَذَ ثَوبَهُ، وطَفِقَ بالحَجَرِ ضَربًا)). فَقال أبو هريرةَ: والله إنَّ بالحَجَرِ نَدَبًّا(٣) سِتَّةً أو سَبعَةً، ضَربَ مُوسَى بِالحَجَرِ(٤). فیه فَوائِدُ: ■ الأُولى: إسرَائِيلُ هو: يَعقُوبُ بنُ إسحاقَ بنِ إبرَاهِيمَ الخَليلِ لَّ، قال في الصِّحاح(٥): يُقالُ: هو مُضَافٌ إلى إيل؛ يَعنِي: وإيلُ: اسمٌ لله (٦) تعالى، وقال (٧) أبو عَليٍّ الفارِسِيُّ: هذا خَطَأُ من (٢٢٤/٢م) وجهَينِ : أحَدُهُما: أنَّ إيل: لا تُعرَفُ في أسماءِ الله تعالى، في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. والثَّانِي: أنه لو كان كذلك، لم يَنصرِف(٨) آخِرُ الاسمِ في وُجُوهِ العَرَبِيَّةِ، ولكان آخِرُهُ مَجرُورًا أَبَدًا؛ كَعَبدِ الله. قال الواحِدِيُّ: هذا الذي قالهُ أبو عَليٍّ أَرَادَ به أنه ليس هذا في العَرَبِيَّةِ، وقد قال بالأول جَماعَةٌ من العُلماءِ. وقال النَّووِيُّ(٩): الصَّوابُ قولُ أبي عَليٍّ، فإن ما ادَّعُوهُ لا أصل لهُ، انتهى. (١) في (ك) بياض بمقدار كلمتين. (٣) في (ح): ((لندبًا)). (٥) الصحاح (٢٣٧٦/٦). (٧) في الأصل، (م): ((قال)). (٩) المجموع (٢٣/٣). (٢) ليس في: (ح). (٤) البخاري (٢٧٨). مسلم (٧٥/٣٣٩). (٦) في (ح): ((الله)). (٨) في (م): ((يتصرف)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٤٣ وقال الأخفَشُ(١): هو يُهمَزُ ولا يُهمَزُ، قال: ويُقالُ في لُغَةٍ (٢): إسرَائينُ بالنُّونِ، كَما قالُوا: جِبِرِينُ، وإسماعِينُ، انتهى. والمُرَادُ: بَنُو إسرَائِيل، الذينَ كَانُوا في زَمَنِ مُوسَى عليه الصلاة والسَّلامُ، واغتِسَالُهُمْ عُرَاةً، يَنظُرُ بَعضُهُم إلى سَوأَةِ بَعضٍ، هَل كان في شَرعِهِم جَوازُهُ، وإن كان الأكمَلُ خِلافَهُ، أو كان في شَرعِهِم مَنعُهُ، كَما هو (٣) في شَرعِنا، وكان فِعلُهُم ذلك من عِصيَانِهِم، ومُخَالفَتِهِم؟ اختُلفَ في ذلك، فَقال القاضِي عِيَاضٌ(٤): فيه أنَّ سَترَ(٥) العَورَةِ لم يَكُن واجِبًا(٦) في شَرع مُوسَى، إذ ذَكَرَ أنه إنَّما فَعَل ذلك؛ يَعنِي: الاغتِسَال وحدَهُ حَيَاءً [١١٧/١ و]، وأنه(٧) لم يُنكِر على قومِهِ ما كَانُوا يَفعَلُونَهُ، وأنَّ الله تعالى أظهَرَ ذلك منهُ لقومِهِ، حَتَّى نَظَرُوا إليه. وقال أبو العَباسِ القُرطُبِيُّ(٨): إنَّما كانت(٩) بَنُو إسرَائِيل تَفْعَلُ هذا (١٠) مُعَانَدَةً للشَّرع، ومُخَالفَةً لمُوسَى، وهو من جُملةِ عُتُوِّهِم، وقِلةِ مُبالاتِهِم، باتّباعِ شَرِعٍ مُوسَى، ألا تَرَى أَنَّ مُوسَى، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، كان يَستَتِرُ عند الغُسل، فَلو كَانُوا أهل تَوفيقٍ وعَقلِ اتَّبَعُوهُ، ثُمَّ لم يكفِهِم (١١) مُخَالفَتُهُم لهُ، حَتَّى آذَوهُ بِما نَسَبُوا إليه من آفَةِ الأُدرَةِ، فَأظهَرَ الله تعالى بَرَاءَتَهُ مِما قالُوا فيه، بِطَرِيقٍ خَارِقٍ للعَادَةِ، زِيَادَةً في أدِلةِ صِدقٍ مُوسَى، ومُبالغَةً في قِيَامِ الحُجَّةِ عليهم، انتهى. وسَبَقَهُ إلى ذلك: ابنُ بطالٍ (١٢)، فَقال: وأما اغتِسَالُ بَنِي(١٣) إسرَائِيل عُرَاةً إعراب القرآن (٢١٧/١). (١) هي لغة بني أسد، ينظر: تفسير الطبري (١٠١/٢١)، والبحر المحيط (٢٧٨/١). (٢) (٣) ليست في: الأصل، (م). (٥) في الأصل: ((سترة)). (٧) ليس في: الأصل. (٩) في الأصل، (م): ((كان)). (١١) في الأصل، (م): ((تكفهم)). (١٢) شرح البخاري لابن بطال (٣٩٣/١، ٣٩٤). (١٣) في الأصل: ((بنوا)). (٤) إكمال المعلم (٣٥٠/٧). (٦) في المطبوع: ((وحيًا)). (٨) المفهم (١٨٩/٦). (١٠) في (ك): ((هكذا)). وفي المفهم: ((ذلك)). ١٤٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَنْظُرُ بَعضُهُم إلى بَعضٍ، فَيَدُلُّ أنهم كَانُوا عُصَاةً لهُ في ذلك، غَيرَ مُقْتَدِينَ بِسُنَّتِهِ، إذا كان هو يَغتَسِلُ، حَيثُ لا يَرَاهُ أحَدٌ، ويَطلُبُ الخَلوةَ، فَكان الواجِبُ عليهم الاقتِدَاءَ به في ذلك، ولو كان اغتِسَالُهُم عُرَاةً في غَيرِ الخَلوةِ، عن عِلمٍ مُوسَى، و(١) إقرَارِهِ لذلك، لم يَلَزَمنا فِعلُهُ؛ لأنَّ في شَرِيعَتِنا الأمرَ بِسَترِ العَورَةِ عن أعيُنٍ الْآدَمِيِّينَ(٢)، وذلك فَرِضٌ عَلينا، انتهى. وأشَارَ قَبل ذلك إلى الاعتِذارِ عن رُؤيَتِهِم مُوسَى بِقولهِ: فيه إياحَةُ النَّظَرِ إلى العَورَةِ عند الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلى ذلك، من مُدَاواةٍ، أو بَرَاءَةٍ مِما رُمِيَ به من العُيُوبِ؛ كَالَبَرَصٍ، وغَيرِهِ من الأدواءِ، التي يَتَحَاكَمُ الناسُ فيها، مِما لا بُدَّ فيها من رُؤيَةِ أهل البَصَرِ بها(٣)، فَلا بأسَ بِرُؤيَةِ العَورَاتِ، للبَرَاءَةِ من ذلك، أو لإثباتِ العُيُوبِ فيه والمُعَالجَةِ، انتهى. وسَبَقَّهُ إلى نَحوِ هذا الكلام الأخِيرِ الخَطَّابي(٤)، فَقال: فيه جَوازُ الاطّلاع على عَورَاتِ البالغِينَ؛ لإقامَةِ حَقِّ واجِبٍ كَالخِتَانِ ونَحوِهِ، انتهى. وما ذَكَرَهُ القاضِي عِيَاضٌ أظهَرُ، ومُجَرَّدُ تَسَتُّرٍ مُوسَى عَّا لا يَدُلُّ على وُجُوبِهِ، لما تَقَرَّرَ في الأُصُول، أنَّ الفِعلِ لا يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ على الوُجُوبِ، وليس في الحَدِيثِ أنَّ مُوسَى أمَرَهُم بالتَّسَتُّرِ، ولا أنكَرَ عليهم التَّكَثُّفَ، وأما إياحَةُ النَّظَرِ للعَورَةِ للبَرَاءَةِ مِما رُمِيَ به من العُيُوبِ، فَذلك إنَّما هو حَيثُ تَرَتَّبَ على العَيبِ حُكُمٌ؛ كَفَسخِ (٥) النِّكَاحِ، ونَحوِهِ. فإذا اذَّعَى أحَدُ الزَّوجَينِ على الآخَرِ عَيْبًا يَفْسَخُ به(٦) في العَورَةِ، جَازَ النَّظَرُ إليه، ليُرَتَّب(٧) عليه الفَسخُ أو مَنعُهُ، وأما قَضِيَّةُ السَّيِّدِ مُوسَى عَهُ، فَليس هُناكَ أمرٌ شَرعِيٌّ مُلزِمٌ يَتَرَتَّبُ على ذلك، فَلولا إباحَةُ النَّظَرِ إلى العَورَةِ، لما مَكَّنَهُم مُوسَى عَُّ من ذلك، ولا خَرَجَ مارًّا على مَجَالسِهِم، وهو كذلك. (١) في (ح): ((أو)). في الأصل، (م): ((بها)). (٣) (٥) في الأصل: ((کنسخ)). (٧) في الأصل: (ليترتب)). (٢) في (ح): ((الناس)). (٤) أعلام الحديث (٣٠٧/١). (٦) ليس في: (ك). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٤٥ = وأما اغتِسَالُهُ هو (١) خَاليًا، فَكان يَأْخُذُ فِي حَقِّ نَفسِهِ بالأكمَل والأفضَل، وَخَرَجَ بين أظهُرِهِم عُرِيَانًا(٢)، لهذه المَصلحَةِ، وهي إظهارُ البَرَاءَةِ(٣) مِما اختَلقُوهُ عليه، مع إباحَةِ ذلك، ويَدُلُّ على إباحَةٍ كَشفِ العَورَةِ في الشَّرِعِ الأول ما وقَعَ لهُ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقتَ بِناءِ الكعبَةِ، من جَعل إزَارِهِ على كَتِفَيهِ، بإشَارَةِ العَباسِ عليه بذلك، لَيَكُونَ أرِفَقَ به في نَقل الحِجَارَةِ (٤)، ولولا إباحَتُهُ لما فَعَلُهُ، لكنهُ أُلزِمَ بالأكمَل والأفضَل، لعُلُوِّ مَرتَتِهِ، واللهُ أعلمُ. ] الثَّانِيَةُ: قولُهُ: ((وكان مُوسَى يَغتَسِلُ وحدَهُ؛ أي: عُرِيَانًا)). فَفيه دَليلٌ على إياحَةٍ كَشفِ العَورَةِ في الخَلوةِ في حالةِ الاغتِسَال، وبه قال الأئِمَّةُ الأَربَعَةُ، وجُمهورُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ؛ وخَالفَهُم ابنُ أبي ليلى، فَذَهَبَ إلى المَنعِ منهُ، واحتَجَّ بِما رُوِيَ أنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، قال: ((لا تَدخُلُوا الماءَ إلَ بِمِئْزَرٍ؛ فإن للماءِ عَامِرًا)). وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: لا يَصِحُّ الاحتِجَاجُ به(٥)، وإن صَحَّ فَهو مَحمُولٌ على الأكمل. وذَكَرَ ابنُ بطالٍ(٦): بإسنادٍ فيه جَهالةٌ: أنَّ ابنَ عَباسٍ لم يَكُن(٧) يَغتَسِلُ في بَحْرٍ ولا نَهرٍ ، إلا وعليه إزَارٌ (٨)؛ فإذا سُئِل عن ذلك؟ قال: إنَّ لهُ عَامِرًا. (٢٢٦/٢م). قال: ورَوى بُردٌ، عن مَكحُولٍ، عن عَطِيَّةَ، عن النَّبِيِّ وَّ، قال: ((مَن [١١٧/١ظ] اغتَسَل بِليلِ في فَضَاءٍ: فَلَيَتَحاذَر (٩) على عَورَتِهِ، ومَن لم يَفعَل ذلك؛ فأصَابَهُ لممّ: فَلا يَلُومَنَّ إلا نَفسَهُ)) (١٠) .. وفي مُرسَلاتِ الزُّهرِيِّ، عن النَّبِّ ◌َِّ، قال: ((لا تَغْتَسِلُوا فِي الصَّحِرَاءِ، إلا (١) ليس في: (م). (٢) ليس في: (ح). (٣) في (ح): ((البراء)). أخرجه البخاري (٣٨٢٩)، ومسلم (٣٤٠) بنحوه. (٤) (٥) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢٦٥٢/٧). (٦) ينظر: شرح البخاري لابن بطال (٣٩٣/١). (٧) ليس في: الأصل. في الأصل: ((فليحاذر)). (١٠) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٣٨٥/١). (٨) في (ك، م): ((إزاره). (٩) ١٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ألّا تَجِدُوا مُتَوارِّى، فإن لم تَجِدُوا مُتَوارِى، فَلَيَخُطّ (١) أحَدُكُمْ كَالدَّائِرَةِ(٢)، ثُمَّ يُسَمِّي الله تعالى، ويَغتَسِلُ فيها))(٣). وفي (مُصَنَّفِ ابنِ أبي شَيبَةَ)) (٤)؛ عن أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ، قال: إنِّي لأغتَسِلُ(٥) في البَيتِ المُظلم، فأحنِي ظَهرِي إذا أخَذَتْ ثَوِي، حَيَاءً من رَبِّي رَ. وعنهُ أيضًا: ما أقَمت صُليِي في غُسلي مُنذُ أسلمتُ. ] الثَّالثَةُ: وجهُ إِيرَادِ المُصَنِّفِ تَُ، لهذا الحَدِيثِ في شُرُوطِ الصَّلاةِ مُوافَقَةُ ابنِ بطالٍ، والقُرطُبِيِّ؛ على أنه كانت شَرِيعَةُ مُوسَىعَهُ وُجُوبَ سَتْرٍ(٦) العَورَةِ فِي سَائِرِ الأحوال، وأنَّ تَكَثُّفَ بَنِي إسرَائِيل حالةَ اغِتِسَالِهِم مُجتَمِعِينَ، إنَّما كان من عُتُوِّهِم وعِصيَانِهِم لَبِّهِم، ومن الأحوال التي أُمِرَ بِسَترِ العَورَةِ فيها حالةٌ الصَّلاةِ، بَل هي أولى الأحوال بذلك، والصَّحِيحُ في الأُصُول أنَّ شَرِعَ مَن قَبلنا شَرِعٌ لنا، ما لم يَرِد ناسِخٌ(٧). وهذه القضية (٨) فيها زِيَادَةٌ على عَدَمِ وُرُودِ ناسِخِ فيها، وهي وُرُودُ هذه الشَّرِيعَةِ بِتَقرِيرِها ومُوافَقَتِها، وإذا ثَبَتَ الأمرُ بِسَترِ العَورَةِ في حالةِ الصَّلاةِ، كان كَشِفُها في حالةِ الصَّلاةِ مَنِهِيًّا عنهُ، تَفرِيعًا على أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ نَهيٌّ عن ضِدِّهِ (٩)، وإذا كان الكشفُ في الصَّلاةِ مَنِهِيًّ عنهُ، فالنَّهيُ يَدُلُّ على الفَسَادِ، إما مُطلقًا، أو في العِبادَاتِ خَاصَّةً، كَما قُرِّرَ في الأُصُول(١٠)، وهذا من النَّهي في العِبادَاتِ؛ فَيَكُونُ دَالَّا على الفَسَادِ. ومتى قامَ الدَّليلُ على فَسَادِ صَلاةٍ مَن صَلى مَكشُوفَ العَورَةِ، دَل ذلك على (١) في الأصل: ((يخد)). (٢) في مصدر التخريج: ((کالدار)). (٣) المراسيل لأبي داود (٤٧٢). (٤) مصنف ابن أبي شيبة (١٠٦/١). (٥) في (ك): ((لا أغتسل)). (٦) في (ك): ((سترة)). (٧) ينظر: الإحكام للآمدي (١٤٥/٤)، والبحر المحيط (٣٤٦/٤). (٨) في (ك، م): ((القِصَّة)). (٩) ينظر: المسودة لآل تيمية (ص٤٩)، والإبهاج (١٨٤/١)، وإرشاد الفحول (٢٦٣/١). (١٠) ينظر: المستصفى (٩٩/٢، ١٠٠)، والمحصول للرازي (٤٨٦/٢). = بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٤٧ أنَّ سَترَ العَورَةِ شَرطٌ في صِحَّةِ الصَّلاةِ، وذلك(١) هو المَقصُودُ بَعدَ ثُبُوتٍ هذه المُقدماتِ، ويَدُلُّ لذلك أيضًا قولُهُ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((لا يَقبَلُ الله صَلاةَ حائِضٍ إلا بِخِمارٍ). رَواهُ أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ وحَسَّنَهُ(٢). والمُرَادُ بالحائِضِ مَن بَلغَت سِنَّ الحَيضِ، ودَلالةُ انتِفاءِ القَبول(٣) على (٤) انتِفاءِ الصِّحَّةِ تَقدمَ تَقرِيرُها في الكلامِ، على الحَدِيثِ الذي قَبلهُ، وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وأحمدَ، وأبي حَنِيفَةً، وجُمهورِ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ، وهو المَشهورُ من مَذهَبِ مالكٍ أيضًا؛ وقال بَعضُ المالكِيَّةِ: هو شَرطٌ مع الذِّكرِ، دُونَ السَّهوِ، وقال بَعضُهُم: هو (٥) واجِبٌ، وليس بِشَرطِ، وقال بَعضُهُم: هو ونَ﴾(٦) سنة قال ابنُ شَاسٍ في ((الجَواهِرِ)) (٧): هَل (٢/ ٢٢٧م) يَجِبُ سَترُ العَورَةِ في الخَلواتِ أو يُندَبُ إليه؛ قولانٍ، فإذا قُلنا: لا يَجِبُ فيها؛ فَهَل يَجِبُ(٨) الصَّلاةِ أو يُندَبُ إلیه؟ ذَكَرَ الشَّيخُ أبو الطَّاهِرِ(٩)، عن أبي الحَسَنِ اللخمِيِّ(١٠)، أنه حَكَى في ذلك قولينٍ، ثُمَّ قال الشَّيخُ أبو الطَّاهِرِ: وليس الأمرُ كَما ظَنَّهُ، وإنَّما المَذهَبُ على قولٍ واحِدٍ في (١١) وُجُوبِ السَّترِ، لكن الخِلافَ في وُجُوبِ الإِعَادَةِ في الوقتِ، أو فيه، وبَعدَهُ، على الخِلافِ في سَتِرِ العَورَةِ، هَل هو شَرطُ صِحَّةِ الصَّلاةِ أم لا؟ (١) في الأصل: ((وهذا)). أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧) وقال الترمذي: حديث حسن. (٢) (٣) في الأصل: ((العقول)). (٤) ليس في: (ك). (٥) ليس في: (ح). ينظر: بداية المجتهد (١١٤/١)، والإفصاح (٩٦/١). (٦) (٧) الجواهر (١١٤/١). (٨) في (ك): ((تجب)). (٩) في (ك): ((طاهر)). (١٠) علي بن المفضل بن علي، أبو الحسن اللخمي، الفقيه المالكي، سكن آخر عمره بمصر، ودرس بالصاحبية، توفي سنة (٦١١هـ). العبر (٣٨/٥)، وشذرات الذهب (٤٧/٥). (١١) ليس في: (ح). ١٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقد ذَكَرَ القاضِي أبو مُحَمَّدٍ: أنَّ القاضِيَينِ أبا إسحاقَ، وابنَ بُكَير، والشَّيخَ أبا بَكرٍ ذَهَبُوا إلى أنَّ السَّترَ من سُنَنِ الصَّلاةِ(١)، وهذا يُعَضِّدُ ما حَكَاهُ أبو الحَسَنِ اللحمِيُّ وتحقّقَهُ(٢)، انتهى. وإذا فَرَّعنا على اشتِرَاطِ سَترِ العَورَةِ في الصَّلاةِ، فَمتى انكَشَفَ منها شَيءٌ، ولو كان يَسِيرًا، بطلت الصَّلاةُ عند مالكٍ، والشَّافِعِيِّ، والأكثَرِينَ، وقال الحَنَفيةُ(٣)، والحَنابِلةُ: لا يَضُرُّ انكِشَافُ شيءٍ يَسِيرٍ من العَورَةِ، وقدرَ الحَنَفيةُ ذلك فيما إذا كان من السَّوأتَينِ بِقدرِ الدِّرهَم، وفيما إذا كان من غَيرِهِما بأقَل من رُبُعِ العَورَةِ، هذا قولُ أبي حَنِيفَةً، ومُحَمَّدٍ . وقال أبو يُوسُفَ: لا إعَادَةَ إن كان أقل من النِّصفِ، وعنهُ في النِّصفِ رِوايَتَانٍ، ولم يُقدر الحَنابِلةُ ذلك، بَل جَعَلُوا الْيَسِيرَ ما لا يَفحُشُ، ومَرجِعُ(٤) [١١٨/١ و] ذلك للعَادَةِ(٥). وأما قدرُ العَورَةِ التي تُستَرُ في الصَّلاةِ من الرَّجُل والمرأةِ، فَهِي مُقَرَّرَةٌ في كُتُبِ الفِقهِ. ■ الزَّابِعَةُ: قولُهُ: ((ما يَمنَعُ مُوسَى يَغتَسِلُ)). كذا رَويناهُ هُنا، بِحَذفِ ((أن)). ورَفِع ((يَغتَسِلُ)). وهو على حَدِّ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الَّهِ تَأْمُرُوِّ أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]. وقد أجَازَ أبو الحَسَنِ الأخفَشُ(٦) حَذفَ ((أن)). ورَفعَ الفِعلِ دُونَ نَصبه، وجَعَل منهُ هذه الآيَةَ، وتَبِعَهُ ابنُ مالكٍ، وجَعَلهُ(٧) قِيَاسًا مُظَرِدًا، ومَثَّل لهُ في ((شَرحِ التَّسهِيل))(٨). بِقولهِ تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ [الروم: ٢٤]. وقال: ﴿يُرِيكُمْ﴾ صِلة لأن، حُذِفَت، وبَقِيَ ((يُرِيكُم)). مَرفُوعًا، وهذا هو القِيَاسُ؛ لأنَّ الحَرفَ عَامِلٌ ضَعِيفٌ، فإذا حُذِفَ بطل عَمَلُهُ. (١) ينظر: التمهيد (٣٧٩/٦)، وشرح البخاري لابن بطال (١٥/٢). (٣) في (ك): ((أبو حنيفة)). (٢) في (م): ((ويحققه)). (٤) في (ك): ((ويرجع)). (٥) في (ح): ((إلى العادة)). ينظر: إعراب القرآن لابن سيده (٢٩٦/٧)، والتحرير والتنوير (١٢٥/٢٤). (٦) (٧) ليس في: (ح). (٨) شرح التسهيل لابن مالك (٢٣٤/١). = بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٤٩ وَذَهَبَ آخَرُونَ(١): إلى أنَّ حَذفَ ((أن)). ولو مع رَفع(٢) الفِعلِ بَعدَها، مَقصُورٌ على السَّماعِ، فَلم يُجَوِّزُوا من ذلك(٣) إلا ما سُمِعَ، كَما في هذا الحَدِيثِ، ويَجُوزُ في مِثل ذلك النَّصبُ أيضًا، بإضمارِ ((أن)). ومنهُ قِرَاءَةُ الحَسَنِ البَصرِيِّ: ((قُل أقَغَيرَ الله تَأْمُرُونِّي أعْبُدَ)» بالنَّصبِ، والصَّحِيحُ: أنه مَقصُورٌ على السَّماعِ، وصَخَّحَهُ ابنُ مالكِ، وذَهَبَ الكُوفيونَ إلى جَوازِهِ قِيَاسًا، فَعلى هذا يَجُوزُ هُنَا(٤) النَّصبُ، وإن لم يُسمَع. وحاصِلُ (٢٢٨/٢م) هذا ثَلاثَةُ مَذاهِبَ؛ أحَدُها: أنَّ الرَّفعَ والنَّصبَ مع حَذفٍ ((أن)) قِيَاسَانِ مُطَرِدَانٍ، والثَّانِي: أنهما مَسمُوعَانٍ، والثَّالثُ: أنَّ الرَّفعَ قِيَاسٌ، والنَّصبَ سَماعٌ، وهو الذي صَحَّحَهُ ابنُ مالكٍ. والحَدِيثُ في الصَّحِيحَينِ بإثباتِ ((أن)). بِلفظِ: ((ما يَمنَعُ مُوسَى أن يَغتَسِل»(٥) . ولا إشكال في ذلك. ■ الخَامِسَةُ: الأُدرَةُ بِضَمِّ الهَمِزَةِ، وإسكَانِ الدَّال المُهمَلةِ: نَفخَةٌ في الخُصيَةِ، يُقالُ: رَجُلٌ آدَرُ، بِمَدِّ الهَمزَةِ، وفَتحِ الدَّال: بيِّن الأدَرِ، بِفَتحِ الهَمزَةِ والدَّال، ذَكَرَهُ في ((الصِّحاحِ)). و((النِّهَابَةِ)). وغَيرِهِما (٦). قال في ((النِّهايَةِ)): وهي التي تُسَمِّيها(٧) الناسُ: القِيلةَ، وقال في ((المُحكَم)): الآدَرُ، والمأدُورُ: الذي يَنفَتِقُ صِفاتُهُ، فَيَقَعُ قَصَبُهُ، ولا يَنفَتِقُ إلا من جَانِبِه الأيسَرِ، وقِيل: هو الذي يُصِيبُهُ فَتَقٌ في إحدَى الخُصيَتَينِ، وقِيل: الخُصيَةُ (١) ينظر: شرح ابن عقيل (٢٤/٤)، والأشموني على الألفية (٣٥٤/١)، والخضري على ابن عقيل (٦٧/٣)، وهمع الهوامع (٣٠٥/١). (٢) في الأصل: ((حذف)). وفي (ك): ((وقع)). (٣) في (ك): ((هذا)). (٤) ليس في: (ح). (٥) البخاري (٣٤٠٤)، مسلم (٣٣٩/ ٧٥). الصحاح (٥٧٧/٢)، والنهاية في غريب الحديث (١٧/١)، وينظر: المحكم لابن سيده (٦) (٣٧٥/٩). (٧) في الأصل. (ح): ((يسميها)). = ١٥٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الأدَرَاءُ: العَظِيمَةُ من غَيرِ فَتْقٍ. وقال الثَّورِيُّ(١): هو عَظِيمُ الخُصيَتَينِ(٢). ■ السَّادِسَةُ: فيه: بَيَانُ عُتُوِّ بَنِي إسرَائِيل واختِلافِهِم، فإنهم أولًا: خَالفُوا نَبِيَّهُم، ولم يَتَّبِعُوهُ فِي طَرِيقَتِهِ، إما التي يَجِبُ اتِّباعُهُ فيها أو يُستَحَبُّ، ثُمَّ لم يَكتَفُوا بذلك حَتَّى لم يَحمِلُوا فِعلُهُ، الذي هو في غَايَةِ الحُسنِ، على مَحمَلٍ حَسَنٍ، وهو التَّمَسُّكُ بالدِّينِ والشَّرعِ ومَحاسِنِ الأخلاقِ، بَل جَعَلُوا سَبَبَهُ نَقصًا في بَدَنِهِ، ثُمَّ لم يَذْكُرُوا ذلك على سَبِيل الاحتِمال، بَل جَزَمُوا به وقَطَعُوا، وأكَّدُوا ذلك بأن أقسَمُوا عليه، وحَصَرُوا الأمرَ فيه، فَلم يَجعَلُوا الحامِلِ لهُ عليه سِواهُ؛ وهذا غَايَةُ العُتُوِّ، ونِهايَةُ الاختِلاقِ(٣)، وليتَ شِعِرِيٍ، لَمَ عَيَّنُوا (٤) الأُدرَةَ، دُونَ غَيرِها من العُيُوبِ، وكيف تَجَرَّءُوا على الاختِلاقِ على ذلك النَّبِيِّ الكرِيمِ، بِما ليس لهُم فيه شُبهَةٌ؟! ولهذا أظهَرَ اللهُ بَرَاءَتَهُ، بأمرٍ اشتَمَل على عِدَّةٍ من خَوارِقِ العَادَاتِ، وقَصَّ الله تعالى قِصَّتَهُ على نَبِّهِ وَهِ، وأَنزَل فيها قولهُ(٥) تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ الَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٦٩]. ■ السَّابِعَةُ: قال القاضِي عِيَاضٌ(٦): الأنبِيَاءُ لِّ، مُنَزَّهونَ عن النَّقائِصِ في الخَلقِ والخُلُقِ، سَالمُونَ من المعايِبِ، ولا يُلتَفَتُ إلى ما قالهُ مَن لا تَحِقِيقَ عندهُ في هذا البابِ، من أصحابِ التَّارِيخِ، في صِفاتِ بَعضِهِم، وإضَافَتِهِ(٧) بَعضَ العَاهاتِ إليهم، فالله تعالى قد نَزَّهَهُم عن ذلك، ورَفَعَهُم عن كُل ما هو عَيبٌ ونَقصٌ، مِما يَغُضُّ(٨) العُيُونَ، ويُنَفِّرُ القُلُوبَ، انتهى. وكذا ذَكَرَ النَّووِيُّ، والقُرطُبِيُّ(٩) هذا، في فَوائِدِ هذا الحَدِيثِ. وقد يُقالُ: دَل الحَدِيثُ على سَلامَتِهِ عَلََّ، من ذلك، وأما كَونُهُ يَجِبُ (١) مسلم بشرح النووي (٤/ ٣٣). (٢) في (ك): ((الخصيين)). (٣) في (ك): ((الاختلاف)). (٤) في (ك): ((يعينوا)). (٥) ليس في: الأصل. (٦) إكمال المعلم (٣٤٩/٧). (٧) في (ك): ((وإضافة)). (٨) في (ك): (نقص)). (٩) المفهم (١٨٩/٦). مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٢٧). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٥١ = تَنزِيهُهُ (٢/ ٢٢٩م) وتَنزِيهُ غَيرِهِ من الأنبِيَاءِ عن هذا العَيبِ وغَيرِهِ، فَهو مُقَرَّرٌ من خَارِجِ، وفي أخذِهِ [١١٨/١ظ] من هذا الحَدِيثِ نَظَرٌ، ولا يُؤْخَذُ هذا من كَونِ الله تعالى سَماهُ أَذَّى؛ لأنَّ هذا الاختِلاقَ(١) أذّى، وإن لم يَكُن واجِبَ التَّزِيهِ عَما اختلقَ علیه. وقد يُقالُ: إنَّما يَتِمُّ هذا الاستِدلال، إذا كان كَشفُ العَورَةِ مُحَرَّمًا في شَرِيعَةٍ مُوسَى عَلََّ، ومع هذا فألجَأْهُ الله تعالى إلى ظُهورِهِ بينهُم على تِلكَ الهَيئَةِ، فَلولا أنَّ بَرَاءَتَهُ عنهُ أصلٌ من أُصُول الدِّينِ، وقاعِدَةٌ من قواعِدِ الشَّرع، يَجِبُ الإيمانُ بِها، لما ارتَكَبَ كَشفَ العَورَةِ لأجلِهِ، فَعَارَضَ مَصلحَةَ سَترِها مَصلحَةُ إظهارِ هذا الأمرِ الدِّينِيِّ، وكان هذا الثَّانِ أهَمَّ فَقُدِّمَ(٢). ولما ذَكَرَ القُرطُبِيُّ(٣) هذا الكلامَ، فَيَّدَهُ بِقولهِ: في أول خَلقِهِم، ثُمَّ قال: ولا يُعتَرَضُ عَلينا بِعَمَى يَعقُوبَ، وبابتِلاءِ أيُّوبَ، فإن ذلك كان طَارِئًا عليهم، مِحنَةً لهُم، وليَقْتَدِيَ بهم(٤) مَن ابتُليَ بِبَلاءِ في حالهِم وصَبرِهِم، وفي أنَّ ذلك لم يَقطَعُهُم عن عِبادَةِ رَبهم، ثُمَّ إنَّ الله تعالى أظهَرَ كَرَامَتَهُم ومُعجِزَتَهُم، بأن أعَادَ يَعقُوبَ بَصِيرًا عند وُصُول قَمِيصٍ يُوسُفَ لهُ، وأزَال عن أيُّوبَ جُذامَهُ وبَلاءَهُ عند اغتِسَالِهِ من العَينِ، التي أَنبَعَ اللهُ لهُ عند رَكضِهِ الأرضَ بِرِجلهِ، فَكان ذلك زِيَادَةً في مُعجِزَاتِهِم، وتَمكِينًا في کَمالهِم ومنزلتِهِم، انتهى. الثَّامنةُ: فيه بَيَانُ شِدَّةٍ ما ابتُليَ به الأنبِيَاءُ عَهُ، والصَّالِحُونَ ﴿ه، من أَذَى السُّفَهاءِ والجُهال، وصَبرِهِم عَليها، وفي الحَدِيثِ: ((لقد أُوذِيَ مُوسَى بأكثَرَ من هذا فَصَبَرَ))(٥). ا التَّاسِعَةُ: فيه فَضِيلةُ الصَّبرِ، وأنَّ الدَّرَجَاتِ ثَمَرَةٌ لهُ، فإن مُوسَى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لما صَبَرَ على ما يُؤذُونَهُ به، أعقَبَهُ الله تعالى البَرَاءَةَ من ذلك، (١) في (ك): ((الاختلاف)). (٣) المفهم (١٨٩/٦ - ١٩٠). (٢) في (م): ((مقدم)). (٤) ليس في: الأصل. (٥) البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٤٠/١٠٦٢). = = الحى ١٥٢ 2 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ مع رَفعِ الدَّرَجَاتِ، بما (١) أظهَرَهُ من المُعجِزَاتِ، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَبِنَّةُ يَهَدُونَ بِأَتْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ﴾ [السجدة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ اَلْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. العَاشِرَةُ: فيه فَضِيلةُ مُوسَى، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَصَل(٢) هُنا إظهارُ مُعجِزَتِهِ بأمُورٍ : أحَدُها: مَشيُ الحَجَرِ بِثَوبه إلى بَنِي إسرَائِيل، لإظهارِ بَرَاءَتِهِ مِما اذَّعُوهُ فيه من الأُدرَةِ، على وجهٍ خَارِقٍ للعَادَةِ، ولهذا جَعَل الله تعالى ذلك نِعمَةً عليه، حَيثُ قال: ﴿فَبَرََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. الثَّانِي: حُصُولُ النَّدَبِ (٣) في الحَجَرِ من ضَربٍ مُوسَى. الثَّالثُ: وُجُودُ الثَّميِيزِ في الجَمادِ الذي لا يَعقِلُ، [ولهذا عَامَلهُ مُوسَى، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، مُعَامَةَ مَن يَعقِلُ](٤)؛ لأنه صَدَرَت عنه(٥) أفعَالُ (٢٣٠/٢م) العُقَلاءِ، وهذا مِثلُ تَسليمِ الحَجَرِ على النَّبِّ وَّهِ بِمَكَّةَ(٦)، وحَنِينِ الجِذع إليه(٧)، ونَحوِ ذلك، لكن تَأمَّل ما بين المَقامَينِ، وإن كان في الكُلِ تَعِظِيمٌ لِلنَّبِيِّ وََّ، وإظهارٌ لمُعجِزَتِهِ، والله تعالى أعلمُ. الحاديةَ عشرَ: قولُهُ: (فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ». بِجِيمٍ ومِيمِ مَفْتُوحَتَينِ، ثُمَّ حاءٍ مُهمَلةٍ؛ أي: أسرَعَ، ومنهُ قوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٧]؛ أي: يُسرِعُونَ(٨). وقال أبو العَباسِ القُرطُبِيُّ(٩) نَحو ما ذَكَرته، ثُمَّ قال: والجَمُوحُ من الخَيل: هو الذي يَركَبُ رَأْسَهُ في إسرَاعِهِ، ولا يَثِنِيهِ شَيءٌ، وهو عَيبٌ فيها، وإنَّما أُطلقَ في (ح): ((ما)). (١) (٣) بفتح النون: الأثر. (٥) في (ك، م): ((منه)). صحيح البخاري (٣٥٨٣). (٧) المفهم (١٩٠/٦). (٩) (٢) في (ك): ((وجعل)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (٦) صحيح مسلم (٢٢٧٧). (٨) ينظر: تفسير البغوي (٦٠/٤). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٥٣ على إسرَاعِ مُوسَى خَلفَ الحَجَرِ جِماحًا؛ لأنه اشتَدَّ خَلفَهُ اشْتِدَادًا، لا يَئِنِيهِ شَيءٌ عن أخذٍ ثَوبه، انتهى. ولا حاجَةَ لما ذَكَرَهُ، من أنه مأخُوذٌ من جِماحِ الخَيلِ المَذمُومِ(١)، فَقد ذَكَرَ أهلُ اللُّغَةِ: أنَّ الجِماحَ بِمَعنَى الإِسرَاعِ، قال في ((الصِّحاحِ))(٢): جَمَحَ الفَرَسَ جُمُوحًا، وجِماحًا، إذا اعتَزَّ(٣) فارِسَهُ وغَلبَهُ، فَهو فَرَسٌ جَمُوحٌ، ثُمَّ قال: والجَمُوعُ من الرِّجَال الذي يَركَبُ هَواهُ، فَلا يُمكِنُ رَدُّهُ، ثُمَّ قال: وجَمَحَ؛ أي: أسرَعَ. وقال في ((النِّهايَةِ))(٤) في شَرحِ هذا الحَدِيثِ: أسرَعَ إسرَاعًا لا يَرُدُّهُ شَيءٌ، وكُلُّ شيءٍ مَضَى لوجهِهِ على أمرٍ: فَقْد جَمَحَ. وقال في ((المَشَارِقِ))(٥): جَمَحَ: أسرَعَ، فَرَسٌ جَمُوٌ: سَرِيعٌ، وهو مَدحٌ، وفَرَسٌ جَمُوحٌ [١١٩/١و]: إذا كَان لَا يَثبُتُ للجَامِ، بَل يَركَبُ رَأْسَهُ في جَریِهِ، وهو ذَمٌّ، ودَابَّةٌ جَمُوحٌ: إذا كانت تَمِيلُ في أَحَدِ شِقَّيها، وهو ذَمِّ. وقال في ((المُحكَمِ)) (٦): جَمَحَ الفَرَسُ بِصَاحِبِه: ذَهَبَ يَجرِي جَرِيًا غَالبًا(٧)، وكُلُّ شيءٍ مَضَى لشيءٍ على وجهِهِ: فَقد جَمَحَ، ثُمَّ قال: وجَمَحَت السَّفينَةُ: تَرَكَت قَصِدَها؛ فَلم يَضِطها المَلاحُونَ، انتهى. وقال النَّووِيُّ(٨): جَمَحَ الحَجَرُ؛ أي: ذَهَبَ مُسرِعًا إسرَاعًا بَليغًا، وقولُهُ: ((بأَقَرِهِ». بِفَتحِ الهَمزَةِ، والثَّاءِ المُثَلثَةِ، ويَجُوزُ فيه أيضًا كَسرُ الهَمزَةِ وإسكَانُ الثَّاءِ، وهُما لُغَتَانِ مَشهورَتَانِ. ■ الثَّانِيَةَ عشرَ: قولُهُ: ((ثَوبِي)). مَنصُوبٌ بِفِعلِ مَحذُوفٍ، تَقدِيرُهُ: دَع ثَوبِي، أو أعطِنِي ثَوبِي، ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ مَرفُوعًا بِمُبتَدَلٍ مَحذُوفٍ، تَقدِيرُهُ: هذا (١) ليس في: (ك). في الأصل: (اعتر)). (٣) (٥) مشارق الأنوار (١/ ١٥٢). (٧) في (ح): ((عالیا)). (٢) الصحاح (٣٦٠/١). (٤) النهاية في غريب الحديث (٢١٨/١). (٦) المحكم (٨٣/٣). (٨) مسلم بشرح النووي (١٢٦/١٥). ١٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ثَوبِي، وعلى هذا الثَّانِي، يَكُونُ المَعنَى اسْتِعِظَامَ كَونِهِ يَأْخُذُ ثَوبَهُ، (١ مع عِلمِهِ بأنه ثَوِيُه١ُ)، فَعَامَلهُ مُعَامَةً مَن لا يَعلم كَونَهُ ثَوبَهُ، كَي يَرجِعَ عن فِعلِهِ، ويَرُدَّ لهُ ثَوبَهُ. وقولُهُ: ((حَجَرُ)): مُنادَى مُفرَدٌ مَبنِيٌّ على الضَّمِّ، وحُذِفَ حَرفُ النِّدَاءِ، استِعِجَالًا للمُنادَى، ومَذهَبُ البَصرِيِّينَ أنه لا يَجُوزُ حَذفُ حَرفِ النِّدَاءِ من اسم الجِنسِ، إلا شَاذًّا، حَيثُ سُمِعَ، كَما في هذا الحَدِيثِ، (٢٣١/٢م) أو في (٢) ضَرُورَةِ الشِّعرِ، ومَذهَبُ الكُوفيِينَ: أنه قِيَاسٌ مُطَرَّدٌ(٣). ■ الثَّالِثَةَ عشرَ: قولُهُ: ((فَقَامَ الحَجَرُ))؛ أي: وقَفَ وثَبَتَ، من قولِهِم: قامَت الدَّابَّةُ؛ أي: وقَفَت، ومنهُ قولُهُم: قامَ قائِمُ الَّهِيرَةِ؛ أي: وقَفَ. والمُرَادُ به: وُقُوفُ الشَّمسِ عند الهاجِرَةِ عن السَّيرِ، إما مَجَازًا، أو أُرِيدَ أَثَرُها، وهو الظُّلُّ. وقولُهُ: (بَعدُ). مَبنِيٌّ على الضَّمِّ، لقَطعِهِ عن الإضَافَةِ؛ أي: بَعدَ أن نَظَرَت بَنُو إِسرَائِيل إليه، وقولُهُ: ((حَتَّى نُظِرَ إليه (٤))؛ بِناءِ نُظِرَ للمَفْعُول، والضَّمِيرُ في ((إليه)). يَعُودُ على (٥) مُوسَى. و((حَتَّى)): الظَّاهِرُ أنَّها للتَّعليل، وليس هذا تَعليلًا لما قَبلُهُ، وهو قِيَامُ الحَجَرِ ووُقُوقُهُ، وإنَّما هو تَعليلٌ لما قَبل ذلك، وهو فِرَارُ الحَجَرِ بِثَوبٍ مُوسَى؛ يَعنِي: أنَّ السَّبَبَ في هذه الخَارِقَةِ نَظَرُ بَنِي إسرَائِيل إلى مُوسَى، عليه الصلاة السَّلامُ، وتَبَرِثَتُهُ مِما اختلقُوا عليه، فإن قُلتَ: هذا مُكَرَّرٌ، قَد (٦) تَقدمَ في قولهِ: ((حَتَّى نَظَرَت بُو إسرَائِيل إلى سَوأةٍ مُوسَى)). قُلتُ: ((حَتَّى)) هُناكِ (٧) غَايَةٌ لما قَبلها، وهو فِرَارُ الحَجَرِ بِثَوبِ مُوسَى ، وجِماحُهُ خَلفَهُ؛ لانتِزَاعِهِ منهُ. وأما ((حَتَّى)) الثَّانِيَةُ، فالظَّاهِرُ أنَّها للتَّعليل، كَما تَقدمَ، ويُحتَمَلُ أنَّها مُتَعَلقَةٌ (١ - ١) ليس في: (ح). (٢) ليس في: (ك). (٣) ينظر: شرح الأشموني على الألفية (٢٣٤/١)، همع الهوامع (٤٢/٢). (٤) ليس في: (ك). (٦) ليس في: (ك). وفي (م): ((فقد)). (٥) في (ح): ((إلى)). (٧) في الأصل: ((هنا)). وفي (م): ((هنالك)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٥٥ بِقِيَامِ الحَجَرِ، إما غَايَةٌ لهُ، أو تَعليلٌ لهُ. والمُرَادُ: أَنَّ الحَجَرَ وقَفَ، حَتَّى نَظَرَت إليه(١) بَنُو إسرَائِيل، وشَاهَدُوهُ حَجَرًا جَمادًا(٢)، وعَلمُوا تِلكَ المُعجِزَةَ العَظِيمَةَ، والخَارِقَةَ العَجِيبَةَ، لَيَرتَدِعُوا عن اختِلاقِهِم على نَبِيِّهِم، واللهُ تعالى أعلمُ. ا الزَّابِعَةَ عشرَ(٣): قولُهُ: ((وطَفِقَ)). بِكَسرِ الفاءِ وفَتحِها، ويُقالُ فيه: طَبَقَ، بالباءِ أيضًا، إلا أنه غَيرُ مَروِيٍّ هُنا، وهو من أفعَال الشُّرُوعِ؛ كَجَعَل، وأخَذَ. وقولُهُ: ((ضَربًّا)). مَصدَرٌ بَدَلٌ من فِعلهِ؛ أي: جَعَل يَضرِبُ الحَجَرَ ضَربًا، والنَّدَبُ، بِفَتحِ النُّونِ والدَّال المُهمَلةِ، وبالباءِ المُوحَّدَةِ (٤) هُنا: الأثَرُ، وأصلُهُ: أثَرُ الُرحِ إذا لم يَرتَفِع(٥) عن الجِلدِ، فَشَبَّهَ به أثَرَ الضَّربِ فِي الحَجَرِ (٦). وقولُهُ: ((سِتَّةً، أو سَبعَةً)). شَكٌّ من الرَّاوِي، وهو مَنصُوبٌ على أنه نَعثٌ، لقولهِ: ((نَدَبًّا)). وهو نَعتُ مُؤَولٌ بِمَعدُودٍ. وقولُهُ: ((ضَربَ مُوسَى بالحَجَرِ)). هو مَنصُوبٌ على أنه مَفعُولٌ لأجلِهِ، ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ بَدَلًا من قولِهِ: ((نَدَبًا)). ويَكُونَ بَدَل أعَمَّ من أخَصَّ، ويَجُوزُ فيه الرَّفعُ، على أن يَكُونَ خَبَرَ مُبتَدٍَ مَحذُوفٍ تَقدِيرُهُ: وهو؛ أي: النَّدَبُ: ضَربُ مُوسَى بالحَجَرِ، وهذه مُعجِزَةٌ لمُوسَى عَلَّا، بَعدَ انقِضَاءِ المُرَادِ من المُعجِزَةِ الأُولى، وهو فِرَارُ الحَجَرِ بِثَوبه، وإلجَاؤُهُ إلى الخُرُوجِ على بَنِي إسرَائِيل، على تِلكَ الهَيئَةِ، وكان(٧) المَعنَى في هذه المُعجِزَةِ (٢٣٢/٢م) أُمُورٌ: أحَدُها: بقاءُ [١١٩/١ظ] هذا الأثَرِ في الحَجَرِ على طُول الزَّمانِ، فَيُتَذَكَّرُ به هذه الواقِعَةُ، ويُعلم به فَضلُ مُوسَى عَلَِّ، وبَرَاءَتُهُ مِما اختَلقُوا (٨) عليه. (١) ليس في: (ك). (٣) في (م): ((عشرة)). (٥) في (ك): ((يرفع)). (٧) في الأصل: ((وأن)). (٢) في (ك): ((جامدًا)). (٤) ليس في: (ك). (٦) ينظر: مسلم بشرح النووي (١٢٦/١٥). (٨) في (ح): ((اختلق)). ١٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ثَانِيها: أنه حَصَل عند السَّيِّدِ مُوسَى عَ*، في ذلك الوقتِ حِدَّةٌ، فَلولا تَأْثِّرُ الحَجَرِ بِضَربِهِ، وظُهورٍ أَثَرِهِ فيه، لزَادَتِ حِدَّةُ السَّيِّدِ مُوسَى من عَدَمِ حُصُول مَقصُودِهِ، وهذا كَتَشِيهِ مَن يُحاوِلُ أمرًا، ولا يَصِلُ إليه بالضَّارِنِ في حَدِيدٍ بارِدٍ، فَلولا تَأْثُّرُ الحَجَرِ بالضَّربِ [لكان الضَّربُ فيه: كَالضَّربِ فِي حَدِيدٍ بارد. ثَالثُها: أنه لولا تَأْثُّرُ(١) الحَجَرِ بالضَّربِ](٢) وبَقاءُ النَّدَبِ فيه، لعَدَّ أهلُ السَّفاهَةِ والجَهلِ والعُتُوِّ والاختِلاقِ هذا عَبَثًا(٣)، فَكان يَحصُلُ لِمُوسَى عََّ، بذلك أذّى زَائدٌ على ما تَقدمَ، والقَصدُ رَفعُ الأذَى عنهُ، لا جَلبُهُ إليه . وإقسَامُ أبي هريرةَ رَُّهَ على ذلك، تَأْكِيدٌ للأمرِ، وتَقوِيَةٌ لهُ، ومُستَنَدُهُ فيه خَبَرُ الصَّادِقِ، وإن لم يُعَايِنْهُ، فَهو أقوى من المُعَايَنَةِ، فإنه لا يُخِطِئُ، والمُعَايَنَةُ قد تُخطِئُ(٤)، والله تعالى أعلمُ. ■ الخَامِسَةَ عَشر: قال ابنُ بطالٍ(٥): فيه إجرَاءُ خُلُقِ الإنسَانِ عند الضَّجِرِ، على مَن يَعقِلُ، ومَن لا يَعقِلُ، كَما جَرَى من مُوسَىعَلَا، في ضَربه الحَجَرَ، وإن كان الحَجَرُ قد جَعَل الله فيه قُوةَ مَشي، فَلذلك ضَرَبَهُ؛ لأنه إذا أمكَنَ أن يَمْشِيَ بِثَوبه، أمكنَ أن يَخشَى الضَّربَ، ألا تَرَى قول أبي هريرةَ: ((والله أنه لنَدَبُّ بالحَجَرِ))؛ يَعنِي: آثَارُ ضَربٍ مُوسَى عَلَا، بَقِيَت في الحَجَرِ، آيَةً لَهُ عَلَا. (١) في (ك): ((أثر)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٣) في (ح): ((عییًا)). (٤) في (ك): ((تعطي)). (٥) شرح البخاري لابن بطال (٣٩٤/١). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٥٧ الحَدِيثُ الثَّالثُ وعنهُ، قال: قال رَسُولُ اللهِوَالِهِ: ((بينما أيُّوبُ عِلَا، يَغْتَسِلُ عُرِيَانًا (١)؛ خَرَّ عليه جَرَادٌ من ذَهَبٍ، فَجَعَل أيُّوبُ يَحتَثِي فِي ثَوبِه، فَنَادَاهُ رَبُّهُ رَ: يَا أيُّوبُ، ألم أكُن أغنَيتُكَ عَما تَرَى؟. قال: بَلَى يَا رَبِّ، ولكن لا غِنَى بِي عن بَرَكَتِكَ)). رَواهُ البُخَارِيُّ (٢)، (٢٣٣/٢م). فيه فَوائِدُ: ■ الأُولى: أيُّوبُ النَّبِيُّ صلى الله وسلم على نَبِيِّنا وعليه، يُقالُ: هو ابنُ آمُوصَ (٣) بنِ رَزَاحِ بنِ رُومِ بنِ عِيصَ بنِ إسحاقَ بنِ إبرَاهِيمَ، وأنَّ أُمَّهُ من ولدٍ لُوطِ بنِ هارانَ(٤)، (٥) وهو الذي(٥) امتُحِنَ بالبَلاءِ، فَظَهَرَ صَبرُهُ، ثُمَّ عُوفي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْتَهُ صَابِرَأْ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَءَتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٤]. ورَوى أبو بكرِ ابنُ مَردُويَه في ((تَفسِيرِهِ»(٦) من(٧) روايةِ الضَّحاكِ، عن ابنِ عَباسٍ، قال: سَألتُ النَّبِيَّ وََّ عن قِصَّةِ أَيُّوبَ، وقولهِ: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٤]؛ يَعنِي: زَوجَتَهُ، قال (٨) ابنَ عَباسٍ: ((رَدَّ الله إليه امرَأْتَهُ، وزَادَ فِي شَبابِها، حَتَّى ولدت لهُ سِتَّةً وعشرِينَ ذَكَرًا، إلا أنَّ السَّقفَ خَرَّ على ثَلاثَةٍ وعِشِرِينَ ذَكَرًا، فَماتُوا: فَلم يَبعَثُهُم الله، ولكن يَقُولُ: (آتَيناهُ أهلُهُ ومِثلُهُم معهُم)؛ يَعِنِي: زَوجَتَهُ. ﴿وَمِثْلَهُم ◌َّعَهُمْ﴾؛ يَعنِي: ولدت لهُ سِنَّةً وعِشرِينَ ذَكَرًا، فأهبط الله (١) بعدها في (ح): ((إذ)). (٢) البخاري (٢٧٩). (٣) في (م): ((أمعوص)). (٤) ينظر: تاريخ الطبري (٣٢٢/١)، وتاريخ دمشق (٥٨/١٠)، والمنتظم (٣٢٠/١). (٥ - ٥) ليس في: (ح). (٦) تفسير ابن مردويه، كما في الدر المنثور (٣٣٣/١٠). وأخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٠/ ٧٧). (٧) في (ح): ((عن)). (٨) بعدها في (ح): ((يا)). = = 2 ١٥٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ إليه مَلكًا، فَقال: يَا أيُّوبُ، إنَّ الله تعالى يُقرِئُكَ السَّلامَ بِصَبرِكَ على البَلاءِ، فاخرُج إلى أندَرِك، فَبَعَثَ الله سَحابة حمراء، فَهَبطت عليه بِجَرَادِ الذَّهَبِ، والمَلكُ قائِمٌ معهُ، كانت الجَرَادَةُ تَخرُجُ خَارِجَ الحِجَارَةِ، فَيَتَبَعُها حَتَّى يَرُدَّها في أندَرِهِ، فَقال المَلكُ: يَا أيُّوبُ، أما تَشبَعُ من الدَّاخِلِ حَتَّى تَتَبَعَ الخَارِجَ؟ قال: إنَّ (١) هذه بَرَكَةٌ مِن بَرَكَاتٍ رَبِّي، وليس أشبَعُ منها)). وفي بَعضٍ كُتُبِ ((التَّفاسِيرِ))(٢) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، أنه قال: ذُكِرَ لنا أنَّ الماءَ الذي اغتَسَل منهُ تَطَايَرَ على صَدرِهِ جَرَادًا من ذَهَبٍ، قال: فَجَعَل يَضُمُّهُ(٣) بِيَدِهِ، فأوحَى الله تعالى إليه: ((يَا أيُّوبُ، ألم أُغنِك؟)). قال: ((بَلَى، ولكنَّها بَرَكَتُك، فَمَن يَشبعُ منها)). ورَوى أبو بَكرِ البَزَّارُ في (مُسنَدِهِ))، وأبو إسحاقَ الثَّعلِيُّ في ((تَفسِيرِهِ))(٤) من طَرِيقٍ عُقَيل بنِ خَالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ [١٢٠/١و]، عن أنَسِ بنِ مالكِ: أنَّ رَسُول الله وََّ، قال: ((إنَّ نَبِيَّ اللّه أَيُّوبَ بَِّ، لِبِثَ فِي بَلائِهِ(٥) ثَمانِيَ عشرَةٍ سَنَةً(٦)، فَرَفَضَهُ القَرِيبُ والبَعِيدُ، إلا رَجُلينِ من إخوانِهِ)). فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفيه قال(٧): ((وكان لهُ أندَرَانِ: أندَرُ للقَمح، وأندَرُ للشَّعِيرِ، فَبَعَثَ الله تَبَارََكَ وتعالى، سَحابَتَينٍ، فَلما كانت إحدَاهُما على أندَرِ القَمحِ، أَفَرَغَت فيه الذَّهَبَ حَتَّى فاضَ، وأفرَغَت الأُخرَى في أندَرِ الشَّعِيرِ الورِقَ حَتَّى فاضَ)). وهذه إن صَحَّت (٨)، قَضِيَّةٌ غَيرُ قَضِيَّةِ الاغتِسَال. واختُلفَ في عِدَّةِ أولادِهِ (٩)، فَتَقدمَ في حَدِيثِ ابنِ عَباسٍ: ((أنه كان لهُ ثَلاثَةٌ (١) ليس في: (ك). (٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٣٦٤/١٦). وينظر: تفسير البغوي (٣٤٤/٥). (٣) في (ك): (يضم)). (٤) مسند البزار (٦٣٣٣)، وتفسير الثعلبي (١٥٠٥/١). (٥) في (ك): ((بلاء به)). في النسخ: ((ثمانية عشر سنة)). والمثبت من مصادر التخريج. (٦) (٧) ليس في: (ح). (٨) قال البوصيري في الاتحاف (٧/ ٥٧): إسناده صحيح. (٩) ينظر: تفسير البغوي (٣٤٧/٥)، والنكت والعيون (٤٦٤/٣)، والبحر المحيط (٤٦٠/٧). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٥٩ = وعِشرُونَ ذَكَرًا، وأنَّ الله تعالى عَوضَهُ منهُم ◌ِنَّةً وعِشرِينَ ذَكَرًا)). وقال وهبُ بنُ مُنَبِّهِ: كان لهُ سَبْعُ بَناتٍ، وثَلاثُ بَنِينَ. وقال ابنُ كَيسَانَ: كان لهُ سَبعُ بَنِينَ، وسَبعُ بَناتٍ . واختُلفَ أيضًا، هَل رَدَّهُم الله تعالى إليه بَعدَ العَافيةِ بأعيَانِهِم، أو عَوضَهُ منُم، ولم يُحيِهِم؟ فَحُكِيَ الأولُ عن ابنِ مَسعُودٍ، وابنِ عَباسٍ، وقَتَادَةَ، وكَعبِ الأحبارِ، وهو ظَاهِرُ الآيَةِ، وذَهَبَ إلى الثَّانِي جَماعَةٌ؛ منهُم ◌ِكرِمَةُ، وهو صَرِيحُ حَدِيثٍ ابنِ عَباسِ المُتَقدمِ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه جَوازُ الاغتِسَالِ عُرِيَانًا في الخَلوةِ، مع إمكَانِ التَّسَتُّرِ، وهو مَذْهَبُ الجُمهورِ، كَما تَقدمَ في الحَدِيثِ (١) الذي قَبلهُ. الثَّالِثَةُ: قولُهُ: ((خَرَّ)). بالخَاءِ المُعجَمَةِ؛ أي: سَقَطَ، وظَاهِرُ هذا سُقُوطُهُ عليه من عُلْوٍ، فَهو بِظَاهِرِهِ مُخَالفٌ لما تَقدمَ عن (٢) الحَسَنِ البَصرِيِّ: أنَّ نَفْسَ الماءِ تَطَايَرَ عليه جَرَادًا؛ لأنه ليس حِينَئِذٍ سَاقِطًا عليه من عُلْوٍ، وعلى كُل تَقْدِيرٍ، فَهو إكرَامٌ عَظِيمٌ من الله تعالى لهُ، وهو (٣) مُعجِزَةٌ في حَقِّهِ، لكن هَل كان جَرَادًا حَقِيقَةً ذا رُوح، إلا أنَّ جِسمَهُ ذَهَبٌ، أو كان على شَكل الجَرَادِ، وليس فيه رُوحٌ؟ الأظهَرُ الثَّانِي، قال الجَوهَرِيُّ(٤): وليس الجَرَادُ بذكَرِ الجَرَادَةِ، وإنَّما هو اسمُ جِنسٍ؛ كَالبَقَرَةِ والبَقَرِ، والتَّمرِ والتَّمَرَةِ، والحَمامِ والحَمامَةِ، وما أشبَهَ ذلك، فَحَقُّ مُذَكَّرِهِ ألّا يَكُونَ(٥) مُؤَنَّتُهُ من لفظِهِ، لَلا يَلْتَبِسَ الواحِدُ المُذَكَّرُ بالجَمعِ . الزَّابِعَةُ: فيه أنه لا يُحكَمُ على الإنسَانِ بالشَّرَهِ وحُبِّ الدُّنيَا، بِمُجَرَّدٍ (٦) أخذِهِ لها، وإقبالهِ عَليها، بَل ذلك يَختَلفُ باختِلافِ المَقاصِدِ، وإنَّما الأعمالُ (١) في (م): ((حديث ابن عباس)). (٣) في (م): ((فهو)). (٤) الصحاح (٤٥٦/٢). (٥) في (ك): ((تكون)). (٢) في (م): ((على). (٦) في (ك): ((لمجرد)). ١٦٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بالنِّيَّاتِ، فَمُحالٌ أن يَكُونَ أيُّوبُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، أخَذَ هذا المال حُبًّا للُّنيَا، وإنَّما أخَذَهُ كَما أخبَرَ هو عن نَفسِهِ؛ لأنه بَرَكَةٌ من رَبه. وفي مَعنَى البَرَكَةِ هُنا أوجُهُ: أحَدُها: أنه وُجِدَ عند زِيَادَةِ إقبال النِّعمَةِ عليه، وإن كانت النِّعمَةُ عليه(١) مُستَمِرَّةً، فَصَارَ هذا الذَّهَبُ مَحبُوبًا؛ لأنه وُجِدَ عند إقبال المَحْبُوبِ، ألا تَرَى الشُّعَرَاءَ يُكثِرُونَ (٢) التَّشِيبَ بالدِّيَارِ، وإنَّما يَحمِلُهُم(٣) على ذلك أنهم وجَدُوا فيها من إقبال المَحُبُوبِ (٤) عليهم، ما أوجَبَ حُبَّ(٥) تِلكَ الدِّيَارِ: أمُرُّ على الدِّيَارِ دِيَارٍ ليلى أُقَبِّلُ ذا الجِدَارَ وذا الجِدَارَا وما حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفنَ قَلبِي ولكن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيَارَا(٦) (٢٣٥/٢م) ثَانِيها: أنه قَرِيبُ العَهدِ بِتَكوِينِ الله تعالى، وهذا كَما حَسَرَ النَّبِيُّ ◌َِّ عن جِلدِهِ، حَتَّى يَنْزِل عليه(٧) المَطَرُ، وقال: ((إنه حَدِيثُ عَهٍ بِرَبه)) (٨)؛ أي: بِتکوینِ رَبه. ثَالثُها: أنَّ هذه نِعمَةٌ جَدِيدَةٌ، خَارِقَةٌ لِلعَادَةِ، فَيَنبَغِي تَلقِّيها بالقَبُول، فَفي ذلك (٩ شُكرٌ لها٩)، وتَعِظِيمٌ لشَأْنِها، وفي الإعرَاضِ عنها كُفرٌ بِها، وقَرِيبٌ من هذا ما في الحَدِيثِ: ((إنَّ(١٠) الله تعالى يُحِبُّ أن تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَما يُحِبُّ أن تُؤْتَى عَزَائِمُهُ))(١١) . رَابِعُها: أنَّ هذه آيَةٌ ومُعجِزَةٌ، فَكُلُّ ما نَشَأ عنها فَهو بَرَكَةٌ، ومن ذلك قولُ بَعضِ الصَّحَابَةِ ﴿ه: ((كُنا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً))(١٢). ومن هذا: قَضِيَّةُ الصِّدِّيقِ مع (١) في (ح): ((غير). (٢) في (ك): ((مكثرون)). (٤) ليس في: (ح). (٣) في (ك): ((حملهم)). (٥) ليس في: (ح). هي أبيات مشهورة، منسوبة لقيس ليلى. ينظر: خزانة الأدب (٢١٢/٤). (٦) (٨) مسلم (١٣/٨٩٨). (٧) ليس في: الأصل. (٩ - ٩) في الأصل: ((شكرها)). (١٠) ليس في: (ك). (١١) ابن حبان (٣٥٤)، والبيهقي في الكبرى (١٤٠/٣). (١٢) البخاري (٣٥٧٩). من كلام ابن مسعود.