النص المفهرس
صفحات 121-140
بَابُ الأذَانِ ١٢١ = وأمَّا في بَابِ الشَّهَادَةِ(١): فَالأكثَرُ عَلَى المَنع مِن الاعتِمَادِ عَلَى الصَّوتِ فِيهَا، وبَابُ الشَّهَادَةِ أضيَقُ، وبِالاحتِيَاطِ أجدَرُ، ومَن جَوزَ: استَدَلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ، قال المُهَلَّبُ: فيهِ جَوازُ شَهَادَةِ الأعمَى عَلَى الصَّوتِ؛ لِأَنَّهُ مَيَّزَ صَوتَ مَن عَلَّمَهُ الوقتَ مِمَّن يَثِقُ بِهِ، فَقَامَ أَذَانُهُ عَلَى قَبُولِهِ مَقَامَ شَهَادَةِ المُخبِرِ لَهُ، انتَهَى (٢). ■ التَّاسِعَةُ: فيهِ جَوازُ أن يَكُونَ المُؤَذِّنُ أعمَى، فَإِنَّ ابنَ أُمِّ مَكتُومٍ كَانَ أعمَى، وهُو جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ، إذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ، كَمَا كَانَ بِلَالٌ وابنُ أُمِّ مَكتُومٍ، قال أصحَابُنَا: ويُكرَهُ أن يَكُونَ الأعمَى مُؤَذِّنًا وحدَهُ(٣). ورَوى البَيهَقِيُّ في ((سُنَّتِهِ))(٤)، عن عَبدِ الله بنِ الزُّبَيرِ ◌ًِّا: أنَّهُ كَانَ يَكرَهُ أن يَكُونَ المُؤَذِّنُ أعمَى، قال البَيهَقِيُّ: وهَذَا والذي رُوِيَ عن ابنِ مَسعُودٍ في ذلك: مَحمُولٌ عَلَى أعمَى مُنْفَرِدٍ (٥)، لَا يَكُونُ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعلِمُهُ الوقتَ، انتَهَى. وبَوَّبَ عَلَيهِ البُخَارِيُّ في ((صَحِيحِهِ))(٦): أَذَانَ الأَعمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَن يُخبِرُهُ. وقال ابنُ بَطَالٍ (٧): اختَلَفُوا في أذَانِ الأعمَى، فَكَرِهَهُ ابنُ مَسعُودٍ، وابنُ الزُّبَيرِ، وكَرِهَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِقَامَتَهُ، وأجَازَهُ طَائِفَةٌ، ورُوِيَ: أنَّ مُؤَذِّنَ النَّخَعِيّ كَانَ أعمَى، وأجَازَهُ: مَالِكٌ، والكُوفيونَ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وإسحَاقُ: إِذَا كَانَ لَهُ مَن يُعَرِّفُهُ الوقتَ؛ لِأَنَّ ابنَ أُمِّ مَكتُوم إنَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ، بَعدَ أن يُقال لَهُ: أصبَحتَ(٨) أصبَحتَ، انتَهَى. ■ العَاشِرَةُ: فيهِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ بِالمَدِينَةِ)). وفي ((صَحِيحِ مُسلِم)). عن عَائِشَةَ، وابنٍ عُمَرَ، قالا: ((كَانَ لِرَسُولِ الله ◌َِِّ مُؤَذِّنَانٍ، بِلَالٌ، وابنٌّ أُمّ مَكتُومِ الأعمَى)) (٩). (١) في الأصل: ((الشهادات)). (٢) شرح البخاري لابن بطال (٢٤٦/٢)، وينظر: شرح البخاري لابن رجب (٥٠٠/٣)، ومسلم بشرح النووي (٢٠٢/٧). ينظر: روضة الطالبين (٢٠٩/١)، ومسلم بشرح النووي (٨٣/٤). (٣) (٤) السنن (٤٢٧/١). صحيح البخاري على الحديث (٦١٧). (٦) (٨) ليس في: (ك). (٥) في (ح): (ينفرد)). (٧) شرح البخاري لابن بطال (٢٤٦/٢). (٩) مسلم (٧/٣٨٠). ١٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ورَوى البَيْهَقِيُّ (١): عن عَائِشَةَ، قالت: كَانَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ ثَلَاثَةُ مُؤَذِّنِينَ، بِلَالٌ، وأبُو مَحذُورَةَ، وابنُ أُمِّ مَكُوم. قال أبُو بَكرِ ابنُ إسحَاقَ [١١٣/١ و] الصِّبغِي(٢): والخَبَرَانِ صَحِيحَانٍ، فَمَن قالَ: كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ: أَرَادَ اللَّذَينِ كَانَا يُؤَذِّنَانِ بِالمَدِينَةِ، ومَن قال: ثَلَاثَةٌ، أَرَادَ: أَبَا مَحْذُورَةَ، الَّذِي كَانَ يُؤَذِّنُ بِمَكَّةَ. قُلتُ: وكَانَ لَهُ مُؤَذِّنٌ رَابِعٌ، وهُو سَعدُ القَرَظِ: أَذَّنَ لِلنَّبِيِّ نَّهِ بِقُبَاءَ (٢١٢/٢م) مِرَارًا، ثُمَّ صَارَ بَعدَ النَّبِيِّ وَّهِ: مُؤَذِّنًا بِالمَدِينَةِ، لَمَّا تَرَكَ بِلَالُ الأَذَانَ، وأَذَّنَ لَهُ زِيَادُ بنُ الحَارِثِ الصُّدَائِيُّ أيضًا، وقال: ((إنَّ أَخَا صُدَاءَ أَّنَ، ومَن أَذَّنَ فَهُو يُقِيمُ)). رَواهُ أَبُو دَاوُد وغَيرُهُ، لَكِنَّهُ لَم يَكُنْ رَاتِبًا، ولِهَذَا(٣) عُدَّ مُؤَذِّنُو النَّبِيِّ وَّهِ أَرْبَعَةً(٤)، قال الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ الله تعالى: ((وأُحِبُّ أن أقتَصِرَ في المُؤَذِّنِينَ عَلَى اثنَينٍ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا حَفِظِنَا أنَّهُ أَّنَ لِرَسُولِ اللهِوَّهِ اثْنَانِ، ولَا يَضيقُ (٥)، إن أذَّنَ أكثَرُ مِن اثْنَينٍ))(٦). واحتَجَّ الشَّافِعِيُّ في ((الإملَاءِ)) في جَوازٍ أكثَرَ مِن اثنَينِ: بِقِصَّةٍ عُثمَانَ، فَقال: ومَعرُوفٌ أَنَّهُ زَادَ في عَدَدِ المُؤَذِّنِينَ فَجَعَلَهُ ثَلَاثَةٌ(٧). وذَكَرَ أَبُو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ، والرَّافِعِيُّ (٨): أنَّ المُستَحَبَّ أَلَّ يُزَادَ عَلَى أربَعَةِ مُؤَذِّنِينَ. وحَكَاهُ النَّووِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ)) عن أصحَابِنَا، لَكِنَّهُ قال في ((الرَّوضَةِ))(٩): أنكَرَهُ كَثِيرُونَ مِن أصحَابِنَا، وَقَّالُوا: إنَّمَا الضَّبطُ بِالحَاجَةِ ورُؤيَةِ المَصلَحَةِ، فَإِن رَأى الإمَامُ المَصلَحَةَ في الزِّيَادَةِ عَلَى الأربَعَةِ: فَعَلَهُ، وإن رَأى الاِقِتِصَارَ عَلَى اثنَيْنِ: لَم يَزِد. (١) السنن (٤٢٩/١). (٢) في (م): ((الضبعي)). وهو تصحيف، وهو بكسر الصاد المهملة، وسكون الباء الموحدة، بعدها غين معجمة، نسبة إلى الصبغ، وهو الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الصِّبغِي، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة. ينظر: الأنساب (٥٢١/٣)، وسير أعلام النبلاء (٤٨٧/١٥). (٣) ليس في: (ك). (٤) في (ح): («أربعًا)). (٦) الأم للشافعي (٨٣/١). في (م): ((نضيق)). (٥) ينظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي (٢٧٨/٢). (٧) (٨) الشرح الكبير (١٩٩/٣). مسلم بشرح النووي (٨٢/٤)، والروضة (٢٠٦/١). (٩) بَابُ الأذَانِ 5 ١٢٣ قال النَّوِيُّ: وهَذَا هُو الأصَحُّ المَنصُوصُ، قال أصحَابُنَا: وإذَا كَانَ لِلمَسجِدِ مُؤَذِّنَانِ فَأكثَرُ، فَإِن اتَّسَعَ الوقتُ تَرَتَّبُوا في الأذَانِ، فَإِن تَنَازَعُوا في الابتِدَاءِ: أُقرِعَ بَينَهُم(١)، وإن ضَاقَ الوقتُ، فَإِن كَانَ المَسجِدُ كَبِيرًا: أُذّنُوا مُتَفَرِّقِينَ في أقطَارِهِ، وإن كَانَ صَغِيرًا وقَفُوا مَعًا وأذِّنُوا، وهَذَا إذَا لَم يُؤَدِّ اختِلَافُ الأصواتِ إلَى تَهوِيشِ (٢)، فَإِن أَذَّى لَم يُؤَذِّن إلَّا واحِدٌ، فَإِن تَنَازَعُوا: ◌ُقِعَ بَينَهُم. وأمَّا الإِقَامَةُ: فَإن أذِّنُوا عَلَى التَّرتِيبِ، فَالأولُ أولَى بِهَا، إن كَانَ هُو المُؤَذِّنَ الرَّاتِبَ، أو لَم يَكُن هُنَاكَ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ، فَإِن كَانَ الأولُ غَيرَ الرَّاتِبِ: فَفيهِ وجهَانٍ: أصَحُّهُمَا: أنَّ الرَّاتِبَ أولَى. (٣ والثَّانِي: أنَّ الأولَ أولَى(٣)، ولَو أقَامَ في هَذِهِ الصُّورَةِ غَيرُ مَن لَهُ وِلَايَةٌ الإِقَامَةِ: اعتُدَّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ المَعْرُوفِ، وفي وجهٍ ضَعِيفٍ: لَا يُعتَدُّ بِالإِقَامَةِ مِن غَيرِ السَّابِقِ بِالأذَانِ، تَخرِيجًا مِن قَولِ الشَّافِعِيِّ ◌َخْتُهُ: لَا يَجُوزُ أن يَخطُبَ واحِدٌ ويُصَلَِّ آخَرُ. أمَّا إِذَا أَذّنُوا مَعًا: فَإِن اثَّفَقُوا عَلَى إِقَامَةٍ واحِدٍ (٤)، وإلَّا أُقْرِعَ بَينَهُم، ولَا يُقِيمُ في المَسجِدِ الواحِدِ إلَّا واحِدٌ، إلَّا إذَا لَم تَحصُل الكِفَايَةُ بِواحِدٍ، وقِيلَ: لَا بَأسَ أن يُقِيمُوا مَعًا، إذَا لَم يُؤَدِّ إلَى التَّهوِيشِ(٥). ■ الحَادِيَةَ عَشرَ (٦): فيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوازِ تَقلِيدِ الأعمَى لِلبَصِيرِ (٧) في مَعرِفَةٍ الوقتِ، أو جَوازٍ اجتِهَادِهِ في ذلك، فَإِنَّ ابنَ أُمِّ مَكتُومٍ كَانَ أعمَى، ولَم يَكُن (٨) (١) في (ك): ((بينهما)). (٢) في الأصل، (ك): ((التهويش)). وفي (م): ((تشويش)). قال الأزهري: التشويش: لا أصل له في العربية، إنما هو من كلام المولّدين. قال الزبيدي: وهو لحن. والصواب: التهويش. ينظر: تهذيب اللغة (٣٠٤/١١)، وتاج العروس (٢٤٠/١٧). (٤) في (ح): ((واحدة)). (٣ - ٣) ليس في: الأصل. (٥) ينظر: الحاوي الكبير (٥٨/٢)، والوسيط (٥٧/٢)، والمهذب (٥٩/١). (٦) في (م): ((عشرة)). ليس في: (ح). (٨) (٧) في (ك): ((البصير)). ١٢٤ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَعرِفُ طُلُوعَ الفَجرِ، إلَّا بِأحَدِ هَذَينِ الأمرَينِ، ومِمَّا يُرَجِّحُ أنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ: قَولَهُ في بَعضِ ظُرُقِهِ (١)، مِن حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ (٢١٣/٢م): ((وكَانَ ابنُ أُمِّ مَكتُوم لَا يُؤَذِّنُ، حَتَّى يُقال لَهُ: أصبَحتَ أصبَحتَ))(٢). قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَة)(٣): ولَو لَم يَرِد ذلك: لَم يَكُن في اللَّفِظِ جَوازُ رُجُوعِهِ لِاجتِهَادٍ (٤) بِعَينِهِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى أَحَدِ الأمرَينِ مُبهَمًا، لَا يَدُلُّ عَلَى واحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوازِ نِسِبَةِ الإِنسَانِ إلَى أُمِّهِ، وفي الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ عُرِفُوا بِذلك: مِنْهُم ابنُ بُحَينَةَ، ويَعلَى ابنُ مُنيَةَ، والحَارِثُ ابنُ البَرصَاءِ، وغَیرُهُم. وحُكِيَ: أَنَّ(٥) يَحْيَى بِنَ مَعِينٍ، كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا إسمَاعِيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، فَنَهَاهُ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ، وقال: قُل: إسمَاعِيلُ بنُ إبرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي: أنَّهُ كَانَ يَكرَهُ أن يُنسَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَقال: قَد قَبِلنَا مِنك يَا مُعَلِّمَ الخَيرِ (٦). ولِهَذَا استَثنَى (٧) ابنُ الصَّلَاحِ في ((عُلُوم [١١٣/١ظ] الحَدِيثِ)) (٨) مِن الجَوازِ: مَا يَكرَهُهُ المُلَقَّبُ، وهُو حَسَنٌ، لَكِن قالَ والِدِي تَخْذَتُهُ(٩) : الظَّاهِرُ أنَّ مَا قالهُ أحمَدُ: عَلَى طَرِيقٍ الأدَبِ، لَا اللُّزُومِ. ■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: فِيهِ اسْتِحِبَابُ أن يَكُونَ الأَذَانُ عَلَى مَوضِعِ عَالٍ، لِقَولِهِ: (يَنْزِلُ هَذَا، ويَرقَى هَذَ)). والحِكمَةُ فيهِ: أنَّهُ أبلَغُ في الإعلَامِ، وهُو مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، (١) قال في حاشية (ت): ((هذا عجيب، فإن الحديث في الصحيح (٦١٧)، من الوجه الذي أخرج في الباب، من رواية ابن شهاب عن سالم عن أبيه، قال: وكان، فذكره)). (٢) البخاري (٦١٧). (٣) إحكام الأحكام (ص١٢٨). (٥) بعدها في الأصل: ((ابن)). (٤) في الأصل: ((لاجتهاده)). وفي المطبوع: ((الاجتهاد)). (٦) أسنده الخطيب في الجامع (٧٩/٢). (٧) في (ك): ((استفتى)). (٨) علوم الحديث (ص٢٤٤). (٩) في شرح التبصرة والتذكرة (ص ١٨٠). وينظر: المقنع لابن الملقن (ص٤٠٥)، وفتح المغيث (٣٤٤/٢). بَابُ الأذانِ ١٢٥ = وهَل يُلحَقُ(١) بِهِ الإِقَامَةُ في ذلك: قال المَحَامِلِيُّ، والبَغَوِيُّ مِن أصحَابِنَا: لَا. قال النَّووِيُّ: وهَذَا الَّذِي قالاهُ: مَحمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَم يَكُن مَسجِدٌ كَبِيرٌ تَدعُو الحَاجَةُ فيهِ إلَى العُلُوِّ لِلإعلَامِ (٢). (١) في الأصل: ((تلحق)). (٢) المجموع (١٠٦/٣)، وينظر: الشرح الكبير (١٩٢/٣)، الروضة (٢٠٣/١). ١٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ الحديثُ الأولُ عن هَمام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ أحَدِكُم إذاً أحدَثَ حَتَّى يَتَوضَّأ))(١). فيه فَوائِدُ: ■ الأولى: استَدَل به العُلماءُ على اشتِرَاطِ الطَّهَارَةِ في صِحَّةِ الصَّلاةِ، وهو مُجمَعٌ عليه، حَكَى الإجماعَ في ذلك جَماعَةٌ من الأئِمَّةِ(٢). قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ»(٣): ولا يَتِمُّ ذلك إلا بأن (٤) يَكُونَ انتِفاءُ القَبُول دَليلًا على انتفاءِ الصِّحَّةِ، فان فَسَّرناهُ بأنه تَرَتُّبُ الغَرَضِ المَطلُوبِ من الشَّيءٍ على الشَّيءِ، فَيُقالُ: الغَرَضُ من الصَّلاةِ وُقُوعُها مُجزِئَةً بِمُطَابَقَتِها للأمرِ (٥)، فاذا حَصَل هذا (٢١٤/٢م) الغرضُ(٦)، ثَبَتَ القَبُولُ على هذا التَّفسِيرِ، وإذا ثَبَتَ القَبُولُ على هذا التَّفسِيرِ، ثَبَتَتِ الصِّحَّةُ، وإذا انتَفَى القَبُولُ، انتَفَتِ الصِّحَّةُ. وقد حَرَّك المُتَأخِّرُونَ في هذا بحثًا؛ لأنَّ انِتِفاءَ القَبُول قد ورَدَ في مَواضِعَ مع ثُبُوتِ الصِّحَّةِ؛ كَالعَبدِ الآبِقِ، وأنه لا يَقبَلُ اللهُ لهُ صَلاةً(٧)، وكَما (٨) ورَدَ فيمَن (١) البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢/٢٢٥)، وأبو داود (٦٠)، والترمذي (٧٦). (٢) ينظر: الإجماع لابن المنذر (ص٢٩)، والتمهيد (١٧٨/١)، ومسلم بشرح النووي (١٠٢/٣). (٣) إحكام الأحكام (ص٦٧). (٥) في الأصل: ((الأمر)). (٧) ينظر: مسلم (٧٠). (٤) في الأصل: ((أن)). (٦) في (م): ((الفرض)). (٨) في الأصل: ((كمن)). = بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٢٧ أتَى عَرَّافًا(١)، وفي شَارِبِ الخَمرِ (٢)، وإن فَسَّرناهُ بأنه كَونُ العِبَادَةِ، بِحَيثُ يَتَرَتَّبُ الثَّوابُ عَليها، فَهو أخَصُّ من الصِّحَّةِ، فَلا يَلزَمُ من نَفيِهِ نَفيُها؛ لأنه لا يَلزَمُ من نَفيِ الأخَصِّ نَفيُ الأعَمِّ. قال: وهذا إن نَفَعَ (٣) في تِلكَ الأحادِيثِ التي نُفي فيها القَبُولُ مع بَقاءِ الصِّحَّةِ، فإنه يَضُرُّ (٤) في الاستِدلال بِنَفيِ القَّبُول على نَفىِ الصِّحَّةِ، اللَّهُمَّ إلا أن يُقال: دَل الدَّليلُ على كَونِ القَبُول من لوازِمِ الصِّحَّةِ، فاذا انتَفَى انتَفَت، فَيَصِحُ الاستِدلال بِنَفىٍ القَبُول على نَفىِ الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ، ويُحتَاجُ في تِلكَ الأحادِيثِ التي نُفي عنها القَبُولُ مع بَقاءِ الصِّحَّةِ إلى جَوابٍ، على أنه يَرِدُ على مَن فَسَّرَ القَبُول بِكَونِ العِبَادَةِ(٥) مُثَابًا عَليها، أو مُرضِيَةً، أو ما أشبَهَ ذلك، إذا كان مَقصُودُهُ بذلك ألّا يَلزَمَ من نَفيِ القَبُول نَفْيُ الصِّحَّةِ، أن يُقال: القواعِدُ الشَّرعِيَّةُ تَقْتَضِي أنَّ العِبَادَةَ إذا أُتِيَ بِها مُطَابِقَةً الأمرَ، كانت سَيَبًا للثّوابِ والدَّرَجَاتِ، والّواهِرُ في ذلك لا تُحصَى، انتَهَى. وقد تَضَمَّنَ كَلامُهُ للقَبُولِ تَفْسِيرَينِ : أحَدُهُما: أنه تَرَتُّبُ الغَرَضِ المَطْلُوبِ من الشَّيءِ على الشَّيءِ. والثَّانِي: أنه كَونُ العِبَادَةِ بِحَيثُ يَتَرَنَّبُ الثَّوابُ (٦) عَليها، وأنه يَلزَمُ من نَفيٍ القَبُول نَفيُ الصِّحَّةِ بالتَّفْسِيرِ الأول، ولا يَلزَمُ بالتَّفْسِيرِ الثَّانِي إلا على البَحثِ الذي ذَكَرَهُ في آخِرِ كَلامِهِ. وقال القاضِي أبو بكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٧): القَبُولُ في ألسِنَةِ السَّلفِ: الرِّضَا؛ قَبِلتُ الشَّيءَ رضيته وأرَدته والتَزَمت العِوضَ عنهُ، فَقَبُولُ الله للعَمَل هو رِضَاهُ به، وثَوابُهُ عليه، وكذا فَسَّرَ صَاحِبا ((المَشَارِقِ)). و((النِّهايَةِ))(٨). القَبُول بأنه المَحَبَّةُ (١) ينظر: مسلم (٢٢٣٠). ينظر: جامع الترمذي (١٨٦٢). وقال الترمذي: حديث حسن. (٢) (٣) في (ح): ((يقع)). (٤) في (ك): ((يصير)). بعدها في (ك): ((الأعم)). (٥) (٦) في الأصل: ((القبول)). (٧) عارضة الأحوذي (٨/١). (٨) مشارق الأنوار (١٦٩/٢)، والنهاية في غريب الحديث (١٠٩١/٣). ١٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والرِّضًا، وفي ((الصِّحاح)) (١): يُقالُ: على فُلانٍ قَبُولٌ، إذا قَبِلتهُ النَّفْسُ. والذي يَنبَغِي أن يُقال في اختِلافِ الأحادِيثِ التي ذَكَرَها، وكَونِها مُستَوِيَةً فِي نَفي القَبُول، فانتَفَت(٢) الصِّحَّةُ معهُ في بَعضِها دُونَ بَعضٍ: أنه لا يَلزَمُ من نَفي القَبُول نَفيُ الصِّحَّةِ(٣)، لكن نَنظُرُ في المَواضِعِ التي نُفي فيها القَبُولُ، فإن كان ذلك العَمَلُ قد اقتَرَنَت به مَعصِيَةٌ، عَلمنا أنَّ عَدَمَ قَبُول ذلك العَمَل، إنَّما هو لوُجُودِ تِلكَ المَعصِيَةِ، فَمن هذا الوجهِ كان ذلك العَمَلُ غَيرَ مَرضِيٍّ [١١٤/١و] (٢١٥/٢م)، لكنهُ صَحِيحٌ في نَفسِهِ، لاجتماعِ الشُّرُوطِ والأركَانِ فيه، وهذا كَصَلاةِ العَبدِ الآبِقِ، وشَارِبِ الخَمرِ، وآتِي العَرَّافِ، فَهَؤُلاءِ إنَّما لم تُقبَل صَلاتُهُم للمَعصِيَةِ التي ارتَكَبُوها، مع صِحَّةٍ صَلاتِهِم، وإن لم يَقْتَرِن(٤) بذلك العَمَلِ مَعصِيَةٌ، فَعَدَمُ قَبُولِهِ إِنَّما هو لفَقدِ شَرطٍ من شُرُوطِهِ، فَهو حِينَئِذٍ غَيرُ صَحِيحٍ. لأنَّ الشَّرطَ: ما (٥) يَلزَمُ من عَدَمِهِ العَدَمُ (٦)، وهذا كَصَلاةِ المُحدِثِ، والمرأةِ مَكشُوفَةَ الرَّأسِ، فإن الحَدَثَ، وكَشفَ المرأةِ رَأْسَها، حَيثُ لا يَرَاها الرِّجَالُ الأَجَانِبُ ليس مَعصِيَةً، فَعَدَمُ قَبُول هذه العِبَادَةِ إنَّما هو لأنَّ ضِدَّ الحَدَثِ، الذي هو الطَّهَارَةُ، شَرطٌ في صِحَّةِ الصَّلاةِ، وكذلك ضِدُّ الكشفِ، وهو السَّترُ، شَرطٌ في صِحَّةِ الصَّلاةِ، فَفُقِدَتِ الصِّحَّةُ لفَقدِ شَرطِها، فاعتَبِر ما ذَكَرتُه تَجِد جَمِيعَ الأحادِيثِ ماشِيَةً عليه من غَيرِ خَللٍ ولا اضطِرَابٍ، واللهُ تعالى أعلمُ. ■ الثَّانِيَةُ: قولُهُ: ((صَلاةَ أحَدِكُم)). مُفرَدٌ مُضَافٌ، فَيَعُمُّ كُلِ صَلاةٍ، سَواءٌ في ذلك الفَرِيضَةُ، والنافِلةُ، وصَلاةُ الجِنازَةِ، وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه، إلا ما حُكِيَ عن الشَّعبِيِّ، ومُحَمَّدِ بنِ جَرِيرِ الطَّبَرِيِّ(٧) أنهما قالا: تَجُوزُ صَلاةُ الجِنازَةِ بِغَيرِ (١) الصحاح (١٧٩٥/٥). (٢) في (ح): ((فاتفقت)). (٣) ينظر: شرح الكوكب المنير (٤٧٠/١). (٤) في (ح): ((تقترن)). (٥) في (ك): ((لا)). ينظر: قواطع الأدلة (٢٧٥/٢)، والبحر المحيط (٤٦٦/٢). (٦) (٧) ينظر: الحاوي (٢٨١/١)، وحلية العلماء (١١٠/١). بابٌ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٢٩ طَهَارَةٍ، قال النَّوِيُّ(١): وهذا مَذهَبٌ باطِلٌ، وأجمع العُلماءُ على خِلافِهِ. ونَقَل القاضِي عِيَاضٌ، عن بَعضِهِم (٢): أنَّ حُكمَ الوُضُوءِ حُكُمُ ما تَوضَّأ لهُ، من نافِلةٍ أو سُنَّةٍ. وأما سُجُودُ التِّلاوةِ والشُّكرِ، فإن أدخَلناهُما في مُسَمَّى الصَّلاةِ، فَقد تَناولهَما لفظُ الحَدِيثِ، وإن لم نَدخُلُهُما في مُسَمَّى الصَّلاةِ، فَقد جَعَل العُلماءُ حُكمَهُما كَحُكمِ الصَّلاةِ، في اشتِرَاطِ الطَّهَارَةِ. وذَكَرَ القَفالُ في (مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ)): أنَّ المَعنَى في ذلك أنهما شُعبَةٌ من الصَّلاةِ، ورُكنٌّ من أركَانِها، حَتَّى إنَّ الصَّلاةَ تُسَمَّى سُجُودًا، فَقد رُوِيَ في الخَبَرِ: ((إذا دَخَل أحَدُكُم المَسجِدَ فَلا بَجلس حَتَّى يَسجُدَ سَجدَتَينٍ))(٣)؛ أي: يُصَليَ رَكعَتَینِ. وحَكَى النَّوِيُّ وَغَيرُهُ(٤): الإجماعَ على اشتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فيهما. ورَوى ابنُ أبي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ))(٥)، بإسنادٍ فيه جَهالةٌ؛ أنَّ عَبدَ الله بنَ عُمَرَ ﴿هَا، كان يَنزِلُ عن رَاحِلتِهِ، فَيُهرِيقُ الماءَ، ثُمَّ يَركَبُ، فَيَقرَأُ السَّجدَةَ(٦)، ويَسجُدُ [وما تَوضَّأ. وعن الشَّعبِيِّ أنه قال في الرَّجُل يَقرَأُ السَّجدَةَ، وهو على غَيرِ وُضُوءٍ، قال: يَسجُدُ](٧) حَيثُ كان وجهُهُ. وقال ابنُ المُنذِرِ (٨): ورَوينا عن عُثمانَ (٩ بنِ عَفان٩َ)، في الحائِضِ تَسمَعُ السَّجدَةَ: أنَّها تُومِئُ بِرَأْسِها. وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبِ، قال: وتَقُولُ: اللَّهُمَّ لك سَجَدتُ. شرح مسلم (١٠٣/٣). (١) (٢) إكمال المعلم (١١/٢). أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٤٦٧)، وأصله عند البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٦٩/٧١٤). (٣) (٤) مسلم بشرح النووي (١٠٣/٣) (٧٩/٥). وينظر: الإشراف (٢٩٧/٢). (٥) المصنف (١٤/٢). (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٨) الأوسط (٤٥٠/٨)، والإشراف (٢٩٧/٢). (٩ - ٩) ليس في: الأصل. (٦) في الأصل: ((السورة)). ١٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الثَّالِثَةُ: قال القاضِي أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبِيِّ(١): وهي من شَرَائِطِ الأَدَاءِ، لا من شَرطِ الوُجُوبِ بإجماعِ الأُمَّةِ. وفيما نَقَلهُ(٢) (٣)من الإجماع٣) نَظَرٌ، (٢١٦/٢م) فَعند المالكِيَّةِ في ذلك خِلافٌ، سَنُوضِّحُهُ في الفائِدَةِ (٤) التي بَعدَها، والذي دَل عليه هذا الحَدِيثُ كَونُها من شَرَائِطِ الأَدَاءِ بالتَّقدِيرِ (٥) المُتَقدم في الفائِدَةِ الأُولى، أما كَونُ الوُجُوبِ مُتَوقِّقًا عَليها، فَليس في الحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لهُ. الزَّابِعَةُ: استَدَل به القاضِي عِيَاضٌ وغَيرُهُ(٦) على أنَّ (٧) فاقِدَ الطَّهورَينِ لا تَجِبُ عليه الصَّلاةُ، وزَادَ صَاحِبُ ((المُفهِم))(٨) على ذلك أنَّ فيه دليلًا على أنه لا يَجِبُ القَضَاءُ أيضًا، قال: لأنَّ عَدَمَ قَبُولهَا، لعَدَم شَرطِها، يَدُلُّ على أنه ليس مُخَاطَبًا بِها حالةَ عَدَمِ شَرطِها، فَلا يَتَرَّتَّبُ شَيءٌ في الذِّمَّةِ، فَلا تُقْضَى. وبه قال مالكٌ، وابنُ نافِع، قال: وعلى هذا فَتَكُونُ(٩) الطَّهَارَةُ من شُرُوطِ (١٠) الوُجُوبِ، واختَلفَ أصحابُ مالكٍ في هذه المسألةِ، لاختِلافِهِم في هذا الأصل(١١)، انتهى. وسَبَقَهُ إلى هذا البِناءِ أبو الظَّاهِرِ ابنُ بَشِيرٍ (١٢)، فَقال: سَبَبُ هذا الخِلافِ؛ يَعنِي: في فاقِدِ الطَّهورَينِ، الخِلافُ في كُونِ الطَّهَارَةِ شَرطًا في الوُجُوبِ، فَتَسقُطُ الصَّلاةُ عَمَّن تَعَذَّرَت(١٣) عليه، أو شَرطًا في الأَدَاءِ، فَيَقِفُ الفِعلُ على الوُجُودِ، انتھی. (١) عارضة الأحوذي (٨/١). (٣ - ٣) ليس في: (ح). (٥) في (ح): ((بالتقرير)). (٧) ليس في: (ك). (٩) في (ح): ((فیکون)). (١١) في الأصل: ((الفصل)). (٢) في (ح): ((قاله)). (٤) في (ك): ((القاعدة)). (٦) ينظر: إكمال المعلم (١٢/٢). (٨) المفهم (٤٧٨/١). (١٠) في (ح): ((شرط)). (١٢) هو: إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي، كان حافظًا لمذهب مالك، تفقه على أبي الحسن اللخمي، له كتاب: جامع الأمهات، والأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة. تنظر ترجمته في: الديباج لابن فرحون (٢٥٦/٢)، وشجرة النور الزكية (١٢٦/١). (١٣) في الأصل: ((تعددت)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٣١ ونَقَل ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) عن ابنِ خُويزِ مَندَادٍ، إنه قال: إِنه الصَّحِيحُ من مَذْهَبٍ مالكٍ، أعنِي: أنه لا يَجِبُ الأَدَاءُ، ولا القَضَاءُ، [١١٤/١ظ] ثُمَّ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: ما أعرِفُ كيف أقدَمَ على أن جعَل(٢) هذا الصَّحِيحَ من المَذهَبِ، مع خِلافِهِ (٣) جُمهورَ السَّلفِ، وعَامَّةَ الفُقَهاءِ، وجَماعَةَ المالكِيِّينَ؟ قال: وهو قولٌ ضَعِيفٌ مَهجُورٌ شَاءٌ (٤) مَرغُوبٌ عنهُ، انتهى. وفي المسألةِ (٥) أربَعَةُ أقوالٍ أُخَرُ للشَّافِعِيِّ(٦)، وهي مَذاهِبُ للعُلماءَ(٧): أحَدُها: أنه يَجِبُ عليه أن يُصَليَ على حالهِ، لحُرمَةِ الوقتِ، ويَجِبُ أن يُعِيدَ إذا تَمَكَّنَ من أحَدِ الطَّهورَينِ، وبه قال ابنُ القاسِمِ، وأبو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وهو الأصَحُّ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، ورِوايَةٌ عن أحمدَ. الثَّانِي: يَحرُمُ عليه أن يُصَلَيَ، لفَقدِ شَرطِ الصَّلاةِ، (٨ وهو الطَّهَارَةُ(٨)، ويَجِبُ القَضَاءُ إذا تَمَكَّنَ. الثَّالثُ: يُستَحَبُّ أن يُصَلِيَ، ويَجِبُ القَضَاءُ، سَواءٌ صَلى(٩)، أم لم يُصَل. وقال أصبَغُ: يُصَلي إذا قدرَ. وهو مُحتَمِلٌ لارَادَةِ هذا القول والذي قَبلهُ، ونَقَل ابنُ المُنذِرِ عن الثَّورِيِّ، والأوزَاعِيِّ: أنه لا يُصَلي، حَتَّى يَجِدَ أَحَدَهُما، وكذا قال أبو حَنِيفَةً: لا يُصَلي، فإذا وجَدَ ذلك صَلى (١٠). الرَّابِعُ: تَجِبُ الصَّلاةُ في الوقتِ، ولا تَجِبُ إعَادَتُها، فإنها إنَّما تَجِبُ بأمرٍ جَدِيدٍ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبلَ، وأشهَبُ، وهو اختِيَارُ المُزَنِيّ، قال أبو ثَورٍ : وهو القِيَاسُ. وحُكِيَ عنهُ أيضًا: أنَّ القِيَاسَ أنه لا يُصَلي حَتَّى يَجِدَ أحَدَ الطّهورَينِ. ولهذا نَقَل عنهُ ابنُ (٢١٧/٢م) المُنذِرِ قولينِ (١١). (١) التمهيد (٢٧٥/١٩)، والاستذكار (٣٠٤/١). (٢) في (ك، م): ((أجعل)). (٣) في (ك): ((خلاف)). (٤) ليس في: (ك). (٥) ليس في: (ك). ينظر: مسلم بشرح النووي (٦٠/٤)، والمجموع (٣٢٥/٢). (٦) (٧) في (ك): ((العلماء)). وفي (م): ((علماء)). (٨ - ٨) ليس في: (ح). (٩) في (ك، م): ((أصلى)). (١١) ينظر: الإشراف (٢٧٥/١). (١٠) ينظر: الأوسط (٤٥/٢). ١٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وهذا القولُ الرَّابِعُ: قال به ابنُ حَزم، وصَحَّحَهُ القاضِي أبو بكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(١)، وقال الثَّوِيُّ: أنه أقوى الأقوالَ دَليلًا(٢)، قال: وكذا يَقُولُ المُزَنِيُّ: كُلُّ صَلاةٍ أُمِرَ بِفِعلها في الوقتِ على نَوعِ من الخَلل، لا يَجِبُ قَضَاؤُها. وحَكَى ابْنُ العَرَبِيِّ(٣) قولًا سَادِسًا: أنه يُومِئُ إلى التَّيَهُمِ، قال ابنُ العَرَبِيِّ: والذي أقُولُ أنه إنَّما يُومِئُ إلى الماءِ، لا إلى التََّمُمِ. واعلم أنَّ هذه المسألةَ لا يُمكِنُ الخُرُوجُ من الخِلافِ فيها (٤)، فإن أحَدَ الأقوال وُجُوبُ الصَّلاةِ في الوقتِ، والآخَرُ تَحرِيمُها، وقِيَاسُ السَّهوِ في الصَّلاةِ تَرَجُحُ(٥) فِعلها، وحَمَل القائِلُونَ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ في هذه الصُّورَةِ هذا الحَدِيثَ على المُتَمَكِنِ من الظّهَارَةِ، وأخرَجُوا العَاجِزَ عن دَلالةِ الحَدِيثِ، واستَدَلُّوا لؤُجُوبِها بِقولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إذا أمَرتُكُم بأمرٍ فَأَتُوا منهُ ما استَطَعْتُم))(٦). والمُكَلفُ مأمُورٌ بالصَّلاةِ والطَّهَارَةِ، فإذا عَجَزَ عن الطَّهارَةِ، لا تَسقُطُ عنهُ الصَّلاةُ، واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: استَدَل به الخَطَّابي (٧)؛ على اشتِرَاطِ الطَّهَارَةِ في صِحَّةٍ الطّوافِ؛ لأنه صَلاةٌ، فَقد قال النَّبِيُّ وَِّ: ((الطَّوافُ بالبَيتِ صَلاةٌ، إلا أنَّ الله تعالى أحَل فيه الكلامَ)) (٨). وقال الشَّيخُ فَتَحُ الدِّينِ الْيَعمَرِيُّ(٩) في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ))(١٠): المُشَبَّهُ لَا يَقوى قُوةَ المُشَبَّهِ به (١١) من كُل وجهٍ، ومَعلُومٌ أنَّ قولهُ، عليه الصلاة والسَّلامُ: ((الطَّوافُ صَلاةٌ))؛ أي: يُشبِهُ الصَّلاةَ، وقد نَبَّهَ على الفَرقِ بينهُما بِجَوازِ الكلامِ فيه، (١) عارضة الأحوذي (٩/١). مسلم بشرح النووي (٦٠/٤)، والمجموع (٣٢٥/٢). (٢) (٣) عارضة الأحوذي (٩/١). (٤) بعدها في (ك): ((قال)). (٦) البخاري (٧٢٨٨). في (ح): ((یرجح)). (٥) معالم السُّنن (٣٣/١). (٨) أخرجه ابن حبان (٣٨٣٦)، وهو عند النسائي (٢٨٧٣) بنحوه. (٧) (٩) في (ك، م): ((العمري)). وهو تصحيف. ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٢٦٨/٩). (١١) ليس في: (ك). (١٠) النفح الشذي (٤٦/١). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٣٣ و(١ )كَما أنه يَجُوزُ فيه ما لا يَجُوزُ في الصَّلاةِ، فَكذلك لا يُشتَرَطُ فيه كُلُّ ما يُشتَرَطُ في الصَّلاةِ، ويَرِدُ على الخَطَّابي إباحَةُ الكلامِ فيه والمَشيٍ، وليسا مِما يُباحُ في الصَّلاةِ، انتَهَى كَلامُهُ. وفيه نَظَرٌ فِي مَواضِعَ: أحَدُها: في قولهِ: إِنَّ (٢) قولهُ علِّلها: ((الطَّوافُ صَلاةٌ))؛ أي: يُشبِهُ الصَّلاةَ، فَلقائِلِ أن يَقُول: إنه صَلاةٌ حَقِيقَةٌ، فإن الأصل في الإطلاقِ الحَقِيقَةُ، وهي حَقِيقَةٌ شَرعِيَّةٌ، ويَكُونُ لفظُ الصَّلاةِ مُشتَرَكًا، بين الصَّلاةِ المَعهودَةِ والطَّوافِ، اشتِرَاكًا لفظِيًّا . ثَانِيها (٣): في قولهِ: وقد نَبَّهَ على الفَرقِ بينهُما (٤) بِجَوازِ الكلامِ فيه. فَنَقُولُ (٥): قد ذَكَرَ النَّبِيُّ ◌َهَ أنه صَلاةٌ، فَثَبَتَ لهُ جَمِيعُ أحكَامِ الصَّلاةِ، إلا ما استَثنَى، والاستثناءُ مِعِيَارُ العُمُومِ (٦). ثَالثُها: في قولهِ: وكما أنه يَجُوزُ فيه ما لا يَجُوزُ في الصَّلاةِ، فَكذلك لا يُشتَرَطُ فيه كُلُّ ما يُشتَرَطُ فِي الصَّلاةِ، فَتَقُولُ: هذا قِيَاسٌ مُعَارِضٌ لظَاهِرِ الحَدِيثِ، وأيضًا فَلا مُلازَمَةَ بينهُما تُصَحِّحُ القِيَاسَ، ثُمَّ لو سَلمنا صِحَّتَهُ، فَذلك(٧) لا يَمنَعُ [١١٥/١ و] من الاستِدلال بِهذا الحَدِيثِ، على شيءٍ يُخَالفُ القِيَاسَ. (٢١٨/٢م) رَابِعُها: في(٨) قولهِ: ويَرِدُ على الخَطَّابي إياحَةُ الكلامِ فيه والمَشىٍ، وليسا مِما يُباحُ في الصَّلاةِ. فَتَقُولُ: هذا مِما تَقْدمَ أنَّ جَمِيعَ ما يُشتَرَطُ في الصَّلاةِ يُشتَرَطُ في الطّوافِ، إلا ما يُستَثنَى، وإباحَةُ الكلام مُستَثناةٌ بِقولهِ (٩) وفِعِلهِ، والمَشيُّ مُستَثنَى بِفِعلهِ، (١) ليست في: (ح). (٣) في الأصل: ((ثانيهما)). (٥) في (م): «فیقول)». ينظر: نهاية السول للإسنوي (٣٨٥/١)، وشرح الكوكب المنير (١٠٤/٣). (٦) (٧) في (ح): «فكذلك)). (٩) في الأصل: ((من قوله)). (٢) ليس في: (ح). (٤) ليس في: (ح). (٨) ليس في: (ك). = ٧٧ ١٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ولأنه (١) لا يَصدُقُ اسمُ الطّوافِ شَرعًا إلا بالمَشي، واللهُ أعلمُ. وقد دَل على اشتِرَاطِ الظَّهَارَةِ في صِحَّةِ الطَّوافِ(٢)، قولُهُ وَّهِ لِعَائِشَةَ رَّا: ((افعَلي ما يَفعَلُ الحاجُ، غَيرَ ألّا تَطُوفي بالبيتِ، حَتَّى تَطْهُرِي))(٣). وأنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ طَافَ مُتَطَهِّرًا، وقال: ((خُذُوا عني مَناسِكَكُمْ)) (٤). وبِهِذا قال الجُمهورُ(٥)، وسَيَأْتِي إيضَاحُهُ في: الحَجِّ، إن شاء الله تعالى. ■ السَّادِسَةُ: قد تَقَرَّرَ دَلالةُ الحَدِيثِ على بُطلانِ الصَّلاةِ عند فَقدِ الطَّهَارَةِ، وهو دَالٌّ على تَحرِيمِ الصَّلاةِ في تِلكَ الحالةِ، لما فيه من التَّلاعُبِ بِتَعَاطِي العِبَادَةِ الفاسِدَةِ، وهو كذلك، إذا فَعَلهُ مُتَعَمِّدًا بِلا عُذرٍ، بَل حُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ: أنه يَكفُرُ، وقال الجُمهورُ: لا يَكفُرُ؛ لأنَّ الكُفرَ بالاعتِقادِ، وهذا المُصَلي اعتِقَادُهُ صَحِيحٌ(٦). ] السَّابِعَةُ: الحَدَثُ يُطلقُ بإزَاءِ معانٍ : أحَدُها: الخَارِجُ المَخصُوصُ، وما في مَعناهُ، مِما يَذْكُرُهُ الفُقَهاءُ في نَواقِضٍ الوُضُوءِ، حَيثُ يَقُولُونَ: الأحدَاثُ كذا وكذا. الثَّانِي: نَفسُ خُرُوجِ ذلك الخَارِجِ. الثَّالثُ: المَنِعُ المُتَرَتِّبُ على ذلك الخُرُوجِ، وبِهذا المَعنَى يَصِحُ قولُنا: رَفَعتُ الحَدَثَ؛ لأنَّ الأولينِ يَستَحِيلُ رَفعُهُما، بِمَعنَى ألّا يَكُونا وقَعَا، إذ هُما وقَعَا بِخِلافِ المَعنَى الثَّالثِ، وهو المَنعُ، فإن الشَّارِعَ جَعَل للمَنعِ غَابَةً، وهو استِعِمالُ المُكَلفِ الطَّهورَ، فإذا استَعمَلُهُ، صَحَّ قولُهُ: نَويتُ رَفعَ الحَدَثِ؛ أي: رَفْعَ ذلك المَنعِ المُمتَدِّ من الأُمُورِ المَخْصُوصَةِ. الرَّابِعُ: وصفٌ حُكمِيٍّ، يُقدَّرُ قِيَامُهُ بالأعضَاءِ، يَنزِلُ في ذلك مَنزِلَةَ الحِسِّيِّ، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ»(٧): ذَكَرَهُ كَثِيرٌ من الفُقَهاءِ، وهُم مُطَالِبُونَ (١) في الأصل: ((وبأنه)). (٢) في (ك): ((الصلاة)). يأتي تخريجه مستوفى في شرح الحديث الأول من باب: طواف الحائض. (٣) (٤) مسلم (٣١٠). (٥) ينظر: بداية المجتهد (٣٤٣/١). مسلم بشرح النووي (١٠٣/٣). (٦) (٧) إحكام الأحكام (ص٦٩). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٣٥ بدليلٍ شَرعِيٍّ يَدُلُّ على إثباتِ هذا المَعنَى الرَّابع، وأقرَبُ ما يُذكَرُ فيه: أنَّ الماءَ المُستَعمَل [قد انتَقَل إليه المانِعُ القائِمُ بالأعضَاءِ، والمسألةُ مُتَنَازَعٌ فيها؛ فَقد(١) قال جَماعَةٌ بِطَهورِيَّةِ الماءِ المُستَعمَل](٢)، ولو قِيل بِعَدَمِ طَهورِيَّتِهِ أو بِنَجَاسَتِهِ: لم يَلْزَمِ مِنْهُ (٣) انتِقَالُ مانِعٍ، فَلا يَتِمُّ الدَّليلُ. قُلتُ: الدَّليلُ عليه: ما رَواه أبو داودَ في ((سُنَتِهِ)). والحاكِمُ في ((مُستَدرَكِهِ))(٤)، وصَحَّحَهُ، عن عَمرِو بنِ العَاصِي(٥)، قال: احتَلمتُ في ليلةٍ بارِدَةٍ، في غَزَاةِ ذاتٍ السَّلَاسِل، فاشفَقتُ أن أغتَسِل فاهلكَ، فَتَيَمَّمتُ، ثُمَّ صَليتُ (٢١٩/٢م) بأصحابي، فَذَكَرُوا ذلك(٦) لِرَسُول الله وَّةِ، فَقال: ((يَا عَمْرُو، وصَليتَ بأصحابِكَ وأنتَ جُنُبٌ؟)). فأخبَرته بالذي مَنَعني من الاغتِسَال، وقُلت: إنِّي سَمِعتُ اللهَ(٧) يَقُولُ: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. فَضَحِكَ النَِّيُّ وََّ، ولم يَقُل شَيئًا . فأقَرَّهُ النَّبِيُّ وََّ على الصَّلاةِ، فَدَل على أنَّ المَنعَ المُتَرَتِّبَ على الخَارِجِ قد زَال، ثُمَّ أثبَتَ لهُ وصفَ الجَنابَةِ، بِقولهِ: ((وأنتَ جُنُبٌ)). وهذا يُقوي القول بأنَّ التََّّمُّمَ لا يَرفَعُ الحَدَثَ؛ أي: الوصفَ الحُكمِيَّ المُقدرَ، وإن كان الحَدَثُ بالمَعنَى الثَّالثِ، وهو المَنعُ، قد زَال، وإن اختَصَّ زَوالُهُ بِبَعضِ الأحوال؛ كَفَقدِ الماءِ، أو وُجُودِهِ(٨) مع الحاجَةِ إليه، ويِبَعضِ الأوقاتِ: فإنه لا يُرفَعُ المَنِعُ، إلا من فَرِيضَةٍ واحِدَةٍ، ومَن يَرَى أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ للحَدَثِ(٩)، لا يُثْبِتُ هذا المَعنَى، ويَقُولُ: إذا زَال المَنعُ لم يَبقَ حَدَثٌ. والظَّاهِرُ: أنَّ المُرَادَ بالحَدَثِ في هذا الحَدِيثِ المَعنَى الأولُ، أو الثَّانِي، ولا يُمكِنُ إِرَادَةُ الثَّالثِ؛ لأنَّ هذا الحَدِيثَ هو الذَّالُّ على المَنعِ، فَلو حَمَلنا قولُهُ: ((إذا أحدَثَ)). على المَنعِ، لم يَكُن فيه فائِدَةٌ. ليس في: (ك). (١) ليس في: (ك). (٣) (٥) في (ك، م): ((العاص)). (٧) في (ح): ((أنه)). (٩) في (ح): ((الحدث)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٤) أبو داود (٣٣٤)، والحاكم (١٧٧/١). (٦) ليست في: (ح). (٨) في (ك): ((وجود)). 5 ١٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فإن قُلتَ [١١٥/١ظ]: إنَّما يَلزَمُ ذلك أن لو قال: يَحرُمُ على أحَدِكُم الصَّلاةُ إذا أحدَثَ. فَلا يُمكِنُ أن يَكُونَ مَعنَى أَحدَثَ هُنا: مَنَعَ، لاتِّحادِ الشَّرطِ والجَزَاءِ، والذي(١) في الحَدِيثِ إِنَّما هو نَفيُ القَبُول، ولا امتِناعَ في أن يُقال: لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ أحَدِكُم إذا مَنَعَ من الصَّلاةِ حَتَّى يَتَوضَّأ . قُلتُ(٢): قد قَرَّرتُ دَلالةَ نَفيِ القَبُول على نَفىِ الصِّحَّةِ في هذا المَوضِعِ، ودَلالةَ نَفىِ الصِّحَّةِ على التَّحرِيمِ، فالتَّحرِيمُ مَدلُولٌ عليه بالحَدِيثِ، وإن لم يَكُن مُصَرَّحًا به فيه(٣)، واللهُ تعالى أعلمُ. ■ الثَّامنةُ (٤): الظَّاهِرُ: أنَّ المُرَادَ بالحَدَثِ هُنا: جَمِيعُ نَواقِضِ الوُضُوءِ، وهي مُفَصَّلةٌ في مَواضِعِها، وقال صَاحِبُ ((المُفهِم))(٥): قولُهُ: ((أحدَثَ)). كِنايَةٌ عَما يَخرُجُ من السَّبِيلينِ؛ مُعتَادًا في (٦) جِنسِهِ وأوقاتِهِ، عند مالكٍ وجُل أصحابه، وقال ابنُ عَبدِ الحَكَمِ، والشَّافِعِيُّ: المُعتَبَرُ الخَارِجُ النَّجَسُ وحدَهُ، فَمن أيِّ شيءٍ خَرَجَ نَقَضَ وأوجَبَ، انتَهَى. وفيه أمرَانٍ: أحَدُهُما: أنه لا مَعنَى لتَخصِيصِهِ بِالخَارِجِ المَخصُوصِ، فَسَائِرُ نَواقِضٍ الوُضُوءِ أحداثٌ، وعلى ذلك مَشَى ابنُ بطالٍ في (شَرحِ البُخَارِيِّ)»(٧)، كَما سَنَحكِي كَلامَهُ. ثَانِيهِما: في نَقلِهِ عن الشَّافِعِيِّ نَظَرٌ؛ من وجهَينِ : أحَدُهُما: أنه (٨) لا يُعتَبَرُ في الخَارِجِ كُونُهُ نَجِسًا، بَل لو كان طَاهِرًا؛ كَالدُّودِ، والِحَصَى نَقَضَ أيضًا . الثَّانِي: أنه لا يَقُولُ بالنَّقضِ من أيِّ شيءٍ خَرَجَ، (٢٢٠/٢م) بَل لا بُدَّ أن (١) في (ك): ((وللذي)). (٣) ليس في: (ك). (٥) المفهم (٤٧٩/١). شرح البخاري لابن بطال (٢١٨/١ - ٢١٩). (٧) ليست في: (ح) . . (٨) (٢) في الأصل: ((الثامنة)). (٤) مكانها في الأصل بياض بمقدار كلمة. (٦) في (ح): ((إلى)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٣٧ يَكُونَ من أحَدِ السَّبِيلينِ، إلا فيما إذا انسَدَّ المَخرَجُ المُعتَادُ، وانفَتَحَ مَخرَجْ تَحتَ المَعِدَةِ، فإنه يُنتَقَضُ الوُضُوءُ بالخَارِجِ منهُ، فان انفَتَحَ فَوقَها أو انفَتَحَ تَحتَها مع انفِتَاحِ الأصليِّ أيضًا، فَفيه قولانٍ: أَصَحُّهُما عَدَمُ النَّقضِ، وهذا الذي نَقَّلهُ عن الشَّافِعِيِّ هو (١) قولُ أبي حَنِيفَةَ، أنه يَحصُلُ النَّقضُ بِكُلِ خَارِجِ نَجَسٍ من البَدَنِ، والله تعالى أعلمُ. وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(٢) في هذا الحَدِيثِ، في كِتَابِ الطَّهَارَةِ، قال رَجُلٌ من حَضرَمَوت: ما الحَدَثُ يَا أبا هريرةَ؟ قال: فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ»(٣): ولعَلهُ قامَت لهُ قَرَائِنُ حاليَّةٌ اقتَضَت هذا النَّخصِيصَ، انتهى. ولذلك أورَدَه(٤) التِّرمِذِيُّ في بابِ: الوُضُوءِ من الرِّيحِ(٥)، مع أنَّ هذه الزِّيَادَةَ ليست في ڕِوايَتِهِ. وقال ابنُ بطالٍ (٦): إنَّما اقتَصَرَ على بَعضِ الأحدَاثِ؛ لأنه أجَابَ سَائِلًا سَألُهُ عن المُصَلي يُحدِثُ في صَلاتِهِ؟ فَخَرَجَ جَوابُهُ: على ما يَسْبِقُ المُصَليَ من الأحدَاثِ في صَلاتِهِ؛ لأنَّ البَول، والغَائِطَ(٧)، والمُلامَسَةَ: غَيرُ مَعهودَةٍ في الصَّلاةِ، وهو نَحوُ قولهِ، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للمُصَلي، إذ أمَرَهُ باستصحابٍ اليَقِينِ في الطَّهَارَةِ: ((لا يَنصَرِفُ حَتَّى يَسمع صَوتًا أو يَجِدَ رِيحًا)). ولم يَقصِد به: تَعِينَ الأحدَاثِ وتَعدَادَها . قال: والأحدَاثُ التي أجمع العُلماءُ أنَّها تَنقُضُ (٨) الوُضُوءَ سِوى ما ذَكَرَهُ أبو هريرةَ: البَولُ، والغَائِطُ، والمَذيُ، والوديُ، والمُباشَرَةُ، وزَوالُ العَقل بأيِّ حالٍ زَال، والنَّومُ الكثيرُ. في (م): ((وهو)). (١) (٣) إحكام الأحكام (ص٦٩). (٥) جامع الترمذي (١٠٩/١). ليس في: (ك). (٧) (٢) البخاري (١٣٥). (٤) في (م): ((أورد)). (٦) شرح البخاري لابن بطال (٢١٨/١). (٨) في (ك): ((ينقض)). ١٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والأحدَاثُ التي اختُلفَ في وُجُوبِ الوُضُوءِ منها: القُبلةُ، والجَسَّةُ، ومَسُّ الذَّكَرِ، والرُّعَافُ، ودَمُ الفَصدِ، وما يَخرُجُ من السَّبِيلينِ(١) نادِرًا غَيرَ مُعتَادٍ؛ مِثل سَلسِ البَول، والمَذىٍ، ودَمِ الأستِحاضَةِ، والدُّودِ يَخرُجُ من الدُّبُرِ وليس عليه أَذَّى، وسَاقَ الكلامَ على ذلك، ولا يَخلُو عن نَظَرٍ . وقال ابنُ التِّينِ: إنَّما استُعمِل هذا اللفظُ، حِرصًا على البَيَانِ، وليس هذا عَادَةَ كَلامِهِ، مِثل قولهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، للمُقِرِّ على نَفسِهِ بالزِّنا: ((أنِكتَها))(٢). لا يُگنِّي. وكان أبو هريرةَ يُخَاطِبُ رَجُلًا أعجَمِيًّا، من حَضرَمَوت [١١٦/١و]، واقتَصَرَ على ما ذَكَرَهُ من الحَدَثِ؛ لأنه سَأْلهُ عن المُصَلي يُحدِثُ فِي صَلاتِهِ؟ فأجَابَ على ما يَسِقُ المُصَليَ من الأحدَاثِ، انتهى. ■ التَّاسِعَةُ: تَكَلم القَفّالُ في ((مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ)). على حِكْمَةِ رَبِطِ الطَّهَارَةِ بالأحدَاثِ، بِما يلخِّصُهُ (٣): أنَّ الطَّهَارَةَ بالماءِ مُستَحسَنَةٌ عَقْلًا وعَادَةً، ولو لزِمَ فِعلُها كُل وقتٍ، لتَعَذَّرَ أو شَقَّ، فَعُلقَت بِحالٍ مَخصُوصَةٍ، وهي الصَّلاةُ (٢٢١/٢م)؛ لأنَّها أولى ما تَعَلقَ(٤) به، لما فيها من مُناجَاةِ الله تعالى، ولو وجَبَت لكُل صَلاةٍ لشَقَّ، ولا بُدَّ لها من نِهايَةٍ، يَنقَضِي حُكمُها بِوُجُودِها، ولا يَصلُحُ أن تَكُونَ تِلكَ النِّهايَةُ عَدَدًا مَخصُوصًا من الصَّلواتِ، فإن الطَّهارَةَ قد تَجِبُ لغَيرِ (٥) الصَّلاةِ، فَجُعِلت نِهايَتُها خُرُوجَ أشْيَاءَ من البَدَنِ مُستَقْذَرَةٍ جَرَتِ العَادَاتُ الحَسَنَةُ باجتِنابِها وإزَالتِها، وسُمِّيَت تِلكَ الأشياءُ أحداثًا، ثُمَّ كان زَوالُ العَقلِ يُزِيلُ التَّكليفَ، وهو مَظِنَّةُ خُرُوجِ الرَّائِحَةِ، ولا يَخلُو في كَثِيرٍ من الأحوال عن اقتِرَانِ نَدَاوةٍ بِها، فَحُسِمَ البابُ، وألحِقَت بالغَائِطِ ونَحوِهِ، وأيضًا فإن زَوال العَقلِ بِغَيرِ النَّومِ يُزِيلُ التَّكليفَ، وهو أشنَعُ الأشياءِ وأفظَعُها، فألحِقَ لذلك بالنَّجَاسَةِ الخَارِجَةِ من السَّبِيلِينِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَعنّى (١) في (ح): ((السبيل)). (٣) في (ح، م): ((ملخصه)). (٥) في (ح): ((بغير). (٢) البخاري (٦٨٢٤). (٤) في (ح): ((يعلق)). بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ ١٣٩ آخَرَ، وهو أنَّ الطَّهَارَةَ إنَّما تَقَعُ بِما يُتَنَّفُ به، والخَارِجُ من البَدَنِ إما مُستَخْبَثٌ؛ كَالبَول ونَحوِهِ، أو غَيرُ مُستَخبَثٍ؛ كَالعَرَقِ، والبُزَاقِ ونَحوِهِما، فاختَصَّت بِخُرُوجٍ المُستَخَبَثِ؛ لأنه الذي (١) يُحتَاجُ إلى التَّنِظِيفِ منهُ. قال: ثُمَّ إنَّ الله تعالى نَبَّهَنا بِما أمَرَنا به(٢) من الطَّهَارَةِ من الحَدَثِ على الظَّهارَةِ من الآثَامِ؛ لأنَّ أفعَال البَدَنِ مُستَخبَثٌ كَالمَعصِيَةٍ، وغَيرُ مُستَخَبَثٍ كَالطَّاعَةِ، فانقَسَمَ ما يَخرُجُ من البَدَنِ قِسمَينٍ؛ كَانِقِسَامِ ما يَخرُجُ من أفعَال البَدَنِ قِسمَينٍ، وكان التَّطْهِيرُ لازِمًا للمَذمُومِ منهُما في الناسِ، واللهُ تعالى أعلمُ. وذَكَرَ القاضِي أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبِيِّ(٣) أنَّ رَبطَ الطَّهارَةِ بالأحدَاثِ عِبادَةٌ لا يُعقَلُ مَعناها، قال: وقد أشَارَ بَعضُ مَن تَكَلم على حِكَم الشَّرِيعَةِ إلى أنَّ في تَعليقِها بالأحدَاثِ مَعنّى مَعقُولًا، فَلم يَتَّفِقِ لهُ صَحِيحًا، انتَهَى. وكَأنه أَشَارَ بذلك إلى القَفال. وذَكَرَ الحَكِيمُ التِّرمِذِيُّ في ((عِللهِ)) (٤)؛ أنَّ المَعنَى في ذلك أنَّ مُستَقَرَّ الشَّيطَانِ تَحتَ المَعِدَةِ في مَوضِع(٥) الفُصُول، فإذا خَرَجَ رِيحُ الفُضُول أو بَلتُهُ، فَهو من مُستَقَرِّهِ، ولذلك نَجَسَ بِنَجَاسَةِ الشَّيطَانِ وكُفرِهِ، فَما خَرَجَ من السَّبِيلينِ لزِمَ منهُ التَّطْهِيرُ، ولذلك قال أهلُ المَدِينَةِ: لا يَجِبُ الوُضُوءُ من الخَارِجِ من غَيرِ السَّبِيلينِ، وأوجَبَهُ أهلُ الكُوفَةِ لنَجَاسَتِهِ، وإنَّما نَجَسَ لكَونِهِ من مُستَقَرُ الشَّيطَانِ، ألا تَرَى أنَّ ما خَرَجَ من النِّصفِ الأعلى من النُّخَامَةِ، والبَلغَم، والبُصَاقِ ليس نَجِسًا، والدَّمُ، والعَذِرَةُ، والبَولُ من مُستَقَرِّهِ ومَجلسِهِ، فَهو نَجِسٌ بِنَجَاسَتِهِ، من أيِّ مَوضِعٍ خَرَجَ، ولا يُنظَرُ من (٦) أيِّ حَدِّ خَرَجَ، وإنَّما يُنظَرُ من أينَ (١) ليس في: الأصل. (٢) ليس في: (ك). (٣) عارضة الأحوذي (٤٠/٤). (٤) علل الشريعة لأبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن، الحكيم الترمذي. تنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٤٣٩/١٣)، وطبقات الشافعية الكبرى (٢٤٥/٢). (٥) في (ك): ((مواضع)). (٦) في الأصل: ((في)). ١ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ جرى(١)، قال: وقولُ أهل الكُوفَةِ أَشبَهُ بالحَقِّ، انتهى. ■ العَاشِرَةُ: قال النَّوِيُّ(٢): قولُهُ: ((حَتَّى يَتَوضَّأ))؛ مَعناهُ: حَتَّى يَتَطَهَّرَ بِمَاءٍ أو تُرَابٍ، وإنَّما اقتَصَرَ على الوُضُوءِ لكَونِهِ الأصل و(٣) الغَالبَ. ■ الحاديةَ عشرَ: فيه دَليلٌ على أنه لا يَجِبُ (٤) الوُضُوءُ لكُلِ صَلاةٍ، وإنَّما يَجِبُ على المُحْدِثِ خَاصَّةً. قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ(٥): ووجهُ الاستِدلال به: أنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بَقَّى عَدَمَ القَبُول مُمتَدًّا إلى غَايَةِ الوُضُوءِ، وما بَعدَ الغَايَةِ مُخَالفٌ لما قَبلها، فَيَقْتَضِي ذلك قَبُول الصَّلاةِ بَعدَ الوُضُوءِ مُطلقًا، ويَدْخُلُ (٦) تَحتَهُ الصَّلاةُ الثَّانِيَةُ قَبل الوُضُوءِ لها ثَانِيًا . قُلتُ: قد يُقالُ: تَحصُلُ المُخَالفَةُ بين ما قَبل الوُضُوءِ(٧)، وما بَعدَهُ بِقَبُول [١٦/١ ١ظ] صَلاةٍ واحِدَةٍ بَعدَهُ، إذ قَبلهُ لا يُقبَلُ شَيءٌ أصلًا، ويُحتَمَلُ أن يُقال في الاستدلال وجهٌ آخَرُ: وهو أنه قَيَّدَ عَدَمَ القَبُول بِشَرطِ الحَدَثِ، ومَفهومُهُ حُجَّةٌ عند الأكثَرِينَ، ومَفهومُهُ هُنا أنه إذا لم يُحدِث تُقبَلُ صَلاتُهُ، وإن لم يُجَدِّد وُضُوءًا . الثَّانِيَةَ عشرَ: قد يُستَأنَسُ به لأصَحِّ الأوجُهِ عند أصحابِنا (٨)؛ أنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ بالحَدَثِ، والقِيَامِ إلى الصَّلاةِ، والثَّانِي: أنَّها تَجِبُ بالحَدَثِ وُجُوبًا مُوسَّعًا، والثَّالثُ: تَجِبُ بالقِيَامِ إلى الصَّلاةِ فَقَط. ■ الثّالثَةَ عشرَ: أوَرَدَهُ البُخَارِيُّ في: كِتَابٍ تَركِ الحِيَل، وبَوبَ عليه هُناكَ : باب في الصَّلاةِ(٩). (١) في (م): ((خرج)). (٣) في الأصل، (م): ((أو)). (٥) إحكام الأحكام (ص ٧٠). ليس في: (ك). (٧) (٩) البخاري (٦٩٥٤). (٢) مسلم بشرح النووي (١٠٣/٣). (٤) في (ك): ((تجب)). (٦) في (ح): ((تدخل)). (٨) ينظر: مسلم بشرح النووي (١٠٣/٣).