النص المفهرس
صفحات 101-120
بَابُ الأذانِ ١٠١ 2 = = فَحَكَاهُمَا في ((المُحكَم))(١)، وأنشَدَ [١٠٩/١ و] قَولَ أبِي خِرَاشٍ(٢): جَمَعتَ أُمُورًا يُنفِدُ المِرءَ بَعضُهَا مِن الحِلمِ(٣) والمَعْرُوفِ والحَسَبِ الضَّخِمِ وقال: هَكَذَا رَواهُ السَّكَّرِيُّ(٤): بِكَسرِ المِيمٍ، وزَعَمَ: أنَّ ذلك لُغَةُ هُذَيلٍ (٥)، انتھی. ويُثَنَّى، فَيُقَالُ: المَرءَانُ، ولَا جَمِعَ لَهُ مِن لَفِظِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبًا(٦) ((الصِّحَاحِ))، و((المُحكم)». وقال في ((المَشَارِقٍ)): والجَمِعُ(٧): مَرُونُ، ومِنْهُ في الحَدِيثِ: ((أيُّهَا المَرْءُونُ))(٨). وذَكَرَ صَاحِبُ ((النِّهَايَةِ))(٩)، تَبَعًا لِلهَرَوِيِّ(١٠): حَدِيثَ الحَسَنِ: أحسِنُوا مَلَأكُم، أيُّهَا المَرءُونُ. وقال: هُو جَمعُ المَرءِ، قال: ومِنهُ قَولُ رُؤْبَةً لِطَائِفَةٍ رَآهُم: أينَ يُرِيدُ المرءُونُ(١١). قال في ((الصِّحَاحِ)) (١٢): وبَعضُهُم يَقُولُ: هَذِهِ مَرْءَةٌ(١٣) صَالِحَةٌ، ومَرَةٌ أيضًا، بِتَركِ الهَمِزِ، وتَحرِيكِ الرَّاءِ بِحَرَكَتِهَا، وهَذِهِ امرأةٌ: مَفتُوحَةَ الرَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. الزَّابِعَةُ: المَشهُورُ فِي الرِّوايَةِ: ((حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدرِي كَم صَلَّى)). بِفَتحِ الظَّاءِ، مِن يَظَلُّ، وكَسرِ ((إن)). فَيَظَلُّ: إحدَى نَواسِخِ الابتِدَاءِ، تَرفَعُ الاسمَ، (١) المحكم (٢٩٤/١٠)، وينظر: لسان العرب (١٥٤/١)، وتاج العروس (٤٢٩/١). (٣) في (ك): ((الحِكم)). (٢) في الأصل: ((الخراش)). (٤) في (ك): ((العسكري)). وهو تصحيف، والسّكّري هو: أبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبيد الله الأديب النحوي، صاحب ديوان الهذليين (ت٢٧٥هـ). الفهرست (ص١١٧)، المنتظم (٩٧/٥)، معجم الأدباء (٩٤/٨)، بغية الوعاة (٥٠٢/١). (٥) ينظر: شرح ديوان الهزليين (ص١٢٢٥). (٦) في (ح): ((صاحب)). (٧) ليس في: (ك). (٨) صدر الحديث أخرجه السرّاج في مسنده (٤٢٠/١)، والفريابي في الدلائل (١ / ٦٤) مرفوعًا، من حديث أبي قتادة. وينظر: غريب الحديث لابن الجوزي (٣٥٠/٢)، والخطابي (٩٢/٣). (٩) النهاية (٣١٤/٤). (١٠) إسفار الفصيح للهروي (٨٤٠/٢). (١١) ينظر: الفائق للزمخشري (٣٨٥/٣). (١٢) الصحاح (٧٢/١). وينظر: المحكم (٢٩٤/١٠)، والمشارق (٢٣٥/١). (١٣) في (ح، م): ((مرأة)). ١٠٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وتَنْصِبُ الخَبَرَ (١)، ومَعنَاهَا في الأصلِ: اتِّصَافُ المُخبَرِ عنْهُ بِالخَبَرِ نَهَارًا، وَهِيَ هُنَا بِمَعنَى يَصِيرُ، كَمَا في قَوله تَعَالَى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ, مُسْوَدًا﴾ [النحل: ٥٨]. وقِيلَ: بِمَعنَى يَبْقَى ويَدُومُ. و((إن)) نَافِيةٌ، ويَدُلُّ عَلَى ذلك قَولُهُ في رِوايَةِ البُخَارِيِّ: ((لَا يَدرِي)). وفي رِوايَةٍ مُسلِم: ((مَا يَدرِي)). والثّلَاثَةُ حُرُوفُ نَفي(٢). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣): الرِّوايَةُ في ((أن)) هَهُنَا عِندَ أكثَرِهِم: بِالفَتحِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ: (لَا يَدرِي)). وكَذلك رَواهُ جَمَاعَةٌ، عن مَالِكِ (٤): ((حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدرِي كَم صَلَى)). [ومَن رَواهَا بِكُسرِ الهَمزَةِ، فَمَعنَاهُ: ((مَا يَدرِي كَم صَلَّى))](٥). و((إن)) بِمَعنَى ((مَا)) كَثِيرٌ (٦)، انتَهَى. واعتَرَضَهُ بَعضُهُم (٧)، فَقال: وهَذَا غَيرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ((أن)) لَا تَكُونُ نَفيًا، ولَا أعلَمُ أحَدًا مِن النَّحوِيِّينَ حَكَى ذلك الوجهَ في هَذِهِ الرِّوَايَةِ: ((أن يَدرِيَ)). بِفَتح (٨) اليَاءِ، مِن يَدرِي، وَتَكُونُ ((أن)) (٢/ ٢٠٠م) هِيَ النَّاصِبَةَ لِلفِعلِ، ويَكُونُ يَضِلُّ بِضَادٍ غَيرٍ مُشَالَةٍ، مِن الضَّلَالِ، الَّذِي هُو الحَيرَةُ، كَمَا يُقَالُ: ضَلَّ عن الطَّرِيقِ، فَكَأَنَّهُ قال: يَحَارُ الرَّجُلُ ويَذْهَلُ عن أن يَدرِيَ كَم صَلَّى. فَتَكُونُ ((أن) في مَوضِعِ نَصبٍ، بِسُقُوطٍ حَرفِ الجَرِّ(٩). [وَيَجُوزُ: أن يَكُونَ(١٠) مِن الضَّلَالِ، الَّذِي يُرِيدُ بِهِ الخَطَأ، فَتَكُونُ الضَّادُ مَكسُورَةً؛ كَقَولِهِ تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبٍِ وَلَا يَنَسَى﴾ [طه: ٥٢]. وتَكُونُ ((أن)) في (١) ينظر: شرح الرضي على الكافية (١٩٥/٤). (٢) ينظر: همع الهوامع (٣٢٥/٣). (٣) الاستذكار (٣٤٣/١). (٤) منهم: أبو مصعب الزهري في روايته (١٨٤)، ويحيى (١٥٢)، ومحمد بن الحسن (٢١٩/١)، وسويد بن سعيد (٧٣)، والقعنبي (١٠٠)، وعبد الرحمن بن مهدي عند أحمد (٤٦٠/٢)، وعبد الله بن يوسف التنيسي عند البخاري (٦٠٨)، وقتيبة بن سعيد عند النسائي (٦٦٩)، وعبد الله بن وهب عند أبي عوانة (٣٣٤/١). وينظر: التمهيد (٣٠٥/١٨)، ومسند الموطإ (٥٢٠). (٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ك). (٦) في (ك): ((كثيرًا)). (٧) هو: عبد الله بن السيد البطليوسي، قاله في: مشكلات الموطأ (ص٧٥). (٨) ليس في: (ك). (١٠) في (ح): ((تكون)). (٩) ينظر: مشكلات الموطأ (ص ٧٥، ٧٦). بَابُ الأذَانِ ١٠٣ 22 = مَوضِعِ نَصبٍ عَلَى المَفعُولِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ ضَلَّ الَّتِي بِمَعنَى أخطأ(١) : لَا يَحْتَاجُ تَعَذِّيهَاَ إلَى حَرفِ الجَرِّ (٢)]. قال طَرَفَةُ (٣) : وكَيفَ يَضِلُّ القَصدَ والحَقُّ واضِحُ ولِلحَقِّ بَينَ الصَّالِحِينَ سَبِيلُ قال: ولَو رُوِيَ: ((حَتَّى يُضَلَّ الرَّجُلُ أن يَدِيَ كَم صَلَّى)). لَكَانَ وجهًا صَحِيحًا، يُرِيدُ بِهِ: حَتَّى يُضِلَّ الشَّيْطَانُ الرَّجُلَ عن دِرَايَةِ كَم صَلَّى، ولا أعلَمُ أَحَدًا رَواهُ كَذَا، لَكِنَّهُ لَو رُوِيَ: لَكَانَ وجهًا صَحِيحًا في المَعنَى، غَيرَ خَارِجٍ عن مُرَادِهِ وَِّ، انتَهَى(٤). ومَا أدرِي مَا وجهُ تَفرِقَةِ ابنِ عَبدِ البَرِّ بَينَ ((لَا))، و((مَا))؟ فَجَعَلَ رِوايَةَ الفَتحِ بِمَعنَى ((لَا))(٥)، ورِوايَةَ الكَسرِ بِمَعنَى ((مَا))، مَعَ أن ((لَا)»، و«مَا)) بِمَعنّى واحِدٍ؟! ثُمَّ إِنَّهُ، أعنِي ابنَ عَبدِ البَرِّ، لَا يُعرَفُ قَولُهُ: ((يَظَلُّ)). إلَّا بِالظَّاءِ المُشَالَةِ، ولا يُتَّجَهُ مَعَ(٦) ذلك في (٧) ((إن)) إلَّا الكَسرُ (٨)، ولَا يُتَّجَهُ فيهَا الفَتحُ إلَّا مَعَ الضَّادِ السَّاقِطَةِ، كَمَا حَكَيْنَاهُ عن بَعضِهِم، وهِيَ رِوايَةٌ. قال القَاضِي عِيَاضُ: حَكَى الدَّاوُدِيُّ، أنَّهُ رَوى: ((يَضِلُّ)). بِالضَّادِ، بِمَعنَى يَنسَى ويَذهَبُ وهمُهُ، قال الله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَنَهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ومَا حَكَيتُهُ عن ابنِ عَبدِ البَرِّ مِن ضَبطِهِ: ((أن)) هُنَا: بِالفَتحِ، وافَقَّهُ عَلَيهِ الأصِيلِيُّ، فَضَبَطَهَا بِالفَتحِ في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)). ومَا حَكَيتُهُ (١) في (ك): ((الخطأ)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. وينظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٢١٠/١)، وفتح الباري (٨٦/٢). (٣) ديوان طَرَفة بن العبد (٧٨). وينظر: الفرق بين الحروف الخمسة، للبطليوسي (ص١٣٢) طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العراقية، مطبعة العاني بغداد، تحقيق: الدكتور علي زوين. (٤) نقل هذا البدر العيني في شرحه لأبي داود (٢/ ٤٦٦)، والسيوطي ببعض حروفه في تنوير الحوالك (٦٩/١)، ونسباه إلى ابن دقيق العيد. ليس في: (ك). (٥) ليس في: (ك). (٧) (٦) في (ك): ((من)). (٨) في (ك): ((بالكسر)). ١٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ الثّقْرِیبِ عن المُعتَرَضِ عَلَيهِ: ذَكَرَهُ أيضًا القَاضِي عِيَاضٌ، فَقال: ولَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ النَّفي وتَقْدِيرُ (لَ)) مَعَ الفَتحِ، وإِنَّمَا يَكُونُ(١) بِمَعنَى (مَا)). والنَّهيُّ مَعَ الكَسرِ. قال(٢): وفَتحُهَا لَا يَصِحُّ، إلَّا عَلَى رِوايَةٍ مَن رَوى ((يَضِلُّ)). بِالضَّادِ، فَيَكُونُ(٣) ((أن)) مَعَ الفِعلِ بَعدَهَا بِتَأْوِيلِ المَصدَرِ، ومَفعُولُ ضَلَّ؛ أي: يَجهَلُ دِرَايَتَهُ، ويَنسَى عَدَدَ رَكَعَاتِهِ، انتَهَى. ومَا ذَكَرَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ، مِن أنَّ أكثَرَهُم: عَلَى الفَتحِ: مُعَارَضٌ (٤) بِنَقلٍ القَاضِي عِيَاضٍ(٥): أنَّ أكثَرَهُم عَلَى الكَسرِ، وهُو المَشُورُ المَعْرُوفُ. ومَا حَكَاهُ والِدِي تَظْتُ، عن ابنِ عَبدِ البَرِّ أنَّهُ قال: الوجهُ: (٢٠١/٢م) حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أن يَدرِيَ، بِفَتح ((أن)) النَّاصِبَةِ، وبِالضَّادِ المَكسُورَةِ: لَم أرَهُ في [١٠٩/١ظ] كَلَامِهِ، إِنَّمَا تَعَرَّضَ لِفَتحِ(٦) الهَمزَةِ في ((أن)). ولَم يَذكُر كَونَ الضَّادِ سَاقِطَةٌ، هَذَا هُو الَّذِي وَقَفْتُ (٧) عَلَيهِ في ((الاستِذِكَار))، و(التَّمهِيدِ))(٨). فَإِمَّا أن يَكُونَ الشَّيخُ وقَفَ عَلَى هَذَا الكَلَامِ في مَوضِعٍ آخَرَ، وإِمَّا أن يَكُونَ خَرَّجَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ في فَتحِ هَمزَةِ ((أن)). كَونَ(٩) ((يَضِلُّ)). بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ، وألزَمَهُ(١٠) ذلك، إذ لا يُمكِنُ مَعَ فَتح همزَةٍ (١١) ((أن)). (١٢ أن تكُون١٢َ) (يَظَلُّ)). بِالظَّاءِ المُشَالَةِ. ■ الخَامِسَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في المَعنَى في إدَبَارِ الشَّيْطَانِ وهُرُوبِهِ عِندَ سَمَاعٍ الأَذَانِ، فَقال المُهَلَّبُ (١٣): إِنَّمَا يَهرُبُ، والله تعالى أعلَمُ، مِن اتِّفَاقِ الكُلِّ عَلَى الإعلَانِ بِشَهَادَةِ التَّوحِيدِ وإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ، كَمَا يَفْعَلُ يَومَ عَرَفَةَ، لِمَا يَرَى مِن اتِّفَاقِ (١) في (ح): ((تكون)). (٢) إكمال المعلم (٢٥٩/٢). في (ح): (فتکون». (٣) (٤) في (ح): ((يعارض)). (٥) بعدها في (ح): ((على)). (٦) في (م): ((فتح)). (٧) في (م): ((وقعت)). ينظر: التمهيد (٣١٩/١٨)، والاستذكار (٣٤٣/١). (٨) (٩) في (م): ((یکون)). (١١) في (م): ((الهمزة)). (١٣) شرح البخاري لابن بطال (٢٣٤/٢). (١٠) في (ح): ((ولزمه)). (١٢ - ١٢) في (ح، م): ((يكون)). بَابُ الأذَانِ ١٠٥ الكُلِّ عَلَى شَهَادَةِ التَّوحِيدِ له تَعَالَى، وتَنزِلُ الرَّحْمَةُ، فَيَأْسُ: أن يَرُدَّهُم عَمَّا أعلَنُوا بِهِ مِن ذلك، ويُوقِنُ بِالخَيْبَةِ، بِمَا تَفَضَّلَ الله تَعَالَى به عَلَيهِم: مِن ثَوابٍ ذلك، ويَذكُرُ مَعْصِيَةَ الله ومُضَادَّتَهُ أمرَهُ: فَلَا يَملِكُ الحَدَثَ، لِمَا حَصَلَ لَهُ مِن الخَوفِ، انتَهَى. وذَكَّرَ القَاضِي عِيَاضٌ نَحوهُ، وقِيلَ: إِنَّمَا أدَبَرَ عِندَ الأذَانِ، لِئَلَا يَسمَعَهُ، فَيَضطَرَّ إِلَى أَن يَشْهَدَ لَهُ بِذلك يَومَ القِيَامَةِ؛ لِقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: (لَا يَسمَعُ صَوتَ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنسٌ ولَا شَيءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ))(١). وهَذَا قَد حَكَاهُ النَّووِيُّ عن العُلَمَاءِ (٢)، وهُو مَبَنِيٍّ: عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَدخُلُ في هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وهُو الصَّحِيحُ، وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٣): قَولًا أنَّ الكَافِرَ لَا يَدخُلُ في هَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُ، وقال: لَا يُقبَلُ هَذَا مِن قَائِلِهِ، لِمَا جَاءَ في الآثَارِ مِن خِلافِهِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: إنَّمَا يَفعَلُ ذلك، لِمَا يَلحَقُهُ مِن الذُّعرِ والخِزىِ عِندَ ذِكرِ الله تعالى، وذِكرُ الله تَعَالَى في الأذَانِ تَفزَعُ مِنْهُ القُلُوبُ مَا لَا تَفزَعُ مِن شَيءٍ مِن الذِّكرِ، لِمَا فيهِ مِن الجَهرِ بِالذِّكرِ، وتَعِظِيمِ الله تَعَالَى فيهِ، وإِقَامَةِ دِينِهِ، فَيُدِرُ الشَّيطَانُ لِشِدَّةِ ذلك عَلَى قَلِهِ، انتَهَى. وقال بَعضُهُم (٤): سَبَبُ إدبَارِهِ عِظَمُ أمرِ الأَذَانِ، لِمَا اشتَمَلَ عَلَيهِ مِن قَواعِدِ التَّوحِيدِ وإظْهَارٍ شِعَائر(٥) الإسلام وإعلَانِهِ (٦)، وقِيلَ: لِيَأْسِهِ مِن الوسوسَةِ عِندَ الإعلانِ(٧) بِالتَّوحِيدِ. وقِيلَ: لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ الَّتِي فيهَا السُّجُودُ الَّذِي (٨) امتَنَعَ مِن فِعِلِهِ لَمَّا أُمِرَ بِهِ. قال ابنُ بَطَّالٍ(٩): ولَيسَ بِشَيءٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ (٢٠٢/٢م) والسَّلَامُ قَد (١) البخاري (٦٠٩). مشارق الأنوار (٢٣٥/١). (٣) (٥) في (م): ((شعار)). في (ك): ((الإعلام)). (٧) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٣٤/٢). (٩) (٢) ينظر: مسلم بشرح النووي (٤/ ٩٢). (٤) ينظر: مسلم بشرح النووي (٩٢/٤). (٦) في (ك): ((وإعلامه)). (٨) في (ك): ((التي)). = = ١٠٦ 22 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ أخبَرَ: ((أَنَّهُ إذَا قُضِيَ التَّوِيبُ: أقبَلَ يُذَكِّرُهُ مَا لَم (١) يَذْكُر (٢)، يَخِطُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ)). وكَانَ فِرَارُهُ مِن الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ أولَى، لَو كَانَ كَمَا زَعَمُوا، انتَهَى. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): ولَا يَلَزَمُ هَذَا الاعتِرَاضُ، إذ لَعَلَّ نِفَارَهُ إِنَّمَا كَانَ مِن سَمَاعِ الأمرِ والدُّعَاءِ بِذلك، لَا مِن رُؤيَتِهِ، لِيُغَالِطَ نَفسَهُ أنَّهُ لَم يَسمَعِ دُعَاءَ، ولَا خَالَفَ أمرًا. قُلتُ: أحسَنُ مما (٤) ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ في جَوابِ اعتِرَاضِ ابنِ بَطَّالٍ : أنَّ نَفرَتَهُ عِندَ الأَذَانِ، إنَّمَا هُو تَصمِيمٌ عَلَى مُخَالَفَةِ أمرِ الله، واستِمرَارٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وعَدَمِ الاِنقِيَادِ إِلَيهِ، والاستِخفَافِ بِأوامِرِهِ، فَإِذَا دَعَا دَاعِي الله: فَرَّ مِنْهُ، وأعرَضَ عنهُ، واستَخَفَّ بِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ: حَضَرَ مَعَ المُصَلِّينَ، غَيرَ مُشَارِكٍ لَهُم في الصَّلَاةِ، بَل سَاعِيًا في إبطَالِهَا عَلَيهِم، وهَذَا أبلَغُ في المَعصِيَةِ والاِستِخِفَافِ مِمَّا (٥) لَو غَابَ عن الصَّلَاةِ بِالْكُلِيَّةِ، فَصَارَ حُضُورُهُ عِندَ الصَّلَاةِ: مِن جِنسِ نَفرَتِهِ عِندَ الأَذَانِ، ومِن مَهِيعٍ واحِدٍ، ومَقصُودُهُ بِالأمرَينِ الاِستِخفَافُ بِأوامِرِ الله تَعَالَى، وعَدَمُ الإِنقِيَادِ إِلَيْهَا، كَمَا ذَكَرَتُهُ، والله تعالى أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: وأمَّا الحِكمَةُ في تَصوِيتِهِ عِندَ إِدبَارِهِ؛ فَقَد تَقَدَّمَ مِن كَلَام المُهَلَّبِ أنَّ ذلك بِغَيرِ اختِيَارِهِ، وإنَّمَا هُو مَغْلُوبٌ عَلَيهِ فيهِ، لِمَا حَصَلَ لَهُ مِن شِدَّةً الخَوفِ، ويُحتَمَلُ أنَّ المَعنَى في ذلك أن يَشتَغِلَ بِسَمَاعِ مَا يُخرِجُهُ مِن الحَدَثِ عن سَمَاعِ الأَذَانِ، ويُحتَمَلُ أنَّ المَعنَى في ذلك الاستِخفَافُ بِالمُؤَذِّنِ وبِمَا يَقُولُهُ، كَمَا يُعْهَدُ مِن حَالِ المُستَخِفِينَ المُستَهْزِئِينَ. ■ السَّابِعَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): في قَولِهِ: ((ولَهُ ضُرَاطٌ)). هَذَا يَصِحُ حَمِلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، إذ هُو جِسمٌ مُتَغَذُّ(٧) يَصِحُ مِنْهُ خُرُوجُ الرِّيحِ، ويُحتَمَلُ: أَنَّهَا عِبَارَةٌ واستِعَارَةٌ عن شِدَّةِ الخَوفِ والنِّفَارِ [١١٠/١و]، كَمَا يَعْتَرِي الحِمَارَ. قُلتُ: ويُحْتَمَلُ: أَنَّهَا عِبَارَةٌ عن الاِسْتِخِفَافِ كَمَا قَدَّمتُهُ، والله أعلمُ. (١) بعدها في (ك): ((يكن)). (٣) إكمال المعلم (١٤١/٢). (٥) في (ك): ((كما)). (٧) في (ح): ((منفّذ)). (٢) في (ح): ((يذكره)). (٤) في (ك، م): ((ما)). (٦) إكمال المعلم (١٤٠/٢). بَابُ الأذانِ ١٠٧ 22 ■ الثَّامِئَةُ: فيهِ فَضلُ الأذَانِ وعِظَمُ قَدرِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيطَانَ يَهرُبُ مِنْهُ، ولَا يَهرُبُ عِندَ قِرَاءَةِ القُرآنِ في الصَّلَاةِ، الَّتِي هِيَ أفضَلُ الأحوالِ، بِدَلِيلِ قَولِهِ: ((فَإِذَا قُضِيَ التَّوِيبُ أقْبَلَ)). ويَكفي هَذَا فِي فَضلِ الأذَانِ. ■ التَّاسِعَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحِبَابٍ (١) رَفع الصَّوتِ بِالأَذَانِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فيهِ: ((أَنَّهُ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أدبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، إلَى غَايَةٍ لَا يَسمَعُ فيهَا الأَذَانَ)). فَدَلَّ عَلَى أنَّهُ كُلَّمَا زَادَ فِي رَفعِ صَوتِهِ، زَادَ الشَّيطَانُ في الإِبعَادِ، ولَا شَكَّ في استِحِبَابٍ فِعلِ الأُمُورِ الَّتِي تُبِعِدُ الشَّيطَانَ وتَطِرُدُهُ. وقَد دَلَّ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى: أنَّ زِيَادَةَ الرَّفع زِيَادَةٌ لَهُ في الإبعَادِ، إلَّا أنَّهُ يُحتَمَلُ أن يُقال: قَولُهُ: [((حَتَّى (٢٠٣/٢م) لَا يَسَمَعَ التَّأْذِينَ))](٢). لَيسَ غَايَةً لِلإِبعَادِ (٣) في الإدبَارِ، بَل غَايَةً لِلزِّيَادَةِ(٤) في الضُّرَاطِ. والمُرَادُ أنَّهُ يَقصِدُ بِمَا يَفعَلُهُ مِن ذلك تَصمِيمَ(٥) أُذُنِهِ عن سَمَاعٍ صَوتِ المُؤَذِّنِ، لَكِن يَدُلُّ عَلَى زِيَادَتِهِ(٦) في الإبعَادِ: مَا(٧) رَواهُ مُسلِمٌ في (صَحِيحِهِ))(٨) مِن رِوايَةِ الأعمَشِ، عن أبِي سُفيَانَ، عن جَابِرِ رَظُه، قال: سَمِعت رَسُولَ اللهِوَهِ، يَقُولُ: ((إنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوحَاءِ». قال سُلَيْمَانُ - يَعِنِي: الأعمَشَ: فسألتُه عن الرَّوحَاءِ؟ فَقال: هِيَ مِن المَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا(٩). ■ العَاشِرَةُ: قَد يُستَدَلُّ بِهِ عَلَى أنَّ الأَذَانَ أفضَلُ مِن الإمَامَةِ، وهُو الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوِيُّ، خِلَافَا لِلرَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ صَخَّحَ تَفضِيلَ الإمَامَةِ(١٠)، وعن أحمَدَ رِوايَتَانٍ(١١). وفي المَسألَةِ لِأصحَابِنَا وجهٌ ثَالِثٌ؛ وهُو أنَّهُ إن قَامَ بِحُقُوقِ الإمَامَةِ كَانَت في (ك): ((استدلال)). (١) في (ك): ((الإبعاد)). (٣) في (ك): ((تصبهم)). (٥) في الأصل: ((كما)). (٧) (٩) ينظر: معجم البلدان (٧٦/٣)، ومراصد الاطلاع (٦٣٧/٢)، والروض المعطار (ص٢٧٧). (١٠) ينظر: الشرح الكبير (١٩٣/٣)، والمجموع (٨٤/٣)، ومسلم بشرح النووي (٩٣/٤). قال النووي: هو نص الشافعي، وقول أكثر أصحابنا . (١١) ينظر: الإنصاف (٢٨٨/١). (٢) ليست في: (ك). (٤) في الأصل، (ك): ((الزيادة)). (٦) في (ك): ((زيادة)). (٨) مسلم (١٠/٣٨٨). ١٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أفضَلَ مِن الأَذَانِ، وإلَّا فَهُو أفضَلُ، قال بِهِ من (١) أصحَابِنَا: أبُو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ، والقَاضِيَانِ: ابنُ كَجِّ، والحُسَينُ، والمَسعُودِيُّ. ويُوافِقُهُ قَولُ الشَّافِعِيِّ(٢)، رَحِمَهُ الله تعالى: أُحِبُّ الأذَانَ، لِقَولٍ رَسُولِ اللهِ وََّ: ((اللَّهُمَّ اغفِرٍ لِلمُؤَذِّنَينِ)). وأكرَهُ الإمَامَةَ لِلضَّمَانِ، ومَا عَلَى الإمَامِ فيهَا، وإِذَا أمَّ انبَغَى أن يَتَّقِيَ ويُؤَدِّيَ مَا عَلَيهِ في الإمَامَةِ، فَإِن فَعَلَ رَجَوت أن يَكُونَ أحسَنَ حَالًا مِن غَيرِهِ، انتَهَى. وحَكَى النَّووِيُّ(٣) أولَ هَذَا النَّصِّ، مُستَدِلًّا بِهِ عَلَى تَرجِيحِ الأَذَانِ مُطلَقًا، وأغفَلَ بَقِيَتَهُ، وقَد عَرَفتَ أنَّهُ دَاٌّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَتُه، والله أعلمُ. الحَادِيَةَ عَشرَ(٤): الظَّاهِرُ: أنَّ المُرَادَ هُنَا: جِنسُ الشَّيطَانٍ، فَلَا يَخْتَصُّ ذلك بِواحِدٍ مِن الشَّيَاطِينِ(٥) دُونَ واحِدٍ، والشَّيطَانُ: كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ، سَواءٌ كَانَ(٦) مِن الجِنِّ أو الإنسِ أو الدَّوابُ، لَكِنَّ المُرَادَ هُنَا: شَيَاطِينُ الجِنِّ خَاصَّةً، ويُحتَمَلُ: أن يَخْتَصَّ ذلك بِالشَّيطَانِ الأكبَرِ، وهُو إِيلِيسُ، لَعنهُ الله. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: هَل يَتَوقَّفُ هُرُوبُ الشَّيطَانِ مِن الأَذَانِ، عَلَى كَونِهِ أذَانًا شَرعِيًّا، مُستَجمِعًا لِلشُّرُوطِ، واقِعًا في الوقتِ، مَقصُودًا بِهِ الإعلَامُ بِدُخُولِ وقتٍ الصَّلَاةِ، أو يَهرُبُ مِن الإتْيَانِ بِصُورَةِ الأَذَّانِ، وإن لَم يُوجَد فيهِ مَا تَقَدَّمَ؟ الأقرَبُ عِندِي: الأولُ. وكَلَامُ أبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، رَاوِي الحَدِيثِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ الثَّانِيَ. فَفي ((صَحِيحٍ مُسلِمٍ)(٧)؛ مِن رِوايَةِ رَوِحٍ بِنِ (٨) القَاسِمِ، عن سُهَيلِ بنِ أبِي صَالِحٍ، قال: أرسَلَنِي أَبِي إِلَىَّ بَنِي حَارِثَةَ ومَعِي غُلَامٌ لَنَا، أو صَاحِبٌ(٩) لَنَا، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِن خَائِطٍ بِاسمِهِ، قال: وأشرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الحَائِطِ، فَلَم يَرَ شَيئًا، (١) ليست في: (م). (٣) المجموع (٧٩/٣). (٥) في الأصل: ((الشيطان)). (٧) مسلم (٣٨٩/ ١٧). (٩) في (ك): ((لصاحب)). (٢) الأم (١٥٩/١). (٤) في (م): ((عشرة). (٦) في (ك): ((أكان)). (٨) ليست في: (ك). بَابُ الأذَانِ ١٠٩ فَذَكَرتُ ذلك لِأبِي، (٢٠٤/٢م) فَقال: لَو شَعَرتُ أنَّك تَلقَى هَذَا لَم أُرسِلك، ولَكِن إِذَا سَمِعتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنِّي سَمِعت أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، عن رَسُولِ اللهِوَّهِ؟ أنَّهُ قال: ((إنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ (١) وَلَّى ولَهُ حُصَاصٌ)). والحُصَاصُ: بِالحَاءِ المُهمَلَةِ(٢)، والصَّادَينِ المُهمَلَتَينِ: هُو الضُّرَاطُ، كَمَا في الرِّوايَةِ الأُخرَى، وقِيلَ: شِدَّةُ العَدوِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ بِنِ الخَطَّابِ رَه؛ أنَّهُ قال: إنَّ شَيئًا مِن الخَلقِ لَا يَستَطِيعُ أن يَتَحَولَ في غَيرٍ [١١٠/١ظ] خَلقِهِ، ولَكِن لِلجِنِّ سَحَرَةٌ كَسَحَرَةِ الإِنسِ، فَإذَا خَشِيتُمْ شَيْئًا مِن ذلك: فَأَذِّنُوا بِالصَّلَاةِ(٣) . وقال مَالِكُ بنُ أنَسٍ: استُعمِلَ زَيدُ بنُ أسلَمَ عَلَى مَعدِنِ بني (٤) سُلَيم، وكَانَ مَعدِنًا لَا يَزَالُ يُصَابُ فيهِ النَّاسُ مِن الجِنِّ، فَلَمَّا ولِيَهُم شَكَوا ذلك إِلَيهِ، فَأَمَرَهُم بِالأَذَانِ، وأن يَرفَعُوا أصواتَهُم بِهِ، فَفَعَلُوا، فَارَفَعَ ذلك عنهُم، فَهُم عَلَيهِ حَتَّى اليَومِ. قال مَالِكٌ: وأعجَبَنِي ذلك مِن رَأيٍ زَيدِ بنِ أسلَمَ(٥). ■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: قال ابنُ بَطَّالٍ (٦)، عن المُهَلَّبِ: فيهِ مِن الفِقهِ أنَّ مَن نَسِيَ شَيْئًا وأرَادَ أن يَتَذَكَّرَهُ، فَلْيُصَلِّ ويُجهِد نَفسَهُ فيهَا مِن تَخْلِيصِ الوسوسَةِ وأُمُورِ الدُّنيًا، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا بُدَّ أن يُحَاوِلَ تَسهِيَتَهُ وإذكَارَهُ أُمُورَ الدُّنيَا، لِيَصُدَّهُ عن إخلاصِ نِيَّتِهِ في الصَّلَاةِ. وقَد رُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ؛ أنَّ رَجُلًا دَفَنَ مَالًا، ثُمَّ غَابَ عنهُ سِنِينَ كَثِيرَةً، ثُمَّ قَدِمَ فَطَلَبَهُ، فَلَم يَهتَدِ لِمَكَانِهِ، فَقَصَدَ أبَا حَنِيفَةَ، فَأَعلَمَهُ بِمَا دَارَ لَهُ، فَقال لَهُ: صَلِّ في جَوفِ اللَّيلِ، وأخلصْ نِيَّتَك لِلَّهِ تَعَالَى، ولا تُجرِ عَلَى قَلِك شَيئًا مِن أُمُورِ الدُّنْيَا، ثُمَّ عَرِّفِي بِأمرِك. فَفَعَلَ ذلك، فَذَكَرَ في الصَّلَاةِ مَكَانَ المَالِ، فَلَمَّا أصبَحَ أَتَى أبَا حَنِيفَةَ، فَأعلَمَهُ بِذلك، فَقال بَعضُ جُلَسَائِهِ: مِن أينَ دَلَلتَهُ عَلَى هَذَا، (١) ليس في: (ك). (٢) ليست في: الأصل. أخرجه يعقوب بن شيبة، كما في التمهيد (٣٠٩/١٨). (٣) (٤) في (م): ((ابن)). (٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣١٦/٩). (٦) شرح البخاري لابن بطال (٢٣٧/٢). MM ١١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَرحَمُك الله؟ فَقال: استَدلَلتُ مِن هَذَا الحَدِيثِ، وعَلِمتُ أنَّ الشَّيطَانَ سَيَرضَى أن يُصَالِحَهُ بِأن يُذَكِّرَهُ مَوضِعَ مَالِهِ، ويَمنَعَهُ الإخلاصَ في صَلَاتِهِ. فَعَجِبَ النَّاسُ مِن حُسنِ انِزَاعِهِ واستِدِلَالِهِ(١)، انتَهَى كَلَامُهُ. ـا الرَّابِعَةَ عَشرَ: وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِهِ بَّهِ يُفْصَلُ بَيْنَ الأَذَانِ والإقَامَةِ بِزَمَنٍ، وذلك دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ لَا يُشتَرَطُ في تَحصِيلِ فَضِيلَةِ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ في أولٍ وقِتِهَا انِطِبَاقُ أولِهَا عَلَى أولِ الوقتِ، إذ لَو كَانَ كَذلك لَمَا واظَبُوا عَلَى تَركِ هَذِهِ الفَضِيلَةِ، وهَذَا هُو الصَّحِيحُ المَعرُوفُ، وقِيلَ: لَا يَحصُلُ ذلك إلَّا بِأن يَنطَبِقَ أولُ التَّكبِيرَةِ عَلَى أولِ الوقتِ، وهُو شَاةٌّ، وهَذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ. ■ الخَامِسَةَ عَشر: وفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الفِكرَ في الصَّلَاةِ والسَّهو فيهَا لَا يُطِلُهَا، وهُو إجمَاعٌ. (٢٠٥/٢م) الحَدِيثُ الثَّانِي وعن سَالِم، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ وَِّ: ((إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيٍ، فَكُلُوا واشرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمَّ مَكتُوم))(٢). عَّ وعن عُبَيدِ الله، عن القَاسِمِ، عن عَائِشَةَ، عن النَّبِيِّ وَّهِ: مِثْلُهُ، وَزَادَ قالت: ((وَلَا أَعلَمُهُ إلَّا كَانَ قَدَرَ مَاَ يَنزِلُ هَذَا، ويَرِقَى هَذَا))(٣). فيهِ فوائدُ (٤): ■ الأُولَى: فيهِ جَوازُ الأذَانِ لِلصُّبحِ قَبلَ دُخُولِ وقتِهَا، وبِهِ قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والأوزَاعِيُّ، وعَبدُ الله بنُ المُبَارَكِ، وإسحَاقُ بنُ رَاهُويَه، ليست في: (ح). (١) (٢) البخاري (٦١٧)، مسلم (٣٦/١٠٩٢). (٣) البخاري (١٩١٩). (٤) قال في حاشية (ت): ((لم يذكر من أخرج الحديث، ولا بين اختلاف ألفاظه، وفي ذلك فوائد كثيرة جدًّا)). بَابُ الأذَانِ = وأبُو ثَورٍ، ودَاوُد، والجُمهورُ(١)، ورَجَعَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ بَعدَ أن كَانَ يَقُولُ بِالمَنعِ(٢). ورَوَى الشَّافِعِيُّ في ((كِتَابِهِ القَدِيمِ))، عن عُمَرَ بِنِ الخَطَّابِ رَه؛ أنَّهُ قال: عَجِّلُوا الأَذَانَ بِالصُّبحِ، يُدلِجُ المُدلِجُ، وَتَخْرُجُ العَاهِرَةُ(٣). وعن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ؛ أنَّهُ قال: إنَّ بَعدَ النِّدَاءِ بِالصُّبح لَحِزِبًا حَسَنًا، إنَّ الرَّجُلَ لَيَقرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ(٤). وعن حِبَّانَ بنِ الحَارِثِ، قال: أتَيت عَلِيًّا بِدَيْرِ أبِي مُوسَى، وهُو يَتَسَخَّرُ، فَقال: ادنُ(٥) فَاطعَم، فَقُلتُ: إنِّي أُرِيدُ الصَّومَ. قال: وأنَا أُرِيدُ الصَّومَ. فَطَعِمَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ ابنَ التَّاحِ (٦)، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ(٧). قال الشَّافِعِيُّ(٨): وهُو لَا يَأْمُرُ بِالإِقَامَةِ إلَّ بَعدَ النِّدَاءِ، وحِينَ طَلَعَ (٩) الفَجرُ أمَرَ بِالإِقَامَةِ، فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الأَذَانَ كَانَ قَبلَ الفَجرِ . وذَهَبَ آخَرُونَ: إِلَى مَنعِ الأَذَانِ لَهَا قَبلَ دُخُولِ وقتِهَا؛ كَسَائِرِ الصَّلَواتِ، وهُو قَولُ سُفيَانَ الثَّورِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ، والحَسَنِ بنِ صَالِحٍ بِنِ حيٍّ، قَالُوا: فَإِن أَذَّنَ لَهَا قَبلَ الفَجرِ: أَعَادَ الأَذَانَ بَعدَهُ. ورَوى ابنُ أبِي شَيبَةَ في ((مُصَنَّفِهِ)) (١٠)؛ عن عَائِشَةَ ﴿ًُّا، قالت: مَا كَانُوا يُؤَذِّنُونَ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجرُ. (١) ينظر: الأم (١٠٢/١)، والاستذكار (٣٥٨/١)، وحلية العلماء (١٠/٢)، وبداية المجتهد (١٠٧/١). (٣) (٢) ينظر: تحفة الفقهاء (١١٦/١)، والاختيار (٤٨/١)، والبحر الرائق (٢٧٧/١). ينظر: سنن البيهقي (٣٨٤/١)، ومعرفة السنن والآثار (٢١١/٢). (٤) معرفة السنن والآثار (٢١١/٢). (٥) في (م): ((إذن)). (٦) في (م): ((النبَّاح)). وابن التياح بفتح التاء المثناة من فوق، وبعدها مثناة من تحت مشددة، وآخرها حاء مهملة، اسمه يزيد بن حميد الضُبَعي. مشارق الأنوار (١٢٦/١)، ومسلم بشرح النووي (١٨٤/٣). (٧) ينظر: علل أحمد (١٣٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٣١/٤)، والمؤتلف للدارقطني (٤١٣/١). (٨) مسند الشافعي (٧٣٣)، ومعرفة السنن (٢١١/٢). (٩) في (ح): ((يطلع)). (١٠) المصنف (٢١٤/١). ١١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ [١١١/١و]، قال: شَيَّعنَا عَلقَمَةَ إِلَى مَكَّةَ، فَخَرَجنَا بِلَيْلٍ، فَسَمِعَ(١) مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، فَقال: أمَّا هَذَا، فَقَد خَالَفَ سُنَّةَ أصحَابٍ مُحَمَّدٍ بََّ، لَو كَانَ نَائِمًا كَانَ (٢) خَيرًا لَهُ، فَإِذَا طَلَعَ الفَجرُ (٢٠٦/٢م) أَذَّنَ. وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيّ: أنَّهُ كَرِهَ أن يُؤَذَّنَ قَبلَ الفَجرِ . وعن عُبَيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قُلتُ لِنَافِعِ: إِنَّهُم كَانُوا يُنَادُونَ قَبلَ الفَجرِ، قال: مَا كَانَ النِّدَاءُ إلَّا مَعَ الفَجرِ. وحَكَى ابنُ حَزمٌ(٣)، عن الحَسَنِ البَصرِيِّ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: الرَّجُلُ يُؤَذِّنُ قَبلَ الفَجرِ، يُوقِظُ النَّاسَ؟ فَغَضِبَ، وقال: عُلُوجٌ أفرَاعٌ (٤)، لَو أدرَكَهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لَأوجَعَ جَنُوبَهُم، مَن أَذَّنَ قَبلَ الفَجرِ فَإِنَّمَا صَلَّى أهلُ ذلك المَسجِدِ بِإِقَامَةٍ لَا أَذَانَ فيهَا . وعن إبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أنَّهُ قال: كَانُوا إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، قَالُوا لَهُ: اتَّقِ الله، وأعِد أذَانَك(٥). وحَكَى ابْنُ المُنذِرِ، وغَيرُهُ في المَسألَةِ(٦)، مَذهَبًا ثَالِئًا عن طَائِفَةٍ مِن أهلٍ الحَدِيثِ: أنَّهُ إن كَانَ لِلمَسجِدِ مُؤَذِّنَانٍ، يُؤَذِّنُ أحَدُهُمَا قَبلَ طُلُوعِ الفَجرِ، والآخَرُ بَعدَ الفَجرِ: فَلَا بَأسَ، أن يُؤَذَّنَ لِلصُّبحِ إذَا كَانَ هَكَذَا. وبِهِ قال ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ، فَقال(٧): يَجُوزُ أن يُؤَذِّنَ قَبلَ طُلُوعِ الفَجرِ الثَّانِ، بِمِقدَارِ مَا يُتِمُّ الْمُؤَذِّنُ أَذَانَهُ، ويَنزِلُ مِن المَنَارِ (٨) أو العُلُوِّ، ويَصعَدُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ، ويَطلُعُ الفَجرُ قَبلَ ابْتِدَاءِ الثَّانِ فِي الأَذَانِ. واحتَجَّ المَانِعُونَ بِحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبلَ طُلُوعِ الفَجرِ، فَأَمَرَهُ في (ح): ((فسمعنا)). (١) (٢) في (ك، م): ((لكان)). (٣) المحلى (١١٧/٣، ١١٨)، وهو في المصنف (٢٢٢/١). (٤) في ابن أبي شيبة، والمحلى: ((فُرَّاغ)). (٥) التمهيد لابن عبد البر (٦٠/١٠). (٦) الأوسط (٢٩/٣)، وينظر: معالم السُّنن (١٢٦)، وإحكام الأحكام (ص١٢٨). المحلى (١١٧/٣). (٧) (٨) في (م): ((المنارة)). وينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على المحلى (١١٧/٢). بَابُ الأذانِ ١١٣ = النَّبِيُّ وَِّ أن يَرجِعَ فَيُنَادِيَ: ((أَلَّا إِنَّ العَبدَ نَامَ)). فَرَجَعَ فَنَادَى: ((أَلَا إنَّ العَبدَ نَامَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد في ((سُنَّتِهِ)). وصَخَّحَ وقفَهُ عَلَى عُمَرَ رَهُ فِي أَذَانٍ مُؤَذِّنٍ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: مَسعُودٌ(١). وأجَّابَ الجُمهُورُ عنهُ بِأجوِبَةٍ : أحَدُهَا: ضَعِفُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، عن أبِي دَاوُد، وضَعَّفَهُ أيضًا الشَّافِعِيُّ، وعَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، ومُحَمَّدُ بنُ يَحيَى الذُّهلِيُّ، والتِّرمِذِيُّ، وأبُو حَاتِمٍ، وأَبُو بَكرٍ الأثرَمُ، والدَّارَ قُطْنِيُّ، والْبَيْهَقِيُّ، وغَيْرُهُم (٢) . ثَانِيهَا: أنَّهُ عَارَضَهُ عَلَى تَقدِيرِ صِخَّتِهِ، مَا هُو أَصَحُّ مِنْهُ، وهُو قَولُهُ عَلَّا: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ)). الحَدِيثَ(٣). قال البَيهَقِيُّ: والأحَادِيثُ الصِّحَاحُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكرُهَا مَعَ فِعلِ أهلِ الحَرَمَينِ أولَى بِالقَبُولِ مِنْهُ. ثُمَّ رَوى بِإِسْنَادِهِ(٤)؛ عن شُعَيبِ بنِ حَربٍ، قال: قُلْتُ لِمَالِكِ بنِ أَنَسٍ: أَلَيسَ قَد أمَرَ النَّبِيُّ وَهَ بِلَالًا أن يُعِيدَ الأذَانَ، فَقال: قال رَسُولُ اللهِ وَّتِ: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ)). قُلتُ: أَلَيسَ قَد أمَرَهُ أن يُعِيدَ الأَذَانَ؟ قال: لَا، لَم يَزَل الأَذَانُ عِندَنَا بِلَيْلٍ . ثَالِثُهَا: قال الخَطَّابِيُّ: يُشبِهُ أن يَكُونَ هَذَا فيمَا تَقَدَّمَ مِن أولِ زَمَانِ الهِجْرَةِ، فَإِنَّ الثَّابِتَ عن بِلَالٍ: أنَّهُ كَانَ في آخِرِ أَيَّامِ رَسُولِ اللهِوَهِ يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ بَعدَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ الفَجرِ(٥) . وأجَابَ المَانِعُونَ عن حَدِيثِ البَابِ: بِأَنَّ هَذَا الأذَانَ لَم يَكُن لِأَجلِ الصَّلَاةِ، وإِنَّمَا كَانَ لِإِيقَاظِ النَّائِمِينَ لِلسُّحُورِ (٢٠٧/٢م) وغَيرِهِ: أَجَابَ بِمَعِنَاهُ(٦) (١) أبو داود (٥٣٢). يعني: أنه موقوف على عمر، وأن حماد بن سلمة وهم في رفعه. قاله ابن رجب في شرح البخاري (٣٢٥/٥). (٢) ينظر: علل ابن أبي حاتم (١١٤/١)، والدارقطني (٢٣/١٣)، وسنن البيهقي (٣٨٣/١)، ومسند الفاروق لابن كثير (١٤٧/١، ١٤٨). (٣) أخرجه البخاري (٦١٧) من حديث ابن عمر. (٤) البيهقي (٢٧٨/٢). في (ح): ((بمعنى)). (٦) (٥) معالم السُّنن (١٥٧/١). ١١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الطَّحَاوِيُّ، وابنُ حَزمٍ(١) . ويَرُدُهُ: حَدِيثُ زِيَادِ بنِ الحَارِثِ الصُّدَائِيِّ(٢)، قال: ((لَمَّا كَانَ أولُ أذَانِ الصُّبحِ: أمَرَنِي؛ يَعنِي: النَّبِيُّ نَّهِ، فَأَذَّنتُ، فَجَعَلتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ الله، فَجَعَلَ يَنظُرُ إِلَى نَاحِيَةِ المَشرِقِ إِلَى الفَجرِ، فَيَقُولُ: لَا، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الفَجرُ)). الحديث: رَواهُ أبُو دَاوُد، وغَيرُهُ(٣). وهُو صَرِيحٌ في الأذَانِ لِلصُّبحِ قَبلَ الوقتِ مِن غَيرِ إِعَادَتِهِ بَعدَ دُخُولِ الوقتِ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وفي إجمَاعِ المُسلِمِينَ عَلَى أنَّ النَّافِلَةَ بِاللَّيلِ والنَّهَارِ لَا أَذَانَ لَهَا: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ بِاللَّيلِ إِنَّمَا كَانَ لِصَلَاةِ الصُبحِ(٤). ثم جَوَّزَ الطَّحَاوِيُّ أن يَكُونَ بِلَالٌ كَانَ يُؤَذِّنُ في وقتٍ يَرَى أنَّ الفَجرَ قَد طَلَعَ فيهِ، ولَا يَتَحَقَّقُ ذلك، لِضَعفِ بَصَرِهِ [١١١/١ظ]، ثُمَّ استَدَلَّ بِمَا رَواهُ عن أنَسٍ مَرفُوعًا: ((لَا يَغُرَّنَّكُم أذَانُ بِلَالٍ، فَإِنَّ فِي بَصَرِهِ شَيْئًا)). قال الطَّحَاوِيُّ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُرِيدُ الفَجرَ، فَيُخِطِئُّهُ لِضَعفِ بَصَرِهِ(٥) . قُلتُ: وهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَولَهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ)). يَقتَضِي: أنَّ هَذِهِ كَانَت طَرِيقَتَهُ وعَادَتَهُ دَائِمًا، ولَو كَانَ لَا يَقَعُ ذلك مِنهُ إلَّا لِخَطَأٍ لَم يَقَع إلَّا نَادِرًا، فَإِنَّهُ لَولَا أنَّ الغَالِبَ إصَابَتُهُ لَمَا رُنِّبَ مُؤَذِّنَا واعتُمِدَ عَلَيهِ في الأوقَاتِ. وفي ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)) مِن حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ، عن النَّبِيِّ وَّرِ: ((لَا يَمنَعن أحَدَكُم، أو أحَدًا(٦) مِنْكُم، أذَانُ بِلَالٍ مِن سُحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أو يُنَادِي بِلَيْلِ، لِيُرجِعَ (١) ينظر: شرح معاني الآثار (١٤٠/١، ١٤١)، المحلى (١١٧/٣ - ١٢٢). (٢) قال في حاشية (ت): ((هو حديث ضعيف)). أبو داود (٥١٤)، الترمذي (١٩٩)، ابن ماجه (٧١٧). قال الترمذي: وحديث زياد إنما (٣) نعرفه من حديث الإفريقي، والإفريقي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، قال أحمد: لا أكتب حديث الإفريقي. ورأيت محمد بن إسماعيل يقوى أمره، ويقول: هو مقارب الحديث. انتهى. (٤) الاستذكار (٣٥٧/١). (٦) في (ك): ((واحدًا)). (٥) شرح معاني الآثار (١٤٠/١). بَابُ الأذَانِ ١١٥ 3 قَائِمَكُم، ولِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ)). الحَدِيثَ(١). وهَذَا صَرِيحٌ في أنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ قَبلَ الفَجرِ بِقَصدِ (٢) ذلك وتَعَمّدِه، والله أعلمُ. ■ الثَّانِيَةُ: قال العُلَمَاءُ الذَّاهِبُونَ إلَى الأَذَانِ لِلصُّبحِ قَبلَ دُخُولٍ وقتِهَا: إنَّ المَعنَى في ذلك: أنَّ صَلَاةَ الفَجرِ في أولِ الوقتِ ذَاتُ فَضلٍ، وهِيَ تَأْتِي فِي حَالٍ نَومٍ، فَلَو لَم يُؤَذِّن حَتَّى يَطلُعَ الفَجرُ: لَمَا تَمَكّنُوا بَعدَ الوُضُوءِ والغُسلِ والاجتِمَاعِ في المَسجِدِ مِن الصَّلَاةِ، إلَّا بَعدَ الإسفَارِ كَثِيرًا، فَشُرِعَ الأَذَانُ لَيْلًا لِهَذِهِ العِلَّةِ، كَي يَنْتَبِهَ النَّاسُ ويَتَأَّبُوا في أولِ الوقتِ. وهَذَا أصلٌ لِمَا يَفعَلُهُ النَّاسُ مِن ذِكرِ الله تَعَالَى، وتَسبِيحِهِ، والصَّلَاةِ عَلَى النَّبِّ وَّهِ، قَبلَ أَذَانِ الصُّبحِ، وكَذلك يَفعَلُونَ يَومَ الجُمُعَةِ، لِكَونِهِ شَرَعَ لِلنَّاسِ التَّبكيرَ لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ(٣). ■ الثالثةُ: فيهِ أنَّهُ يُستَحَبُّ أن يُؤَذَّنَ لِلفَجرِ مَرَّتَانِ: مَرَّةٌ قَبلَ الفَجرِ، ومَرَّةٌ بَعدَهُ: وبِهَذَا صَرَّحَ أصحَابُنَا، قَالُوا: فَإن اقتُصِرَ عَلَى أَذَانٍ واحِدٍ، فَالأفضَلُ أن يَكُونَ بَعدَ الفَجرِ عَلَى مَا هُو المَعهُودُ في سَائِرِ الصَّلَواتِ، فَإِن اقْتُصِرَ(٤) عَلَى الأَذَانِ (٥لَهَا قَبَلَه٥ُ): أجزَاهُ(٦). الرَّابِعَةُ: اختَلَفُوا في أولِ الوقتِ الَّذِي (٢٠٨/٢م) يُؤَذَّنُ لِلصُّبحِ فِيهِ، وفي ذلك لِأصحَابِنَا أوجُهُ: أحَدُهَا: يُقَدَّمُ في الشِّتَاءِ لِسُبعِ يَبقَى مِن اللَّيلِ، وفي الصَّيفِ لِنصفِ سُبع تَقْرِيبًا لَا تَحَدِيدًا، وصَخَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِن أصحَابِنَا (٧)، وذَكَرَ النَّووِيُّ: أنَّ مَن رَجَّحَهُ (١) البخاري (٦٢١). (٢) في (م): ((يقصد)). (٣) قال في حاشية (ت): ((هذا كلام ابن العربي، من قوله: وهذا أصل، إلى آخره)). (٤) قال في حاشية (ت): ((في المقتصر عليه خلافٌ، حكاه النووي وغيره، والمتأخر: أنه يقتصر على الثاني، وهو قول الأكثر)). (٥ - ٥) في (ح): ((قبلها)). (٦) ينظر: المجموع (٩٨/٣). (٧) الشرح الكبير (٣٨/٣)، وقال النووي في المجموع (٩٦/٣): ورجحه الرافعي، على خلاف عادته في التحقيق. = = 2 ١١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ اعتَمَدَ حَدِيثًا بَاطِلًا مُحَرَّفًا (١). قُلتُ: وكَأَنَّهُ أشَارَ بِذلك إلَى مَا رَواهُ الشَّافِعِيُّ في ((كِتَابِهِ القَدِيم)) عن سَعدِ القَرَظِ (٢)، قال: أَذَنَّا فِي زَمَنِ النَّبِّ لَهَ بِقُبَاءَ، وفي زَمَنِ عُمَرَ بِالمَدِينَةِ، فَكَانَ أَذَانُنَا لِلصُّبْحِ لِوقتٍ واحِدٍ، في الشِّتَاءِ لِسُبعِ(٣) ونِصِفٍ يَبقَى، وفي الصَّيفِ لِسُبعِ يَبقَى(٤) مِنْهُ(٥). والثَّانِي: يُقَدَّمُ لِسُبعٍ يَبقَى(٦) مِن اللَّيلِ، مِن غَيرِ تَفْرِيقٍ في ذلك بَيْنَ الشِّتَاءِ والصَّيفِ؛ ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في ((التَّهذِیبِ)). والثَّالِثُ: يَدخُلُ بِذَهَابٍ وقتِ الاختِيَارِ لِلعِشَاءِ، وهُو ثُلُثُ اللَّيلِ أو نِصفُهُ، وِيِهَذَا قال ابنُ حَبِيبٍ، صَاحِبُ مَالِكٍ. والرَّابِعُ: وقتُهُ: النِّصفُ الأخِيرُ مِن اللَّيلِ، ولَا يَجُوزُ قَبلَهُ، وصَحَّحَهُ النَّووِيُّ(٧)، وبِهِ قال أبُو يُوسُفَ، وحَكَاهُ ابنُ قُدَامَةَ في ((المُغنِي))(٨) عن بَعضٍ أصحَابِهِم، ثُمَّ قال: وقَد رَوى الأثرَمُ، عن أبِي جَابِرٍ (٩)، قال: كَانَ مُؤَذِّنُ مَسجِدٍ دِمَشقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبحِ في السَّحَرِ، بِقَدرٍ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِنَّةَ أمَيَالٍ، فَلَا يُنكِرُ ذلك مَكحُولٌ، ولَا يَقُولُ فِيهِ شَيئًا . والخَامِسُ: جَمِيعُ اللَّيلِ وقتٍّ لَهُ، وَهَذَا شَاءٌ (١٠). والسَّادِسُ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَدخُلُ وقتُهُ (١١ في السَّحَرِ ١١) قُبَيلَ الفَجرِ، وعَلَيهِ يَدُلُّ (١) روضة الطالبين (٢٠٨/١). (٢) بفتح القاف والراء، وهو صمغ السمر، وبه سمي سعد القرظ، لأنه كان يتجر به. قاله في المشارق (١٧٩/٢). وانظر: الإكمال (١١١/٧). (٣) ليست في: (ك). (٤) في (ك): ((يتّقى)). معرفة السنن والآثار للبيهقي (٢٧٨/٢)، وينظر: شرح البخاري لابن رجب (٥٢٣/٣). (٧) المجموع (٩٦/٣). (٥) (٦) في (ك): ((يتّقى)). المغني (١٧/٢)، وينظر: الشرح الكبير (٤٠٩/١). (٨) (٩) في المغني: ((عن جابر)). (١٠) قال النووي في المجموع (٩٧/٣): حكاه إمام الحرمين، وصاحب العدة والبيان، وآخرون، وهو في غاية الضعف، بل غلط. (١١ - ١١) ليس في: (ح). وفي (ك): ((في)). بَابُ الأذَانِ ١١٧ قَولُهُ في الحَدِيثِ: ((وَلَم يَكُنْ بَينَهُمَا إِلَّا قَدرُ مَا يَنْزِلُ هَذَا ويَرِقَى هَذَا))(١). واختَارَهُ الشَّيخُ الإمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ، وحَكَاهُ عن القَاضِي حُسَينٍ، والبَغَوِيِّ، [١١٢/١و] وبِهِ قال ابنُ حَزمٍ، كَمَا تَقَدَّمَ نقل كَلَامِهِ في ذلك، وابنُ عَبدِ الْبَرِّ، وإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ ابنِ قُدَامَةَ في ((المُغنِي)). فَهَذِهِ الأوجُهُ السِّتَّةُ في مَذهَبِنَا، وبَعضُهَا في غَيرِ مَذهَبِنَا، كَمَا حَكَيته فيمَا تَقَدَّمَ(٢). وفي المَسأَلَةِ مَذهَبٌ (٣) سَابِعٌ: أنَّهُ يَدخُلُ وقتُ الأَذَانِ لَهَا: لِسُدُسٍ يَبقَى مِن اللَّيلِ، وهُو المَشهُورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ (٤)، ووجَّهُوهُ: بِأَنَّهُ الوقتُ الَّذِي يُمَكِّنُ الجُنُبَ والمُعتَصِرَ والمُتَوضِّئَ والمُتَأهِّبَ لِذلك كُلِّهِ مِن أمرِهِ، ويَخرُجُ إلَى الجَمَاعَةِ. فَجَعَلُوهُ تَقدِيرًا لِذلك كُلِّهِ. فَإِن قُلتَ: وفي المَسأَلَةِ مَذهَبٌ(٥) ثَامِنٌ: أنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا عِندَ انِقِضَاءِ صَلَاةٍ العَتَمَةِ، وهُو عِندَ المَالِكِيَّةِ؟ قُلتُ: قَد فَسَّرَهُ الحَاكِي لَهُ، وهُو القَاضِي أَبُو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِّ(٦): بِأنَّ المُرَادَ العَتَمَةُ الَّتِي تُصَلَّى في آخِرِ وقتِهَا، وهُو نِصفُ اللَّيلِ أو ثُلْتُهُ، فَعَادَ هَذَا إِلَى المَذهَبِ الثَّالِثِ، وهُو قَولُ ابنِ حَبِيبٍ كَمَا قَدَّمته، فَلَيسَ هذا (٧) مَذهَبًا زَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. الخَامِسَةُ: هَذِهِ الرِّوايَةُ الَّتِي رَواهَا الشَّيخُ تَخْذَُّهُ، مِن ((مُسنَدِ أحمَدَ))(٨) صَرِيحَةٌ في (٢٠٩/٢م) أنَّ القَائِلَ: ولا أعلَمُهُ إِلَّا كَانَ قَدَرَ مَا يَنزِلُ هَذَا، ويَرقَی هَذَا. رَاوِيَةُ الحَدِيثِ عَائِشَةُ رُّ، فَإِنَّ فِيهَا: ((قالت)) . (١) البخاري (١٩١٩)، ومسلم (٣٨/١٠٩٢). (٢) ينظر: شرح معاني الآثار (١٤٠/١)، والمجموع (٩٦/٣)، والمبدع لابن مفلح (٢٧٥/١)، والمحلى (١١٧/٣). (٣) في الأصل: ((وجهٌ)). ينظر: الذخيرة للقرافي (٧٠/٣)، ومختصر خليل (ص٢٨)، وبلغة السالك (١٧٠/١). (٤) (٥) في الأصل: ((قول)). (٧) ليست في: (م). (٦) عارضة الأحوذي (٤/٢، ٣). (٨) أحمد (٥٤/٦). 2 ١١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ لَكِن في ((صَحِيحِ البُخَارِيِّ))(١)، في كِتَابِ الصِّيَامِ: قال القَاسِمُ: ولَم يَكُن بَيْنَ أذَانِهِمَا إلَّا أن يَرقَى ذَا، ويَنزِلَ ذَا. فَكَانَ شَيخُنَا الإِمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ البُلِقِينِيُّ كَخْفُ، يَعتَمِدُ هَذِهِ الرِّوايَةَ، ويَجعَلُ هَذَا الكَلَامَ في غَيرِهَا مُدَرَجًا(٢) . وفيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ في رِوايَةٍ أحمَدَ التَّصرِيحَ بأنَّهُ مِن قَولِ عَائِشَةَ، فَفيهَا زِيَادَةُ علمٍ يَجِبُ الأخذُ بِهَا . والظَّاهِرُ: أنَّ قَولَ البُخَارِيِّ: قال القَاسِمُ؛ أي: في رِوايَتِهِ عن عَائِشَةَ، وذلك لِأِنَّهُ رَوى الحَدِيثَ المَذكُورَ مِن طَرِيقٍ: عُبَيدِ الله، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ. ومِن طَرِيقِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عن عَائِشَةَ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ في رِوايَةٍ القَاسِمِ؛ أي: عن عَائِشَةَ، وَلَيسَت في حَدِيثِ (٣) ابنِ عُمَرَ؛ لِأنَّهُ لَو أطلَقَ ذِكرَهَا: لَتُوُهِّمَ أنَّهَا في الإسنَادَينِ مَعًا، ولَم يُرِد بِذلك: أنَّ القَاسِمَ قالهَا مِن عِندِ نَفْسِهِ، بِدَلِيلٍ رِوايَةٍ أحمَدَ الَّتِي ذَكَرَتُهَا، والله تعالى أعلَمُ (٤). ■ السَّادِسَةُ: استَثْنَى أحمَدُ تَخْتُهُ، مِن الأذَانِ قَبلَ الفَجرِ: شَهرَ رَمَضَانَ، فَقال: إِنَّهُ يُكرَهُ فِيهِ الأذَانُ قَبَلَ الفَجرِ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِهِ، فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُم. وهَذَا تَخْصِيصٌ لَا دَلِيلَ عَلَيهِ(٥)، وإِذَا عُلِمَ مِن عَادَةِ المُؤَذِّنِ أنَّهُ يُؤَذِّنُ قَبلَ الفَجرِ، لَم يَغْتَرَّ النَّاسُ بِأذَانِهِ، فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُم، والعَجَبُ أنَّ أبَا الحَسَنِ بنَ القَطَّانِ قال في ((بَيّانِ الوهمِ والإِيهَامِ)) (٦): إنَّ بِلَالًا إِنَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ لَيْلًا فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً. فَهَذَا (٧) عَكسُ المَحْكِيِّ عن أحمَدَ، ولَم أعلَم مُستَنَدَ ابنِ القَطَّانِ في ذلك. وقَد قال (٨) ابنُ قُدَامَةَ، بَعدَ نَقْلِهِ كَلَامَ أحمَدَ: ويُحتَمَلُ أَلَّا يُكرَهَ في حَقِّ مَن (٢) في الأصل: ((مُدخلًا)). (١) البخاري (١٩١٩). (٣) في الأصل: ((رواية)). ينظر: شرح البخاري لابن رجب (٥١٩/٣)، وفتح الباري (١٠٥/٢). (٤) (٥) قال في حاشية (ت): ((يحمل كلام الإمام على ما إذا لم يعرف ذلك من عادته)). (٦) بيان الوهم والإيهام (٢٧٤/٣). (٧) ليست في: الأصل. (٨) بعده في الأصل، (م): ((فخر الدين)). بَابُ الأذَانِ ١١٩ 2 = = عُرِفَت عَادَتُهُ بِالأَذَانِ في اللَّيلِ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفْعَلُ ذلك، وقال النَّبِيُّ وَلِ: ((لَا يَمنَعنكُمْ(١) مِن سَحُورِكُم أذَانُ بِلَالٍ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ(٢)، لِيُنَبِّهَ نَائِمَكُم، ويُرجِعَ قَائِمَكُم)). قال ابنُ قُدَامَةَ: ويَنبَغِي لِمَن يُؤَذِّنُ قَبلَ الوقتِ: أن يَجعَلَ أذَانَهُ في وقتٍ واحِدٍ في اللَّيَالِي كُلِّهَا، لِيَعلَمَ النَّاسُ ذلك مِن عَادَتِهِ، ولَا يُؤَذِّنُ في الوقتِ تَارَةً وقَبَلَهُ أُخرَى، فَيَقَعُ الإِلِبَاسُ، انتَهَى(٣). السَّابِعَةُ: رَوى ابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِهِ))؛ عن عَائِشَةَ رَّا: «أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قال: إنَّ(٤) ابنَ أُمِّ مَكتُوم يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا (٢١٠/٢م) واشرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ))(٥)، ولِلنَّسَائِيِّ(٦) مِن حَدِيِّثِ أُنَيسَةَ بِنْتِ خُبَيْبٍ: ((إِذَا أَّنَ ابنُ أُمّ مَكتُوم فَكُلُوا واشرَبُوا، وإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا)) . وهَاتَانِ الرِّوايَتَانِ مُعَارِضَتَانٍ لِلرِّوايَةِ المَشهُورَةِ، فَقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: إنَّ المَحفُوظَ والصَّوابَ الأولُ(٧). وقال ابنُ خُزَيمَةَ(٨): يَجُوزُ أن يَكُونَ بَيْنَهُمَا نُوبٌ. وجَزَمَ بِهِ ابنُ حِبَّنَ في الجَمْعِ بَيْنَهُمَا (٩). ونَظِيرُ هَاتَينِ الرِّوايَتَينِ فِي المُعَارَضَةِ: مَا [١١٢/١ظ] في سُنَنِ أبِي دَاوُدُ(١٠) عن بِلَالٍ رَّه؛ أنَّ رَسُولَ اللهِوَه، قال لَهُ: ((لَا تُؤَذِّن، حَتَّى يَستَبِينَ لَك الفَجرُ هَكَذَا، ومَدَّ يَدَيهِ عَرضًا)). لَكِنَّهُ مِن رِوايَةٍ شَدَّادٍ مَولَى عِيَاضٍِ بنِ عَامِرٍ عنْهُ، وقَد قال أبُو دَاوُد وغَيرُهُ: إنَّهُ لَم يُدرِك بِلَالًا، وأيضًا: فَلَم يَروِ عنهُ سِوى جَعفَرٍ (١) في (ح): ((يمنعكم)). (٢) في (م): ((بالليل)). (٣) المغني (٢١٦/٢). (٤) ليست في: (ح). صحيح ابن حبان (٣٤٧٣). (٥) (٦) سنن النسائي (٦٣٩). التمهيد (٦١/١٠)، وينظر: شرح البخاري لابن رجب (٥١٩/٣)، وفتح الباري (٧) (١٠٢/٢)، وشرح مغلطاي على ابن ماجه (١١٤٠/١). ابن خزيمة (٢١٢/١)، وقال: ليس هذا الخبر يضاد خبر سالم، عن ابن عمر، وخبر (٨) القاسم، عن عائشة، إذ جائز أن يكون النبي وت لتر، قد كان جعل الأذان بالليل نوائب بين بلال، وبین ابن أم مكتوم. (٩) ينظر: صحيح ابن حبان (٨/ ٢٥٢). (١٠) أبو داود (٥٣٤). ١٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ابنِ بُرقَانَ، ولذلك: قال أبُو بَكرِ الأثرَمُ: هَذَا إسنَادٌ مَجهُولٌ مُنقَطِعٌ. وقال ابنُ عَبدِ البَرُ: هَذَا حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ولا يُقبَلُ، لِضَعِفِهِ وانقِطَاعِهِ (١)، انتَھَی . وبِتَقْدِيرٍ صِخَّتِهِ: فَالجَوابُ عنهُ: أنَّهُ (٢) عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال هَذَا الكَلامَ لِلَالٍ (٣)، في نَوبَتِهِ الَّتِي كَانَ يَتَأَخَّرُ فِيهَا(٤) أَذَانُهُ، ويَتَقَدَّمُ فيهَا أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمَا نُوَبٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، ويُحتَمَلُ: أنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، قال لَهُ هَذَا الكَلَامَ في أولِ الأمرِ، قَبلَ أن يُنَصَّبَ لِلمَسجِدِ (° مُؤَذِّنٌ ثانٍ(٥). وتَقَدَّمَ عن ابنِ القَظَّانِ: حَملُ أذَانِ بِلَالٍ بِلَيلٍ عَلَى رَمَضَانَ خَاصَّةً، وتَقَدَّمَ عن أحمَدَ بنِ حَنبَلٍ: أَنَّهُ عَكسُ ذلك، فَكَرِهَ الأذَانَ قَبلَ الصُّبحِ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً، فيحصل الجَمِعُ بَيْنَ الحَدِيثَينِ، بِحَملِ أحَدِهِمَا عَلَى رَمَضَانَ، والآخَرِ عَلَى غَيرِهِ، والله أعلمُ. ■ الثَّامِنَةُ: استُدِلَّ بِهِ عَلَى: أنَّهُ يَجُوزُ في الرِّوايَةِ الإِعْتِمَادُ عَلَى الصَّوتِ، مِن غَيرِ رؤية(٦) المُخبِرِ، بِأن يَكُونَ من ورَاءِ حِجَابٍ إِذَا كَانَ عَارِفًا بِالصَّوتِ، أو اعتُمِدَ في ذلك عَلَى إخبَارِ ثِقَةٍ، فَإِنَّ ابنَ أُمِّ (٢١١/٢م) مَكتُومٍ لَم يَكُنْ يُشَاهِدُ مَا يَعرِفُ بِهِ دُخُولَ الوقتِ، وإِنَّمَا كَانَ يَعتَمِدُ في ذلك عَلَى إخبَارٍ مَن يُخبِرُهُ(٧) بِذلك، مِمَّن يَثِقُ بِهِ، وأقَرَّهُ النَّبِيُّ وَّهِ عَلَى ذلك، وأيضًا: فَإِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ: أمَرَ بِالاعتِمَادٍ عَلَى صَوتِ المُؤَذِّنِ مِن غَيرِ مُشَاهَدَتِهِ، فَإِنَّ ذلك يَكُونُ في اللَّيلِ وَظُلمَتِهِ، ولا بُدَّ أن يُمَيِّزَ صَوتَ بِلَالٍ مِن صَوتِ ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ، فَإِنَّ لِكُلِّ مِنْهُمَا حُكْمًا غَيرَ حُكمِ الآخَرِ، وبِهَذَا قال جُمْهُورُ العُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ والخَلفِ، وعن شُعبَةَ بنِ الحَجَّاجِ: مَنعُهُ، لِاحتِمَالِ الإِشْتِبَاهِ(٨). (١) التمهيد (٥٩/١٠). وينظر: الجرح والتعديل (٣٢٩/٤)، وتحفة التحصيل (١٤٥/١). (٢) ليس في: (ح). (٣) ليس في: (ح). (٤) ليس في: (ح). (٥ - ٥) في (م): ((مؤذنان)). (٧) في (ح): ((غيره)) . (٦) في (م): ((رواية)). ينظر: فتح الباري (١٠١/٢)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٢٢٣/١). (٨)