النص المفهرس

صفحات 601-620

بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٤٩٥
=
الغسلاتِ السَّبع بأنَّ روايةَ: ((إحداهنَّ)) على تقديرِ ثُبوتِها مُطلقةٌ، وقد قُيِّدتْ في
بعضِها: بـ((أولاهنَّ))، وفي بعضِها بـ(السابعةِ))، فلا يُجزئُّ التتريبُ [٨٧/١و] في
غيرِهما، لاتِّفاقِ القيدينِ على نفيِه. وما ذكره استشكالًا وبحثًا قد نصَّ عليه(١)
الشافعيُّ في (مُختصرِ البويطيّ))(٢). فقال: وإذا ولَغ الكلبُ في الإناءِ غُسلَ سبعًا،
أُولاهنَّ، أو أُخراهنَّ بالتُّرابِ، ولا يُطَهِّرُهُ غيرُ ذلك، وكذلك رُويَ عن النبيِّ وََّ.
هذا لفظُهُ بحروفِه، وعبارتُهُ في ((الأمّ»(٣) قريبةٌ من ذلك، وقد تبعَهُ من أصحابِهِ
على تقييدٍ ذلك بالأولَى أو الأخرَى: الزُّبيريُّ(٤) في ((الكافِي))، والمَرْعَشِيُّ(٥) في
كتابٍ ((ترتيبٍ الأقسام))، ونقلَه الدَّارميُّ(٦) أيضًا في ((الاستذكارِ)) عن ابنِ جابرٍ (٧).
وقد ضعَفَ بعضُ مُصنِّفِي الحنفيَّةِ الرِّوايةَ التي ذكَر فيها التُّرابَ بهذا
الاضطرابِ، من كونِها: ((أُولاهنَّ))، أو ((أُخراهنَّ))، أو (إحداهنَّ))، أو ((السابعةَ))،
(١)
ليس في: (ح).
ينظر: الإبهاج للسبكي (٢٠٣/٢)، التمهيد للأسنوي (ص٤٢٤).
(٢)
(٣)
الأم (٢٣/٢).
(٤) أبو عبد الله، الزُّبير بن أحمد الزُّبيرى، الفقيه الشافعي المازني، كان إمام أهل البصرة فى
عصره، ومدرسها، حافظ المذهب، مع حظ من الأدب؛ من مصنفاته: كتاب ((الكافي
في الفقه))، وكتاب ((النية))، وكتاب ((الهداية))، وغيرها، مات سنة (٣١٧هـ). طبقات
الشيرازي (ص١٠٨)، وسير أعلام النبلاء (٥٧/١٥).
(٥) الإمام الفقيه أبو بكر الشافعي: محمد بن الحسن المرعشي، له («ترتيب الأقسام على
مذهب الإمام))، في فروع الشافعية، فيه غرائب ونوادر. طبقات الشافعية لابن قاضي
شهبة (٣٠٩/١)، الأنساب لابن السمعاني (٢٥٨/٥)، كشف الظنون (٣٩٥/١)، هدية
العارفين (٤٩٥/١).
(٦) هو: شيخ الشافعية أبو الفرج محمد بن عبد الواحد بن محمد الدارمي، كان ذكيًا حسن
الفقه والحساب، له كتابٌ في الفروع كبير يسمى ((الاستذكار)). توفى سنة (٤٤٨هـ).
طبقات الشيرازي (ص١٢٨)، الوافي بالوفيات (٦٣/٤)، طبقات الشافعية الكبرى
(١٨٢/٤)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٢).
(٧) ينظر: ((التمهيد)) للإسنوي (ص٤٢٤ - ٤٢٥)، القواعد والفوائد للبعلي (ص٢٨٥). وابن
جابر هذا هو الإمام الفقيه المحدث أبو إسحاق إبراهيم بن جابر الشافعي، وكان إمامًا
ثقة، عدّه الذهبي من المجتهدين. توفي سنة (٣١٠هـ). طبقات الإسنوي (٣٤٥/١)، سير
أعلام النبلاء (٢٨٥/١٤).

=
٤٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أو ((الثامنةَ))، فقال إنَّ هذا الاضطرابَ يَقتضِي طرحَ ذكرِ التُّرابِ رأسًا، وكذا قال
صاحبُ ((المُفهم))(١): إنَّ هذه الزِّيادةَ مُضطربةٌ.
وفيما قالاه نظرٌ؛ فإنَّ (٢/ ١٣٠م) الحديثَ المُضطربَ إنَّما تتساقطُ الرِّواياتُ
إذا تساوتْ وُجُوهُ الاضطرابِ، إما إذا ترجَّحَ بعضُ الوجُوه، فالحكمُ للرِّوايةِ
الراجحةِ، فلا يَقدحُ فيها روايةُ مَن خالفَها، كما هو معروفٌ في عُلومِ الحديثِ(٢).
وإذا تقرَّرَ ذلك: فلا شكَّ أنَّ روايةَ: ((أُولاهنَّ))، أرجحُ من سائرِ الرِّواياتِ،
فإنَّه رواها عن محمدِ بنِ سيرينَ: ثلاثةٌ، هشامُ بنُ حسَّانٍ، وحبيبُ بنُ الشهيدِ،
وأيُّوبُ السِّختيانيُّ، وأخرَجها مُسلمٌ في ((صحيحِه)(٣) من روايةِ هشامٍ(٤)، فترجَّحُ
بأمرينٍ: كثرةُ الرُّواةِ، وتخريجُ أحدِ الشيخينِ لها، وهما من وُجُوه الترجيحِ عندَ
التعارض.
وأمَّا روايةُ: ((أُخراهنَّ))، بالخاءِ المُعجمةِ والراءِ، فلا تُوجدُ مُنفردةً مُسندةً
في شيءٍ من كُتبِ الحديثِ، إلَّا أنَّ ابنَ عبدِ البرِّ ذكَر في ((التمهيدِ))(٥): أنَّه رواها
خِلاسٌ عن أبي هريرةَ، كما سيأتي في الوجْهِ الذي يَلِيه، إلّا أنَّها رُويتْ مضمومةً
مع أُولاهنَّ، كما سيأتي.
وأمَّا روايةُ: ((السابعةِ بالتُّرابِ))، فهيَ، وإن كانت بمعناها، فإنَّه (٦) تفرَّدَ بها
عن محمدِ بنِ سيرينَ قتادةُ، وانفردَ بها أبو داودَ، وقد اختُلفَ فيها على قتادةَ،
فقال أبانُ عنه هكذا، وهي روايةُ أبي داود(٧)، وقال سعيدُ بنُ بَشِيرٍ عنه: ((الأُولَى
بالتُّرابِ))، فوافقَ الجماعةَ، رواه كذلكَ الدَّار قطنيُّ في ((سُنِه))، والبيهقيُّ (٨) من
طريقه، وهذا يَقْتضِي ترجيحَ روايةٍ ((أُولاهنَّ)) لموافقتِهِ للجماعةِ.
المفهم (٥٤٠/١).
(١)
(٢) ينظر: التقييد والإيضاح (ص١٢٤)، فتح المغيث (٢٣٧/١).
(٣) ينظر: البرهان للجويني (٧٤١/٢)، المحصول (٥٠٣/٥)، الإحكام للآمدي (٥٢/٤).
(٥) التمهيد (٢٦٥/١٨).
(٤)
مسلم (٢٧٩/ ٩١).
أشار في حاشية (ك)، أنها في نسخة: ((فإنها)).
(٦)
(٧)
أبو داود (٧٣).
الدارقطني (١٨٩)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٢٤١/١).
(٨)

٤٩٧٢
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
وأمَّا روايةُ: ((إحداهنَ)): بالحاءِ (١المُهملةِ، والدَّالِ(١)، فليستْ في شيءٍ من
الكتبِ السُّنَّةِ، وإنَّما رواها البزَّارُ، كما تقدَّمَ.
وأمَّا روايةُ: ((أُولاهنَّ أو أُخراهنَّ)): فقد رواها الشافعيُّ، والبيهقيُّ (٢) من
طريقه؛ بإسنادٍ صحيحٍ.
وفيه بحثٌ أذكرُهُ، وهو: أنَّ قولَه: ((أُولاهنَّ أو أُخراهنَّ))، لا تخلو(٣) إما أن
تكونَ مجموعةً من كلام الشارعِ، أو هو شٌّ من بعضٍ رُواةِ الحديثِ، فإن كانت
مجموعةً من كلام النبيِّ وَّةِ، فهو دالٌّ على التخييرِ بينَهما، ويترجَّحُ حينئذٍ ما نصَّ
عليه الشافعيُّ ◌َلُهُ من التقييدِ بهما، وذلكَ لأَنَّ مَن جمعَ بينَهما معَهُ زيادةُ علمٍ
على مَن اقتصرَ على الأولَى أو السابعةِ؛ لأنَّ كُلَّ منهم(٤) حُفظَ مرَّةً، فاقتصرَ
عليها، وحُفظَ هذا الجمعُ بينَ الأولَى والأخرَى، فكان أولَى.
وإنْ كان ذلك شكًّا من بعضِ الرُّواةِ، فالثَّعارضُ قائمٌ، ويرجعُ إلى
الترجيحِ، فَتُرجَّحُ الأولَى، كما تقدَّمَ، وممَّا يَدلُّ على أنَّ ذلك شكٌّ من بعضٍ
الرُّواةِ لا من كلامِ الشارع: قولُ التِّرمذيِّ في روايتِه: ((أُولاهنَ)) أو قال: ((أُخراهنَّ
بالتُّرابِ))، فهذا يدلُّ على أنَّ بعضَ الرُّواةِ شكَّ فيه [٨٧/١ظ](٥)، فيترجَّحُ حينئذٍ
تعيينُ الأولَى، ولَا شاهدٌ أيضًا من روايةٍ خلاسٍ، عن أبي (١٣١/٢م) رافعٍ، عن
أبي هريرةَ، كما سيأتي في الوجْهِ الذي يَلِیه.
وإذا كان ذكرُ الأولَى أرجحَ، ففِيه حُجَّةٌ لما ذكَر أصحابُنا من كونِ التتریبِ
في المرَّةِ الأولَى أولَى، وذكروا له معنَى آخرَ، وهو أنَّه إذا قُدِّمَ التتريبُ في
الأولَى، فتناثرَ من بعضِ الغسلاتِ رشاشٌ إلى غيرِ الموضعِ المُتلوِّثِ بالنَّجاسةِ
الكلبيَّةِ، لم يَجبْ تتريبُهُ، بخلافِ ما إذا أُخِّرَ، فكان هذا أرفَقَ، لكن حملُهُ على
(١ - ١) في (ح): ((والدال المهملتين)).
(٢) مسند الشافعي (٥)، البيهقي في الكبرى (٢٤١/١).
(٣) في (ك، ح): ((يخلو)).
(٤) من (ح): ((منهم)).
(٥) من هنا يبدأ خرم في المخطوط الأصل بمقدار وجه واحد، ينتهي أثناء الفائدة العاشرة
من هذا الحديث.

ـكـ
٤٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الأولويَّةِ مُتقاصرٌ عمَّا دلَّتْ عليه الرِّوايةُ الصحيحةُ، فينبغِي حملُهُ على تعيينٍ(١)
المرَّةِ الأولَى(٢). واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الثامنةُ: ذكَر البيهقيُّ في ((المعرفة))(٣) أنَّ محمدَ بنَ سيرينَ يَنفردُ بذکرٍ
التّرابِ فيه من حديث أبي هريرةَ، وليس كما ذكره، فقد رواه الدَّار قطنيُّ (٤) من روايةٍ
خالدِ بنِ يحيى الهلاليٌّ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن
أبي هريرةَ. ويُونسُ، عن الحسنِ، عن أبي هريرةَ، فقال فيه: ((الأولَى بالتُّرابِ)).
وخالدُ بنُ يحيى قال فيه ابنُ عديٌّ(٥): أرجو أنَّه لا بأسَ به؛ لأنِّي لم أرَ في
حديثه شيئًا مُنكرًا. وقال الذَّهبيُّ(٦): صُويلحٌ لا بأسَ به.
ووردَ ذكرُ التُّرابِ في حديثِ أبي هريرةَ أيضًا من غيرِ روايةٍ محمدٍ، والحسنِ،
رواه النسائيُّ (٧) من روايةٍ مُعاذٍ بنِ هشام، عن أبيه، عن قتادةَ، عن خِلاسٍ، عن أبي
رافعٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ نَّه قال: ((إذا ولَغ الكلبُ (١٣٢/٢م) في إناءِ
أحدِكم: فليغسلْهُ سبعَ مرَّاتٍ، أُولاهنَّ بالتُّرابِ))، ورواه البيهقيُّ في ((سُنِهِ الكبرَى))(٨)
من طريقِ الدَّارقطنيِّ، ثمَّ قال: هذا حديثٌ غريبٌ، إن حفظَهُ مُعاذٌ فهو حسنٌ؛ لأنَّ
التُّرابَ في هذا الحديثِ (٩) لم يَروِه ثقةٌ غيرُ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ. قال: وإنَّما
رواه غيرُ (١٠) هشام، عن قتادةً، عن ابنِ سيرينَ، كما تقدَّمَ، انتَهَى.
وذكر ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ))(١١) أنَّه رواه خِلاسٌ، عن أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَِّ فقال: ((أُخراهنَّ بالتُّرابِ))، قال: وبعضُهم يَقولُ في حديثٍ خلاسٍ :
((إحداهنَّ بالتُّرابِ)). هكذا ذكر ابنُ عبدِ البرِّ أنَّه من روايةِ خلاسٍ، عن أبي هريرةَ،
في (ك): ((تعين)).
(١)
ينظر: الشرح الكبير (٢٧٠/١)، وروضة الطالبين للنووي (١٤٣/١).
(٢)
(٣)
معرفة السنن والآثار (٣٠١/١).
(٥)
الكامل (٨٨٢/٣).
(٧)
النسائي (٣٣٧).
(٩) في (ك): ((الأحاديث)).
(١١) التمهيد (٢٦٥/١٨).
(٤) الدار قطني (٦٤/١).
(٦) ميزان الاعتدال (٤٣١/٢).
(٨) البيهقي (٢٤١/١).
(١٠) ليس في: (ك).

بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٤٩٩
=
وقد سمعَ خلاسٌ من أبي هريرةَ، وروايتُهُ عنه في صحيح البخاريِّ، إلَّا أنَّ
الظّاهرَ: أنَّه سقط منه ذكرُ أبي رافع، كما دلَّتْ عليه روايةُ النسائيّ المُتقدِّمةُ. والله
تعالى أعلمُ.
■ التاسعةُ: في قولِه: ((طُهورُ إناءِ أحدِكم))، مع ذكرِ التُّرابِ في آخرِه في
روايةٍ مسلمٍ دليلٌ على أنَّه لا يَكفِي التتريبُ بترابٍ نجسٍ؛ لأنَّ النجسَ لا يَكونُ
مُطهّرًا(١)، وهو أصحُ الوجهينِ، كما قالَه الرافعيُّ، كما لا يصحُّ التيعُّمُ بترابٍ نجسٍ.
والوجهُ الثانِي: أنَّه (٢) يَصُّ كالدِّباغِ بشيءٍ نجسٍ، وبنَى الرافعيُّ (٣) على هذا
الخلافِ ما إذا تنجَّستِ الأرضُ التّرابيَّةُ بالكلبِ، فإن قُلنا: لا يَكفِي التُّرابُ
النجسُ. فلا بُدَّ من تُرابٍ آخرَ، ولكنَّ الأظهرَ في هذه المسألةِ، كما قال
الرافعيُّ، أنَّه لا يَحتاجُ إلى تُرابٍ آخرَ، إذ لا معنَى لتتريبِ التُّرابِ.
■ العاشرةُ: في قولِه: ((فاغسلُوهُ سبعًا، أُولاهنَّ بالتُّرابِ))، ما قد (٤) يَدِلُّ
على أنَّه لا يَكتفِي(٥) بذرِّ التُّرابِ على المحلِّ، بل لا بُدَّ أن يَجعلَه في الماءِ،
ويُوصِّلَه إلى المحلِّ، وهو كذلكَ، كما جزَم به الرافعيُّ وغيرُه(٦).
قال ابنُ دقيقِ العيدِ (٧): ووجهُ الاستدلالِ: أنَّه جعَل مرَّةَ التتريبِ داخلةً في
مُسمَّى الغسلاتِ، وذرُّ التُّرابِ على المحلِّ لا يُسمَّى غسلًا. قال(٨): وهذا
مُمكنٌ، وفيه احتمالٌ؛ لأنَّه إذا ذرَّ التُرابَ على المحلِّ، وأتبعَهُ الماءَ، يَصحُ أن
يُقالَ: غسلَ بالتُّرابِ.
وأيضًا، فقولُهُ: ((وعقِّرُوهُ))، قد يُشعرُ بالاكتفاءِ بالتَّتريبِ بطريقٍ ذرِّ الُّرابِ
على المحلِّ، فإن كان خلطُهُ بالماءِ لا يُنافِي [٨٨/١و](٩) كونَهُ تعفيرًا لُغةً، فقد
(١) في (ح): ((طهورًا)).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) ليس في: (ك).
(٦)
(٣)
الشرح الكبير (٢٦٥/١).
(٥)
في (ك): ((يكفي)).
الشرح الكبير (٢٦٠/١)، وروضة الطالبين (١٤٢/١).
(٧) إحكام الأحكام (ص٨١).
(٨) زيادة في: (ك، ح).
(٩) هنا انتهى الخرم في المخطوط الأصل، المشار إليه في أثناء الفائدة السابعة.

٥٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ثبتَ ما قالُوهُ؛ لأنَّ لفظَ التعفيرِ حينئذٍ يَنطلقُ على ذرِّ التُّرابِ على المحلِّ، وعلى
إيصالِهِ بالماءِ إليه، والحديثُ الذي دلَّ على اعتبارِ مُسمَّى الغسلةِ يَدلُّ على خلطِه
بالماءِ، وإيصالِه إلى المحلِّ به، وذلكَ أمرٌ زائدٌ على مُقتضَى مُطلقِ التعفيرِ، على
التقديرِ الذي ذكرناه من شُمولِ اسمِ التعفيرِ الصُّورتينِ(١) معًا، أعنِي ذرَّ التُّرابِ،
(٢/ ١٣٣م) وإيصالَه بالماءِ، انتَهَى.
وما أبداه الشيخُ من الاحتمالِ في إجزاءِ ذرِّ التُّرابِ وإتباعِه بالماءِ، قد صرَّحَ
بالاكتفاءِ به ابنُ الرِّفعةِ، ورُدَّ عليه: بأنَّ الشيخَ أبا محمدٍ الجوينيَّ صرَّحَ في
((التبصرةٍ))(٢) أنَّه لا يَكفِي، وهو مُقتضَى كلامٍ غيرِهِ من الأصحابِ(٣).
■ الحاديةَ عشرَ: استدلَّ به الرافعيُّ على أنَّه لا يَكفِي مزجُ التُّرابِ بمائعِ
غيرِ الماءِ؛ لأنَّ المعنَى: فليغسلْهُ بالماءِ سبعًا، وإلَّا لجازَ الغَسْلُ سبعًا بغيرِ الماءِ،
وهو واضحٌ، وهذا هو الأصُّ، كما قالَه الرافعيّ (٤).
والوجهُ الثاني: أنَّه يَكفِي؛ لأنَّ المقصودَ من الغسلةِ السابعةِ التُّرابُ، وهو
بعيدٌ.
■ الثانيةَ عشرَ: فيه أنَّه لو غسله بالماءِ سبعًا، ثمَّ مزجَ التُّرابَ بمائعِ
فغسلَه به ثامنةً، أنَّه لا يَكفِي؛ لأنَّ الثُّرابَ ليس في أُولَى الغسلاتِ ولا في
إحداهنَّ، والحديثُ يَدُّ على اشتراطِ جمعِ التّرابِ مع الماءِ، وهذا هو الذي
صحَّحَه النوويُّ في ((شرحِ الوسيطِ)) المُسمَّى بـ((التَّنْقيحِ))، وكلامُهُ في بقيَّةِ كُتِه
مُحتملٌ، تبعًا للرَّافعيّ(٥).
أما إذا غسله بالماءِ سبعًا، ومزجَ التُّرابَ بالمائعِ، وغسلَه به مع الماءِ غسلةً
(١) في (ح): ((على الصورتين)).
(٢) أبو محمد، عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيْوَيَّه، والد إمام الحرمين. المتوفى سنة
(٤٣٨ هـ)، وكتابه هو التبصرة في الوسوسة في العبادات سير أعلام النبلاء (٦١٧/١٧)،
وطبقات الشافعية الكبرى (٥/ ٧٢).
ينظر: الحاوي (٣٠٨/١)، الوسيط (٢٠٩/١).
(٣)
(٤)
الشرح الكبير (٢٦٦/١).
(٥) ينظر: الشرح الكبير (٢٦٦/١)، المجموع (٦٠٥/٢)، روضة الطالبين (٣٢/١)

=
بابُ غَسلِ النجاسةِ
ثامنةً: ففِي ((المُهمَّاتٍ)): أنَّه يَجوزُ قطعًا، كما نبَّهَ عليه ابنُ الصلاح في ((مُشكلٍ
الوسيطِ))، قال: ولا يُتَجَهُ فيه خلافٌ، إلّا وجهٌ بعيدٌ في: أنَّ التُّرابَ تزولُ
طهوريَّتُهُ بالخلِّ(١) ونحوِه.
■ الثالثةَ عشرَ: اختلفَ أصحابُ الشافعيِّ في الأمرِ بالتَّتريبِ في نجاسةِ
الكلبِ، هل هو تعبُّدٌ، أو معقولُ المعنَى؟. فمَن قال إنَّه تعبُّدٌ، جعلَه مُتَعيِّنَا، وأنَّه لا
يَقومُ غيرُه مقامَهُ، وأنه كان أبلغَ في الإزالةِ؛ كالصَّابونِ، والأُشْنانِ، ونحوِهما؛ ومَن
جعلَه معقولَ المعنَى، اختلفوا في العلَّةِ، فقال بعضُهم: العلَّةُ فيه الجمعُ بينَ نوعيٍ
الظَّهورِ، تغليظًا للنَّجاسةِ (٢)، وجعلَها بعضُهم للاستظهارَ(٣) مع الماءِ بغيرِهِ، فمَن
علَّلَ بالجمعِ بينَ نوعىِ الطّهورِ، لم يَكتفِ بغيرِ التُّرابِ، ومَن جعلَه للاستظهارِ،
اكتفَى بأمرٍ آخرَ مع الماءِ، ولم يكتفِ بالغسلةِ الثامنةِ، إذ لا زيادةَ على الماءِ،
والأصحُّ، كما صححه(٤) الرافعي والنووي، تعين التراب، وأنَّه لا يَكفِي الصَّابونُ،
والأُشنانُ(٥)، ونحوُهما، وفيه وجْهٌ: أنَّه يَكفِي فيما يَفسدُ بالتُّرابِ كالثِّابِ خُصوصًا
النفيسةَ، وفيه قولٌ آخرُ: أنَّه يَقومُ غيرُه مقامَهُ عندَ عدمِه، لا عندَ وُجودِه.
وهذا الأخيرُ: قد نصَّ عليه الشافعيُّ في ((الأمِ)، مع القولِ الأوَّلِ من غيرِ
ترجيح(٦) لأحدِهما، وفيه قولٌ آخرُ: أنَّه يَكفِي مُطلقًا، حكاه الرافعيّ(٧)، وإنَّما
فرضَهُ في ((الأمّ) عندَ عدمِ التُّرابِ، كما تقدَّمَ.
■ الرابعةَ عشرَ: فيه أنَّه لو غسله مرَّةً ثامنةً بالماءِ بدلًا عن التُّرابِ لا
يَكفِي، وهو الأصحُ، كما قالَه الرافعيُّ (٨)، وأمَّا مَن قال من أصحابِنا: يَكفِي؛ لأنَّ
الماءَ (١٣٤/٢) أبلغُ في التطهيرِ من التُّرابِ. فمردودٌ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أن يَستنبطَ من
(١) في (ك): ((كالخل)).
(٢) في (ح): ((لنجاسته)).
(٣) في (م): ((الاستظهار))!
(٤) في (ح): ((قاله)).
(٥)
هو نبات معروف كان يستخدم في التنظيف والتطهير. لسان العرب (١٨/١٣).
(٦)
في (ك): ((جنح)).
(٧)
الشرح الكبير (٢٦٠/١)، وينظر: الأم (٢٣/٢).
الشرح الكبير (٢٦٠/١).
(٨)

=
٥٠٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
النصِّ معنّى يَعودُ عليه بالإبطالِ، ولو كان الماءُ أبلغَ من التُّرابِ مُطلقًا، لجازَ لمن
وجدَ بعضَ ما يَكفِيه من الماءِ لأعضاءِ التيمُّم، أن يقتصرَ على غسلِ الوجْهِ والیدینِ،
دُونَ التيمُمِ؛ لأنَّ الماءَ أبلغُ في التطهيرِ، ولا قائلَ بذلك(١). واللهُ أعلمُ.
■ الخامسةَ عشرَ: ظاهرُ الحديث أنَّه لا يُكتفَى بالرَّمْلِ عن التُّرابِ في
نجاسةِ الكلبِ؛ لأنَّ له اسمًا يَخصُّهُ دُونَ التُّرابِ، إلَّا أنَّ أصحابَنا صحَّحوا جوازَ
التيمُّم به إذا كان ناعمًا له غُبارٌ، بل زادَ النوويُّ على هذا، فقال في
((الفتاوَى))(٢): إنَّه لو سحقَ الرَّمَلَ حتى صارَ له غُبارٌ، جازَ التيُمُ به.
ومُقتضَى هذا: الاكتفاءُ به في التتريبِ من الكلبِ، وذلكَ يَتوقَّفُ على جوازِ
كونِه يُسمَّى تُرابًا، وفي الحديثِ ما قد يَدلُّ عليه، فذكَر [٨٨/١ظ] أبو موسى
المدينيُّ في ذيلِه على ((الغريبين)) للهرويِّ؛ أنَّ في حديثِ الحمرِ الأهليّةِ ((أَمَر أنْ:
تُكفأُ القدورُ، وأن يُرمَّلَ اللَّحمُ بالتُّرابِ))(٣). وفسَّرَهُ بأنَّه يُلَتُّ بالتُّرابِ، فيحتملُ أن
يَكونَ المُرادُ أنَّه (٤) يُترَّبُ بالتُّرابِ، فأتَى بقولِه: يُرمَّلُ؛ لأنَّ الرَّمْلَ من جنسٍ
الُّرابِ، فجمعَ بينَ ذكرِ الرَّملِ والتُّرابِ، ويحتملُ أن يَكونَ المُرادُ: حتى يَصيرَ
التُّرابُ له رمالًا (٥)، كما يُرمَّلُ السَّريرُ فيلتصقُ عليه التُّرابُ، فَشُبِّهَ ذلك من كثرتِه
بالنَّسجِ على السَّريرِ، والأوَّلُ أظهرُ. واللهُ أعلمُ.
■ السادسةَ عشرَ: فيه حُجَّةٌ على مَن ذهبَ إلى اشتراطِ الغسلِ من نجاسةٍ
الكلبِ ثمانيًا، وحكاه ابنُ عبدِ البرِّ(٦) عن الحسنِ البصريِّ، أنَّه كان يُفِي بأنَّه يُغسلُ
سبعًا بالماءِ، ومرَّةً ثامنةً بالتُّرابِ، قال: ولا أعلمُ أحدًا كان يُفْتِي بذلك غيرُه.
قُلتُ: قد ذهبَ إليه أحمدُ بنُ حنبلِ أيضًا (٧)، كما حكاه عنه صاحبُ ((المُفهم))
ينظر: الحاوي (٣١٢/١)، الوسيط (٢٠٨/١)، حلية العلماء (٢٤٦/١).
(١)
(٢)
وينظر: روضة الطالبين (٢٢٢/١).
(٣)
وينظر: النهاية في غريب الأثر (٢٦٦/٢).
(٤)
في (ح): «به)).
التمهيد (٢٦٦/١٨).
(٥) في (ح): ((لازمًا)).
(٦)
(٧) ينظر: الكافي (١٥٣/١)، وشرح الزركشي على الخرقي (٢١/١)، والعدة شرح العمدة
(١٤/١)، والهداية للكلوذاني (١٩/٢).

بابُ غَسلِ النجاسةِ
كمـ
٥٠٣
=
من المالكيَّةِ، وحكاه عنه أيضًا الرافعيُّ(١)، وحُجَّتُهُ في ذلك حديثُ عبدِ اللهِ
ابنِ مُغفَّلٍ عندَ مسلم: ((فاغسلُوهُ سبعًا (٢)، وعقِّرُوهُ الثامنةَ بالتُّرابِ))(٣)، وقد تقدَّمَ.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): والحديثُ قويٌّ فيه؛ فمَن لم يَقلْ به احتاجَ إلى
تأويله بوجهٍ فیه استكراهٌ.
وقال الطَّحاويُّ(٥): يَنبغِي لهذا المُخالفِ لنا أن يَقولَ: لا يَطهرُ الإناءُ حتى
يُغسلَ ثمانيَ مرَّاتِ الثامنة بالتُّرابِ، ليأخذَ بالحديثينِ جميعًا.
وقد تقدَّمَ الجوابُ عن هذا في الفائدةِ السابعةِ، وفي العاشرةِ أيضًا من هذا
الحديث.
الحديثُ الثالثُ
عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: ((دخَل أعرابيّ المسجدَ، فصلَّى
ركعتينٍ (١٣٥/٢م)، ثمَّ قال: اللَّهُمَّ ارحمنِي ومُحمَّدًا، ولا ترحمْ معَنا أحدًا.
فالتفتَ النبيُّ ◌َّهِ، فقال: ((لقد تحجَّرتُ (٦) واسعًا)). ثمَّ لم يَلبثْ أن بالَ في
المسجدِ، فأسرعَ الناسُ إليه، فقال لهم رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّما بُعثتمْ
مُيسِّرينَ، ولم تُبعثوا مُعسِّرِينَ، هريقوا عليه دلوًا من ماءٍ أو سجلاً من ماءٍ)).
رواه البخاريُّ، فَرَّقَهُ(٧) في موضعينٍ.
فيه فوائدُ:
] الأولَى: حديثُ أبي هريرةَ هذا: رواه الزُّهريُّ عن ثلاثةٍ من أصحابٍ
المفهم (١/ ٥٤٠)، الشرح الكبير (٢٦٠/١).
(١)
(٢)
ليس في: (ك).
(٤) إحكام الأحكام (ص٨١).
(٦) في (ك): ((حجرت)).
(٣) مسلم (٢٨٠/ ٩٣).
(٥) شرح المعاني (١/ ٢٣).
(٧) في (ك): ((مفرقة)).

=
٥٠٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أبي هريرةَ، سعيدِ بنِ المُسيِّبِ، وعُبيدٍ (١) اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، وأَبِي سلمةَ بنِ
عبدِ الرحمنِ.
فأمَّا روايةُ سعيدِ بنِ المُسيِّبِ: فأخرَجها بكمالِها أبو داودَ، والتِّرمذيُّ،
وصحَّحَها(٢)، وأخرَجها النسائيُّ(٣) مُقتصرًا على أوَّلِ الحديثِ، دُونَ قصَّةِ البولِ.
وأمَّا روايةُ عُبيدٍ(٤) اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ: فأخرَجها البخاريُّ مُفرَّقةً في
موضعينٍ، فذكر قصَّةَ البولِ في ((الطَّهارِ)) وفي ((الأدبِ))(٥) أيضًا، وذكَر أوَّلَ
الحديثِ في ((الأدبِ)) أيضًا.
وأمَّا روايةُ أبي سلمةَ: فأخرَجها البخاريُّ، وأبو داودَ، والنسائيُّ؛ مُقتصرينَ
على أوَّلِ الحديثِ، دُونَ قصَّةِ البولِ، وأخرَجها ابنُ ماجَه(٦)، وذكَر قصَّةَ البولِ
أيضًا، وأخرجَ الشيخانِ، والنسائيُّ، وابنُ ماجَه (٧) قصَّةَ البولِ من حديثٍ أنسٍ،
ورواه ابنُ ماجَه(٨) بتمامِهِ من حديثٍ وائلةَ بنِ الأسقعِ.
■ الثانيةُ: الأعرابيُّ هو ساكنُ الباديةِ، وقيلَ: مَن سكنَها من العربِ،
وجمعُ الأعرابيِّ أعرابٌ، وقال ابنُ دقيقِ العيدِ(٩): إنَّ(١٠) الأعرابيَّ منسوبٌ إلى
الأعرابِ، وهم سُكَّانُ البوادِي، قال: وقَعتٍ (١١) النِّسبةُ إلى الجمعِ دُونَ
الواحدِ؟.
فقيلَ: لأنَّه جرَى مجرَى القبيلةِ كأنمار(١٢). وقيلَ: لأنَّه لو نسبَ إلى
الواحدِ، وهو عربٌ: لقيلَ: عربيٍّ، فيشتبِهُ المعنَى، فإنَّ العربيَّ كُلُّ مَن هو من
(١) في (ك): ((عبد)).
(٢) في (ك): ((وصححه)).
أبو داود (٣٨٠)، الترمذي (١٤٧)، النسائي (١٢١٦).
(٣)
(٤)
في (ك): ((عبد) .
(٥) البخاري (٢٢٠، ٦١٢٨).
(٦)
البخاري (٦٠١٠)، أبو داود (٨٨٢)، النسائي (١٢١٥)، ابن ماجه (٥٢٩).
(٧)
البخاري (٢٢١)، مسلم (٢٨٤، ٩٩)، النسائي (٥٤)، ابن ماجه (٥٢٨).
(٩) إحكام الأحكام (ص١٢٦).
(٨)
ابن ماجه (٥٣٠).
(١٠) ليس في: (ك).
(١١) في (ح): ((ووقف))، وفي (ك): ((ووقعت)).
(١٢) في (م): ((كأثمار)).

=
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٥٠۵
ولدِ إسماعيلَ لفعلِّلا، سواءٌ كان ساكنًا بالباديةِ(١) أو بالقرَى، وهذا غيرُ المعنَى
الأوَّلِ، انتَهَى (١٣٦/٢م).
وقولُه: إنَّ الأعرابَ جمعُ عربٍ. ليس بجيِّدٍ، وإنَّما هو جمعُ أعرابيٍّ، كما
ذكره(٢) أهلُ اللُّغةِ(٣)، ولم أرَ مَن صنَّفَ في المُبهماتِ سمَّى هذا الأعرابيَّ (٤).
■ الثالثةُ: فيه استحبابُ ركعتينٍ عندَ(٥) دُخولِ المسجدِ تحيَّةً له، وهو
كذلكَ، وقد كان ذلك معلومًا عندَهم، حتى عندَ الأعرابيِّ الغريبِ الذي وقَع منه
[٨٩/١و] البولُ في المسجدِ، وإنَّما يَتركُها الدَّاخلُ إذا دخَل المسجدَ، وقد
أُقيمتِ الصلاةُ، أو دخَل وعليه صلاةٌ يَخافُ فوتَها، فإنَّه يُقدِّمُ الفرضَ، أو دخَل
المسجدَ الحرامَ، فإنَّ المشروعَ في حقِّه الطَّوافُ، وتتأدَّى التحيَّةُ بالفرضِ،
وركعتي الطّوافِ، فإن دخَل المسجد الحرامَ، وقد مُنعَ الناسُ من الطَّافِ،
لقربِ الصلاةِ أو خُروِجِ الخطيبِ، فَيُستحبُّ له حينئذٍ ركعتا التحيَّةِ، ويُحتملُ أنَّ
هاتينِ الرَّكعتينِ ليستا للتَّحيَّةِ، وإنَّما هما فرضُ صلاتِهِ، ففِي بعضٍ طُرقِه عندَ
البخاريِّ(٦) من روايةٍ أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ قال: قامَ رسولُ اللهِ وَ ل في
صلاةٍ وقُمنا معَهُ، فقال أعرابيٍّ، وهو في الصلاةِ: اللَّهُمَّ ارحمنِي ومُحمَّدًا ولا
ترحمُ معَنا أحدًا. فلمَّا سلَّمَ النبيُّ بَّرَ قال: ((لقد حجَّرتَ واسعًا))، يُريدُ:
رحمةَ الله، ولم يَذكرْ قِصَّةَ البولِ، فظاهرُ هذا أنَّه كان معَهم في صلاةِ الفرضِ.
والله تعالى أعلمُ.
■ الرابعةُ: كيفَ وجهُ الجمع بينَ هذا(٧) الاختلافِ، فإنَّ ظاهرَ حديثٍ
البابِ أنَّه قال ذلك بعدَ الفراغ من صلاتِه للرَّكعتينِ (٨)؛ لأنَّه أتَى بقولِه: (ثمَّ قال))
الدَّالَّةِ على الترتيبِ والتَّراخِي، وفي روايةِ البخاريِّ: أنَّه قال ذلك في الصلاةِ،
(١) في (ح): ((في البادية)).
(٢) في (ك): ((نقله)).
(٣) ينظر: لسان العرب (٥٨٦/١)، والصحاح (١٧٨/١).
(٤)
ينظر: فتح الباري (٣٢٣/١).
(٥) ليس في: (ح).
(٦)
البخاري (٦٠١٠).
في (ح): ((الركعتين)).
(٨)
(٧) ليس في الأصل، (م).

=
٥٠٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفي روايةِ ابنِ ماجَه: ((دخَل أعرابيُّ المسجدَ، ورسولُ اللهِ نَّهِ جالسٌ، فقال:
اللَّهُمَّ اغفرْ له ولمحمَّدٍ، ولا تغفرْ لأحدٍ معَنا. فضحكَ رسولُ اللهِ وَ)). الحديثَ.
والجوابُ: أَنَّه يَحتملُ أنَّه دخَل، والنَّبِيُّ ◌َه جالسٌ، فصلَّى ركعتينٍ للَّحيَّةِ،
ثمّ أُقيمتِ الصلاةُ، فصلَّى معَهم، وقال ذلك في صلاته.
إلَّا أنَّ هذا قد يُنافِيه قولُه: ((دخَل وهو جالسٌ، فقال))، فأتَى بالفاءِ المُقتضيةِ
للتَّعقيبِ، وقد ثبتَ في رواية أبي داودَ، والتِّرمذيِّ: ((أَنَّه دخَل، والنَّبِيُّ وَِّ جالسٌ
فصلَّى))، وفي روايةٍ: ((فصلَّى ركعتينٍ، ثمَّ قال))، فقد (١ زادا ذكَر١) الصلاةِ؛
كحديثِ البابِ، والحكمُ لمن حفظَ وزادَ، والله تعالى أعلمُ، ويُحتملُ أنَّه لمَّا (٢)
كان ذلك بمجلسٍ واحدٍ أتَى بالفاءِ.
■ الخامسة: فيه أنَّ من أدبِ الدُّعاءِ أنَّ مَن دعا بمجلسٍ جماعةٍ لا يَخصُّ
نفسَهُ بالدُّعاءِ من بينِهم، أو لا يَخصُّ نفسَهُ وبعضَهم، دُونَ جميعِهم.
فأمّا الدُّعاءُ بأنَّه لا يَرحمُ الباقينَ، أو لا يَغفرُ لهم، فلا يَجوزُ (١٣٧/٢م)
ذلك لغيرِ سببٍ يَقتضِي ذلك، وهذا وقَع من هذا الأعرابيِّ جهلاً بآدابِ الدُّعاءِ،
ولذلك أنكرَهُ عليه النبيُّ وَّهِ، ويتأكَّدُ استيعابُ الحاضرينَ على إمامِ الجماعةِ، فلا
يَخْصُّ نفسَهُ دُونَ المأمومينَ، لما روى أبو داودَ، والتِّرمذيُّ(٣) من حديثٍ ثوبانَ
قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَؤْمُّ رجلٌ قومًا فيخصنَّ نفسَهُ بدعوةٍ دُونَهم، فإن فعلَ
فقد خانَهم))، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.
والظّاهرُ: أنَّ هذا محمولٌ على ما لا يُشاركُهُ فيه المأمومونَ؛ كدعاءِ القنوتِ
ونحوِه، فأمَّا ما يَدعُو كُلُّ أحدٍ (٤) به؛ كقولِهِ بينَ السَّجدتينِ: ((اللَّهُمَّ اغفرْ لِي
وارحمنِي واهدنِي))، فإنَّ كُلَّ من المأمومينَ يَدعُو بذلك، فلا حرجَ حينئذٍ في
الإفرادِ، إلَّا أنَّه يَحتملُ أنَّ بعضَ المأمومينَ يَتركُ ذلك نسيانًا، أو لعدمِ العلمِ
باستحبابِه، فينبغِي حينئذٍ أن يَجمعَ الضَّميرَ لذلكَ، فأمَّا دُعاءُ الدَّاعِي لجميعِ
(١ - ١) في (ح): ((زاد إذًا ذكر)).
(٣) أبو داود (٩٠)، الترمذي (٣٥٧).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) في (ك): ((واحد)).

بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٥٠٧م
=
المُسلمينَ بالمغفرةِ، أو (١) الرَّحمةِ، فقد منعَ من جوازٍ ذلك الشيخُ شهابُ الدِّينِ
القرافيُّ؛ لأنَّه يَعلمُ أن(٢) لا بُدَّ من عذابِ بعضِ العصاةِ من المُسلمينَ(٣).
وهذا مردودٌ عليه، لورودِ ذلك عن السَّلفِ والخلفِ، وخُروجُهم من النارِ
بعدَ العذابِ إنَّما هو بالمغفرةِ والرَّحمةِ، فلا مانعَ من تعميم الدُّعاءِ بذلك. واللهُ
تعالى أعلمُ.
■ السادسةُ: فيه المُبادرةُ إلى إنكارِ المُنكرِ وتعليمِ الجاهلِ، وأنَّه لا يُؤْخِّرُ
ذلك عندَ الاطّلاع عليه، فإن كان ذلك كان(٤) وهو في الصلاةِ، كما عندَ
البخاريِّ، فإنَّه يُؤْخِّرُ الإنكارَ إلى ما بعدَ الصلاةِ، كما في بقيَّةِ الحديثِ: ((أنَّه لمَّا
سلَّمَ، أنكرَ ذلك عليه)). وهذا إذا كان المُنكرُ لا يَتعدَّى ضررُهُ، نحو هذه [٨٩/١ظ]
الواقعةِ، أما لو تعدَّى ضررُهُ؛ كأن رَآه يَقتلُ نفسًا بغيرِ حقٌّ، أو نحو ذلك،
فيجبُ(٥) قطعُ الصلاةِ، وإزالةُ ما قدرَ على إزالتِه من ذلك المُنكرِ. واللهُ تعالى
أعلمُ.
■ السابعةُ: قولُه: ((لقد تحجَّرتَ(٦) واسعًا))، قال صاحبُ ((النّهايةِ))(٧)؛
أي: ضيَّقْتَ ما وسَّعَهُ اللهُ تعالى، وخصصتَ به نفسَك دُونَ غيرِك، انتَهَى.
والمعنَى: أردتَ ذلك، وإلا فلا يُمكنُ تحجيرُ ما أرادَ تحجُّرَهُ(٨)، والتَّفعُّلُ
قد يُطلقُ ويُرادُ به تكلُّفُ(٩) الشيءِ وبُلوغُهُ بمشقَّةٍ، وقد يُطلقُ على تكلُّفٍ (١٠) ما لا
يَنالُهُ ولا يُطيقُهُ، نحوُ ما نحنُ فيه، وكقوله: «مَن تحلَّمَ كُلِّفَ أن يَعقدَ بينَ
شَعِيرتينٍ))(١١)، فالْمُرادُ: أن يَقولَ: حلمتُ بكذا وكذا. ولم يَكنْ حلمَ، ولا رأى
شيئًا، فهو تفعّلَ (١٢) الشيءَ، من غيرِ دُخولٍ فيه، ولا بُلوغٍ له. والله تعالى أعلمُ.
(١)
في (م): ((و)).
(٣)
الفروق (٤٦٥/٤).
(٥)
بعدها في (ح): ((عليه)).
النهاية في غريب الأثر (٣٤٢/١).
(٧)
(٩) في (ك): ((تكليف)).
(١١) البخاري (٧٠٤٢).
(٢) في (ح): ((أنه)).
(٤) ليس في: (ك).
(٦) في (ك): ((حجرت)).
(٨) في (ك): ((تحجيره)).
(١٠) في (ك): ((تكليف)).
(١٢) في (ك): ((يفعل)).

٥٠٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
(١ وقد ورَد هذا أيضًا في بعضٍ طُرقِ البخاريِّ بغيرِ تاءِ التفعُّلِ: ((لقد
حجَرت١َ) واسعًا))، رُويَ(٢)؛ بالتَّشديدِ (١٣٨/٢م) والتَّخفيفِ(٣)، والمعنَى: أردتَ
ذلك، ودعوتَ به، ولنْ تبلغَهُ. واللهُ تعالى أعلمُ](٤) .
■ الثامنةُ: وفيه أنَّ جاهلَ الحكمِ بالتَّحريمِ إذا خفيَ عليه ذلك، لكونِه
قريبَ العهدِ بالإسلام، أو نشأ في باديةٍ بعيدةٍ(٥) لا يُعزَّرُ على ذلك المُحرَّم، ولا
يُقامُ عليه الحدُّ، إن كانتِ المعصيةُ فيها حدٍّ، وهي حقٌّ لله تعالَى؛ لأَنَّ هذا
أعرابيٌّ نشأ بالباديةِ، فلم يَكنْ يَعلمُ أنَّ المساجدَ لا يَجوزُ البولُ فيها، فلم يُعاقبُهُ
النبيُّ ◌َّه، ولم يُؤنِّبُهُ، ثمَّ علَّمَهُ الحكمَ، ونهاهمْ عن الوقوعِ به، وعن الصِّياحِ
عليه، كما سيأتِي، وفي حديثٍ واثلةً(٦) عندَ ابنِ ماجَه أنَّه قال له: ((ويحَك، أو
ويلَك))(٧)، والعربُ تُطلقُ ذلك ولا تُريدُ به الدُّعاءَ، بل قد ورَد: أنَّ ويحَ كلمةُ
رحمةٍ(٨). والله تعالى أعلمُ.
■ التاسعةُ: وقولُه: ((فأسرعَ الناسُ إليه))؛ أي: بادروا إليه، ومُبادرتُهم
إليه، إما للوقوعِ به، كما في بعضٍ طُرقِ البخاريِّ: ((فثارَ الناسُ، ليقعوا به، فقال
لهم رسولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((دعُوهُ))، وفي روايةٍ له: ((فتناولَه الناسُ))؛ وإمَّا أسرعوا إليه،
الزجرِهِ والصِّياحِ عليه، ففِي بعضٍ طُرقِ البخاريِّ من حديثٍ أنسٍ: ((فزجرَهُ
الناسُ))، ولمسلم: ((فصاحَ به الناسُ))، وفي روايةٍ له: ((فقال أصحابُ
رسولِ اللهِ وَلِ: مَهْ مَهْ. فقال رسولُ بَّهِ: ((لا تُزْرِمُوهُ، دعُوهُ)). فتركُوهُ، حتى
بالَ))(٩)، الحدیثَ.
(١ - ١) بعدها في (م): ((أو حجرت)).
(٣) البخاري (٦٠١٠).
(٢) في (ح): ((وهو)).
(٤) ليس في: (ت).
(٥) بعدها في (ك، م): ((عن العلماء)).
(٦)
بعدها في (ك، م): ((ابن الأسقع)).
في (ك): ((ويحكم أو ويلكم))، وينظر: ابن ماجه (٥٣٠).
(٧)
ينظر: غريب الصحيحين للحميدي (ص١٤٩)، الفائق (٨٥/٤)، مشارق الأنوار (٢٩٨/٢).
(٨)
مسلم (١٠٠/٢٨٥).
(٩)

=
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٥٠٩م
■ العاشرةُ: فيه الرِّفقُ في إنكارِ المُنكرِ وتعليم الجاهلِ؛ باستعمالِ التيسيرِ
وتركِ التعسيرِ؛ ولذلك قال لأصحابِهِ: ((إنَّما بُعثتمْ مُيسِّرِينَ، ولم تُبعثوا مُعسِّرِينَ))،
وفي روايةِ ابنِ ماجَه(١): ((فقال الأعرابيُّ بعدَ أن فقِهَ: فقامَ إليَّ، بأبِي وأُمِّي ◌ََّ،
فلم يُؤنِّبْ ولم يَسبَّ، فقال: ((إنَّ هذا المسجدَ لا يُبالُ فيه، وإنَّما بُنيَ لذكرِ الله،
والصَّلاةِ)، وقولُه هنا: ((هذا المسجدُ)). أرادَ به جنسَ المساجدِ، لا خُصوصيَّةَ
مسجدِه علّ، كما هو (٢) عندَ مسلم، من حديث أنسٍ: ((ثُمَّ إنَّ رسولَ اللهِ وَلَيه
دعاه، فقال له: ((إنَّ هذه المساجدَ لا تصلحُ لشيءٍ من هذا البولِ ولا القذرِ،
وإنَّما (٣) هي لذكرِ اللهِ تعالى، والصَّلاةِ، وقراءةِ القرآنِ))، أو كما قال رسولُ اللهِنَلآ) .
■ الحادية عشرَ: فيه احتمالُ أخفِّ المفسدتينِ، خوفًا من الوقوعِ في
أشدِّهما؛ لأنَّه أمرَهم [أن يَتركُوهُ حتى يُتمَّ بولَه في المسجدِ، مع أنَّه لا يَجوزُ
البولُ في المسجدِ، لا كثيرُهُ ولا قليلُهُ.
وأمرهم](٤) بتركِه، فيه فائدتانٍ:
إحداهما: أنَّه قد حصلَ أصلُ التنجيسِ قبلَ قيامِهم إليه، فلو قطعوا عليه بولَه،
أو (٥) أخرجُوهُ، لأدَّى إلى تنجيسِ مواضعَ من المسجدِ غيرِ ذلك الموضعِ، وإلى
تنجيسٍ ثيابِه وبدنِهِ، فكان (٦ إكمالُهُ للبول٦ِ) في المكان (٧) الذي تنجَّسَ أخفَّ ضررًا.
والفائدةُ الثانيةُ: أنَّ (١٣٩/٢) حبسَ البولِ يُحصِّلُ لصاحبِه ضررًا، فكان فيه
زيادةُ ضررٍ على تنجيسِ المسجدِ بعدَ وُقوعِه، فهذا من رفقِهِ وَِّ بأَمَّتِه، وحُسنٍ
نظرِه لهم، ورُبَّما ابتليَ مَن تجاوزَ أمرَهُ وتأديبَهُ [٩٠/١ و] بأشدَّ ممَّا وقَع فيه
الجاهلُ، كما حكَى لِي صاحبُنا الشيخُ الإمامُ القدوةُ شمسُ الدِّينِ محمدُ بنُ
صدِّيقِ الجنانيُّ رحمه الله، ورضيَ عنه، قال: كُنتُ في المسجدِ الحرامِ، فرأيتُ
رجلًا بالَ في المسجدِ، فتغيَّظتُ عليه، وزدتُ في تعنيفِه، ثمَّ ألزمتُهُ أن حملَ ذلك
(١) ابن ماجه (٥٢٩).
في (ت، ح): ((إنما)).
(٣)
(٥) في الأصل، (م): (و)).
(٧) ليس في: (ك).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٦ - ٦) في (ح): ((البول)).

٥١٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحصباءَ(١) الذي تنجَّسَ ببولِه في ثوبِه، حتى أخرَجه من المسجدِ؛ لأنَّه كان في
زحمةِ الموسم، فخشيتُ أن يَطأه الناسُ، ويتنَجَّسوا به قبلَ تطهيرِهِ، قال: ثمَّ تذكَّرَتُ
قولَهِ وَّهِ: ((لاَ تُزْرِمُوهُ))؛ فندمتُ على إفحاشِي عليه، ورُبَّما كان جاهلاً، أو سبقَهُ بغيرِ
اختيارِهِ، قال: فابتليتُ في ذلك اليومِ بأن سبقنِي البولُ في إزارِي وردائِي وأنا
مُحرمٌ، وكان عندَه تحرُّزٌ في الطَّهارةِ، ورُبَّما جاوزَها(٢) إلى الوسوسةِ، قال:
فخرجتُ من المسجدِ وبقيتُ حائرًا، أين أتطهَّرُ وأُطهِّرُ إحرامِي، مع اجتماعِ الناسِ
وكثرتِهم على المياه بمكّةَ، فذهبتُ إلى فَسَاقِي بابِ المُعلَّى، والزِّحامُ عليها؛
فاستقبلنِي رجلٌ من السَّقَّايينَ الَّذِينَ في الرَّكبِ لا أعرفُهُ، ولا أذكرُ أنَّ رأيتُه قبلَ
ذلك، فقال لي: أهلاً وسهلاً نَجِيّنا(٣) المُؤَسوسِ؛ كأنَّك تُريدُ تتطهّرُ؟. فَقُلتُ له:
نعم. فأعطانِي شيئًا استترتُ به، ثمَّ نزعَ إزارِي وردائِي، ودعا صبيانَهُ، فأمسكَ
بعضَهم الإزارَ والرِّداءَ، وأمرَ بعضَهم فطهَّرَ يديه (٤) وأفرغَ بالدَّلوِ من ماءٍ كثيرٍ عليهما،
حتى طابتْ نفسِي بتطهيرِهما، ووقفَ الصِّبيانُ بهما في الهواءِ حتى جفًّا، وأمرَهم
فصبُّوا عليَّ حتى طابتْ نفسِي بحصولِ الطَّهارةِ، ثمَّ ألبسونِي إحرامِي، وقال لِي:
آنستنا اليومَ. ورحّبَ بِي، فصرتُ مُتعجّبًا من وُقوعِ مثلِ هذا من هذه الطَّائفةِ،
وعلمتُ أنَّ ذلك بندمِي (° على إفحاشِي(٥) على الذي سبقَهُ البولُ في المسجدِ الحرامِ.
■ الثانيةَ عشرَ: قولُه: ((هريقوا عليه))، هو بفتح الهاءِ وكسرِ الراءِ وإثباتٍ
الياءٍ (٦)، بعدَ (٧) الراءِ، وهكذا [هو في النُّسخِ الصحيحةِ من البخاريِّ، وفي بعضٍ
نُسخِ البخاريِّ: ((أَهريقوا))؛ بإثباتِ الهمزةِ في أوَّلِه، وهكذا](٨) هو، من (٩) روايةٍ
التِّرمذيِّ بزيادةِ الهمزِ (١٠)، والصَّوابُ الأوَّلُ، أَنَّه بحذفٍ (١١) الهمزِ منه في حالةٍ
(١) في (ح): ((الحصى)).
(٣) في (ح): ((بحبّنا)).
(٥ - ٥) ليس في: (ك).
(٧) في الأصل، (ت): ((قبل)).
(٩) في (ح): ((في)).
(١١) في (م): «یحذف)).
(٢) في (ح): ((جاوز)).
(٤) في (م): ((بدنه)).
(٦) بعدها في (ح): ((قيل)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).
(١٠) في (ك): ((الهمزة)).

=
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
الأمرِ، كما قالَه الجوهريُّ في ((الصِّحاحِ))(١)، وفي الماضِي منه لُغاتٌ،
أفصحُها(٢): أهراقَ الماءَ، بفتح الهمزةِ والهاءِ معًا، يُهريقُهُ، بضمِّ الياءِ وفتح
الهاءِ، واللُّغةُ الثانيةُ: هراقَ بَغيرِ همز(٣) (١٤٠/٢م)، [والثالثةُ: هرقَ بغيرِ
همز (٤)](٥) أيضًا، وبغيرِ ألفٍ بينَ الراءِ والقافِ، والرابعةُ: أهراقَ، بإثباتِ الهمزِ
وسُكونِ الهاءِ، ومعناه: الإراقةُ والصَّبُّ.
■ الثالثةَ عشرَ: فيه نجاسةُ بولِ الآدميِّ، وهو إجماعٌ من العلماءِ، إلَّا ما
حُكيَ عن داود، في بولِ الصَّبيِّ الذي لم يَطعمْ أنَّه ليس بنجسٍٍ، للحديثِ
الصحيحِ: ((فنضحَهُ، ولم يَغسلْهُ)) (٦)، وهو مردودٌ بالإجماع، فقد حكى بعضُ
أصحابنا: الإجماعَ أيضًا في نجاسةِ بولِ الصَّبيِّ(٧).
وأمَّا ما حكاه ابنُ بطَّالٍ، والقاضِي عياضٌ، والقرطبيُّ في ((المُفهم)» (٨) عن
الشافعيِّ، من طهارةِ بولِ الصَّبيِّ، فهو باطلٌ عنه، لا أصلَ له في كُتبِ أصحابِهِ.
وحكاه القرطبيُّ أيضًا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، وابنٍ وهبٍ من المالكيَّةِ، قال:
ورواها الوليدُ بنُ مسلم عن مالكٍ. قال: وحكَى ذلك عن أبي حنيفةَ، وقتادةَ.
قال القرطبيّ(٩): وقد رُويَ عن مالكِ القولُ بطهارةِ الذَّكرِ، والأنثَى. قال: وهو
شاطً في النقلِ .
■ الرابعةَ عشرَ: فيه أنَّه يَجبُ تنزِيهُ المساجدِ عن البولِ، وسائرٍ
النجاساتِ، وهو كذلكَ، إذا أدَّى ذلك إلى تلويثها بالنَّجاسةِ، فإن لم تتلوَّثْ؛ كأن
(٢) بعدها في (ح): ((أصحها)).
(١) الصحاح (١٥٦٩/٤).
(٣)
بعدها في (م): ((همزة)) .
(٥) ليس في الأصل.
(٤)
في (ك): ((بغيرهم))، وفي (م): ((بغيرها)).
(٦) البخاري (٢٢٣)، ومسلم (١٠٤/٢٨٧).
ينظر: الإجماع لابن المنذر (ص٣٧)، والحاوي (٢٤٨/٢)، والشرح الكبير (١٧٧/١).
(٧)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٣٢/١)، وإكمال المعلم (١١٢/٢)، والمفهم
(٨)
(٥٤٦/١).
(٩) المفهم (٥٤٦/١).

=
٥١٢
كمـ
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بالَ في إناءٍ، أو افتصدَ في إناءٍ في المسجدِ، فالأصحُ تحريمُ البولِ، وكراهةُ
الاقتصادِ، دُونَ تحريمِه، وقد جزَم النوويُّ في ((شرحٍ مسلم)» (١) بكراهةِ الفصدِ في
الإناءِ، ولم يَحكِ فيه خلافًا .
وقال في ((الرَّوضةِ))(٢) في الاعتكافِ، تبعًا للرَّافعيِّ: إنَّ الأولَى اجتنابُهُ.
ولم يَتعرَّضْ للكراهةِ، وجزمَ البندنيجيُّ بعدمِ جوازِ الفصدِ، والحجامةِ؛ كالبولِ في
الطَّستِ، انتَهَى. وكذلك مَن على بدنِه أو ثوبِه نجاسةٌ إذا أمنَ تلويث(٣) المسجدِ
بها، جازَ [٩٠/١ظ] دُخولُهُ، وإن خافَ ذلك، لم يَجزْ.
وأمَّا الوضوءُ في المسجدِ، فقال ابنُ المُنذِرِ (٤): أباحَهُ كُلُّ مَن يُحفظُ عنه
العلمُ، إلَّا أن يَتوضَّأ في مكان يَبلُّهُ، ويتأذِّى الناسُ به، فإنَّه مكرُوهُ.
وحكى ابنُ بظَّالٍ(٥) جوازَهُ عن أكثرِ أهلِ العلمِ، وحكى عن مالكِ،
وسُحنونٍ كراهتَهُ، تنزِيهًا للمسجدِ.
وحكَى الرافعيُّ في «الاعتكافِ)) (٦) عن صاحبٍ ((التهذيبٍ))(٧): أنَّه لا يَجوزُ
نضحُ المسجدِ بالماءِ المُستعملِ؛ لأنَّ النفسَ قد تعافُهُ. وأقرَّهُ عليه، وتبعَهُ
النوويُّ(٨) هنا، وقال في الصلاةِ في ((الرَّوضةِ))(٩) من(١٠) زوائدِه: إنَّه لا بأسَ
بالأكلِ، والشُّربِ، والوضوءِ فيه، إذا لم تَتأوّ (١١) به الناسُ، وأنَّه يُكرَهُ عملُ
(١٢)
الصَّنائع(١٢) فيه.
وقال الرافعيُّ في ((إحياءِ المواتِ)): إنَّ الجلوسَ في المسجدِ للبيعِ،
والشِّراءِ، والحرفةِ ممنوعٌ منه، إذ حُرمةُ المسجدِ تأبَى اتِّخاذَهُ حانوتًا .
شرح النووي على مسلم (١٩٢/٣).
(١)
(٢) روضة الطالبين (٢٦٠/٢)، وينظر: الشرح الكبير (٤٨٤/٦).
(٤) الأوسط (١٣٩/٥).
(٣)
في الأصل، (م): («تلوث)).
(٥)
شرح صحيح البخاري (٢٩٥/٢).
(٦) الشرح الكبير (٤٨٤/٦).
في الأصل، (م): ((التمهيد)). والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(٧)
(٨) روضة الطالبين (٢٦٠/٢)، وضعفه النووي في المجموع (٢٠١/٢، ٥٦٣/٦).
(١٠) في الأصل، (م): ((في)).
(٩) (٤٠٣/١ - ٤٠٤).
(١٢) في (ك): ((الصانع)).
(١١) في (ك، م): ((يتأذ)).

=
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٥١٣
وفرَّقَ الشيخُ عزّ الدِّينِ (١٤١/٢م) ابنُ عبدِ السلام في ((الفتاوَى الموصليَّةِ)
بينَ الحِرفِ، فقال: لا يَجوزُ أن تُعملَ فيه صنعةٌ خسيسةٌ تُزرِي به. قال: وأمَّا
الكتابةُ، وغيرُها ممَّا لا يُزرِي، فإنَّه إنَّما يَجوزُ بشرطِ أن لا يَتبذَّلَ ابتذالَ
الحوانيتِ. وهذه التفرقةُ حسنةٌ، وحكَى القرطبيُّ في ((المُفهم)) (١) عن مالكٍ: أنَّ
المساجدَ لا يُفعلُ(٢) فيها شيءٌ من أُمورِ الدُّنيا، إلّا أن تدعوَ ضرورةٌ، أو حاجةٌ
إلى ذلك، فيتقدَّرُ(٣) بقدرِ الحاجةِ فقط؛ كنومِ الغريبِ فيه، وأكلِه ..
■ الخامسةَ عشرَ: قال صاحبُ ((المُفهم)) (٤): فيه حُجَّةٌ لمالكٍ في منع
إدخالِ الميِّتِ المسجدَ، وتنزيهِها عن الأقذارِ جُملةً، فلا يُقْصُّ فيها شعرٌ، ولا
ظُفرٌ، ولا يُتسوَّكُ فيها؛ لأنَّه من بابِ إزالةِ القذرِ، ولا يُتُوضَّأُ فيها، ولا يُؤْكلُ فيها
طعامٌ مُنتنُ الرائحةِ، إلى غيرِ ذلك ممَّا في هذا المعنَى، انتَهَى.
قُلتُ: وما أدرِي ما وجهُ الدَّلالةِ، وما وجهُ جعلِ الميِّتِ قذرًا، إذا لم يُخشَ
تلويثُهُ للمسجدِ؟ .
وقد: ((صلَّى رسولُ اللهِ ﴿ على ابنيْ بيضاءَ في المسجدِ))، كما ثبتَ في
حديثٍ عائشةَ في الصحيحِ (٥).
وأيضًا، فإنَّما يُحذر(٦) رميُّ الشعرِ والقلامةِ فيه. فأمَّا قصُّهُ، وعدمُ إلقائِه في
المسجدِ وإخراجُهُ، فلا قذارةَ فيه، وكذلك(٧) السِّواكُ، ولو سُلِّمَ أنه من بابٍ إزالةِ
القاذوراتِ، فهو لا يُلقِيه في المسجدِ، وإنَّما يُزيلُهُ في السِّواكِ، فإذا كان السِّواكُ
محفوظًا معَهُ فلا بأسَ، وقد نُدبَ إلى السّواكِ لكلِّ صلاةٍ، فَيُؤمرُ حاضرُ المسجدِ
أن يَخرِجَ حتى يَستاكَ خارجَ المسجدِ؟. هذا ممَّا لا يُعقلُ معناه. والله تعالى
أعلمُ.
(١) المفهم (٥٤٥/١).
(٣)
في (ح): ((فيقدر)).
(٥) مسلم (١٠١/٩٧٣).
(٧) بعدها في (ح): ((في)).
(٢) في (ح): ((يعمل)).
(٤) المفهم (٥٤٤/١).
(٦) في الأصل، (م): ((يحرم)).

٥١٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ السادسةَ عشرَ: فيه حُجَّةٌ للشافعيَّةِ في تفريقِهم: بينَ الماءِ الواردِ على
النجاسةِ، فَيُطَهِّرُها، وبينَ الماءِ الواردةِ عليه النجاسةُ، فَتُنجِّسُهُ إذا كان قليلًا، أو
كثيرًا وتغيَّرَ بها، ووجهُ الدَّلالةِ: أنَّه أمرَ بصبٌّ الماءِ على البولِ (١)، مع العلم بأنَّه
قد خالطَ البولَ، ونَهَى عن البولِ في الماءِ الراكدِ، فلو استوَى الواردُ والمورودُ،
لما أمرَ بإيرادِ الماءِ على النجاسةِ، ونَهَى عن إيرادِ النجاسةِ على الماء (٢).
قال صاحبُ ((المُفهم))(٣): وهذه مُناقضةٌ، إذ المُخالطةُ قد حصلتْ في
الصُّورتينِ، وتفريقُهم بورودِ الماءِ على النجاسةِ، ووُرودِها عليه، فرقٌ صُوريٌّ،
ليس فيه من الفقْه شيءٌ.
قال: وليس البابُ بابَ التعبُّدِ، بل من بابٍ عقليَّةِ المعانِي، فإنَّه من بابٍ
إزالةِ النجاسةِ وأحكامِها. قال: ثمَّ هذا كُلُّهُ منهم يَردُّهُ قولُه عليه الصلاةُ والسَّلامُ:
(الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسُهُ شيءٍ، إلَّا ما غيَّرَ لونَهُ أو طعمَهُ أو رِيحَه))(٤). انتَهَى.
وفي كلامِه هذا(٥) تعصُّبٌ ومُجازفةٌ، وتسويتُهُ بينَ الواردِ والمورودِ هو الذي
(٢/ ١٤٢م) لا يُعقلُ معناه، وقد فرَّقَ الشارعُ بينَهما، فأمرَ بهذا، ونَهَى عن هذا،
فكيفَ يَستويانِ؟ .
هذا ما لا يُعقلُ، وليس دفعُ الماءِ للنَّجاسةِ بورودِه عليها في حُكمِ صبِّ
النجاسةِ ووُرودِها عليه عندَ مَن يَعقلُ، وما ذكَر أنَّه يَردُّ علينا، فهو حديثٌ ضعيفٌ
بالاتّفاقِ؛ لأنَّ الاستثناءَ فيه غيرُ صحيح(٦)، وما استدللنا به مُتَّفقٌ على صحَّتِه،
فلا سواءَ. واللهُ تعالى أعلمُ.
السابعةَ عشرَ [٩١/١و]: فيه حُجَّةٌ على أبي حنيفةَ، في اشتراطِه في
تطهيرِ الأرضِ حفرَ ما أصابتْهُ النجاسةُ، وأنَّها لا تطهرُ بصبِّ الماءِ عليها، وخالفَهُ
في (ك): ((التراب)).
(١)
ينظر: الحاوي (٣٠٢/١)، والوسيط (١٨٣/١)، والشرح الكبير (١٩٥/١).
(٢)
(٣)
المفهم (٥٤٤/١).
ابن ماجه (٥٢١)، الدارقطني (٢٨/١)، والطبراني في الكبير (١٠٤/٨) (٧٥٠٣).
(٤)
(٥)
ليس في: (ك).
(٦) ينظر: نصب الراية (٩٤/١)، والبدر المنير (٧٠/٢).