النص المفهرس

صفحات 581-600

5
٤٧٥
بابُ التيمُّم
وقد روَى مُسلمٌ(١) من حديثٍ وائلِ بنِ حُجرٍ: ((أنَّ طارقَ بنَ سُويدٍ سألَ النبيَّ وَل
(٢) عن الخمر٢ِ)، فَنَهَى (٣)، وكرِهَ أن يَصنعَها. فقال: إنَّما أصنعُها (٤) للدَّواءِ. فقال:
((إِنَّه ليس بدواءٍ، ولكنَّهُ داءٌ)). وقال أبو داودَ، والتِّرمذيُّ(٥): طارقُ بنُ سُويدٍ،
أو سُويدُ بنُ طارقٍ: وصحَّحَه التِّرمذيُّ، ورواه ابنُ ماجَه(٦)، فجعلَه من حديثٍ
طارقٍ بنِ سُويدٍ، ولم يَشكَّ فيه. ولأبي داودَ(٧) أيضًا في حديثٍ أبي الدَّرداءِ:
((فتداووا، ولا تتداووا بحرامٍ)).
■ السابعةُ: قد يَستدلُّ به أيضًا مَن قال: إنَّه لا تجوزُ إساغةُ اللُّقمةِ بالخمرِ
لمن غصَّ ولم يَجدْ ماءً ولا شرابًا حلالًا يَسيغُها به، وهو وجهٌ لبعضٍ
أصحابِنا(٨)، ولكنَّ المذهبَ جوازُهُ، حفظًا للنَّفسِ، كما يَجوزُ أكلُ الميتةِ للمضطرِّ
لحفظِ النفسِ، بخلافِ التداوي بها، لنفيِهِ وََّ(٩ الدَّواءَ (١١٨/٢م) عنها ٩)، كما
ثبتَ في ((صحيحِ مسلمٍ)) كما تقدَّمَ. واللهُ أعلمُ.
■ الثامنةُ: استدلَّ به(١٠) أيضًا مَن ذهبَ(١١) إلى: أنَّ الإكراهَ على
ارتكابِ المعصيةِ لا يُبيحُها، وأحالَ بعضُ أصحابِنا الإكراهَ على الزِّنا؛ لأنَّ
الشهوةَ إليه هي الدَّاعيةُ إليه، لا الإكراه، فلو لم تحضرِ الشهوةُ الدَّاعيةُ لما تصوَّرَ،
والصَّحيحُ: أنَّ الإكراهَ على المعصيةِ مُسقطٌ للإثم عن المُكرَه، ومُسقطٌ للحدِّ
أيضًا، وقد ثبتَ في نصِّ القرآنِ أنَّ الإكراهَ على كلمةِ الكفرِ لا يَضرُّ، في قوله
تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ، مُظْمَئِنُّ بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فإذا لم يَضرَّ ذلك
في الكفرِ، فأولَى أن لا يَضرَّ في المعاصِي. واللهُ أعلمُ.
(١) مسلم (١٢/١٩٨٤).
(٣)
في (ح): ((فنهاه)).
(٥) أبو داود (٣٨٧٣)، الترمذي (٢٠٤٦)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٦)
ابن ماجه (٣٥٠٠).
(٨) ينظر: روضة الطالبين (١٦٩/١٠).
(١٠) ليس في الأصل، (م).
(٢ - ٢) ليس في: (ك).
(٤) ليس في: (ك)، وفي (ح): ((نصنعها)).
(٧) أبو داود (٣٨٧٤).
(٩ - ٩) في (ح): ((التداوي بها)).
(١١) في (ح): ((يذهب)).

5
٤٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] التاسعةُ: فيه أنَّ العجزَ عن الواجبِ، أو عن بعضِه، مُسقطٌ للمعجوزِ
عنه، وأنَّ اللهَ وَ لم يُكلِّفْ إلَّا ما دخلَ تحتَ الطَّاقةِ، لقولِه تعالَى: ﴿لَا يُكَلِفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، إلَّا أنَّ المعجوزَ عنه إن كان له بدلٌ فأتَى
به؛ كالعجزِ عن القيام في الصلاةِ مثلًا إذا انتقلَ المُكلَّفُ إلى الصلاةِ قاعدًا، أو
على جَنبٍ (١)، فقد أتَى بما عليه، [٨٣/١ظ] وإن عجزَ عن أصلِ العبادةِ، فلم يَأتِ
بها؛ كالمريضِ يَعجزُ عن الصِّيامِ(٢)، فإنَّه يَجبُ القضاءُ، وإنَّما سقطَ(٣) عنه
المُباشرةُ حالةَ العجزِ، وقد يَكونُ الواجبُ منوطًا بالقدرةِ عليه حالةَ الوجوبِ فقط،
فإذا عجزَ عنه سقط رأسًا؛ كزكاة الفطرِ لمن عجزَ عن قُوتِه وقُوتٍ عيالِه يَومئذٍ،
بخلافِ الكفَّاراتِ والدُّيونِ، فإنَّها تثبتُ في الذِّمَّةِ إلى وقتِ القدرة عليها. واللهُ
أعلمُ.
■ العاشرةُ: استدلَّ(٤) بروايةِ الشيخينِ في هذا الحديثِ، وهي(٥) قولُه:
((فأتوا منه ما استطعتم))، أنَّ المُحدثَ إذا وجدَ بعضَ ما يَكفيه من الماءِ لطهارتِهِ،
أنَّه يَجبُ استعمالُهُ؛ سواءٌ الحدثُ الأكبرُ والأصغرُ؛ لأنَّه قادرٌ على بعضِ المأمورِ
به، وهو القولُ الجديدُ للشافعيِّ، والأصحُ، كما قال الرافعيُّ، كما لو قدرَ على
سترِ بعضِ العورةِ، فإنَّه يَجبُ قطعًا؛ وذهبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّه لا يَجبُ؛
لأنَّه عاجزٌ عن كمالِ الظَّهارةِ بالماءِ، فانتقلَ إلى بدلِه، وهو التُّرابُ، وهو القولُ
القديمُ للشافعيِّ، واختارَهُ المُزنيُّ.
وأمَّا إذا وجدَ بعضَ ما يَكفِيه من الماءِ ولم يَجدِ التُّرابَ: فأظهرُ الطَّريقينِ،
كما قال الرافعيُّ، أنَّه يَجبُ استعمالُ البعضِ لا محالةَ؛ لأنَّه لا بدلَ يَنتقلُ إليه،
فصارَ كالعريانِ يَجدُ بعضَ السُّترةِ، والطَّريقُ الثانِي: طردُ القولينِ(٦).
(١) في (ح): ((جنبه).
(٢) في (ح): ((القيام))!
(٣) في (ح): ((تسقط)).
(٤)
في الأصل: ((استدلوا)).
(٥)
في (ح): ((وهو)).
(٦) ينظر: مختصر المزني (ص٧)، والحاوي (٢٢٤/١)، الشرح الكبير (٣٥٥/٢).

=
٤٧٧
بابُ التيمُّم
■ الحادية عشرة: محلُّ الخلافِ في وُجودِ بعضٍ ما يَكفيه (١ من
الماء١ِ) للطّهارةِ هو ما إذا كان الموجودُ يَصلحُ للغَسلِ؛ فأمَّا إذا كان يَصلحُ
للمسح فقط، بأن كان ثلجًا، أو بَرَدًا لا يَذْوبُ، فالأظهرُ، كما قال الرافعيُّ(٢)،
أَنَّه لا يَجبُ على المُحدثِ (١١٩/٢م) استعمالُهُ في مسح الرأسِ، بل يَكفِيه
التيمُّمُ؛ لأنَّا حيثُ أوجبنا استعمالَ البعضِ أوجبنا تقديمَهُ على التيقُّم، لئلا يَتِيمَّمَ
مع وُجودِ الماءِ، وهُنا(٣) لا يُمكنُ الابتداءُ بمسح الرأسِ مع بقاءِ فرضِ الوجهِ
واليدينٍ، وفيه طريقٌ آخرُ لأصحابِنا، أنَّه (٤) على القولينِ في(٥) وُجوبِ استعمالِهِ،
فعلَى هذا يَبدأُ بماذا؟
حكَى الرافعيُّ (٦) عن أبي العبَّاسِ الجرجانيّ(٧) أنَّه يَتيمَّمُ على الوجهِ
واليدينِ، ثمَّ يَمسحُ رأسَهُ ببللٍ (٨) الثلجِ، ثمَّ يَتِيمَّمُ للرِّجلينِ.
وذكرَ النوويُّ في ((شرح المُهذَّبِ))(٩) أنَّ الأقوَى دليلاً التسويةُ بينَ أن يُقدِّمَ
التيمُّمَ أو (١٠) المسحَ. واللهُ تعالَى أعلمُ.
■ الثانيةَ عشرَة: محلُّ وُجوبِ الإتيانِ بالمقدورِ عليه [من الواجبِ هو ما
إذا كان المأتيُّ به من القربِ يَتجزَّأُ، فأمَّا إذا كان لا يَتجزَّأُ؛ كاليومِ الواحدِ في
الصَّومِ، فإنَّه لا يَجبُ الإتيانُ(١١) بالمقدورِ عليه](١٢) منه؛ لأنَّه لا يَتجزّأُ، وإذا
(١) زيادة من: الأصل، (م).
(١ - ٢) الشرح الكبير (٢٢٥/٢).
(٤) ليس في: (ح).
(٦) الشرح الكبير (٢٢٦/٢).
(٣) في (ح): ((وهذا)).
(٥) في (ح): ((من)).
هو قاضي البصرة وشيخ الشافعية: أحمد بن محمد بن أحمد، تفقه على الشيخ
(٧)
أبي إسحاق الشيرازي، وكان من أعيان الأدباء، له النظم والنثر، من تصانيفه كتاب
((الشافي))، وكتاب ((التحرير))، وكتاب ((البُلْغة)) مختصر، وكتاب ((المعاياة))، مات سنة
(٤٨٢ هـ). طبقات الشافعية الكبرى (٧٤/٤)، طبقات ابن قاضي شهبة (٢٦٠/١).
(٨) في (ح): ((بتلك)).
(١٠) في (ك): ((و)).
(٩) المجموع (٣١١/٢).
(١١) ليس في: (ح).
(١٢) ليس في الأصل، وقال في حاشية (ح): ((ينقض هذا بما إذا جاء الشهود في أثناء أول
يوم من رمضان، وشهدوا برؤية الهلال، فإنه يجب صوم البقية؛ أعني: بقية النهار)).

=
٤٧٨
3
S
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فسدَ بعضُهُ فسدَ كُلُّهُ، بخلافِ الاعتكافِ، ونحوِهِ. وأمَّا القدرةُ على(١) عتقِ بعضٍ
الرَّقبةِ في الكفَّارةِ، فصرَّحَ أصحابُنا، بأنَّه لا يجبُ، وإن عجزَ عن الصَّومِ
والإطعامِ، وإن كان عتقُ بعضِ الرَّقبةِ قُربةً. وعلَّلَه الرافعيُّ بأنَّ الكفَّارةَ على
التراخِي، وقد تطرأُ القدرةُ بعدَ ذلك(٢).
(١) في (أ): ((عن)).
(٢) الشرح الكبير (٢٢٦/٢).

بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٤٧٩
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ الله وَّارِ، قال: ((إذا شرب
الكلبُ في إناءِ أحَدِكم فليغسلُهُ سبعَ مرَّاتٍ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولَى: أخرجَ هذا الحديثَ الأئمَّةُ السِّنَّهُ؛ فأخرجُوهُ خلا التِّرمذيِّ من
طريقٍ(١) مالكِ هكذا(٢)، إلّا أنَّه ليس في روايةِ اللُّؤلؤيِّ، وابنِ داسةً، وابنٍ
الأعرابيّ عن أبي داودَ، وإنَّما هو في روايةِ أبي (٣) الحسنِ بنِ العبدِ عنه (٤).
وأخرجَه مُسلمٌ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٥)، وأخرجَه والتِّرمذيُّ (٦) من روايةٍ
محمدِ بنِ سيرينَ عن أبي هريرةَ. وكذا رواه مُسلمٌ من روايةِ أبي صالحٍ
وأبِي رزينٍ وهمَّامٍ عن أبي هريرةً(٧)، كما سيأتي في الحديثِ بعدَهُ، ورواه
النسائيُّ من روايةٍ ثابتِ بنِ عياضِ الأحنفِ (٨)، وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمْنِ،
عن أبي هريرةً(٩). وأخرجَه ابنُ ماجَهْ(١٠) (٢/ ١٢٠م) أيضًا من رواية أبي رزينٍ
عنه .
(١)
في (ك): ((حديث)).
(٢) ليس في: (ح).
(٣)
ليس في: (ك).
(٤) البخاري (١٧٢)، ومسلم (٩٠/٢٧٩)، والنسائي (٨٩٦)، وأبو داود، رواية ابن العبد،
كما في تحفة الأشراف (١٨٧/١٠) (١٣٧٩٩)، وابن ماجه (٨٩٦).
(٥) مسلم (٢٧٩/ ٩١)، أبو داود (٧١)، النسائي (٣٣٨).
(٦) في الأصل، (م): ((أخرجه الترمذيُّ))، وهو في النسائي (٣٣٩)، والترمذي (٩١).
مسلم (٨٩/٢٧٩، ٩٢).
(٧)
(٨) في الأصل: ((الأحدف)).
(٩) النسائي (٦٤، ٦٥).
(١٠) ابن ماجه (٣٦٣).

٤٨٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
] الثانيةُ: قال ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ)) (١): هكذا يَقولُ مالكٌ [٨٤/١,]
في هذا الحديثِ: ((إذا شرِبَ الكلبُ)). وغيرُه من رواة (٢) حديثٍ أبي هريرةَ هذا
بهذا الإسنادِ وبغيرِهِ، على تواترِ طُرقِه، وكثرتِها عن أبي هريرةَ وغيرِهِ، كُلُّهم
يَقولُ: ((إذا ولغَ الكلبُ)). ولا يَقولونَ: ((شرِبَ الكلبُ)). وهو الذي يَعرِفُهُ أهلُ
اللُّغَةِ. انتَهَى.
وسبقَهُ إلى ذلك: الحافظانِ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ إبراهيمَ الإسماعيليُّ،
وأبُو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ مندَهْ، فقالا: إنَّ مالكًا تفرَّدَ بقولِه: ((شرِبَ)).
وليس كما ذكروا، فقد تابعَ مالكًا على قولِه: ((شرِبَ)): مُغيرةُ بنُ
عبدِ الرحمنِ (٣) الحزاميُّ، وورقاءُ بنُ عمرَ، كما بيَّنَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ في ((الإمامِ»(٤)،
على أنّ(٥) بعضَ الرُّواةِ عن مالكٍ: رواه عنه بلفظ: (ولغَ))، كما رواه غيرُه(٦).
ورواه(٧) ابنُ ماجَه(٨)، من روايةِ رَوْحِ بنِ عُبادةَ، عن مالكٍ، هكذا في
بعضٍ نُسخِ ابنِ ماجَه(٩)، وفي بعضِها: ((شرِب)). وذكرَ أبو العَبَّاسِ أحمدُ بنُ طاهرٍ
الدَّانِيُّ في ((أطرافِ المُوطَّ)»: أنَّ أبا عليٍّ الحنفيَّ رواه عن مالكٍ، بلفظِ: (ولغَ))،
والمعروفُ عن مالكِ: ((شرِبَ))، كما اتَّفْقَ عليه رُواةُ المُوظٍّ(١٠).
■ الثالثةُ: فيه حُجَّةٌ للجمهورِ في أنَّ حُكمَ سائرِ الكلابِ في الغسلِ من
وُلوغِها سواءٌ، وأنَّه لا فرقَ بينَ الكلبِ المأذونِ في انِّخاذِهِ، وبينَ غيرِهِ، ولا بينَ
الكَلْب(١١) الكَلِبِ وغيرِ الكَلِبِ(١٢).
(١) التمهيد (٢٦٤/١٨).
(٣)
في (ح): ((الله)).
(٥)
ليس في الأصل، (م).
في (ك): ((غير)). وينظر: الإلمام (٢٥٢/١ -٢٥٨)، ونصب الراية (١٣٢/١، ١٣٣)،
(٦)
والبدر المنير لابن الملقن (٣٢٤/٢).
(٧)
في (ت، ك، ح): ((رواه)).
ينظر: تحفة الأشراف (١٨٧/١٠).
(٩)
(١٠) ينظر: الإمام لابن دقيق العيد (٢٥٤/١). (١١) ليس في: (م).
(١٢) ينظر: المبسوط (٨٥/١)، الحاوي (٣٠٤/١)، المغني (٧٣/١).
(٢) في الأصل، (م): ((رواية)).
(٤) في (ح): ((الإلمام)).
(٨) ابن ماجه (٣٦٤).

بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٤٨١
=
وفي قولٍ لمالكِ التفرقةُ بينَ المأذونِ فيه، فَسُؤرُهُ طاهرٌ، وبينَ ما لم يُؤذنْ
في اتّخاذِهِ، فَسُؤْرُهُ نجسٌ، وذهبَ ابنُ الماجشونِ من المالكيَّةِ إلى التفرقةِ في ذلك
بينَ البدويِّ والحضريِّ(١).
قال ابنُ عبدِ البرِّ (٢): فيه دليلٌ(٣) على أنَّ الكلبَ الذي أُبيحَ اتِّخاذُهُ هو
المأمورُ فيه بغسلِ الإناءِ من وُلوغِه سبعًا. قال: وهذا يَشهدُ له المعقولُ والنَّظرُ؛
لأنَّ ما لم(٤) يُبح اتِّخاذُهُ، وأُمرَ بقتلِه مُحالٌ أن يُتعبَّدَ فيه بشيءٍ؛ لأنَّ ما أمرَ اللهُ
بقتلِه، فهو معدومٌ، لا موجودٌ، وما أُبِيحَ لنا اتِّخاذُهُ للصَّيدِ والماشيةِ، أُمرنا بغسلٍ
الإناءِ من وُلوغِه.
■ الرابعةُ: استدلَّ بقولِه: ((في إناءِ أحدِكم)): على أنَّه إنَّما يَغسلُ من وُلوغ
الكلبِ إذا كان وُلوغُهُ في إناءٍ، أما إذا ولغَ في ماءٍ مُستنقع، فإنَّه لا يُغسلُ منه،
ولا يُنجِّسُهُ، وإن كان الماءُ قليلًا، حكاه(٥) الطَّحاويُّ عن الأوزاعيِّ(٦)، وهو قولٌ
شاذٌّ، فإنَّ ذلك لم يَخرجْ مخرجَ [القيدِ، وإنَّما خرجَ مخرجَ](٧) الغالبِ، كونُ
الغالبِ: وضعَ مياهِهم وأطعمتِهم في الآنيةِ. والله تعالى أعلمُ.
■ الخامسةُ: استدلَّ بالأمرِ بالغسلِ من وُلوغِ الكلبِ على نجاسةِ سُؤرِهِ
ولُعابِه، وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ، واللَّيثِ (٢/ ١٢١م) بنِ
سعدٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبِي عُبيدٍ، وأبي ثورٍ، ومُحمَّدٍ بنِ جريرٍ
الطَّبريِّ، وأكثرِ أهلِ الظّاهرِ (٨)، وذهبَ مالكٌ وداودُ: إلى طهارتِهِ(٩).
قال ابنُ عبدِ البرِّ(١٠): جُملةُ ما ذهبَ إليه مالكٌ، واستقرَّ عليه مذهبُهُ عندَ
أصحابِه: أنَّ سُؤْرَ الكلبِ طاهرٌ، ويُغسلُ الإناءُ من وُلوغِه سبعًا تعبُّدًا واستحبابًا
(١) المدونة (١١٥/١)، بداية المجتهد (٢٩/١)، الذخيرة (١٨١/١).
(٣) ليس في الأصل، (م).
(٢) التمهيد (٢٦٦/١٨).
(٤)
ليس في: (ك).
(٥) في (ح): ((قاله)).
(٧) ليس في: (ك).
وينظر: التمهيد (٢٧١/١٨).
(٦)
(٨) ينظر: الإشراف (١٥٧/١)، والتمهيد (٢٧١/١٨) ..
(٩) ينظر: الكافي (١٥٨/١)، والمحلى (١٠٩/١).
(١٠) التمهيد (٢٧٠/١٨).

=
٤٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أيضًا، لا إيجابًا. قال: ولا بأسَ عندَه بأكلٍ ما ولِغَ فيه الكلبُ من اللَّينِ والسَّمنِ
وغيرِ ذلك، ويُستحبُّ أن يُهريقَ ما ولغَ فيه من الماءِ، وقال في هذا الحديثِ: ما
أدرِي ما حقيقتُهُ. وضعَّفَهُ مرارًا، فيما ذكره ابنُ القاسمِ عنه، وروى ابنُ القاسمِ
عنه أنَّه لا يُغسلُ الإناءُ من وُلوغِ الكلبِ إلَّا في الماءِ وحدَهُ، وروَى ابنُ وهبٍ
عنه(١) أنَّه يُغسلُ من الماءِ وغيرِهِ، ويُؤكلُ الطّعامُ، ويُغسلُ الإناءُ بعدُ، تعبُّدًا، ولا
يُراقُ شيءٌ من الطَّعام، وإنَّما يهراقُ الماءُ عندَ وُجودِهِ، ليسارةِ مُؤنِهِ.
وقال داودُ(٢): سُؤرُهُ طاهرٌ، وغسلُ [٨٤/١ظ] الإناءِ منه سبعًا فرضٌ،
ويُتُوضَّأُ بالماءِ، ويُؤكلُ الطَّعامُ والشَّرابُ الذي ولغَ فيه. ويردُّ قولَ مالكٍ وداودَ ما
ثبتَ في ((صحيح مسلم)) (٣) من الأمرِ بإراقتِه، رواه من روايةٍ عليٍّ بنِ مُسهرٍ،
أخبرنا الأعمشُ، عنَّ أبي رزينٍ وأبِي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قالَ
رسولُ اللهِ وَجِ: ((إذا ولغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكم فَليرقِه، ثمَّ ليغسلْهُ سبعَ مرَّاتٍ)).
قال النسائيُّ(٤): لا أعلمُ أحدًا تابعَ عليَّ بنَ مُسهرٍ على قولِه: ((فليرقِه)).
وكذا قال أبو عبدِ اللهِ ابنُ مندَهُ(٥): أنَّ عليَّ بنَ مُسهرٍ تفرَّدَ بالأمرِ بالإراقةِ فيه.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ(٦): لم يَذكرْهُ أصحابُ الأعمشِ الثِّقاتُ الحقَّاظُ مثلُ شُعبةً
وغيرِهِ. وكذا قال حمزةُ بنُ محمدٍ الكنانيُّ(٧): لم يَروِها غيرُ عليٍّ بنِ مُسهرٍ، قال:
وهذه الزِّيادةُ(٨) في قولِه: ((فليرقِهِ)) غيرُ محفوظةٍ .
قُلتُ: وهذا غيرُ قادح فيه، فإنَّ زيادةَ الثِّقةِ مقبولةٌ عندَ أكثرِ العلماءِ من
الفقهاءِ، والأصوليِّينَ، والمُحَدِّثينَ(٩).
وعليُّ بنُ مُسهٍ: قد وثَّقَهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ، ويحيَى بنُ معينٍ، والعجليُّ،
وغيرُهم، وهو (١٢٢/٢م) أحدُ الحفّاظِ الَّذينَ احتجَّ بِهِم الشيخانِ، وما علمتُ أحدًا
(١) زيادة من: (ك).
(٢) التمهيد (٢٧١/١٨).
(٤) النسائي، عقب الحديث (٦٦).
(٣)
مسلم (٨٩/٢٧٩).
ينظر: تلخيص الحبير (١٤٨).
(٥)
(٦) التمهيد (٢٧٣/١٨).
ينظر: تلخيص الحبير (١٤٨).
(٧)
(٨) في (ح): ((الروايات)).
(٩) ينظر: الكفاية للخطيب ص (٤٢٤)، وإرشاد الفحول (١٥٤/١).

بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٤٨٣
تكلَّمَ فيه، فلا يَضرُّهُ تفرُّدُهُ به(١).
وكذلك ما حكاه ابنُ القاسم عن مالكٍ؛ من كونِه ضعَّفَ أصلَ الحديثِ،
فما أدري ما وجهُ ضعفِه؟
وقد أنكرَ مالكٌ تَخْلُ على أهلِ العراقِ ردَّهم لحديثِ المُصرَّةِ، وهو بهذا
الإسنادِ من رواية أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، فروَى ابنُ وهبٍ عن
مالكِ أنَّه قال: وهل في هذا الإسنادِ لأحدٍ مقالٌ؟. وصدقَ تَُّهُ.
وقد قال البخاريُّ: إنَّ هذا الإسنادَ أصحُ أسانيدِ أبي هريرةَ، كما تقدَّمَ في
شرحِ خُطبةِ الكتابِ.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ(٢): والحملُ على التنجيسِ أولَى؛ لأنَّه متَى دارَ الحكمُ
بينَ كونِه تعبُّدًا وبينَ كونِه معقولَ المعنَى، فالمعقولُ المعنَى أولَى، لندرةِ التعبُّدِ
بالنّسبةِ إلى الأحكامِ المعقولةِ المعنَى.
■ السادسةُ: استدلَّ بعضُ الظَّاهريَّةِ(٣) بقولِه: ((إذا ولغَ)) أو (٤): ((إذا
شرِبَ)): على أنَّ هذا الحكمَ لا يَتعدَّى الولوغَ والشُّربَ؛ لأنَّ مفهومَ الشرطِ حُجَّةٌ
عندَ الأكثرينَ، ومفهومُهُ: أنَّ الحكمَ ليس كذلكَ عندَ عدمِ الشرطِ، وهو الولوُ،
فذهبَ قائلُ هذا إلى: أنَّه لو وقعَ لُعابُهُ في الإناءِ من غيرِ أَن يَلغَ فيه: أنَّه لا يُغسلُ
الإناءُ منه ولا يَنجسُ ما فيه، وكذلك [لو وقعَ في الماءِ غيرُ فمِه من أعضائِه؛ كيَدِه
أو رجلِه لا يَنجسُ، وكذا](٥) لو بالَ في الإناءِ أو تغوَّطَ فيه لا يَجبُ غسلُهُ سبعًا،
وإنَّما يُغسلُ مرَّةٌ كسائرِ النجاساتِ، لتقييدِ الأمرِ بالولوغ أو الشُّربِ، وهو وجهٌ
لبعضٍ أصحابِ الشافعيِّ في غيرِ لُعابِهِ: أنَّه إنَّما يُغسلُ منه مرَّةً، وإن كان بولًا،
أو عَذِرةٌ، أو دمًا، حكاه الرافعيُّ(٦).
(١) ينظر: طبقات ابن سعد (٣٨٨/٦)، والتاريخ الكبير (٢٦٧/٦)، والجرح والتعديل
(٢٠٤/٦).
(٢) إحكام الأحكام (ص٧٩).
(٤)
في (ح): (و)).
(٦) الشرح الكبير (٢٦١/١).
(٣) ينظر: المحلى (١٠٩/١).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

٤٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال النوويُّ في ((الرَّوضةِ))(١): إنَّه شاٌ. ولكنَّهُ عبَّرَ عن(٢) اللُّعابِ بالولوغِ،
فاقتضَى أنَّ تناثرَ لُعابِه يَكفِي فيه الغسلُ مرَّةٌ عندَ صاحبِ هذا الوجْهِ، ولیس
كذلكَ، وقد رجَّحَهُ النوويُّ في ((شرحِ المُهذَّبِ)»، بقولِه: إنَّه مُتَّجَهُ قويٌّ من حيثُ
الدَّليلُ؛ لأنَّ الأمرَ بالغسلِ سبعًا من الولوغِ؛ إنَّما كان لتنفيرِهم عن مُؤاكلةٍ
الكلابِ(٣)، انتَهَى.
والمذهبُ الصحيحُ الذي نصَّ عليه الشافعيُّ، وجزمَ به عامَّةُ أصحابِهِ:
وُجوبُ التسبيعِ في سائرِ أجزاءِ الكلبِ، وأنَّ إنَّما نصَّ على الولوغ؛ لكونِه الغالبَ
فيما تُصيبُهُ الكلابُ من الأوانِي، فإنَّها إنَّما تقصدُ الأكل والشُّربَ من الأوانِي،
فخرجَ ذلك مخرجَ الغالبِ، لا مخرجَ الشرطِ (٤).
قال الشافعيُّ، رضيَ اللهُ تعالى عنه: وجميعُ أعضاءِ الكلبِ يَدُهُ، أو ذنبُهُ،
أو رجلُهُ، أو عُضوٌ من أعضائِهِ، إذا وقَع في (١٢٣/٢م) الإناءِ - غُسلَ سبعَ مرَّاتٍ
بعدَ هراقة ما فيه.
قال: وفي قولِ رسولِ اللهِ وَّهِ في الهرَّةِ: ((ليست بنَجَسٍ(٥))(٦): دليلٌ على
أنَّ في الحيوانِ من البهائم ما هو نجسٌ وهو حيٍّ، وما يُنجِّسُ بولوغِه.
قال: ولا أعلمُهُ إلَّا الكلبَ المنصوصَ عليه. ثمَّ ذكَر الخنزيرَ، هكذا حكاه
ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ))(٧)، عن الشافعيِّ.
وفي الاستدلالِ به على نجاسةِ الكلبِ نظرٌ؛ لأنَّه مفهومُ لقبٍ، وليس
بحجَّةٍ عندَ الجمهورِ، فلا يَلزمُ من كونِ الهَرَّةِ ليست بنجسةٍ، أن يَكونَ غيرُها
نجسًا .
(١) روضة الطالبين (١٤١/١).
(٢) في (ك): ((في)).
(٣) المجموع (٢/ ٦٠٤).
ينظر: الحاوي (٣١٤/١)، حلية العلماء للشاشي (٢٤٧/١).
(٤)
(٥)
في (م): ((تنجس)).
أبو داود (٩٦)، والترمذي (٩٢)، وابن ماجه (٣٦٨).
(٦)
(٧) التمهيد (٢٧٢/١٨)، وينظر: مختصر المزني (ص٨).

=
٤٨٥
بابُ غَسلِ النجاسةِ
وقولُ الرافعيّ(١): إنَّ وجهَ(٢) الاستدلالِ من هذا الحديثِ على نجاسةٍ
الكلبِ مشهورٌ. أشارَ بذلك [٨٥/١ و] إلى زيادةٍ؛ ذكّرها بعضُ أصحابِنا الفقهاءِ في
تصانيفِهم، وهي: أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ كان يَأْتِي دارَ قومٍ من الأنصارِ، ودُونَهم دارٌ،
فشقَّ ذلك عليهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ تأتِي دارَ فُلانٍ، ولا تأتِي دارَنا؟!
فقال النبيُّ وََّ: ((إنَّ في دارِكم كلبًا)). قالوا: فإنَّ في دارِهم سنَّورًا. فقال
النبيُّ وَّهِ: ((إنَّها ليست بنجسٍ)).
فلو ثبتَت هذه الزِّيادةُ هكذا، كان وجهُ الاستدلالِ منه مشهورًا، إلّا أنَّه لا
يُعرفُ أصلًا في شيءٍ من كُتبِ الحديثِ هكذا، وقد رواه بهذه الزِّيادةِ الإمامُ أحمدُ
في (مُسندِه)، والدَّارقطنيُّ في ((سُنِهِ))، والحاكمُ في ((المُستدرك))(٣)، من روايةٍ
عيسَى بنِ المُسيِّبِ، عن أبي زُرعةَ، عن أبي هريرةَ، إلَّا أنَّهما لم يَقولا فيه: ((إنَّها
ليست بنجسٍ))، وإنَّما قالا: فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((السِّنَّورُ سبعٌ))، وقال الدَّارقطنيُّ بعدَ
تخريجِه: عيسَى بنُ المُسيِّبِ صالحُ الحديثِ. وقال الحاكمُ: هذا حديثٌ صحیحُ
الإسنادٍ، ولم يُخرِّجاه، وعيسى بنُ المُسيّبِ (٤) يَنفردُ عن أبي زُرعةَ، إلَّا أنَّه
صدوقٌ، ولم يُجرَّحْ قظٌ.
قُلتُ: بَلَى، جرَّحَهُ ابنُ معينٍ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ حبَّانَ،
والدَّار قطنيُّ، في غيرِ هذا الموضعِ(٥) .
وليس في هذا اللَّفِظِ ما يَقتضِي نجاسةَ الكلبِ، وإنَّما فيه: اجتنابُ دُخولِ
الدَّارِ التي فيها كلبٌ، وفيه: أنَّ الكلبَ ليس بسبع، وكأنَّه إنَّما ذكرَ ذلك، لكونِهم
كانوا قد علموا طهارةَ سُؤرِ السِّباعِ، فبيَّنَ لهم أنَّ الهرَّةَ سبعٌ، ليعلموا طهارةَ فمِها
بخلافِ الكلبِ، فإنَّه ليس بسبعٍ. واللهُ تعالى أعلمُ.
(١) الشرح الكبير (١٦٠/١).
(٢) ليس في: (ك).
(٣) أحمد (٣٢٧/٢)، المستدرك (١٨٣/١)، الدارقطني (١٧٩).
(٤) بعدها في (ك): ((صالح)).
(٥) الكامل (١٨٩٢/٥)، وميزان الاعتدال (٣٨٩/٥).

=
ـلى
٤٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
■ السابعةُ: فيه حُجَّةٌ على أبي حنيفةَ في اكتفائِه في الغسلِ من وُلوغٍ
الكلبِ بثلاثِ مرَّاتٍ (١)، واعتذرَ أصحابُهُ عن الحديثِ بما رواه الطَّحاويُّ،
والدَّار قطنيُّ(٢) موقوفًا على أبي هريرةَ: ((أنَّه يُغسلُ من وُلوغِه ثلاثَ مرَّاتٍ))،
وأبو هريرةَ هو الراوِي للغسلِ من الولوغِ سبعًا، فالعبرةُ عندَهم بما رأى، لا بما
روَى، (١٢٤/٢م)؛ تحسينًا للّنِّ به عن مُخالفةِ النصِ، فعملُهُ بخلافِ ما رواه دالٌّ
عندَهم على النسخ، وخالفَهم الجمهورُ من الفقهاءِ والأصوليِينَ، فقالوا: العبرةُ بما
رَوى، إذ لا حُجَّةَ في الموقوفِ، مع صحَّةِ المرفوعِ، ولا يَقدحُ ذلك فيه، لاحتمالٍ
أن يَكونَ نسيَ ما روَى، فأفتَى بخلافِهِ، ولا يَثبتُ النسخُ بمجرَّدِ الاحتمالِ(٣).
وحُكيَ عن أبي حنيفةَ أيضًا، والثَّوريِّ، واللَّيثِ بنِ سعدٍ: أنَّه يُغسلُ بلا
حدٍّ، واحتجُوا بقولِه في بعضٍ طُرُقِ حديثٍ أبي هريرةَ مرفوعًا، في الكلبِ يَلغُ في
الإناءِ: ((يَغسلُهُ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا))(٤).
قالوا: فلو كان التسبيعُ واجبًا، لم يُخيَّرْ بينها وبينَ الخمسِ والثَّلاثِ.
والحديثُ ضعيفٌ؛ لأنَّه من روايةِ عبدِ الوهَّابِ بنِ الضَّحَّاكِ، أحدِ الصُّعفاءِ، عن
إسماعيلَ بنِ عِيَّاشٍ، عن هشامٍ بنِ عُروةَ، وروايةُ إسماعيلَ عن الحجازيِّينَ ضعيفةٌ
(٥)
.(
عندَ الجمهور
وأجابَ بعضُ الحنفيَّةِ عن الحديثِ: بأنَّه محمولٌ على حالةِ الأمرِ بقتلٍ
الكلابِ، فلمَّا نَهَى عن قتلِها نُسخَ ذلك(٦).
وهو مردودٌ، فإنَّ النسخَ لا يَثبتُ بالحدسِ والرأيِ، بل ظاهرُ سياقٍ حديثٍ
عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ عندَ ((مسلم))(٧): أمرُهُ بالتَّسبيعِ من وُلوغِها، بعدَ النهي عن قتلِها،
(١) ينظر: الهداية (٢٣/١).
شرح معاني الآثار (٢٣/١)، والدار قطني (٦٦/١).
(٢)
(٣) ينظر: العدة لأبي يعلى (٥٨٩/٢)، الوصول لابن بَرْهان (١٩٥/٢)، شرح مختصر
الروضة (١٧٦/٢).
(٤) أخرجه الدارقطني (٦٥/١)، والبيهقي في الكبرى (٢٤٠/١).
(٥) ينظر: المجروحين (١٢٤/١)، الضعفاء لابن الجوزي (١١٨/١).
(٦) ينظر: شرح معاني الآثار (٢٣/١).
(٧) مسلم (٢٨٠/ ٩٣).

=
٤٨٧
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
فإِنَّه قال فيه: ((أمرَ رسولِ اللهِ وَ ه بقتلِ الكلابِ، ثمَّ قال: ((ما بالُهم وبالُ
الكلابٍ؟)). ثمَّ رخَّصَ في كلبِ الصَّيدِ، والغنمِ وقال: ((إذا ولَغ الكلبُ في الإناءِ
فاغسلُوهُ سبعَ مرَّاتٍ وعفِّرُوهُ الثامنةَ بالتُّرابِ)).
وأجابَ بعضُهم بأنَّ الأمرَ بالتَّسبيعِ محمولٌ على الاستحبابِ(١).
وهو ضعيفٌ أيضًا، إذ الأمرُ حقيقةٌ في الوجوبِ، حتى يَصرفَ عن الوجوبِ
صارفٌ، وذهبَ أكثرُ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومَن بعدَهم من الفقهاءِ،
كما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ(٢)، إلى وُجوبِ التسبيعِ من وُلوغِ الكلبِ.
قال: ومَّن رُوَي ذلك عنه بالظُرقِ الصِّحاحِ: أبو هريرةَ، وابنُ عبَّاسٍ،
وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ، ومحمدُ بنُ سيرينَ، وطاوسٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ. [٨٥/١ظ] وبه
قال مالكٌ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبُو ثورٍ، وأبُو عُبيدٍ،
وداودُ، والطّبريُّ.
■ الثامنةُ: احتجَّ به لأبي حنيفةَ ومالكِ (٣): في أنَّه لا يَجبُ التتريبُ(٤) في
الغَسلِ من الولوغٍ، إذ لم يَذكرْهُ مالكٌ في روايتِه لهذا الحديثِ، وليس فيه حُجَّةٌ،
فقد حفظَهُ غيرُه من الثِّقاتِ، أحد وجهين:
١ - وليسَ مَن لم يَحفظُ؛ حُجَّةٌ على مَن حفظَ.
٢ - وَليسَ مَن لم يحفظْ حجةً؛ عَلَا مَن حفظَ.
وستأتِي المسألةُ في الحديثِ الذي يَلِيه. إن شاء اللهُ تعالَى.
[ التاسعةُ: اختلفَ العلماءُ في تسبيعِ نجاسةِ الكلبِ، هل هو تعبُّدٌ، أو
(١٢٥/٢م) معقولُ المعنَى؟ .
فحكى ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ))(٥) عمَّن ذهبَ إلى نجاسةِ الكلبِ أنَّ العددَ
في الغسلاتِ تعبُّدٌ.
(١) تبيين الحقائق (٣٢/١)، ينظر: الحاوي (٣٠٧/١)، المبدع شرح المقنع (٢١/١).
(٢) التمهيد (٢٦٨/١٨).
(٣) ينظر: الاستذكار (٤٧٩/١)، بدائع الصنائع (٨٧/١).
(٤) في (ك): ((الترتيب))!
(٥) التمهيد (٢٦٩/١٨).

=
٤٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وفي كلامِ ابنِ دقيقِ العيدِ(١) ما يدلُّ على أنَّه تعبّدٌ، وأنَّ أصلَ الغسلِ معقولُ
المعنَى، وهو النجاسةُ، قال: وإذا كان أصلُ المعنَى معقولًا قُلنا به، وإذا وقعَ في
التفاصيلِ ما لا يُعقلُ معناه في التفصيلِ، لم يُنقضْ لأجلِه التأصيلُ، ولذلك نظائرُ
في الشريعةِ.
قال: ولو لم تظهرْ زيادةُ التغليظِ في النجاسةِ، لكنَّا نقتصرُ في التعبُّدِ على
العددِ، ونكتفِي في أصلِ المعنَى على معقوليَّةِ المعنَى. انتَهَى.
وكذا قال النوويُّ في ((شرح المُهذَّبٍ))(٢): إنَّه تعبَّدٌ، كما سيأتِي نقلُ كلامِه
بعدَ هذا في ((الفائدةِ الثانيةَ عشرَ)) من هذا الحديثِ.
وأمَّا مَن لم يَرَ نجاسةَ الكلبِ: فإنَّ بعضَهم تكلَّفَ، وحملَ هذا العددَ على
المعنَى الطَّبِّيِّ، وأنَّ العلَّةَ فيه ما يُخافُ من كونِ الكلبِ كَلِبًا، وذكرَ أنَّ هذا
العددَ، وهو السَّبعُ، قد جاءَ في مواضعَ من الشرعِ على جهةِ الطَّبِّ والتَّداوِي،
كما قال: ((مَن تصبَّحَ كلَّ يَومٍ بسبعٍ تمراتٍ من عجوةِ المدينةِ لم يَضرَّهُ في ذلك
اليوم سُمٌ))(٣)، وكقولِهِ وَ لَ فَي مرضِه: ((هريقوا عليَّ من سبعٍ قربٍ لم تُحللْ
أو كيتُهُنَّ))(٤)، ونحوِ هذا.
وقد عزاه صاحبُ ((المُفهم))، وغيرُهُ(٥)، إلى أبي الوليدِ ابنِ رُشدٍ من المالكيَّةِ.
وفي هذا من التعسُّفِ والرَّجم بالظّنِّ ما لا يَخفَى، وقد رُدَّ هذا على قائلِهِ
بجوابٍ طبِّيٍّ أيضًا، وهو أنَّ الكلْبَ الكَلِبَ لا يَقْرِبُ الماءَ، كما هو منصوصٌ
عليه في كُتبِ الطّبِّ. والله تعالى أعلمُ.
وأجابَ حفيدُهُ(٦) عن هذا أنَّ امتناعَهُ من(٧) الماءِ إنَّما هو في حالةٍ تمكُّنٍ
الذَّاءِ منه، فأمَّا في مبادئِه فيقربُ الماءَ.
وجعَل بعضُهم العلَّةَ في التسبيع: كونَهُ نُهِيَ عن اتِّخاذِهِ، ولا معنَى له،
(١) إحكام الإحكام (ص٧٩).
(٣)
البخاري (٥٤٤٥).
(٢) المجموع (٥٨٥/٢).
(٤) البخاري (١٩٨).
(٥)
المفهم (٥٣٩/١)، والذخيرة للقرافي (١٨٢/١).
(٦) بداية المجتهد (٣٠/١).
(٧) في (ح): ((عن)).

=
كر
٤٨٩
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
وأيُّ معنّى مُناسبٌ بينَ كونِه سبعًا، أو ثلاثًا؟، نعم، يُحتملُ أن يَكونَ النهيُ عن
اقتنائِه مُقتضيًا لزيادةِ العددِ، للتَّنفيرِ عنه، أما كونُهُ سبعًا، فلا يَظهرُ له وجهٌ
مُناسبٌ(١).
■ العاشرةُ: استدلَّ به على أنَّه يَجبُ الغَسْلُ من وُلوغ الكلبِ على الفورِ؛
لأنَّ الأمرَ يَقتضِي الفوريَّةَ عندَ أكثرِ الفقهاءِ، وهو المُختارُ(٢)، وينبغِي أن يَجريَ
فيه الخلافُ الذي حكاه الماورديّ(٣)؛ في وُجوبٍ إراقةِ الإناءِ الذي ولَغ فيه
الكلبُ على الفورِ، والأكثرونَ على أنَّ الفوريَّةَ مُستحبَّةٌ، فإن أرادَ استعمالَ الإناءِ
وجبتِ الإراقةُ(٤).
] الحاديةَ عشرَ: هل تتعدَّدُ الغسلاتُ الواجبةُ في وُلوغ الكلبِ بتعدُّدِ
الولغاتِ من كلبٍ واحدٍ، أو كلبينٍ فأكثرَ؟.
فيه خلافٌ بينَ أصحابِنا(٥)، والأصحُ: أنَّه يَكفِي للجميعِ سبعٌ، وقيلَ:
(١٢٦/٢م) يَجبُ لكلِّ وَلْغةٍ سبعٌ، وقيلَ: يَكفِي السَّبعُ في ولغاتِ الكلبِ الواحدِ،
وتتعدَّدُ بتعدُّدِ الكلابِ. والله تعالى أعلمُ.
وكذلك لو تنَجَّسَ بنجاسةٍ أجنبيّةٍ غيرِ الكلبِ، لم تجبِ الزِّيادةُ على السَّبعِ،
بل يَندرجُ الأصغرُ في الأكبرِ؛ كالحدثِ على الصحيحِ، واذَّعَى النوويُّ
وابنُ الرِّفعةِ(٦) نفيَ الخلافِ فيه، وليس بجيِّدٍ، ففِيه وجْهُ حكاه الرافعيُّ في ((الشرحِ
الصَّغيرِ)) أنَّه يَجبُ غسلُهُ للنَّجاسةِ الأجنبيَّةِ أيضًا. والله تعالى أعلمُ.
] الثانيةَ عشرَ: مَن جعَل العلَّةَ في التسبيحِ من وُلوغِ الكلبِ كونُهُ منهيًّا عن
اتّخاذِهِ واقتنائِه، كما تقدَّمَ حكايتُهُ عن بعضِهم، عدَّى حُكمَ الكلبِ إلى [٨٦/١ ]
في الأصل، (م): ((مناسبة)).
(١)
(٢) ينظر: البحر المحيط (١٢٦/٢)، إرشاد الفحول (٢٥٩/١).
(٣)
الحاوي (٣٠٦/١).
ينظر: الحاوي (٣٠٤/١)، الشرح الكبير (١٦٠/١)، المجموع (٦٠٦/٢).
(٤)
ينظر: الحاوي (٣١٠/١)، حلية العلماء (٢٤٧/١).
(٥)
(٦) ينظر: المجموع (٦٠٢/٢).

1
٤٩٠
كير
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الخنزيرِ؛ لأنَّه منهيٌّ عن اقتنائِه مُطلقًا، بخلافِ بعضِ الكلابِ المُتَّخذةِ للصَّيدِ
والزَّرع(١)، فهو إذًا أسوأُ حالًا من الكلبِ في ذلك، وهذا قولُ الشافعيِّ الجديدُ(٢)
أنَّه يَجبُ الغَسلُ منه سبعًا كالكلبِ. وذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى أنَّه لا يَجبُ التسبيعُ
من نجاسةِ الخنزيرِ، ويقتصرُ في التسبيعِ على موردِ النصِّ، وهو قولٌ قديمٌ
للشافعيِّ، قال النوويُّ في ((شرحِ مسلم))(٣): وهو قويٌّ في الدّليلِ. وكذا قال في
شرح ((المُهذَّبٍ))(٤): إنَّه الراجحُ من حَيِّثُ الدَّليلُ. قال: وهذا هو المُختارُ؛ لأنَّ
الأصلَ عدمُ الوجوبِ حتى يَردَ الشرعُ، لا سيَّما في هذه المسألةِ المبنيَّةِ على
التعبُّدِ(٥). وذكَر نحوَهُ في شرحَ ((الوسيطِ))، بل ذهبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى طهارةٍ
الخنزيرِ، ومَن اذَّعَى من أصحابِنا الإجماعَ على نجاستِه فقد أخطأ، لوجودٍ
الخلافِ فيه. والله تعالى أعلمُ.
■ الثالثةَ عشرَ: محلُّ الأمرِ بغسلِ الإناءِ سبعًا من نجاسةِ الكلبِ،
وكذلك محلُّ الأمرِ بالإراقةِ: هو ما إذا كان ما (٦) في الإناءِ مائعًا، أما إذا كان
جامدًا(٧)، فإنَّ الواجبَ حينئذٍ إلقاءُ ما أصابَ الكلبُ بفمِه، ولا يَجبُ غسلُ الإناءِ
حينئذٍ، إلَّا إذا أصابَهُ فَمُ الكلبِ، مع وُجودِ الرُّطوبةِ، فيجبُ غسلُ ما أصابَهُ فقط
سبعًا؛ كالفأرةِ تقعُ في السَّمنِ سواءٌ.
ولقائلِ أن يَقولَ: ليستْ هذه الصُّورةُ داخلةً في الحديثِ؛ لأنَّه إذا كان ما
فيه جامدًا، لا يُسمَّى أخذُ الكلبِ منه شُربًا، ولا وُلوغًا، بل هو أكملُ (٨)، وإنَّما
الولوغُ الأخذُ بطرفِ اللِّسانِ، كما سيأتِي في الحديثِ الذي يَلِيه. واللهُ تعالى
أعلمُ.
(١)
في (ح): ((والزروع)).
شرح صحيح مسلم (١٨٦/٣).
(٣)
(٥)
في (ح): ((التعدد)).
ينظر: الحاوي (٣١٠/١)، حلية العلماء (٢٤٧/١).
(٧)
(٨) في (ك، ح): ((أكْلٌ)). وكأنه الأشبه.
(٢) الأم (٦/١)، مختصر المزني ص (٨).
(٤) المجموع (٥٨٦/٢).
(٦) ليس في: (ك، ح).

بابٌ غَسلِ النجاسةِ
دعمو
٤٩١٠
=
الحديثُ الثانِي
وعن همَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَ ال ◌َ: (١٢٧/٢م)
((طُهرُ إناءِ أحدِكمَ إذا ولَغ الكلبُ فيه أن يَغْسلَه سبعَ مرَّاتٍ)). رواه مُسلمٌ،
وفي روايةٍ له ((طهورُ)) وزادَ: ((أُولاهنَّ بالتُّرابِ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولَى: انفردَ مُسلمٌ(١) بإخراجِه هكذا من روايةِ همَّامٍ، وأخرجه هو
وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنسائيُّ(٢)، من روايةِ محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ،
بلفظِ: (طهورٍ) وزادَ في آخره: ((أُولاهنَّ بالتُّرابِ))، وقال التِّرمذيُّ في روايتِه:
((أُولَهُنَّ أو قال: آخرُهُنَّ بالتُّرابِ))، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
] الثانيةُ: في قوله: ((طُهرُ)) و((طهورُ)) ما يدلُّ على نجاسةِ سُؤرِ الكلبِ،
ونجاستِهِ في نفسِه؛ لأنَّ الطَّهارةَ إنَّما تكونُ عن حدثٍ أو نجسٍ، ولا حدثَ على
الإناءِ، فتعيَّنَ أن يَكونَ ذلك للنَّجاسةِ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ، كما تقدَّمَ في
الحديثِ الذي قبله.
■ الثالثةُ: اعترضَ بعضُ المالكيَّةِ على هذا الحصرِ، بأنَّ الطَّهارةَ قد
تكونُ لا عن حدثٍ، ولا عن (٣) خَبٍ، بدليلٍ قولِهِ وَّ: ((وجُعلتْ لِي الأرضُ
طهورًا))(٤)، قال: والتَّهُمُ لا يَرفعُ الحدثَ، وليس على المُتيمِّم نجاسةٌ، والطَّهورُ
يُطلقُ على إباحةِ الاستعمالِ كالتَّيمُّمِ.
وهذا الذي اعترضَ به مردودٌ؛ لأنَّ التيمُّمَ، وإن كان لا يَرفعُ الحدثَ، فإنَّ
مُوجِبَهُ الحدثُ؛ فلا يُقالُ: إنَّها طهارةٌ لا عن حدثٍ. واللهُ أعلمُ.
مسلم (٢٧٩ / ٩٢).
(١)
(٢) مسلم (٩١/٢٧٩)، أبو داود (٧١)، الترمذي (٩١).
(٣) زيادة من الأصل، (م).
(٤) مسلم (٥/٥٢٣).

=
٤٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
] الرابعةُ: اعترضَ ابنُ دقيقِ العيدِ على المُحتجِّينَ بالحديثِ على نجاسةٍ
الكلبِ ببحثٍ آخرَ ذكره(١)، وهو أن يُقالَ: إِنَّ الحديثَ إنَّما دلَّ على نجاسةِ الإناءِ
بسببِ الولوغ، وذلكَ قدرٌ مُشتركٌ بينَ نجاسةِ عينِ اللُّعابِ وعينِ الفم، أو تنجُّسِهما
باستعمالِ النجاسةِ غالبًا، والدَّالُّ على المُشتركِ لا يَدلُّ على أحدِ الخاصَّينِ، فلا
يَدلُّ الحديثُ على نجاسةِ عينِ الفم أو عينِ اللُّعابِ، فلا تستمرُّ الدَّلالةُ على
نجاسةِ عينِ الكلبِ كُلِّه.
ثمَّ قال: وقد يُعترضُ على هذا بأن يُقالَ: لو كانتِ العلَّةُ تنجُسَ اللُّعابِ أو
الفم، كما أشرتمْ إليه، لزمَ أحدُ أمرينٍ، وهو إما وُقوعُ التخصيصِ في العمومِ، أو
تُبوتُ الحكم بدونِ علَّتِه؛ لأنَّا إذا فرضنا تطهيرَ فم الكلبِ من النجاسةِ (٢) بماءٍ
كثيرٍ، أو بأيِّ وجْهٍ كان، فولغَ في الإناءِ، فإمَّا أن يَثبتَ وُجوبُ غسلِه، أو لا،
فإن لم يَثبتْ، وجبَ تخصيصُ (١٢٨/٢م) العموم، وإنْ ثبتَ، لزمَ ثُبوتُ الحكمِ
بدونِ علَّتِهِ، وكلاهما على خلافِ الأصلِ. ثمَّ قَال: والذي يُمكنُ أن يُجابَ به
عن هذا السُّؤالِ أن يُقالَ: الحكمُ منوظٌ بالغالبِ، وما ذكرتمُوهُ [٨٦/١ظ] من
الصُّورةِ نادرٌ، لا يُلتفتُ إليه. ثمَّ قال: وهذا البحثُ إذا انتَهَى إلى ههُنا يُقوِّي قولَ
مَن يَقولُ: إنَّ الغسلَ لأجلِ قذارةِ الكلبِ. انتَهَى.
قُلتُ: ليس الغَسلُ من القذارةِ طهارةً شرعيَّةً، وإنَّما هي لُغويَّةٌ، وقولُه: ((طهورُ
إناءِ أحدِكم)): محمولٌ على الحقيقةِ الشرعيَّةِ، وإذا حملناه على الحقيقةِ الشرعيَّةِ
فإثباتُ نجاسةِ فم الكلبِ باحتمالِ تنجيسِه يُعارضُ خلافَ الأصلِ، ولو ثبتَ ذلك
في الكلبِ، ثبتَ في غيرِهِ من الحيواناتِ القذرةِ التي تأكلُ الجيفَ؛ كالسِّباعِ،
والظُيورِ، ولثبتَ ذلك أيضًا في الهرِّ، فكثيرًا ما يَأكلُ النجاساتِ؛ كالفأرةِ،
والحشراتِ، وقد قال ◌َّ﴿ في الهرَّةِ: ((إنَّها ليستْ بنجسٍ))، وتوضَّأ بسؤرِها، فدلَّ
على أنَّ نجاسةَ الكلبِ أصليّةٌ، لا عارضةٌ، باحتمالِ نجاسةٍ أُخرَى. واللهُ أعلمُ.
] الخامسةُ: ولَغ يَلِغُ بفتحِ اللَّامِ فيهما، وحُكيَ في المُضارعِ كسرُ اللَّامِ
أيضًا، والمصدرُ وُلوٌ بضمِّ الواوٍ، ووَلَّغٌ بفتحِها وسُكونِ اللَّامِ، والؤُلوغُ هو
(١) إحكام الأحكام (ص ٨٠).
(٢) في (ح): ((النجاسات)).

=
بابٌ غَسلِ النجاسةِ
٤٩٣
الشُّربُ بطَرفِ اللِّسانِ، قال أبو موسى المدينيُّ: وأكثرُ ما يَكونُ الوُلوغُ في
السِّباعِ. وقال القاضِي أبو بكرِ ابنُ العربيّ(١): الولوُ للسِّباعِ والكلابِ كالشُّربِ
لبنِي آدَمَ. قال: وقد يُستعملُ الشُّربُ للسِّباعِ، ولا يُستعملُ الولوُ في الآدميِّ،
ويُقالُ: ليس شيءٌ من الظُيورِ يَلِغُ غيرُ الذُّبابِ.
قُلتُ: وقد استعملَ الولوُ في الآدميِّ مجازًا، فقالوا فيمنْ قتلَ رجلًا
وشربَ دمَهُ: وَلَغ في دمِه. تشبِيهًا له بالسِّباعِ، وأمَّا الوَلوُ، بفتحِ الواوِ، فهو مَن
كثرَ منه الولوغُ، قالَه أبو عُبيدٍ، ويُطلقُ أيضًا على الإناءِ الذي ولَغ فيه؛
كالسَّعوطِ(٢). والله تعالى أعلمُ.
■ السادسة: استدلَّ بروايةِ مسلم: ((أُولاهنَّ بالتُّرابِ))، على اشتراطِ
التتريبٍ في نجاسةِ الكلبِ، وهو قولُ الشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبِي عُبيدٍ،
وأبي ثورٍ، ومُحمَّدِ بنِ جريرِ الطَّريِّ، وأكثرِ الظَّاهريَّةِ(٣).
وذهبَ أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوزاعيُّ إلى أنَّه لا يَجبُ التتريبُ، وإنَّما
الواجبُ الماءُ فقط، وأوجبَ بعضُهم التتريبَ فيما لا يَفسدُ به كالإناءِ، دُونَ ما
يَفسدُ به كالثِّابِ ونحوِها (٤).
■ السابعةُ: اختلفتِ الرِّواياتُ في المرَّةِ التي تُجعلُ فيها التُّرابُ، فعندَ
مسلم كما تقدَّمَ: [(أُولاهنَّ))، وفي رواية لأبي داود(٥): ((السابعة بالتراب))،
وللبيهقي(٦): ((أولاهن))، وتقدم أن في رواية الترمذي(٧)](٨): ((أولهن أو قال
(١) عارضة الأحوذي (١٣٤/١).
ينظر: مشارق الأنوار (٢٨٦/٢)، النهاية في غريب الأثر (١٥١٢/٤).
(٢)
ينظر: الحاوي (٣٠٦/١)، المغني (٧٣/١)، بداية المجتهد (٢٩/١)، المحلى
(٣)
(١٠٩/١).
ينظر: المبسوط (٨٦/١)، الاستذكار (٤٧٩/١).
(٤)
(٥)
أبو داود (٧٣).
الترمذي (٩١).
(٧)
(٨) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(٦) الكبرى (٢٤٠/١).

٤٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أُخراهنَّ بالتُّرابِ»، وفي روايةٍ لأبي بكرِ البزَّارِ في («مسندِه))(١): ((إحداهنَّ)»:
بالحاءِ، والدَّالِ المُهملتينِ (١٢٩/٢م).
ومَن ذكّر من المُصنِّفينَ أنَّها لم ترد من حديث أبي هريرةَ: فمردودٌ عليه بذکرِ
البزَّارِ لها في (مسندِه))، وقد رواها الدَّارقطنيُّ(٢) هكذا أيضًا من حديثٍ عليٍّ، فقال
فيه: ((إحداهنَّ بالبطحاءِ))، وذكر النوويُّ في ((الفتاوَى)): أنَّها روايةٌ ثابتةٌ.
ولمسلم(٣) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ: ((إذا ولَغ الكلبُ في الإناءِ فاغسلُوهُ
سبعَ مرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثامنةَ بالتُّرابِ)).
وقد اختلفَ كلامُ الشارحينَ في الجمعِ بينَهما (٤): فجمعَ النوويُّ(٥) بينَهما (٦)
بأنَّ التقييدَ بالأولَى وبغيرِها ليس على الاشتراطِ، بل المُرادُ إحداهنَّ.
قال: وأمَّا روايةُ: ((وعفِّرُوهُ الثامنةَ بالتُّرابِ))، فمذهبُنا ومذهبُ الجماهيرِ: أنَّ
المُرادَ اغسلُوهُ سبعًا، واحدةٌ منهنَّ بترابٍ مع الماءِ، فكأنَّ التُّرابَ قائمٌ مقامَ
غسلةٍ، فَسُمِّيتْ ثامنةً لهذا.
وأشارَ ابنُ دقيقِ العيدِ(٧) إلى تضعيفِ هذا الجوابِ؛ بأنَّه(٨) تأويلٌ فيه
استكراه. وهكذا يَدلُّ كلامُ البيهقيِّ في (السُّننِ))(٩) على تعذّرِ الجمعِ بينَ روايةٍ:
((الثامنةِ بالتُّرابِ))، وبينَ ما تقدَّمَ، فإنَّه صارَ إلى الترجيحِ دُونَ الجمعِ، فقال بعدَ
ذكرٍ حديثِ ابنِ مُغفَّلٍ في الثامنةِ ما صُورتُهُ: وأبو هريرةَ أحفظُ مَن رَوَى الحديثَ
في دهرِهِ، فروايتُهُ أولَى. فرجَّحَ البيهقيُّ روايتَهُ بكونِه أحفظَ، وهو أحدُ وُجُوه
الترجيحِ عندَ المُعارضةِ.
وقد استشكلَ ابنُ دقيقِ العيدِ (١٠) إجزاءَ التتريب (١١) في أيِّ غسلةٍ شاءَ من
البزار (٨٨٨٧، ٩٧٢٠).
(١)
(٣)
مسلم (٢٨٠/ ٩٣).
(٥)
شرح مسلم (١٨٥/٣).
(٧) إحكام الأحكام (ص٨١).
(٩) السنن الكبرى (٢٤١/١).
(١١) في (م): ((الترتيب)).
(٢) الدارقطني (٦٥/١).
(٤) في الأصل، (م): ((بينها)).
(٦) في الأصل، (م): ((بينها)).
(٨) في (ك): ((فإنه)).
(١٠) إحكام الأحكام (ص ٨٠).