النص المفهرس

صفحات 541-560

=
بابُ التيمُّمِ
٤٣٥
بابُ التيُّم
هو في اللُّغةِ: القصدُ، قال الأزهريُّ (١): يُقالُ: تيمَّمتُ فلانًا، ويمَّمتُه،
وأمَمْتَهُ(٢)، وأمَّمْتُهُ؛ أي: قصدتُه، وأمَّا في الشرع: فهو القصدُ إلى الصعيدِ،
للطهارةِ به عندَ عدم الماءِ، أو (٣) العجزِ الشرعيِّ عن استعمالِه: فيضربُ عليه، ثمَّ
يَمسحُ به وجهَه، ثمَّ يَدِيه كذلكَ(٤).
الحديثُ الأوَّلُ
عن عبدِ الرحمْنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها قالت:
((خرَجْنا مع رسولِ اللهِ وَل﴿ في بعض أسفارِهِ، حتى إذا كثَّا بالبيداءِ أو بذاتٍ
الجيشِ انقطَع عِقدٌ لِي، فأقامَ رسولُ اللهِ نَّهِ على(٥) التماسِه، وأقامَ الناسُ
معَه، وليسوا على ماءٍ، وليس معَهم ماءٌ، فأتَى الناسُ أبا بكرٍ، فقالوا: ألا
ترَى ما صنعتْ عائشةُ؟ أقامت برسولِ اللهِ (٩٣/٢م) وَِّ وبالناسِ، وليسوا
على ماءٍ، وليس معَهم ماء! فجاءَ أبو بكرٍ ورسولُ اللهِ وَلِهِ واضحٌ رأسَه
على فخذِي قد نامَ، فقال: حَبَسْتِ رسولَ اللهِ نَّهِ والناسَ، وليسوا على
ماءٍ، وليس معَهم ماءٌ؟.
قالت: فعاتَبنِي أبو بكرٍ، وقال ما شاءَ اللهُ أن يَقولَ، وجعلَ يَطعُنُ بيدِهِ
في خاصرتِي، فلا يَمنعنِي مِنَ التحرُّكِ إلَّا مكانُ رأسٍ رسولِ اللهِ وَّر على
فخذِي، فَنامَ(٦) رسولُ اللهِ وَّهِ حتى أصبحَ على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ اللهُ تعالَى
(١) بعدها في (ح): ((هو في اللغة: القصد)). (٢) ليس في الأصل، (م).
(٣) في (ك): ((و)).
(٤) في (ك): ((يدعي كذلك))!
(٥) في (ك): ((عن)).
(٦) في (ح): ((فقام)).

٤٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
آيةَ التيمُّم: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]. قال أُسيدُ بنُ الحضيرِ، وهو أحدُ
النُّقباءِ: ما هي بأوَّلِ بركتِكم يا آلَ أبي بكرٍ. قالت عائشةُ: فبعَثْنا البعيرَ
الذي كنتُ عليه فوجَدْنا العِقدَ تحتَه)).
فیه [٧٥/١ظ] فوائدُ:
■ الأولَى: هذا الحديثُ أخرجَه السِّنَّةُ خلا التِّرمذيِّ؛ فأخرجَه
الشيخانِ(١)، والنسائيُّ(٢) من طريقِ مالكٍ. والبخاريُّ(٣) وحدَه من روايةِ عمرو بنِ
الحارثِ. كلاهما عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ. ورواه السَِّّةُ خلا التِّرمذيّ(٤) من
روايةِ هشامٍ بنِ عُروةً عن أبيه عن عائشةَ.
■ الثانيةُ: فيه جوازُ مسافرةِ الرجلِ بزوجتِهِ. وقال ابنُ عبدِ البرِّ(٥): فيه
خروجُ النساءِ مع الرجالِ في الأسفارِ، قال: وخروجُهُنَّ مع الرِّجالِ في الغزواتِ
(٢ وغيرِ الغزوات٦ِ) مُباحٌ؛ إذا كان العسكرُ كثيرًا، تُؤمنُ عليه الغلبةُ. وفي
((الصحيحِ))(٧) من حديث أنسٍ: كان رسولُ اللهِ وَ﴿ يَغزُو بأمِّ سُليمٍ ونسوةٍ من
الأنصارِ؛ يَسقينَ الماءَ، ويُداوينَ الجرحَى.
■ الثالثةُ: يُشترطُ لجوازِ خُروجِ الرجلِ (٩٤/٢م) بزوجتِه في سفرٍ: أن لا
يَكونَ له زوجةٌ حُرَّةٌ غيرُها، فإن كانَت له زوجةٌ أُخرَى فأكثرُ، فإنَّما يَجوزُ
تخصيصُ بعضِهنَّ بالخروجِ بالقرعةِ؛ لما ثبت في «الصحيحين))(٨)(٩) من حديثٍ
عائشةَ: ((كان النبيُّ بَّهِ إذا أرادَ سفرًا أقرعَ بينَ نسائِه، فأيَّتُهُنَّ خرِجَ (١٠) سهمُها
(١)
في (ك): ((البخاري)).
البخاري (٣٣٤)، مسلم (١٠٨/٣٦٧)، النسائي (٣٠٩).
(٢)
(٣)
البخاري (٦٨٤٥).
البخاري (٣٣٦)، مسلم (١٠٩/٣٦٧)، أبو داود (٣١٧)، النسائي (٣٢٢)، ابن ماجه
(٤)
(٥٦٨).
التمهيد (٢٦٦/١٩).
(٥)
(٧)
مسلم (١٣٥/١٨١٠).
(٦ - ٦) ليس في: (ح).
(٨) في (ك): ((الصحيح)).
(٩) البخاري (٢٥٩٣)، مسلم (٨٨/٢٤٤٥). (١٠) في (ك): ((أخرج)).

=
بابٌ التيمُّم
٤٣٧
خرجَ بها)). الحديثَ، فقولُ(١) عائشةَ: ((خرجْنا))، هل أرادت نفسَها فقط مع جملةٍ
الناسِ، أو أرادت نفسَها وبعضَ زوجاتِهِ (٢) وَِّ؟. يَحتملُ كُلَّا من الأمرينِ، فإن
كانت هذه السَّفرةُ في غزوةِ بنِي المُصطلقِ، وهي المُرَيْسِيعُ، كما قيلَ - على ما
سيأتي في الفائدةِ التي تليها - فقد خرجَ معَه فيها بعائشةَ وأمِّ سلمةَ، كما هو
معروفٌ في السِّيرِ (٣).
■ الرابعةُ: وقولُ عائشةَ: ((في بعضٍ أسفارِهِ)). لم يَقعْ في شيءٍ من طرقٍ
هذا الحديثِ تعيينُ هذا السفرِ الذي أبهمته، وقد ذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): أنَّ ذلك
كان(٥) في غزاةِ المُريسيعِ؛ فإنَّ مشروعيَّةَ التيمُّمٍ كانت فيها.
وفيما قالَه نظرٌ؛ فإنَّ غزاةَ المُريسيع كانت من(٦) ناحيةٍ مَّةَ بينَ قُدیدٍ
وساحلِ البحرِ، وهذه السفرةُ كانت من ناحيةِ خيبرَ؛ بدليلٍ قولِه في بقيَّةِ الحديثِ:
((حتى إذا كنَّا بالبيداءِ، أو بذاتِ الجيشِ))، وهما بينَ المدينةِ وخيبرَ، كما سيأتي
بعدَ هذا، على أنَّه قد اختلفتِ الأحاديثُ في تعيينِ المكانِ الذي ضاعَ فيه العِقدُ،
كما سيأتي. وكأنّ ابنَ دقيقِ العيدِ قلَّدَ - فيما ذكرَه - محمدَ(٧) بنَ سعدٍ؛ فإنَّه كذلك
قال في ((الطبقاتِ))(٨) جازمًا به، وذكرَه ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ)) (٩) أيضًا،
لا على طريقِ الجزمِ، بل قال: يقالُ: إنَّه كان في غزاةِ بنِي المُصطلقِ. وكأنَّه(١٠)
أيضًا: عنَى(١١) عن (١٢) ابنِ سعدٍ.
ولقد أحسنَ ابنُ عبدِ البرِّ حيثُ(١٣) لم يَجزمُ به، كما جزمَ(١٤) ابنُ سعدٍ،
(١) في (ك): ((تقول)).
(٣) ينظر: سيرة ابن هشام (٢٥٢/٤)، الروض الأنف (١٣/٤)، سبل الهدى والرشاد
(٣٤٤/٤).
(٤) إحكام الأحكام (ص ١٥٠ - ١٥١).
(٦)
في (ح): ((في)).
(٨) طبقات ابن سعد (٦٥/٢).
(١٠) في (ح): ((فكأنه)).
(١٢) ليس في: (ح).
(١٤) بعدها في (ح): (به).
(٢) في (ك): ((أزواجه)).
(٥) ليس في: (ك).
(٧) ليس في: (ح).
(٩) التمهيد (٢٦٧/١٩).
(١١) ليس في: (ك).
(١٣) بعدها في (م): ((إنه)).

=
٤٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقد وردَ التصريحُ بأنَّ ذلك كان في غزاةٍ أُخرَى بعدَ المُريسيع، كما رُوِّيناه في
((المُعجمِ الكبيرِ))(١) للطبرانيٌّ، من حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن يحيى بنِ عبّادِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ((لمَّا كان من أمرٍ عِقْدِي ما كان،
قال أهلُ الإفكِ ما قالوا، فخرَجْتُ مع النبيِّ ◌ِ ﴿ في غزوةٍ(٢) أُخرَى، فسقطَ أيضًا
عِقْدِي، حتى حبَسَ التماسُه الناسَ، وطلعَ الفجرُ، فلقيتُ ما شاءَ اللهُ. وقال لِي
أبي (٣)؛ أبو (٤) بكرٍ: يا بُنيَّةُ في كلِّ سفرةٍ تكونينَ عناءً وبلاءً، وليس مع الناسِ
ماءٌ، فأنزل اللهُ الرُّخصةَ بالتَّيمُّم، فقال أبو (٥) بكرٍ: واللهِ(٦) يا بُنيَّةُ، إِنَّكِ لما (٧)
علمتُ مُباركةٌ)).
ففِي هذا الحديثِ: أنَّ نُزولَ التيهُم مُتأخّرٌ عن المُريسيع، وكأن من ذكرِهِ
فيها وَهِلَ(٨) من عقدِها الذي سقطَ منها في قصَّةِ الإفكِ؛ فإنَّه كان في (٩٥/٢م)
المُريسيعِ، إلى سُقوطٍ عقدِها في قصَّةِ التيمُّم. واللهُ أعلمُ.
■ الخامسةُ: قولُها: ((حتى إذا كنَّا بالبيداءِ [٧٦/١و]، أو بذاتِ الجيشِ))،
هكذا اتَّقَ عليه رواةُ ((الموطٍ) عن مالكٍ: (أو بذاتِ الجيشِ))، على الشكِّ، وكأنَّه
من أحدِ الرواةِ عن عائشةَ، ويُحتملُ أنَّ عائشةَ تردَّدت في أيِّ موضعٍ سقط
عقدُها، وفيه بُعدٌ. والبيداءُ ممدودٌ، وهو بفتح الباءِ المُوخَّدةِ، وذاتُ الجيشِ،
بالجيمِ، والمُثنَّاةِ من تحتٍ، وآخرُه شينٌ مُعجمةٌ، قال القرطبيُّ(٩): هما موضعانٍ
قريبانِ من المدينةِ. وقال النوويُّ(١٠): هما موضعانِ بينَ المدينةِ وخيبرَ.
قُلتُ: والبيداءُ عدَّةُ مواضعَ؛ منها بيداءُ ذِي الحليفةِ، التي قال فيها
ابنُّ عمرَ: ((بيداؤُكم التي تكذبونَ فيها على رسولِ اللهِ وَلاَ))(١١).
المعجم الكبير (١٥٩).
(١)
ليس في الأصل، (م).
(٣)
(٢) في (ح): ((غزاة)).
(٤) ليس في: (ك).
(٥)
في (ك): ((أبي))!
(٦) ليس في: (ك).
(٧) في (م): ((كما)).
(٨) في (ك): ((وهم)).
(٩) المفهم (٦١١/١).
(١٠) شرح صحيح مسلم (٥٩/٤).
(١١) أخرجه مسلم (٢٣/١١٨٦)، وأبو داود (١٧٧١)، والنسائي (٢٧٥٦)، وأحمد (٦٦/٢).

بابٌ التيمُّم
٤٣٩
=
والذي يَترجَّحُ في هذا الحديثِ: أنَّه كان بذاتِ الجيشِ؛ فإنَّ عمَّارَ بنَ ياسٍ
قد رواه، فقال فيه: ((بأولاتِ الجيشِ))، لم يَشكَّ بينَه وبينَ البيداءِ، كما سيأتي في
الفائدةِ بعدَها، فهو أولَى. وقد رواه عمرُو بنُ الحارثِ، عن عبد الرحمنِ بنِ
القاسم، فذكرَ أنَّه ((بالبيداء))، لم يَشكَّ، وهو عندَ البخاريِّ(١). واللهُ أعلمُ.
■ السادسةُ: (٢ اختلفَت طرق٢ُ) الحديثِ في تعيينِ المكانِ الذي ضاعَ فيه
العقدُ: فقال مالكٌ ما تقدَّمَ، ورواه هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، فاختلفَ(٣) عليه
فيه، فأكثرُ الرواةُ عنه لم يَذكروا المكانَ، وهو الموجودُ في الكتبِ الخمسةِ
المُتقدِّمةِ، ورواه سفيانُ بنُ عُيينةَ عنه، فقال فيه: ((إنَّها سقطت قلادتُها ليلةً
الأبواءِ»، كذا رواه الحميديُّ في مُسندٍ سفيانَ(٤)، ورواه عليُّ بنُ مُسهرٍ، عن
هشامٍ [فقال: ((وكان ذلك(٥) المكانُ يُقالُ له: الصُّلْصُل))(٦)، رواه ابنُ عبدِ البرِّ في
((التمهيدٍ))(٧)، ورواه حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن](٨) هشام؛ فقال فيه: ((فأرسلَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ رجلينٍ إلى المُعرَّسِ يَلتمسانِ القلادةَ))(٩).
فأمَّا حديثُ سفيانَ، فهو مُخالفٌ لحديثِ مالكٍ؛ لأنَّ الأبواءَ جبلٌ بينَ مَّةً
والمدینةِ .
وأمَّا روايةُ عليٍّ بنِ مُسهر، فيجوزُ أن يَكونَ صُلْصُلٌ في جهةِ ذاتِ الجيشِ.
وأمَّا روايةُ حمَّادِ بنِ سلمةَ، فليسَ فيها مُخالفةٌ؛ لأنَّه لم يُردْ بالمُعرَّسِ مكانٌ
معروفٌ، وإنَّما أُريدَ المكانُ الذي عرَّسوا فيه؛ فإنَّه قال في أوَّلِ حديثِه:
((فعرَّسوا)) (١٠)، وكذا في حديثِ عمَّارِ بنِ ياسرٍ الآتِي (١١)، وروايةُ مالكٍ، عن
(١)
البخاري (٤٦٠٨).
(٣)
في (ك): ((واختلف)).
(٥)
في (م): ((هذا)).
الصُلْصُل: موضع، وقيل: جبل بنواحي المدينة، على سبعة أميال منها. معجم البلدان
(٦)
(٤٢١/٣).
(٧) التمهيد (٢٦٧/١٩).
(٩) التمهيد (٢٦٩/١٩).
(١١) في (ك): ((الآت)).
(٢ - ٢) في (ك): ((اختلف في طرق هذا)).
(٤) مسند الحميدي (١٦٥).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في الأصل.
(١٠) في (ك): ((وعرسوا)).

=
٤٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه أصحُ وأثبتُ، ويشهدُ لها حديثُ عمَّارِ (١بنِ
ياسر١ٍ)، قال: ((عرَّسَ رسولُ اللهِ وَ بأولاتِ الجيشِ، ومعَه عائشةُ زوجتُه،
فانقطعَ عِقدُها (٢) من جَزْع٢) ظَفَارِ(٣)، فحُبسَ الناسُ في ابتغاءِ عقدِها ذلك، حتى
أضاءَ الفجرُ)) ... الحديثَ، رواه أبو داودَ، والنسائيُّ(٤) بإسنادٍ جيّدٍ.
وقال (٩٦/٢م) ابنُ عبدِ البرِّ(٥): وليس اختلافُ النقلةِ في الموضعِ الذي
سقطَ ذلك فيه ما يُوهنُ شيئًا من الحديثِ؛ لأنَّ المعنَى المرادَ من الحديثِ: هو
نُزُولُ آيَةِ التيمُّمِ، ولم يَختلفوا في ذلك.
· السابعةُ: قولُها: ((انقطعَ عِقْدٌ لِي)). العِقدُ بكسرِ العينِ، هو كلُّ ما يُعقدُ
ويُعلَّقُ في العنقِ، وهكذا عندَ مالكِ: أنَّ العِقْدَ لعائشةَ، وفي ((الصحيحين))(٦) في
هذا الحديثِ؛ من روايةِ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عنها: ((أنَّها استعارت من
أسماءَ قلادةً، فهلكت))(٧) .
وقد جعلَ ابنُ عبدِ البرِّ ذلك اختلافًا في الحديثِ، وقال: ليس اختلافُ
النقلةِ في العقدِ والقلادةِ، ولا في قولِ القاسم عن عائشةَ: ((عقدٌ لِي))، وقولٍ
هشام: ((إنَّ القلادةَ استعارتها من أسماءً))، ما يُوهنُ شيئًا منَ الحديثِ؛ لأنَّ
المعنَى المرادَ من الحديثِ نزولُ آيةِ التيمُمِ، ولم يُختلفْ في ذلك (٨). انتَهَى.
ولم يَجعلْه النوويُّ اختلافًا، بل قال: إنَّه يُسمَّى عِقْدًا، ويُسمَّى قلادةً. وفي
روايةٍ للقاسم(٩) عندَ البخاريِّ: تسميتُها قِلادةً(١٠) أيضًا. وكذا قال النوويُّ(١١)،
وأنَّه لا مُخالفةَ بينَ نسبتِه لعائشةَ وكونِها استعارته من أسماءً؛ فهو في الحقيقةِ
(١ - ١) ليس في: (ح).
(٢ - ٢) في (ك): ((بالجزع)). والجزع: خرز يمني. الصحاح (١١٩٦/٣).
(٣) ظَفَارِ: مدينة قرب صنعاء باليمن، وقيل: هي صنعاء نفسها. مراصد الاطلاع (٩٠٤/٢).
أبو داود (٣٢٠)، النسائي (٣١٣).
(٤)
(٥) التمهيد (٢٦٨/١٩).
البخاري (٣٣٦)، مسلم (١٠٩/٣٦٧).
(٦)
(٨) التمهيد (٢٦٩/١٩).
(١٠) البخاري (٤٦٠٨).
(٧) في (ك): ((أهلكت)).
(٩) في (ك): ((القاسم عن محمد)).
(١١) شرح النووي (٥٩/٤).

=
كما
٤٤١
بابُ التيمُّمِ
ملكٌ لأسماءِ، وأضافَته إلى نفسِها؛ لكونِه في يَدِها، وكذلك قال القرطبيُّ(١)
أضافته لنفسِها؛ لأنَّه(٢) في حوزِها .
■ الثامنةُ: فيه جوازُ اتِّخاذِ النِّساءِ القلائدَ، وفي حديثٍ عمَّارٍ أنَّه كان من جَزْعِ
ظَفَارِ، والجزعُ خرزُ يَمانٍ، وظَفَارُ مدينةٌ لحميرَ (٣) باليمنِ(٤)، مبنيَّةٌ على الكسرِ
كَقَطَام(٥)، وذكرَ ابنُ بظَّالٍ (٦): أنَّه وردَ في حديثٍ: ((أَنَّه كان قيمتُه اثني (٧) عشرَ درهمًا)).
■ التاسعةُ: فيه اعتناءُ الإمام، والأميرِ بحفظِ حُقوقِ المُسلمينَ، وإِنْ (٨)
قلَّت، وإقامتُه بالرَّكبِ؛ لتحصيلِ [٧٦/١ظ] ضائعٍ، ولحاقِ مُنقطعٍ، ودفنٍ مِيِّتٍ،
ونحوِ ذلك من مصالحِ الرَّعيَّةِ.
· العاشرةُ: قال المُهلَّبُ بنُ أبي صُفرةَ: فيه النهيُ عن إضاعةِ المالِ(٩).
] الحادية عشرَ: فيه جوازُ سُلوكِ الطريقِ(١٠) التي ليس فيها ماءٌ؛ قالَه
ابنُ عبدِ البرِّ(١١). وهو مُسلَّمٌ، فيما إذا(١٢) لم يَكنْ فيها ماءٌ للطّهارةِ؛ لجوازٍ
رُجوعِه إلى بدلِه، وهو التيمُّمُ، أما إذا لم يكنْ فيها ماءٌ مُطلقًا، لا لشربٍ، ولا
غيرِه(١٣)، ولم يَحملْ معَه ماءً لذلكَ، فيُحتملُ أن يُقالَ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه ألفَى
بنفسِه إلى التهلكةٍ؛ ويُحتملُ (١٤أن يُقالَ: بالجواز١٤ِ)؛ لجوازِ إرسالِ المطرِ وغيرِه
ماءً يَكفيه لشربِهِ. واللهُ أعلمُ.
■ الثانيةَ عشرَ: فيه جوازُ الإقامةِ في موضع لا ماءَ فيه، وإنِ احتاجَ إلى
التيمُّم.
(١) ينظر: المفهم (٦١١/١).
(٢) في (ح): (لكونه)).
(٣) في (ح): ((حِمَيَر))، وفي (ك): ((بحِمَيَر)).
(٤)
ينظر: معجم البلدان (٤ / ٦٠).
(٥) في (م): ((كعظام)).
شرح البخاري (٤٦٨/١). وينظر: فتح البخاري (١/ ٤٣٣).
(٦)
(٨) في (ك): ((فإنّ).
(٧)
في (م): «اثنا)».
(٩) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٤٦٨/١).
(١١) التمهيد (٢٨٠/١٩).
(١٠) ليس في: (ك).
(١٢) ليس في الأصل، (م).
(١٤ - ١٤) في (ك): ((بالجواب)).
(١٣) في (ح، م): ((لغيره)).

=
٤٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الثالثةَ عشرَ: فيه شكوى المرأةِ إلى أبيها (١)، وإن كان لها زوجٌ.
■ الرابعةَ عشرَ: فيه نسبةُ الفعلِ إلى مَن كان سببًا فيه؛ من قولِهِم
(٩٧/٢م): ((أقامت برسولِ اللهِ وَ ﴿ وبالناسٍ))؛ أي: إنَّ إضاعتَها للعقدِ كان سببًا
لذلك فُنُسِبَ إليها(٢)، كقوله: ((لعنَ اللهُ الرجلَ يَسبُّ والدِيه)(٣)، وفسَّرَه: ((بأنَّه
يَسبُّ أبا الرجلِ؛ فَيَسبُّ أباه، ويسبُّ أُمَّه؛ فيستُّ أُمَّه)).
■ الخامسةَ عشرَ: فيه جوازُ دخولِ الرجلِ على ابنتِهِ المُتزوِّجةِ، وإن كان
زوجُها عندَها، إذا لم يَكنْ مُختليًا بها لحاجتِهِ، وهو كذلك.
■ السادسةَ عشرَ: فيه تأديبُ الرجلِ ولدَه بالقولِ، والفعلِ، والضربِ،
وإن كان بالغًا، أو (٤) امرأةً كبيرةً مُتزوِّجةً، وهو كذلكَ.
■ السابعةَ عشرَ: قولُها: ((وجعلَ يَطعُنُ))، هو بضمِّ العينِ، وكذلك جمیعُ
ما هو طعنٌ حسِّيٍّ؛ كالطعنِ بالرُّمحِ، وأمَّا الطّعنُ المعنويُّ؛ كالطَّعنِ في النسبِ
ونحوِه، فهو يَطْعَنُ بفتحِ العينِ، هذا هو المشهورُ فيهما، وقيلَ: هي لُغتانِ في كُلِّ
من الأمرينِ. والخاصرةُ في الجنبِ، وهو المكانُ الدَّاخلُ الخالِي من العَظْمِ(٥)
بينَ الأضلاعِ وبينَ عظمِ الوسطِ.
■ الثامنةَ عشرَ: فيه أنَّه لا بأسَ أن يَنامَ الرجلُ على فَخِذِ امرأتِه، ولكن
هل هو من بابِ الاستمتاعِ، فيكونُ حقًّا للرَّجلِ، تُجبرُ عليه المرأة، كسائرٍ وُجُوهِ
الاستمتاعاتِ، أو هو من بابِ الاستخدام، [فلا تُجبرُ عليه المرأةُ، بل هي مُخيَّرةٌ
في ذلك؟.
الظاهرُ أنَّه من باب(٦) الاستخدامِ](٧).
(١) في (ك، م): ((ابنها))!
(٢) في (ك): ((إلينا)).
(٣) البخاري (٥٩٧٣)، مسلم (١٤٦/٩٠) بلفظ: ((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ
وَالِدَيْهِ ... )).
(٤) ليس في: (ح).
(٦) ليس في: (م).
(٥) في (م): ((العظام)).
(٧) ليس في الأصل.

بابُ التيمُّمِ
٤٤٣
■ التاسعةَ عشرَ: فيه استحبابُ الصبرِ والثَّباتِ عن الحركةِ لمن نالَه ما
يَقتضِي حركتَه، إذا كان تحريكُه يَحصلُ به التشويشُ لغيرِهِ من نائم، أو مُصلِّ، أو
مُشتغلٍ بعلم؛ لأنَّ عائشةَ رَّ منعَها من التحرُّكِ؛ خشيةَ استيقاظِ رَسولِ اللهِ لَّهِ .
■ الفائدةُ العشرونَ: فيه أنَّه لا يَنبغِي إيقاظُ النائم من نومِه؛ لما فيه من
التشويشِ عليه؛ لأنَّه إذا احتملَ الأَذَى، فامتنعَ عن التحرُّكِ خوفَ استيقاظِهِ، فأولَى
أن يُباشِرَ استيقاظُه، وهو كذلكَ، ما لم يكنْ قد ضاقَ وقتُ الصلاةِ في حقِّ آحادِ
الأمَّةِ(١)، فإنَّه يُنبِّهُه مَن حضرَ، كما قالَه النوويُّ في ((شرحٍ مُسلم))(٢).
أما النبيُّ ◌ََّ، فلا يُوقظُ بحالٍ؛ لقولِه في حديثٍ أبي قتادةَ الصحيحِ، عندَ
مسلم (٣): ((فإذا كنتُ نائمًا فلا تُوقظونِي)) الحديثَ، وذلكَ واللهُ تعالى أعلمُ؛
لأنَّه(٤) (٥رُبَّما كان٥) يُوحَى إليه في نومِه، فيقطعُ الإيقاظُ ذلك، بخلافٍ غيرِه (٦).
الحاديةُ والعشرونَ: في قولِها: «فنامَ حتى أصبحَ)»، أنَّه لا ضيرَ ولا
مُبالاةَ في النومِ إلى وقتِ الصُّبحِ وتركِ التهجّدِ من اللَّيلِ، إذا كان ذلك عن غلبةٍ
نومٍ؛ خصوصًا في السَّفرِ الذي خُفِّفت فيه الفرائضُ بالقصرِ، ولذلك قال ابنُ عمَرَ:
(لو كنتُ مُسبِّحًا - أي: مُتطوِّعًا - لأتممتُ صلاتِي))(٧). فأمَّا قولُه ◌َيْ (٨ في
الحديثِ الصحيح(٨): في رجلٍ نامَ حتى أصبحَ: ((ذاك(٩) بالَ (٩٨/٢م) الشيطانُ في
أُذَنِه))(١٠)، فهو محمولٌ على مَن قصدَ ذلك، وأمكنَه أن يَقومَ من (١١) اللَّيلِ، فترَكَ
ذلك(١٢) تكاسلًا، كما قال لعبدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ (١٣) في الحديثِ الصحيحِ: ((لا تكنْ
في (ك): ((الأئمة)).
(١)
(٢) شرح صحيح مسلم (١٩٠/٥).
(٣)
مسلم (٣١٢/٦٨٢) من فعل أبي قتادة، وفيه من حديث عمران بن حصين (٦٨٢) بلفظ:
((وكنا لا نوقظ نبي الله ◌َّر من منامه إذا نام حتى يستيقظ)).
(٤)
ليس في: (ك).
(٥ - ٥) في (ح): ((كان ربما)).
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٩٠/٥).
(٦)
(٧)
مسلم (٨/٦٨٩).
(٨ - ٨) ليس في: (ح).
(٩) في الأصل، (م): ((ذلك)). وفي مصادر التخريج: ((ذاك رجل)).
(١٠) البخاري (١١٤٤)، مسلم (٢٠٥/٧٧٤). (١١) ليس في: (ك).
(١٢) في (ك): ((قيام الليل)).
(١٣) في النسخ: ((بن عمر)). والمثبت هو الصواب.

=
٤٤٤
كم
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مثلَ فُلانٍ؛ كان يَقومُ اللَّيل(١)، فترَكَ قيامَ اللَّيْلِ))(٢)، ويُحتملُ أن يَكونَ قولُه في
هذا الحديثِ: ((حتَّى أصبحَ)). ليس لبيانِ غايةِ النومِ إلى الصباحِ، بل لبيانِ غايةٍ
فقدِ الماءِ إلى الصباحِ؛ لأنَّه لم يُطلقْ قولَه: ((حتَّى أصبحَ)). بل قيَّدَه بقوله: ((حتى
أصبحَ على غيرِ ماءٍ))؛ أي: [حتى آلَ أمرُه أن أصبحَ [٧٧/١و] على غيرِ ماءٍ] (٣)؛
لأنَّ إثباتَ الفعلِ على وصفٍ أو حالٍ دُونَ الإثباتِ المُطلقِ.
ا الثانيةُ والعشرونَ: قولُ عائشةَ: ((فأنزلَ اللهُ آيَةَ التيمُّم))، هل المرادُ آيَةُ
المائدةِ، أو آيةُ النِّساءِ؟ جوَّزَ ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيدِ» (٤) كُلَّا من الأمرينِ،
فقال: وهي آيةُ الوضوءِ المذكورةُ في سورةٍ(٥) المائدةِ، أو الآيةُ التي في سورةِ
النساءِ، قال: ليس التيمُمُ مذكورًا في غيرِ هاتينِ الآيتين، إلى آخرِ كلامِه.
وإنَّما تردَّدَ ابنُ عبدِ البرِّ في المُرادِ من الآيتين(٦)؛ لأنَّه ليس في روايةِ مالكٍ
تَعيينُ إحداهما(٧)، والصوابُ: أنَّ المرادَ آيةُ المائدةِ؛ كما ثبَتَ ذلك في «صحيحٍ
البخاريِّ)»(٨) من روايةِ عمرو بنِ الحارثِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، فقال
فيها: ((فنزَلت: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ الآيةَ [المائدة: ٦]،
فتعيَّنَ أنَّ المُرادَ آيَةُ المائدةِ.
■ الثالثةُ والعشرونَ: فإن قيلَ: ليس في القرآنِ ذكرُ الوضوءِ والطَّهورِ إلَّا
في هاتينِ الآيتينِ اللَّتينِ(٩) ذُكرَ فيهما التيتُّمُ، ففِي أيِّ موضعٍ ذُكرَ الوضوءُ قبلَ
التيمُّم، حتى إنَّهم أُمروا (١٠) بالتيمم(١١) عندَ عدمِ الماءِ؟.
و(١٢) أجابَ ابنُ عبدِ البرّ (١٣): بأنَّ فرضَ الوضوءِ والغسلِ كان واجبًا عليهم
بعدها في الأصل، (م): ((من الليل)). والمثبت موافق للمصادر.
(١)
البخاري (١١٥٢)، مسلم (١٨٥/١١٥٩).
(٢)
ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٣)
(٥)
في (ح): «آية)).
في (ك): ((أحدهما)).
(٧)
(٩) في (ك): ((التي).
(١١) في الأصل، (م): ((بالوضوء))!
(١٣) التمهيد (٢٧٩/١٩).
(٤) التمهيد (٢٧٩/١٩).
(٦) في (م): ((الاثنين)).
(٨) البخاري (٤٦٠٨).
(١٠) في (ك): ((أمرونا)).
(١٢) ليس في: (ح).

=
٤٤٥
بابُ التيمُّمِ
قبلَ ذلك، معلومًا عندَهم، قال: وإنَّما نزَلت ليكونَ فرضُها المُتقدِّمُ متلوًّا في
التنزيلٍ، قال: وفي قولِه: ((و(١) ليسوا على ماءٍ، وليس معَهم ماءٌ)): دليلٌ على أنَّ
الوضوءَ قد (٢) كان لازمًا لهم قبلَ نزولِ آيَةِ الوضوءِ، وأنَّهم لم يكونوا يُصلُّونَ إِلَّا
بوضوءٍ قبلَ نُزولِ الآيةِ؛ لأنَّ قوله: «فأنزل اللهُ آيَةَ التيمُّم)»، وهي آيةُ الوضوءِ
المذكورةُ في سورة المائدةِ، أو الآيةُ التي (٣) في سورةِ النساءِ، ليس التيمُّمُ مذكورًا
في غير هاتينِ الآيتينِ، وهما مدنيَّتَانٍ، والآيةُ ليست بالكلمةِ ولا الكلمتينِ، وإنَّما
هي الكلامُ المُجتمعُ الدَّالُ على الإعجازِ الجامعِ؛ لمعنًى مُستفادٍ قائمٍ بنفسِه،
ومعلومٌ أنَّ غُسلَ الجنابةِ لم يُفترضْ قبلَ الوضوءِ، كما هو معلومٌ عندَ جميعِ أهلٍ
السِّيرِ: أنَّ النبيَّ وَّهِ منذُ افتُرِضَت عليه الصلاةُ بمكَّةَ لم يُصلِّ(٤) إلَّا بوضوءٍ (٢/
٩٩م) مثلَ وُضوئِنا اليومَ، وهذا ما لا يَجهلُه عالمٌ ولا يَدفعُه إلَّا مُعاندٌ.
قال(٥): وفي قولِه: ((فنزلَت آيةُ التيمُّم))، ولم يقلْ آيَةً الوضوءِ، ما يُبيِّنُ(٦) أنَّ
الذي طرَأ إليهم(٧) من العلمِ في ذلك الوقتِ حُكمُ التيمُّم، لا حُكمُ الوضوءِ. واللهُ
أعلمُ. انتَهَى.
ما ذكرَه عن أهلِ السِّيرِ ذكره ابنُ إسحاقَ بغيرِ إسنادٍ (٨). وقد وصلَه
الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ في ((مسندِه))(٩) من روايةِ ابنِ لهيعةَ، عن عُقيلِ بنِ خالدٍ،
عن الزُّهريِّ، عن عروةً، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن أبيه: زيدِ بنِ حارثةَ؛ أنَّ
رسولَ اللهِ وَّ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إليه أتاه جبريلُ، عليه الصلاة السلامُ، فعلَّمَه
الوضوءَ، فلمَّا فرغَ من الوضوءِ: ((أخذَ غُرفةً من ماءٍ فنضحَ بها فرجَه)).
(١) ليس في: الأصل، (م).
(٢) ليس في: (ك).
(٣) في (ح، م): ((المذكورة))، والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(٤)
في (ك): ((يصلي)). وهي لغة.
(٥) ليس في: (ك).
(٦)
ليس في: (ح). وفي مصدر التخريج: (يتبين به)).
(٧)
في الأصل، (م): ((لهم)).
سيرة ابن هشام (٢٤٤/١)، وينظر: عيون الأثر لابن سيد الناس (١٢١/١).
(٨)
(٩) مسند الحارث (٧٢ - بغية).

==
٤٤٦
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والحديثُ عندَ ابنِ ماجَه (١)، لكن دونَ قولِه: إنَّ(٢) ذلك كان في أوَّلِ ما أُوحِيَ
إليه. واللهُ أعلمُ.
■ الرابعةُ والعشرونَ: وقولُها: ((فأنزلَ اللهُ آيَةَ التيمُّم، فتيمَّموا)»، فهل
قولُها: فتيمَّموا، خبرٌ عن الصحابةِ أنَّه لمَّا نزلَتِ الآيةُ تيمَّموا، أو هو بيانٌ لآيةٍ
التيمُّم، وحكايةٌ لبعضِها؛ أرادت قوله تعالَى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣،
المائدة: ٦]؟ .
يَحتملِ كُلَّ من الأمرينِ.
■ الخامسةُ والعشرونَ: الآيةُ دالَّةٌ على وُجوبِ النِّيَّةِ في التيمُمِ، كما
قاله بعضُهم؛ لأنَّ(٣) التيمُّمَ القصدُ. وفيه حُجَّةٌ على الأوزاعيِّ، حيثُ لم يُوجبِ
النِّيَّةَ في التيمُّم، وأوجَبها(٤) الأئمّةُ الأربعةُ(٥)، وقد تقدَّمَ ذلك في حديثٍ:
((الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)(٦).
■ السادسةُ والعشرونَ: استدلَّ بالآيةِ على أنَّه يَجبُ نقلُ التُّرابِ إلى
الوجهِ واليدينِ، وأنَّه لا يَكفِي أن يَقفَ في (٧ مهبِّ الرِّيح٧)، وينوِي فَيُسفِي الرِّيحُ
التُّرابَ على وجهِه ويديه، بخلافِ الوضوءِ والغسلِ؛ فإنَّه لو وقفَ في المطرِ، أو
تحتَ مِيزابٍ، ونحوِهِ، ونوَى(٨)، حصلَ الوضوءُ والغسلُ؛ وفي الاستدلالِ بالآيةِ
نظرٌ، ولقائلِ أن يَقولَ: مَن تعرَّضَ [٧٧/١ظ] لهبوبِ التُّرابِ على (٩) أعضاءِ التيمُّمِ
مع القصدِ، فقد قصدَ الصَّعيدَ الطَّيِّبَ، وذهبَ(١٠) المالكيَّةُ (١١): إلى وُجوبِ نقلٍ
الماءِ إلى الوجهِ في الوضوءِ دُونَ بقيَّةِ الأعضاءِ، وهو تحُمٌ.
(١) ابن ماجه (٤٩٢).
(٢) في (ح): ((في)).
في الأصل: «بأنّ)، وفي (م): ((أنّ)).
(٣)
(٥) ينظر: الإشراف (٢٦٩/١).
(٦) تقدم الكلام عليه في الحديث الأول من الكتاب.
(٧ - ٧) ليس في: (ك).
(٩) ليس في: (ك).
(٨) ليس في: (ح).
(١٠) في (ح): ((ذهبت)).
(١١) البيان والتحصيل (١٧١/١)، جامع الأمهات (ص٨).
(٤) فى (ك): ((فأوجبها)).

بابُ التيمُّمِ
٤٤٧
=
] السابعةُ والعشرونَ: دَلَّتِ الآيةُ على تعيُّنِ الصَّعيدِ الطَّيِّبِ(١) للتَّهُم،
وقد اختلفوا في المرادِ بالصعيدِ؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ، والثَّوريُّ،
ومحمدُ بنُ جريرِ الطَّبريُّ: الصَّعيدُ وجهُ الأرضِ، وقالوا: الصَّعيدُ (٢كُلُّ ما٢) صعِدَ
على وجهِ الأرضِ من تُرابٍ، وحجرٍ، ورملٍ، وحصًا، ونُورةٍ، وزِرْنيخِ، وجصٍّ،
ورُخام. واحتجُّوا بقولِه تعالَى: ﴿فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، وبقولِه تعالَى:
﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا (٣)﴾ [الكهف: ٨]، (١٠٠/٢م) قالوا: وهي
الأرضُ الغليظةُ التي لا تُنْبتُ شيئًا(٣).
وذهبَ أكثرُ الفقهاءِ، ومنهم الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، وأحمدُ، وإسحاقُ،
وابنُ المُنذرِ (٤)، وداودُ الظاهريُّ(٥) إلى أنَّ الصَّعيدَ هو التُّرابُ فقط، دُونَ سائرٍ
أجزاءٍ(٦) الأرضِ، ورُويَ ذلك عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: «الصَّعيدُ الحرثُ، حرثُ
الأرضِ))، رواه البيهقيُّ في ((سُنِه))(٧)، ويدلُّ له أيضًا حديثُ حُذيفةَ عندَ مسلمٍ:
((وجُعلتْ تُربتُها لنا طهورًا)) (٨) وفي روايةٍ للبيهقيّ(٩): ((تُرابُها))، وسيأتي بعدَ هذا
في الحديثِ الذي يَليه إن شاء اللهُ تعالَى.
] الثامنةُ والعشرونَ: لم يَقعْ في حديثِ عائشةَ هذا كيفيَّةُ التيمُّم، وقد
ذكرَه عمَّارُ بنُ ياسرٍ في روايتِه لهذه القصةِ، كما رواه أبو داود والنسائيُّ (١٠) من
روايةٍ (١١) ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن عمَّارِ بنِ
ياسرٍ: ((أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ عَرَّسَ بأولاتِ الجيشِ ومعَه عائشةُ؛ فانقطعَ عِقدٌ لها من
(١) ليس في: (ح).
(٢ - ٢) في (ت، ح): ((كلما)).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٤٨/١٥)، والإشراف (٢٧٠/١، ٢٧١).
ذهب ابن المنذر إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه، ينظر: الإشراف (٢٧١/١).
(٤)
(٥)
ينظر: الإشراف (٢٧١/١)، المغني (٣٢٤/١).
(٦)
في (ك): ((آخر)).
(٧) السنن الكبرى (٢١٤/١).
(٨)
مسلم (٤/٥٢٢).
(٩) في (ك، ح): ((البيهقي))، وسيأتي تخريجه في الفائدة السادسة من الحديث الآتي.
(١٠) أبو داود (٣٢٠)، والنسائي (٣١٣).
(١١) ليس في: (ك).

=
٤٤٨
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
جَزْعٍ ظَفَارٍ فحُبسَ(١) الناسُ، ابتغاءَ عِقْدِها ذلك(٢) حتى أضاءَ الفجرُ، وليس مع
الناسِ ماءٌ، فتغيَّظَ عليها أبو بكرٍ، وقال: حبستِ الناسَ، وليس معَهم ماءٌ !.
فأنزلَ اللهُ تعالَى ذِكرُه على رسولِ اللهِ وَلَهَ رُخصةَ التطهُّرِ (٣) بالصَّعيدِ الطَّيِّبِ، فقامَ
المسلمونَ مع رسولِ اللهِ وَّهِ، فضربوا بأيديهم إلى الأرضِ، ثمَّ رفَعوا أيديهم،
ولم يَقْبِضُوا من التُّرابِ شيئًا، فمسَحوا بها وُجوهَهم وأيديَهم إلى المناكبِ، ومن
بُطونِ أيديهم إلى الآباطِ)).
قال أبو داودَ: وكذلك رواه ابنُ إسحاقَ، وذكرَ ضربتينٍ، كما ذكرَ يونسُ، ورواه
معمرٌ عن الزُّهريِّ: ضربتينٍ، قال: ولم يَذكرْ أحدٌ منهم ضربتينٍ، إلا (٤) مَن سمَّيتُ.
قلتُ: وهكذا ذكَر فيه(٥) أيضًا ضربتينٍ ابنُ أبي ذئبٍ(٦)، إلَّا أنَّ
ابنَ أبي ذئبٍ(٧) ويونسَ ومعمرًا (٨)؛ لم يَذكروا فيه ابنَ عبَّاسٍ، كما ذكرَه صالحٌ
وابنُ عبَّاسٍ(٩)، ولم يَقولوا: عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ عن أبيه، كما قال مالكٌ،
وإنَّما جعَلوه من روايةِ عُبيدِ اللهِ، عن(١٠) عمَّارٍ. انتهى.
فاحتجَّ الأكثرونَ بهذا: على وُجوبٍ ضربتينٍ، ضربةٍ للوجهِ، وضربةٍ لليدينِ،
وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ، واللَّيثِ، وأبي حنيفةَ، ومالكِ، والشافعيِّ، وبه قال منَ
الصحابةِ؛ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عمرَ، ومنَ التابعينَ؛ سالِمُ بنُ عبدِ الله،
والشَّعبيُّ، والحسنُ البصريُّ(١١).
وقال أكثرُ أهلِ الحديثِ: الواجبُ ضربةٌ واحدةٌ لهما، وهو قولُ الأوزاعيِّ،
وأحمدَ، وإسحاقَ، وابنِ المُنذرِ (١٢)؛ وتفرَّدَ ابنُ سيرينَ باشتراطِ ثلاثٍ ضرباتٍ،
ضربةٍ للوجهِ، وضربةٍ (٢/ ١٠١م) للكفَّينِ، وضربةٍ للذِّراعين؛ وتفرَّدَ الزُّهريُّ أيضًا
(١) في (ك): ((فجلس)).
(٣)
في (ك): ((التطهير)).
(٥)
ليس في: (ك).
في الأصل، (م): ((ذؤيب)).
(٧)
(٩) كذا في (م) والنسخ، ولا ندري ما وجهها.
(١٠) في (ك): ((بن)).
(١٢) الإشراف (٢٧٧/١).
(٢) ليس في: (ك).
(٤) في (م): ((إلى))!
(٦) في الأصل، (م): ((ذؤيب)).
(٨) في (ت، م): ((ومعمر)).
(١١) ينظر: الإشراف (٢٧٦/١).

بابُ التيمُّمِ
ـدى
٤٤٩
باشتراطِ بُلوغِ المنكبينِ بالمسحِ، لظاهرٍ حديثِ عمارٍ، وحكى الخطّبيُّ(١): اتِّفاقَ
العلماءِ على أنَّه لا يَلزمُ مسحُ ما وراءَ المرفقينِ، وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ الواجبَ
مسحُ الكفَّينِ فقط، وأنَّ ما زادَ إلى المرفقينِ سُنَّةٌ، وممَّن ذهبَ إلى أنَّ الفرضَ في
اليدينِ مسحُ الكفَّينِ فقط؛ أحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ جريرٍ، وداودَ.
قال(٢) ابنُ عبدِ البرِّ(٣): وهو أثبتُ ما رُويَ من ذلك في حديثُ عمَّارٍ،
وحديثُ عمَّارٍ في الضَّربتينِ كان في هذه القصَّةِ، حينَ(٤) نُزولِ آيَةِ التيمُم.
[٧٨/١و] وقد رواه عبدُ الرحمنِ بنُ أبزَى، عن أبيه، عن عمَّارٍ قال: ((سألتُ
رسولَ اللهِ نَّه عن التيمُّم؟ فأمرنِي ضربةً(٥) واحدةً في الوجهِ والكفَّينِ))(٦).
قال ابنُ عبدِ البرِّ: وسُؤالُه كان بعدَ ذلك(٧)، واستدلَّ على ذلك بقصَّةِ عمَّارٍ
في تمتُّكِه في التُّرابِ حينَ أجنبَ، وقولِ النبيِّ وَّهِ: ((كان يَكفيك التيقُمُ(٨) ضربةً
للوجهِ واليدينٍ)) (٩) .
قال ابنُ عبدِ البرِّ: وكُلُّ ما يُروَى في هذا عن عمَّارٍ فمُضطربٌ مُختلفٌ
فيه(١٠)، ولكنَّ الأكثرينَ على وُجوبِ دُخولِ المرفقينِ في التيقُمِ، وهو قولُ
الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، واللَّيثِ، وابنِ عبدِ الحكم، وإسماعيلَ
القاضِي؛ وشذَّ ابنُ أبي ليلَى والحسنُ بنُ حَيّ في اشتراطِهما أن يَمسحَ بكلٍّ من
الضربتينِ وجهَه وذراعَيه ومرفقَيه، وممَّا احتجَّ به الجمهورُ على بُلوغِ المرفقينِ في
التيقُّمِ ما رواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: ((أنَّه تيمَّمَ إلى المرفقينِ)). ورفعَه
بعضُ الرُّواةِ عن نافع، قال ابنُ عبدِ البرِّ(١١): لمَّا اختلفَتِ الآثارُ في كيفيَّةِ التيمُمِ
وتعارضت، كان الواجبُ في ذلك الرُّجوعَ إلى ظاهرِ الكتابِ، وهو يدلُّ على
(١) معالم السُّنن (٩٩/١).
(٣) التمهيد (٢٨٢/١٩).
(٥)
في (ح): ((بضربة)).
(٧) التمهيد (٢٨٦/١٩).
(٩) أحمد (٢٦٣/٤).
(١١) السابق.
(٢) في الأصل، (م): ((وقال)).
(٤) في (ك): ((حتى)).
(٦) أبو داود (٣٢٧)، والترمذي (١٤٤).
(٨) في (ح): ((للتيمم).
(١٠) التمهيد (٢٨٧/١٩).

٤٥٠
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ضربتينٍ، للوجهِ ضربةٌ، ولليدينِ أُخرَى إلى المرفقينِ قياسًا على الوضوءِ، واتّباعًا
الفعلِ ابنِ عمرَ، فإنَّه من(١) لا يُدفعُ علمُه بكتابِ الله، ولو ثبَتَ شيءٌ عن النبيِّي ◌ِّل
في ذلك وجَبَ(٢) الوقوفُ عندَه.
وقال في موضع آخرَ(٣): ومن فضلِ اللهِ ونعمتِه أنْ نصَّ على حُكم الوضوء
وهيئتِه بالماءِ، ثمَّ أخبَرَ بحكم التيمُّمِ عندَ عدمِ الماءِ. وقال أيضًا بعدَ ذلكَ(٤): لمَّا
قال اللهُ رَك في آيةِ الوضوءِ: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وأجمعوا
أنَّ ذلك ليس في غَسْلةٍ واحدةٍ، وأنَّ غسلَ الوجهِ غيرُ غسلِ اليدينِ، فلذلكَ(٥)
يَجبُّ أن تكونَ الضربةُ في التيقُّم للوجهِ غيرُ الضَّربةِ لليدينِ قياسًا، إلّا أن يَصحَّ
عن النبيِّ ◌َ ◌ّ خلاف ذلك، فيسلمُ له.
قال: وكذلك البلوغُ إلى المرفقينِ قياسًا على الوضوءِ، إن لم يَثبتْ خلافُه
عن النبيِّ لَ ه.
■ التاسعةُ (١٠٢/٢م) والعشرونَ: استدلَّ بآيَةِ التيمُّم التي في المائدةِ على
أنَّه يَجبُ التيُمُ لكلِّ صلاةٍ، وأنَّه لا يُصلِّي بتيمُّم واحدٍ أكثرَ من فريضةٍ واحدةٍ،
وذلكَ لأَنَّ اللّهَ تعالَى أوجبَ على المُكلَّفِ عندَ القيام إلى الصلاةِ أن يَتوضَّأ،
وأوجبَ التيمُّمَ عندَ العجزِ عن استعمالِ الماءِ وعندَ عدمِهِ، وذلكَ يَقتضِي وُجوبَ
الوضوءِ، أو (٦) التيمُّمِ عندَ عدم الوضوءِ(٧) لكلِّ صلاةٍ، و(٨ُخرجَ الوضوءُ(٨)
بالحديثِ الصحيح: ((أَنَّ النبيَّ وَّ صلَّى في(٩) يَومِ الفتحِ صلواتٍ(١٠) بوضوءٍ
واحدٍ))(١١). ولم يُنقلْ أنَّه صلَّى صلاتينِ بتيمُّمٍ واحدٍ، فبقيَ التيمُّمُ على الأصلِ
حتى يَدلَّ دليلٌ واضحٌّ على ذلك؛ وهو قولُ مالَكِ بنِ أنسٍ، والشافعيِّ في الجديدِ
(١) ليس في: (م).
(٢) في الأصل، (ت، م): ((لوجب)). والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(٤) التمهيد (٢٨٨/١٩).
(٣)
التمھید (١٩/ ٢٨٠).
(٥)
في (ح): ((فكذلك)). وهو الموافق لمصدر التخريج.
(٦) في (ح): ((و)).
(٨ - ٨) في (ك): ((خروج الوقت)).
(١٠) في (ك): ((الصلوات)).
(٧) في (ح): ((الماء)).
(٩) ليس في: (ك).
(١١) مسلم (٨٦/٢٧٧).

=
بابٌ التيمُّم
٤٥١٠
(١ وأكثرِ أهلِ العلم (١)(٢)، بل زادَ مالكٌ على هذا فقال: إنَّه لا يُصلِّي بتيمُم واحدٍ فريضةً
و(٣)نافلةً، إلَّ نافلَةً تكونُ(٣) بعدَها، فلو (٤) صلَّى بتيمُّمِه(٥) ركعتي الفجرِ أعادَ التيمُّمَ
للصُّبحِ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والثَّوريُّ، واللَّيثُ، وداودُ إلى أنَّه يُصلِّ بتيمُّمٍ واحدٍ ما
شاءَ من الفرائضِ والنَّوافلِ ما لم يُحدثْ أو يَجدْ فاقدُ الماءِ الماءَ. والله تعالى أعلمُ.
■ الفائدةُ الثلاثونَ: استدلَّ بالآيةِ أيضًا (٦) على أنَّه لا يَصحُّ التيمُّمُ
الفرضٍ إلَّا بعدَ دُخولٍ وقتِه، لقولِه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]،
واغتفرَ(٧) تجويزُ تقديم الوضوءِ على الوقتِ؛ لأنَّه لا يُبطلُه رُؤيةُ ما (٨) يَتوضَّأُ به،
بخلافِ التيمُّم؛ فإنَّ رُؤيةَ الماءِ تُبطلُه اتِّفاقًا (٩)، وإنَّما هو رُخصةٌ عندَ إرادةٍ
الصلاةِ، فلا يَتَقدَّمَ على (١٠) وقتِهِ، وما ذُكرَ من هذا الحكم مُجمعٌ عليه، كما
حكاه ابنُ عبدِ البِّ(١١)؛ أنَّه لا يَتَيمَّمُ لفريضةٍ قبلَ دُخولٍ وقتِها، وهذا ممَّا احتجَّ به
على أنَّه لا يُصلِّي بتيمُّم أكثرَ من فريضةٍ؛ لأنَّه إذا صلَّى به فريضةً، ثمَّ(١٢) دخلَ
وقتُّ فريضةٍ، فإنَّ تيمُّمَّه مُتقدِّمٌ عليها، ولا يَردُ جمعُ الصلاةِ في السَّفرِ كونٌ
الفريضتينِ (١٣) تُصلَّيانِ في وقتٍ واحدٍ، فهذا وقتُ الضَّرورةِ (١٤)، وليس [٧٨/١ظ]
بوقتٍ أصليٍّ لإحدَى الصلاتينِ.
نَعَمْ، التيمُّمُ للحاضرةِ وللفائتةِ لا يَصُّ، مع كونِ الوقتِ لكلٍّ منهما، إلَّا أن
يُقالَ: ليس هو وقتًا أصليًّا للفائتةِ. والله تعالى أعلمُ.
■ الحاديةُ والثَّلاثونَ: استدلَّ بعضُ المالكيَّةِ بهذا الحديثِ على أنَّ مَن
عدِمَ الماءَ والتُّرابَ حتى خرجَ الوقتُ أنَّه لا يُصلِّي، ولا إعادةَ عليه،
(١ - ١) ليس في: (ك).
(٣ - ٣) في (ك): ((تأوله بكونه)).
(٥) في (ك): ((بتيمم)).
(٧) في (ك): ((فاغتفر)).
(٩) ينظر: الإجماع لابن المنذر (ص٣٧، ٣٦).
(١٠) في الأصل، (م): ((عن)).
(١٢) ليس في: (ك).
(١٤) في (ك): ((ضرورة)).
(٢) ينظر: الإشراف (٢٧٩/١).
(٤) في (ك): ((ولو)).
(٦) ليس في: (ك).
(٨) في الأصل، (م): ((ماء).
(١١) التمهيد (٢٩٥/١٩).
(١٣) في (ح): ((الفرضين)).

=
عدى
٤٥٢
طرح التثريب في شَرّحِ التَّقْرِيبِ
وقال ابنُ خُويزٍ(١) مَنْدادٍ: إنَّه الصحيحُ من مذهبٍ مالكٍ، قال ابنُ عبدِ البرِّ(٢): ما
أعرفُ كيفَ أقدمَ على أن جعلَ(٣) هذا هو الصحيحَ من المذهبِ، مع خلافِه
جمهورَ السَّلفِ (١٠٣/٢م)، وعامَّةَ الفقهاءِ وجماعةَ المالكيَّين (٤)؟!
قال: وأظُّه ذهبَ إلى ظاهرِ قولِه: ((وليسوا على ماءٍ، فنامَ(٥) رسولُ اللهِ وَليه
حتى أصبحَ، وهم(٦) على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ اللهُ تعالى آيةَ التيمُّم))، ولم يَذكروا(٧)
أنَّهم صلَّوا. قال: وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم(٨) يَذكروا(٩) أنَّهم لم يُصلُّوا، قال:
وقد ذكرَ هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في هذا الحديثِ: ((أنَّهم صلَّوا بغيرِ
وُضوءٍ»، ولم يَذكر(١٠) إعادة.
وفي المسألةِ أربعةُ أقوالٍ أُخرُ، (١١ وهي أقوال١١ٌ) للشافعيِّ أيضًا: أصحُها
عندَ أصحابِه: وُجوبُ الصلاةِ لحرمةِ الوقتِ، ووجوبُ الإعادةِ إذا قدَرَ على
أحدِهما ممَّا يُسقطُ عنه القضاءَ. والثاني: أنَّها لا تجبُ في الوقتِ، ولكن تُستحبُّ
ويجبُ القضاءُ سواءٌ صلَّى أو لم يُصلِّ. والثالثُ: تحرمُ الصلاةُ، لقولِهِ وَّ: ((لا
يَقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ طهورٍ))(١٢)، وتجبُ الإعادةُ. والرابعُ: تجبُ الصلاةُ، ولا
تجبُّ الإعادةُ، وهو اختيارُ المُزنيِّ، قال أبو ثورٍ: وهو القياسُ. وحكاه ابنُ
عبدِ البرِّ عن طائفةٍ من الفقهاءِ، وقال النوويُ(١٣): إنَّه أقوَى الأقوالِ دليلًا، قال:
ويُعضِّدُه هذا الحديثُ؛ أي: الرِّوايةُ التي فيها: ((أنَّهم(١٤) صلَّوا بغيرِ وُضوءٍ قبلَ
نُزولِ التيمُّمِ))، ولم يُنقلْ أنَّه(١٥) أمَرهم بالإعادةِ، وإنَّما يَجبُ القضاءُ بأمرٍ جديدٍ،
(١) في (ح): ((خوز)). وأشار في حاشية (م) أنها في نسخة: ((خوزان بنداد))، وفي نسخة:
«خوار بنذاذ)).
(٢) التمهيد (٢٧٥/١٩).
في الأصل، (م): ((المالكية)»، والمثبت موافق لمصدر التخريج.
(٤)
(٥) في (ك): ((قیام)).
(٧) في (ك، ح): (يذكر).
(٩) في (ك، ح): ((یذکر)).
(١١) ليس في: (ك).
(١٣) شرح صحيح مسلم (٦٠/٤).
(١٥) في (م): ((أنهم)).
(٣) في (ك): ((أجعل)).
(٦) في (ك): ((وهو)).
(٨) ليس في الأصل.
(١٠) في الأصل، (م): ((يذكروا)).
(١٢) مسلم (٢٢٤).
(١٤) في (ك): ((لأنهم)).

بابُ التيمُّمِ
كمـ
٤٥٣
قال: وللقائلينَ بوجوبِ الإعادةِ أن يُجيبوا بأنَّ الإعادةَ ليست على الفورِ، ويجوزُ
التأخيرُ إلى وقتِ الحاجةِ.
! الثانيةُ والثَّلاثونَ: استدلَّ بقولِه في الآيةِ: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا
فَأَطّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]، على أنَّ الجنبَ لا يَستبيحُ الصلاةَ بالتَّهُم، وكذلك في آيَةٍ
النساءِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِ سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [٤٣]، وإلى هذا ذهبَ عمرُ بنُ
الخطابِ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وحُكيَ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، فلم يَرَوا الجنبَ
داخلًا في المُرادِ بقولِه: ﴿وَإِن كُنتُم ◌َّرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]. قال
ابنُ عبدِ البرِّ(١): وذلكَ جائزٌ من التأويلِ في الآيةِ؛ لولا(٢) ما بيَّنَه رسولُ اللهِ وَل
في تيمُّمِ الجنبِ في حديثٍ عمرانَ بنِ حُصينٍ، وعمَّارِ بنِ ياسرٍ، وأبِي ذرٍّ.
قال(٣): وَلم يَتعلَّقْ بقولِ عمرَ وعبدِ اللهِ في هذه المسألةِ أحدٌ من فُقهاءِ الأمصارِ
من أهلِ الرأيٍ، وحملةُ الآثارِ لا يَختلفونَ في ذلك.
قال النوويُّ(٤): وقيلَ: إنَّ عمرَ وعبدَ اللهِ رجعًا عن ذلك. قال: وأجمعَ
أهلُ هذه الأعصارِ ومَن قبلَهم على جوازِه للجنبِ والحائضِ والنُّفساءِ، ولم
يُخالفْ فيه أحدٌ من الخلفِ.
قلتُ: وتأويلُ الآيةِ على ما ذهبَ إليه عمرُ وعبدُ اللهِ - ليس بلازمٍ ولا
واضح؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذكرَ غسلَ أعضاءِ الوضوءِ أيضًا، ثمَّ ذكرَ طهارةَ الجنبِ،
ثمَّ قالَ: ﴿وَإِن كُمْ قَرْضَ أَوْ عَلَى (١٠٤/٢م) سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، فسواءٌ فيه مَن عليه
الوضوءُ، ومَن عليه الغسلُ.
] الثالثةُ والثلاثونَ: دَلَّت آيةُ التيمُّم على(٥) أنَّه يكونُ عن الوضوءِ وعن
الجنابةِ أيضًا، كما ذُكرَ فمَن(٦) أباحَ التيمُّمَ عن النجاسةِ على البدنِ، وهو أحمدُ(٧)،
(١) التمهيد (٢٧٣/١٩).
(٣)
التمهيد (٢٧١/١٩).
شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٥٧).
(٤)
(٥)
لیس في: (ح).
(٧) المغني (٣٥١/١).
(٢) في (ح): ((أولًا)).
(٦) في (ك): ((فيمن)).

=
٤٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ليس له حُجَّةٌ (١ من الآية١)، ولم يَرد أيضًا في السُّنَّةِ ما يدلُّ على التيمُّمِ عن
النجاسةِ، وخالفَه الجمهورُ، وهم الأئمَّةُ الثلاثةُ وغيرُهم، في ذلك. وحكى
ابنُ المنذرِ(٢)، عن الثوريِّ، والأوزاعيِّ، وأبي ثورٍ: أنَّه يَمسحُ موضعَ النجاسةِ
بالتُّرابِ ويُصلِّي، وهذا ليس بتيمُّم. وكأنَّهم أخذوا ذلك من حديثٍ مسحِ النعلِ
من الأَذَى، وأجابَ الجمهورُ: بأنَّه ليس المرادُ بالأذَى النجاسةَ، وإنَّما المرادُ ما
يُستقذرُ، وعلى تقديرٍ أن تُرادَ(٣) النجاسةُ: فلا يَلزمُ من العفوِ في النعلِ والخفّ
العفوُ [٧٩/١و] في محلِّ آخرَ من البدنِ، واللهُ أعلمُ.
■ الرابعةُ والثَّلاثونَ: فيه فضيلةُ عائشةَ وبركتُها وتكرارُ ذلك، كما شهِدَ
به أُسيدُ بنُ الحُضَيرِ الذي شهِدَ الوحيَ والتنزيلَ بسببِها، وأنَّها ليست بأوَّلِ بركةٍ
لآلِ (٤) أبي بكرٍ، وفي رواية للبخاريِّ(٥): ((فقال أُسيدُ: لقد بارَكَ اللهُ للناسِ فيكم،
ما أنتم إلَّا بركةٌ لهم))(٦). وقال هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ((إنَّ أُسيدًا
قال: واللهِ(٧) ما نزلَ بكِ أمرٌ تكرهينَه إلَّا جعلَ اللهُ لكِ وللمسلمين فيه خيرًا))(٨)،
وعندَ مسلم(٩): ((إلَّا جعلَ اللهُ لك منه مخرجًا، وجعلَ للمسلمين فيه بركةً)).
وللطبرانيُّ(١٠): ((إنَّ أبا بكرٍ قال لها: واللهِ يا بُنيَّةُ إِنَّك لما علمتُ مباركةٌ)).
■ الخامسةُ والثَّلاثونَ: قولُ عائشةَ: ((فبعَثنا البعيرَ الذي كُنتُ علیه؛
فوجَدْنا العقدَ تحتَه)). وفي روايةٍ للبخاريِّ: ((فبعثَ رسولُ اللهِ وَلِّ رجلًا
فوجدَها))(١١). وفي روايةٍ لمسلم(١٢): ((فبعثَ ناسًا من أصحابِه في طلبِها)).
ولأبي داودَ(١٣): ((بعثَ أُسيدَ بنَ خُضیرٍ وأناسًا معَه)).
(١ - ١) ليس في: (ح).
(٣) في (ك، ح): ((يراد)).
(٥) في (ك): ((البخاري))، وهي في البخاري (٤٦٠٨).
(٦)
ليس في: (ك).
(٨)
البخاري (٣٣٦).
(٩) مسلم (١٠٩/٣٦٧).
(١٠) في (ك): ((قال الطبراني))، وفي (م): ((الطبراني)). وهو في المعجم الكبير (١٢١/٢٣) (١٥٩).
(١١) البخاري (٣٣٦).
(١٣) أبو داود (٣١٧).
(٢) الإشراف (٢٨٩/١).
(٤) في (ح): ((آل)).
(٧) في (ت، م): ((فوالله)).
(١٢) مسلم (١٠٩/٣٦٧).