النص المفهرس

صفحات 441-460

=
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
٣٣٥
النهيُ عن البولِ في الماءِ الراكدِ مردودٌ إلى الأصولِ، فإن كان الماءُ كثيرًا، فالنَّهيُّ
عن ذلك على وجهِ التنزُّهِ، وإن كان قليلًا، فالنَّهيُّ على الوجوبِ.
وقال النوويُ(١): وهذا النهيُّ في بعضِ المياهِ للتَّحريمِ، وفي بعضِها
للكراهةِ، ويُؤخذُ ذلك من حُكم المسألةِ، فإن كان الماءُ كثيرًا جاريًا لم يَحرمِ
البولُ فيه لمفهوم الحديثِ، ولكنَّ الأولَى اجتنابُه، وإن كان قليلًا جاريًا، فقد قال
جماعةٌ من أصحابِنا: يُكرَهُ، والمُختارُ أنَّه يَحرمُ؛ لأنَّه يُقذِّرُه وينجِّسُه على
المشهورِ من مذهبٍ الشافعيِّ وغيرِهِ، ويَغُرُّ غيرَه فيستعملُه مع أنَّه نجسٌ، وإن كان
الماءُ كثيرًا(٢) راكدًا: فقال أصحابُنا " يُكرَه ولا (٣٥/٢م) يَحرُمُ، ولو قيلَ: يَحرُمُ
لم يكنْ بعيدًا، فإنَّ النهيَ يَقتضِي التحريمَ على المُختارِ عندَ المُحقِّقينَ والأكثرينَ
من أهلِ الأصولِ.
وفيه منَ المعنَى أَنَّه(٣) يُقدِّرُه، ورُبَّما أدَّى إلى تنجيسِه بالإجماع لتغيُّرِهِ، أو
إلى تنجيسِه عندَ أبي حنيفةَ ومَن وافقَه؛ في أنَّ الغديرَ الذي يَتحرَّكُ طرقُه (٤ بتحريكِ
الطَّرف٤ِ) الآخرِ يَنجَسُ بوقوع نجاسةٍ فيه، وأمَّا الراكدُ القليلُ، فقد أطلقَ جماعةٌ
من أصحابِنا أنَّه مكرُوهٌ، والصَّوابُ المُختارُ: أنَّه يَحرمُ البولُ فيه؛ لأنَّه يُنجِّسُه
ويُتلفُ مالِيَّتَه، ويَغُرُّ غيرَه باستعمالِهِ، واللهُ أعلمُ.
قال: وإذا اغتسلَ فيه من الجنابةِ فهل يَصيرُ مُستعملًا؟ فيه تفصيلٌ معروفٌ
عندَ أصحابِنا، وهو أنَّه(٥) إن كان الماءُ قُلَّتينِ فصاعدًا لم يَصرْ مُستعملًا، وأمَّا إذا
كان دُونَ القَلَّتينِ، فإنِ انغمسَ فيه الجنبُ بغيرِ نيَّةٍ، ثمَّ لمَّا صارَ تحتَ الماءِ نوَى
ارتفعت جنابتُه وصارَ الماءُ مُستعملًا، وإن نزلَ فيه إلى رُكبتيه مثلًا، ثمَّ نوَى قبلَ
انغماسِ باقِيه، صارَ الماءُ في الحالِ مُستعملًا بالنّسبةِ إلى غيرِهِ، وارتفعتِ الجنابةُ
(١) شرح مسلم (١٨٧/٣ - ١٨٨).
(٢) إلى هنا ينتهي الخرم الذي في النسخة (ك)، والذي بدأ في أثناء الفائدة الثامنة والأربعين
من الحديث السابق.
ليست في: (ك).
(٣)
ليست في: (ك).
(٥)
(٤ - ٤) في (ك): ((يتحرك طرفه)).

=
ـحم
٣٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن ذلك القدرِ المُنغمسِ بلا خلافٍ، وارتفعت أيضًا عن الباقِي إذا تمَّمَ انغماسَه
من غيرِ انفصالٍ، على المذهبِ الصحيحِ المُختارِ المنصوصِ المشهورِ، فلو
انفصلَ ثمَّ عادَ إليه(١) لم يُجزِئه(٢) ما يَغسلُه به بعدَ ذلك بلا خلافٍ. انتَهَى كلامُه
في ((شرحٍ مسلمٍ)).
وقولُه في الجارِي القليلِ: إنَّ البولَ(٣) يُنجِّسُه على المشهورِ من مذهبٍ
الشافعيِّ وغيرِه.
فما نقلَه عن غيرِ الشافعيِّ - ليس بجيِّدٍ، بل المشهورُ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ
أنَّه لا يَنجَسُ إلَّا بِالثَّغيُّرِ، بل القليلُ الراكدُ كذلكَ عندَ أكثرِ أهلِ العلم، كما حكاه
الشيخُ تقيُّ الدِّينِ ابنُ التيميَّةِ في بعضٍ مسائلِه التي سُئلَ عنها (٤).
■ الخامسةَ عشرَ: فَرَّقَ قومٌ من الشافعيَّةِ في البولِ والاغتسالِ في الماءِ
الراكدِ(٥) بينَ اللَّيلِ والنَّهارِ، وجعلوا الكراهةَ في اللَّيلِ أشدَّ، وذلكَ لما قيلَ: إنَّ
الماءَ باللَّيلِ للجنِّ، فلا يَنبغِي أن يُبالَ فيه ولا يُغتسلَ، خوفًا من آفةٍ تُصيبُه من
جهتهم، هكذا جزمَ به الرافعيُّ(٦).
وجزمَ ابنُ الرِّفعةِ في ((الكفاية))(٧) بكراهةِ البولِ في الماءِ الكثيرِ الجارِي في
اللَّيلِ، لما قيلَ: إنَّ الماءَ باللَّيلِ للجنِّ، وهو يُخالفُ(٨) ما ذكرَه النوويُّ(٩) من
إطلاقِ(١٠) كونِه خلافَ الأولَى(١١) فقط، واللهُ أعلمُ.
■ السادسةَ عشرَ: مفهومُ الحديثِ أنَّ الاغتسالَ بالماءِ الجارِي ليس
داخلًا في النهي، سواءٌ حملناه على التحريم أو الكراهةِ، وجزمَ (٢/ ٣٦م) النوويُّ
في ((شرحٍ مسلم))(١٢) بالكراهةِ، فقال: قال العلماءُ من أصحابِنا وغيرِهم: يُكرَه
(١) في (ك): ((عليه)).
(٣)
ليس في: (ح).
(٥)
ليست في: (ك).
كفاية النبيه شرح التنبيه.
(٧)
(٩) المجموع (١٠٨/٢، ١٠٩).
(١١) في (ك): ((الأول)).
(٢) في (م): ((يجزه).
(٤) الفتاوى الكبرى (٢١٤/١ - ٢٥٧).
(٦) الشرح الكبير (٤٦٤/١).
(٨) ليست في: (ح).
(١٠) في (ح): ((إطلاقه)).
(١٢) شرح مسلم (١٨٩/٣).

=
كم
٣٣٧
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
الاغتسالُ [٥٧/١و] في الماءِ الراكدِ قليلًا كان أو كثيرًا، وكذا يُكرَه الاغتسالُ في
العينِ الجاريةِ، قال الشافعيُّ، رحمهُ الله تعالَى، في ((البويطيّ))(١): أكرَهُ للجنبِ
أن يَغتسلَ في البئرِ مَعِينَةً كانت أو دائمةً، وفي الماءِ الراكدِ الذي لا يَجرِي،
انتَھَی .
وكأنَّ النوويَّ أخذَ كراهةً(٢) الاغتسالِ في العينِ الجاريةِ من نصِّ
الشافعيِّ تَخُّْ، وليس في نصِّه ما يقتضِي ذلك، والشافعيُّ لم يَذكرِ الجاريَ، وإنَّما
ذكرَ البئرَ المَعِيْنَةَ والدَّائمةَ؛ فالمَعِينَةُ هي التي تُمُّها عينٌ فيها، والدَّائمةُ هي التي
لا تمدُّها عينٌ، وليس في كلامِه تعرُّضٌ للجاريةِ، ومُقتضَى الحديثِ: أنَّ الجاريَ
لا بأسَ بالاغتسالِ فيه، خُصوصًا إن كانت عينًا كبيرةً، فلا وجهَ للكراهةِ، واللهُ
تعالى أعلمُ.
السابعةَ عشرَ: هل يَلحقُ بالنَّهي عن البولِ في الماءِ الراكدِ الاستنجاءُ
فيه، لما فيه من تقذيرِهِ، أو ليس الاستنجاءُ في حُكمِ البولِ؟
قال النوويُّ(٣): إن كان قليلًا فهو حرامٌ، وإن كان كثيرًا فليسَ بحرام، ولا
تظهرُ كراهتُه؛ لأنَّه ليس في معنَى البولِ ولا يُقاربُه، قال: ولو اجتنبَ الإنسانُ هذا
كان أحسنَ. انتَھَى.
فإن كان أرادَ الاستنجاءَ من البولِ فواضحٌ، وإن أرادَ الاستنجاءَ من الغائطِ
ففِي عدم الكراهةِ نظرٌ، خُصوصًا لمن لم يُخفِّفْه بالحجرِ، ومعَ الانتشارِ والكثرةِ،
فَرُبَّما كان أفحشَ من البولِ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الثامنةَ عشرَ: قال ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): اعلمْ أنَّ هذا الحديثَ لا بُدَّ من
إخراجِه عن ظاهرِه بالتَّخصيصِ(٥) أو التقييدِ؛ لأنَّ الاتِّفاقَ واقعٌ على أنَّ الماءَ
المُستبحرَ الكثيرَ جدًّا لا تُؤْثِّرُ فيه النجاسةُ، والاتِّفاقُ واقعٌ على أنَّ الماءَ إذا غيَّرته
(١) ينظر: المجموع (٢٢٧/٢).
(٣) شرح صحيح مسلم (١٨٨/٣).
(٥) بعده في (ك): ((أو التعميم)).
(٢) في (ح): ((كراهية)).
(٤) إحكام الأحكام (ص٧٥).

=
٣٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
النجاسةُ امتنعَ استعمالُه، فمالكٌ تَخْلَفُ، إذا حملَ النهيَ على الكراهةِ، لاعتقادِه أنَّ
الماءَ لا يَنجَسُ إلَّا بالثَّغيُّرِ، لا بُدَّ أن يُخرِجَ صُورةَ التغيرِ بالنَّجاسةِ؛ أعني: عن
الحكم بالكراهةِ، فإنَّ الحكمَ ثَمَّ التحريمُ، فإذًا لا بُدَّ من الخروجِ عن الظَّاهرِ عندَ
الكلِّ، والله تعالى أعلم.
■ التاسعةَ عشرَ: قال ابنُ بظَّالٍ(١): ولم يَأخذْ أحدٌ من الفقهاءِ بظاهرٍ
هذا الحديثِ، إلَّا رجلٌ جاهل يُنسبُ إلى العلمِ، (٢ وليس من أهلِه٢)، يُقالُ له:
داودُ بنُ عليٍّ، فقال: مَن بالَ في الماءِ الدَّائمِ فقد حرمَ عليه الوضوءُ به، قليلًا
كان الماءُ(٣) أو كثيرًا، قال: فإن بالَ في إناءٍ وصبَّه في الماءِ الدَّائمِ كان له
الوضوءُ به؛ لأنَّ إنَّما نُهيَ عن البولِ فيه فقط، بزعمِه، وصبُّه للبولِ من الإناءِ ليس
ببولٍ فيه، فلم يُنْهَ عنه، فلو بالَ خارجًا عن الماءِ الدَّائم فسالَ فيه، جازَ أن يَتوضَّأ
به، قال: ويَجوزُ (٤لغيرِهِ؛ أي٤): لغيرِ البائلِ أن يَتوضَّأَ فيما بالَ فيه غيرُه؛ لأنَّ
النبيَّ وَّ، إنَّما نهَى البائلَ ولم يَنْهَ غيرَه، وقال ما هو أشنعَ من هذا: إنَّه إذا
تغوَّطَ في الماءِ الدَّائم كان له ولغيرِهِ أن يَتوضَّأ به؛ لأنَّ النهيَ إنَّما جاءَ في البولِ
فقط، ولم يُنْهَ عن الغائطِ.
قال: وهذا غايةٌ في السُّقوطِ وإبطالِ المعقولِ، إلى أن قال: ويُقالُ له:
خبِّرنا عن البائلِ في البحرِ أو الحوضِ الكبيرِ أو الغديرِ الواسع، هل يَجوزُ له أن
يَتوضَّأ منه؟
فإن قال: لا. قال ما نعرفُ أنَّ الحقَّ في خلافِه، وإن أجازَ ذلك، قيلَ له:
قد تركتَ ظاهرَ الحديثِ، وفي ضرورتِك(٥) إلى تركٍ(٦) ظاهرِهِ ما يُوجبُ عليك أن
تقولَ: إنَّ معنَى الحديثِ ما ذكَرْناه من تحريم الوضوءِ بالماءِ النجسِ، وتأديبِهِم
(١ - ١) شرح الصحيح (٣٥٢/١).
(٢ - ٢) ليس في: (ح).
(٣) ليست في: الأصل، (م).
(٤) ليس في: (ح).
(٥) في (ك): ((صورتك)). وفي (ح): ((صيرورتك)).
(٦) ليس في (ك).

٣٣٩
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
بأن يَتنزَّهوا عن البولِ في الماءِ الذي لا يَجرِي؛ فيحتاجونَ على (١) الوضوءِ
منه، (٢) إلى آخرِ كلامِه.
وما ذهبَ إليه داودُ، قالَه أيضًا ابنُ حزم(٣)، وصرَّحَ بأنَّه لا فرقَ [٥٧/١ظ]
في ذلك بينَ أن يَقلَّ الماءُ أو يَكثرَ.
قال صاحبُ ((المُفهم)) (٤): ومَن التزمَ هذه الفضائحَ، وجمَدَ هذا الجمودَ،
فحقيقٌ ألَّا يُعدَّ من العلماءِ، بل ولا في الوجودِ، قال: وقد أحسنَ القاضِي
أبو بكرٍ(٥)، حيثُ قال: إنَّ أهلَ الظّاهرِ ليسوا من العلماءِ، ولا من الفقهاءِ، فلا
يُعتدُّ بخلافِهم، بل هم من جُملةِ العوامِّ، وعلى هذا جُلُّ الفقهاءِ والأصوليِّينَ،
ومَن اعتذَّ بخلافِهم إنَّما ذلك لأنَّ من مذهبِهِ أنَّه يَعتَبرُ خلافَ العوامِّ، فلا يَنعقدُ
الإجماعُ مع وُجودِ خلافِهم، والحقُّ أنَّه لا يُعتَبرُ إلَّا خلافُ مَن له أهليَّةُ النظرِ
والاجتهادٍ، على ما يُذكرُ(٦) في الأصولِ(٧).
وقال النوويُّ(٨): إنَّ هذا من أقبحِ ما نُقلَ عن داودَ في الجمودِ على الّاهرِ.
وقال ابنُ دقيقِ العيدِ(٩): إنَّه يُعلمُ بُطلانُهُ قطعًا، والعلمُ القطعيُّ حاصلٌ
ببطلانِ قولِهم، لاستواءِ الأمرينِ في الحصولِ في الماءِ، وأنَّ المقصودَ اجتنابُ
ما وقَعت فيه النجاسةُ من الماءِ، قال: وليس هذا من محالِّ الظُّنونِ، بل هو
مقطوعٌ به.
(١) في (ح)، وشرح ابن بطال: ((إلى)).
بعده في شرح ابن بطال: وهم على يقين من استقرار البول فيه.
(٢)
(٣)
ينظر: المحلى (١٣٥/١، ١٣٦، ١٤٠، ١٥١، ١٥٧ - ١٦٨).
(٤)
المفهم (٥٤٢/١، ٥٤٣).
(٥) يعني: الباقلاني.
(٦)
في (ك): ((ذكر)).
قال ابن السبكي في شرح جمع الجوامع (٣٠٤/٢): وأما داود: فمعاذ الله أن يقول
(٧)
الإمام؛ يعني: الإمام الجويني، أو غيره: أن خلافه لا يعتبر، فلقد كان جبلًا من جبال
العلم والدين، له من سداد النظر، وسعة العلم، ونور البصيرة، والإحاطة بأقوال
الصحابة والتابعين، والقدرة على الاستنباط ما يعظم وقعه، وقد دونت كتبه، وكثرت
أتباعه، وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقاته من الأئمة المتبوعين في الفروع.
(٨) شرح صحيح مسلم (١٨٨/٣).
(٩) إحكام الأحكام (ص٧٧).

=
٣٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثانِي
وعن نافع: أنَّ عبدَ اللهِ كان يَقولُ: ((إنَّ الرِّجالَ والِّساءَ كانوا
يَتوضَّئونَ في زمانٍّ رسولِ اللهِ وَّرَ جميعًا)). رواه البخاريُّ(١).
فيه فوائدُ:
(٣٨/٢م) ■ الأولَى: أخرجَ هذا الحديثَ أيضًا أبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ
ماجَه(٢)، من طريقِ مالكٍ، وأخرجَه أبو داودَ أيضًا(٣)، من روايةٍ أيُّوبَ،
وعُبيدِ الله، مُفترقَينَ؛ كُلُّهم عن نافعٍ.
■ الثانيةُ: إضافةُ الصحابيِّ الفعلَ إلى زمنِ رسولِ اللهِ وَّهِ، يَدِلُّ على
رفعِه؛ لأنَّ الظَّاهرَ اطّلاعُهُ(٤)، خلافًا لأبي بكرِ الإسماعيليِّ وطائفةٍ، كما حكاه
ابنُ الصلاحِ وغيرُه عنهم(٥). وينبغي أن لا يَجريَ خلافُ الإسماعيليِّ في هذا
الحديثِ؛ لأنَّ بعضَ النِّساءِ، نساءَ رسولِ اللهِ وَِّ مِعَه(٦)؛ كعائشةَ، وميمونةَ،
وأُمّ سلمةَ، كما سيأتِي في الأحاديثِ الصحيحةِ، فهذا مُصرَّحٌ باطّلاعِه، فلا يَجرِي
فيه الخلافُ، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الثالثةُ: حمَلَ بعضُ العلماءِ قولَه: جميعًا. على أنَّهم كانوا يَتوضَّئونَ
في موضعٍ واحدٍ، وأنَّه ليس المرادُ وُضوءَ أحدِهما بفضلِ الآخرِ، حكاه ابنُ التِّينِ
في ((شرحِ البخاريِّ))(٧).
وهذا يَردُّهُ روايةُ هشام بنِ عمَّارٍ، عن مالكٍ، فقال فيها: من إناءٍ واحدٍ.
رواه ابن ماجه.
(١) البخاري (١٩٣).
أبو داود (٧٩)، والنسائي (٧١، ٣٤١)، وابن ماجه (٣٨١).
(٢)
(٣)
أبو داود (٧٩، ٨٠).
(٤) في (ك): ((إطلاقه)).
علوم الحديث لابن الصلاح (ص١٩٨)، واختصار علوم الحديث لابن كثير (١٤٩/١).
(٥)
(٦)
ليست في: (ح).
ابن التين، عن قوم، كما في فتح الباري (٢٩٩/١).
(٧)

=
كم
٣٤١
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
وكذا رواه أبو داودَ، من روايةٍ أيُّوبَ، عن نافعٍ، وفي روايةٍ له من روايةٍ
عُبيدِ اللهِ(١)، عن نافع: كُنَّا نتوضَّأُ نحنُ والنساءُ، من إناءٍ واحدٍ، على عهدٍ
رسولِ الله وَ﴾، نُدْلِي فِيَه أيدينا.
■ الرابعةُ: حمَلَ سُحنونٌ أيضًا، من المالكيَّةِ، معنَى الحديثِ على أنَّه
يَتوضَّأُ الرِّجالُ ويذهبونَ، ثمَّ تأتِي النساءُ فيتوضَّئونَ، حكاه ابنُ التِّينِ (٢) أيضًا،
وهو خلافُ الظَّاهرِ من قولِه: جميعًا. فهو ظاهرٌ في اجتماعِهما في حالةٍ
الاغتسالِ، وكذا روايةُ : نُدلِي أيديَنا فيه.
وأصرحُ منه حديثُ عائشةَ: كُنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ وَّهِ، من إناءٍ واحدٍ،
تختلفُ أيدينا فيه من الجنابةِ. وهو مُتَّفقٌ عليه، وسيأتِي في بابِ الغسلِ(٣)، إن
شاء اللهُ تعالَى.
وفي ((الصحيحين))(٤) من حديثٍ أُمِّ سلمةَ: أنَّها كانت تغتسلُ هي
ورسولُ اللهِ وَلِّ من إناءٍ واحدٍ. وللبخاريِّ(٥) من حديث أنسٍ: كان النبيُّ وَّ﴾،
يَغتسلُ هو والمرأةُ من نسائِهِ، من إناءٍ واحدٍ. ولمسلم(٦) من حديثٍ ميمونةَ: أنَّها
كانت تغتسلُ هي والنَّبِيُّ ◌َِّ، في إناءٍ واحدٍ. ولَه(٧) من حديثِ ابنِ عباسٍ: أنَّ
رسولَ اللهِ وَِّ، كان يَغتسلُ بفضلٍ ميمونةَ.
وهذا أيضًا يَدُّ على بُطلانِ ما خصَّصَهُ به سحنونٌ (٨) من تأخيرِ غُسلِ النِّساءِ
عن الرِّجالِ، وأصرحُ منه ما رواه أصحابُ ((السُّننِ)) (٩) من حديثِ ابنِ عباسٍ:
اغتسلَ بعضُ أزواج النبيِّ وَّ﴿ في جفنةٍ، فأرادَ رسولُ اللهِ وَ﴿ أَن يَتوضَّأ منه،
قالت: يا رسولَ الله، إنِّي كُنتُ جُنبًا، قال: [٥٨/١ و] ((إِنَّ الماءَ لا يُجْنِبُ)). لفظُ
التّرمذيِّ، وقال: (٣٩/٢م) حسنٌ صحيحٌ.
في (ك): ((عبد الله)).
(١)
(٢) ينظر: فتح الباري (٣٠٠/١).
سيأتي تخريجه في باب الغسل، الحديث الأول.
(٣)
(٤)
البخاري (٣٢٢، ١٩٢٩)، ومسلم (٤٩/٣٢٤).
(٥)
البخاري (٢٦٤).
(٦) مسلم (٤٧/٣٢٢).
مسلم (٤٨/٣٢٣).
(٧)
(٨) ينظر: فتح الباري (٣٠٠/١).
(٩) أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠).

٣٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الخامسةُ: أطلقَ ابنُ عمرَ في حديثِهِ وُضوءَ النساءِ والرجالِ جميعًا، ولا
شكَّ أنَّه ليس المرادُ به الرجالَ من (١) النساءِ الأجانبِ، وإنَّما أرادَ الزوجاتِ أو
مَن يَحلُّ له أن يَرَى منها مواضعَ الوضوءِ، ولذلك بؤَّب عليه البخاريُّ: بابَ
وُضوءِ الرجلِ مع امرأتِه.
■ السادسةُ: فإن قيلَ: فقد روى أبو داودَ، وابنُ ماجَه(٢)، بإسنادٍ حسنٍ،
من حديثٍ أُمِّ صُبَيَّةَ الجهنيّةِ، قالت: اختلفتْ يَدِي ويدُ رسولِ اللهِ وََّ، في الوضوءِ
من إناءٍ واحدٍ. وليست أُمُّ صُبَيَّةَ هذه زوجةً، ولا محرمًا، نعم قيلَ: إنَّها خولةُ
بنتُ قيسٍ، وإنَّها كانت زوجةَ حمزةَ، وقيلَ: إنَّ زوجةَ حمزةَ غيرُها(٣)، ولو ثبَتَ
ذلك، فزوجةُ العمِّ ليست محرمًا.
والجوابُ: أَنَّه لا يَبعُدُ عدُّ ذلك من الخصائصِ، فقد كان ◌َّهِ، يَقيلُ عندَ
أُمِّ حَرامِ، كما ثبتَ في ((الصحيحِ)) (٤). وقولُ القاضِي عياضٍ ومَن تبعَهُ: إنَّه كانت
بينَهما محرميَّةٌ من الرَّضاعةِ، ردَّه الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ المؤمنِ بنُ خلفٍ
الدِّمياطيُّ في جُزءٍ له في ذلك(٥)، وقد رأيتُ في كلام بعضِ العلماءِ من غيرِ
الشافعيةِ الإشارةَ إلى أنَّ ذلك من الخصائصِ، ولم يَذكرْه أصحابُنا (٦).
■ السابعةُ: فيه حُجَّةٌ للجمهورِ أنَّه لا بأسَ أن يَتوضَّأ الرجلُ بفضلٍ وُضوءِ
المرأةِ كعكسِه، وأنَّه لا بأسَ بوضوئِهما واغتسالِهما جميعًا.
(١) في حاشية (ح): ((مع. هكذا وجد بخط شيخ الإسلام، ولي الدين العراقي،
ابن المؤلف، في هامش أصله، رحمه الله تعالى)).
(٢)
أبو داود (٧٨)، وابن ماجه (٣٨٢).
ينظر: الاستيعاب (١٨٣٣/٤، ١٩٤٣)، أسد الغابة (٢٧٢/٥، ٤٦٣)، الإصابة
(٣)
(٢٣٧/١٢)، (٢٣٩/١٣).
(٤)
البخاري (٢٨٩٤)، ومسلم (١٦١/ ١٩١٢).
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٥٧/١٣)، وعمدة القاري (٨٦/١٤).
(٥)
في حاشية (ح): ((بل قد ذكره الجلال السيوطي، رحمه الله تعالى، في مؤلفه في
(٦)
الخصائص، الذي جمعه من أربعمائة كتاب، ولا شك أن أكثر هذه الكتب كتب
الأصحاب)).

=
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
٣٤٣
قال النوويُ(١): فأمَّا تطهيرُهما من إناءٍ واحدٍ فهو جائزٌ، بإجماع المسلمينَ،
وكذلك ظُهرُ المرأةِ بفضلِ الرجلِ جائزٌ بالإجماعِ أيضًا، وأمَّا ظُهرُ الرجلِ بفضلِها :
فهو جائزٌ عندَنا، وعندَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وجماهيرِ العلماءِ، سواءٌ خلت به
أو (٢) لم تَخلُ، قال بعضُ أصحابِنا: ولا كراهةَ في ذلك، وذهبَ أحمدُ، وداودُ:
إلى أنَّها إذا خلَت بالماءِ واستعملتُهُ لا يَجوزُ للرَّجلِ استعمالُ فضلِها(٣)، ورُويَ
هذا عن عبدِ اللهِ بنِ سرجِسَ، والحسنِ البصريِّ، ورُويَ عن الحسنِ،
وابنِ المُسيِّبِ: كراهيةُ فضلِها مُطلقًا، ورُويَ عن أحمدَ كمذهبِنا(٤). انتَهَى.
وما حكاه من إجماع المُسلمينَ على جوازٍ تَطْهِيرِهما من (° إناءٍ واحد٥ٍ)،
وكذلك حكايةُ صاحبِ ((المُفهم)) أيضًا الاتِّفاقَ عليه، ليس بجيِّدٍ، فقد حكَى
ابنُ عبدِ البرِّ في ((التمهيدِ))(٦) عن طائفةٍ: أنَّه لا يَجوزُ أن يَغترفَ الرجلُ مع المرأةِ
من إناءٍ واحدٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَتوضَّأُ حينئذٍ بفضلِ صاحبِهِ، انتَهَى.
وكذلك نقلُ النوويِّ الإجماعَ على جوازِ تطهُّرِها بفضلِ الرجلِ فيه نظرٌ، فقد
حكَى الطحاويُّ في ((شرح معاني الآثارِ))(٧): عن قومِ أنَّهم كَرِهوا أن يَتوضَّأ كلٌّ
منهما بفضلِ الآخرِ. وحكى التِّرمذيُ (٨)، (٤٠/٢م) عن أحمد، وإسحاقَ: أنَّهما
كرِها فضلَ طهورِها، ولم يَريا بفضلِ سُؤرِها بأسًا.
■ الثامنةُ: احتجَّ أحمدُ لما ذهبَ إليه بحديثِ الحكمِ بنِ عمرٍو الغفاريِّ:
أنَّ النبيَّ وَّهِ تَهَى أن يَتوضَّأ الرجلُ بفضلٍ طَهورِ المرأةِ. أو قال: ((بسؤرِها)). رواه
أبو داودَ، والنسائيُّ، والتِّرمذيُّ (٩)، وهذا لفظُهُ، وقال: حديثٌ حسنٌّ.
وخالفَهُ الجمهورُ في تَحسينِه، كما قال النوويُّ في ((الخلاصةِ)»، فقال
شرح صحيح مسلم (٣/٤، ٤).
(١)
(٢) في (م): ((أم)).
(٣) بعده في (م): ((مطلقًا)).
(٤) ينظر: الإشراف (١٥١/١)، والمغني (٢٨٣/١).
(٥ - ٥) في (ك): ((الواحد)).
(٦) التمهيد (١٦٤/١٤).
(٧) شرح معاني الآثار (٢٤/١).
(٨) سنن الترمذي (١/ ٩٢).
(٩) أبو داود (٨١)، والنسائي (٣٤٣)، والترمذي (٦٣).

٣٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
البخاريُّ(١): حديثُ الحَكَمِ ليس بصحيحٍ. وقد ورَد في حديثٍ آخرَ(٢): النهيُ
لكلِّ منهما عن فضلِ الآخرِ، رواه ابنُ ماَجَه(٣) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ سرجِسَ،
قال: ((نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَن يَغتسلَ الرجلُ بفضلٍ وَضوءِ المرأةِ، والمرأةُ بفضلٍ
وَضوءِ الرجلِ، ولكن یَشرعانِ جمیعًا».
قال البخاريُّ(٤): الصحيحُ أنَّه موقوفٌ على عبدِ اللهِ بنِ سرجسَ، ومَن رفعَهُ
فقد أخطأ. وهكذا قال الدَّارقطنيُّ، وغيرُه(٥).
وقد روَى أبو داودَ(٦)، بإسنادٍ صحيحٍ، من روايةٍ حُميدِ الحميريِّ، قال:
لقيتُ رجلًا صحِبَ النبيَّ وَّ﴿ أربعَ سنينَ، كما صحِبَهُ أبو هريرةَ، قال: ((نَهَى
رسولُ اللهِ وَّ﴿ أن تغتسلَ المرأةُ بفضلِ الرجلِ، أو يَغتسلَ(٧) الرجلُ بفضلِ المرأة).
وزادَ في روايةٍ: ((ليغترِفا (٨) جميعًا))(٩). وأجابَ الخطَّبيُّ (١٠) عن ذلك: بأنَّ النهيَ
محمولٌ على ما سالَ من الأعضاءِ [٥٨/١ظ] عندَ التطهُّرِ به، دُونَ ما بقِيَ في
الإناءِ، قال: ومنَ الناسِ مَن حملَ النهيَ على الاستحبابِ دُونَ الإيجابِ.
قال الخطّابيُّ: وإسنادُ حديثِ الإباحةِ أجودُ من إسنادٍ خبرِ النھی.
■ التاسعةُ: حكَى الخطّابِيُّ (١١) أيضًا عن ابنِ عمرَ: أنَّه كان يَذهبُ إلى أنَّ
النهيَ عن فضلٍ وَضوءِ المرأةِ، إنَّما هو إذا كانت جُنبًا أو حائضًا، فإذا كانت
طاهرًا فلا بأسَ به.
وهذا يَردُّهُ حديثُ ابنِ عباسِ المُتقدِّمُ (١٢)، الذي أخرجَه أصحابُ السُّنْنِ،
وفيه: فقالت: إنِّي كُنتُ جُنبًا. فقال: ((إنَّ الماءَ لا يَجنبُ)). صحَّحَه التِّرمذيُّ.
(١) ينظر: العلل الكبير للترمذي (٣٢)، وسنن البيهقي (١٩٢/١).
(٣) ابن ماجه (٣٧٤).
(٢)
ليست في: (ك).
العلل الكبير للترمذي (ص ٤٠).
(٤)
(٥)
(٦)
أبو داود (٨١).
ينظر: سنن الدارقطني (١١٦/١، ١١٧)، وسنن البيهقي (١٩١/١ - ١٩٣).
(٧) ليست في: (ح).
(٨) في (ك): ((ولتغترفا)).
(١٠) معالم السُّنن (٤٢/١).
(١٢) في الفائدة الرابعة.
(٩) أبو داود (٨١).
(١١) السابق.

=
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
٣٤٥
ويردُّهُ ما في ((الصحيح)) (١) من حديث عائشةَ: كُنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ وَّ
من إناءٍ واحدٍ، ونحنُ جُنباٍ. وهذا وإن لم يكنْ صريحًا في وُضوئِه بفضلِها، فإنَّ
تقدُّمَ اغترافِ عائشةَ مُوجبٌ لاستعمالِه لفضلِها، وقد روَى الطَّحاويُّ(٢) في (٣)
حديثٍ عائشةَ هذا، بإسنادٍ صحيحٍ: يَغترفُ قبلَها، وتغترفُ قبلَه. والله تعالى أعلمُ.
■ العاشرةُ: فيه حُجَّةٌ لطهارةِ الذِّمِّيَّةِ، وجوازِ استعمالِ فضلٍ طهورِها
وسُؤرِها، لجوازٍ تزوُّجهنَّ، وعدم التفرقةِ في ذلك بينَ المُسلمةِ وغيرِها، وقد أشارَ
(٤١/٢م) البخاريُّ إلى استدلالِه(٤) به على ذلك، فإنَّه قال: بابُ وُضوءِ الرجلِ مع
امرأتِه، ثمَّ قال: وتوضَّأ عمرُ بالحميم، ومن بيتِ نصرانيَّةٍ، ثمَّ ذكرَ حديثَ البابِ.
وما دلَّ عليه الحديثُ من طهارةِ سُؤرِ أهلِ الكتابِ هو (٥) قولُ أكثرِ أهلِ
العلم؛ الأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، والشافعيِّ، وأبِي ثورٍ .
قال ابنُ المُنذرِ(٦): ولا أعلمُ أحدًا كرِهَه؛ يَعنِي: سُؤرَ النصرانيَّةِ، غيرَ
أحمدَ، وإسحاقَ، وعن مالكٍ روايتانِ. انتَھَى.
وفي روايةِ الشافعيِّ في ((الأمّ))(٧)، في أثرِ عمرَ: من جرَّةِ نصرانيَّةٍ.
قال النوويُّ في (شرحِ المُهذَّبٍ))(٨): وحُكمُ المسألةِ: أنَّه يُكرَهُ استعمالُ
أوانِي الكفَّارِ وثيابِهم، سواءٌ فيه أهلُ الكتابِ وغيرُهم، والمُتديِّنُ باستعمالٍ
[النجاسةِ وغيرُه، قال: وإذا تطهَّرَ من إناءِ كافرٍ ولم يَتيقَّنْ طهارته ولا نجاستَه،
فإن كان من قوم لا يَتديَّنونَ باستعمالٍ](٩) النجاسةِ صحَّت طهارتُه بلا خلافٍ، وإن
كان من قومٍ يَتَديَّونَ بها، فوجهانٍ؛ الصحيحُ منهما أنَّه تصحُّ طهارتُه.
■ الحاديةَ عشرَ: استدلَّ به ابنُ عبدِ البرِّ على: أنَّه لا تحديدَ في ماءٍ
الوضوء والغسلِ، فقال في ((التمهيدٍ))(١٠): وإذا جازَ وُضوءُ الجماعةِ معًا رجالًا
(١) البخاري (٢٦٣)، ومسلم (٤٣/٣٢١). (٢) شرح معاني الآثار (٢٦/١).
(٣)
في (ك): ((من)).
(٤) في (ح): ((الاستدلال)).
(٥) في (م): ((وهو)).
(٦) الأوسط (٢٩٧/١).
الأم (٢٧/٢).
(٧)
(٨) المجموع (٢٣٦/١).
(٩) ما بين المعكوفين، ليس في: (ح).
(١٠) التمهيد (١٠٣/٨).

=
٣٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ونساءً، ففِي ذلك دليلٌ على أنَّه لا تحديدَ ولا توقيتَ فيما يَقتصرُ عليه المُتوضِّئُ
والمُغتسلُ منَ الماءِ، إلَّا الإتيانَ منه(١) بما أمَر اللهُ من غُسلٍ ومسحٍ. انتَهَى.
وفي وجهِ الدَّلالةِ منه نظرٌ.
(١) في (ح): ((فيه)).

بابٌ الوضوءِ
٣٤٧
بابُ الوضوءِ
وفيه أحاديثُ:
الحديثُ الأوَّلُ
عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ، قال: ((إذا استيقظَ
(٤٢/٢م) أحدُكم مَن نومِه فليغسلْ يَدَه قبلَ أن يُدخلَها في وَضُوئِه، فإنَّ
أحدَكم لا يَدرِي أین باتت يَدُه)».
جَ وعن همَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا استيقظَ
أحدُكم فلا يَضِعْ يُّدَه في الوَضوءِ(١)، إنَّه لا يَدرِي أحدُكم أين باتت يَدُه)».
فيه فوائدُ:
■ الأولى: حديثُ أبي هريرةَ أخرَجه السِّنَّةُ؛ الشيخانِ(٢) من روايةٍ
الأعرج، ومسلمٌ(٣) من روايةٍ همَّامِ، وعبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، وأبِي رَزينٍ،
وأبِي صالحٍ، وأبي سلمةَ، وسعيدِ بنِ المُسيِّبٍ، وجابرِ بنِ عبدِ الله، ومُحمَّدٍ بنِ
سيرينَ، وعبد الرحمنِ بنِ يعقوبَ، وثابتٍ مولَى عبد الرحمنِ بنِ زيدٍ، وأبو داودَ(٤)
من روايةٍ أبي رَزينٍ، وأبِي صالحٍ، وأبِي مريمَ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجَه(٥) من
روايةٍ ابنِ المُسيِّبٍ، وأبي سلمةَ، والنسائيُّ(٦) من رواية أبي سلمةَ، كُلُّهم عن
أبي هريرةَ، وهم اثنا عشرَ رجلًا.
(١) في (م): ((وضوئه)).
(٣) مسلم (٢٧٨ / ٨٧، ٨٨).
(٥) الترمذي (٢٤)، وابن ماجه (٣٩٣).
(٢) البخاري (١٦٢)، ومسلم (٨٨/٢٧٨).
(٤) أبو داود (١٠٣ - ١٠٥).
(٦) النسائي (١، ١٦١).

٣٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثانيةُ: [١/ ٥٩و] في اختلافِ ألفاظِهِ؛ ففِي روايةٍ لأبي داودَ: ((إذا قامَ
أحدُكم من اللَّيلِ)). وكذا قال ابنُ ماجَه: ((إذا استيقظَ أحدُكم من اللَّيل)).
ولمسلمٍ، وأصحابِ السُّننِ: ((في الإناءِ)). موضعَ قولِه: ((في وضُوئِه)). وفي روايةٍ
لمسلمٍ: ((في إنائِه)). وفي روايةٍ له: ((حتى يَغسلَها ثلاثًا)). وفي روايةٍ له: ((ثلاثَ
مرَّاتٍ)). وكذا قال أبو داودَ، والنسائيُّ.
قال مُسلمٌ(١): ولم يَقلْ واحدٌ منهم: (ثلاثًا)). إلَّا ما قدَّمنا من روايةِ جابرٍ،
وابنِ المُسيَّبِ، وأبي سلمةَ، وعبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، وأبِي صالحٍ، وأبِي رَزينٍ.
قُلتُ: وكذا قال أبو مريمَ، عندَ أبي داودَ(٢)، وقال أبو داودَ، في روايةٍ له،
والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجَه(٣): ((مرَّتينٍ، أو ثلاثًا)). ولمسلم في روايةٍ له، وابنُ
ماجَه(٤): ((فيم(٥) باتت يدُه)(٦). وفي روايةٍ لأبي داودَ(٧): (٨(أين باتت، أو أين٨)
كانت تطوفُ يَدُه). وفي روايةٍ للبيهقيّ(٩): ((أين باتت يَدُهُ منه)). وقال: تفرَّدَ
بقوله: ((منه)). محمدُ بنُ الوليدِ البُسْريُّ، وهو ثقةٌ.
ولابنِ ماجَه(١٠) من حديث جابرٍ: ((أين باتت يَدُهُ، ولا على ما وضَعَها)).
وللدَّار قطنيّ (١١) من حديثِ ابنِ عمرَ: «أين باتت يَدُه، أو أين طافت يَدُه)). وقال:
إسنادُهُ حسنٌ.
■ الثالثةُ: احتجَّ الجمهورُ بعمومٍ قوله: ((من نومِه)). على أنَّه لا فرقَ في
ذلك بينَ نومِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وخالفَ في ذلك أحمدُ، وداودُ فخصَّصا هذا الحكمَ
بنومِ اللَّيلِ، لقولِه في آخرِ الحديثِ: ((أين باتت يَدُه)). ولروايةٍ أبي داودَ،
وابنِ ماجَه، المُتقدِّمتينٍ: ((إذا قامَ أو (١٢) استيقظَ أحدُكم من اللَّيلِ)). وهكذا يَقولُ
الصحيح (٢٣٤/١).
(١)
أبو داود (١٠٤)، والترمذي (٢٤)، وابن ماجه (٣٩٣).
(٣)
(٤)
مسلم (٨٨/٢٧٨)، وابن ماجه (٣٩٣). (٥) في (م): ((فيما)).
(٦) في (ت، م): ((له).
(٨ - ٨) ليس في: (ك).
(١٠) ابن ماجه (٣٩٥).
(١٢) في (ك): ((و)).
(٢) أبو داود (١٠٥).
(٧) أبو داود (١٠٥).
(٩) السنن الكبرى (٤٦/١).
(١١) الدار قطني (٤٩/١، ٥٠).

==
٣٤٩
بابُ الوضوءِ
الحسنُ في الرِّوايةِ المشهورةِ عنه: أنَّه كان لا يَجعلُ نومَ (٤٣/٢ م) النهارِ مثلَ نومٍ
اللَّيلِ، ورُويَ عن الحسنِ أيضًا مُوافقةُ الجمهورِ(١).
وقال أحمدُ، فيما رواه الأثرمُ عنه(٢): فالمبيتُ إنَّما يَكونُ باللَّيلِ. قال
ابنُ عبدِ البرِّ(٣): أما المبيتُ فَيُشبِهِ أن يَكونَ ما قالَه أحمدُ صحيحًا فيه؛ لأنَّ
الخليلَ قال في كتابٍ ((العينٍ))(٤): البيتوتةُ دُخولُك في اللَّيلِ، وكونُك فيه بنومٍ
وغيرِ نومٍ، قال: ومَن قال: بِتُّ، بمعنَى نمتُ، وفسَّرَه على النوم، فقد أخطأ،
قال: ألاَّ ترَى أَنَّك تقولُ: بتُّ أُراعِي النجمَ، قال: فلو كان نومًا كيفَ كان يَنامُ
وينظرُ؟
قال ابنُ عبدِ البرِّ(٥): لا أعلمُ أحدًا قال بقولِ الحسنِ، وأحمدَ في هذه
المسألةِ غيرَهما. انتَهَى.
وقد خالفَ أحمدَ في ذلك صاحبُه إسحاقُ بنُ راهُوْيَه، فقال(٦): لا يَنبغِي
لأحدٍ استيقظَ ليلاً [أو نهارًا إلَّا أن يَغسلَ يَدَهُ قبلَ أن يُدخلَها الوضوءَ، قال:
والقياسُ في نومِ اللَّلِ](٧) أنَّه مثلُ نومِ النهارِ .
وما قالَه إسحاقُ هو الذي عليه عامَّةُ العلماءِ، وأجابوا عن الحديثِ: بأنَّ
ذلك خرجَ مخرجَ الغالبِ، ويدلُّ لذلكَ روايةُ أبي داودَ(٨): ((أو أينَ كانت تطوفُ
يَدُهُ)). وروايةُ الدَّارقطنيّ(٩): ((أو أينَ طافت يَدُه)). ولا يَلزمُ من صيغةٍ: ((أو)) في
الرِّوايتينِ أن يَكونَ ذلك شكًّا، بل يَجوزُ أن يَكونَ النبيُّ وَّرِ قال الأمرينِ معًا؛
يُريدُ: أين باتت يَدُه في المبيتِ، أو أين كانت تَطوفُ يَدُه في نومِه، مساءً كان أو
نهارًا. واللهُ أعلمُ.
(١) ذكر كلا القولين عنه ابن المنذر في الأوسط (٤٤٢/١).
(٢) الأثرم كما في المغني (١٤١/١).
(٣) التمهيد (٢٥٥/١٨).
(٤)
العين (١٣٨/٨).
(٥) التمهيد (٢٥٥/١٨).
ينظر: مسائل أحمد وإسحاق برواية إسحاق بن منصور الكوسج (٨٢/١)، المسألة (٤٤).
(٦)
ما بين المعكوفين، ليس في: (ك).
(٧)
(٨) أبو داود (١٠٥).
(٩) الدارقطني (٥٠/١).

=
٣٥٠ ٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الرابعةُ: مفهومُ الشرطِ حُجَّةٌ عندَ أكثرِ الأصوليِينَ (١)، فمفهومُه: أنَّه لم
يُؤمِرْ بذلك غيرُ المُستيقظِ ممَّن ليس في معناه؛ كالشَّاكُّ على ما سيأتِي، وهو قولُ
الأكثرينَ، وخالفَ في ذلك الشعبيُّ، فقال فيما رواه محمدُ بنُ نصرِ المروزيِّ
عنه (٢): النائمُ والمُستيقظُ سواءٌ إذا وجبَ عليه الوضوءُ، لم يُدخلْ يَدَهُ في الإناءِ
حتى يَغسلَها. وروى ابنُ نصرٍ أيضًا(٣) عن (٤ابنِ عمر٤َ)، والحسنِ، وطاوسٍ
إطلاقَ غسلِ اليدِ قبلَ إدخالِها للإناءِ؛ من غيرِ تقييدٍ باستيقاظِ من نومٍ.
ولعلَّ مَن أطلقَ ذلك أرادَ الاغترافَ للاستعمالِ، احترازًا عن الوضوءِ في
الأوانِي الصِّغارِ، وقد يَقولُ الشعبيُّ ومَن وافقَه: لعلَّ النهيَ عن إدخالِ يَدِ
المُستيقظِ منَ النومِ في الإناءِ خرجَ على جوابٍ سُؤالٍ عنه، فلا يَكونُ له مفهومٌ،
وذِكرُ بعضِ أفرادِ العمومِ لا يُخصِّصُ.
وقد [٥٩/١ظ] يُجيبُ الجمهورُ: بأنَّه لم يُنقلْ في طُرقِ الحديثِ خُروجُ ذلك
على الجوابِ سُؤالٌ، فلا يَثبتُ ذلك بالاحتمالِ، فَيُفرَّقُ فيه حينئذٍ بينَ المُستيقِظِ
منَ النومِ وغيرِهِ، ممَّن ليس في معناه، والله تعالى أعلمُ.
■ الخامسةُ: اختلفوا في الأمرِ في (٤٤/٢م) قولِه في الرِّوايةِ الأولَى:
((فليغسلْ يَدَهُ)). هل هو على الندبِ، أو الوجوبِ؟ وكذا النهيُ في قولِه في الرِّوايةِ
الثانيةِ: ((فلا يَضعْ يَدَهُ في الوضوءِ، حتی یَغسلَها)).
هل هو للتَّحريمِ(٥)، أو الشَّزِيهِ(٦)؟
فذهبَ أكثرُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ ذلك على الندبِ والتَّنزِيه، لا على الوجوبِ
والتَّحريمِ، وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأهلِ الكوفةِ، وغيرِهم. وذهبَ الحسنُ
(١) ينظر: الإحكام للآمدي (٧٨/٣)، والبحر المحيط (١١٩/٣)، والبرهان للجويني
(٣٠٠/١)، وإرشاد الفحول (٤٣/٢).
(٢) المروزي كما في التمهيد (٢٥٩/١٨)، والأثر أخرجه عن الشعبي ابن أبي شيبة في
المصنف (٩٩/١).
(٣) المروزي كما فى التمهيد (٢٥٩/١٨). (٤ - ٤) في (ك): ((عمر)).
(٥) في (ك): ((على التحريم)).
(٦) في (ح): (للتنزيه)).

=
كير
٣٥١
بابٌ الوضوءِ
البصريُّ، وأهلُ الظَّاهرِ إلى أنَّ ذلك على الوجوبِ والتَّحريمِ، لظاهرِ الأمرِ
والنَّهى، وقالوا: يُهراقُ الماءُ(١).
وحكَى الخطَّبيُّ(٢) عن داودَ، ومُحمَّدٍ بنِ جرير (٣) وُجوبَ ذلك، وأنَّهما رأيًا
أنَّ الماءَ يَنجَسُ به، إذا لم تكنِ اليدُ مغسولةً. وحكَى الرافعيُّ(٤) عن أحمدَ: أنَّه
يُوجبُ غسلَهما عندَ الاستيقاظِ من نومِ اللَّيلِ دُونَ النهارِ، على ما تقدَّمَ عنه من
التفرقةِ، ثمَّ اختلفَ أصحابُ داودَ الظَّاهريِّ عنه؛ فقال أكثرُهم: إنَّه إن فعَله كان
عاصيًا، ولا يَفسِدُ الماءُ بذلك، وقال بعضُ أصحابِه عنه: لا يَجوزُ الوضوءُ به(٥).
وقال ابنُ زَرقونٍ(٦) من المالكيَّةِ: المُستيقظُ على ثلاثةِ أحوالٍ؛ طاهرٌ،
ونجس، وجُنبٌ.
فالطَّاهرُ: لا يُفسدُ الماءَ. وحكى ابنُ حارثٍ، عن ابنِ غافقِ التُّونسيُّ(٧)،
من أصحابِنا: أنَّه يُفسدُه، وأمَّا المُوقنُ بالنَّجاسةِ: فيجرِي على اختلافِهم في
النجاسةِ تَحلُّ في قليلِ الماءِ، وأمَّا الجنبُ و(٨) المُحتلمُ الذي لا يَدرِي ما أصابَ
يَدَه، فقال ابنُ حبيبٍ: إنَّه يُفسدُ الماءَ. قال: وهو معنَى الحديثِ، ولمالكٍ في
المجموعةِ نحوه. انتَهَى.
والصوابُ ما ذهب إليه الجمهورُ، وقال أبو الوليدِ الباجيُّ(٩): لأنَّه قد اقترنَ
بالأمرِ ما دلَّ على الندبِ؛ لأنَّه علَّلَ بالشَّكِّ، ولو شكَّ هل مسَّت يَدُه نجاسةً، لما
وجبَ عليه غسلُ يَدِهِ.
(١) ينظر: المحلى (١/ ١٥٢).
(٢)
معالم السُّنن (١ / ٤٧).
(٤)
الشرح الكبير (٣٩٥/١).
(٣) في (ك): ((جبير)).
(٥) ينظر: التمهيد (٢٥٢/١٨ -٢٥٣).
أبو عبد الله محمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد الأنصاري، المعروف بابن زَرقون، فقيه
(٦)
محدث، كان سيد الأندلس في وقته، حافظًا للفقه مبرزًا فيه، وكان الناس يرحلون إليه
(ت٥٨٦هـ) صنف كتاب الأنوار، جمع فيه المنتقي والاستذكار. التكملة لابن الأبار
(٥٤٠/٢)، سير أعلام النبلاء (١٤٧/٢١)، العبر (٢٥٨/٤).
أبو عبد الرحمن عبد الله بن غافق التونسي المالكي، إمام مشهور، معدود من أصحاب
(٧)
سُحنون، عرض عليه قضاء القيروان فامتنع، وكان عالمًا ناسكًا مهيبًا، (ت٢٧٧هـ).
ترتيب المدارك (٢٧١/٣)، الطبقات الشيرازي (ص١٥٧)، تاريخ الإسلام (٣٧٧/٢٠).
(٩) المنتقى (٢٩٨/١).
(٨) في (ح): ((أو)).

=
٣٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ السادسةُ: قوله: ((في وَضُوئِه)). هو بفتحِ الواوٍ، على المشهورِ المعروفِ
في الرِّوايةِ، وهو الماءُ الذي يُتوضَّأُ به، وأمَّا الوُضوءُ بضمِها فهو الفعلُ، قال
صاحبُ ((النِّهايةِ))(١): وقد أثبتَ سيبويه(٢) الوَضوءَ، والطّهورَ، والوقودَ؛ بالفتحِ في
المصادرِ، فهيَ تقعُ على الاسمِ والمصدرِ، قال: وأصلُ الكلمةِ من الوضاءةِ،
وهي الحسنُ والبهجةُ، ومنه حديثُ عائشةَ في قصَّةِ الإفكِ: ((لقلَّما كانتِ امرأةٌ
وضيئةٌ)) الحديثَ(٣).
■ السابعةُ: تقدَّمَ أنَّ في روايةِ مسلمٍ بدلُ قولِه: ((فِي وَضُوِه))، ((في إنائِه)).
وفي روايةٍ: ((في الإِناءِ)). وهو يدلُّ على: أنَّ النهيَ مخصوصٌ بالأوانِي، دُونَ
البركِ والحياضٍ، التي لا يُخافُ فسادُ مائِها بغمسِ اليدِ فيها، على تقديرٍ
نجاستِها، ولذلك قال قيسٌ الأشجعيُّ لأبي هريرةَ، (٤٥/٢م) حينَ حدَّثَ بهذا:
فكيفَ إذا جئنا مهراسَكم هذا، فكيفَ نصنعُ(٤) به؟ فقال أبو هريرةَ: أعوذُ بالله من
شَرِّكَ. رواه البيهقيُّ(٥)، فكرِهَ أبو هريرةَ ضربَ الأمثالِ للحديثِ.
وكذلك ما رواه الدَّارقطنيُّ، والبيهقيُّ(٦) من حديثِ ابنِ عمرَ في هذا
الحديثِ: فقال له رجلٌ: أرأيتَ إن كان حوضًا؟ فحصبَه ابنُ عمرَ، وقال: أُخبرُك
عن رسولِ اللهِ وَ﴿، وتقولُ: أرأيتَ إن كان حوضًا؟! فكرِهَ ابنُ عمرَ ضربَ
الأمثالِ بحديثِهِ وَّرِ، وكان شديدَ الاتِّبَاعِ للأثرِ.
ولهذا قال أصحابُنا: إنَّه إذا كان الإناءُ كبيرًا لا يُمكنُه تحريكُه، ولم يَجدْ
إناءً يَغترفُ به، أَخَذ الماءَ منه بفمِه أو بطرفِ ثوبِهِ النظيفِ، وغسَل به يَدَه، أو
يَستعينُ بمَن يَصبُّ عليه، وهذا كُلُّه عندَ الشكِّ في النجاسةِ على ما سيأتي.
(١) النهاية (٤٢٨/٥).
(٢) الكتاب لسيبويه (٤٢/٤)، باب ما جاء من المصادر على فعول.
(٣)
البخاري (٢٥١٨).
(٤)
في (ك): ((يصنع)) .
(٥)
السنن الكبرى (٤٧/١).
(٦) الدار قطني (٤٩/١)، والبيهقي (٤٦/١).

بابٌ الوضوءِ
٣٥٣
=
■ الثامنةُ: اختلفَ العلماءُ [٦٠/١و] في الأمرِ بذلك؛ هل هو تعبُّدٌ، أو
معقولُ المعنَى؟
فقال بعضُهم: هو تعبُّدٌ، حتى إنَّ مَن تحقَّقَ طهارةَ يَدِه في نومِه، بأن لفَّ
عليها ثوبًا، أو خرقةً طاهرةً، واستيقظَ وهو كذلكَ، كان مأمورًا بغسلِها، لعموم
أمرِ المُستيقظِ بذلك، وهو أحدُ الوجهينِ لأصحابِنا، وهو مشهورُ مذهبٍ مالكٍ أنه
يُستحَبُّ، وإن تيقَّنَ طهارةَ يَدِهِ.
وأظهرُ الوجهينِ عندَ أصحابِنا، كما قال الرافعيُّ(١): أنَّه لا يُكرَه غمسُ اليدِ
للمستيقظ، مع تيقُنِ طهارةِ يَدِهِ؛ لأنَّه إنَّما أُمِرَ بذلك لاحتمالِ النجاسةِ، بدليلٍ قولِه
في آخرِ الحديثِ: ((فإنَّه لا يَدرِي أين باتَت يَدُه)). فعلَّلَ الأمرَ باحتمالٍ طُروءٍ (٢)
نجاسةٍ على يَدِهِ. واللهُ أعلمُ.
■ التاسعةُ: إذا تقرَّرَ أنَّ ذلك معقولُ المعنَى، وأنَّ الشارعَ أشارَ إلى(٣)
العلَّةِ بقولِه: ((فإنَّه لا يَدرِي أين باتت يَدُه). فقد اختُلِفَ في سببٍ ذلك، فقال
الشافعيُّ(٤) رَظُله: معناه: أنَّ أهلَ الحجازِ كانوا يَستنجونَ بالأحجارِ (٥)، وبلادُهم
حارَّةٌ، فإذا نامَ أحدُهم عرِقَ، فلا يَأمنُ النائمُ أن تطوفَ يَدُه على ذلك الموضعِ
النجسِ، أو على بثرةٍ، أو قملةٍ، أو قذرٍ غيرِ ذلك.
وقال أبو الوليدِ الباجيُّ(٦): اختُلِفَ في سببٍ غسلِ اليدِ للمستيقظِ؛ فقال
ابنُ حبيبٍ: إما لعلَّه قد مسَّ من نجاسةٍ خرَجت منه، لم يَعلمْ بها، أو غيرِ نجاسةٍ
ممَّا يَقذرُ، وقيلَ: لأنَّ أكثرَهم كانوا يَستجمرونَ، وقد يَمسُ بيدِه أثرَ النجوِ، قال:
وليس ذلك بيِّنٍ؛ لأنَّ النجاساتِ لا تخرجُ في الغالبِ إلَّا بعلمٍ منه، وما لم يَعلمْ
به فلا حُكمَ له، وموضعُ الاستجمارِ لا تنالُهُ يَدُ النائم إلَّا مع القصدِ لذلك، ولو
(١) الشرح الكبير (١٩٦/١ - ١٩٧، ٣٩٥). (٢) في (ك): ((طرف)).
(٣)
بعده في (ك): ((معنى)).
(٤)
المجموع (٣٤٨/١)، وشرح صحيح مسلم (١٧٩/٣).
(٥)
في (ك): ((بالأصحار)).
(٦) المنتقى (٢٩٧/١ - ٢٩٨).

٣٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
كان غسلُ (٤٦/٢م) اليدينِ لتجويزِ ذلك، لأُمِرَ بغسلِ الثِّيابِ، لجوازٍ ذلك عليها،
قال: والأظهرُ ما ذهبَ إليه العراقيُّون من المالكيِّين وغيرِهم: أنَّ النائمَ لا يَكادُ
تسلمُ يَدُه من حكِّ مغابنِه، أو بئرِه(١)، في بدنِه وموضعٍ عرقِه، وغيرِ ذلك،
فاستُحِبَّ له غسلُ يَدِهِ مُطلقًا. انتَهَى حاصلُ كلامِه.
وقولِه: إنَّ موضعَ الاستجمارِ لا تنالُهُ يَدُ النائمِ إلَّا مع القصدِ لذلك.
ليس كذلكَ، واعتراضُه بالثِّابِ ليس بجيِّدٍ لمعنیینِ.
أحدُهما: أنَّه رُبَّما كان العرقُ فِي يَدِهِ دُونَ محلِّ الاستنجاءِ، فتأثَّرُ اليدُ دُونَ
الثوب.
والثاني: أنَّه لا يُريدُ غمسَ ثوبِه في الماءِ، حتى يُؤمرَ بغسلِ ثوبِهِ، وأمَّا اليدُ
فَأُمرَ بذلك؛ لأنَّ أثرَ الاستنجاءِ لا يُعفَى عنه في الماءِ، بدليلٍ: أنَّه لو نزلَ
مُستجمرٌ في ماءٍ قليلٍ تنجَّسَ، وإن كان قد عُفيَ عن أثرِ الاستنجاءِ، فهو بالنّسبةِ
إلى المحلِّ المعفوِّ عنه، وما رجَّحَه من أنَّ العلَّةَ: حُّ بئرِهِ أو ما يَقذرُ، فهو في
مذكور.
كلامٍ الشافعيِّ .
■ العاشرةُ: في روايةِ مسلم استحبابُ التثليثِ في غسلِ اليدينِ قبلَ
إدخالِهما في الإناءِ، وهو كذلكَ عندٌ أصحابِنا، ولكنَّ التثليثَ المأمورَ هل هو
لاحتمالِ النجاسةِ، أو هو التثليثُ المشروعُ في الوضوءِ؟ محلُّ نظرٍ.
■ الحاديةَ عشرَ: فيه استحبابُ التثليثِ في غسلِ النجاساتِ مُطلقًا، غيرِ
المُغلَّظةِ، التي أمرَ بالسَّبع فيها، فإنَّ في استحبابِ التثليثِ فيها خلافًا عندَ
أصحابِنا، وإذا أمرَ بالتَّثليثِ في موضعِ احتمالِ النجاسةِ، فالإتيانُ به مع تحقّقِ
النجاسةِ من بابِ أولَی.
■ الثانيةَ عشرَ: اختلَفَ العلماءُ؛ هل تزولُ الكراهةُ بغسلِ اليدِ مرَّةٌ قبلَ
غمسِها، أو يَتوقَّفُ زوالُها على غسلِها ثلاثًا، على ما ثبتَ في رواية مسلم؟
فقال الشافعيُّ في (مُختصرِ البويطيّ)): فإن لم يَغسلهما إلَّا مرَّةً أو مرَّتينٍ، أو
لم يَغسلْهما أصلاً حينَ(٢) أدخَلهما في وَضُوئِه فقد أساءَ.
(١) في (ح): ((بثرة)).
(٢) في (ك، ح): ((حتى).