النص المفهرس

صفحات 421-440

كتابُ الطهارة
٣١٥
أُبايعُهُ على الإسلام، والجهادِ)، وفي روايةٍ (١): أنَّه جاءَ بأخِيه مُجالدٍ .
وروَى أحمدُ(٢) من حديث أبي سعيد الخدريِّ، ورافعٍ بنِ خديجٍ، وزیدِ بنِ
ثابتٍ أيضًا: ((لا هجرةَ بعدَ الفتح ولكن جهادٌ ونيَّةٌ)). فهذه الأحاديثُ(٢) دالَّةٌ على
انقطاعِ الهجرةِ.
وروَى أبو داودَ، والنسائيُّ(٤) من حديثٍ معاويةً، قال: سمِعتُ
رسولَ اللهِ وَّةِ، يَقولُ: ((لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى
تطلعَ الشمسُ من مغربِها». وروَى أحمدُ(٥) من حديثِ ابنِ السَّعديِّ، مرفوعًا: ((لا
تنقطعُ الهجرةُ ما [دامَ العدوُّ يُقاتلُ)). وروَى أيضًا (٦) من حديثٍ جُنادةَ بنِ أبي أُميَّةَ،
مرفوعًا: ((إنَّ الهجرةَ لا تنقطعُ ما](٧) كان الجهادُ)).
وجمعَ الخطَّابيُّ في ((المعالم)» (٨) بينَ هذا الاختلافِ: بأنَّ الهجرةَ كانت في
أوَّلِ الإسلامِ فرضًا، ثمَّ صارت بعدَ فتحِ مَّةَ مندوبًا إليها غيرَ مفروضةٍ، قال:
فالمُنقطعةُ منهما هي الفرضُ، والباقيةُ منهما هي الندبُ، قال: فهذا وجهُ الجمع
بينَ الحديثينِ، على أنَّ بينَ الإسنادينِ ما بينَهما؛ حديثُ ابنِ عباسٍ مُتَّصلٌ
صحيحٌ، وحديثُ معاويةَ فيه مقال. انتَھَى.
وقال صاحبُ ((النِّهايةِ))(٩): إنَّ الجمعَ بينَهما: أنَّ الهجرةَ هجرتانٍ:
إحداهما: التي وعدَ اللهُ عليها بالجنَّةِ، كان الرجلُ يَأْتِي النبيَّ وَّهِ، ويدعُ
أهله وماله، لا يَرجعُ في شيءٍ منه، فلمَّا فُتحت مكَّةُ انقطعَت هذه الهجرةُ.
والثانيةُ: مَن هاجرَ من الأعرابِ، وغزا مع المُسلمينَ، ولم يَفعلْ كما فعلَ
(١) البخاري (٢٩١٣، ٤٠٥٤).
(٢) أحمد (٢٢/٣)، (١٨٧/٥) من حديث أبي سعيد، ورافع بن خديج، وزيد بن ثابت.
(٣) من هنا يبدأ خرم في النسخة (ك)، ينتهي في أثناء الفائدة الرابعة عشر، من الحديث
الأول، في باب: ما يفسد الماء وما لا يفسده.
(٤)
أبو داود (٢٤٧٩)، والنسائي في الكبرى (٨٧١١).
(٥) أحمد (٢٧٠/٥).
(٧) ما بين المعكوفين، ليس في: (ح).
(٩) النهاية (٢٤٤/٥).
(٦) أحمد (٦٤/٢)، (٣٧٥/٥).
(٨) معالم السُّنن (٢٣٤/٢).

٣١٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أصحابُ الهجرةِ، وهو المُرادُ بقولِه: ((لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ)).
انتَھی.
وفي حديثٍ آخرَ ما يَدلُّ على أنَّ المُرادَ بالباقيةِ، هجرُ(١) السَّيِّئَاتِ؛ كما
رواه أحمدُ في «مسندِه))(٢) من حديثٍ معاويةَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، وعبدِ اللهِ بنِ
عمرو بنِ العاصي، أنَّ النبيَّ وََّ، قال: ((الهجرةُ خَصلتانٍ؛ إحداهما تهجرُ
السَّيِّئَاتِ، والأخرَى تُهاجرُ إلى اللهِ وإلى رسولِه، ولا تنقطعُ الهجرةُ ما تُقْبِّتِ التوبةُ،
ولا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتى تطلع الشمسُ من المغربِ، فإذا طلَعت طُبعَ على كلِّ
(٢٤/٢م) قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ الناسُ العملَ)).
وروَى أحمدُ أيضًا (٣) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصي، قال: جاءَ
رجلٌ أعرابيٍّ جافي جريءٌ، فقال: يا رسولَ الله، أين الهجرةُ؛ إليك حيثُ كُنتَ،
أم إلى أرضٍ معلومةٍ، أو لقومٍ خاصَّةً، أم إذا مثَّ انقطعت؟ قال: فسكتَ
رسولُ اللهِ وَّرَ، ساعةً، ثمَّ قالَ: ((أين السائلُ عن الهجرةِ؟)) قال: ها أنا ذا
يا رسولَ الله، قال: ((إذا أقمتَ الصلاةَ وآتبتَ الزّكاةَ فأنتَ مُهاجرٌ، وإن مثَّ
بالحضرمة)). قال: يَعنِي: أرضًا باليمامةِ.
وفي روايةٍ له (٤): ((الهجرةُ أن تَهجُرَ الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وتُقِيمَ
الصلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، ثمَّ أنتَ مُهاجرٌ، وإن مثَّ بالحُضْرِ (٥)).
■ التاسعةُ والأربعونَ: وقعَ هنا الشرطُ والجزاءُ مُتَّحدينِ في الجملتينِ،
في قوله: ((فَمَن كانت هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِه، (٦ فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه ٦))، وكذا
في الجملةِ (٧) الثانيةِ، والقاعدةُ عندَ أهلِ العربيَّةِ: أنَّ الشرطَ والجزاءَ، [٥٣/١ ]
والمُبتدأَ والخبرَ، لا بُدَّ أن يَكونا مُتغايرينٍ.
والجوابُ: أنَّ التغايرَ في الحديثِ مُقدَّرٌ، وتقديرُه: فمَن كانت هجرتُه
في (ح): ((هجرة)).
(١)
(٣) أحمد (٢٠٣/٢).
(٥) الضبط من النسخ.
(٧) ليست في: (ح).
(٢) أحمد (١/ ١٩٢).
(٤) أحمد (٢٢٤/٢).
(٦ - ٦) ليس في: (ح).

كتابُ الطهارةِ
٣١٧
=
إلى اللهِ ورسولِه نيَّةً وقصدًا؛ فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه ثوابًا وأجرًا، أو نحوُ ذلك
من التقديرِ، واللهُ أعلمُ.
■ الفائدةُ الخمسونَ: لم يَقلْ في الجزاءِ: فهجرتُه إليهما، وإن كان
أخصرَ، بل أتَى بالظّاهرِ، فقال: ((فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه)). وذلكَ من آدابِهِ وََّ،
في تعظيمِ اسمِ اللهِ؛ أن يُجمعَ مع ضميرٍ غيرِهِ، كما قال للخطيبِ: ((بئسَ خطيبُ
القومِ أنتَ)). حينَ قال: ((مَن يُطْعِ اللهَ ورسولَه فقد رشَد، ومَن يَعصهما فقد غوَى)).
وبيَّنَ له وجهَ الإنكارِ، فقال له: (قُلْ: ومَن يَعصِ اللهَ ورسولَه))(١).
وهذا يَدفعُ قولَ مَن قال(٢): إنَّما أنكرَ عليه وُقوفَه على قولِه: ((ومَن
يَعصهما)). وقد جمعَ رسولُ اللهِ وبَّلِ، الضَّميرَ في موضع آخرَ، فقال فيما رواه
أبو داودَ(٣) من حديثِ ابنِ مسعودٍ: إنَّ رسولَ اللهِ وَل﴿ كان إذا تشهَّدَ. الحديثَ،
وفيه: ((مَن يُطْعِ اللهَ ورسولَه فقد رشدَ، ومَن يَعصهما فإنَّه لا يَضرُّ إلَّا نفسَه، ولا
يَضِرُّ اللهَ شيئًا)). وظهرَ بهذا: أنَّ تركَ جمعِهما في ضميرٍ واحدٍ، على جهة (٤)
الأدب، وأنَّه إنَّما أنكرَ على الخطيبِ ذلك؛ تنبيهًا على دقائقِ الكلام، ولأنَّه قد
لا يَكونُ عندَه من المعرفةِ بتعظيم اللهِ تعالى ما يَعلمُهُ وََّ من عظمتِهِ وجلالِه.
واللهُ أعلمُ.
الحاديةُ والخمسونَ: الدُّنيا: فُعلَى من الدُّنوِّ، وهو القربُ، سُمِّيت
بذلك؛ لسبقِها للأخرى(٥)، وفي الدَّالِ لُغتانِ: الضَّمُّ، وهو الأشهرُ، والكسرُ:
حكاه ابنُ قُتيبةَ، وغيرُه(٦) .
وهي مقصورةٌ ليس فيها تنوينٌ، بلا (٢٥/٢م) خلافٍ نعلمُه بينَ أهلِ اللُّغةِ
(١)
أخرجه مسلم (٤٨/٨٧٠).
قال بهذا الحافظ ابن رجب، كما في فتح الباري له: (١ / ٥٧).
(٢)
(٣)
أبو داود (١٠٩٧، ٢١١٩).
(٤)
في (م): «وجه)).
(٥)
في (م): ((للآخرة)).
(٦) وينظر: الصحاح (٢٣٤٢/٦)، ولسان العرب (٢٧١/١٤).

=
٣١٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والعربيَّةِ، وحكَى بعضُ المُتأخِّرينَ من شُرَّاح البخاريِّ(١): أنَّ فيها لُغةً غريبةً
بالتَّنوينِ. وليس بجيِّدٍ؛ فإنَّه لا يُعرَفُ في اللُّغةِ.
وسببُ الغلطِ: أنَّ بعضَ رُواةِ البخاريِّ رواه بالتَّنوينِ، وهو أبو الهيثم
الكُشْمِيهَنِيُّ، وأُنكرَ ذلك عليه، ولم يَكنْ ممَّن يُرجعُ إليه في ذلك؛ فأخذَ بعضُهم
يَحكِي ذلك لُغةً، كما وقعَ لهم نحوُ ذلك(٢) في: ((خُلوفٍ فم الصَّائم)). فحكوا فيه
لُغتينٍ، وإنَّما يَعرفُ أهلُ اللُّغةِ الضَّمَّ، وأمَّا الفتحُ فروايةٌ مردودةٌ لا لُغةٌ، واللهُ
أعلمُ.
■ الثانيةُ والخمسونَ: اختلفَ المُتكلِّمونَ في حقيقةِ الدُّنيا على قولينٍ؛
أحدُهما: أنَّها ما على الأرضِ من الهواءِ والجوِّ، والثاني: أنَّها كُلُّ المخلوقاتِ
من الجواهرِ والأعراضِ(٣).
■ الثالثةُ والخمسونَ: ما فائدةُ التنصيصِ على المرأةِ مع كونِها داخلةً
في مُسمَّى الدُّنيا؟ وأجابَ النوويُّ بأجوبةٍ (٤):
أحدُها: أنَّه لا يَلزمُ دُخولُها في هذه الصِّيغةِ؛ لأنَّ لفظةَ دُنيا نكرةٌ، وهي لا
تعمُّ في الإثباتِ، فلا يَلزمُ دُخولُ المرأةِ فيها .
والثاني: أنَّه للتَّنِيه على زيادةِ التحذيرِ .
والثالثُ: أَنَّه جاءَ أنَّ سببَ هذا الحديثِ مُهاجرُ أُمّ قيسٍ.
وحكى ابنُ بظَّالٍ(٥) أيضًا، عن ابنِ سراجٍ: أنَّه إنَّما خصَّ المرأةَ بالذِّكرِ من
بينِ سائرِ الأشياءِ في هذا الحديثِ؛ لأنَّ العربَ كانت في الجاهليَّةِ لا تزوِّجُ(٦)
المولَى العربيَّةَ، ولا يُزوِّجونَ بناتِهم إلَّا من الأكفاءِ في النسبِ، فلمَّا جاءَ الإسلامُ
سوَّى بينَ المُسلمينَ في مناكحِهم، وصارَ كُلُّ واحدٍ من المُسلمينَ كُفؤًا لصاحبِهِ؛
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٦/١ - ١٧)، وعمدة القاري للعيني (٢٤/١).
(٢)
ليست في: (ح).
(٤)
مسلم بشرح النووي (٥٥/١٣).
(٥)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٢/١ - ٣٣).
(٦) في (ح، م): (يتزوج).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٦/١).

كتابٌ الطهارةِ
٣١٩
فهاجرَ كثيرٌ من الناسِ إلى المدينةِ؛ ليتزوَّجَ بها، حتى سُمِّيَ بعضُهم [٥٣/١ظ]:
مُهاجرَ أُمّ قیسٍ.
■ الرابعةُ والخمسونَ: قال ابنُ دقيقِ العيدِ(١): شرعَ بعضُ المُتأخّرِينَ
من أهلِ الحديثِ في تصنيفٍ في أسبابِ الحديثِ، كما صُنِّفَ في أسبابِ النُّزولِ
للكتابِ العزيزِ، فوقَفتُ من ذلك على(٢) يَسيرِ (٣) له، قال: فهذا الحديثُ على ما
قدَّمناه من الحكايةِ عن مُهاجرٍ أُمِّ قيسٍ يَدخلُ في هذا القبيلِ .
■ الخامسةُ والخمسونَ: ما اشتَهرَ بينَ الشُّرَّاحِ لهذا الحديثِ، أنَّ
سببَ (٤) قصَّةٍ مُهاجرٍ أُمِّ قيسٍ، رواه الطَّبرانيُّ في ((المُعجمِ الكبيرِ))(٥)، بإسنادِ
رجالٍ ثقاتٍ، من روايةِ الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: كان فينا
رجلٌ خطبَ امرأةً، يُقالُ لها: أُمُّ قيسٍ، فأبت أن تتزوَّجَه حتى يُهاجرَ، فهاجرَ
فتزوَّجَها، فَكُنَّا نُسمِّيه: مُهاجرَ أُمِّ قيسٍ.
السادسةُ والخمسونَ: لم يُسمِّ أحدٌ ممَّن صنَّفَ في الصَّحابةِ هذا
الرجلَ الذي ذكروا أنَّه (٢٦/٢م) كان يُسمَّى: مُهاجرَ أُمِّ قيسٍ، فيما رأيتُه من
التصانيفِ، وأمَّا أُمُّ قيسٍ المذكورةُ: فقد ذكرَ أبو الخطابِ ابنُ دحيةَ: أنَّ اسمَها:
قَيْلةُ(٦). واللهُ أعلمُ.
السابعةُ والخمسونَ: إن قيلَ: ما وجهُ ما ذكره أبو عمرَ ابنُ عبدِ البرِّ
في ((الاستيعابٍ))(٧) في ترجمةِ أُمّ سُليم: أنَّ أبا طلحةَ الأنصاريَّ خطبَها مُشركًا،
فلمَّا علمَ أنَّه لا سبيلَ له إليها إلَّا بالإسلام، أسلمَ وتزوَّجَها، وحسن إسلامُه.
وهكذا روَى النسائيُّ(٨) من حديثٍ أنسٍ، قال: تزوَّجَ أبو طلحةَ أُمَّ سُليمٍ؛
(١) إحكام الأحكام (٦٦).
(٣)
في (ت): ((سير).
(٥)
المعجم الكبير (١٠٣/٩) (٨٥٤٠).
(٦)
بقاف مفتوحه، ثم تحتانية ساكنه، حكاه ابن حجر في الفتح (١٧/١).
(٧)
(٨) النسائي (٣٣٤٠)، وفي الكبرى (٥٥٠٣).
(٢) بعده في (ح)، والإحكام: ((شيء)).
(٤) في (ح): ((سببه)).
الاستيعاب (١٩٤٠/٤).
=

٣٢٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فكان صداقُ(١) ما بينَهما الإسلامَ. أسلمت أُمُّ سُليم قبلَ أبي طلحةَ فخطبَها،
فقالت: إنِّي قد أسلمتُ، فإن أسلمتَ نكحتُك. فأسلمَ، فكان صداقَ ما بينَهما.
بوَّبَ عليه النسائيُّ: التزويجُ على الإسلامِ.
وروَى النسائيُّ (٢) أيضًا، من حديثِه أيضًا، قال: خطبَ أبو طلحةُ أُمَّ سُليمٍ
فقالت: واللهِ، ما مثلُك يا أبا طلحةَ يُردُّ، ولكنَّك رجلٌ كافرٌ، وأنا امرأةٌ مُسلمةٌ،
ولا يَحلُّ لِي أن أتزوَّجَك، فإن أسلمْتَ(٣)، فذاكَ مهرِي، فلا أسألُك غيرَه.
فأسلم، فكان ذلك مهرها .
قال ثابتٌ: فما سمِعتُ بامرأةٍ قظُ كانت أكرمَ مهرًا من أُمِّ سُليمٍ، الإسلامَ،
فدخلَ بها، الحديثِ. وأخرجَه ابنُ حبَّنَ في ((صحيحِه))(٤) من هذا الوجهِ.
فظاهرُ هذا: أنَّ إسلامَه كان لِيتزوَّجَ بها، فكيفَ الجمعُ بينَه وبينَ حديثٍ
الهجرةِ المذكورةِ، مع كونِ الإسلامِ أشرفَ الأعمالِ؟
والجوابُ عنه من وُجُوهٍ:
أحدُها: أنَّه ليس في الحديثِ أنَّه أسلَم لِيتزوَّجَها، حتى يَكونَ مُعارضًا
الحديثِ الهجرةِ، وإنَّما امتنعت من تزوُّجِه(٥): حتى هداه اللهُ للإسلام؛ رغبةً في
الإسلامِ، لا ليتزوَّجَها، ولا يُظنُّ ذلك بأبِي طلحةَ: أنَّه إنَّما أسلَمَ، ليتزوَّجَ
أُمَّ سُليم، فقد كان من أجلِ الصَّحابةِ.
والوجهُ الثاني: أنَّه لا يَلزمُ من الرَّغبةِ في نكاحِها أنَّه لا يَصُّ منه الإسلامُ
رغبةً فيه، فمتَى كان الدَّاعِي إلى الإسلامِ الرَّغبةَ في الدِّينِ، لم يَضرَّ معَه كونُه يَعلمُ
أنَّه يَحلُّ له بذلك نكاحُ المُسلماتِ، ولا ميراثُ مُورِّثِهِ المُسلم، ولا استحقاقُ
الغنيمةِ، ونحوُ ذلك، إذا كان الباعثُ على الإسلامِ الرَّغبةَ في الدِّينِ.
في (ح): ((صداقها)).
(١)
النسائي (٣٣٤١)، وفي الكبرى (٥٥٠٤).
(٢)
(٣)
في (ح): ((تسلم)).
في (ح): ((تزويجه)).
(٥)
(٤) صحيح ابن حبان (٧١٨٧).

كتابٌ الطهارة
٣٢١
وذكرَ ابنُ بظَّالٍ (١) عندَ حديثٍ: ((الرجلُ يُقاتلُ للمغنم))(٢): أن مَن كان
ابتداؤُه نيَّةَ الأعمالِ اللهِ تعالَى، لم يَضرَّه بعدَ ذلك ما عرضَ في نفسِهِ، وخطرَ بقلبِهِ
من حديثِ النفسِ، ووسواسِ الشيطانِ، ولا يُزيلُه عن حُكمِه إعجابُ اطّلاعِ العبادِ
عليه، بعدَ مُضيِّه إلى ما ندَبه اللهُ إليه، ولا سُرورُه بذلك، وإنَّما المكرُوه أَن يَبدأَ
بنيّةٍ (٢٧/٢م) غيرِ مُخلصةٍ. وحكاه أيضًا في موضع آخرَ عن الطَّبريِّ، وأنَّه حكاه
.
عن قولِ عامَّةِ السَّلفِ
والحقُّ في اجتماعِ الباعثينِ، أو البواعثِ، على الفعلِ الواحدِ أنَّه لا يَخلُو،
إما أن يَكونَ كُلُّ واحدٍ منهما، أو منها، لو انفردَ لكانَ كافيًا في الإتيانِ [٥٤/١ ,]
بالفعلِ، أو يَكونَ الكافِي لذلكَ أحدَهما، أو (٣) أحدها، فإن كان كُلُّ واحدٍ كافيًا
بالإتيانِ به، فهذا يَضرُّ فيه التشريكُ(٤) لقوَّةِ الدَّاعِي، وإن غلبَ أحدُهما بأن يَكونَ
حُصولُه أسرعَ إلى وقوعِ المنويِّ، وإن كان الباعثُ على الفعلِ أحدَهما، بحيثُ لو
عُدمَ(٥) الآخرُ لم يَتخلَّفْ عن المنويِّ، فالحكمُ للقويِّ؛ كمن يَقومُ للعبادةِ وهو
يَستحسنُ إطلاعَ الناسِ عليه، مع أنَّه لو علمَ أنَّه لو لم يَطَّلعْ عليه أحدٌ لما صرفَه
ذلك عنها، ولا عن الرَّغبةِ فيها، فهذا لا يُؤثِّرُ كذلك(٦) في صحَّةِ عبادتِه، وإن
كان الأكملُ في حقِّه التسويةَ بينَ اطّلاعِ الناسِ وعدمِ اطّلاعِهم، والأسلمُ له عدمُ
محبَّةِ اطلاعِهم.
والوجهُ الثالثُ: أنَّه لا يصحُّ هذا عن أبي طلحةَ، والحديثُ - وإن كان
صحيحَ الإسنادِ -، فإنَّه مُعلَّلٌ بكونِ المعروفِ أنَّه لم يكنْ حينئذٍ نزلَ تحریمُ
المُسلماتِ على الكفَّارِ، إنَّما نزلَ بينَ الحديبيةِ وبينَ الفتح، حينَ نزلَ قوله تعالَى:
﴿لَ هُنَّ حِّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، كما ثبتَ في ((صحيح البخاريِّ))(٧).
(١) شرح ابن بطال (١٢٦/١)، (٢٨٥/٥).
(٢)
البخاري (٢٦٥٥).
(٣) بعده في (م): ((لعلة)).
(٤)
في (ت): ((الشريك)).
(٦)
ليس في (م).
(٥) في (ح): ((علم)).
(٧) البخاري (٥٢٨٨)، كتاب الطلاق، باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي
أو الحربي.

=
٣٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فقولُ أُمِّ سُليم في هذا الحديثِ: ولا يَحلُّ لِي أن أتزوَّجَك. شاذٌّ مُخالفٌ
للحديثِ الصحيحِ، وما اجتمعَ عليه أهلُ السُّير(١)، واللهُ تعالى أعلمُ.
■ الثامنةُ والخمسونَ: في قولِ علقمةَ: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ على
المنبرِ، يَقولُ.
ردِّ لقولٍ (٢) مَن يَقولُ: إنَّ الواحدَ إذا اذَّعَى شيئًا كان في مجلسٍ جماعةٍ، لا
يُمكنُ أن يَنفردَ بعلمِهِ دُونَ أهلِ المجلسِ، لم يُقبلْ حتى يُتابعه(٣) غيرُه عليه. كما
قالَه بعضُ المالكيَّةِ؛ مُستدلِّينَ بقصَّةِ ذِي اليدينِ (٤)، وذلكَ لأنَّه لم يَصحَّ من روايةٍ
أحدٍ عن عمرَ إلَّا علقمةَ، مع كونِه حدَّثَ به على المنبرِ، كما ثبتَ في ((الصحيحِ))
بمحضرٍ من الناسِ، وانفردَ علقمةُ بنقلِه مع كونِه من قواعدِ الدِّينِ، بل قد ذكر
ابنُ بِطَّالٍ (٥): أنَّ النبيَّ ◌َِّ خطبَ به حينَ وصلَ إلى دارِ الهجرةِ، وشَهُرَ الإسلامُ.
فإن ثبتَ ذلك، فقد سمِعَه جمعٌ من الصَّحابةِ، ولم يَروِهِ عنه غيرُ عمرَ من
وجهٍ يَصحُ، كما تقدَّمَ، وقد أجمعَ المُسلمونَ على صحَّتِهِ، فلو اشْتُرطَ مُتابعةٌ
الراوِي لِما حضرَه غيرُه، ولم يُقبلِ انفرادُه به لما قبلُوه، واللهُ تعالَى أعلمُ.
وإنَّما استفهمَ النبيُّ بَّهِ عن قصَّةِ ذِي اليدينِ؛ لأنَّه أخبرَه بخلافِ ما كان في
ظنِّه، فاحتاجَ إلى أن يَسألَ (٢٨/٢م) عنه، وليس في حديثٍ عمرَ هذا مُخالفةٌ لما
رواه غيرُه من الصَّحابةِ، فوجبَ المصيرُ إليه.
ا التاسعةُ والخمسونَ: فيه أنَّه لا بأسَ للخطيبِ أن يُوردَ أحاديثَ في
أثناءِ الخطبةِ(٦)، وهو كذلكَ، فقد فعلَه الخلفاءُ الراشدونَ؛ أبو بكرٍ، وغُثمانُ،
وعليٍّ أيضًا، وهو مشهورٌ معروفٌ.
■ الفائدةُ السَّتُّونَ: ذكرَ القاضِي أبو بكرٍ ابنُ العربيّ(٧) حكايةً عن
(١) في (م): ((السنن)).
(٣)
في (م): ((يبايعه)).
(٢) في (م): ((على)).
(٤)
البخاري (٤٦٨)، ومسلم (٥٧٣) عن أبي هريرة.
(٥)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٢/١).
(٦) في الأصل: ((خطبته)).
(٧) عارضة الأحوذي (٤٣/١).

=
كم
٣٢٣
كتابُ الطهارةِ
عُلمائِهِم: أنَّ النِّيَّةَ هي المُرادةُ من قولِهِ وَّه: ((لا وُضوءَ لمن لم يَذكرِ اسمَ اللّهِ
عليه))(١). قال: لأنَّ الذِّكرَ مُضادٌّ للنِّسيانِ، والنِّسيانُ والذِّكرُ إنَّما يَتضادَّانِ بالمحلِّ
الواحدِ، ومحلُّ النِّسيانِ القلبُ، فمحلُّ الذِّكرِ إذًا القلبُ، وذكرُ القلبِ هو النِّيَّةُ،
وذكرَ أنَّ هذا الحديثَ ضعيفٌ، وحكَى قولَ أحمدَ: لا أعلمُ في هذا البابِ حديثًا
صحيحًا. انتَهَى.
وما حكاه عن عُلمائِهم قد رواه أبو داودَ في ((سُننِه))(٢) عن ربيعةً شيخ
مالكِ: أنَّه الذي يَتوضَّأُ ويغتسلُ، ولا يَنوِي وُضوءًا للصَّلاةِ ولا غُسلًا للجنابةِ.
وحكاه الخطّابيُّ(٣) أيضًا عن جماعةٍ من العلماءِ.
وفيه نظرٌ؛ فإنَّ في بعضٍ طُرقِه عندَ الدَّار قطنيّ(٤) من حديثٍ أبي هريرةَ: (مَن
توضَّأ وذكرَ اسمَ اللهِ عليه، تطهَّرَ جسدُه كُلُّه، ومَن توضَّأ ولم يَذكرِ اسمَ اللهِ عليه،
لم يَتطهّرْ إلَّا موضعُ الوضوءِ». فلو كان المُرادُ بذكرِ اسم اللهِ النِّيَّةَ لم يَتطهَّرْ مع
عدمِها شيءٌ، لا مواضعُ الوضوءِ ولا غيرُها.
وقد يُقالُ: يَنبني(٥) على أنَّ الحدثَ يَحلُّ جميعَ الجسدِ، أو أعضاءَ الوضوءِ
فقط .
فإن قُلنا: يَحلُّ جميعَ الجسدِ. لم تحصلِ [٥٤/١ظ] الطَّهارةُ؛ حيثُ لم يَذكرِ
اسمَ الله، وإن قُلنا: تحلُّ أعضاءَ الوضوءِ فقط. حصلَ ذلك لتطهُّرٍ أعضاءِ
الوضوءِ .
وقولُ ابنِ العربيِّ: إنَّ الذِّكرَ مُضادُّ النِّسيانِ، إلى آخرِهِ. إنَّما ذلك في ذكرٍ
القلبِ، فأمَّا ذكرُ اللِّسانِ، فلا يُضادُّه النِّسيانُ، بل يُضادُّه تركُ الذِّكرِ، وإن كان
ذاكرًا بقلبِهِ. واللهُ تعالَى أعلمُ.
وقولُه: إنَّ الحديثَ ضعيفٌ. قد صحَّحَه الحاكمُ(٦) من حديث أبي هريرةَ،
(١) أخرجه أحمد (٤١٨/٢)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجه (٣٩٩) عن أبي هريرة.
(٢)
أبو داود (١٠٢).
(٣) معالم السُّنن (٤٦/١).
(٤)
الدارقطني (٧٤/١).
(٦) المستدرك (١٤٦/١).
(٥) في (ح): ((يبنى)).

=
٣٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وفيه نظرٌ(١).
■ الحاديةُ والسَّتُّونَ: قال ابنُ بِطَّالٍ(٢): وممَّا يُجزئ(٣) بغيرِ نيَّةٍ؛ ما قالَه
مالكٌ: إنَّ الخوارجَ أخذوا الزَّكاةَ منَ الناسِ بالقهرِ والغلبةِ، وأجزأت عمَّن أُخذت
منه، ومنها: أنَّ أبا بكرِ الصِّدِّيقَ وجماعةَ الصَّحابةِ أخذوا الزَّكاةَ من أهلِ الرِّدَّةِ
بالقهرِ والغلبةِ، ولو لم تُجزئ(٤) عنهم ما (٥) أُخذت منهم.
قال ابنُ بطَّالٍ: واحتجَّ مَن خالفَهم وجعَل حديثَ النِّيَّةِ على العموم، أنَّ
أخذَ الخوارج للزَّكاةِ غلبةً(٦) لا (٧ يَنفُ المأخوذ٧ُ) منه(٨) منَ النِّيَّةِ؛ لأنَّ معنَى
النَّّةِ: ذِكرُها (٢٩/٢م) وقتَ أخذِها منه، أنَّه عن الزَّكاةِ، أخذَها المُتغلّبُ(٩) عليه.
وقد أجمعَ العلماءُ أنَّ أخذَ الإمامِ الَّالم لها يُجزُه، فالخارجيُّ في معنَى
الظَّالِمِ؛ لأنَّهم من أهلِ القبلةِ وشهادةٍ (١٠) التوحيدِ، وأمَّا أبو بكرٍ: فلم يقتصر على
أخذِ الزَّكاةِ من أهلِ الرِّدَّةِ، بل قصدَ حربَهم وغنيمةَ أموالِهم وسبيَهم لكفرِهم،
ولو قصدَ أخذَ الزّكاةِ فقط، لردَّ عليهم ما فضلَ عنها من أموالِهم، إلى آخرِ كلامِه.
■ الثانيةُ والسَّتُونَ: فيه حُجَّةٌ على ابنِ القاسم في قولِه: إنَّ الرجلَ إذا
أعتقَ عبدَه عن غيرِه في كفَّارةِ الظُّهارِ بغيرِ علمِه، أنَّه يُجزتُه عن كفَّارتِهِ، وإن كانتِ
الكفّارُ فرضًا عليه.
فأسقطَ كفَّارةَ الظُّهارِ بغيرِ نيَّةِ مَن هي عليه. وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ،
وغيرُهم إلى أنَّه لا يُجزئُه ذلك، وكذلك خالفَه من المالكيَّةِ: أشهبُ، وابنُ المؤَّازِ (١١)،
(١) ينظر: العلل الكبير للترمذي (٢٦/١)، وعلل ابن أبي حاتم (٣٥٧/٢)،، وعلل
الدار قطني (٤٣٣/٤).
شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٢٤/١).
(٢)
(٣)
في (م): ((يجري)).
(٥) في (ح): ((لمَا)).
(٤) في (ح): ((تجُز)).
(٦) في (ح): ((علية)).
(٨) ليست في: (ح).
(٧ - ٧) في (ت، ح): ((تنفك المأخوذة)).
(٩) في (ح): ((المغلب)).
(١٠) في (م): ((وشاهدة)).
(١١) هو: الامام العلامة فقيه الديار المصرية، أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن زياد،
الاسكندراني المالكي، ابن المواز، صاحب التصانيف، انتهت إليه رئاسة المذهب، =

كتابٌ الطهارة
٣٢٥°
والأَبْهَريُّ(١)، وقال: القياسُ أنَّه لا يُجزئُ؛ لأنَّ المُعتقَ عنه بغيرِ أمرِه لم يَنْوِ عتقَه،
والعتقُ في الكفَّاراتِ لا يُجزئُ بغيرِ نيَّةٍ، وليس كالميِّتِ، يُعتقُ عنه في الكفَّارةِ، فإنَّ نِيْتَه
معدومةٌ، واللهُ أعلم.
■ الثالثةُ والسَّتُّونَ: استثنَى بعضُ العلماءِ من هذا الحديثِ ممَّا لا تجبُ
فيه النِّيَّةُ من الواجباتِ: ما إذا غابَ عن المرأةِ زوجُها مُدَّةً طويلةً، وماتَ ولم
تعلمْ بموتِه، أنَّ عدَّتَها من يَومٍ موتِه لا من يَومِ بلغتها وفاتُه، فالعدَّةُ واجبةٌ عليها،
وقد سقطت عنها بغيرِ نيَّةٍ، كما اتَّفقَ عليه الحنفيَّةُ، والمالكيَّةُ، والشافعيَّةُ؛ فيما
حكاه ابنُ بطَّالٍ (٢).
وأجابوا عن الحديثِ: بأنَّ العدَّةَ جُعِلت لبراءةِ الرَّحم، وقد حصَلت وإن لم
تعلم المرأةُ بذلك، وقد أجمعوا أنَّ الحاملَ التي لم تعلمْ بوفاةِ الزَّوجِ أو طلاقِهِ،
تنقضِي عدَّتُها بالوضعِ؛ لبراءةِ الرَّحمِ، واللهُ أعلمُ.
والمعرفة بدقيقه وجليله (ت٢٦٩هـ). سير أعلام النبلاء (٦/١٣)، العبر (٦٦/٢)، الوافي
بالوفيات (٣٣٥/١)، شذرات الذهب (١٧٧/٢).
(١) هو: الإمام العلامة القاضي المحدث شيخ المالكية، محمد بن عبد الله بن محمد بن
صالح، أبو بكر التميمي الأبهري، بلدة بالقرب من زنجان، نزيل بغداد وعالمها. جمع
وصنف التصانيف في المذهب، وقال عنه الدارقطني: هو إمام المالكية، وإليه الرحلة في
الأقطار (ت٣٧٥هـ). سير أعلام النبلاء (٣٣٢/١٦)، ترتيب المدارك (٤٦٦/٤)، المنتظم
(١٣١/٧).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٢٤/١).

=
٣٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
الحديثُ الأوَّلُ
عن همَّام عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((لا تَبُلْ في
الماءِ الدَّائِمِ الذيَّ لا يَجرِي، ثمَّ تغتسلُ منه)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: حديثُ أبي هريرةَ هذا (٣٠/٢°م) أخرجه الأئمَّةُ السِّنَّهُ من طُرقِ:
البخاريُّ(١) من روايةِ الأعرجِ.
ومُسلمٌ(٢) من روايةِ همَّامٍ، و(٣محمد بنٍ ٣) سيرينَ.
وأبو داودَ(٤) من روايةِ ابنِ سيرينَ، وعجلانَ.
والتِّرمذيُّ(٥) من روايةٍ همَّامٍ.
والنسائيُّ(٦) من روايةِ همَّامٍ، وابنِ سيرينَ، وأبي السائبِ مولَى هشامٍ.
وابنُ ماجَه(٧) من روايةِ عجلانَ. خمستُهم، عن أبي هريرةَ.
■ الثانيةُ: في اختلافِ ألفاظِهِ، ففِي بعضِها: ((ثمَّ يَتوضَُّ(٨) منه، أو
يَغتسلُ(٩) منه)) (١٠). وفي روايةِ التِّرمذيِّ: ((لا يَبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدَّائِمِ، ثمَّ
(١) البخاري (٢٣٩).
(٣ - ٣) في (م): ((ابن)).
(٥) الترمذي (٦٨).
(٧) ابن ماجه (٣٤٤).
(٩) في (ح): ((تغتسل)).
(٢) مسلم (٢٨٢ /٩٥، ٩٦).
(٤) أبو داود (٦٩، ٧٠).
(٦) النسائي (٥٧، ٢٢٠، ٣٩٥).
(٨) في (ح): ((تتوضأ)).
(١٠) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح المعاني (١٤/١) من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة.

بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُّه
٣٢٧
=
[٥٥/١و] يَتوضَّأُ منه)). وهي مُخالفةٌ لروايةِ أحمدَ، ومُسلم من طريقِ همَّامٍ؛ وفي
روايةٍ: ((ولا يَغتسلُ(١) فيه من الجنابةِ))(٢). وفي روايةٍ للبيهقيّ(٣): ((ثُمَّ يَتَوضَّأُ (٤)
منه، أو يَشربُ(٥) منه)). وفي روايةٍ: ((الدَّائمُ أو الرَّاكدُ))(٦). ولمسلم(٧) من حديثٍ
جابرٍ: ((الرَّاكدُ)). ولابنِ ماجَه(٨) من حديثِ ابنِ عمرَ ((الناقعُ)).
ولا تعارضَ في هذا الاختلافِ، وإن اختلفَ معنَى الوضوءِ والغسلِ
والشُّرب، فقد صحَّ الكلُّ، ومجملُه(٩): أنَّ النبيَّ وَِّ ذكرَ الثلاثةَ، فأدَّى بعضُهم
واحدًا، وأدَّى بعضُهم اثنينٍ، على ما حَفِظَ كُلُّ واحدٍ من الرُّواةِ.
وقال الحافظُ عبدُ الكريم (١٠): هذا الاختلافُ يَدلُّ على أنَّها أحاديثُ
مُتعدِّدةٌ؛ لأنَّ الاغتسالَ والوضوءَ ممَّا يُمكنُ السُّؤالُ عنه، وهي مُختلفةُ المعنَى،
وأنَّها لو كانت حديثًا واحدًا: لكانَ مُختلفَ اللَّفظِ، والمعنَى واحدٌ. انتَهَى.
وما ذكرْناه من الجمعِ مُمكنٌ من غيرِ تعارضٍ.
■ الثالثةُ: الدَّائمُ بالدَّالِ المُهملةِ، من قولِهم: دامَ بالمكانِ؛ أي: أقامَ
به، وهو الرَّاكدُ والنَّاقعُ، كما تقدَّمَ.
وقولُه بعدَه: ((الذي لا يَجرِي)). هل هو على سبيلِ الإيضاحِ والبيانِ، أم له
في (ح): ((تغتسل)).
(١)
(٢) أخرجه أحمد (٤٣٣/٢)، وأبو داود (٧٠) من طريق عجلان عن أبي هريرة به.
(٣) السنن الكبرى (٢٣٩/١) من طريق عطاء بن مينا، عن أبي هريرة.
(٥) في (ح): ((تشرب)).
(٤) في (ح): ((تتوضأ)).
(٦) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٤)، والطبراني في الأوسط (٣٠٦٩)
من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة.
(٧) مسلم (٢٨١ / ٩٤).
(٩) في (م): «محمله)).
(٨) ابن ماجه (٣٤٥).
(١٠) الحافظ عبد الكريم بن عبد النور بن منير بن عبد الكريم، قطب الدين الحنفي الحلبي،
ثم المصري، له عدة أربعينيات، وبلدانيات، وشرح معظم البخاري، والقدح المعلى في
الكلام على بعض أحاديث المحلى، والاهتمام في أحاديث الأحكام، على الإلمام
للقاضي عياض، وتاريخ مصر (ت٧٣٥هـ). الجواهر المضية (٤٥٤/٢، ٤٥٥)، الدرر
الكامنة (١٢/٢، ١٣)، النجوم الزاهرة (٣٠٦/٩).

٣٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
معنّى آخرُ؟ وبالأوَّلِ: جزَم ابنُ دقيقِ العيدِ، وبه صدَّرَ النوويُّ كلامَه(١)، ثمّ قال:
ويُحتملُ أنَّه احترزَ به عن راكدٍ لا(٢) يَجرِي بعضُه؛ كالبركِ ونحوِها.
هكذا في النُّسخِ الصحيحةِ من ((شرحٍ مسلمٍ))، ولعلَّه: عن راكدٍ يَجرِي
بعضُه؛ أي: فليسَ بمحلِّ النهي، فأمَّا الراكدُ الذي لاَّ يَجرِي بعضُه، فإنَّه لا يُحترزُ
عنه؛ لأنَّه في حُكمِ الراكدِ، واللهُ أعلمُ.
■ الرابعةُ: وقولُه: ((ثُمَّ يَغتسلُ منه)). الرِّوايةُ المشهورةُ فيه: ضُّ اللَّامِ؛
أي: ثمَّ هو يَغتسلُ منه؛ كقولِه في الحديثِ الصحيحِ: ((لا يَضرب أحدُكم امرأتَه
ضربَ الأمةِ، ثمَّ يُضاجعُها))(٣). فإِنَّه برفعِ العينِ.
قال صاحبُ ((المُفهم))(٤): ولم يَروِه أحدٌ بالجزم، ولا تخيَّلَه فيه؛ أي قوله:
((ثُمَّ يُضاجعُها».
وأمَّا: (يَغتسلُ)). فحكَى النوويُّ(٥)، عن العلّامةِ أبي عبدِ اللهِ ابنِ مالكٍ(٦):
أنَّه يَجوزُ أيضًا جزمُه عطفًا (٣١/٢م) على موضع ((يَبولنَّ))، ونصبُه بإضمارٍ أن،
وإعطاءِ (ثمَّ) حُكمَ واوِ الجمعِ.
قال النوويُّ: فأمَّا الجزمُ فظاهرٌ، وأمَّا النصبُ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه يَقتضِي أنَّ
المنهيَّ عنه الجمعُ بينَهما دُونَ إفرادِ أحدهما، قال: وهذا لم يَقلْه أحدٌ، بل البولُ
فيه منھيُّ عنه.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ في ((شرحِ الإلمام))(٧): إنَّ هذا التعليلَ الذي علَّلَ به
امتناعَ النصبِ ضعيفٌ؛ لأنَّه ليس فيه أكثرُ من أنَّ هذا الحديثَ لا يَتناولُ النهيَ
(١) ينظر: شرح الإلمام (١٧٣/١)، شرح صحيح مسلم (١٨٩/٣).
(٢) ليست في شرح الإلمام، وهو موافق لما سوف ينبه عليه المصنف بعد هذا.
(٣) أخرجه بنحوه البخاري (٥٢٠٤)، ومسلم (٢٨٥٥)، والترمذي (٣٣٤٣)، وابن ماجه
(١٩٨٣).
المفهم (١/ ٥٤٢).
(٤)
(٥) شرح مسلم (١٨٧/٣).
(٦) ينظر: شواهد التوضيح لابن مالك (ص١٦٤)، وشرح الخضري على ابن عقيل (٦١/٣).
(٧) شرح الإلمام (١٧٨/١).

=
كم
٣٢٩
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
عن البولِ في الماءِ الراكدِ بمفردِهِ، وليس يَلزمُ أن يَدلَّ على الأحكامِ المُتعدِّدةِ
بلفظٍ واحدٍ، فَيُؤخذُ النهيُ عن الجمع من هذا الحديثِ، ويُؤخذُ النهيُ عن الإفرادِ
من حديثٍ آخرَ (١). انتَهَى.
وقال أبو العبَّاسِ القرطبيُّ(٢): لا يَجوزُ النصبُ؛ إذ لا يُنصبُ بإضمارٍ ((أن))
بعدَ (ثمَّ)، وقال أيضًا: إنَّ الجزمَ ليس بشيءٍ، إذ لو أرادَ ذلك لقالَ: ثمَّ لا
يَغتسلنَّ؛ لأنَّه إذ ذاكَ يَكونُ عطفَ فعلٍ على فعلٍ، لا عطفَ جُملةٍ على جُملةٍ،
وحينئذٍ يَكونُ الأصلُ مُساواةَ الفعلينِ في النهي عنهما، وتأكيدُهما بالنُّونِ الشديدةِ،
فإنَّ المحلَّ الذي تواردا(٣) عليه هو(٤) شيءٌ واحدٌ، وهو الماءُ، فَعُدولُه عن: (ثُمَّ
لا يَغتسلنَّ))، إلى: ((ثُمَّ يَغتسلُ)): دليلٌ على أنَّه لم يَرِدْ للعطفِ، وإنَّما جاءَ (ثُمَّ
يَغتسلُ)) على التنبِيهِ على مآلِ الحالِ، ومعناه: أنَّه إذا بالَ فيه قد يَحتاجُ إليه،
فيمتنعُ عليه استعمالُه، لما أوقعَ فيه من البولِ.
وقال ابنُ دقيقِ العيدِ في ((شرحِ الإلمام)) (٥) نحوَ ذلك في تضعيفِ [٥٥/١ظ]
الجزمِ أيضًا .
قُلتُ: لا يَلزمُ في عطفِ النهي (٦ على النهي٦) وُرودُ التأكيدِ فيهما معًا، كما
هو معروفٌ(٧) في العربيَّةِ، وفي روايةِ أبي داودَ(٨): ((ولا يَغتسلُ فيه منَ الجنابةِ)).
فأتَى بأداةِ النهيٍ ولم يُؤكِّدْه، واللهُ أعلمُ.
■ الخامسةُ: وقعَ في روايةِ همَّامٍ: ((ثُمَّ يَغتسلُ منه)). بالميم والنُّونِ،
وهكذا هو عندَ مسلم(٩)، وقال البخاريُّ(١٠)، في روايةِ الأعرج: ((ثُمَّ يَغتسلُ
فيه)). بالفاءِ و(١١) المُثنَّاة من تحتُ.
(١) يشير إلى ما رواه مسلم (٢٨١) من حديث جابر: نهى أن يبال في الماء الراكد.
(٣) في الأصل، (م): ((توارد)).
(٢) المفهم (١/ ٥٤١).
(٤) ليست في: (ح).
(٥) شرح الإلمام (١٧٥/١ - ١٧٧).
(٦ - ٦) ليس في: (ح).
(٧) في (ح): ((معهود)).
(٨) أبو داود (٧٠).
(٩) مسلم (٩٦/٢٨٢).
(١٠) البخاري (٢٣٩)
(١١) بعده في (ح): ((الياء)).

ـى
5
٣٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال ابنُ دقيقِ العيدِ(١): ومعناهما مُختلفٌ، يُفيدُ كُلُّ واحدٍ منهما حُكمًا
بطريقِ النصِّ، وآخرُ بطريقِ الاستنباطِ، ولو لم يَرَدْ لاستويا لما ذكرْناه.
■ السادسةُ: إذا جعلنا قولَه: ((ثمَّ يَغتسلُ منه)). نهيًا على أحدِ القولينِ:
فيكونُ فيه النهيُ عن شيئينٍ، والنَّهيُ عن الشيئينِ قد يَكونُ نهيًا عن الجمعِ، وقد
يَكونُ نهيّا عن الجميعِ .
فالأوَّلُ: لا يَقتضِي النهيَ عن كلِّ فردٍ وحدَه.
والثاني: يقتضِي النھيَ عن كلِّ فردٍ.
ويدلُّ على الثانِي، روايةُ أبي داودَ(٢): ((لا يَبولنَّ أحدُكم في الماءِ الدَّائم،
ولا يَغتسلُ فيه منَ الجنابةِ)). ويدلُّ أيضًا على (٣٢/٢م) النهي عن الاغتسالِ فيه
بمفردِه: روايةُ مسلمٍ، من روايةٍ أبي السائبِ مولَى هشام، عن أبي هريرةَ: ((لا
يَغتسلْ أحدُكم في الماءِ الدَّائم، وهو جُنبٌ)). فقال: كيفَ يَفعلُ(٣) يا أبا هريرةَ؟
قال: يَتناولُه تناولًا(٤).
■ السابعةُ: احتجَّ به الحنفيَّةُ في تنجيسِ الماءِ الراكدِ بحلولِ النجاسةِ فيه،
وإن كان أكثرَ من قُلَّتينٍ، فإنَّ الصِّيغةَ صيغةُ عُمومٍ (٥).
وأجابَ أصحابُ الشافعيِّ عنه(٦): بأنَّ هذا الحديثَ يَتعذَّرُ العملُ بعمومِه
إجماعًا؛ لأنَّ الماءَ الدَّائمَ الكثيرَ المُستبحرَ لا تُؤْثِّرُ فيه النجاسةُ اتَّفاقًا مِنَّا ومنكم،
وإذا بطلَ عُمومُه وتطرَّقَ إليه التخصيصُ، خصَّصناه بحديثِ القلَّتينِ؛ فَيُحملُ عُمومُه
على ما دُونَ القَلَّتينِ، جمعًا بينَ الحديثينِ، فإنَّ حديثَ القلّتينِ يَقتضِي عدمَ تنجيسٍ
القلَّتينِ فما فوقَهما، وذلكَ أخصُّ من مُقتضَى الحديثِ العامِّ الذي ذكرناه،
والخاصُ مُقدَّمٌ على العامِّ.
(١) إحكام الأحكام (ص٧٧).
(٣)
في (ح): ((نفعل)).
(٢) أبو داود (٧٠).
(٤) مسلم (٢٨٣/ ٩٧).
(٥)
ينظر: المبسوط (٤٦/١)، الهداية (١٨/١)، بدائع الصنائع (٦٧/١).
ليست في: (ح).
(٦)

=
بابُ ما يُفسدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
٣٣١
■ الثامنةُ: فيه حُجَّةٌ للقولِ القديم للشافعيِّ(١): أنَّ الماءَ الجاريَ، وإن
كان قليلًا، لا تُؤثِّرُ فيه النجاسةُ، إلَّا إذا غَيَّرته، فإنَّه يَنجسُ إجماعًا(٢)، فأمَّا إذا
لم يَتغيَّرْ، فمفهومُ الحديثِ: إخراجُه عن الماءِ الدَّائم في أنَّه ليس منهيًّا عن البولِ
فيه، ولا عن الاغتسالِ منه، وهو مفهومُ صفةٍ، وهو حُجَّةٌ على الصحيحِ في
الأصولِ(٣) .
وحكَى الرافعيُّ(٤) عن طائفةٍ من الأصحابِ اختيارَ القولِ القديم، (° وأشارَ
به إلى٥) اختيارِ الغزّاليّ(٦)، وخصَّصَ جمهورُ أصحابِ الشافعيِّ مفهومَ هذا
الحديثِ بمفهوم حديثِ القلّتينِ؛ فإنَّ مفهومَه تأثيرُ النجاسةِ فيما دُونَها؛ جاريًا كان
أو راكدًا. واللهُ أعلمُ.
■ التاسعةُ: احتجَّ به أحمدُ على أنَّ بولَ الآدميِّ، وما في معناه من العَذِرةِ
يُنجِّسُ الماءَ الراكدَ، وإن كان أكثرَ من قُلَّتينٍ، وأنَّ غيرَ ذلك من النجاساتِ
نَعتبرُ(٧) فيه القلَّتينِ، فلم نُعَدِّ حُكمَ البولِ والعَذِرةِ إلى غيرِهما من النجاساتِ، وفي
كلامٍ بعضٍ الشُّرَّاحِ عن أحمدَ: تقييدُ العذرةِ بالمائعةِ، وكأنَّها هي التي عندَه في
معنَى البولِ، دُونَ الجامدةِ، إذ لا تنماعُ(٨) في الماءِ.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ (٩): وكأنَّه رأى الخبثَ المذكورَ في حديثِ القَلَّتينِ عامًّا
بالنّسبةِ إلى الأنجاسِ، وهذا الحديثُ خاصٌّ بالنّسبةِ إلى بولِ الآدميِّ، فقدَّمَ
الخاصَّ على العامِّ بالنِّسبةِ إلى [النجاساتِ الواقعةِ في الماءِ الكثيرِ وأخرجَ بولَ
(١) انظر الشرح الكبير (٢٢٤/١ - ٢٣٣).
(٢) الأوسط (٢٦٥/١)، والإجماع لابن المنذر (ص٣٥)، ومراتب الإجماع لابن حزم
(ص١٧).
(٣) ينظر: البحر المحيط (١١٣/٣)، والإبهاج للسبكي (٣٧٠/١)، وإرشاد الفحول (٤٢/٢).
(٤) الشرح الكبير (٢٣١/١).
(٥ - ٥) في (ح، م): ((وأشار إلى أنه)).
(٦) ينظر: الوسيط للغزالي (١٦٦/١).
(٧) في (الأصل، ك): ((تعتبر)). وفي (ح، م): (يعتبر).
(٨) في (ح): ((تماع)). وفي (م): ((امتناع)). وينظر: المغني (٦٦/١).
(٩) إحكام الأحكام (ص٧٥).

٣٣٢
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الآدميِّ، وما في معناه من جُملةٍ](١) النجاساتِ الواقعةِ في القلّتينِ بخصوصِه،
فَتُنجِّسُ(٢) الماءَ دُونَ غيرِهِ من النجاساتِ.
ثمّ قال(٣): ولمخالفِهم أن يَقولَ: قد علمنا جزمًا أنَّ هذا النهيَ جزمًا إنَّما
هو لمعنَى النجاسةِ (٣٣/٢م)، وعدم التقرُّبِ إلى اللهِ تعالَى بما خالطَها، وهذا
المعنَى يَستوِي فيه سائرُ الأنجاسِ، فلا يُتَّجَهُ تخصيصُ بولِ الآدميِّ منها بالنّسبةِ
إلى هذا المعنَى.
إلى أن قال: فَيُحملُ الحديثُ على أنَّ ذِكرَ البولِ، وردَ تنبيهًا على غيرِهِ ممَّا
يُشاركُه في معناه من الاستقذارِ، والوقوفِ [٥٦/١و] على مُجرَّدِ الظَّاهرِ ههُنا مع
وُضوحِ المعنَى وشُمولِه لسائرِ الأنجاسِ - ظاهريَّةٌ محضةٌ.
■ العاشرةُ: حملَ مالٌ، رحمهُ الله تعالَى، النهيَ في هذا الحديثِ عن
البولِ في الماءِ الراكدِ على الكراهةِ لا على التحريم؛ لأنَّ الماءَ لا يَتنجَّسُ عندَه
بوصولِ النجاسةِ إليه إلَّ بالثَّغيُّرِ كثيرًا كان أو قليلًا، جاريًا كان أو راكدًا(٤)،
وحُجَّتُه قولُه: ((خلَق اللهُ الماءَ طهورًا لا يُنجِّسُه شيءٌ)) الحديثَ(٥). ولكن رُبَّما تغيَّرَ
الراكدُ بالبولِ فيه، فيكونُ الاغتسالُ به مُحرَّمًا بالإجماعِ.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ (٦): وهذا يَلتفتُ على حملِ اللَّفِظِ الواحدِ على معنيينٍ
مُختلفينٍ، وهي مسألةٌ أُصوليَّةٌ(٧)، قال: وقد يُقالُ على هذا: إنَّ حالةَ التغيُّرِ
مأخوذةٌ من غيرِ هذا اللَّفِظِ، فلا يَلزمُ استعمالُ اللَّفِظِ الواحدِ في معنيينٍ، قال:
(١) ما بين المعكوفین، ليس في: (ح).
(٢) في (ح): ((فينجس)).
(٣) إحكام الأحكام (ص٧٦).
(٤) ينظر: الاستذكار (١٥٩/١)، والمدونة (١٣٣/١)، والذخيرة (٢٠٢/١، ٢٠٤).
(٥) أخرجه أبو داود (٦٦)، والترمذي وحسنه (٦٦)، والنسائي (٣٢٦) من حديث أبي سعيد
الخدري، ولفظة: ((خلق الله)). لم ترد في الحديث، وقد نبه على ذلك: ابن الملقن في
البدر المنير (٧٠/٢)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٢٦/١).
(٦) إحكام الأحكام (ص٧٦)، وقد أفاض في بيان هذا المعنى في شرح الإلمام له
(١٩٦/١ - ١٩٨).
(٧) ينظر: الإحكام للآمدي (٤١/١)، البحر المحيط (٤٨٨/١)، الإبهاج (٢٤٨/١).

بابُ ما يُفسِدُ الماءَ، وما لا يُفسدُه
٣٣٣
=
وهذا مُتَّجَهٌ، إلَّا أنَّه يَلزمُ منه التخصيصُ في هذا الحديثِ، فإن جعلنا النهيَ
للتَّحريمِ: كان استعمالُه في الكراهةِ والتَّحريم استعمالَ اللَّفِظِ الواحدِ في حقيقتِه
ومجازِهِ، والأكثرونَ على منعِه، انتَهَى.
وأجابَ صاحبُ ((المُفهم)) (١) عن مالكٍ: بأنَّه وإن كان مشهورُ مذهبِه أنَّه
طهورٌ، فإنَّه يَصُّ أن يُحملَ هذَا الحديثُ على سدِّ الذَّريعةِ؛ لأنَّه رُبَّما أدَّى إلى
تغيُّرِهِ، فَتَهَى عن ذلك.
■ الحادية عشرَ: استدلَّ به بعضُ الحنفيَّةِ على أنَّ الماءَ المُستعملَ
نجسٌ(٢)، وهو قولُ أبي حنيفةَ، أو روايةٌ عنه، فإنَّه قرنَ فيه بينَ البولِ فيه،
والاغتسالِ منه، والبولُ يُنجِّسُه، فكذلكَ الاغتسالُ، وردّه الجمهورُ بوجهينِ :
أحدُهما: أنَّ دلالةَ الاقترانِ ضعيفةٌ، قال بها أبو يوسفَ والمُزنيٌّ، وخالفَهما
غيرُهما من الفقهاءِ والأصوليِّينَ(٣)، وممَّا يَردُّ عليهما: قوله تعالَى: ﴿كُلُواْ مِنْ
ثَمَرِهِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فلا يَلزمُ من اقترانِ
الأكلِ بإيتاءِ الزَّكَاةِ وُجوبُ الأكلِ. واللهُ أعلمُ.
والوجهُ الثانِي: أنَّا ولو سلَّمنا دلالةَ الاقترانِ، فلا يَلزمُ من ذلك القولُ
بنجاستِهِ، بل يَحصلُ ذلك باشتراكِهما في كونِ كُلٌّ منهما لا يَتطهّرُ به بعدَ ذلك،
أما كونُ الامتناع في كُلِّ منهما للنَّجاسةِ فغيرُ لازم، بل الأوَّلُ لتنجُّسِه به، والثانِي
لاستعمالِهِ، وهكذا قال (٣٤/٢م) الخطّابيُّ(٤): إنَّ نهيَهُ عن الاغتسالِ فيه (٥يدلُّ
على أنَّه٥) يَسلبُه حُكمَه؛ كالبولِ فيه يَسلبُه حُكمَه، إلَّا أنَّ الاغتسالَ فيه لا يُنجِّسُه،
والبولَ يُنجِّسُه لنجاستِهِ في نفسِه. واللهُ أعلمُ.
(١) المفهم (١/ ٥٤٢).
(٢) ينظر: مختصر الطحاوي (ص١٦)، والمبسوط (٤٦/١)، الهداية في شرح البداية
(١٨/١)، بدائع الصنائع (١/ ٦٧).
(٣) ينظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي (١٩٦/٢)، البحر المحيط (٣٩٧/٤)، المسودة
لآل تيمية (ص ١٤٠).
(٤) معالم السُّنن (٣٩/١).
(٥ - ٥) ليس في: (ح).

=
٣٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثانيةَ عشرَ: اسْتَدَلَّ به الشافعيُّ والجمهورُ على أنَّ الماءَ المُستعملَ
مسلوبُ الطّهوريَّةِ، فلا يُتَطَهَّرُ به مرَّةً أُخرَى(١)، ولولا أنَّ الاغتسالَ فيه يُخرجُه عن
كونِه يُغتسلُ به مرَّةً أُخرَى لما نُهِيَ عنه، وهذا الاستدلالُ إنَّما يُجعلُ على القولِ
بأنَّ قولَه: ((ثمَّ يَغتسلْ)). مجزومٌ على النهي.
فإن قيلَ: ولو جعلناه نهيًا، فإنَّما النهيُ بعدَ تقدُّم البولِ فيه، فلا يَلزمُ النهيُّ
عن الاغتسالِ فيه من غيرٍ تقدُّمِ بولٍ؟
قُلنا: أما على روايةِ الأصلِ فنعم، وأمَّا على رواية أبي داودَ: ((ولا يَغتسلْ
فيه منَ الجنابةِ)). فهو نهيٌّ عن الاغتسالِ فيه على الانفرادِ، وأصرحُ من ذلك:
روايةُ مسلمِ المُتقدِّمةُ: ((لا يَغتسلُ أحدُكم في الماءِ الدَّائمِ وهو جُنبٌ)). ولم يَذكرْه
بعدَ النهىِ عن البولِ، واللهُ أعلمُ.
■ الثالثةَ عشرَ: النهيُ عن الاغتسالِ في الماءِ الراكدِ، ليس على إطلاقِه
اتّفاقًا، فإنَّ الماءَ المُستبحرَ الكثيرَ؛ كالبحرِ الملحِ لا يَتناولُه النهيُّ اتِّفاقًا، وكذلك
ما هو أكثرُ من القلَّتينِ، عندَ الشافعيِّ ومَن وافقَه، فهو مخصوصٌ بحديثِ القَلَّتينِ،
كما ذكرْنا في(٢) النجاسةِ، لكنَّه يُكرَهُ الاغتسالُ فيه، وإن كان كثيرًا، فقد نصَّ
عليه الشافعيُّ، رحمهُ الله تعالى، في ((البويطيّ)) (٣)، فقال فيه: وسواءٌ قليلُ الراكدِ
وكثيرُه، أَكرَهُ الاغتسالَ فيه.
قال النوويُّ(٤): وكذا صرَّحَ أصحابُنا وغيرُهم بمعناه، قال: وهذا كُلُّهُ على
كراهةِ التنزِيه، [٥٦/١ظ] لا التحريمِ.
■ الرابعةَ عشرَ: إذا تقرَّرَ أنَّ البولَ أو الاغتسالَ في الماءِ الراكدِ (٥) ليس
على عُمومِه، فيفترقُ الحكمُ فيه بسببٍ قلَّتِهِ وكثرتِه، قال المُهلَّبُ بنُ أبي صُفرةَ:
(١) انظر: الحاوي الكبير (٢٩٩/١).
(٢) ليس في: (ح).
(٣) ينظر: المجموع (١٩٦/١)، وشرح صحيح مسلم (١٨٨/٣).
(٤)
شرح صحيح مسلم (١٨٧/٣).
(٥) في (ت، ح، ونسخة بحاشية م): ((الدائم)).