النص المفهرس

صفحات 381-400

=
٢٧٥
بَابٌ في النِّسَاءِ
عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ في وَفَاةِ أبِي سَلَمَةَ: أَنَّه في سَنَةِ أرْبَع؛ لثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ
جُمَادَى الآخِرَةِ.
رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ: النَّبِّ وََّ، عِلْمًا كَثِيرًا .
رَوَى عَنْهَا: وَلَدَاهَا(١) عُمَرُ، وَزَيْنَبُ، ابْنَا أَبِي سَلَمَةَ، وَمَوْلَاهَا سَفِينَةُ،
وَابْنُ المَسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَعَطَاءٌ، وَخَلْقٌ.
وَاخْتُلفَ في وَفَاتِهَا؛ فَقال الوَاقِدِيُّ: سَنَةَ تِسْعِ وَخَمْسِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا
أَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَلِطَ في ذَلكَ؛ لمَا ثَبَتَ في ((صَحِيحِ مُسْلم))(٢): أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ
صَفْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ يَزِيدَ. وَإِنَّمَا وَلِيَ يَزِيدُ فِي سَنَةٍ سِتِينَ.
وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِينَ في خِلَافَةِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ابنُ أَبِي خَيْثَمَةَ،
وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ كَلَامَهُ، وَصَخَّحَهُ أَبُو الفَتْحِ اليَعْمُرِيُّ، وَضَعُفَ أيضًا؛ لمَا
رَوَى حَمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارٍ، سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ، تَقُولُ: سَمِعْتُ الجِنَّ تَبْكِي عَلَى
حُسَيْنٍ، وَتَنُوحُ عَلَيْهِ(٣) .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَى، قَالَتْ(٤): دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ
تَبْكِي، وَقَالَتْ: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِّرفي المنَامِ وَعَلَى رَأْسِهِ وَلحْيَتِهِ التُّرَابُ،
فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: شَهِدْت قَتْلَ الحُسَيْنِ آنِفًا .
وَرُوِّيْنَا عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ قَتْل الحُسَيْنِ بَاقِيَةً، وَسَمِعَتْ نَوْحَ
الجِنِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُتِلَ الحُسَيْنُ سَنَّةَ إحْدَى وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تُوُفِّيَتْ سَنَّةَ إِحْدَى
وَسِتِينَ، وَرَجَّحَهُ الذَّهَبِيُّ في ((العِبَرِ))، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنٍ وَسِتِّينَ.
(١) في (م): ((ولدها)).
(٢) مسلم (٢٨٨٢).
(٣) أخرجه أحمد بن منيع، كما في المطالب العالية (٣٩٦٣)، وأحمد في فضائل الصحابة
(١٣٧٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤٢٥)، والطبراني في الكبير (١٢١/٣،
١٢٢) (٢٨٦٢، ٢٨٦٧)، وأبو نعيم في المعرفة (٣٣١/٥) (١٦٨٥) من طرق عن
حماد بن سلمة به.
(٤) الترمذي (٣٧٧١) وقال: غريب.

٢٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وَأَبْعَدَ مَنْ قال: صَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ؛ فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ تُوُفِي سَنَةَ
إحْدَى وَخَمْسِينَ .
وَسَبَبُ الوَهْم فِيهِ: مَا رُوِيَ أنَّهَا أَوْصَتْ أن يُصَليَ عَلَيْهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ
إيصَائِهَا بِذَلِكَ أن يَكُونَ وَقَعَ ذَلكَ، بَلْ تَكُونُ الوَصِيَّةُ بِذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ حَيَاتِهِ،
وَكَانَ قَدْ مَاتَ، وَاللهُ تعالى أعْلَمُ.
١٩/٢٧٧ - هِنْدُ بِنْتُ عُثْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ بنِ عَبْدِ شَمْسِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ،
القُرَشِيَّةُ(١).
زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّ مُعَاوِيَةَ، أسْلَمَتْ عَامِ الفَتْحِ، بَعْدَ إِسْلَامِ زَوْجِهَا،
فَأَقَرَّهُمَا النَّبِيُّ ◌َّهِ (١٥٣/١م) عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَكَانَتْ امْرَأةً لَهَا نَفْسٌ وَأَنَفَةٌ؛ فَلَمَا
بَايَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ النِّسَاءَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يَسْرِقْنَ، وَلَا يَزْنِينَ، قَالَتْ هِنْدُ: وَهَلْ
تَزْنِي الحُرَّةُ، أوْ تَسْرِقُ يَا رَسُولَ اللهِ(٢)؟
وَتُؤُقِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، في اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو قُحَافَةَ: وَالدُ أبِي بَكْرٍ
الصِّدِّيقِ، وَكَانَ ذَلكَ في المحَرَّمِ سَنَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ.
٢٠/٢٧٨ - (م ٤) أُمُّ الحُصَيْنِ بِنْتُ إسْحَاقَ، الأحْمَسِيَّةُ(٣).
شَهِدَتْ حَجَّةَ الوَدَاعِ، وَرَوَتْ عَنْ: النَّبِّ لَّهَ حَدِيثَيْنِ.
(١) طبقات ابن سعد (٢٣٥/٨)، المعرفة لأبي نعيم (٣٤٦٠/٦)، الاستيعاب (١٩٢٢/٤)،
تاريخ دمشق (١٦٦/٧٠)، أسد الغابة (٤١٦/٥) تاريخ الإسلام (٢٩٨/٣)، الوافي
بالوفيات (٢٣٠/٢٧)، الإصابة (١٦٥/١٣).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٤٧٥٤) بإسناد ضعيف، من حديث أم المؤمنين عائشة، وأخرجه أبو نعيم
في المعرفة (٦/ ٣٤٦٠) (٧٨٦٨) بإسناد ضعيف، عن عبد الله بن محمد بن هشام بن
عروة، عن أبيه مرسلًا، وأخرجه ابن سعد (٩/٨)، والحازمي في الاعتبار (٣٧٥) بإسناد
منقطع، عن الشعبي مرسلًا. وينظر: البدر المنير لابن الملقن (٢٠/ ٦٩١ - ٦٩٥).
(٣) الاستيعاب (١٩٣١/٤)، أسد الغابة (٤٣٦/٥)، تهذيب الكمال (٣٤٥/٣٥)، الإصابة
(١٩٤/١٣).

بَابٌ في النَّسَاءِ
٢٧٧
=
رَوَى عَنْهَا: حَفِيدُهَا؛ يَحْيَى بِنُ الحُصَيْنِ، والعيزارُ بنُ حُرَيْثٍ. لَهَا ذِكْرٌ في
الحَجِّ.
٢١/٢٧٩ - (خ م ت س ق) أُ شَرِيكٍ(١)، القُرَشِيَّةُ العَامِرِيَّةُ(٢).
اخْتُلفَ في اسْمِهَا؛ فَقِيلَ: غُزَيَّةُ بِنْتُ دُودَانَ بنِ عَوْفِ بنِ عَمْرِو بِنِ عَامِرٍ بِنِ
رَوَاحَةَ بنِ حُجْرٍ، وَقِيلَ: حُجَيْرُ بنُ عَبْدِ بنِ مُعَيْصٍ(٣) بِنِ عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، قِيلَ: ◌ُم
شَرِيكِ(٤) بِنْتُ عَوْفٍ بِنِ جَابِرِ بنِ ضَبَابٍ بنِ حُجْرِ بنِ عَبْدِ بنِ مُعَيْصٍ(٥) بنِ عَامِرٍ بِنِ
تُؤَيٍّ، وَقِيلَ اسْمُهَا: غُزَيْلَةُ. وَقِيلَ: إِنَّ أُمَّ شَرِيكِ أَنْصَارِيَّةٌ.
رَوَتْ عَنْ: النَّبِّ وَّهِ أَحَادِيثَ.
رَوَى عَنْهَا: جَابِرٌ، وَابنُ المِسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَشَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ.
وَيُقَالُ: إِنَّهَا الْتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ بَ، وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ فِي نِسَاءِ النَّبِّ وََّ،
وَلَا يَصِحُّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ. لَهَا ذِكْرٌ في الحَجِّ.
٢٢/٢٨٠ - (٤) أُخُّ كُرْزٍ، الكَعْبِيَّةُ الخُزَاعِيَّةُ (٦).
مَكِّيَّةٌ لَهَا صُحْبَةٌ، وَرِوَايَةٌ.
رَوَى عَنْهَا: ابنُ عَبَّاسٍ، وَسِبَاعُ بنُ ثَابِتٍ، وَعُرْوَةُ، وَآخَرُونَ.
(١)
في (ك): ((أم يزيد)).
(٢) طبقات ابن سعد (١٥٤/٨)، طبقات خليفة (٣٣٥)، المعرفة لأبي نعيم (٣٢٣٩/٦،
٣٤٠٦، ٣٥١٧)، الاستيعاب (١٩٤٣/٤)، أسد الغابة (٤٦١/٥)، تهذيب الكمال
(٣٦٧/٣٥)، الإصابة (٢٣٥/١٣).
(٣)
في الأصل: ((معيض)).
(٤) في (ك): ((أم يزيد)).
(٥)
في (ت، ح): ((بغیض)).
طبقات ابن سعد (٢٩٤/٨)، طبقات خليفة (٣٤٢)، تاريخ ابن أبي خيثمة (٨١٠/٢)،
(٦)
المعرفة لأبي نعيم (٣٥٥١/٦)، الاستيعاب (١٩٥١/٤)، أسد الغابة (٤٨٥/٥)، تهذيب
الكمال (٣٨٠/٣٥)، تاريخ الإسلام (٣٤٢/٤)، الوافي بالوفيات (٢٥٣/٢٤)، الإصابة
(٢٧٤/١٣) .

٢٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
لَهَا ذِكْرٌ في العَقِيقَةِ.
٢٣/٢٨١ - أَمُّ مِسْطَحِ [٤٦/١و] بِنْتُ أبِي رُهْمِ بنِ المطّلبِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ
قُصَيّ، القُرَشِيَّةُ المِطَّلِئَةُ(١).
وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرِ بنِ كَعْبٍ بِنِ سَعْدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ، خَالَةُ
أبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ.
وَقِيلَ: إِنَّ أُمَّ مِسْطَحِ اسْمُهَا؛ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بنِ عَامِرِ بنِ كَعْبٍ بِنِ سَعْدِ بنِ
تَيْمِ بنِ مُرَّةَ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ كَلَامَهُ في نَسَبِهَا، وَقال: هِيَ ابْنَةُ خَالَةٍ
أبِي بَكْرٍ، كَانَتْ تَحْتَ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ المطّلبِ، فَوَلَدَتْ لَهُ مِسْطَحًا .
لَهَا ذِكْرٌ في قِصَّةِ الإفْكِ، في الحُدُودِ.
فَهَذَا آخِرُ مَا ذُكِرَ في هَذِهِ الأحْكَامِ، مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ المذْكُورِينَ
بِأسْمَائِهِمْ أوْ كُنَاهُمْ، دُونَ مَنْ أُبْهِمَ مِنْهُ فَلمَ أَذْكُرْهُ هُنَا، بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ ذَكَرْته
في مَوْضِعِ الحَدِيثِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ، إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(١) طبقات ابن سعد (٢٢٨/٨)، الاستيعاب (١٢٢٤/٣)، أسد الغابة (٤٩٤/٥)، الإصابة
(٢٨٧/١٣).

كتابٌ الطهارة
٢٧٩
(٢/٢م) كتابُ الطهارةِ
أُخبرَنا محمدُ (١بنُ محمد١ٍ) بنِ إبراهيمَ الميدوميُّ، قال: أخبرنا
عبدُ اللَّطيفِ بنُ عبدِ المُنعم، قال: أخبرنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عليٍّ،
وعبدُ الرحمنِ بنُ أحمدَ العُمرِيَُّ، والمُبارُكُ بنُ المعطوشِ، قالوا: أخبرنا
هبةُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ البزَّازُ(٢)، قال:
أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ روح المدائنيُّ،
ومحمدُ بنُ رِبْحِ البَزَّازُ(٣)، قالا: حدَّثنا يَزِيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثَّنا يحيى بنُ
سعيدٍ الأنصاريُّ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميّ؛ أَنَّه سمعَ علقمةَ بنَ وقَّاصٍ،
يَقولُ: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ على المنبرِ، يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَهِ،
يقولُ: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما (٤) لامرئٍ ما نوَى، فمَن كانت هجرتُه
إلى اللهِ وإلى رسولِه، فهجرتُه إلى اللهِ وإلى رسولِه، ومَن كانت (٣/٢م) هجرتُه
إلى دُنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ يَتزوَّجُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه))(٥).
فيه فوائدُ:
■ الأولَى: حديثُ عمرَ: أخرَجِه الأئمَّةُ السِّتَّةُ؛ فأخرجه مُسلمٌ، عن
(١ - ١) ليس في: (م).
(٣) في (ك): ((البرار))، وفي (ت، ح): ((البزار)).
(٤) بعده في (م): ((لكل)).
(٢) في (ح): ((البزار)).
أخرجه المزي في تهذيب الكمال (١٥٧/١) من طريق هبة الله بن محمد به، وأخرجه
(٥)
أبو بكر المراغي في مشيخته (ص/ ٦٠، ٦١) من طريق محمد بن إبراهيم البزاز به،
وأخرجه أبو بكر الشافعي في فوائده الغيلانيات (٣٣٦)، ومن طريقه البيهقي (١١٢/٤)،
وابن عساكر في تاريخه (٥٧/١)، (٣٧٦/٥٤)، وابن البخاري في مشيخته (٦٠٦/١)
(٤٤ / ٢٤٦/١٢٢).

٢٨٠
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُميرٍ، وابنُ ماجَه، عن أبي بكرِ ابنِ أبي(١) شيبةَ، كلاهما (٢)
عن يَزيدَ بنِ هارونَ، فوقعَ بدلًا لهما عاليًا بدرجتينِ.
واثَّفقَ عليه الشيخانِ (٣) من روايةِ مالكٍ، وحمَّادِ بنِ زيدٍ، وابنٍ عُيينةَ،
وعبدِ الوهّابِ الثقفيِّ.
وأخرجه البخاريُّ، وأبو داودَ(٤) من روايةِ الثوريِّ.
ومُسلمٌ(٥) من طريقِ اللَّيثِ، وابنِ المُباركِ، وأبِي خالدِ الأحمرِ، وحفصٍ بنِ
غياثٍ .
والتِّرمذيُّ(٦) من روايةِ عبدِ الوهَّابِ الثقفيِّ.
والنسائيُّ(٧) من طريقِ مالكٍ، وحمَّادِ بنِ زيدٍ، وابنِ المُباركِ، وأبِي خالدٍ
الأحمرِ.
وابنُ ماجَه(٨) أيضًا، من روايةِ اللَّيثِ.
عَشَرتُهم؛ عن يحيى بنِ سعيدِ الأنصاريِّ.
أورَده البخاريُّ في سبعةٍ مواضعَ من ((صحيحِه)»(٩): في بدءِ الوحي،
والإيمانِ، والنِّكاح، والهجرةِ، وتركِ الحيلِ، والعتقِ، والنُّذورِ، ومُسلمٌ في
الجهادِ (١٠)، وأبو داودَ في الطَّلاقِ(١١)، والتِّرمذيُّ في الجهادِ (١٢)، والنسائيُّ في
الإيمانِ(١٣)، وابنُ ماجَه في الزُّهدِ (١٤).
■ الثانيةُ: هذا الحديثُ من أفرادِ الصحيحِ، لم يَصحَّ عن النبيِّ وَلَه إِلَّ
(١)
ليست في: (م).
(٢) مسلم (١٩٠٧)، وابن ماجه (٤٢٢٧).
(٣)
البخاري (١، ٥٤، ٣٨٩٨، ٦٦٨٩)، ومسلم (١٩٠٧).
(٤)
البخاري (٢٥٢٩)، وأبو داود (٢٢٠١). (٥) مسلم (١٩٠٧).
(٦)
الترمذي (١٦٤٧).
(٧) النسائي (٧٥، ٣٤٣٧، ٣٨٠٣).
(٨)
ابن ماجه (٤٢٢٧).
(٩) البخاري (١، ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣).
(١١) أبو داود (٢٢٠١).
(١٠) مسلم (١٩٠٧).
(١٢) الترمذي (١٦٤٧).
(١٣) النسائي (٧٥).
(١٤) صحح عليها في: (ك). والحديث عند ابن ماجه (٤٢٢٧).

=
كتابٌ الطهارة
٢٨١
من حديثٍ عمرَ، ولا عن عمرَ إلَّا من روايةٍ علقمةَ، ولا عن علقمةَ إلَّا من روايةٍ
محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميِّ، ولا عن التيميِّ إلَّا من روايةٍ يحيى بنِ سعيدٍ
الأنصاريِّ.
قالَ أبو بكرِ البزَّارُ في («مسندِه))(١): لا نعلمُ يُروَى هذا الكلامُ إلَّا عن
عمرَ بنِ الخطابِ، عن النبيِّ ◌َّ، بهذا الإسنادِ.
وقال الخطّابيُّ(٢): لا أعلمُ خلافًا بينَ أهلِ الحديثِ في أنَّه لم يَصحَّ مُسندًا
عن النبيِّ وَلِّ إلَّا من روايةِ عمَرَ.
وقال التِّرمذيُّ بعدَ تخريجِه(٣): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، لا نعرفُه إلَّا من
حدیثِ یحیی بنِ سعیدٍ .
وقال حمزةُ بنُ محمدٍ [٤٦/١ظ] الكنانيُّ: لا أعلمُ رواه غيرُ عمرَ، ولا عن
عمرَ غيرُ علقمةَ، ولا عن علقمةَ غيرُ محمدِ بنِ إبراهيمَ، ولا عن محمدِ بنِ إبراهيمَ
غیرُ یحیی بنِ سعیدٍ.
وقال محمدُ بنُ عتَّابٍ: لم يَروِهِ غيرُ عمرَ، ولا عن عمرَ غيرُ علقمةً، إلى
آخره.
■ الثالثةُ: ما ذكره هؤلاءِ الأئمّةُ من كونِ حديثٍ عمرَ فردًا هو المشهورُ،
وقد رُويَ من (٢ / ٤م) طُرقٍ أُخرَى، رأيتُ ذكرَها للفائدةِ؛ فوقفتُ عليه مُسندًا من
غيرِ طريقِ عمرَ: من حديثٍ أبي سعيد الخدريِّ، وأبي هريرةَ، وأنسٍ، وعليٍّ.
فحديثُ أبي سعيدٍ؛ رواه الخطّابيُّ في ((معالمِ السُّننِ))، والدَّار قطنيُّ في
((غرائبِ مالكٍ))، وابنُ عساكرَ في ((غرائبِ مالكٍ))(٤)، من روايةِ عبدِ المجيدِ بنِ
عبدِ العزيزِ بنِ أبي روَّادٍ، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ،
(١) مسند البزار (٣٨٢/١)، عقب الحديث (٢٥٧).
(٣) جامع الترمذي (١٨٠/٤).
(٢) أعلام الحديث (١١٠/١).
(٤) الخطابي في أعلام الحديث (١١١/١)، والدارقطني في غرائب مالك، كما في الأمالي في
تخريج مختصر المنتهى لابن حجر المجلس (١٨٣)، وفي أحاديث مالك التي ليست في
الموطأ، كما في البدر المنير لابن الملقن (١٣/٣)، وابن عساكر في تاريخه (٢٣٥/٦٢).

=
٢٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن أبي سعيدٍ، وهو غلطٌ من ابنِ أبي روَّادٍ(١).
وقولُ الخطّبيِّ: إنَّه يُقالُ: إنَّ الغلطَ إنَّما جاءَ من قِبَلِ (٢نُوحِ بنِ حبيب٢ٍ)،
الذي رواه عن ابنِ أبي روَّادٍ. فليسَ بجيِّدٍ من قائلِهِ، فإنَّه لم يَتفرد به نُوحٌ عنه، بل
رواه عنه غيرُه، وإنَّما الذي تفرَّدَ به ابنُ أبي روَّادٍ، كما قال الدَّارقطنيُّ، وغيرُه(٣).
وحديثُ أبي هريرةَ؛ رواه الرَّشيدُ العظَّارُ(٤) في بعضٍ تخاريجِه(٥)، وهو
وهمٌّ أيضًا .
وحديثُ أنسٍ؛ رواه ابنُ عساكرَ(٦) من رواية يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ
إبراهيمَ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا، والمحفوظُ حديثُ
عمرَ، انتَهَى.
والمعروفُ من حديثٍ أنسٍ ما رواه البيهقيُّ(٧) من روايةِ عبدِ اللهِ بنِ المُثَّى
(١) أخرجه الخليلي في الإرشاد (٢٣٣/١)، وأبو نعيم في الحلية (٣٤٢/٦)، وأبو الحسين
الطيوري في الطيوريات (٩٠٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٧٣) من طريق نوح بن
حبیب، عن ابن أبي رواد به.
(٢ - ٢) في (ح): ((نوح بن أبي حبيب)).
(٣) ينظر: علل ابن أبي حاتم (١٣١/١)، وعلل الدارقطني (٢٥٣/١١). وقال الدارقطني في
أحاديث مالك التي ليست في الموطإ، كما في البدر المنير (١٣/٣): تفرد به
عبد المجيد، عن مالك، ولا نعلم حدث به عن عبد المجيد، غير نوح بن حبيب،
وإبراهيم بن محمد العتيق.
نقول: وتابع نوح كذلك: مروان بن هشام؛ أخرجه الدارقطني في غرائب مالك، وعلي بن
الحسن الذهلي؛ أخرجه الحاكم في تاريخ نيسابور، كما في الأمالي لابن حجر.
(٤) في (ك): ((القطان)). وهو تصحيف، والرشيد العطار هو: يحيى بن علي بن عبد الله بن
علي بن مفرج، أبو الحسين القرشي الأموي النابلسي، ثم المصري المالكي، صاحب
التخاريج والإفادات، ومعجم الشيوخ، انتهت إليه رئاسة الحديث بمصر، وولي مشيخة
الكاملية (ت٦٦٢هـ). طبقات الحفاظ (١٤٤٢/٤)، فوات الوفيات (٢٩٥/٤)، شذرات
الذهب (٥٤٠/٧).
(٥) الرشيد العطار في جزء من تخريجه، بسند ضعيف، كما في التقييد والإيضاح
(ص٢٢٧)، وتدريب الراوي (٣٧٦/١).
تاريخ دمشق (٢١٩/٧)، وفي جزء من أماليه، كما في التقييد والإيضاح (ص٢٢٧).
(٦)
السنن الكبرى (٤١/١). قال المصنف في التقييد والإيضاح (ص٢٢٧): في إسناده من =
(٧)

كتابُ الطهارةِ
٢٨٣
=
الأنصاريِّ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ بيتي، عن أنسٍ، فذكر حديثًا فيه أنَّه: ((لا عملَ
لمن لا نيَّةَ له)) الحديثَ.
وحديثُ عليٍّ؛ رواه محمدُ بنُ ياسرٍ الجيَّانِيُّ (١)، في نُسخةٍ، من طريقِ أهلِ
البيتِ، إسنادُها ضعيفٌ.
وأمَّا مَن تابعَ علقمةَ عليه؛ فذكرَ أبو أحمدَ الحاكمُ: أنَّ موسى بنَ عُقبةَ
رواه، عن نافع، وعلقمةً.
وأمَّا مَن تابعَ يحيى بنَ سعيدٍ عليه؛ فقد رواه الحاكمُ في ((تاريخِ نيسابورَ))
من روايةِ عبدِ ربِّهِ بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، أورَده في ترجمةِ أحمدَ بنِ
نصرِ بنِ زيادٍ، وقال: إنَّه غلِطَ فيه. قال: وإنَّما هو عن يحيى بنِ سعيدٍ، لا
عبدِ ربِّهِ بنِ سعیدٍ .
وذكَّر الدَّار قطنيُّ(٢): أنَّه رواه حجَّاجُ بنُ أرطاةَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، وأنَّه
رواه سهلُ بنُ صُقيرٍ، عن الدَّراورديِّ، وابنِ عُيينةَ، وأنسٍ بنِ عياضٍ، عن
محمدِ بنِ عمرو بنِ علقمةَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، ووهمَ سهلٌ على هؤلاءِ
الثلاثةِ، وإنَّما رواه هؤلاءِ الثلاثةُ وغيرُهم، عن يحيى بنِ سعيدٍ.
ورأيتُ في كتابِ ((المُستخرجِ من أحاديثِ الناسِ للفائدة)»(٣) لعبدِ الرحمنِ بنِ
مندَه، أنَّه رواه سبعةَ عشرَ من الصَّحابةِ غيرَ عمرَ، وأنَّه رواه عن عمرَ
= لم يسم. وقال العيني في عمدة القاري (٢٢/١): في إسناده جهالة.
(١) الأربعين العلوية لأبي بكر محمد بن ياسر الجياني، كما في التقييد والإيضاح
(ص٢٢٧)، وتدريب الراوي (٣٧٦/١). وأخرجه كذلك ابن الأشعث في سننه، كما في
التقييد والإيضاح.
(٢)
علل الدارقطني (١٩١/٢).
المستخرج من كتب الناس للتذكرة، والمستطرف من أحوال الناس للمعرفة، كما في
(٣)
نصب الراية (٣٠٢/١)، والبدر المنير (١٤/٣)، والتقييد والإيضاح (ص٢٢٦). والكتاب
منه نسخة مصورة بالجامعة الإسلامية تحت رقم (١٢٥٧ - الحديث ورجاله) ناقصة البداية
والنهاية، تبدأ من الجزء الثالث، وتنتهي بالجزء الحادي والعشرين، وكتب في آخرها :
يتلوه الجزء الثاني والعشرون. وينظر: كشف الظنون (١٦٧١/٢)، والرسالة المستطرفة
(٧٣/٣).

=
٢٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
غيرُ علقمةَ، وعن علقمةَ غيرُ التيميِّ، وعن التميميِّ غيرُ يحيى بنِ سعيدٍ.
وبلغنِي: أنَّ الحافظَ أبا الحجّاجِ المزِّيَّ سُئلَ (٥/٢م) عن كلامِ ابنِ مندَه
هذا، فاستبعدَه.
وقد تتبّعتُ كلامَ ابنِ مندَه(١)؛ فوجدتُ أكثرَ الصَّحابةِ الَّذِينَ ذَكرَ حديثَهم في
البابِ، إنَّما لهم أحاديثُ أُخرَى في مُطلقِ النِّيَّةِ، لا هذا الحديثُ بعينِهِ؛ كحديثٍ:
(يُبعثونَ على نِيَّاتِهم))(٢)، وحديثِ: ((ليس له من غزاتِه إلَّا ما نوَى))(٣)، ونحوٍ
ذلك.
وهكذا يَفعلُ التِّرمذيُّ، حيثُ يَقولُ: وفي البابِ عن فُلانٍ وفُلانٍ. فكثيرًا ما
يُريدُ بذلك أحاديثَ غيرَ الحديثِ الذي يُسندُه في أوَّلِ البابِ، ولكن بشرطِ كونِها
تصلحُ أن تُوردَ في ذلك البابِ، وهو عملٌ صحيحٌ، إلّا أنَّ أكثرَ الناسِ إنَّما
يَفهمونَ إرادةَ ذلك الحديثِ المُعيَّنِ، واللهُ أعلمُ.
■ الرابعةُ: أطلقَ بعضُهم على هذا الحديثِ اسمَ التواترِ، وبعضُهم اسمَ
الشُّهرةِ، وليس كذلكَ، وإنَّما هو فردٌ، ومَن أطلقَ ذلك فمحمولٌ على أنَّه أرادَ
الاشتهارَ، أو التواترَ في آخرِ السَّندِ، من عندٍ يحيى بنِ سعيدٍ.
قال النوويُّ(٤): هو حديثٌ مشهورٌ بالنّسبةِ إلى آخرِهِ، غريبٌ بالنّسبةِ إلى
أوَّلِه. قال: وليس مُتواترًا، لفقدِ شرطِ التواترِ في أوَّلِه؛ رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ
أكثرُ من مائِي إنسانٍ، أكثرُهم أئمّةٌ.
[٤٧/١ و] قُلتُ: رُوِّينا عن الحافظِ أبي موسى محمدِ بنِ عمرَ المدينيِّ، أنَّه
رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ سبعُمائةِ رجلٍ (٥).
(١) التقييد والإيضاح (ص٢٢٧ - ٢٢٩).
(٣) النسائي (٣١٥١).
(٢) البخاري (٢١١٨).
(٤) شرح الأربعين (٦/١).
(٥) قال ابن حجر في الفتح (١١/١): وأنا استبعد صحة هذا؛ فقد تتبعت طرقه من الروايات
المشهورة والأجزاء المنثورة، منذ طلبت الحديث، إلى وقتي هذا، فما قدرت على
تكميل المائه، وقد تتبعت غيره فزادت على ما نقل.

كتابٌ الطهارة
كم
٢٨٥
=
الخامسةُ: في إسنادِ هذا الحديثِ لطيفةٌ حديثيَّةٌ؛ وهو أنَّه اجتمعَ فيه ثلاثةٌ
من التابعينَ، بعضُهم عن بعضٍ: علقمةُ، والتَّيميُّ، ويحيَى(١)، وهو كثيرٌ، وأكثرُ ما
اجتمعَ التابعونَ في حديثٍ واحدٍ ستَّةُ أنفسٍ: أفردَه الخطيبُ بالتَّصنيفِ في جُزءٍ
[الإخلاص].
له(٢)، وهو حديثُ أبي أيُّوبَ في فضلٍ قراءةٍ: ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ@
■ السادسةُ: هذا الحديثُ قاعدةٌ من قواعدِ الإسلام، حتى قيلَ فيه: إنَّه
ثُلُثُ العلمِ، وقيلَ: رُبعُه، وقيلَ: خُمُسُه، فقال الشافعيُّ وأحمدُ(٣): إنَّه ثُلثُ العلم.
قال البيهقيُّ(٤): لأنَّ كسبَ العبدِ بقلبِه ولسانِه وجوارحِه، فالنِّيَّةُ أحدُ
الأقسام، وهي أرجحُها؛ لأنَّها تكونُ عبادةً بانفرادِها، ولذلك كانت نيَّةُ المُؤمنِ
خيرًا من عملِه، وهكذا أوَّلَه البيهقيُّ.
وكلامُ الإمام أحمدَ يُشعرُ بأنَّه أرادَ بكونِهِ ثُلثَ العلم معنًى آخرَ، فإنَّه قال:
أُصولُ الإسلام على ثلاثةِ أحاديثَ؛ حديثُ: ((الأعمالُ بالَنِّيَّةِ))، وحديثُ عائشةَ:
((من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رةٌ)(٥)، وحديثُ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ:
((حلالُ بَيِّنٌ، وحرامُ بيِّنٌ))(٦).
وقال أبو داودَ: اجتهدتُ في (٦/٢م) المُسندِ، فإذا هو أربعةُ آلافِ حديثٍ،
ثمَّ نظرتُ، فإذا مدارُها على أربعةِ أحاديث: ((حلالٌ بَيِّنٌ(٧))، و((الأعمالُ بالنِّيَّةِ))،
وحديثُ أبي هريرةَ: ((إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا))(٨)، وحديثُه: ((من حُسنٍ
إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعِنِيه))(٩). هكذا روَى ابنُ الأعرابيِّ عنه.
(١) بعده في (ح): ((بن سعيد)).
(٢) سماه: حديث الستة من التابعين، وذكر طرقه واختلاف وجوهه. وهو مطبوع بدار فواز -
بالأحساء، تحقيق: الأستاذ محمد رزق طرهوني.
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٤/٢) عن الشافعي، وذكره ابن مفلح في المقصد
الأرشد (١٠٩/١) عن أحمد.
(٤) السنن الصغرى للبيهقي (١٠/١).
(٥) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٦)
البخاري (٥٢، ٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩).
(٧)
بعده في (ت): ((وحرام بين)).
(٨) مسلم (١٠١٥)، والترمذي (٢٩٨٩).
(٩) أحمد (٢٠١/١)، والترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦).

٢٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وروى ابنُ داسةً عنه نحوَهُ(١)، إلَّا أنَّه أبدلَ حديثَ: ((إنَّ اللهَ طيِّبٌ))،
بحديثٍ: ((لا يَكونُ المرءُ مُؤمنًا، حتى لا يَرضَى لأخِيه إلَّا ما يَرضَى لنفسِهِ)).
وجعَلَ بعضُهم مكانَ هذا الحديثِ، الذي ترَّدَ كلامُ أبي داودَ فيه، حديثَ:
((ازهدْ في الدُّنيا يُحبُّكَ اللهُ، وازهدْ فيما في أيدِي الناسِ يُحبُّكَ الناسُ))(٢).
ورُويَ عن أبي داودَ أيضًا(٣): الفقهُ يَدورُ على خمسةِ أحاديثَ: ((الحلالُ
بيِّنٌ))، و((الأعمالُ بالنِّيَّاتِ))، ((وما نهيتكم عنه فاجتنبُوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما
استطعتم)) (٤)، و((لا ضررَ ولا ضرارَ))(٥).
■ السابعةُ: كلمةُ ((إنَّما)) للحصرِ، على ما تقرَّرَ في الأصولِ(٦)، ومعنَى
الحصرِ فيها: إثباتُ الحُكم في المذكورِ ونفيُه عمَّا عداه؛ كقولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا
إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨].
ولكن دلالتُها على النفي فيما عداه هل هو بمقتضى موضوع اللَّفِظِ أو بطريقِ
المفهوم؟ فيه كلامٌ لبعضِ المُتأخّرينَ، واستدلَّ على وفاقِهم أنَّهَا للحصرِ: أنَّ(٧)
ابنَ عبَّاسٍ فِهِمَه من قولِهِ وَّهِ: ((إنَّما الرِّبا في النسيئة)) (٨). فاعترضَه المُخالفونَ له
بدليلٍ آخرَ يَقتضِي تحريمَ (٩) ربا الفضلِ، ولم يُعارضُوه فيما فهِمَه من الحصرِ،
لاتِّفاقِهم عليه (١٠) .
واتَّفقَ الأئمَّةُ السِّتَّةُ على إثباتِ هذه اللَّفظةِ في الحديثِ(١١)، وقد رواه
(٢)
(١) ذكر كلا الروايتين عنه، الخطابي في معالم السُّنن (٣٦٦/٤).
أحمد (٤٤١/٥)، وابن ماجه (٤١٠٢).
(٣) أسنده الخطيب في الجامع (٢/ ٢٩٠) من طريق ابن أبي داود، عنه.
(٤)
مسلم (١٣٣٧)، وابن ماجه (١).
أحمد (٣١٣/١)، وأبو يعلى (٢٥٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٢٨/١١) (١١٥٧٦) من
(٥).
حديث ابن عباس.
ينظر: المحصول للرازي (٥٣٥/١)، والإحكام للآمدي (١٠٦/٣).
(٦)
(٧)
في (ح): ((إذ)).
(٨) مسلم (١٥٩٦).
(٩) ليست في: (ح).
(١٠) في (ك): ((عليهم)).
(١١) في حاشية (ت) بخط محمد أبو حامد المقدسي، متملك النسخة من ورثة جلال الدين =

كتابُ الطهارةِ
٢٨٧
=
القضاعيُّ في ((مُسندِ الشِّهابِ))(١) دُونَ لفظِ: ((إنَّما)). وهي من روايةٍ يَزيدَ بنِ
هارونَ أيضًا، وإسنادُها جيّدٌ، إلَّا أنَّ أبا موسى المدينيَّ، قال: لا يَصحُّ إسنادُه؛
يَعِنِي: بدونِ ((إنَّما))(٢).
■ الثامنةُ: إذا تقرَّرَ أنَّها للحصرِ؛ فتارةً تقتضِي الحصرَ المُطلقَ، وهو
الأغلبُ الأكثرُ، وتارةً تقتضِي حصرًا مخصوصًا؛ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾
[الرعد: ٧]. وقوله: ﴿إِنَّمَا ◌ٌلَوَّةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌ﴾ [محمد: ٣٦]. فالمُرادُ حصرُه
في النِّذارةِ لمن لا يُؤمنُ، ونفيُ قُدرتِه على ما طلبوا منَ الآياتِ، وأرادَ بالآيةِ
الثانيةِ الحصرَ بالنّسبةِ إلى مَن آثرَها، أو هو من بابِ تغليبِ الغالبِ على النَّادِ.
وكذا قولُه في الحديثِ: ((إنَّما أنا بشرٌ))(٣). أرادَ بالنِّسبةِ إلى الاطلاع على
بواطنِ الخصومِ، وبالنّسبةِ إلى جوازِ النِّسيانِ عليه، قال ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): ويُفهمُ
ذلك بالقرائنِ والسِّیاقِ.
■ التاسعةُ: المُرادُ بالأعمالِ هنا (٧/٢م) أعمالُ الجوارحِ كُلُّها، حتى
تدخلَ في ذلك الأقوالُ [٤٧/١ظ]، فإنَّها عملُ اللِّسانِ، وهو من الجوارحِ.
قال ابنُ دقيقِ العيدِ(٥): ورأيتُ بعضَ المُتأخّرِينَ من أهلِ الخلافِ خصَّصَ
الأعمالَ بما لا يَكونُ قولًا، وأخرجَ الأقوالَ من ذلك. قال: وفي هذا عندِي
بُعدٌ، ولا تردُّدَ عندِي في أنَّ الحديثَ يَتناولُ الأقوالَ أيضًا، واللهُ أعلمُ.
ابن الشحنة: ((هو في كتاب الإيمان، من صحيح البخاري، بحذف إنما)). فلعله وقف
=
على ما أشار إليه العيني في عمدة القاري (٢١/١)، بقوله: هذا أيضًا موجود في بعض
نسخ البخاري.
(١) مسند الشهاب (١).
(٢) قال العيني في عمدة القاري (٢١/١، ٢٢): وأقره النووي على ذلك، في تلخيصه
وغيره، وهو غريب منهما، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في صحيحه (٣٨٨)،
قال: وأخرجه أيضًا الحاكم في الأربعين في شعار أهل الحديث، عن أبي بكر ابن خزيمة،
ثنا القعنبي، ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد به سواء، ثم حكم بصحته.
(٣) البخاري (٤٠١)، ومسلم (٨٩/٥٧٢). (٤) إحكام الأحكام (ص٦٤).
(٥) إحكام الأحكام (ص٦٥).

=
٢٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ العاشرةُ: النِّيَّاتُ جمعُ نيَّةٍ، والمشهورُ في الرِّوايةِ تشديدُ الياءِ في
الجمعِ، وحكَى فيه النوويُّ التخفيفَ(١).
وقد ورد الحديثُ بلفظِ الإفرادِ أيضًا في النَّّةِ (٢)، وفي العملِ أيضًا(٣)، وكُلُّه
في الصحيحِ.
واختُلفَ في حقيقةِ النَّّةِ؛ فقيلَ: هي الطَّلبُ. وقيلَ: الجِدُّ في الطَّلبِ، ومنه
قولُ ابنِ مسعودٍ: ((من يَنوِ الدُّنيا تُعجْزُه))(٤)؛ أي: مَن يَجِدُّ في طلبِها. وقيلَ:
القصدُ الشَّيءٍ بالقلبِ. وقيلَ: عزيمةُ القلبِ. وقيلَ: هي من النوَى بمعنَى البعدِ.
فكأنَّ الناويَ للشَّيءِ يَطلبُ بقصدِه وعزمِه ما لم يَصلُ إليه بجوارحِه وحركاتِه
الظّاهرةِ، لبُعدِه عنه، فَجُعلتِ النَّّةُ وسيلةً إلى بُلوغِه، واللهُ أعلمُ.
■ الحادية عشرة: قال ابنُ دقيقِ العيدِ(٥): لا بُدَّ فيه من حذفِ المُضافِ،
واختلفَ الفقهاءُ في تقديرِه؛ فالَّذينَ اشترطوا النِّيَّةَ: قدَّروا صحَّةَ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ،
أو ما(٦) يُقاربُه، والَّذينَ لم يَشترطُوها: قدَّروا كمالَ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ، أو ما
يُقاربُه، وقد رُجِّحَ الأوَّلُ، بأنَّ الصِّحَّةَ أكثرُ لُزومًا للحقيقةِ من الكمالِ؛ فالحملُ
عليها أولَى، قال: وقد يُقدِّرونَه: إنَّما اعتبارُ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ.
وذكر بعضُ المُتأخِّرينَ من الحنفيَّةِ، وهو قاضِي القضاةِ شمسُ الدِّينِ
السُّروجيُّ(٧): أنَّ التقديرَ: ثوابُها لا صحَّتُها؛ لأنَّه الذي يَطَردُ، فإنَّ كثيرًا منَ
المجموع (٣٥٢/١).
(١)
البخاري (٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣)، مسلم (١٥٥/١٩٠٧).
(٢)
(٣)
البخاري (٥٠٧٠).
(٤) من خطبة لابن مسعود، أخرجها هناد في الزهد (٤٩٧)، وابن أبي شيبة في المصنف
(٢٩٧/١٣)، وأبو داود في الزهد (١٧٣)، وأبو نعيم في الحلية (١٣٨/١)، والبيهقي في
المدخل (٢٥٥/٢ - ٢٥٧) (٧٨٦). وينظر: النهاية في غريب الحديث (١٤٤٧/٤).
(٥) إحكام الأحكام (ص٦٥).
(٦) ليست في: (ح).
(٧) هو: قاضي القضاة، شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني، السروجي
الحنفي، شارح الهداية. البداية والنهاية (١٠٧/١٨)، والدرر الكامنة (٦٩/١)،
والطبقات السنية (٢٦١/١).

=
كتابُ الطهارة
٢٨٩
الأعمالِ تُوجدُ (١) وتُعتبرُ شرعًا بدونِها، ولأنَّ إضمارَ الثوابِ مُتفق(٢) على إرادتِهِ،
ولأنَّه يَلزمُ من انتفاءِ الصِّحَّةِ انتفاءُ الثوابِ، دُونَ العكسِ، فكان ما ذهبْنا إليه أقلَّ
إضمارًا فهو أولَى، ولأنَّ إضمارَ الجوازِ والصِّحَّةِ (٣) يُؤدِّي إلى نسخِ الكتابِ بخبرِ
الواحدِ، وهو مُمتنعٌ.
ولأنَّ العاملَ في قولِه: ((بالنِّيَّةِ)). مُقدَّرٌ بإجماع النُّحاةِ، ولا يَجوزُ أن
يَتَعلَّقَ(٤) بالأعمالِ؛ لأنَّها رفعٌ بالابتداءِ؛ فيبقَى(٥) بلا خبرٍ، فلا يَجوزُ، فالمُقدَّرُ:
إما مُجزئةٌ(٦)، أو صحيحةٌ، أو مُئِيبةٌ؛ فَمُثيبةٌ أولَى بالتَّقديرِ، لوجهينِ :
أحدُهما: أنَّ عندَ عدم النِّيَّةِ لا يَبطلُ أصلُ العملِ، وعلى إضمارِ الصِّحَّةِ
والإجزاءِ يَبطلُ، فلا يَبطلُ بالَشَّكِّ.
الثاني: أنَّ قوله: ((ولكلِّ امريٍ ما نوَى)). يدلُّ على الثوابِ والأجرِ؛ لأنَّ
الذي له إنَّما هو الثوابُ، وأمَّا العملُ فعليه(٧). انتَهَى.
وفيه (٨/٢م) نظرٌ من وُجُوهِ:
أحدُها: أنَّه لا حاجةَ إلى إضمارٍ محذوفٍ من الصِّحَّةِ، أو الكمالِ، أو
الثوابِ؛ إذ الإضمارُ خلافُ الأصلِ، وإنَّما المُرادُ حقيقةُ العملِ الشرعيِّ، فلا
يَحتاجُ حينئذٍ إلى إضمارٍ .
وأيضًا فلا بُدَّ من إضمارٍ شيءٍ يَتعلَّقُ به الجارُّ والمجرورُ، فلا حاجةً
الإضمارِ مُضافٍ؛ لأنَّ تقليلَ الإضمارِ أولَى؛ فيكونُ التقديرُ: إنَّما الأعمالُ وُجودُها
بالنّةِ، ويكونُ المُرادُ: الأعمالَ الشرعيَّةَ.
والثاني: أنَّ قوله: إنَّ تقديرَ الثوابِ أقلُّ إضمارًا؛ لكونِه يَلزمُ من انتفاءِ
الصِّحَّةِ انتفاءُ الثوابِ، دُونَ العكسِ. فلا نُسلِّمُ أنَّ فيه تقليلَ الإضمارِ؛ لأنَّ
(١) غير منقوطة في: الأصل. ورسمت في (ك): بالتاء والياء جميعًا.
(٣) في (ح): ((والصحيح)).
(٢) في (م): ((منفق)).
(٤)
في (ح): ((تتعلق)).
(٦) رسمت في الأصل: ((مَجزيَّة)). وفي (ح): ((تجزئه)).
(٧) ينظر: عمدة القاري (٣٠/١ - ٣١).
(٥) في (ح): ((فبقي)).

كم
٢٩٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
المحذوفَ واحدٌ، ولا يَلزمُ من تقديرِ الصِّحَّةِ تقديرُ ما يَترتَّبُ على نفيِها من نفي
الثوابٍ، وُجوبِ الإعادةِ، وغيرِ ذلك؛ فلا نحتاجُ إلى أن نُقدِّرَ(١): إنَّما صحَّةُ
الأعمالِ والثَوابِ، وسُقوطِ القضاءِ مثلًا، بالنِّيَّةِ. بل المُقدَّرُ(٢) واحدٌ، وإن
ترتَّبَ(٣) على ذلك الواحدِ شيءٌ آخرُ: فلا يَلزمُ تقديرُه.
والثالثُ: أنَّ قولَه: إنَّ تقديرَ الصِّحَّةِ يُؤدِّي إلى نسخِ الكتابِ بخبرِ الواحدِ .
فإن أرادَ به أنَّ الكتابَ دالٌّ على صحَّةِ العملِ بغيرِ نيَّةٍ، لكونِ النَّّةِ لم تُذكرْ في
الكتابِ، فهذا ليس بنسخ. وأيضًا فالثَّوابُ مذكورٌ في [٤٨/١ و] الكتابِ على العملِ،
ولم تُذكرِ(٤) النِّيَّةُ، على أنَّ الكتابَ ذُكرت فيه نيَّةُ العملِ، في قوله تعالَى: ﴿وَمَّ
أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ [البينة: ٥]. فهذا هو القصدُ والنِّيَّةُ، ولو سُلِّمَ له
أنَّ فيه نسخَ الكتابِ بخبرِ الواحدِ، فلا مانعَ من ذلك عندَ أكثرِ أهلِ الأصولِ.
والرابعُ: أنَّ قولَه: إنَّ تقديرَ الصِّحَّةِ يُبطلُ العملَ، ولا يَبطلُ بالشَّكِّ. ليس
بجيِّدٍ، بل إذا تيقّنًّا (٥) شغلَ الذِّمَّةِ بوجوبِ العملِ، لم نُسقظْه بالشَّكِّ، ولا تبرأُ
الذِّمَّةُ إلَّا بيقينٍ، فحملُه على الصِّحَّةِ أولَى، لتيقُنِ البراءةِ به.
والخامسُ: أنَّ قولَه: إنَّ الذي له إنَّما (٦) هو الثوابُ، وأمَّا العملُ فعليه(٧).
والأحسنُ(٨) في التقديرِ: أن لا يُقدَّرَ حذفُ مُضافٍ، فإنَّه لا حاجةَ إليه، ولكن
يُقدَّرُ شيءٌ يَتعلَّقُ به الجارُّ والمجرورُ، فإنَّه لا بُدَّ من تقديرِهِ، كما تقدَّمَ،
فتقديره(٩): إنَّما الأعمالُ وُجودُها بالنِّيَّةِ. ونفيُ الحقيقةِ أولَى، والمُرادُ نفيُّ العملِ
الشرعيِّ، [وإن وُجِدَ (١٠) صُورةُ الفعلِ في الطّاهرِ، فليسَ بشرعيٍّ](١١)، عندَ عدمِ
النَّيَّةِ، واللهُ أعلمُ.
(١) في (ح): ((يحتاج إلى أن يقدر)).
(٣)
في (ح): ((يترتب)) .
في (ك): («تبعنا)). وفي (ح): ((أثبتنا)).
(٥)
(٧) بعده في (ح): بياض بمقدار كلمة.
(٩) ليست في: (م).
(١١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك).
(٢) في (ك): ((المقدور)).
(٤) في (ح): ((یذکر)).
(٦) ليست في: (ك).
(٨) في (ك): ((والآخر)).
(١٠) في (ت): ((وجود)). وفي (ح): ((وجب)).

=
كم
٢٩١
كتابُ الطهارة
■ الثانيةَ عشرَ: يُحتملُ أن يَكونَ معنَى ((إِنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)): أنَّ مَن
لم يَنوِ الشيءَ لم يَحصلْ له. ويُحتملُ أن يَكونَ المُرادُ: مَن نوَى شيئًا لم يَحصلْ
.(١)
له غیرُه(١) .
قال ابنُ دقيقِ العيدِ(٢): وبينَهما فرقٌ، وإلى هذا يُشيرُ (٩/٢م) قولُه: ((ومَن
كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَتزوَّجُها فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه)). انتَهَى.
وهذا يُؤدِّي إلى أنَّ التشريكَ في النِّيَّةِ مُفسدٌ لها، وقد ورَد لكلٍّ من
الاحتمالينِ ما يُؤكِّدُه، فممَّا يُؤكِّدُ هذا الاحتمالَ: ما رواه النسائيُّ(٣) من حديثٍ
أبي أمامةَ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَّهِ، فقال: أرأيتَ(٤) رجلًا غزًا يَلتمِسُ
الأجرَ والذّكرَ، ما له؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((لا شيءَ له)) الحديثَ. وفيه: ((إِنَّ اللهَ
لا يقبلُ من العملِ إلَّا ما كان له خالصًا، وابتغَی به وجهَه)).
ويدلُّ للاحتمالِ الأوَّلِ ما رواه النسائيُّ(٥) أيضًا من حديثٍ عُبادةَ بنِ
الصَّامتِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: (مَن غزا في سبيلِ اللهِ ولم يَنوِ إلَّا عقالًا، فَلَه
ما نواه)). فإتيانُه بصيغةِ الحصرِ يَقتضِي أنَّه إذا نوَى مع العقالِ شيئًا آخرَ كان له ما
نواه، واللهُ أعلمُ.
وقد اختلفَ كلامُ أصحابِنا في مواضعَ، وحاصلُ ما ذكرُوه: أنَّ مَن نَوَى مع
الفرضِ ما هو حاصلٌ، ولو لم يَنوِهِ، فإنَّه لا يَضرُّه.
فمنها: لو نوَى الإمامُ تَكبيرةَ الإحرامِ وإعلامَ القومِ لم يَضرَّه، كما جزَم به
الرافعيُّ والنَّوويُّ(٦).
(١) كتب في حاشية (ك): ((الاحتمالان إنما هما في طرف النفي فقط؛ لأن لفظ الحديث أفاد
الحصر، والحصر هو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه، فطرف الإثبات معناه:
كل عمل صحيح بالنية، وطرف النفي محتمل للمعنيين المذكورين، فلفظ الحديث محتمل
لثلاثة معان؛ واحد من طرف الإثبات، واثنان من طرف النفي)).
(٢) إحكام الإحكام (ص٦٦).
(٣) سنن النسائي (٣١٤٠).
(٤)
في (م): ((رأيت)).
(٦) الشرح الكبير (٣٢٨/١)، والمجموع (٣٢٦/١).
(٥) سنن النسائي (٣١٣٩).

=
٢٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ومنها: إذا قصَدَ المسبوقُ (١ بتكبيرة الإحرامِ التحرُّم١َ) والهُوِيَّ، لا يَصحُّ؛
لأنَّ تكبيرةَ الإحرامِ لا يَحصلُ بها تكبيرةُ الهُوِيِّ.
ومنها: لو نوَى الوضوءَ والتَّبرُّدَ، لم يَضرَّه على الأصحِّ؛ لحصولِ التبرُّدِ
بدونِ النّيّةِ، وهذا إذا نواهما معًا، فإن(٢) طرأت نيَّةُ التبرُّدِ، فإن كان ذلك مع ذكرِ
النَّّةِ، لم يَضرَّه، وإن لم يكنْ ذاكرًا لها، لم يَصحَّ ما بعدَ نيَّةِ التبرُّدِ.
ومنها: لو نوَى الجُنبُ غُسلَ الجنابةِ والجمعةِ معًا، فقد نصَّ الشافعيُّ في
((البويطيّ)) على حُصولِهما، وهذا يقتضِي حُصولَ غُسل (٣) الجمعةِ، ولو لم يَنوِهِ،
وهو ما صحَّحَه الرافعيُّ في الشرحينِ (٤)، وخالفَه في ((المُحرَّرِ))، فقال: يَحصلُ
المنويُّ فقط(٥)، وتبعَه النوويُّ [٤٨/١ظ] على هذا(٦) في سائرٍ كُتِهِ، ونقلَه عن
الأكثرينَ(٧). وقال الرافعيُّ: إنَّه إذا نواهما، وقُلنا: إنَّه لو اقتصرَ على الجنابةِ لم
تحصلِ الجمعةُ، فقضيتُه ألّا يَصحَّ الغسلُ أصلًا. ورُدَّ كلامُه لمخالفتِهِ للنَّصِّ.
ومنها: لو نوَى بفرضِه الفرضَ والراتبةَ، فإنَّه لا يَصحُ لعدمِ دُخولِ الراتبةِ مع
الفرضِ، لو لم يَنوِ .
ومنها: لو نوَى الفرضَ والتَّحيَّةَ، حصلا لحصولِ التحيَّةِ بدونِها .
ومنها: لو نوَى بخطبةِ الجمعةِ، الجمعةَ والكسوفَ، لم يَصحَّ، كما جزَم به
الرافعيُّ والنَّوويُّ(٨).
ومنها: ما إذا نوَى بقضاءِ الفائتةِ صلاةَ التراويح، فالقياسُ عدُ الصِّحَّةِ،
وفي فتاوَى ابنِ الصلاحِ حُصولُ الفائتةِ(٩)، وهو مُشكلٌ.
(١ - ١) في (ك): ((بتكبيرة التحرم)). وفي (ح): ((تكبيرة التحرم)).
(٢) في (ح): ((فإذا)).
(٣) من (م): ((غسل)).
(٤)
الشرح الكبير (٣١٩/١).
(٥) ليست في: (ح).
(٦)
لیست في: (ح).
انظر: الشرح الكبير (٣١٩/١)، والمجموع (٣٢٦/١)، وروضة الطالبين (١٥٩/١، ١٦٠).
(٧)
انظر: الشرح الكبير (٨٢/٢)، والمجموع (٥٧/٥).
(٨)
(٩) الفتاوى (٢٣٦/١).

=
كي
٢٩٣
كتابُ الطهارة
ومنها: أن يَنويَ (١٠/٢م) بيوم عاشوراءَ؛ عاشوراءَ مع قضاءٍ، أو نذرٍ، أو
كفَّارةٍ، فالقياسُ عدمُ الصِّحَّةِ، وأفتَى شرفُ الدِّينِ البارزيُّ بحصولِه عنهما(١)، وهو
مُشكلٌ.
أما إذا نوَى في يَوم عاشوراءَ الصِّيامَ عن نذرٍ، أو كفَّارةٍ، أو قضاءٍ،
وأطلقَ، فالقياسُ حُصولُ الفرضِ فقط، وأفتَى البارزيُّ بحصولِهما، وهو بعيدٌ.
وقال صاحبُ ((المُهمَّات)): القياسُ ألّا(٢) يَصحَّ لواحدٍ منهما، وهو مردودٌ أيضًا،
بل الصَّوابُ حُصولُ الفرضِ فقط.
■ الثالثةَ عشرَ: إن قيلَ: ما فائدةُ قولِه: ((وإنَّما لامريٍ(٣) ما نوَى)). بعدَ
قولِهِ: ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)). هل أتَى به للتَّأكيدِ، أو للتَّسيسِ؟
قال صاحبُ ((المُفهَم)) (٤): فيه تحقيقٌ لاشتراطِ النِّيَّةِ، والإخلاصِ في
الأعمالِ. انتَهَى.
فجعَلَه للتّأكيدِ، ولا شكَّ أنَّ التأسيسَ أولَى من التأكيدِ، وذُكِرَ في فائدةِ ذلك
وُجُوهٌ:
أحدُها: ما قالَه النوويُّ(٥): إنَّ فائدتَه اشتراطُ تعيينِ المنويِّ، فإذا كان على
الإنسانِ صلاةٌ مقضيَّةٌ لا يَكفِيه أن يَنويَ الصلاةَ الفائتةَ، بل يُشترطُ أن يَنويَ كونَها
(١) ينظر: فتاوى الهيتمي (٨٣/٢).
والبارزي هو: هبة الله بن عبد الرحيم بن هبة الله، شرف الدين، أبو القاسم الجهني
الحموي البارزي، قاضي القضاة بحماة، كان حسن الأخلاق، معظمًا عند الناس،
انتهت إليه مشيخة المذهب في الشام، له شرح الحاوي، والتمييز، وترتيب جامع
الأصول، ومختصر التنبيه (ت٧٣٨ هـ). البداية والنهاية (٤٠٥/١)، طبقات الشافعية
(٣٨٧/١٠).
(٢) في (ح): ((أنه لا)).
(٣) في (م): ((لكل امرئ)).
(٤) المفهم (٧٤٤/٣). وصاحبه: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، القرطبي
الأنصاري المالكي، الفقيه المحدث المدرس بالإسكندرية (ت٦٥٦هـ). البداية والنهاية
(٣٨١/١٧)، الوافي بالوفيات (٢٦٤/٧).
(٥) شرح صحيح مسلم (١٣/ ٥٤).

د
٢٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ظُهرًا، أو عصرًا، أو غيرَهما، ولولا اللَّفظُ الثانِي لاقتضَى الأوَّلُ صحَّةَ النِّيَّةِ بلا
تعیینٍ.
والوجهُ الثاني: ما ذَكرَه ابنُ السَّمعانيّ(١) في ((أمالِيه))(٢): أنَّ فيه دلالةً على
أنَّ الأعمالَ الخارجةَ عن العبادةِ قد تُفيدُ الثوابَ، إذا نوَى بها فاعلُها القُربةَ؛
كالأكلِ والشُّربِ إذا نوَى بهما القوَّةَ على الطَّاعةِ، والنَّوم إذا قصَد به تَرويحَ البدنِ
للعبادةِ، والوطءِ إذا أريد (٣) به التعفُّفَ عن الفاحشةِ، كما قال عليه الصلاةُ
والسَّلامُ: ((وفي بُضعِ أحدكم صدقةٌ))(٤) الحديثَ.
والوجهُ الثالثُ: أنَّ الأفعالَ التي ظاهرُها القربةُ، وإن كان موضوعُ فعلِها
للعبادةِ، إذا(٥) فعلَها المُكلَّفُ عادةً، لم يَترتَّبِ الثوابُ على مُجرَّدِ الفعلِ، وإن كان
الفعلُ صحيحًا، حتى يَقصدَ به العبادةَ.
وقد ذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ في ((الاقتراح)) (٦): أنَّ من أحسنِ ما يُقصدُ بسماع (٧)
الحديثِ، كثرةُ الصلاةِ على النبيِّ وَّهِ، بقصدِ القربةِ، لا على سبيلِ العادةِ. فجعلَ
الصلاةَ على النبيِّ وَّهِ، وإن كانت قُربةً، أنَّ فائدتَها فيما إذا قصدَ بها القربةَ، واللهُ
أعلمُ.
■ الرابعةَ عشرَ: المعروفُ في الرِّوايةِ كسرُ الراءِ من قولِه: ((لامرِئٍ)).
وعلى هذا فإعرابُه في حرفينٍ من آخرِهِ؛ الراءُ والهمزةُ، تقولُ: هو امرُؤٌ جيِّدٌ،
برفعِ الراءِ، ورأيتُ امْرَأَ، بنصبِها، وهذه هي اللُّغةُ الفصحَى، وفيه لُغتانِ أُخريانٍ:
(١) هو: أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، مفتي خراسان، وشيخ
الشافعية، قال عنه إمام الحرمين: لو كان الفقه ثوبًا طاويًا لكان أبو المظفر طرازه. له
الأمالي في الحديث، وهو في حكم المفقود، وتفسير القرآن، وقواطع الأدلة في
الأصول، وغيرها (ت٤٨٩هـ). الأنساب لابن السمعاني (١٣٩/٧)، سير أعلام النبلاء
(١١٤/١٩).
(٢) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري (١٤/١).
في (ك): ((ارتد)). في (م): ((أراد)).
(٣)
(٤) صحيح مسلم (١٠٠٦).
(٥)
في (ح): ((فإذا)).
(٧) في (ح): ((سماع)).
(٦) الاقتراح (٢٤٤).