النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٢٩٢ - وحدثنا أبو أمية، قال: حدثنا عفان بنُ مسلمٍ، قال:
حدثنا حماد، قال: حدثنا ثمامةُ بن عبد الله بن(١) أنس، عن أبي هريرة
رضي الله عنه، عن النبيِّ وَله
قال: وحدثنا حماد، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد، عن أبي
هريرة، عن النبيِّ لَّهِ مثله(٢).
٣٢٩٣ - وحدثنا محمد بنُ عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا
إسماعيلُ بنُ مرزوق، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوب، عن محمد بن
العجلان، أن القعقاعَ بنَ حكيم أخبره، عن أبي صالح
عن أبي هُريرة، عن النبيِّي لَّهُ مِثْلَه. وزاد: ((فإنما يُتقى بالذي
فيه الداءُ، فليغمسه ثُمَّ لِيُلْقِهِ))(٣).
(١) في الأصل: ((عن))، وهو خطأ.
(٢) الإِسناد الأول فيه انقطاع بين ثمامة بن عبد الله بن أنس وبين أبي هريرة،
فإنه لم يدركه، قال أبو حاتم فيما رواه عنه ابنه: روايته عن أبي هريرة مرسلة.
والإِسناد الثاني صحيح متصل على شرط مسلم. حماد: هو ابن سلمة.
ورواه أحمد ٣٨٨/٢ عن عفان، بهذا الإِسناد.
ورواه الدارمي ٩٩/٢ عن سليمان بن حرب، عن حماد، عن ثمامة بن عبد
الله بن أنس، عن أبي هريرة.
ورواه البزار (٢٨٦٦) من طريق عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس.
(٣) حسن. إسماعيل بن مرزوق، وإن لم يوثقه غير ابن حبان، قد توبع، ومن
فوقه من رجال الصحيح غير محمد بن العجلان، فقد علق له البخاري، وقرنه مسلم
بغيره، وهو صدوق.
=
- ٣٤١ -

٣٢٩٤ - حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو عمر الحَوْضِيُّ،
قال: حدثنا مُرَجَّى بنُ رجاء، قال: حدثنا هشامُ القُردوسي، عن
محمد بن سيرين
عن أبي هُريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ بََّ، قال: ((إذا وَقَعَ
الذَّبابُ فِي إِناءٍ أُحدِكم، فَلْيَغْمِسْهُ، فإنَّ فِي أَحَدٍ جَنَاحَيْهِ داءً، وفي
الآخرِ شِفاءً))(١).
٣٢٩٥ - وحدثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدثنا حامدُ بنُ يحيى،
قال: حدثنا سفيانُ، عن ابن عجلان، عن سعيد
عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، قال: ((إذا وَقَعَ الذُّبَابُ في
إِناءِ أُحدِكُمْ، فَلْيَغْمُرْهُ، فإنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سمّاً، وفي الآخرِ شِفاءً))(٢).
= ورواه أحمد ٣٤٠/٢ من طريق يونس عن الليث بن سعد، عن محمد بن
عجلان، بهذا الإِسناد.
(١) إسناده محتمل للتحسين. رجاله ثقات رجال الشيخين غير مرجى بن رجاء،
فقد علق له البخاري، وهو مختلف في حاله، وثقه أبو زرعة والدارقطني، وضعفه ابن
معين وأبو داود، وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يهم.
ورواه أحمد ٣٥٥/٢ و٣٨٨ عن عفان والأسود بن عامر، كلاهما عن حماد بن
سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة .... وهذا
سند صحيح على شرط مسلم.
(٢) إسناده حسن. ابن عجلان - واسمه محمد - أخرج ه مسلم في المتابعات،
وهو صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير حامد بن يحيى
- وهو البلخي -، فقد روى له أبو داود، وهو ثقة حافظ.
ورواه أحمد ٢٤٦/٢ عن سفيان، بهذا الإِسناد.
- ٣٤٢ -
=

فقال قائلٌ من أهل الجهل بآثارِ رسولِ الله وَّ وبوجوهها: وهل
للذُّباب من اختيارٍ حتى يُقَدِّمَ أَحَدَ جناحَيْهِ لمعنى فيه، ويؤخر الآخر
لمعنى فيه خلاف ذلك المعنى.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنه لو قرأ
كتابَ الله عز وجل قِراءَةً مُتفهّمٍ لما يقرؤه منه، لوجد فيه ما يَدُلُّه على
صِدْقِ قولٍ رسول الله ◌َ﴾ هذا، وهو قولُه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ
إِلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً، وَمِنَ الشَّجَرِ، ومِمَّا يَعْرِشُونَ،
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٨] الآية. وكان وحيُّ الله عز
وجل إليها هو إلهامَه إِيَّاها أن تفعل ما أمرها به، كمثل قوله جل وعزَّ
في الأرض: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحدِّثُ أَخْبَارَها، بأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾
[الزلزلة: ٤-٥]، ووحيُه لها: هو إلهامُه إِيَّها ما شاءَ أن يُلهمها إِيَّه حتى
يكون منها ما أراد عَزَّ وجَلَّ أن يكونَ منها، والنحل كذلك فيما يُوحيه
إليها لِيكون منها ما قد شاء الله عز وجل أن يكونَ منها حتى يمضي
في ذلك بإلهامه إيَّها له، وحتّى يكونَ منها ما أراد عز وجل أن يكونَ
منها .
فمثل ذلك الذبابُ ألهمه عز وجل ما ألهمه مما يكون سبباً لإِتيانه
لما أراده منه مِنْ غمس أحد جناحيه فيما يقعُ فيه مما فيه الداءُ(١)،
والتوقي بجناحه الآخر الذي فيه الشِّفَاءُ، ومن ذلك قولُه عز وجل مما
= ورواه أحمد ٢٢٩/٢، وأبو داود (٣٨٤٤)، والبيهقي ٢٥٢/١، وابن خزيمة
(١٠٥)، وابن حبان (١٢٤٦) من طرق عن بشربن المفضل، عن ابن عجلان، به.
(١) في الأصل: ((الدواء))، وهو خطأ.
- ٣٤٣ -

أخبر به عن النمل: ﴿حَتَّى إِذا أَتَوْا على وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يا
أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُم سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وهُمْ لا
يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]، فألهمها عزَّ وجل ما كان منها من ذلك مما
يكونُ سبباً لِنجاتها ونجاةٍ أمثالها من سليمان ◌َّ ومن جنودِه، فمثل ذلك.
ما رُوِيَ عن النبيِّ وَّ في الذَّباب مما ذكرنا.
ومثلُ ذُلك ما قد أعلمنا عز وجل في الهُدْهُدِ مع سليمانَ بِّه من
قوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امرأةٌ تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣] الآية، وكان ذلك
الإِلهامِ اللهِ عز وجل إيَّاه ذلك، ولم يكن قبلَه مِن أهل الكلام حتى
ألهمه ما ألهمه مما أنطقه به. فمثلُ ذلك ما قد رويناه عن رسولِ الله
40* في الذباب مما ذكرنا، وفيما تلونا مما في كتاب الله عز وجل في
النحل، وفي النمل ما قد دَلَّ على أن سائرَ الأشياءِ كذلك، وأن الله
عز وجل يُلهمُها ما شاءَ إذا شاءَ حتَّى يكونَ بما يُلهمها من ذلك لِغيرها
من سائر خلقه مما هو معروفٌ قبلَ ذلك بمثل ما كان من ذلك الإِلهام .
والله عز وجل نسأله التوفيقَ.
- ٣٤٤ -

٥٣٠ - بابُ بيانِ مُشكِل ما رُوي عن رسولِ اللهِ لَّهُ مِن
قوله: ((مَنْ قالَ لُأَخِيهِ: تَعالَ أَقَامِرْك،
فليتصدَّقْ))، وما في حديث الأوزاعي زيادة
على ذلك: ((فليتصدَّق بالقمار))
٣٢٩٦ - قال أبو جعفر: قد روينا فيما تقدَّمَ مِنَّا في كتابنا هذا
الحديثَ من حديثٍ يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهبٍ، عن يونسَ،
عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ الله وَّهِ قال: «مَنْ قَالَ
لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلَيَتَصدَّقْ))(١).
ثم وجدناه من حديث الأوزاعي، عن الزُّهريِّ، بهذا الإِسناد:
((فليتصدَّق بالقِمارِ) .
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. يونس: هو ابن يزيد الأيلي.
ورواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٩٢) عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا
الإِسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٥٩٣١)، وأحمد ٣٠٩/٢، والبخاري (٤٨٦٠) و(٦١٠٧)
و(٦٣٠١) و(٦٦٥٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والترمذي (١٥٤٥)،
والنسائي في ((الكبرى)) (٤٦٠٣)، وفي ((المجتبى)) ٧/٧، وابن ماجه (٢٠٩٦)، وابن
حبان (٥٧٠٥)، والبيهقي ٣٠/١٠، والبغوي (٢٤٣٣) من طرق عن الزهري، به.
- ٣٤٥ -

٣٢٩٧ - كما حدثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حدثنا عليُّ
بنُ بحر بن بَرِّي، قال: حدثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حدثنا الأوزاعيُّ،
عن الزهريِّ، قال: أخبرني حُميد بنُ عبد الرحمن بن عوف
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ قَالَ
فِي حَلِفِهِ : باللَّتِ والعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إله إلَّ الله، ومَنْ قالَ لِصاحبه:
تَعَالَ أَقَامِرْكَ، فَلْيَتصدَّقْ بِالقِمَارِ))(١).
غير أنا وجدنا هذا الحديثَ من حديث داود بن رُشَيْدٍ، عن الوليد،
عن الأوزاعي بإضافة هذه الكلمة إلى الأوزاعي.
٣٢٩٨ - حدثنا إسحاق بنُ إبراهيمَ بن يونس، قال: حدثنا داودُ بنُ
رُشَيْدٍ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن
الزهري، قال: أخبرني حميد
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ وَّ، ثم ذكر نحوه، غير
(١) إسناده صحيح. علي بن بحر بن بري، روى له أبو داود والترمذي، وهو
ثقة، ومن فوقه مِن رجال الشيخين، وهو مكرر ما قبله، إلا أن قوله: ((بالقمار)) مدرج
من كلام الأوزاعي كما سيُبينه المؤلف.
ورواه مسلم (١٦٤٧) عن سويد بن سعيد، عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد
بلفظ: ((فلیتصدق بشيء)).
ورواه البخاري (٦١٠٧)، والترمذي (١٥٥٤)، والبيهقي ١٤٨/١ من طريق أبي
المغيرة عبد القدوس بن حجاج، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٩١) من طريق
مسكين بن بكير، كلاهما عن الأوزاعي بلفظ: ((فليتصدق)).
- ٣٤٦ -

أنه قال: قال الأوزاعي: يَتَصَدَّقُ بالقِمارِ(١).
قال أبو جعفر: فلم نَجِدْ هذه الكلمة الزائدة في حديثِ الأوزاعيِّ
هذا على ما في حديث يونس من أن يكونَ مِن كلام النبيِّ وََّ، أو
من كلام الأوزاعي تفسيراً لمرادِ النبيِّ وَّ في الأمر بالصدقة عندَ ذلك
ما هي، ولم يكن الأوزاعي مع علمه وفضله يقول مثلَ ذلك تفسيراً
لمراد النبيِّ وَّهِ إِيَّه بقوله: ((فليتصدق)) إلا من حيث ينطلقُ له أن يقوله
إذ كان مثلُه لا يُقال بالرأي، ولا بالاستخراج، ولا بالاستنباط.
فتأملنا معنى: ((فليتصدق بالقمار)) لنقف على المرادِ به ما هو إن
شاء الله، فوجدنا القمارَ حراماً، ووجدنا ما يصيرُ إلى من يُقامر مِن سببه
حراماً عليه، واجباً عليه ردُّه إلى من أخذه منه، أو إلى من أعطاه إِيًّاه
على ذلك القمار، وكان المتقامران سبيلُهما إذا حضرا لما يُريدان من
ذلك أن يكونَ كُلُّ واحد منهما يُحْضِرُ شيئاً من ماله إما أن يَقْمِرَهُ، وإما
أن يَقْمِرَ شيئاً يُضيفه إليه، وكان وجهُ الصدقة التي أمر بها في ذلك
هو الصدقة لما أخرجه من ذلك من ماله لِيعصيَ الله عزَّ وجلَّ به،
فيصرفه في الصَّدقة به التي هي قُربةٌ إلى ربِّه عز وجل، ليكون ذلك
كفَّارةً لِما كان حاولَ أن يصرفَه فيه مما قد حرمه عليه، لا أنه أراد أن
يتصدَّقَ بما يعودُ إليه من مال من قامره بما هُو حرامٌ عليه، ومما حُكْمُهُ
حُكْمُ الغُلول، والله عز وجل لا يَقْبَلُ صدقةً من غُلول، كما قد رُوِيَ
عن رسولِ الله ◌ِوَّ في ذلك
٣٢٩٩ - مما قد حدَّثنا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا:
(١) إسناده صحيح على شرطهما.
- ٣٤٧ -

حدَّثنا أبو الوليد الطَّيالسيُّ، قال: حدثنا زائدةُ بنُ قدامة، عن سماكِ بن
حرب، عن مُصعب بنِ سعدٍ
عن ابن عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: قال رسولُ الله وَّت: ((لا
يَقْبَلُ الله صَلَّةً بِغَيْرِ طهُورٍ ولا صَدَقَةً مِن غُلُولٍ))(١).
٣٣٠٠ - وما قد حدَّثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا وهبُ بنُ
جرير، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادة، عن أبي مليح بن أسامة، عن
أبيه، عن رسول الله وَلَّه مثلَه(٢).
(١) إسناده حسن. سماك بن حرب صدوق حسن الحديث، روى له مسلم
والأربعة، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
ورواه مسلم (٢٢٤)، والترمذي (١)، وابن حبان (٣٣٦٦)، والبيهقي ٤ /١٩١
من طريق قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، بهذا الإِسناد.
ورواه الطيالسي (١٨٧٤)، وابن أبي شيبة ٤/١-٥، وأحمد ١٩/٢-٢٠ و٣٧
و٣٩، وابن ماجه (٢٧٢)، وابن خزيمة (٨)، وأبو عوانة ٢٣٤/١، والبيهقي ٤٢/١
من طرق عن سماك بن حرب، به.
(٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير صحابيه - واسمه أسامةُ بنُ
عمير - فإنه لم يخرجا له ولا أحدهما. أبو المليح: اسمه عامر، وقيل: زيد،
وقيل: زياد.
ورواه علي بن الجعد (٩٩٦)، والطيالسي (١٣١٩)، وابن أبي شيبة ٥/١،
وأحمد ٧٤/٥، وأبو داود (٥٩)، والنسائي ٥٦/٥-٥٧، وابن ماجه (٢٧١)، وأبو
عَوانة ٢٣٥/١، وابن حبان (١٧٠٥)، والطبراني (٥٠٥)، والبغوي في ((شرح
السنة)) (١٥٧)، والبيهقي ٤٢/١ و٢٣٠ من طرق عن شعبة، بهذا الإِسناد . =
- ٣٤٨ -

فقال قائل: وما دليلُك على ماذكرت؟ وإنما فيما رويتَ أن يتصدقَ
بالقمار، والقمارُ ما عاد إليه من مال غيره، لا ما أخرجه من مال نفسه
مما عسى أن يعودَ إلى غيره ممن يُقامِره بقماره إِيَّاه له.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أن الأشياء قد
تُسَمَّى بما قَرُبَتْ منه، وإن لم تتحقق به، ولم تَدْخُلْ فيه، ومن ذلك
قولُ الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجْلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] في سورة البقرة، وفي
سورة الطلاق: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بمعروفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وهنَّ إذا بلغن
أجلَهن قد بِنَّ ممن طلقهن، وانقطع أن يكونَ لهم عليهن رجعة، لأنهن
قد صرن أجنبياتٍ، وقد بين ذلك قولُه عز وجل في الآية الأخرى من
سورة البقرة: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فكان
في ذلك ما قد دلَّ أن ما في الآية الأولى من بلوغ الأجل إنما أريد
به قربَ بلوغِ الأجل، لا حقيقة بلوغ الأجل.
ومن ذلك أن المسلمين قد سَمَّوا ابن إبراهيم وَّ: إمّا إسماعيلَ،
= ورواه أحمد ٧٥/٥، والنسائي ٨٧/١ ٨٨، والطبراني (٥٠٦) من طريقين عن
قتادة، به .
وفي الباب عن أنس عند ابن أبي شيبة ٥/١، وأبي عوانة ٢٣٥/١، وابن ماجه
(٢٧٣)، وعن أبي هريرة عند أبي عوانة ٢٣٦/١، وعن أبي بكرة عند ابن ماجه
(٢٧٤)، وعن أبي بكر الصديق عند أبي عوانة ٢٣٧/١ .
- ٣٤٩ -

وإمَّا إسحاق صلى الله عليهما: الذبيحَ(١) لِقربه من الذبح وإن لم يكن
ذُبِحَ، فمثلُ ذلك أيضاً ما ذكرنا مِن القمار المرادُ به القربُ من القمار
(١) الصواب أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فبشَّرناه بغلامٍ حليمٍ﴾ ٢٣/٧: وهذا
الغلامُ هو إسماعيل - عليه السلام -، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم - عليه السلام -،
وهو أكبرُ من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن
إسماعيل ولد ولإِبراهيم عليه السَّلامُ ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم
تسع وتسعون سنة. وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه وحيدَه، وفي
نسخة: بكرَه، فأقحموا هاهنا كذباً وبهتاناً ((إسحاق))، ولا يجوز هذا لأنه مخالف
لنص كتابهم، وإنما أقحموا ((إسحاق)) لأنَّه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب،
فحسدوهم، فزادوا ذلك، وحرفوا ((وحيدَك))، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإنَّ
إسماعيلَ كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة. وهذا تأويلٌ وتحريفٌ باطل، فإنه لا
يُقالُ: ((وحيد)) إلا لمن ليس له غيره، وأيضاً، فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده
من الأولاد، فالأمرُ بذبحه أبلغُ في الابتلاء والاختبار.
وقد ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن
طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا
سنة، وما أظنُّ ذُلك تُلقي إلا عن أحبارِ أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلماً من غير
حُجة، وهذا كتابُ الله شاهدٌ ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام
الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وبشّرناه بإسحاق نبياً من
الصالحين﴾. ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّركَ بِغُلامٍ
علیمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْناه بإسحاقَ ومِنْ وراء إسحاق يعقوب﴾، أي: يُولد له
في حياتهما ولد يُسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أنه =
- ٣٥٠ -

لا حقيقة القمار، ومثل هذا كثير في كلام العرب، فَأَمَرَ الذي قد سمح
أن يكونَ ما أخرجه ليملكه عليه بقماره إياه له الذي هو حرامٌ عليه بردِّه
إلى الصدقة التي هي الله عز وجل قُرْبَةٌ، وعسى أن يكونَ له كفارة،
مما كان حاوله مِن عصيان الله عز وجل، ودخوله فيما حرمه عليه. والله
عز وجل نسأله التوفيق.
= لا يجوزُ بعد هذا أن يُؤمر بذبحه وهو صغير، لأن الله قد وعدهما بأنه سيُعقب، ويكون
له نسل، فكيف يُمكن بعد هذا أن يُؤمر بذبحه صغيراً، وإسماعيل وصف هاهنا
بالحلم، لأنَّه مناسب لهذا المقام.
- ٣٥١ -

٥٣١ - بابُ بيانِ مشكل ما روي عن رسولِ الله وَله
مِن قوله في كلِّ واحدةٍ من الجِنازتين
اللتين مُرَّ بهما عليه، فأثني
على إحداهما خيرٌ، وأُثني
على الأخرى منهما شرٌّ
٣٣٠١ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ بكر
السَّهميُّ، عن حُميدٍ
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: مَرَّتْ جِنازةٌ برسولِ الله
﴿ ﴿، فَأَتْنَوْا عليها خيراً، فتتابعت الألسنُ لها بالخير فقال: ((وَجَبَتْ))،
قال: ومرت جنازة، فقيل لها شراً، حتى تتابعت الألسنُ عليها بالشرِّ،
فقال: ((وجبت))، ثم قال: ((أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ عزَّ وجَلَّ في الأرْضِ)) (١).
٣٣٠٢ - وحدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا أبو سلمة موسى بن
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. حميد: هو ابن أبي حميد الطويل
البصري .
ورواه أحمد ١٧٩/٣، والترمذي (١٠٥٨)، وأبو يعلى (٣٧٥٩) و(٣٨٥٣) من
طرق، عن حميد، بهذا الإِسناد.
وقال الترمذي: حديث أنس حديث حسن صحيح.
- ٣٥٢ -

إسماعيل المِنْقَرِيِّ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ المغيرة، عن ثابت
عن أنسٍ ، قال: مرَّت جنازة، فأثني عليها خيرٌ، فقال رسولُ الله
وَهُ: ((وَجَبَتْ))، ثم مُرَّ بأخرى، فأثني عليها شرٌّ، فقال رسول الله وَلَّه:
((وَجَبَتْ))(١).
٣٣٠٣ - وحدثنا مُبَشِّرُ بن الحسن بن المبشر البصري أبو بشر،
قال: حدثنا أبو عامر العقديُّ، قال: حدثنا شعبة، عن عبد العزيزبن
صُھیب
عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: مَرُّوا على رسولِ الله
وَ* بجنازةٍ، فأثنوا عليها خيراً، فقال: ((وَجَبَتْ))، ومُرُّوا عليه بأخرى،
فأثنوا عليها شرّاً، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((وَجَبَتْ))، فقال: ((إِنَّكُمْ أَثْنَيْتُمْ
على هذا خيراً، فَوَجَبَتْ له الجَنَّةُ، وأثنيتُمْ على هذا شَرّاً، فَوَجَبَتْ له
النَّارُ، وأَنْتُمْ شُهَداءُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في الأرضِ))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. رجاله ثقات رجال الشيخين غير
سليمان بن المغيرة، فمن رجال مسلم، وروى له البخاري مقروناً وتعليقاً. ثابت: هو
ابن أسلم البناني .
ورواه أحمد ٢١١/٣ عن عبد الصمد، عن سليمان بن المغيرة، بهذا الإسناد.
ورواه ١٨٦/٣ و١٩٧ و٢٤٥، والبخاري (٢٦٤٢)، ومسلم (٩٤٩)، وابن ماجه
(١٤٩١)، والبغوي (١٥٠٨)، والبيهقي ٧٥/٤ و٢٠٩/١٠، وأبو نعيم في ((الحلية))
٢٩١/٦، وأبو يعلى (٣٣٥٢) و(٣٣٥٣) و(٣٤٦٦)، وابن حبان (٣٠٢٥) من طرق،
عن ثابت، به.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو عامر العقدي: هو عبد الملك بن =
- ٣٥٣ -

٣٣٠٤ - وحدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو معمرٍ - قال
أبو جعفر: هذا أبو معمر الزمِن-، قال: حدثنا عبدُ الوارِثِ، قال:
حدثنا عبدُ العزيز بنُ صُهيبٍ
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: مُرَّ على النبيِّ وَهُ
بجنازة، فأثني عليها خيراً(١)، فقال نبيُّ الله وَّهِ: ((وَجَبَتْ وَجَبَتْ
وَجَبَتْ))، ومُرَّ بجنازة، فَأُثني عليها شرّاً، فقال: ((وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ))،
فقال عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه: فِدأُؤك أبي وأمي، مُرَّ بجنازة،
فأثني عليها خيراً، فقلتَ: ((وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ))، ومرّ بجنازة، فأثني
عليها شرّاً، فقلتَ: ((وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ))، فقال نبي اللهَِّ: ((مَنْ
أثنيتُم عليه خيراً وَجَبَتْ له الجنَّة، ومن أثنيتُمْ عليه شرّاً، وَجَبَتْ له النَّارُ،
= عمرو القيسي .
ورواه الطيالسي (٢٠٦٢)، وابن الجعد (١٤٨٩)، والبخاري (١٣٦٧)، وابن
حبان (٣٠٢٣)، والبيهقي ٧٤/٤-٧٥، والبغوي (١٥٠٧) من طرق عن شعبة، بهذا
الإِسناد.
ورواه أحمد ١٨٦/٣، ومسلم (٩٤٩)، والنسائي ٤٩/٤-٥٠، وابن الجعد
(١٤٩١) من طريق إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيزبن صهيب، به.
ورواه ابنُ الجعد (١٤٩٠) من طريق هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب، به.
(١) كذا وقع منصوباً، والجادة الرفع، ووجهه بعضهم بأن الجار والمجرور أقيم
مقام المفعول الأول، وخيراً مقام الثاني، وهو جائز، وإن كان المشهور عكسه.
وقال النووي: هو منصوب بنزع الخافض، أي: أثني عليها بخير، وقال ابن
مالك: ((خيراً) صفة لمصدر محذوف، فأقيمت مقامه فنصبت، لأن ((اثنى)) مسند إلى
الجار والمجرور.
- ٣٥٤ -

وأنْتُم شُهداءُ اللهِ عز وجل في الأرضِ))(١).
٣٣٠٥ - حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ موسى العبسيُّ،
قال: حدثنا مِسْعَر، عن إبراهيم بن عامر بن مسعود، عن عامر بن سعدٍ
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ذكر عندَ النبيِّ مَ ﴿ رجلٌ
مات، فأثني عليه شرّاً، فقال رسولُ اللهِ وَهُ: ((وَجَبَتْ وَجَبَتْ))، وذكر
عنده رجلٌ، فَأُثني عليه خيراً، فقال: ((وَجَبَتْ وَجَبَتْ))، فقال رجلٌ:
وَجَبَتْ وَجَبَتْ - أي: ما تعني بوجبت؟ - فقال رسول الله وَّهِ: ((بَعْضُكُم
شُهَداءُ على بَعْضٍ))(٢).
٣٣٠٦ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو الوليد
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
أبو معمر الزمن: هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي المنقري، وعبد
الوارث: هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم التنوري.
(٢) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين غير إبراهيم بن عامربن
مسعود، فقد روى له أبو داود والنسائي، وهو ثقة.
ورواه الطيالسي (٧٩٨)، وأحمد ٤٦٦/٢ و٤٧٠، وأبو داود (٣٢٣٣)، والنسائي
٥٠/٤ من طرق عن إبراهيم بن عامربن مسعود، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٢٦١/٢ و٤٩٨ و٥٢٨، وابن ماجه (١٤٩٢)، وابن حبان (٣٠٢٤)،
وأبو يعلى (٥٩٧٩) من طرق عن محمد بن عمروبن علقمة بن وقاص الليثي، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهذا إسناد حسن.
ورواه أبو يعلى (٦٥٦٩) من طريق عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر،
عن المقبري، عن أبي هريرة.
- ٣٥٥ -

الطيالسيُّ، قال: سمعتُ نافعَ بنَ عمر الجُمحي، يُحَدِّثُ عن أميةَ بن
صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي
عن أبيه، أنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ◌ِوَلَّ يقول بالنَّبَاءَة أو بالنَّبَاوَةِ
مِن الطَّائفِ: ((تُوشِكونَ أن تعلَموا أهْلَ الجنةِ من أهلِ النَّارِ، أو خيارَكم
من شرارِكم))، قال نافع: ولا أعلمه إلا قال: ((أهلَ الجنةِ من أهلِ
النار))، فقال رجلٌ من الناس: بِمَ يا رسولَ الله؟ قال: ((بالثَّاءِ الحَسَن،
وبالثِّناءِ السَّيِّءِ، أنتم شُهَداءُ بَعْضُكُم على بَعْضٍ))(١).
٣٣٠٧ - حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا ابنُ أبي مريم، قال: أخبرنا
نافعُ بنُ عمر، ثم ذكر بإسنادِه مثله(٢).
فتأملنا هذه الآثار، فوجدنا في بعضها عن رسولِ اللهِ وَالَ: «مَنْ
(١) رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، فقد روى
له ابن ماجه، وروى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٥٦٢/٥، وأبو زهير
والد أبي بكر ذكره ابن حبان في الصحابة من ((الثقات)) ٤٥٧/٣، وقال: كان في
الوفد، وقال البغوي: سكن الطائف، وقال ابن ماكولا: وفد على النبي ◌َّد.
ورواه أحمد ٤١٦/٣، ٤٦٦/٦، وابن ماجه (٤٢٢١)، وابن حبان (٧٣٨٤)،
والحاكم ٤٣٦/٤، والدولابي في ((الكنى)) ٣٢/١، وابن الأثير في ((أسد الغابة))
١٢٥/٦، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٩٠/٣٣ و٩٠-٩١ من طرق عن نافع، بهذا
الإِسناد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)):
وإسناد حديثه صحيح، رجاله ثقات، وقال الحافظ في ((الإِصابة)) ٧٧/٤: وزاد في
نسبته إلى الدارقطني في ((الأفراد))، وسنده حسن غريب.
(٢) هو مكرر ما قبله.
- ٣٥٦ -

أَثْنَيْتُمْ عليهِ خَيْراً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةَ، ومَنْ أَثْنَيْتُم عليهِ شَرّاً، وَجَبَتْ له
النَّارَ)) .
فكان ظاهر ذلك على وجوب الجنةِ بذلك الثناء، إذ كان خيراً،
وعلى وجوب النار إذا كان شراً، فكان أحسن ما وجدناه في ذلك المراد
بذلك القول، وفي مكانه من الأقوال من هذه الآثار
٣٣٠٨ - ما قد حدثناه يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا أبو الوليد
الطيالسي وشيبانُ بن فروخ جميعاً، قالا: حدثنا داودُ بنُ أبي الفرات،
قال: حدثنا عبدُ الله بنُ بريدة
عن أبي الأسود الدُّؤَّلِي، قال: أتيتُ المدينةَ وقد وقع بها مرضٌ،
فهم يموتون موتاً ذريعاً، فجلست إلى عمربن الخطاب رضي الله عنه،
فمرَّت به جنازة، فأثني على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت، ثم
مُرَّ بأخرى، فأثني على صاحبها شراً، فقال عمر: وجبت، ثم مُرَّ
بالثالثة، فأثني على صاحبها شرّاً، فقال عمر: وجبت، قال أبو الأسود:
لِم قلتَ: وجبت يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلت كما قالَ رسولُ الله ◌َلآتٍ:
((أَيُّما مُسْلِمُ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيرٍ أَدْخَلَهُ الله الجنَّةَ))، فقلنا: وثلاثةُ؟ قال:
((وثلاثة))، قلنا: واثنان؟ قال: ((واثنان))، ثم لم نسأله عن الواحد (١).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري. شيبان متابع أبي الوليد من رجال
مسلم، وداود بن أبي الفرات من رجال البخاري، وباقي السند من رجال الشيخين.
أبو الوليد الطيالسي: هو هشامُ بن عبد الملك، وأبو الأسود الدؤلي: اسمه
ظالم بن عمروبن سفيان، ويقال: عمروبن ظالم.
ورواه أحمد ٢١/١ و٣٠ و٤٥، والبخاري (١٣٦٨) و(٢٦٤٣)، والترمذي =
- ٣٥٧ -

قال: فكان وجه ذُلك عندنا - والله أعلم -: أن الشهادةَ بالخير لمن
شهد له به سترٌ من الله عز وجل عليه في الدنيا، ومن ستره الله عز
وجل في الدنيا، لم يرفع عنه سَتْرَهُ في الآخرة، كما رُوِيَ عنه وَِّ مما
قد رويناه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا: ((ثلاثةٌ أَشْهَدُ عليهم، والرابعة
لو شَهْدْتُ، لَرَجوتُ أن لا آثمَ))، ثم ذكر الثلاثة، ثم قال: ((والرابعة:
لا يَسْتُرُ الله عَزَّ وجَلَّ على عبدٍ في الدُّنيا إلَّ سَتّرَ عليه في الآخِرَةِ)(١).
فكان ذلك الوجوبُ هو السترُ في الدنيا بالثناءِ الحسن، وفي الآخرة
بالستر فيها مما يخاف فيها وهو النَّارُ، وكان الثناءُ بالذم في الدنيا هو
رفع الستر عن الذي أثني عليه به، فكان في الدنيا ضدّاً لمن أُثني
عليه بالخير فيها، فكان كذلك هو في الآخرة يكون فيها ضدأً لمن
أثني عليه في الدنيا بالخير، وإذا كان كذلك، استحق النارَ، وهذا
الاستخراجُ من عمر رضي الله عنه مِن قول رسولِ الله وٍَّ: ((وجبت))،
ومما قاله معه في هذه الآثار من أدقَّ استخراجٍ وأحسنه، والله عز وجل
نسأله التوفيق .
= (١٠٥٩)، والنسائي ٤ /٥٠-٥١، وابن حبان (٣٠٢٨)، والبيهقي ٧٥/٤، والبغوي
(١٥٠٦) من طرق عن داود بن أبي الفرات، بهذا الإِسناد.
قال الداودي في ما نقله عنه الحافظ في ((الفتح)) ٢٣٠/٣-٢٣١: المعتبر في
ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة، لأنهم قد يُثنون على مَنْ يكون مثلَهم،
ولا مَنْ بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدو لا تُقبل.
(١) حديث صحيح. ذكره المؤلف برقم (٢١٨٥)، تحت باب مشكل ما روي
عن رسول الله وَ﴾ فيمن أصاب ذنباً في الدنيا فعوقب به، وفيمن أصاب ذنباً، فستره
الله وعفا عنه.
- ٣٥٨ -

٥٣٢ - بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسولِ اللهِ وَله
في السبب الذي فيه نزلت: ﴿لَوْلاً كِتَابٌ
مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما
أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[الأنفال: ٦٨ ]
٣٣٠٩ - حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا: حدثنا
عُمَرُ بنُ يونس، قال: حدثنا عِكرمة بنُ عمارٍ، قال: حدثنا أبو زُمَّيْلِ
سِمَاكُ الحنفيُّ، قال:
قال ابنُ عباس: لما أسروا الأسارى، يعني في يوم بدرٍ، قال رسولُ
الله ◌ََّ: ((يا أبا بكر وعمرُ ما ترونَ في هؤلاءِ الأسارى؟)) قال أبو بكر:
يا رسول اللّه هُمْ بنو العَمِّ والعشيرة، أرى أن تَأْخُذَ منهم فِديةً، فتكون
لنا قوةً على الكفار، فعسى اللهُ عز وجل أن يَهْدِيَهم إلى الإِسلام. قال
رسولُ الله ◌َّ: ((ما ترى يا ابنَ الخطاب؟)) قال: فقال عمر: واللهِ ما
أرى الذي رأى أبو بكر يا نبيَّ الله، ولكن أرى أن تُمَكِنَّا منهم، فنضربَ
أعناقَهُم، وتُمكِّنَ عليّاً من عَقِيل، فيضرب عنقه، وتمكِّنِّي من فلان
- نسيبٍ لعمرَ-، فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمةُ الكفر وصناديدُها
وقادتُها، فَهَويَ رسولُ الله ◌َِّ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، فلما
كان من الغد جئتُ فإذا رسولُ اللهِ وَّهِ وأبوبكر قاعدان يبكيانِ، قلتُ:
- ٣٥٩ -

يا رسولَ الله، أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنتَ وصاحبُك، فإن وَجَدْتُ
بكاءً بكيتُ لِبِكائكما، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أبكي للذي عَرَضَ عليّ
أصحابُكَ مِنَ الفِداءِ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُكم أدنى مِن هذه الشجرة:
(شَجَرَةٍ قريبةٍ من رسول اللهِ وَ ◌ّهَ) فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ
أن تَكُونَ(١) له أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدونَ عَرَضَ الدُّنْيَا،
والله يُريدُ الآخِرَةَ، والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لولاَ كِتَابَ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ
فِيماَ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّاً﴾
[الأنفال: ٦٧-٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم(٢).
(١) ((تكون)) بالتناء الفوقية، وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء، أراد: جماعة
أسرى، فجرى مجرى قوله: ﴿كذبت قومُ نوح المرسلين﴾، وقرأ الباقون: ((یکون))
بالياء التحتية، أراد جمع أسرى. قال أهل البصرة: لما فصل بين الاسم والفعل
بفاصل ذكر الفعل، لأن الفاصل صار كالعوض. ((حجة القراءات)) ص٣١٣.
(٢) إسناده حسن. عكرمة بن عمار علق له البخاري، واحتج به مسلم
وأصحاب السنن، وهو صدوق حسن الحديث إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير،
فإنه ضعيف، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
ورواه أحمد ٣٠/١-٣١ ٣٢-٣٣، ومسلم (١٧٦٣)، والطبري في ((تفسيره))
(١٦٢٩٤)، وفي ((تاريخه)) ٢٩٤/٢، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص١٦١ من
طرق عن عكرمة بن عمار، بهذا الإِسناد.
ونقله ابنُ كثير في ((تفسيره)) ٥٥٨/٣-٥٥٩ طبعة الشعب عن ((المسند))، وقال:
ورواه مسلم وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١)، وابن جرير، وابن مردويه من
طرق، عن عكرمة بن عمار، به، وصححه علي بن المديني، والترمذي، وقالا: لا
يُعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليمامي .
- ٣٦٠ -