النص المفهرس

صفحات 361-380

قال: وكان في هذا الحديث أيضاً نفيُ رسولِ اللهِ وَلّ الكذب
عمّن كانت هذه الأحوال منه، وكان فيه، ولم يُرخص في شيء مما
يقول الناسُ: إنه كذب، أي: لظاهره عندهم، وليس قائله بكذاب إذ
كان لم يُرِدْ به الكذبَ إنما أراد معنىًّ سواه، فكان في ذلك نفيُّ الكذب
مما كان منه.
٢٩٢٠ - ووجدنا أحمد قد حدثنا قال: أنبأنا الحسنُ بن محمد
يعني الزعفراني، قال: حدثنا عبدُ الأعلى، قال: حدثنا وُهَيْبُ، قال:
حدثنا أيوب ومعمر، عن الزُّهري، عن حميد بن عبد الرحمن
عن أمِّ كلثوم ابنة عقبة أن رسولَ الله وَلِهِ قال: ((لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ
أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ أو قال خيراً أو نمى خيراً)(١).
قال: فكان الكلام في هذا كالكلام فيما رويناه قبله في الفصل
= ماجه وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين. الزبيدي هو: محمد بن الوليد.
وهو عند النسائي في ((عِشرة النساء)) برقم (٢٣٧).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
الحسن بن محمد الزعفراني، فمن رجال البخاري.
عبد الأعلى: هو ابن حماد بن نصر النرسي، ووهيب: هو ابن خالد.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٥/(١٩٥) من طريقين عن عبد الأعلى بن حماد
النرسي، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٤٠٣/٦ و٤٠٤، ومسلم (٢٦٠٥)، والطيالسي (١٦٥٦)، والبيهقي
في ((السنن)) ١٩٧/١٠، وفي ((شعب الإيمان)) (١١٠٩٥) من طرق عن معمر، عن
الزهري، به.
- ٣٦١ -

الثاني من الفصلين اللذين تقدمت روايتنا لهما في هذا الباب.
فقال قائل: فقد روي حديث أم كلثوم هذا بمثل ما روي به حدیث
أسماء، فذكر ما
٢٩١٣ - قد حدثنا به إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حدثنا أبو
عاصم، عن ابن جريج، قال: حُدِّثت عن ابن شهاب، عن حُميد بن
عبد الرحمن
عن أُمِّ أمّ كلثوم ابنةِ عقبة أن رسولَ اللهِ وَلِ رَخَّص في الكَذِبِ
في ثلاثةٍ: في الحرب، وفي قولِ الرجل لامرأته، وفي الصُّلح بَيْنَ
النّاسِ (١).
٢٩٢١ - حدثنا يونُسُ، قال: حَدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله بن بكير.
٢٩٢٢ - وحدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: حدثنا عبدُ الله بنُ
صالح، قال كُلَّ واحدٍ منهما: حدثني الليثُ عن ابن الهاد، عن عبدٍ
(١) إسناده ضعيف، فيه جهالة الرجل الذي حدث به عن ابن شهاب.
ورواه أحمد في ((المسند)) ٤٠٤/٦ عن حجاج بن محمد، حدثنا ابن جريج عن
ابن شهاب، بهذا الإِسناد.
وهذا إسناد ضعيف أيضاً، لأن ابن جريج عنعنه وهو مدلس. قال الدارقطني:
تَجَنِّبْ تدليس ابن جريج، فإنه قبيحُ التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح
مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما.
وقال ابنُ معين: ابن جريج ليس بشيء في الزهري.
ولم يتفطن لهذه العلة الشيخ ناصر الألباني في ((صحيحته)) (٥٤٥) فقال: وهذا
إسناد على شرط الشيخين!
- ٣٦٢ -

الوهَّاب، عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن
عن أمِّ كُلثوم ابنة عُقبة قالت: ما سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ْ يُرَخِّصُ
في شيءٍ من الكذب إلا في ثلاثٍ، كان رسولُ اللهِ وَّر يقول: ((لا
أَعُدُّه كَذَّاباً الرّجلَ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاس، يقول القولَ لا يُريدُ به إلا
الإِصلاحَ، والرجل يقولُ القولَ في الحرب، والرجل يُحدِّثُ امرأته،
والمرأة تُحَدِّثُ زوجَها))(١).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الوهاب - وهو ابن أبي
بكر المدني - فقد روى له أبو داود والنسائي وهو ثقة. ابن الهاد: هو يزيد.
ورواه البيهقي في ((السنن)) ١٩٧/١٠-١٩٨ من طريق يحيى بن عبد الله بن
بکیر، عن الليث، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٤٠٤/٦ عن يونس بن محمد، عن الليث، به.
ورواه أبو داود (٤٩٢١) من طريق نافع بن يزيد، والطبراني في (الصغير))
(١٨٩) من طريق أبي زرعة وهب الله بن راشد، وابن السني (٦١٣) من طريق عبد
العزيز بن أبي حازم، ثلاثتهم عن يزيد بن الهاد، به.
قال الإمام الطبري فيما نقله عنه الحافظ في ((الفتح)) ٣٠٠/٥: ذهبت طائفة
إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا:
الكذب المذموم إنما هو في ما فيه مضرة، أو ما ليس فيه مصلحة.
وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيء مطلقاً، وحمل الكذب المراد هنا على
التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوتُ لك أمسٍ ، وهو يريدُ قوله: اللهم
اغْفِر للمسلمين، ويعد امرأته بعطية شيء، ويريد إن قدر الله ذلك، وأن يظهر من
نفسه قوة .
قلت (القائل هو ابن حجر): وبالأول جزم الخطابي وغيره، وبالتالي جزم =
- ٣٦٣ -

. . .
= المهلب والأصيلي وغيرهما ...
واتفقوا على أن المراد بالكذب في حق المرأة والرجل إنما هو فيما لا يسقط
حقاً عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها، وكذا في الحرب في غير التأمين،
واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتلَ رجل وهو مختف
عنده، فله أن ينفي كونه عنده، ويحلف على ذلك ولا يأثم.
وقال الإِمام النووي في ((شرح مسلم)) ١٥٨/٦: ((قال القاضي: لا خلاف في
جواز الكذب في هذه الصور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو؟ فقالت
طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا قولَ ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة،
وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة، واحتجوا بقول إبراهيم وَليه: بل فعله كبيرهم
هذا، وإني سقيم، وإنها أختي، وقول منادي يوسف وعليه: أيتها العيرُ إنكم لسارقون.
قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد ظالمٌ قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذبُ
في أنه لا يعلم أين هو.
وقال آخرون منهم الطبري: لا يجوزُ الكذب في شيء أصلاً، قالوا: وما جاء
من الإِباحة في هذا المراد به التوريةُ، واستعمالُ المعاريض، لا صريحُ الكذب،
مثل: أن يعد زوجته أن يُحْسِنَ إليها ويكسوها كذا، وينوي: إن قدر الله ذلك.
وحاصله: أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيبُ قلبه، وإذا سعى
في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاماً جميلاً، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك
وورَّى، وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه: مات إمامُكم الأعظمُ، وينوي إمامهم في
الأزمان الماضية، أو غداً يأتينا مدد، أي: طعام ونحوه، هذا من المعاريض المباحة،
فكل هذا جائز، وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا على المعاريض، والله
أعلم.
وأما كذبه لزوجته وكذبها له، فالمرادُ به: في إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو
ذلك، فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها أو أخذ ما ليس له أو لها، فهو حرام
بإجماع المسلمين. والله أعلم.
- ٣٦٤ -

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل أن حديثَ إبراهيمَ
ابن أبي عاصم فاسدُ الإِسنادِ، لأن ابنَ جُرَيج إنما حدَّث به عن رجلٍ
مجهولٍ عن ابن شهاب، وأما حديثُ عبد الوهّاب فإن الذي فيه حكايةٌ
عن بعض رواته أن هذه الأشياء رَخَّصَ فيها رسولُ اللهِ وَّهِ، وليس فيه
أن النبي ◌َّ قال: لا بأس بالكذب في تلك الأشياء، إنما فيه أن النبي
وَّل، رَخْص في ذلك في تلك الأشياء، وكان الذي فيه من ذكر الكذب
يحتمل أن يكونَ ما عدَّه قائلُ ذلك من رواة هذا الحديث كذباً ليس
كذباً في الحقيقة، وإنما هو لِظنِّهِ ذلك.
وفي ذلك ما قد وقفنا به على قولِ رسول الله وَّ في ذلك يُوافِقُ
ذلك البابَ .
فإن قال قائل: وهل يُباح التعريضُ في مثل هذا حتى يكونَ
المخاطبُ يقع في قلبه خلافُ حقيقةِ كلامٍ مَنْ يُخاطبه؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ذلك مما
= وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٥٩/٦: ((قال النووي: الظاهر إباحةُ حقيقة الكذب
في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى.
وقال ابنُ العربي: الكذبُ في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقاً
بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل،
لما انقلب حلالاً. انتهى. ويقويه ما أخرجه أحمد وابنُ حبان من حديث أنس في
قصة الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائي وصححه الحاكم في استئذانه النبي ◌َّلة
أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي وَله .
وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك مما هو مشهور فيه)).
- ٣٦٥ -

--
لا بأس به، قال: وهو في كتاب الله عز وجل في قِصة موسى عليه
السَّلامُ مع صاحبه لما قال له: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بما نَسِيتُ﴾
[الكهف: ٧٣]، ليس لأنَّه نسي، ولكنه على معاريض الكلام(١).
ومثلُ ذُلك ما قد رُوي عن رسولِ الله وَّر من قوله: ((الحَرْبُ
خَذْعَةٌ)).
٢٩٢٣ - كما حدثنا يزيدُ بنُ سِنان، قال: حدثنا محمدُ بنُ كثيرِ،
قال: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن ذي حُدَّان
عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ سمَّى الحَرْبَ خَدْعَةً (٢).
(١) قال ابن الجوزي في ((زاد المسير)) ١٧١/٥: في هذا النسيان ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه على حقيقته وأنه نسي. روى ابنُ عباس عن رسول الله اله: ((أن
الأولى كانت نسياناً من موسى)) رواه البخاري (٤٧٢٥).
والثاني: أنه لم ينس، ولكنه من معاريضِ الكلام، قاله أبي بن كعب، وابن
٤
عباس.
والثالث: أنه بمعنى الترك. فالمعنى: لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه.
ذكره ابن الأنباري.
(٢) إسناده ضعيف. سعيد بن ذي حُدان قال ابن المديني: مجهول. لا أعلم
أحداً روى عنه إلا أبو إسحاق، ورواية أحمد دالة على أن بينه وبين علي واسطة
مبهمة، فقد رواه ٩٠/١ و١٢٦ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي
إسحاق، عن سعيد بن ذي حُدان، حدثني من سمع علياً يقول: سمَّى رسول الله
* الحرب خدعة.
ورواه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) ٩٠/١، وأبو يعلى (٤٩٤) من طرق .
- ٣٦٦ -

٢٩٢٤ - وكما حدَّثنا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيمُ بن مرزوق، جميعاً،
قالا: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: أنبأنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني أبو الزبير
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ :
((إنَّمَا الحَرْبُ خَدْعَةٌ))(١).
٢٩٢٥ - وكما حَدَّثنا عبدُ الرحمن بن الجارود، وعليُّ بنُ عبد
= عن شريك بن عبد الله (وهو سىء الحفظ)، عن أبي إسحاق، به.
والحديث صحيح عن غير عليٍّ كما يأتي :
وروى البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) عن علي قال: إذا حدثتكم عن
رسول الله ﴿ فلأن أخِرُّ من السماءِ أحبُّ إليَّ من أن أقول عليه ما لم يَقُلْ، وإذا
حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة.
((وخدعة)) قال ابن الأثير: يُروى بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال، وبضمها
مع فتح الدال، فالأول معناه: أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع،
أي: أن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم تكن لها إقالة، وهي أفصحُ الروايات
وأصحها، ومعنى الثاني: هو الاسم مِن الخداع، ومعنى الثالث: أن الحرب تخدع
الرجال، وتمنيهم لا تَفِي لهم، كما يقال: رجل لُعَبَةٌ وضُحَكَةٌ، أي: كثير اللعب
والضحك.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم. رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي
الزبير - واسمه محمد بن مسلم بن تدرس - فمن رجال مسلم.
ورواه ابن حبان (٤٧٦٣) من طريق محمد بن معمر بن ربعي القيسي، عن أبي
عاصم، بهذا الإِسناد، وقد صرح فيه أبو الزبير بسماعه من جابر.
ورواه أحمد ٢٩٧/٣ عن حجاج، عن ابن جريج، به.
ورواه البخاري (٣٠٣٠)، ومسلم (١٧٣٩) من طريق سفيان بن عيينة، عن
عمروبن دينار، عن جابر، وانظر تمام تخريجه في ابن حبان.
- ٣٦٧ -

الرحمن، قالا: حدثنا فَضَالَةُ بنُ المُفَضَّل بن فَضَالة بن عُبيد القِتباني،
قال: حدثني أبي، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزِّناد، عن
خارجةً بن زيدٍ بن ثابتٍ، عن أبيه عن رسول الله وَِّ مثلَه(١).
فكان في ذكر رسولِ اللهِوَ ◌ّ الحربَ أنها كذلك ما قد عَقَلْنَا به
أن الكلامَ الذي يُرَادُ به الحرب هو الكلامُ الذي يكون ظاهرُه معنى
يُخيف أهلَ الحرب وإن كان باطنُه مما يُريده المتكلمون(٢) به خلافَ
ذلك.
وإذا كان ذلك كذلك في الحرب، عَقَلْنَا به أن المُرَخَّصَ فيه في
الحرب في الآثار المتقدمة في هذا الباب هو هذا المعنى بعينه لا ما
سواه، وإذا كان ذلك كذلك في الحرب، كان الذي يُصْلِحُ به الرجلُ
بَيْنَ الناس، والذي يُصْلِحُ به قلبَ زوجته، والذي تُصْلِحُ به الزوجةُ قلبَ
زوجها هو هذا المعنى أيضاً لا الكذب.
وقد حقق ذلك أيضاً في حديث أم كلثوم: ولم يُرخص في شيء
مما يقولُ الناس: إنه كذب إلا في ثلاث، أي مما يقول الناسُ: إنه
(١) فضالة بن المفضل قال أبو حاتم: لم يكن بأهل أن يُكْتَبَ عنه العلمُ،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وكان على الشرطة بمصر، ومن فوقه ثقات من رجال
الشيخين غيرَ محمد بن عجلان، فقد روى له مسلم متابعة وهو صدوق حسن
الحدیث.
ورواه يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) ٣٧٦/١، والطبراني في ((الكبير)) (٤٨٦٦)
من طريق فضالة بن المفضل، بهذا الإِسناد.
(٢) في الأصل: المتكلمين.
- ٣٦٨ -

کذب ولیس بكذبٍ.
وهذه المعاني هي الأولى بأهل العلم أن يحمِلُوا أمورَ رسولِ الله
﴿وَجّ عليها، وفيما روينا من أحاديث أمّ كلثوم هذه عن رسولِ الله وَّه :
((ليس الكذاب الذي يمشي يُصلح بين الناس ، فينمي خيراً أو يقوله)).
وفي ذلك نفي رسول الله وَّ عمن كانت تلك حاله الكذبَ، وإذا انتفى
عنه بذلك الكذبُ، انتفى عمن كان منه الكذبُ أيضاً، وثبت أن الذي
كان في ذلك هو المعاريضَ لا ما سواها.
وقد روي في المعاريضِ عن عُمَرَ بنِ الخطاب وعِمْرانَ بنِ حُصين
رضي الله عنهما
ما قد حدَّثنا أحمدُ بن أبي عمران، قال: حدثنا عليُّ بنُ الجعد،
قال: حدثنا أبو محمد الرازيُّ، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان،
قال :
قال عُمَرُ رضي الله عنه: أما في المَعارِيض ما يُغني المُسْلِمَ عن
الكذب؟(١)
(١) صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي محمد الرازي، فإنني لم
أتبينه، وهو متابع. أبو عثمان: هو عبد الرحمن بن ملّ النهدي، مشهور بكنيته،
مخضرم، ثقة، ثبت، مات سنة خمس وتسعين وقيل بعدها، وعاش مئة وثلاثين سنة
وقيل أكثر.
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٨٤) عن الحسن بن عمر، حدثنا معتمر،
قال أبي: حدثنا أبو عثمان عن عمر. وهذا سند صحيح.
ورواه البيهقي في ((شعب الإيمان)» (٤٧٩٣) من طريق يزيد بن هارون عن =
- ٣٦٩ -

وما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا وهبُ بنُ جريرِ،
قال: حدثنا شعبةُ، عن قتادة، عن مُطَرِّفٍ بن عبد الله، قال:
صحبتُ عِمران بنَ حُصين من الكوفة إلى البصرة، فما كان يأتي
علينا يومٌ إلا أنشدنا عليه شعراً، وقال: إنَّ في المعاريضِ لَمَنْدُوحَةً
عن الگذِب(١).
قال: وهذه المعاني التي خَرَّجْنَا معاني هذه الآثار عليها، فأما
حديثُ أسماء ابنةُ يزيد الذي فيه التصريحُ بما صرَّح به فيه، فإنما دارَ
على عبد الله بن عثمان بن خُثيم وهو رجلٌ مطعون في روايته، منسوبُ
إلى سوء الحفظِ، وإلى قِلَّةِ الضبط، ورداءةٍ(٢) الأخذ(٣).
= سليمان، عن أبي عثمان، عن عمر.
والمعاريض: جمع معراض من التعريض خلافُ التصريح، وهو التورية بالشيء
عن الشيء.
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين.
ومندوحة، أي: فسحة ومتسع، والمعنى: أن في المعاريض من الاتساع ما يغني
عن الكذب.
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٨٥) عن آدم، والطبراني ١٨/(٢٠١) من
طريق أبي الوليد الطيالسي، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٢٧) من طريق
سعيد بن أوس ثلاثتهم عن شعبة، بهذا الإِسناد.
ورواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)) (٤٧٩٤) من طريق ابن أبي عروبة وشعبة،
به .
(٢) في الأصل: ورد، وهو خطأ.
(٣) أخطأ أبو جعفر رحمه الله في نعت عبد الله بن عثمان بن خثيم بسوء الحفظ =
- ٣٧٠ -

وأما حديثُ أم كلثوم، فمن رواه من أهل العلم الذين يُؤخَذُ مثلُه
عنهم، فإِنما ذَكر فيه نفيَ الكذب، منهم مالكُ بنُ أنس، ومنهم
صالحُ بنُ كيسان، وزاد على مالك فيه أن الذي رخِّصَ فيه، فذكر تلك
الأشياء ثم قال: مما يقولُ الناسُ: إنه كذب، فأضاف الكذبَ إلى قولٍ
الناس في تلك الأشياء [لا] إلى حقائق تلك الأشياء، والله نسألُه
التوفيق .
= وقلة الضبط وما أنصفه، فقد استشهد به البخاري في ((الصحيح))، وروى له في
القراءة خلف الإِمام وغيره، واحتج به مسلم وأصحاب السنن، ووثقه ابن سعد
والعجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: كان يخطىء، وقال يحيى بن معين
في رواية أحمد بن سعد بن أبي مريم: ثقة حجة، وقال في رواية ابن الدورقي :
أحاديثه ليست بالقوية، وقال أبو حاتم: ما به بأس صالح الحديث، وقال النسائي :
ثقة، وقال في ((سنن المجتبى)) ٢٤٨/٥: يحيى بن سعيد لم يترك حديث ابن خيثم
ولا عبد الرحمن إلا أن علي ابن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكأن علي
ابن المديني خلق للحديث، وقال ابن عدي: هو عزيز الحديث وأحاديثه أحاديث
حسان مما يجب أن يكتب، وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق.
- ٣٧١ -

٤٦٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِصَ لَّ في
الحيَّاتِ من إطلاق قتلِها، ومن تركِ الرخصةِ في
ذلك، وما رُوِيَ عنه فيها مما يُخالف ذلك
٢٩٢٦ - حدثنا عليّ بنُ معبد، قال: حدثنا طالوتُ بن عبَّاد، قال:
حدثنا داودُ بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد العبدي، عن أبي الأعْيَن
العبديِّ، عن أبي الأحوص الجُشَمي، قال:
بينا ابن مسعودٍ يَخْطُبُ ذاتَ يومٍ ، فإذا هو بِحَيَّةٍ تمشي على
الجدارِ فَقَطَّعَ خطبته، وضربها بقضيبه حتى قتلها، ثم قال: سمعتُ
رسولَ الله ◌َّهِ يقول: ((مَنْ قَتَلَ حيَّةً، فكأنَّما قَتَلَ رجلاً مشركاً قد حَلَّ
دَمُه))(١) .
(١) إسناده ضعيف. أبو الأعين العبدي ضعفه ابنُ معين وأبو حاتم. وباقي
رجاله ثقات.
ورواه أحمد ٣٩٤/١ -٣٩٥ و٤٢١، والطيالسي (٣١٥)، وأبو يعلى (٥٣٢٠)
و(٥٣٢١) من طرق عن داود بن الفرات، بهذا الإِسناد.
ورواه البزار (١٢٢٩) من طرق عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن أبي
إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله أن النبيَّ وَّر قال:
((من قتل حيَّة، فكأنما قتل كافراً).
شريك - وهو ابن عبد الله القاضي - في حفظه شيء، وباقي رجاله ثقات . =
- ٣٧٢ -

٢٩٢٧ - حدثنا يونس، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
عمرو بن الحارث، عن بُكيربن عبد الله بن الأشجِّ، عن سالمٍ
عن أبيه عن النبيِّ وَّهِ قال: ((اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، واقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ
والأَبْتَرَ، فإنَّهما يَلْتَمِسَانِ البَصَرَ، ويُسْقِطَانِ الحَبَلَ، فَمَنْ وَجَدَ ذا الطَّفْيَتَيْن
والأَبْتَرَ، فلم يَقْتُلْهُمَا فَلَيْسَ مِنَّ)(١).
ورواه أيضاً (١٢٣٠) عن إبراهيم بن سعيد، عن عُبيد الله بن موسى، عن
=
إسرائيل، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدة بن لبابة، عن زر، عن
عبد الله أن النبي ◌َ﴿ قال: ((من قتل حَيَّةً أو عقرباً، فقد قتل كافراً، أو فكأنما قتل
كافراً)) وهذا سند رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في ((المجمع)) ٤٦/٤ لكن
حبيب بن أبي ثابت موصوف بالتدليس، وقد عنعنه.
ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٣٤/٢ من طريق فضالة بن المفضل، أنبأنا
أبو داود الحفري، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد
الله رفعه: ((من قتل حية فكأنما قتل كافراً)).
قال الخطيب: هكذا روى فضالة بن المفضل عن أبي داود مرفوعاً، ورواه
سلم بن جنادة، عن أبي داود موقوفاً لم يذكر فيه النبي ◌َّر.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (١٣١٦١) و(١٣٢٠٥) من طريق ابن وهب، بهذا
الإِسناد، وصححه ابن حبان (٥٦٣٨).
قال البغوي في ((شرح السنة)) ١٩٢/١٢: أراد بذي الطفيتين: الحية التي في
ظهرها خطان، والطفية: خوص المقل، وهي ورقه، وجمعها طُفي، فشبه الخطين
اللذين على ظهره بخوصتين من خوص المقل، وهو شرُّ الحيات فيما يقال. والأبتر:
القصيرُ الذنب، والبُتر: شرار الحيات.
وقوله: (إنهما تلتمسان البصر)) أي: تخطفانه وتطمسانه، وذلك لخاصية في =
- ٣٧٣ -

٢٩٢٨ - حدثنا محمدُ بنُ عزيز الأَيْلِيُّ، قال: حدثنا سلامةُ بنُ
رَوْحٍ، عن عُقَيل، قال: وأخبرني محمد بن مسلم أن سالم بن عبد الله
أخبره
أنه سَمِعَ عبد الله بن عمر يقول: ((اقْتُلُوا ذا الطُّفْيَتَيْنِ والأَبْتَرَ، فإنَّهما
يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ، ويُسْقِطانِ الحَبَلَ))(١).
٢٩٢٩ - حدثنا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن
عجلانَ، عن أبيه
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴿ للحيَّات:
((ما سالمناهنَّ منذ حَارَبْنَاهُنَّ، مَنْ ترَكَهُنَّ خشيةً، فَلَيْسَ مِنَّا))(٢).
= طباعهما إذا وقع بصرها على بصر الإِنسان، وقيل: معناه أنهما تقصدان البصرَ باللسع
والنهس، والأول أولى، لأنه قد روي صريحاً أنهما يطمسان البصر، ويسقطان
الحبل، يريد أنها إذا لحظت الحامل أسقطت.
(١) حديث صحيح. سلام بن روح - وإن كان له أوهام - قد توبع، ومن فوقه
من رجال الشيخين.
ورواه ابن حبان (٥٦٣٨)، وابن ماجه (٣٥٣٥) من طريق ابن وهب عن يونس،
عن ابن شهاب محمد بن مسلم، بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده حسن.
ورواه أحمد ٤٣٢/٢ و٥٢٠، وأبو داود (٥٢٤٨) من طرق عن ابن عجلان،
بهذا الإسناد، وصححه ابن حبان (٥٦٤٤) من طريق سفيان، عن ابن عجلان، عن
بُكيربن عبد الله بن الأشج، عن عجلان، عن أبي هريرة.
وله شاهد من حديث ابن عباس بسند صحيح عند أحمد ٢٣٠/١، وأبي داود
(٥٢٥٠).
- ٣٧٤ -

قال: ففيما روينا الأمرُ بقتل الحيات كُلِّها، وتركُ الرخصة في
ذلك، وقد رُويَ عن رسول اللهِ وَ لِّ نهيُه عن قتل ذواتِ البيوت منها.
٢٩٣٠ - كما حَدَّثنا عبدُ الغني بن أبي عقيلة، قال: حدثنا سفيانُ،
عن الزهريِّ، عن سالمٍ
عن أبيه أنَّ رسولَ الله وَّهِ، قال: ((اقْتُلُوا الحَيَّاتِ وذا الطَّفْيَتَيْن
والأَبْتَرَ، فإِنَّهما يلتَمِسَانِ البَصَرَ، ويُسْقِطانِ الحَبَلَ)).
قال: وكان ابنُ عمر يَقْتُلُ كُلَّ حيةٍ يراها، فرآه أبو لُبابة أو زيدُ بنُ
الخطاب وهو يُطَارِدُ حيةً، فقال: إنَّه نُهِيَ عن ذوات البيوت (١).
٢٩٣١ - وكما حدثنا مُصعب بنُ إبراهيم بنُ حمزة الزُّبيري، قال:
حدثنا أبي، قال: حدثنا الدَّراوَرْدِي، عن محمد بن عبد الله بن مسلم،
عن عَمِّه، عن سالمٍ، قال:
سَمِعْتُ ابنَ عمر رضي الله عنه يقولُ: ((اقْتُلُوا الحَيَّاتِ، واقْتُلُوا ذا
الطُّفْيَتَين، والأبْتَرَ، فإنَّهما يَلْتَمِسَانِ البَصَرَ، ويُسْقِطَانِ الحَبَلَ)).
قال ابنُ عمر: فكنتُ لا أَتْرُكُ حيةً في الأرضِ قَدَرْتُ عليها إلا
قتلتها، فبينا أنا أُطْلُبُ حَيَّةٌ من ذوات البيوت أبصرني زيدُ بن الخطاب
رضي الله عنه وأبو لُبابة فقالا: مَهْ مَهْ يا عبدَ الله! فقلتُ: إِنَّ رسولَ
(١) إسناده صحيح على شرطهما.
ورواه الحميدي (٦٢٠)، وأحمد ٩/٢، ومسلم (٢٢٣٣)، وأبو داود (٥٢٥٢)،
وابن حبان (٥٦٤٥)، وأبو يعلى (٥٤٢٩) و(٥٤٩٣)، والبغوي (٣٢٦٢) من طرق
عن سفيان بن عيينة، بهذا الإِسناد.
- ٣٧٥ -

الله وَلّ أمرنا بقتلها، فقال: لا، فإنَّه قد نهى عن ذواتِ البيوتِ، یرید
عوامِرَ البيوت(١).
٢٩٣٢ - وكما حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا يونسُ بنُ محمد،
قال: حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ ، قال: سمعتُ نافعاً
عن ابن عمر أنه كان يَقْتُلُ الحَيَّاتِ كُلُّها لا يَدَعُ منها شيئاً، وحدثه
أبو لُبابة البدريُّ أن رسولَ اللهِ وَّهِ نهى عن قتل الجِنّانِ التي تكون
في البيوت فَأَمْسَكَ(٢).
٢٩٣٣ - كما حدثنا الربيعُ المراديُّ، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسی،
قال: حدثنا حمادُ بنُ زيد، عن أيوب، عن نافعٍ ، ثم ذكر مثلَه(٣).
(١) إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح.
الدراوردي: هو عبد العزيز بن محمد بن عبيد روى له البخاري مقروناً وتعليقاً،
واحتج به مسلم.
ورواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٠)، وابن حبان (٥٦٤٣) من طريق يعقوب بن
إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب محمد بن مسلم،
بهذا الإِسناد.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٢) عن شيبان بن فروخ، عن جرير بن حازم، بهذا
الإسناد .
نافع: هو أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر.
الجنان: هي الحيات: جمع جان وهي الحية الصغيرة، وقيل: الدقيقة الخفيفة،
وقيل: الدقيقة البيضاء.
(٣) إسناده صحيح. أسد بن موسى ثقة، روى له أبو داود والنسائي، وعلق له =
- ٣٧٦ -

٢٩٣٤ - وكما حدثنا يونسُ، قال: أنبأنا ابنُ وهب أن مالكاً أخبره
عن نافع، عن ابن عمر
عن أبي لبابة أن رسول الله وَّه نهى عن قتل الجنّان التي في
البيوت(١) .
٢٩٣٥ - حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
أسامةُ بنُ زيدٍ الليثي عن نافع
أنّ أبا لُبابة مرَّ بعبدِ الله بن عمر وهو عِنْدَ الأُطُم الذي عند دار
عمر يَرْصُدُ حَيَّةً، فقال أبو لبابة: إنَّ رسولَ الله وَّهِ يا أبا عبد الرحمن
قد نهى عن قتل عَوَامِرِ البيوتِ، فانتهى عبدُ الله بن عمر بعد ذلك،
ثم وجد بعد ذلك في بيته حيةً، فأمر بها، فأخذت، فخرجت ببطحان.
قال نافع: رأيتُها بعد ذلك في بيته(٢).
٢٩٣٦ - كما حدثنا أبو أُمية، قال: حدثنا قَبِيصَةُ، قال: حدثنا
سفيانُ، عن عُبيد الله، عن نافع
عن ابنِ عمرَ رَضِيَ الله عنهما قال: نهى رسولُ اللهِ وَّ عن قتلِ
= البخاري، ومن فوقه من رجال الشيخين.
أيوب: هو ابن أبي تميمة السَّختياني.
(١) إسناده صحيح على شرطهما.
وهو في ((الموطأ)) ٩٧٥/٢، وانظر ابن حبان (٥٦٣٩).
(٢) إسناده حسن.
ورواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٦) عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، بهذا
الإسناد .
- ٣٧٧ -

الجنَّانِ في البيوتٍ(١).
٢٩٣٧ - وكما حدثنا يونسُ، قال: أخبرني أنسُ بنُ عياض، عن
يحيى بن سعيدٍ، قال: أخبرني نافع
أن أبا لُبَابَةَ بنَ عبد المنذر الأنصاري كان مسكنه بقُباء، فانتقل
إلى المدينة، قال: فبينما ابن عمر جالس معه، ففتح له خَوْخة، إذا
هو بحيَّةٍ من عَوَامِرِ البيوت، فأراد قتلها، فقال أبو لُبابة: إنَّه قد نُهِيَ
عنهن: يُرِيد عوامِرَ البيوتِ، وأَمِرَ بقتل الأبتر وذي الطّفيتين، وقال: ((هما
اللذان يَلْتَمِعَانِ البَصَرَ، ويَطْرَحَانِ أولادَ النِّساءِ)) (٢).
قال: ففي هذه الأحاديث نهى رسولُ الله ◌َِّ عن قتل ذواتِ البيوت
بعد أن كان أُمَرَ بقتل الحيات كُلها، فكان ذلك أولى مِن الأحاديث
الْأَوَل، لأن فيها نسخَ بعضِ ما في الأحاديث الأوَلِ ، ثم نظرنا في
السبب الذي به كان ذلك النسخ ما هو.
٢٩٣٨ - فوجدنا يونسَ قد حدَّثنا، قال: أنبأنا ابنُ وهب أن مالكاً
أخبره عن صيفي مولى ابن أفلح، قال: أخبرني [أبو] السائب مولى
هشام بن زُهرة
أنَّه قال: دخلتُ على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجدتُه
(١) صحيح، رجاله رجال الشيخين. قبيصة: هو ابن عقبة السوائي، وسفيان:
هو الثوري .
(٢) إسناده صحيح على شرطهما.
ورواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٥) عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي،
عن يحيى بن سعيد، بهذا الإِسناد.
- ٣٧٨ -

يُصلي، فجلست أنتظرُه متى تنقضي صلاته فسمعت تحريكاً في
عراجينَ في ناحية البيت، فالتفتُّ فإذا حية فوثبتُ لأقتلَها، فأشار إليَّ
أن اجْلِسْ، فجلستُ، فلما انصرفَ، أشار إلى بيتٍ من الدار: أترى
هذا البيت؟ قال: کان [فیه] فتی شاب حديثُ عهدٍ بعُرس، فخرجنا
مع رسول الله* إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذِنُ رسولَ الله
﴿* في أنصافِ النهار يَرْجِعُ إلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال رسولُ الله
وَ﴾: (خُذْ عَلَيْكَ سِلاحَكَ، فإِنِّي أَخْشَى عليك قُرَيْظَةَ)) فأخذ سلاحَه،
ثم رجع إلى أهله، فإذا امرأتُه بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح
لِيطعنها به، وأصابته غيرةً، فقالت: اكْفُفْ عليك رُمْحَكَ، وادْخُلِ البابَ
حتى تَنْظُرَ ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحيَّةٍ عظيمةٍ منطويةٍ على
الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار
فاضطربت عليه، فما أدري أيهما كان أسرع موتاً الحيةُ أو الفتى، فجئنا
رسولَ الله ◌ِ ﴿ فذكرنا ذلك له وقُلنا: ادْعُ الله عز وجل يُحْيه لنا، فقال:
((اسْتَغْفِرُوا لِصاحِبِكُمْ)) ثم قال: ((إنَّ بالمدينة جناً قد أسلموا، فإذا رأيتُم
منها شيئاً، فآذنوه ثلاثاً، فإن بدا لَكُمْ بَعْدَ ذُلك، فاقتُلُوه فإنما هو
شَيْطَانٌ))(١).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم.
صيفي مولى ابن أفلح: هو صيفي بن زياد الأنصاري مولاهم أبو زياد أو أبو
سعيد المدني، وأبو السائب مولى هشام بن زهرة، يقال: اسمه عبد الله بن السائب.
وهو في ((الموطأ)) ٩٧٦/٢ -٩٧٧، ومن طريق مالك رواه مسلم (٢٢٣٦)
(١٣٩)، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذي (١٤٨٤)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
((التحفة)) ٤٨٨/٣، والبغوي (٣٢٦٤)، وابن حبان (٥٦٣٧).
- ٣٧٩ -

٢٩٣٩ - حدثنا الحسن بنُ غُليب، قال: حدثنا يحيى بنُ عبد
الله بن بكير، قال: حدثني الليثُ، عن ابن عجلان، عن صيفي أبي
سعيد مولى الأنصار
عن أبي السائب، ثم ذكر هذا الحديث بألفاظ أقلّ من هذه بغير
اختلاف في المعاني(١) .
٢٩٤٠ - وحدثنا محمدُ بنُ عبد الرحيم الهَرَوِيُّ، قال: حدثنا
خالدُ بنُ خِداش، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أبي حازم
عن سهل بن سعدٍ السَّاعدي أن فتىَّ من الأنصار كان قريبَ عهدٍ
بُعُرس، فخرج مع رسولِ اللهِ وََّ فِي سَفَرٍ، فلما رجع، دخل منزلَه،
فإذا امرأتُه في الدار قائمة، فأهوى إليها بالرمح، فقالت: كما أنتَ لا
تعجل، ادخُل البيت فدخل، فإذا حية منطوية على فراشه، فركزها
برمحه، فأخرجها إلى الدار، فوضعها فانتفضَتِ الحيةُ، وانتفضَ الرجلُ،
فماتت الحيةُ، ومات الرجل، فَذُكِرَ ذلك للنبي وََّ، فقال رسولُ الله
﴿﴿: ((إنَّ قَدْ نَزَلَ حِيٌّ من الجِنِّ مسلمون بالمدينة، فإذا رأيتُم منها
(١) إسناده حسن.
ابن عجلان: روى له البخاري تعليقاً ومسلم متابعة، وهو صدوق، وباقي رجاله
ثقات .
ورواه أبو داود (٥٢٥٧)، وأحمد ٤٣/٣، وابن حبان (٦١٥٧) من طريقين عن
الليث، بهذا الإِسناد.
ورواه أبو داود (٥٢٥٨)، وأبو يعلى (١١٩٢) من طريقين عن يحيى بن سعيد
القطان، عن ابن عجلان، به.
- ٣٨٠ -