النص المفهرس
صفحات 341-360
٤٠٤ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِليه في ضرب الرجال نساءهم من منع ومن إباحة ٢٥٢٠ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جُرَيْج، عن إسماعيل بن كثيرٍ، عن عاصم بنِ لَقِيط بن صَبِرَة وافد بني المُنْتَفِقِ عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وََّ أَنا وصاحبٌ لي، فذكر صاحبي امرأتَهُ، وذكر بَذَاءَتَها وطُولَ لسانِها، فقال له رسولُ الله ◌َلته: ((طلِّقْها)). قال: إنها ذاتُ صُحبةٍ وولدٍ. فقال: ((قُلْ لها، فإِنْ يَكُنْ فيها خيرٌ، فَسَتَقْبَل، ولا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ ضربَ أَمَتِكَ))(١). (١) إسناده صحيح. أبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد النبيل، وابن جريج - واسمه عبد الملك ــ صرَّح بالتحديث عند غير المصنف. ورواه الدارمي ١٧٩/١ عن أبي عاصم، وأحمد ٢١٢/٤، وأبو داود (١٤٣)، والبيهقي ٥١/١-٥٢ من طريق يحيى بن سعيد، كلاهما عن ابن جريج، بهذا الإِسناد. وابن جريج صرَّح بالتحديث عندهم. والظعينة: المرأة، وجمعها الظَّعُن، وأصلها الراحلة التي تظعن، فقيل للمرأة: ظعينة إذا كانت تظعن مع الزوج حيث ما ظعن، أو لأنها تظعن على الراحلة إذا ظعنت، فسميت المرأةُ باسم السبب، كما يُسمى المطر سماء إذا كان نزولُه من = - ٣٤١ - ٢٥٢١ - حدثنا الربيعُ المراديُّ، قال: حدثنا أُسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا يحيى بنُ سُليمٍ الطائفي، عن إسماعيل بن كثير، ثم ذكر بإسناده مثله(١). قال: فكان في هذا الحديث: ((فلا تضرب ◌َعِينَتَك ضَرْبَ أَمَتِكَ)). فتأملنا هذا الكلام، فوجدناه محتملاً أن يكونَ أراد به وَِّ أنْ لا يضربَها كما يضربُ أَمْتَهُ، ولكن يضربها ضرباً دونَ ذلك، وكان ذلك أَوْلى ما حُمِلَ عليه، إذ كان الله عز وجل قد أُبَاحِ ضَرْبَهُنَّ في كتابه بقوله: ﴿وَاللَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]. ثم نظرنا هل رُوِيَ عن رسولِ اللهِ وَّ فِي إباحته ضربهم إِيَّاهُنَّ؟ ٢٥٢٢ - فوجدنا يزيد بنَ سِنَان قد حدثنا، قال: حدثنا يحيى بنُ حمّاد، قال: أنبأنا أبو عَوَانة، عن داود بن عبدِ الله الأوْدِيِّ، عن عبد الرحمن المُسْلِي عن الأَشْعث بن قَيْس رَضِيَ الله عنه، قال: ضِفْتُ عُمَرَ رضي = السماء، وسُمي حافر الدابة أرضاً لِوقوعه عليها، وقيل: الظعينة: الهودج، سميت المرأةُ ظعينةٌ، لأنها تكون فيها. ((شرح السنة)) ٤١٨/١. . (١) إسناده جيد، وهو صحيح بما قبله. يحيى بن سُليم - وإن خرج له البخاري ومسلم - فيه كلامٌ من جهة حفظه. ورواه الشافعي في («مسنده)) ٣٢/١، وأبو داود (١٤٢)، والبغوي (٢١٣)، والبيهقي ٣٠٣/٧ من طرق عن يحيى بن سُليم، بهذا الإسناد. وصححه ابن حبان (١٠٥٤). وانظر تمام تخريجه فيه. - ٣٤٢ - الله عنه، فلما كان في بعضِ الليل، قام إلى امرأتِهِ لِيضربَها، فحجزتُ بينهما فرجع إلى فراشِهِ، فلما أخذ مضجَعَهُ، قال: يا أشعثُ احفظْ عِنِّي شيئاً سمعتُهُ من رسولِ اللهِ وَله: ((لا تَسْأَلْ رَجُلاً فيما يَضْرِبُ امراته»(١). ٢٥٢٣ - ووجدنا أبا أُمَيَّة قد حدَّثَنا، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن جعفر بن يحيى بنِ ثَوْبَان، عن عمِّه عُمارة بن ثَوْبَان، عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رجالاً استأذنوا رسولَ الله وَله في ضرب النساءِ فَأَذِنَ لهم، فسمع صوتاً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أذنتَ للرجالِ في ضرب النساء، فقال رسولُ اللهِ وَِّ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكم لِهْلِهِ وأَنَا خَيْرُكُمْ لأِهْلِه))(٢) . . (١) إسناده ضعيف. عبد الرحمن المسلي - بضم الميم وسكون المهملة - الكوفي - ومسلية من كنانة، وقيل من مَذْحِجٍ - قال الإمام الذهبي في ((الميزان)»: لا يعرف إلا في هذا الحديث، تفرد عنه داودُ بنُ عبد الله الأودي، وقال في ((التقريب)): مقبول، أي: حيث يُتابع وإلا فهو لين، وباقي رجاله ثقات. ورواه الطيالسي (٤٧) و(١٣٥)، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (٣٧)، وأحمد ٢٠/١، وأبو داود (٢١٤٧)، وابن ماجه (١٩٨٦)، والنسائي في ((عشرة النساء) (٢٨٦)، والبيهقي ٣٠٥/٧ من طرق، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد. (٢) حديث حسن لغيره. جعفر بن يحيى بن ثوبان، وعمه عمارة لم يوثقهما غیر ابن حبان، وباقي رجاله ثقات. ورواه ابن ماجه (١٩٧٧) عن أبي بكر بن خلف ومحمد بن يحيى، وابن حبان (٤١٨٦) عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم، عن أحمد بن سعيد الدارمي، ثلاثتهم عن أبي عاصم، بهذا الإسناد. - ٣٤٣ - = قال أبو جعفر: ثم أردنا أن نَقِفَ على ذلك الضرب أيُّ ضرب هو، فالتمسنا ذلك هل نجد عن رسولِ الله ◌ِله فيه شيئاً ٢٥٢٤ - فوجدنا عليَّ بنَ مَعْبَد قد حدثنا، قال: حدثنا يونسُ بنُ محمد، قال: حدثنا حُسَيْنُ بنُ عازب بن شَبِيب بن غَرْقَدَة أبو غرقد، عن شَبِيب بن غرقدة، عن سليمان بن عَمْرو عن عمرو بن الأحوص، قال: خَطَبَ رسولُ اللهِ وَلِّ فِي حجة الوداع ، فقال في خطبته: ((ألا وَاتَّقُوا اللَّه عز وجل في النّساءِ، فإِنَّهِنَّ عندَكم عَوَانٍ، أَخذتموهُنَّ بأَمَانَةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ قُرُوجَهُنَّ بكلمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، لكم عَلَيْهِنَّ حقٍّ، ولَهُنَّ عليكم حقٍّ، وَمِنْ حَقّكم عليهِنَّ أَنْ لا يأْذَنَّ في بيوتكم إِلَّ بِإِذْنِكم، ولا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، فإنْ فَعَلْنَ، فاهجروهُنَّ في المضاجِعِ ، واضربوهُنَّ ضرباً غيرَ مُبَرِّحٍ ، فإنْ أَطعنَكُم فلا تَبْغُو عليهنَّ سبيلاً، وإنَّ مِنْ حَقُّهِنَّ عليكم رِزقَهُنَّ وكِسوتَهُنَّ بالمعروفِ))(١). = وله شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها بإسناد صحيح عند ابن حبان (٤١٧٩). (١) إسناده حسن. الحسین بن عازب بن شبیب: روی عنه یونس بن محمد، وسويد بن سعيد، ويحيى بن حسان التنيسي، وبشربن الوليد، ذكره ابن أبي حاتم ٦١/٣، والدولابي في ((الكنى)) ٨٠/٢، وهو متابع. وسليمان بن عمرو بن الأحوص الجشمي: روى عن أبيه وأمه، ولهما صحبة، روى عنه شبيبُ بنُ غرقدة ويزيد بن أبي زياد، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٣١٤/٤، وحديثه في السنن الأربعة، وباقي رجاله ثقات. ورواه الترمذي (١١٦٣) عن الحسن بن علي الخلال، وابن ماجه (١٨٥١) عن - ٣٤٤ - قال أبو جعفر: فوقفنا بذلك على أنَّ الضرب الذي أبيحُوه = أبي بكربن أبي شيبة، والنسائي في ((عِشرة النساء)) (٢٨٧) عن أحمد بن سليمان، ثلاثتهم عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن شبيب بن غرقدة، بهذا الإسناد. وقال الترمذيَّ: هذا حديث حسن صحيح. وله شاهدٌ يتقوى به عند أحمد ٧٢/٥-٧٣ من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حُرّة الرقاشي، عن عمه. وعواٍ، أي: أسيرات في أيديكم، جمع عانية. وروى مسلم في (صحيحه)) (١٢١٨) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله. وفيه أن النبيِّ * خطبَ الناسَ في عرفة، فقال: فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانِ الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فَعَلْنَ ذُلك، فاضربوهن ضرباً غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عليكم رزقُهُنَّ وكِسوتُهن بالمعروف)). وروى ابن حبان في ((صحيحه)) (٤١٨٩) عن إياس بن أبي ذُباب قال: قال رسولُ الله #: ((لا تضربوا إماءَ الله)) قال: فَذَثِّرَ النساءُ، وساءت أخلاقهن على أزواجهن، فقال عمر بن الخطاب: ذَئِرَ النساء، وساءت أخلاقُهن على أزواجهن منذ نَهَيْتَ عن ضربهن، فقال النبي #: ((فاضربوا)) فضرب الناسُ نساءهم تلك الليلة، فأتى نساء كثير يشتكين الضرب، فقال النبي # حين أصبح: ((لقد طاف بآل محمد الليلة سبعون امرأة كلهن يشتكين الضربَ، وايمُ الله لا تجدون أولئك خياركم» وإسناده صحيح. وانظر تمام تخريجه فيه. قلت: وفي قوله: ((ولا تجدون أولئك خياركم)) دلالة على أنَّ ضربهم مباح في الجملة، ومحلّ ذلك أن يضربها تأديباً إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل، ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإِيهام لا يُعدَلُ إلى الفِعل، لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة - ٣٤٥ - لأزواجهنَّ هو غيرُ المُبَرِّح منه، فوقفنا بذلك على أنَّ الذي نهي عنه في حديث لَقِيط بن صَبِرة أنْ يضربَه الرجلُ مِن الضرب هو الضربُ المبرِّح لا الضربُ الذي هو دُونه عند استحقاقها ذلك منه. والله عز وجل نسأله التوفيق. = المطلوبة في الزوجية إلا إذا كان في أمر يتعلقُ بمعصية الله، وصَحِّ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((ما ضَرَبَ بيده امرأةً له قطُّ، ولا خادماً له قط، ولا ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يُجاهد في سبيل الله، ولا خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تُنتهك حرمةٌ الله عز وجل، فينتقم لله)) - ٣٤٦ - ٤٠٥ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِوَ ه من قوله لحصين الخزاعي أبي عمران بن خُصَين لما علَّمه أنْ يدعو: ((اللهمَّ اغفِرْ لِي ما أَخْطَأْتُ وما عمدتُ وما علمتُ وما جهلتُ)) ٢٥٢٥ - حدثنا أبو أُمَيَّة، قال: حدثنا أبو بكر بنُ أبي شَيْبَة، قال: حدثنا محمد بن بشر العبديُّ، قال: حدثنا زكريا بنُ زائدة، قال: حدثنا منصورُ بنُ المعتمر، قال: حدثنا رِبِيُّ بنِ حِرَاشٍ عن عِمْران بن حُصَين، قال: جاء حُصَيْن إلى النبيِّ وَ قبل أنْ يُسلِم، فقال: يا محمد كان عبدُ المطلب خيراً لِقومه مِنْك ((كان يُطِعِمُهم الكبدَ والسَّنَام، وأنتَ تَنْخَرُهُم. فقال له رسولُ اللهِ وَلَّ ما شاء الله أنْ يقول، ثم إنَّ حُصَيْناً قال: يا محمد ماذا تأمرني أنْ أقولَ؟ قال: ((قُلْ اللهمَّ إِني أَعوذُ بِكَ من شَرِّ نفسِي، وأسألُك أَنْ تعزمَ لي على رشد ٤ امري)) . قال: ثم إِنَّ حصيناً أسلم، ثم أتى النبيَّ وََّ فقال: إِنِّي كنتُ سألتُك المرّة الأولى، وإِنِّي الآن أقولُ: ما تأمرني أنْ أقول؟ قال: ((قُلْ: اللهمَّ اغفِرْ لي ما أسررتُ وما أعلنْتُ، وما أخطأتُ وما عَمَدْتُ، وما جَهَلْتُ وما عَلِمْتُ))(١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. - ٣٤٧ - = ٢٥٢٦ - حدثنا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حدثنا عبدُ الرحمن بن صالح الأزديُّ، قال: حدثنا يحيى بنُ يَعْلَى أَنَّه أتى النبي وَلِ﴿ قبل أنْ يُسْلم، ثم ذكر هذا الحديث غير أنه قال: وما أخطأتُ وما عَمَدْتُ وما عَقَلْتُ وما جَهَلْتُ(١). قال: فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا فيه قوله وَله: ((اللهم اغفِرْ لي ما أخطأْتُ)). فقال قائل: وكيف يسألُ غفران ما أخطأُ به، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]؟ فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ ذلك الخطأ الذي تَوَهَّمه الذي هو ضدٌّ للعمد، ولكنه خطأً من الخطايا التي يخطئها = ورواه النسائي في ((اليوم والليلة)) (٩٩٣) من طريق إسرائيل بن يونس وأحمد ٤٤٤/٤ من طريق شيبان، كلاهما عن منصور، بهذا الإسناد. وقال الحافظ في ((الإصابة)) ٣٣٦/١: إسناده صحيح. (١) إسناده صحيح. عبد الرحمن بن صالح الأزدي: روى له النسائي في (((الخصائص))، وهو صدوق، ويحيى بن يعلى: ثقة من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال الشیخین. ورواه النسائي في ((اليوم والليلة)) (٩٩٣) عن أحمد بن سليمان، عن عُبيد الله بن موسى، و(٩٩٣) عن أبي جعفر بن أبي سريج الرازي، عن محمد بن سعيد بن سابق القزويني، عن عمربن أبي قيس، كلاهما عن منصور، بهذا الإسناد. وهذا سند صحيح كما قال الحافظ في ((الإصابة)). - ٣٤٨ - مما يدخل في قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾(١) [البقرة: ٢٨٦] من الخطيئات التي يُخطئونها، ومما يدخُل (١) قال ابنُ الأنباري فيما نقله عنه ابن الجوزي في ((زاد المسير) ٣٤٧/١ بتحقيقنا: والمرادُ بالنسيان هاهنا: الترك مع العمد، لأن النسيانَ الذي هو بمعنى الغفلة قد أمنت الآثام من جهته، والخطأ أيضاً هاهنا من جهة العمد، لا من جهة السهو، يقال: أخطأ الرجل، إذا تعمد، كما يقال: أخطأ، إذا غفل. وقال أبو جعفر الطبري في ((تفسيره) ١٣٣/٦ -١٣٤: والنسيانُ على وجهين: أحدهما: على وجه التضييع من العبد والتفريط، وهذا الذي يرغبُ العبدُ إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به، وهو النسيانُ الذي عاقب الله عز وجل به آدمَ صلواتُ الله عليه، فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً﴾. والآخر: على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ، ووكل به، وضعف عقله عن احتماله، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غيرُ آثم، ولا وجه لمسألة العبد ربّه أن یغفره له. وكذلك الخطأ وجهان: أحدهما: من وجه ما نهي عنه العبد، فيأتيه بقصدٍ منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ، وهذا الوجه الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى ربِّه في صفح ما كان منه من إثم. عنه إلا ما كان مِن ذلك كفراً. والآخر منهما: ما كان منه على وجه الجهلِ به، والظنِّ منه بأنَّ له فعلَه كالذي يأكلُ في شهر رمضان ليلاً وهو يحسب أن الفجرَ لم يطلع، أو يؤخر صلاة في يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها، فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل، فإن ذلك من الموضوع عن العبد الذي وضع الله عز وجل عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن لا يُؤاخِذه. - ٣٤٩ - في قوله عز وجل: ﴿مِمَا خَطَايَاهُم (١) أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً﴾ [نوح: ٢٥] فذلك على الخطايا التي اكتَسَبُوها بقصدِهم إليها، وبعمدِهم إِيَّاها لا أضدادها من الخطأ الذي يكونُ منهم مِمَّا لا يَعْمَدُونَهُ، ولا يقصِدُون إليه، ولا يقعون فيه باختيارهم إيَّاه. وأما قولُه عليه السلام: ((وما جهلتُ)) فمعنى ما جهلت: أي: ما عملتهُ جاهلاً بقصدِي إليه مع معرفتي به، وجنايتي على نفسِي بدخولي فيه، وعملي إيَّاه. فقال قائل: هذا حديث قد رُوِيَ ما يُخالفه عن عِمْران بن حُصَين ٢٥٢٧ - وذكر ما قد حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا محمدُ بنُ سعيد ابن الأصبهاني، قال: حدثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن داود بن أُبي مِنْد، عن العباس بن عبد الرحمن وهو ابن ربيعة بن الحارث الهاشمي عن عِمْران بن الحُصَيْن أن أباه الحُصَيْن بن عُبيد أتى النبيِّ ◌َّ وكان مشركاً، فقال: أرأيتَ رجلاً كان يَقْري الضيفَ، ويَصِلُ الرحمَ مات قبلك - قال أبو جعفر: كأنه يعني بذلك أباه - فقال رسولُ الله ◌َلَت: ((إنَّ أبي وأباك في النَّارِ)) قال: فما مرَّت عشرون ليلة حتى مات مشركاً (٢). (١) هي قراءةُ أبي عمرو زَيَّان بن العلاء التميمي المازني البصري المتوفى سنة ١٥٤ هـ أحد القراء السبعة، وقرأ الباقون (خطيئاتهم) بالتاء. انظر: ((حجة القراءات)) ص٧٢٧ . (٢) إسناده ضعيف. داود بن أبي هند - وإن كان ثقة من رجال مسلم - قد خُولِفَ في غيرِ حديث فيما قاله أبو داود، وقال ابنُ حبان: كان يهم إذا حدث من حفظه، والعباسُ بنُ عبد الرحمن: روى له أبو داود في ((المراسيل)) والقدر، ولم يرو عنه غير داود بن أبي هند، ولم يوثقه أحد، فهو في عداد المجهولين. = - ٣٥٠ - = ورواه الطبراني (٣٥٥٣) عن محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، بهذا الإسناد. ورواه أيضاً (٣٥٥٢) عن محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو کریب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، به. قلت: وقول الهيثمي في ((المجمع)) ١١٧/١: رواه الطبراني في «الكبير))، ورجاله رجال الصحيح وهم منه رحمه الله، فإن العباس بن عبد الرحمن لم يخرجا له ولا أحدهما، بل ليس له رواية في الكتب الستة، ثم هو مجهول كما تقدم. قال الطبراني في ((معجمه الكبير» ٣٢/٤: حصين بن عبيد أبو عمران بن الحصين الخزاعي، وقد اختلف في إسلامه، قيل: أسلم، ويقال: مات على كفره، والصحيح أنه أسلم. وروى الترمذي (٣٤٨٣) عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، عن شبيب بن شيبة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال رسولُ الله # لأبي: ((يا خُصين كم تعبد اليوم إلهاً؟)) قال: سبعة: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: (فأيُّهم تُعِدُّ لرغبتك ورهبتك؟)) قال: الذي في السماء، قال: ((يا حصين، أما إنك لو أسلمت لعلمتك کلمتین تنفعانك))، قال: فلما أسلم حصین قال: يا رسول الله، علّمني الكلمتين اللتين وعدتني، فقال: ((اللهم ألهمني رشدي، وأَعِذْني من شَرِ نفسي)) قال الترمذي: حسن غريب. ورواه ابن خزيمة في ((التوحيد)) ص ١٢٠-١٢١ عن رجاء بن محمد العذري، حدثنا عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده أن قريشاً جاءت إلى الحصين وكانت تعظمه، فقالوا: له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاؤوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبي #1 ودخل الحصين، فلما رآه النبي ◌َّير قال: ((أوسعوا للشيخ)) - وعمران وأصحابه متوافدون - فقال حصين: ما هذا الذي يبلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا= - ٣٥١ - قال: ففي هذا الحديث أنَّ حُصَيْناً أبا عمران بن حُصَيْن مات مشركاً، وفي الحديث الأول ذكر إسلامَه وتعليم النبي ﴿ إِيَّه ما ذكر تعليمه إيّاه فيه. وهذا اختلاف شديد !! فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ هذا وإن كان اختلافاً كما ذكر في هذين الحديثين، فإنّه ليس من رسولِ الله ء وَ*، وإنما هو من رواة هذين الحديثين - والله أعلمُ بحقيقة الأمر في ذلك ما هو- غير أنا تأملناهما، فوجدناهما قد يخرجان بما لا اختلاف فيه، وذلك أنْ يكونَ عِمْرانُ هو ابنُ حُصَيْن ابن حُصَيْن بن عُبَيْد، فيكون أبوه حُصَين المذكور بالإِسلام في الحديث الأول من الحديثين اللذين ذكرناهما في هذا الباب أباه الأدنى هو الذي أسلم، وعلَّمه رسولُ اللهِ وَجّ ما علمه في الحديثِ المذكور فيه إسلامه من الحديثين = وتذكرهم، وقد كان أبوك جفنة وخبزاً؟ فقال: ((يا حصين، إن أبي وأباك في النار، يا حصين كم إلهاً تعبد اليوم؟)) قال: سبعة في الأرض وإله في السماء، قال: ((فإذا أصابك الضر من تدعو؟)) قال: الذي في السماء، قال: ((فإذا هلك المال مَنْ تدعو؟)) قال: الذي في السماء، قال: ((فيستجيب لك وحده وتشركهم معه؟!)). وعمران بن خالد بن طليق: ضعفه أبو حاتم، وقال أحمد: متروك الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاجُ به، وأبوه خالد بن طليق: قال الدارقطني: ليس بالقوي . ورواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٤٢٣-٤٢٤ من طريق الحسين بن المتوكل، حدثنا سهل، عن أبي معاوية، عن شبيب بن شيبة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وهذا سند ضعيف. الحسين بن المتوكل: ضعيف، وكذا شبيب بن شيبة . - ٣٥٢ - اللذين رويناهما في هذا الباب، ويكون الذي مات مُشركاً هو حُصين بن عبيد أباه الأقصى من أبويه اللذين اسم كلُّ واحدٍ منهما حصين(١)، فيصحُّ الحديثان جميعاً، ولا يتضادَّانِ، وذلك أَوْلِى مما حملا عليه حتى لا يدفع واحدٌ منهما صاحبه، ولا يُخالِفَه ولا يُضَادَّه. والله عز وجل نسأله التوفيق. (١) هذا لا يُسَلّمُ لأبي جعفر، فلم يذكر أحد ممن ترجم لحصين أن اسم أبيه حصين أيضاً، ولا داعي لهذا التكلف في الجمع بين الروايتين طالما ثبت أن الثانية منهما ضعيفة كما تقدم. - ٣٥٣ - ٤٠٦ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِوَّ من قوله كان إذا أراد دخولَ قريةٍ: وربّ الشياطين وما أضلَّت، مما كان يستعيذُ به ٢٥٢٨ - حدثنا يحيى بنُ عثمان، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدِ العزيز الواسطيُّ، قال: حدثنا حفصُ بنُ مَيْسَرة، عن موسى بن عقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه عن كَعْب، قال: أشهدُ والذي فلق البحر لموسى مَا لسمعت صهيباً يقول: كان النبي وَلَهُ إذا رأى قريةٌ يُريد نزولَها، قال: ((اللهمَّ رَبَّ السماواتِ والأرضِ وما أَظلَلْنَ، وربّ الرِّيَاحِ وما ذَرَيْنَ، وربَّ الأَرضِين وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين وما أَضْلَلْنَ، أَسَأَلُك من خير هذه القريةِ ومِنْ خير أهلِهَا، وأعوذُ بِكَ مِنْ شرِّها ومن شرِّ أهلِها وشرِّ ما فيها))(١) . ٢٥٢٩ - وحدثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال: أخبرنا محمد بنُ نصر، (١) إسناده حسن، وقد تقدم عند المؤلف برقم (١٧٧٨). وهو مخرج في ((صحيح ابن حبان)) (٢٧٠٩). وأزيد هنا: رواه الطبراني في ((الدعاء)) (٨٣٨) من طريق إسماعيل بن أبي أويس، حدثني حفص بن ميسرة، بهذا الإسناد. - ٣٥٤ - قال: حدثنا أيوبُ بنُ سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو بكربن أبي أُوَيْس، عن سليمان - يعني ابن بلال-، عن أبي سُهَيْل بن مالك عن أبيه، أنه كان يسمعُ قراءةً عُمر بن الخطاب وهو يُؤُمُّ الناس في مسجد رسول الله وَجٍ من دار أبي جُهَيْم، وقال كعبُ الأحبار: والذي فلقَ البحر لموسى إنَّ صُهيباً حدثني أنَّ محمداً رسول الله ◌ِ﴾ لم يَرَ قريةٌ يريدُ دخولَها إلَّ قال حين يراها: ((اللهمَّ رَبَّ السماواتِ السَّبعِ وما أَظْلَلْنَ، وَرَبِّ الأرضِين السَّبْعِ وما أَقْلَلْنَ، وربّ الشِّياطين وما أَضْلَلْنَ، وربّ الرِّيَاحِ وما ذَرَيْنَ، فإِنَّا نَسْألُك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلِهَا، ونَعُوذُ بِكَ مِنْ شرِّها، وشرِّ أهلِها وشرِّ ما فِيها)) وحلف كعبٌ: والذي فلق البحرَ لموسى: لإِنّها كانت دعواتٍ داود حين يرى العدوّ(١). (١) صحيح، محمد بن نصر: روى له النسائي، وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الصحيح. أبو بكربن أبي أويس: اسمه عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أوس الأصبحي، وأبو سهيل: هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي. وهو في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٤٣) للنسائي، وانظر ما قبله. وفي الباب عن عائشة عند ابن السني (٥٢٧) وفي سنده ضعف. وعن ابن عمر عند الطبراني في ((الدعاء)) (٨٣٥) وفي سنده سعيد بن مسلمة، وهو ضعيف. وعن أبي لبابة بن عبد المنذر عند الطبراني في ((الأوسط)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٣٤/١٠: سنده حسن. وعن ابن مسعود عند الطبراني في ((الدعاء)) (٨٩٣) وفيه إسحاق بن أسيد، وهو ضعيف. ورواه موقوفاً على ابن مسعود: عبد الرزاق (٢٠٩٩٥) ومن طريقه الطبراني في = - ٣٥٥ - فقال قائل: في هذا الحديث: وربَّ الشياطين وما أضلَلْنَ، و((ما)) لا تكون لبني آدم إنما تكون لمن سِوَاهم، ويكون مكانها لبني آدم ((مَنْ)) ومن ذلك قولُ الله عز وجل: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] في أمثالٍ لذلك في القرآن. فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عز وجل وعونه أنَّ الأكثرَ غيرُ ما ذكر، غير أنَّ ((ما)) قد تستعمل في بني آدم أيضاً، ومن ذلك قولُ الله عز وجل: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣] يريد آدم نَهُ ومَنْ ولد، وقولُه: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بمعنى إلا من ملكت أيمانكم. وقوله: ﴿فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] بمعنى مَنْ طاب لكم من النساء في أشياءَ كثيرة من هذا الجنس من القرآن قد جاءت بـ ((ما)) في معنى ((مَنْ))، فمثلُ ذلك ما قد جاء في هذا الحديث من قوله: ((وربَّ الشياطين وما أضللن)) بمعنى: وربَّ الشياطين ومَنْ أضللن. والله سبحانه وتعالى نسأله التوفيق. = ((الكبير)) (٨٨٦٧) عن معمر، عن قتادة قال: كان ابن مسعود إذا أراد أن يدخل قرية قال: اللهم رب السماوات وما أظلت، ورب الشياطين وما أضلت، ورب الرياح وما أذرّت، أسألك خيرها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها. وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن قتادة لم يدرك ابن مسعود. - ٣٥٦ - ٤٠٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِله في الثلاثة الذين يَدْعُونَ الله عز وجل فلا یستجيبُ لهم ٢۵٣٠ - حدثنا أبو أُميَّة، قال: حدثنا عمرو بنُ حكّام، قال: حدثنا شُعبةُ، عن فِرَاس، عن الشّعْبِي، عن أبي بُرْدة عن أبي موسى، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((ثلاثةٌ يَدْعُونَ الله عزَّ وجلَّ، فلا يُستجابُ لهم: رجلٌ أعطى مَالَهُ سَفِيهاً، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمُوالَكُمْ﴾ [النساء: ٥]، ورجلٌ دَايَنَ بِدَيْنٍ ولم يُشْهد، ورجلٌ له امرأةٌ سيِّئَةُ الخُلُقِ، فلا يُطَلِّقُها))(١). (١) عمرو بن حكام: ضعفه أحمد وعلي بن المديني والبخاري، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وذكره الساجي، والعقيلي، وابن شاهين في ((الضعفاء))، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير متابع عليه إلا أنه مع ضعفه يكتب حديثه، وتابعه عليه معاذ بن معاذ العنبري، كما قال المصنف، وهي في ((المستدرك)) ٣٠٢/٢، وعنه البيهقي في ((السنن)) ١٤٦/١٠. قال الحاكم بإثره: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ... )) وقد اتفقا جميعاً على إخراجه، وقال الذهبي في «مختصره)»: ولم يخرجاه لأن = - ٣٥٧ - قال أبو جعفر: فاحتملنا هذا الحديث عن عمرو بن حكام وإنْ كانوا يقولون في روايته ما يقولونه فيها إذا كان معاذ بن معاذ العَنْبَري قد حدَّث به عن شعبة، كما حدَّث به هو عنه، ثم تأمَّلنا معنى هذا الحديث، فوجدنا الله عز وجل قد علَّم عبادَه أشياءَ يستدفعُون بها أضدادَها، فكان من ذلك تحذيرُه لهم أنْ لا يَدْفَعُوا إلى السفهاءِ أموالَهم رحمةٌ لهم، وطلباً منه لبقاء نعمه عليهم، وعلَّمهم أنْ يُشْهِدُوا في مُدَايَنَاتِهم، ليكون ذلك حفظاً لأموالِ الطالبين منهم، ولأديان المطلوبين منهم، وعلَّمهم الطلاقَ الذي يستعملُونه عند حاجتهم إليه، فكان مَنْ تَرَكَ منهم ما علَّمه الله إِيَّه حتى وقع في ضدِّ ما يُريد مخالفاً لما أمره عز وجل به، فلم يُحِبْ دعاءَه لِخلافه إِيَّه، وكان مَنْ سِوَى من ذكرنا في هذا الحديث مِمِّن ليس بعاصٍ لرَبِّه مرجوّاً له إجابة الدعوة فيما يدعوه، وهم الذين دخلوا في قوله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وحذّرهم على لسان نبيه وَّر من الاستعجال = الجمهور رووه عن شعبة موقوفاً، ورفعه معاذ بن معاذ عنه. وقال في ((مهذب سنن البيهقي)) فيما نقله عنه المناوي في ((فيض القدير)) ٣٣٦/٣: هو مع نكارته إسناد نظيف. قلت: رواه موقوفاً على أبي موسى ابن جرير في ((تفسيره)) (٨٥٤٤) عن محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، به .. وذكره السيوطي في (الدر المنثور)) ٤٣٤/٢، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر. وقد أخرج الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) ١٨٧/٢ هذه الرواية الموقوفة عن ابن جرير، ولم يشر إلى الرواية المرفوعة، وهذا ترجيح منه للرواية الموقوفة. -٣٥٨ - في ذلك إجابة الدعاء(١). والله عز وجل نسأله التوفيق(٢). (١) روى مالك في ((الموطأ) ٢١٣/١، والبخاري (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥) عن أبي هريرة أن رسولَ اللهِ وَه، قال: ((يُستجابُ لأحدكم ما لم يَعْجَلْ: يقول: دعوت فلم يُستجب لي)». قال ابنُ بطال: إنه يَسْأَمُ، فيتركُ الدعاءَ، فيكون كالمانّ بدُعائه، أو أنه أتى من الدعاء ما يستحق به الإِجابة، فيصير كالمُبَخُّلِ للربِّ الكريم الذي لا تعجزه الإِجابةُ، ولا ينقصه العطاء. وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عند مسلم (٢٧٣٥) (٩٢): ((لا يزال يُستجابُ للعبد ما لم يَدعُ بإثم أو قطيعة رحم. ما لم يستعجِلْ))، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: ((قد دعوت وقد دعوت، فلم أَرَ يستجيبُ لي، فيستحسِرُ عند ذلك ويَدَعُ الدُعاءَ)). ومعنى قوله: يستحسر: ينقطع. (٢) ويرى المناوي في ((فيض القدير)) أن هؤلاء الثلاثة لا تُستجاب دعوتهم في حقِّ من أساء إليهم، فقال: فإذا دعا على امرأته السيئة الخلق، فلا يُستجاب له، لأنه المعذبُ نفسه بمعاشرتها، وهو في سعة مِن فراقها، وإذا دعا على الرجل الذي له عليه مال، فأنكر، فلا يُستجاب له، لأنه المفرطُ المقصرُ بعدم امتثال قوله تعالى: ﴿وأُشهدوا شهيدينٍ من رجالكم﴾، وإذا دعا على السفيه الذي دفع إليه شيئاً من ماله مع علمه بالحجر عليه، فلا يُستجاب له، لأنه المضيعُ لماله، فلا عذر له، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْثُوا السُّفهاءَ أموالكُم﴾. - ٣٥٩ - ٤٠٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَص ◌َل ◌ّ فيما كان من أمُّ سُلَيْم من أخذها عَرَقَهُ واستعمالِها إيّاه في طِيبِها: هل هو إمضاؤُه ذلك لها أو نهيُهُ إِيَّها عنه ٢٥٣١ - حدثنا أبو القاسم هشامُ بنُ محمد بن قُرَّة بن أبي خليفة الرُّعَيْنِي، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بنُ محمد بن سلامة بن سلمة الأزْدِي، قال: حدثنا إسماعيل بنُ يحيى المُزْنِي، قال: حدثنا الشافعي، قال: حدثنا عبدُ الوهّاب بنُ عبد المجيد، عن أيوب السَّخْتِيّانِي، عن أنس بن سِيرِین عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله پټ يدخل على أمِّ سُلَيْم، فَتَبْسُطُ له نِطعاً، فيَقِيلُ عليه، فَتَأْخُذُ من عَرَقِهِ، فتجعلُه في طِيِهَا(١). ٢٥٣٢ - حدثنا عليُّ بنُ عبد الرحمن، قال: حدثنا عنَّان بنُ مُسْلم، قال: حدثنا وُهَيْبُ بنُ خالد، قال: حدثنا أيُّوب، عن أبي قِلَابة، عن أنس بن مالك (١) إسناده صحيح، من فوق الإِمام الشافعي من رجال الشيخين. وهو في (سنن الشافعي)) (٧٠) برواية المؤلف عن خاله المزني عنه. - ٣٦٠ -