النص المفهرس
صفحات 321-340
فكان قولُهُ وَّه فيه: ((حَقَّ أمين حقَّ أمين)) إثباته لأبي عبيدة أَعْلَى مراتب الأمانة وإن كان قد يكونُ من أهلِها مَنْ هُوَ دونَه فيها، وليس من أعلى مراتبها، فمثلُ ذُلك قولُ النبي ◌ِّهِ: ((ولا حقَّ فيها لقوي مكتسب)) هو على هذا المعنى وعلى أعلى مراتب الاستحقاق لها وإنْ كانَ في المستحقُّين لها مَنْ هو دونَ ذلك في استحقاقها. والله عز وجل نسألُه التوفيق. = علي بن عفان العامري، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل، به. قال الحاكم: قد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث مختصراً في (الصحيحين)) من حديث الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة. وقد خالفهما إسرائيل، فقال: عن صلة بن زفر، عن عبد الله، وساق الحديث أتم مما عند الثوري وشعبة، فأخرجته لأنه على شرطهما، ووافقه الذهبي. قلت: قد رواه البخاري مطولاً كما تقدم في التعليق السابق من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، وانظر ((الفتح)) ٩٤/٨. - ٣٢١ - ٤٠١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ والده من قوله وهو على قبر إحدى ابتَتَيْهِ اللتين كان عُثمان تزوجهما: ((لا يدخلُ القبرَ أحدٌ قارف أهلَه الليلة)» ٢٥١٢ - حدثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ محمد بن عائشة التيمي، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن ثابت عن أنس رضي الله عنه، قال: ماتت إحدى بناتِ رسولِ اللهِ وَّر، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَدْخل القبرَ أحدٌ قَارَفَ أهلَهُ اللَّيْلَ)) فلم يَدْخُلْ زوجُها(١). (١) إسناده صحيح. عُبيد الله بن محمد بن عائشة: روى له أبو داود والنسائي والترمذي، وهو ثقة، ومن فوقه ثقات من رجال الصحيح. ورواه أحمد ٢٢٩/٣ عن يونس، و٢٧٠، والحاكم ٤٧/٤ عن عفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. ورواه البخاري في ((التاريخ الصغير)) ص٤٤ عن عبد الله المسندي، عن عفير، عن حماد، به. وجاء تسميتها عندهم رقية، وقد استنكره الإمام البخاري في ((التاريخ الأوسط)) فيما نقله عنه الحافظ في ((الفتح)) ١٥٨/٣ فقال: ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي ﴿ ببدر لم يشهدها. وقال الحافظ: إن الوهم فيه من حماد بن سلمة، = - ٣٢٢ - قال أبو جعفر: فابنةُ رسولِ اللهِ وََّ هذه هي أمّ كُلْثوم توفيت وكانت وفاتُها رضي الله عنها في سنة تسعٍ من الهجرة، وتأملنا قولَ النبي ◌َّه: ((لا يدخل القبر أحدٌ قارفَ أهلَه الليلةَ)) فوجدنا المقارفة(١) قد تكون من المقاولة المذمومة [وقد تكون من غيرها من الإِصابة، واستحال] عندنا أن يكونَ أراد بذلك الإِصابة، لأنَّ إصابةَ الرجلِ أهلَه غيرُ مَذْمومةٍ، وكان الذين كان إليهم نزولُ قبرها وإدخالُها فيه من ذوي أَرْحَامها المحرمات منها، ولا نعلم - كان - منهم حينئذٍ حاضراً غيرَ رسولِ الله وَ ل﴿ لأنَّه أبوها، وغيرَ عمِّه العباس بن عبد المطلب، وغيرٌ مَنْ كان يمسُّها برحم محرم مِنْ قبل أمِّها، وهو أخوها لُأَمِّها هندُ بنُ أبي هالة التميمي، ومن عسى أنْ يكون بينَه وبينَها حُرمة برضاع، فكان = والصواب أنها أمّ كلثوم. رواه الواقدي عن فليح بن سليمان، عن بلال بن علي، عن أنس، ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٨/٨ في ترجمة أم كلثوم، وكذا الدولابي في ((الذرية الطاهرة)). (١) قال الحافظ في (الفتح)) ١٥٨/٣ تعليقاً على قوله: ((لم يقارف)): بقاف وفاء، زاد ابن المبارك عن فليح: أراه يعني الذنب. ذكره المصنف (أي: البخاري) في باب من يدخل قبر المرأة تعليقاً، ووصله الإسماعيلي، وكذا سريج بن النعمان عن فلیح، أخرجه أحمد عنه، وقيل: معناه: لم يجامع تلك الليلة، وبه جزم ابن حزم، وقال: معاذ الله أن يتبجَّح أبو طلحة عند رسولِ الله# بأنه لم يذنب تلك الليلة. انتهى. ويقويه أن في رواية ثابت المذكورة بلفظ: ((لا يدخل القبر أحدٌ قارفَ أهلَه البارحة، فتنحَّى عثمان)»، وحكي عن الطحاوي أنه قال: ((لم يقارف)) تصحيف! والصواب: لم يقاول، أي: لم ينازع غيره الكلام، لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء . - ٣٢٣ - هؤلاء أوْلى الناس بإدخالها قبرَها، واحتمل أن يكونَ فيهم سوى رسول الله ◌َُّ مَنْ قد كان بينَه وبَيْنَ أهله مقارفةٌ لم يحمدها رسولُ الله ◌ِلّه منه، فلم يُحِبَّ بذلك أنْ يتولَّى من ابنته ما يتولاَه لو لم يكن ذلك منه. وقد كان من خلُقِه ◌ََّ الذي شرَّفَه الله عز وجل به، وجعله في أعلى مراتب الأخلاق ألا يُواجه (١) أحداً بشيء، كان منه مِمَّا قد كرهه منه، إنما يقول ذلك تعريضاً به كمثل ما رُوِيَ عنه عندَ قول أهل بريرة في بيعهم عائشة: نبيعكِها - يعنون بريرة وهي مكاتبة - بيعاً تُعتقُ بِهِ [على] أنْ يكونَ ولاؤها لنا: أنه خطبَ النَّاسَ، فقال: ((ما بالُ أقوامٍ يشترطون شُرُوطاً ليست في كتاب الله عز وجل، مَن اشترَطَ شَرْطاً ليس في كتاب الله، فهو باطلٌ، وإن كان مئة شرط، قضاءُ الله أحقّ وشرطه أَوْثَق، إنما الولاءُ لمن أُعْتَقَ))(٢) وسنذكر ذلك بإسنادِهِ فيما بعدُ مِن كتابنا هذا إنْ شاء الله، فأسمعهم ذلك بخطابه الناسَ جميعاً وهُم فيهم به لِينتهوا عنه. ومن قولُهُ وَّه: ((ما بالُ رجال يقولُ أحدُهم: قد طلقتُك قد راجعتُك))(٣). (١) في الأصل: يؤاخذ، وهو خطأ. (٢) حديث صحيح. رواه مالك في ((الموطأ)) ٧٨٠/٢-٧٨١، ومن طريقه البخاري (٢١٦٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ورواه مسلم (١٥٠٤) (٦) و(٨) من طريق ابن شهاب، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، به. وسيرد عند المؤلف بإسناده، ونفصل القول في تخريجه هناك إن شاء الله . (٣) مؤمل بن إسماعيل - وإن كان سيىء الحفظ - قد توبع، ومن فوقه ثقات من = - ٣٢٤ - ٢٥١٣ - حدثناه بَكَّار بن قُتَيْبة، قال: حدثنا مُؤَمَّل بنُ إسماعيل، قال: حدثنا سفيانُ الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى، عن النبيِّ وَّ يريدُ بذلك فاعليه وفي من خاطب بذلك غيرهم. فمثلُ ذلك يحتمل قوله وَله: ((لا ينزل القبرَ من قارف أهلَه الليلةَ)) لأنَّ فيمن خاطبه بذلك مَنْ كان ذلك منه في ليلته تلك، وفيهم من لم يكن منه فيها، فقال ذلك القولَ، لِيسمعه مَنْ كان ذلك منه في ليلته تلك فلا يَدْخُلُ قبرها، وهذا أحسنُ ما قَدَرْنًا عليه من معاني هذا الحديث التي يُخرج عليها. وأمَّا ما فيه من قولِ الذي رواه: فلم يَدْخُلْ زوجُها، يعني قبرَها، فإن ذلك قد حملَهُ قومٌ على أنه مُحتمل عندهم أنْ يكونَ بينه وبينَها قبل وفاتها في تلك الليلة هذه المقارفة، وهم الذين يذهبونَ إلى أنَّ للرجل أنْ يُغَسِّلَ زوجته بعد وفاتِها(١)، فقالوا كما يكونُ له أنْ يُغسلها = رجال الشيخين. ورواه ابن ماجه (٢٠١٧) عن محمد بن بشار، والبيهقي ٣٢٢/٧ من طريق محمد بن أبي بكر، كلاهما عن مؤمَّل بن إسماعيل، بهذا الإسناد. ولفظ ابن ماجه: (ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقول أحدهم: قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك». ورواه البيهقي ٣٢٢/٧ من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن سفيان، به. ورواه الطيالسي (٥٢٧) عن زهير، عن أبي إسحاق، به. ولفظه: كان رجل يقول: قد طلقتك، قد راجعتك، فبلغ ذلك النبي : ﴿، فقال: ((ما بالُ رجال يلعبون بحدود الله)). (١) وحجتهم في الجواز ما رواه ابن هشام في ((السيرة)) ٢٩٢/٤ عن ابن إسحاق - ٣٢٥ - بعد وفاتها، فكذلك له أن يُدْخِلَها قبرها بعد وفاتها، فأمَّا نحن، فمذهبُنا أنه لا يُغَسِّلُها، بعدَ وفاتها لانقطاع ما كان بينَه وبينها في حياتها بوفاتها، وهو عندنا خارجٌ من ذلك غير داخل فيه. = قال: وحدثني يعقوب بن عتبة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة زوج النبي ◌ّ﴾ٍ قالت: رجع رسولُ اللهِ وَلّ من البقيع، فوجدني وأنا أجِدُ صُداعاً في رأسي وأنا أقول: وارأساه، فقال: بل أنا واللهِ يا عائشة وارأساه، قالت: ثم قال: وما ضرَّكِ لو مُتُّ قبلي، فقمتُ عليكِ وكفتتُكِ، وصلَّيتُ عليكِ ودفنتكِ؟ قالت: قلت: واللهِ لكأني بك، لو قد فعلتَ ذلك، لقد رجعتَ إلى بيتي، فأعرستَ فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسِّمَ رسولُ اللهِ وَجٍ، وتتامّ به وَجَعُه، وهو يدور على نسائه حتى استعزَّ به وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءَه، فاستأذنهن في أن يُمرَّض في بيتي، فأذِنَّ له. وهذا سند حسن رجاله ثقات، وابن إسحاق صرَّح بالتحديث. ورواه من طريق ابن إسحاق: أحمد ٢٢٨/٦، والدارمي ٣٧/١-٣٨، وابن ماجه (١٤٦٥)، والدارقطني ٧٤/٢، والبيهقي في ((السنن)) ٣٩٦/٣، و((الدلائل)) ١٦٨/٧-١٦٩، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٨٢/١١، وصححه ابن حبان (٦٥٨٦). ورواه أحمد ١٤٤/٦، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٥٢/١٢ عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله 18 في اليوم الذي بدىء فيه، فقلت: وارأساه، فقال: ((وددت أن ذلك كان وأنا حي، فهيّتك ودفنتك)) قالت: فقلت غَيْرَى: كأني بك في ذلك اليوم عروساً ببعضِ نسائك، قال: وأنا وارأساه، ادعوا لي أباك وأخاك حتى أكتبَ لأبي بكر كتاباً، فإني أخاف أن يقول قائلٌ، ويتمنى متمن: أنا أولى، ويأبى الله عز وجل والمؤمنون إلا أبا بكر. - ٣٢٦ - (4 - * وقد رُويّ هذا الحديثُ من وجهٍ آخر بزيادةٍ على هذا المعنى ٢٥١٤ - كما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدثنا أبو عامر العَقَدِي . وكما حدثنا فَهْد بن سليمان، قال: حدثنا موسى بن داود، قالا: حدثنا فُلَيْح بن سليمان، عن هِلال بن علي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: شهدنا بنتاً لرسول الله وَ﴿، ورسولُ اللهِ وَِّ جالسٌ على القبر، فرأيتُ عينيه تَدْمَعَان. فقال: ((هل منكم أحدٌ لم يُقَارِفْ أهلَه الليلةَ))؟ فقال أبو طلحة: أنا. قال: ((فانزلْ)) فنزل في قبرها(١). فكان ما في هذا الحديث مما حكي فيه عن أبي طلحة يَبْعُدُ من القلوب، لأنَّ أبا طلحة لم يَكُنْ من ذَوِي أرحامها الذين يتولّون ذلك منها، مع أنَّ الذي رَوَى هذا الحديث - وهو فُلَيْحِ بنُ سليمان - ليس معه من الإتقانِ ولا من التّثبّت في الرواية، كما مع الذي رَوَى الحديثَ الأولَ وهو حمّاد بن سلمة، عن ثابت البناني، اللهُمَّ إلاّ أنْ يكونَ لم يَحْضُرْ قبرها حينئذٍ أحد من ذوي أرحامها المحرمات غير رسول الله (١) رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن فُليح بن سليمان كثيرُ الخطأ كما في ((التقريب)). أبو عامر: هو عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي. ورواه البخاري (١٢٨٥) عن عبد الله بن محمد المسندي، حدثنا أبو عامر، و(١٣٤٢) عن محمد بن سنان، وأحمد ١٢٦/٣ و٢٢٨ عن أبي عامر، ويونس، وسريج، والحاكم ٤٧/٤، والبيهقي ٥٣/٤ من طريق يونس بن محمد، أربعتهم عن فلیح بن سليمان، بهذا الإسناد. - ٣٢٧ - *، فاحتاج إلى معونته على ذلك، فكان من أبي طلحة ما كان لمعونته إيَّه على ذلك، وذلك له واسع كما يَتْسِع للرجال الذين ليسوا بذَوِي محارمٍ من النساء الميتات إذا لم يكن بحضرتهن ذوو أرحام منهن أن يلمُسُوهُنَّ من وراءِ الثياب مكانَ الغسل لهن. والله نسألُه التوفیقَ . - ٣٢٨ - ٤٠٢ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَل فيمن كان إليه إدخالُ مَنْ توفي مِن أزواجِ رسولِ اللهِ وَّ فِي قبورِ هِنَّ حدثنا يزيدُ بن سِنَان، قال: حدثنا يحيى بنُ سعيدِ القَطَّانُ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد، قال: حدثنا عامر، قال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ أَبْزَى، قال: صليتُ مع عُمربن الخطاب رضي الله عنه على زينب رضي الله عنها بالمدينة، فكِبَّر عليها أربعاً، ثم أرسلَ إلى أزوج النبيِّ بَّهِ مَنْ تَأْمُرْنَ أنْ يُدْخِلَها القبرَ؟ قال: وكان يُعجبه أن يكونَ هو الذي يلي ذلك، قال: فأرسَلُوا إليه: انْظُرْ مَنْ كان يَراها في حياتها، فليَكُن هو الذي يُدْخِلُها القبرَ. فقال عمرُ رضي الله عنه: صَدَقْتُنَّ (١). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. عامر: هو ابن شراحيل الشعبي، وعبد الرحمن بن أبزى: صحابي صغير، وكان في عهد عمر رجلاً، روى مسلم في ((صحيحه)) (٨١٧) من طريق عامر بن واثلة أن نافع بن الحارث لقي عمر بعُسْفَانَ، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابنُ أبزى؟ قال: مولى مِن موالينا، قال: فاستخلفتَ عليهم مولى؟! قال: إنه قارىءٌ لِكتاب الله عز وجل، وإنه عالمٌ بالفرائض، قال عمر: أما إنَّ نبيكم مَّ قد قال: ((إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويَضَعُ به آخرين)). ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١١١/٨ و١١٢ عن زهير بن معاوية، ووكيع بن = - ٣٢٩ - قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أنَّ عمر رضي الله عنه قد كان أعجبه أن يكونَ هو الذي يتولَّى إدخالَها قبرها، وكان ذلك عندنا - والله أعلم - أنها لما كانت له أمّاً، لأنَّ الله عز وجل قال: ﴿النّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وكان لها بذلك ابناً، أعجبه لذلك أن يكونَ هو المتولِّ لإِدخالها قبرَها، ثم استظهر في ذُلك بما عندَ الباقيات بعدها من أزواج رسولِ الله﴿ في ذلك، لأَنَّهنَّ فيه مثلُها، ولأنَّ ذلك الحكم الذي بَيِّن به في ذلك، تبينُ هي فيه، وكان ذلك مما قد يقع في مثلِه الإِشكالُ إنْ كانت، وإن كانت له أُمّاً وكان هو لها ابناً، فإن له أن يتزوَّج بنتاً من بناتها وأن الذي بينَه وبينها من البنوة ومن أمومة في ذلك تخالفُ الأمومةَ والبنوةَ في الأنساب وفي الرضاع، فرجع إلى ما عندهنَّ في ذلك ليقف على حقيقتِهِ، إذ كان مثلُ ذلك مما لا يَسْقُطُ عليهن كيف كان الحكم فيه الذي قد عَلِمْنَهُ مِنْ رسولِ الله وَّه وأوقفهن عليه، فأعلمنه أنَّ إدخالَها قبرها هو إلى مَنْ كان يراها في حياتها، فخالف (١) ذلك ما كان الأمرُ عليه عنده فيه قبلَ ذُلك، وبَانَ بذلك عنده أنَّ أمومتهن للمؤمنين وبنوة المؤمنين لهن لها حكمٌ خاص، خلافَ حكمِ البنوة إلى النسب، وخلافَ حكم الأمومة من الرضاع إذ كانت الأمومة من النسب والأمومة من الرضاع = الجراح، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن عبيد الطنافسي، والطبراني ٢٤/(١٣٤) من طريق وكيع وعبد الله بن نمير، والبزار (٢٦٦٧) من طريق شعبة، خمستهم عن إسماعيل بن أبي خالد، بهذا الإسناد. وقد سقط من سند الطبراني المطبوع: ((عن عبد الرحمن بن أبزى. (٢) في الأصل: ((فحال)). - ٣٣٠ - تُبيحان النظرَ من الأولادِ لِكُلِّ واحدٍ من ذلك الجنسين إلى من كان به لهن أمّاً، والأمومة بالنسب الذي بينهن وبَيْنَ رسول اللهِ نَّهِ لهنٌ لا يُبيحهن ذلك والأمومة من النسب ومن الرضاع يمنعان من نكاح مَنْ ولده أولئك الأمهات من البنات، ولا يمنع الأمومة بتزويج النبي والقر من تزوجه من النساء من مثل ذلك، لأنَّه جائز للمؤمنين تزويج ما وَلَدْنَ من رسول الله وَّ من البنات وما ولدن من غيره منهن، فكانت تلك الأمومةُ لها حكمٌ بائنُ من حكم الأمومتين الأخريين، ولما كان ذلك كذلك، استعمله عُمَّرُ رضي الله عنه مِنْ أهله وهِنَّ الباقياتُ من أزواج النبي ◌ََّ، وأحطنا علماً أنهنَّ لم يأخذن حكمَ تلك الأمومة إلاّ مِن رسول الله وَّر، وأنهن لم يأخذنه مِن جهة الاستنباط، ولا من جهة الاستخراج، لأنَّ ذلك لا يُؤخَذ مثلُه من جهة الاستنباط، ولا من جهة والاستخراج، وإنَّما يؤخذ من جهة التوقيفِ، والتوقيفُ فيه وفي أمثاله لا يكون إلَّ من رسول الله وَّ فَمِنْ هذه الجهة أدخلنا هذا الحديثَ في أحاديث رسولِ الله وَّ والتمسنا منه ما التمسنا من حديثه الذي قد تقدم ذكرنا له فيما تقدم من كتابنا هذا. وقد روى هذا الحديثَ حجاجُ بنُ إبراهيم، عن أبي عوانة، عن فراس بن يحيى، عن عامر، فخالف إسماعيل في المرأة المذكورة فيه المتوفاة من أزواج رسول الله بَّه، وذكر فيه أنها أمّ حبيبة مكان ما ذكر إسماعيل فيه أنها زينب كما حدثنا يوسف بن يزيد، قال: حدثنا حجاجُ بنُ إبراهيم، قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن فِرَاسٍ ، عن عامر عن عبد الرحمن بن أبْزَى أن أمَّ حبيبة زوجَ النِبِيِ نَّهِ تُوَفِّيَتْ، - ٣٣١ - فصلَّى عليها عُمر رضي الله عنه، فكِّر عليها أربعاً، وبعث إلى أُمِّهات المؤمنين: مَنْ يُدْخِلُها في قبرِها؟ فَقُلْنَ: الذي كان يَحِلُّ له أنْ يراها في حياتها(١). قال أبو جعفر: وهذا عندنا خطأ، لأنَّ أم حبيبة بقيت بعد وفاة عُمر رضي الله عنه دهراً طويلاً(٢)، ثم التمسنا هذا الحديث من غير جهة حجَّاج بن إبراهيم مما يرجع إلى فِراس، كيف هو؟ فوجدنا محمد بن خُزَيْمة قد حدثنا قال: حدثنا حجَّاج بن مِنْهال، قال: حدثنا أبو عَوَانة، قال: حدثنا فِرَاس، عن عامر الشّعْبِي، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى، قال: صليتُ مع عُمر رضي الله عنه على زينب ابنةٍ جَحْشٍ، فكِّر عليها أربعاً (٣). وقد ذكرنا فيما تقدَّم من كتابنا (٤) هذا ما رُويَ عن رسول الله وَله (١) حجاج بن إبراهيم: روى له أبو داود والنسائي، وهو ثقة، ومن فوقه من رجال الشيخين، لكن تسمية المتوفاة بأم حبيبة وهم من أحد رواته كما سينبه عليه المؤلف بعد قليل. (٢) قال الواقدي، وأبو عبيد، والفسوي: ماتت أم حبيبة سنة أربع وأربعين، وقال المفضل الغلابي: سنة اثنتين وأربعين. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢٢/٢. (٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١١١/٨ عن عفان بن مسلم، عن أبي عوانة، بهذا الإِسناد. ولفظه: صَلَّى عمر على زينبَ بنتِ جحش، فكَبِّرَ عليها أربعَ تكبيرات، قال: فأراد أن يدخل القَبر، فأرسل إلى أزواج النبي، فقلن: إنه لا يحل لك أن تدخل القبر، وإنما يدخلُ القبرَ مَنْ كان يَحِلُّ له أن ينظر إليها وهي حية. (٤) انظر الحديث رقم (٢٠٩) و(٢١٠). - ٣٣٢ - من قوله، - كان - لأزواجه: ((أُوْلُكُنَّ بي لُحُوقاً أَطْوَلُكُنَّ يَدَيْنِ)) وأنهن كن يتطاولن بأيديهن. وتقول عائشة في ذلك: وكانت زينب ابنة جحشٍ امرأة قصيرة وكانت تصنع بيدها ما تُعِينُ به في سبيل الله عز وجل، وعلَّمهنَّ بذلك أنها كانت أطوَلَهن يَدَيْنِ بالخير(١). والله عز وجل نسأله التوفيق . (١) زينب بنت جحش بن رياب ابنة عمة رسول الله وَله، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، من المهاجرات الأول، كانت عند زيد مولى النبي و8 198، وهي التي يقول الله فيها: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾ فزوجها الله تعالى نبيَّه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد، فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين، وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وكانت من سادة النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً. توفيت سنة عشرين. (سير أعلام النبلاء)) ٢١١/٢-٢١٢. - ٣٣٣ - ۔۔ ٤٠٣ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِّ في تأويل قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... إلى قوله: وما يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ آل عمران: ٧] ٢٥١٥ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المُرَادي، قال: حدثنا أسدُ بن موسى، قال: حدثنا الوليدُ بنُ مُسلم، قال: حدثني نافع بن عُمر الجُمَحِي، عن ابنِ أبِي مُلَيْكَة، قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله وَّ: ((إذا رَأَيْتُمُوهُمْ، فاحذرُوهم، وإذا رأيتموهُم، فاحذَرُوهُم، ثُمَّ نَزَعَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَتَّعُونَ ما تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾ ... إلى قوله عز وجل: ﴿إِلَّ اللَّه والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ ثم قال رسول الله رَّ: ((الرَّاسِخون في العِلْمِ هُمُ الَّذين آمنُوا بمتشابهه، وعَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ))(١). (١) إسناده صحيح. أسد بن موسى: ثقة، روى له أبو داود والنسائي، ومن فوقه من رجال الشيخين. وابنُ أبي مليكة: اسمه عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله القرشي المكي، تابعي كبير، سمع من عائشة وغيرها من الصحابة. ورواه ابن جرير (٦٦١٢) عن علي بن سهل بن قادم الرملي، عن الوليد بن = - ٣٣٤ - ٢٥١٦ - حدثنا عُبيدُ بنُ رجالٍ، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ محمد الشافعيُّ، قال: حدثنا الحارثُ بنُ عُمَيْر، عن أيوب، عن ابنِ أبي مُلَیْکة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قرأ رسول الله وَالتِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتُ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأَخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فقال رسولُ اللهِ بَّهَ: ((إذا سَمِعْتَ الذين يَتَجَادَلُونَ فيه، فَهُمُ الذين عَنَى الله عز وجل، أوْ هُمُ الذين قال الله عَزَّ وجَلَّ))(١). = مسلم، بهذا الإسناد. ورواه ابن جرير أيضاً (٦٦١٤) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن خالد بن نزار، عن نافع بن عمر، به. ورواه الترمذي (٢٩٩٣) عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، به. ورواه الطبري (٦٦١٣) من طريق شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن ابن أبي مليكة، به. وانظر ما بعده. وقوله: ((ثم نزع)) أي: قرأ أو استشهد، قال في ((اللسان)): وانتزع بالآية والشعر: تمثّل، ويقال للرجل إذا استنبط معنى آية من كتاب الله تعالى عز وجل: قد انتزع معنی جیداً، ونزعه مثله، أي: استخرجه. (١) إسناده صحيح. إبراهيم بن محمد الشافعي: هو إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي المطلبي ابن عم الإمام الشافعي، روى له النسائيُّ وابنُ ماجه، وثقه النسائي، والدارقطني، وابنُ حبان، وأحسن الثناءَ عليه أحمد، وقال أبو حاتم: صدوقٌ. والحارثُ بن عمير: روى له أصحاب السنن والبخاري تعليقاً، وثقه حماد بن زيد، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني، والعجلي، ومن فوقه من رجال الشيخين. أيوب: هو ابن أبي = - ٣٣٥ - قال أبو جعفر: وقد رَوَى هذا الحديثَ يزيدُ بنُ إبراهيم التّسْتَرِي فأدخل في إسناده بَيْنَ عائشة وبَيْنَ ابن أبي مُلَيكة، القاسمَ بنَ محمد. ٢٥١٧ - كما حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو عُمَرَ الخَوْضِيُّ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ إبراهيم، قال: حدثنا ابنُ أبي مُلَيْكة، عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها، قالت: تَلاَ رسولُ اللهِ وَّلُ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... إلى آخر الآية﴾ قالت: فقال رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذا رَأَيْتُمُ الذين يَتَّعُونَ الذي تشابَه منه فأولئك الذينَ سمَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فاحذَرُوهُمْ)) (١). ٢٥١٨ - وكما حدثنا محمدُ بن علي بن زيد المكيُّ، قال: حدثنا = تميمة السختياني . ورواه الطبري (٦٦٠٩) عن يونس، عن ابن وهب، عن الحارث، به. ولم ينسب الحارث، ولم يقف العلامة أحمد شاكر - رحمه الله - على رواية الطحاوي هذه التي تنص على أنه ابنُ عمير، فقال: هو ابن نبهان الجرمي، وضعف الإِسنادَ به! ورواه أحمد ٤٨/٦، وابن ماجه (٤٧)، والطبري (٦٦٠٥) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، به. ورواه الطبري (٦٦٠٦)، وابن حبان (٧٦) من طريق المعتمر بن سليمان، عن أیوب، به. ورواه ابن ماجه (٤٧)، والطبري (٦٦٠٧) من طريق عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفي، والطبري (٦٦٠٨) من طريق معمر، كلاهما عن أيوب، به. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو عمر الحوضي: اسمه حفص بن = -٣٣٦ - القَعْنَبِيُّ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ إبراهيم التُّسْتَرِي، عن عبدِ الله بن أبي مُلَيْكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ وَلِ﴾ مثلَه(١). قال: فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه قولَ الله عز وجل ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ فأعلمنا عزَّ وَجَلَّ أنَّ مِن كتابه آياتٍ محكمات بالتأويل، وهي المتفقُ على تأويلها والمعقولِ المرادِ بها، وأنَّ منه آياتٍ متشابهاتٍ يلتمس تأويلها من الآياتِ المحكمات اللاتي هنَّ أمُّ الكِتاب، وهي الآيات المختلفة في تأويلها، ثم قال عز وجلَّ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ والزيغ: الجورُ عن الاستقامة، وعن العدل، وترك الإِنصاف لأهلها، فيتّبعُون ما تشابه منه، يَطْلُبُونَ بذلك مثلَ الذي كان مِن الأمم الخالية فيما جاءتهم به رسلُهُم صلواتُ الله عليهم ابتغاءَ الفتنة، وهي فسادُ ذات البَيْنِ حتى يكونَ عنها القتلُ وما سِوَاه مما يَجْلُبُهُ مِن البَغْضاء والشَّحْنَاءِ والتفرق = عمر، وزيادة القاسم في هذا السند من المزيد في متصل الأسانيد، فقد سمعه ابن أبي مليكة من عائشة، وسمعه من القاسم بن محمد، فحدث به. على الوجهين. ورواه من طرق عن يزيد بن إبراهيم، بهذا الإسناد: أحمد ٢٥٦/٦، والطيالسي (١٤٣٣)، والبخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٣) و(٢٩٩٤)، والدارمي ٥٥/١، والطبري (٦٦١٠)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٥٤٥/٦، وصححه ابن حبان (٧٣). وقد تابع يزيدَ بن إبراهيم في زيادة القاسم بن محمد حمادُ عند الطيالسي (١٤٣٢)، والطبري (٦٦١٥). (١) إسناده صحيح على شرطهما. وهو مكرر ما قبله. القعنبي: اسمه عبد الله بن مسلمة. - ٣٣٧ - الذي تجري معه الأمورُ بخلاف ما أمر الله عز وجل به فيها بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ومن كان كذلك، خرج من الإِسلام، وصار من غيره، واستحقَّ النارَ. وقد رُوِيَ في تأويل هذه الآية عن أبي أَمَامَة الباهِلي عن النبيِّ * في هذه المعاني زيادة على ما [في] حديث عائشة منها ٢٥١٩ - كما قد حدثنا بَكَّار بن قُتَيْبَة، قال: حدثنا عبد الله (١) بنُ حُمْران الحمرانيُّ، قال: حدثنا عليُّ بن مَسْعَدة البَاهِلي، قال: حدثنا أبو غَالِب، قال: قدمتُ دمشق، فأتيتُ مسجدَها، فوجدت أبا أَمَامة في المسجد، فسلمتُ عليه، وقعدتُ إليه، ثم نهضَ ونهضتُ معه حتى انتهينا إلى باب المسجد، فإذا رؤوسٌ منصوبَةٌ على القناة قريب من سبعين رأساً، فلما نظر إليها أبو أُمَامة ثَمَّ، وقف قال: يا سُبحانَ الله، يا سُبحانَ الله - ثلاث مرات - ما يعملُ الشيطانُ بهؤلاء - ثلاثاً - ثم قال: شَرُّ قتلى تحتَ ظِلِّ السماء - ثلاثاً - وخيرُ قتلى من قَتَلَهُ هؤلاء، وبكى، فقلت له: يا أبا أُمَامَة تقول لهم هذا القول، ثم تبكي؟ فقال: رحمةً لهم، إنَّهم كانوا مِن أهل الإِسلام فخرجُوا منه، ثم تلا هذه الآية التي في آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَاب وَأَخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ حتى ختم الآية، ثم قال: هُم هؤلاء، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَبْيَضَّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... ﴾ حتى ختم الآية (١) في الأصل: ((عبد الرحمن))، والصواب ما أثبتنا، وعبد الله هذا قد احتج به مسلم، وروى له البخاري تعليقاً. - ٣٣٨ - ١ [آل عمران: ١٠٦] ثم قال: هُمْ هؤلاء. قال: قلتُ: يا أبا أمامة هذا شيءٌ تحدِّثُ به مِنْ رأيك، أو شيء سمعتُهُ من رسولِ اللهِ وَارَ؟ قال: يا سُبحانَ الله، يا سُبحانَ الله - ثلاث مرات - إِنِّي إذاً لجريءٌ - قال: ذلك ثلاثاً - لو لم أسمعه إِلَّ مَرَّةً أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً حتى بلغ سبعاً ما حدثتكُمُوه، ثم قال: مَنْ أنتم؟ قال: قلتُ: مِنْ أهلِ العراق. قال: أمَأْ إِنَّهم عندكم كثيرٌ(١). قال أبو جعفر: فدلَّ ما في هذا الحديث على ما ذكرنا، ثم أخبر عزَّ وجل في هذه الآية بعجز الخلق عن تأويل المتشابه الذي ذكره فيها بقوله عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلُه إِلَّ الله﴾، ثم أخبرَ عز وجل بما يقولُه (١) علي بن مسعدة: روى له الترمذي وابن ماجه، ووثقه الطيالسي، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: أحاديثه غيرُ محفوظة، وقال ابن حبان: لا يحتج به فيما لا يوافق الثقات. قلت: قد توبع عليه. وأبو غالب - قيل: اسمه حزوَّر، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع - مختلف فيه، وثقه الدارقطني وموسى بن هارون الحمال، وقال ابن معين: صالح الحديث، وقال ابن عدي: ولم أر في أحاديثه منكراً، وأرجو أنه لا بأس به، وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاجُ به إلا فيما وافق الثقات. ورواه من طرق عن أبي غالب، بهذا الإسناد: عبد الرزاق (١٨٦٦٣)، وأحمد ٢٥٣/٥ و٢٦٢، والحميدي (٩٠٨)، والترمذي (٣٠٠٠)، وابن ماجه (١٧٦)، والطبراني (٨٠٣٣) و(٨٠٣٤) و(٨٠٣٥) و(٨٠٣٧) و(٨٠٤٦) و(٨٠٤٩) و(٨٠٥٦)، وقال الترمذي: حديث حسن. - ٣٣٩ - الراسخون في العلم في ذلك ليمتثلوه ويتمسِّكُوا ويقتدُوا بهم فيه وهو قولُه عز وجل: ﴿وَالرَّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فهكذا يكونُ أهل الحق في المتشابه من القرآن يردُّونَه إلى عالِمِه وهو الله عزَّ وجَلَّ، ثم يلتمسون تأويلَه من المحكمات اللاتي هنَّ أمُّ الكتاب، فإنْ وجدوه فيها، عَمِلُوا به كما يعملون بالمحكمات، وإنْ لم يجدوه فيها لتقصير علومهم عنه، لم يتجاوزوا في ذلك الإِيمانَ به، وردّ حقيقته إلى الله عز وجل، ولم يستعملوا في ذلك الظنونَ التي حرَّم الله عليهم استعمالَها في غيره، وإذا كان استعمالها في غيره حراماً، كان استعمالُها فيه أحرم، ومن ذلك قولُ رسول الله بِّهَ: ((المِرَاءُ في القرآن كُفْرٌ)(١) وسنأتي بذلك فيما بعد في موضع هو أَوْلَى به من هذا الموضع في بقية كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق. (١) رواه ابن حبان (١٤٦٤) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن عبيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهذا سند حسن، وانظر تمام تخريجه فيه. - ٣٤٠ -