النص المفهرس

صفحات 201-220

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((مَنْ
ابْتَى، فَلْيَدْعَمْ جُذُوعَهُ على حَائِطِ جارِهِ))(١).
٢٤٠٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا أبو عاصم النبيلُ،
عن ابن جُرَيج، عن عمروبن دينار، عن هشام بن يحيى أن عِكْرمة بن
سلمة بن أبي ربيعة، أخبره
أنَّ أَخَيْنِ مِن بني المغيرة أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا إِنْ وَضع الآخرُ خشبةٌ في
جدارِهِ، فلقيا مُجَمِّعَ بن يزيد وناساً(٢) من الأنصار من أصحاب النبيِّ
وَ فقالوا: نشهدُ أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((لا يَمْنَعْ أحدُكم أخاهُ أَنْ
يضعَ خشبةً في جِدَارِهِ) فقال لأخيه: قد علمتُ أنَّك مقضي لك عليّ
فضعِ الأسَاطِين وراءَ الحائِطِ، وضعْ خشبَكَ فيها.
قال عمرو بن دينار: فأنا أدركتُ تلك الأساطين(٣).
(١) حسن وهو مکرر ما قبله.
(٢) في الأصل: وناس، والجادة ما أثبت.
(٣) حسن لغيره. هشام بن يحيى: هو المخزومي المدني، روى عنه اثنان،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وعكرمة بن سلمة بن ربيعة: لم يرو عنه غير هشام بن
يحيى، ولم يرد عن أحد توثيقه، فهو في عداد المجهولين، وباقي رجال الإِسناد ثقات
رجال الشیخین.
ورواه ابن ماجه (٢٣٣٦)، والطبراني ١٩/(١٠٨٧) من طريق أبي عاصم
النبيل، وأحمد ٤٧٩/٣-٤٨٠، والبيهقي ٦٩/٦ عن مكي بن إبراهيم، والبيهقي أيضاً
١٥٧/٦ من طريق حجاج بن محمد الأعور ثلاثتهم عن ابن جريج، بهذا الإسناد.
وقوله: ((أعتق أحدهما))، أي: حلف أحدهما بالعتق إن وضع الآخر خشبة في
جداره .
- ٢٠١ -

٢٤١٠ - حدثنا عليُّ بنُ مَعْبد، قال: حدثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيم، قال:
حدثنا ابنُ جُرَيج فذكر بإسناده مثلَه(٥).
٢٤١١ - وحدثنا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وَهْبٍ أن مالكاً أخبره عن
ابن شهاب، عن الأعْرج
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ وَّ قال: ((لا يَمْنَعْ
أُحَدُكُمْ جَارَه أنْ يَغْرِسَ خَشَبَةً في جداره))(٢).
٢٤١٢ - وحدثناه يونسُ مرَّةً أُخرى، قال: أنبأنا ابن وَهْب، قال:
أخبرني مالكٌ ويونس، عن ابن شهاب، فذكر بإسنادِه مثله، وزاد ثم
يقول أبوهريرة: مالِي أراكم عنها مُعْرِضِينَ، والله لَأَرْمِيَنَّ بها بَيْنَ
أکتافِکم(٣).
٢٤١٣ - وحدثنا أبو أمية، قال: حدثنا خالد بن مَخْلد القَطَوَاني،
قال: حدثني مالكٌ، عن أبي الزِّنَاد(٤)، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة
(١) هو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهو في ((الموطأ)) ٧٤٥/٢، ومن طريق مالك رواه أحمد ٤٦٣/٤، والبخاري
(٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩)، والبيهقي ٦٨/٦ و١٥٧، والبغوي في ((شرح السنة))
(٢١٧٤)، وابن حبان (٥١٥).
(٣) إسناده صحيح على شرطهما، وهو مكرر ما قبله.
(٤) كذا قال خالد بن مخلد في روايته ((عن أبي الزناد)) وهو عبد الله بن ذكوان،
بدل «الزهري)).
قال الحافظ: وقال بشر بن عمر عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة بدل =
٢٠٢ -
٠٫٠٠

رضي الله عنه، عن رسول الله وَّ مثله، غير أنَّه قال: ((أنْ يَغْرَزَ خشبه
في جداره)) مكان ما قاله يونس: ((خشبة في جداره))(٣).
٢٤١٤ - وحدثنا المُزَني، قال: حدثنا الشافعيُّ، قال: حدثنا مالك،
عن ابن شهاب، عن الأعْرِج، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَلّد
مثله. وقال: ((خَشَبَه في جداره)) كما قال أبو أُمَيَّةً (٢).
٢٤١٥ - وحدثنا إبراهيم بنُ مرزوق، قال: حدثنا وَهْب بن جَرِير،
عن أبيه، قال: سمعتُ الزبير بن الخِرِّيت يُحَدِّث عن عكرمة
- الأعرج، ووافقه هشام بن يوسف عن مالك ومعمر عن الزهري، ورواه الدارقطني في
(الغرائب)) وقال: المحفوظ عن مالك الأول (أي: عن الزهري، عن الأعرج)، وقال
في ((العلل)): رواه هشام الدستوائي عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب
بدل ((الأعرج)) وكذا قال عقيل عن الزهري، وقال ابن أبي حفصة عن الزهري، عن
حميد بن عبد الرحمن بدل الأعرج، والمحفوظ عن الزهري عن الأعرج، وبذلك جزم
ابن عبد البر أيضاً في ((التمهيد)) ٢١٦/١٠، ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون عند
الزهري عن الجميع.
قلت: وحديث الباب رواه أحمد ٣٩٦/٣ عن إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا
عبد الله بن الفضل وأبو الزناد، عن الأعرج، بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي ٦٨/٦ من طريق ابن وهب عن صالح بن كيسان، عن الأعرج،
به .
(١) رواية يونس ((خشبة)) بالتنوين على إفراد الخشبة، ورواية غيره بصيغة
الجمع، قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٢١/١٠: روى اللفظان في ((الموطأ))،
والمعنى واحد، لأن المراد بالواحد الجنس.
(٢) إسناده صحيح من فوق الإِمام الشافعي على شرطهما، الأعرج: هو عبد
الرحمن بن هرمز، وهو في ((سنن الشافعي)» (٥٢٤) برواية المؤلف.
-٢٠٣ -

عن أبي هُريرة رضي الله عنه، قال: قال رَسُولُ اللهِ وَةِ: ((لَيْسَ
للرجلِ أنْ يمنع جارَه أنْ يَضَعَ خشبةٌ في جدارِهِ)(١).
٢٤١٦ - وحدثنا عبدُ العزيز بنُ مُعاوية العَتَّابي، قال: حدثنا
مسلمُ بنُ إبراهيم الأزْديُّ، قال: حدثنا هشام الدّسْتُوَائِي، قال: حدثنا
مَعْمر، عن الزهري، عن سعيد بن المُسَيِّب
عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَمْنَعَنَّ أحدُكم جارَه
أنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ)(٢).
٢٤١٧ - وحدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا المُقَدَّمِي
محمدُ بنُ أبي بكر، قال: حدثنا يزيدُ بن زُرَيع، قال: حدثنا محمدُ بنُ
أبي حفصة، عن الزهري، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن
عن أبي هريرة رَضِيَ الله عنه أن رسولَ اللهِ وَّرِ قال: ((إذا سأَلّ
أَحدُكم جارَهُ أَنْ يَضَعَ خشبةً في جِدَارِهِ، فلا يَمْنَعْهُ)) (٣).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عكرمة
فمن رجال البخاري، وانظر الحديث الآتي برقم (٢٤٢١).
ورواه البيهقي ٦٨/٦ من طريق مسلم بن إبراهيم، حدثنا وهيب، عن خالد
الحذاء، عن عكرمة، عن أبي هريرة.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢١٦/١٠ من طريق إسماعيل بن إسحاق
القاضي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، بهذا الإسناد.
(٣) رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين إلا أن محمد بن أبي حفصة لم يُتابع
في إسناده عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، لكن قد وافقه =
- ٢٠٤ -

قال أبو جعفر: فكان هذا الحديث على سؤال الجار جاره أنْ يضعَ
خشبه على جداره، وقد وافق محمد بن أبي حفصة على ذلك عن
الزهري غيرُ واحدٍ، منهم: عُقيل بن خالد
٢٤١٨ - كما حدثنا محمدُ بن عُزَيْزِ، قال: حدثنا سلامةُ بنُ رَوْح،
عن عُقِيلٍ، عن ابن شِهاب أن سعيد بن المسيِّب أخبره
أن أبا هريرة أخبره أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قال: ((مَنْ سَأَلَهُ جارُهُ أنْ يضعَ
في جدارِهِ خشبةً فلا يمنَعْهُ)) قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرِضين
واللهِ لْأَرْمِيَنَّ بها بين أَكْتَافِكُمْ(١).
ومنهم: سفيان بن عُيَيْنَة
٢٤١٩ - حدثنا المُزَني، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: حدثنا
سفيان، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعْرِج، عن أبي هريرة
رضي الله عنه سمعه يقول: ثم ذكر مثله(٢).
= على متن الحديث بهذه السياقة غير واحد كما سيبينه المؤلف.
(١) إسناده حسن. سلامة بن روح فيه كلام لا يرقى حديثه إلى الصحة، ومن
فوقه ثقات من رجال الشیخین.
(٢) إسناده صحيح، من فوق الإمام الشافعي ثقات من رجال الشيخين.
سفيان: هو ابن عيينة، وهو في ((سنن الشافعي)) (٥٢٤) برواية المؤلف، ورواه
أحمد ٢٤٠/٢، ومسلم (١٦٠٩)، والحميدي (١٠٧٦)، وأبو داود (٣٦٣٤)، وابن
ماجه (٢٣٣٥)، والترمذي (١٣٥٣)، والبيهقي ٦٨/٦، وابن عبد البر في ((التمهيد))
٢١٨/١٠ من طريق سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد.
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): هكذا يقولُ ابنُ عيينة في هذا الحديث ((إذا =
- ٢٠٥ -
،

ومنهم: سليمان بن کثیر.
٢٤٢٠ - حدثنا أبو أُميَّة، قال: حدثنا سعيدُ بنُ سلیمان سعدویه،
قال: حدثنا سليمانُ بنُ كثير، قال: سمعتُ ابنَ شِهَاب يُحدث عن عبد
الرحمن الأعْرج، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللهُِّ مثلَه، غير أنه
لم يَقُلْ: واللهِ لْأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم.
قال: فكانت هذه الأحاديثُ على السؤالِ من الجار لجاره، وفيها
ما قد دلَّ على أنَّ الجارَ ليس له وضعُ خشبةٍ على جدارِ جاره إلاّ بعدَ
سؤاله إيَّه ذلك وانتظارِهِ ما يكونُ منه إليه في ذلك، وفي ذلك ما قد
دلَّ أن ذلك السؤالَ عند حاجةِ الجار إليه من جاره، وأنَّ الإِباحةَ لذلك
قد تحتمِلُ أنْ تكونَ على الاختيار، لا على الوجوب كمثل قوله عزَّ
وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ
فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] وكان أهلُ العلم جميعاً لا يختلِفُونَ أنَّ ذلك
على النَّدْب والحضُّ على الخير، لا على الوجوب، ولا على الخَتْم،
فمثلُ ذُلك عندنا - والله أعلمُ - قولُ النبي ◌ََّ: ((إِذا استأذَنَ أحدُكم جارَه
أنْ يغرزَ خشبةً في جِدَارِهِ فلا يمنعْهُ)) هو أيضاً على الحضُّ والندب
لا على الحتم، ومثلُ ذلك قوله وَّهِ: ((إِذا استأذَنَتْ أحدكم امرأتُهُ إلى
المسجدِ))(١) ليسَ ذلك على الإِيجاب عند أهل العلم جميعاً، ولكنه
= استأذن)) وكذلك رواية ابن أبي حفصة وعقيل، وسليمان بن كثير: ((إذا سأل أحدكم
جاره أن يضع خشبة في جداره فلا يمنعه) هكذا روی هؤلاء هذا الحدیث على سؤال
الجار جاره واستئذانه إياه أن يجعل خشبة على جداره، ولم يذكر معمر ومالك بن
أنس ويونس في هذا الحديث السؤال، والمعنى عندي فيه واحد ...
(١) تمامه: ((فلا يمنعها)) رواه البخاري (٨٧٣)، ومسلم (٤٤٢)، والنسائي
-٢٠٦ -

على الحضَّ والندب، وعلى ما يرى في ذلك الأزواجُ من الصَّلاح
وإصابةِ الخير مِمَّا لا يدخل عليهم معه مِن أزواجهم ما لا يَصْلُحُ(١).
= ٤٢/٢ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(١) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٢٢/١٠: واختلف الفقهاء في معنى هذا
الحديث، فقال منهم قوم: معناه الندب إلى بر الجار، والتجاوز له، والإحسان إليه،
وليس ذلك على الوجوب، وممن قال ذلك مالك، وأبو حنيفة، ومن حجتهم قوله
وَ *: ((لا يحل مال امرىءٍ مسلم إلا عن طيب نفسه منه)) (قال شعيب: هو حديث
صحيح رواه غير واحد من الصحابة، وهو مخرج في ((صحيح ابن حبان)) (٥٩٧٨)
وقول محقق ((التمهيد)): أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وهم
منه، فإن الحدیث لم یرد عند واحد من هؤلاء)، ثم روى بإسناده عن مالك قوله:
ليس يقضى على رجل أن يغرز خشبة في جداره لجاره، وإنما نرى أن ذلك كان
من رسول الله وَلجر على الوصاة بالجار.
قال: ومن أعار صاحبه خشبة يغرزُها في جداره ثم أغضبه، فأراد أن ينتزعها،
فليس ذلك له، وأما إن احتاج إلى ذلك لأمر نزل به، فذلك له، قال: وإن أراد بيع
داره، فقال: انزع خشبك، فليس ذلك له.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: معنى الحديث المذكور عندنا الاختيار والندب في
· إسعاف الجار وبره، إذا سأله ذلك على نحو قول الله عز وجل: ﴿والذين يبتغون
الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم﴾ ولم يختلف علماء السلف أن ذلك على
الندب لا على الإيجاب، فكذلك معنى هذا الحديث عندهم، وحملوه على معنى
قوله وسلم: ((إذا استأذنت أحدكم امرأتُه إلى المسجد، فلا يمنعها)) وهذا معناه عند
الجميع الحض والندب على حسب ما يراه الزوج من الصلاح والخير في ذلك.
وقال الحافظ في ((الفتح)) ١١٠/٥: استدل به على أن الجدار إذا كان لواحد،
وله جار، فأراد أن يضع جذعه عليه، جاز سواء أذن المالك أم لا، فإن امتنع أجبر، =
- ٢٠٧ -

وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً بخلافٍ ما قد رويناه
عنه
٢٤٢١ - كما حدثنا الربيعُ المُرَادِي، قال: حدثنا أسدٌ، قال:
حدثنا حمّاد بنُ سلمة، عن أَيُّوب، عن عِكْرمة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله وَِّ نَهَى أَنْ يمنعَ
الرجلُ جارَه أنْ يضعَ خشبةً على جدارِهِ (١).
٢٤٢٢ - وكما حدثنا الربيعُ، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا
قَيْسُ بنُ الربيع، عن منصور بن دينار، عن أبي عِكْرمة المَخْزُومي
عن أبي هريرة رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَحِلُّ
لامْرِىٍ مُسْلِمٍ أنْ يمنعَ جارَه خشباتِهِ يَضَعُهَا على جدارِهِ)) ثمَّ يقول أبو
هريرة: لُأَضْرِبَنَّ بها بين أعينكم وإنْ كَرِهْتُم(٢).
= وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من المالكية
والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان، أشهرهما اشتراطُ إذن المالك، فإن
امتنع لم يجبر، وهو قولُ الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب والنهي على
التنزيه جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه.
(١) إسناده صحيح. أسد ثقة، ومن فوقه من رجال الصحيح.
ورواه أحمد ٢٣٠/٢ و٣٢٧، والحميدي (١٠٧٧)، والبخاري (٥٦٢٧)،
والبيهقي ٦٩/٦ من طرق عن أيوب، بهذا الإسناد، وانظر الحديث السالف
(٢٤١٥).
(٢) منصور بن دينار هو التميمي ويقال: القيسي ضعفه ابن معين، وقال
البخاري: في حديثه نظر، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: كوفي =
- ٢٠٨ -
.

قال: وما في هذين الحديثين غيرُ مخالف عندنا لما قد رويناه قبلَه
في هذا الباب. والله أعلم. أمَّا ما في الأول منهما، فعلى المنعِ مِمَّا
لا يَضُرُّ، وأما الثاني منهما، فعلى مثل ما قد رُوِيَ عن النبي ◌ِّه:
((لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مِرَّةَ سَوِيٍّ)) (١) لم يَعْنِ بذلك أنها تكونُ حراماً
عليه عندَ حاجته إليها كما تكون حراماً على الأغنياء عنها، ولكن لا
تَحِلَّ له من جميع جهاته، كما يَحِلّ للعاجز عن الاكتساب بقوته ما
يُغنيه عنها.
فمثل ذلك قولُه: ((لا يَحِلُّ لامرئٍ مسلمٍ أن يَمْنَعَ جارَه)) هو على
ذلك أيضاً، لأنَّه قد يستطيع أن يُبِيحَهُ ذلك، فيرجع بعد ذلك إلى أن
= صالح، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ونسبه ضبياً، وقال ابن عدي: له أحاديث
قليلة، وهو مع ضعفه يجمع حديثه، وقد روى عنه قوم ثقات، وأبو عكرمة
المخزومي : قال الحسيني: مجهول.
ورواه أحمد ٤٤٧/٢ عن وكيع، عن منصور، بهذا الإسناد.
(١) حديث صحيح. رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٢٩٠) من حديث أبي
هريرة رفعه: ((إن الصدقة لا تحل لغني، ولا لذي مِرَّة سوي)) وانظر تمام تخريجه
فيه. والمِرّة بكسر الميم وتشديد الراء: القوة والشدة، وقد ورد تقييد هذه القوة
المطلقة بالاكتساب في حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار، وفيه: ((ولا حظ فيها
لغني ولا لقوي مكتسب)».
قال البغوي في ((شرح السنة)) ٨١/٦: فيه دليل على أن القوي المكتسب الذي
يغنيه كسبه لا تحل له الزكاة، ولم يعتبر النبي# ظاهر القوة دون أن يضم إليه
الكسب، لأن الرجل قد يكون ظاهر القوة غير أنه أخرق لا كسب له، فتحل له
الزكاة .
- ٢٠٩ -

لا ضرر عليه فيما أباحه إيَّه كما لا ضَرَرَ عليه فيه لو لم يُبحه إِيَّاه.
ومثل ذلك ما قد رُوِيَ عن رسول الله وَله
٢٤٢٣ - مِمَّا قد حدَّثنا ابنُ أبي عِمْران ومحمدُ بنُ علي بن داود،
قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ صالح الأزْدِيُّ، قال: حدثنا أبو المُحَيَّاة (١)
يحيى بن يَعْلَى الأسلمي، عن الأعمش
عن أنس، قال: استشهد مِنَّا غلامٌ يَوْمَ أُحُد، فجعلت أُمُّه تمسحُ
الترابَ عن وجهه، وتقولُ: أبشر هنيئاً بالجنة. فقال النبيُّ وَله: ((وما
يُدْرِيكِ؟ لَعَلَّهُ كانَ يتكلَّمُ فيما لا يَعْنِيه، ويمنعُ مَا لَا يضُرُّه))(٢).
(١) هذا خطأ إما من المؤلف، أو ممن نقل عنه، صوابه أبو زكريا، وأما أبو
المحياة، فكنية يحيى بن يعلى بن حرملة التيمي، وهو ثقة من رجال مسلم.
(٢) إسناده ضعيف. يحيى بن يعلى الأسلمي قال البخاري: مضطرب
الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال البزار: يغلط في الأسانيد، والأعمش لم
يسمع من أنس.
ورواه أبو يعلى في «مسنده)) (٤٠١٧) عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، بهذا
الإِسناد.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠٣/١٠ عن أبي يعلى، وضعفه بيحيى بن يعلى
الأسلمي .
ورواه الترمذي (٢٣١٦) عن سليمان بن عبدالجبار البغدادي، وأبو نعيم في
((الحلية)) ٥٥/٥-٥٦ عن إسماعيل بن عبد الله البخاري كلاهما عن عمربن
حفص بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش، عن أنس بن مالك قال: ((توفي رجل من
أصحاب النبي ﴿ فقيل: أبشر بالجنة، فقال النبي *: أفلا تدرون فلعله قد تكلم =
- ٢١٠ -

والله عز وجل نسأله التوفيق.
:
= بما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينفعه)).
وقال الترمذي: هذا حديث غريب. واستغربه أيضاً الإمام الذهبي في ((السير))
٢٤٠/٦، وعده في أفراد عمربن حفص.
- ٢١١ -

٣٨٧ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ في السبب الذي به قطع
رسولُ اللهِ وَّ ما كان المشركون عليه من تحريمهم
العُمْرَة في الوقت الذي كانوا يحرِّمونها
فيه من الزمان
٢٤٢٤ - حدثنا محمدُ بن خُزَيْمة، قال: حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أَسد
العَمِّي، قال: حدثنا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: كانوا يَرَوْنَ العُمْرَة في أشهر
الحَجِّ من أفجر الفجور، وكانوا يُسَمُّونَ المحرم صَفَراً، وكانوا يقولون:
إذا برأُ الدَّبْرُ، وعفا الأَثَرُ، ودخل صَفَرٌ، حلَّتِ العُمْرةِ لِمَن اعْتَمَرِ. فَقَدِمَ
رسولُ اللهِ وَلِّ مكة صبيحةً رابعةٍ من ذي الحجة وهم مُلَبُّونَ بالحج،
فأمرهم أن يجعلُوها عُمرة (١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أحمد ٢٥٢/١ عن عفان، والبخاري (١٥٦٤)، وعنه البغوي (١٨٨٤)
عن موسى بن إسماعيل، ومسلم (١٢٤٠) عن بهز، والنسائي ١٨٠/٥-١٨١ عن أبي
أسامة حماد بن أسامة، والطبراني (١٠٩٠٦) عن مسلم بن إبراهيم، والبيهقي
٣٤٥/٤ عن موسى بن إسماعيل، سنتهم عن وهيب، بهذا الإسناد.
وقوله: ((يسمون المحرم صفراً)) قال العلماء: المراد الإخبار عن النسيء الذي
كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرم صفراً ويحلونه، ويؤخرون تحريم =
- ٢١٢ -

٢٤٢٥ - حدثنا جعفرُ بنُ محمد بن الحسن الفِرْيابي، قال: حدثنا
إبراهيمُ بنُ الحَجَّاجِ السَّامِي، قال: حدثنا وُهَيْبٌ، ثم ذكر بإسناده
مثله (١).
ففي هذا الحديث أن الذي كان مِن رسول اللّهِ وَّر من أمره الناسَ
بتركِ الحج. الذي كانوا أحرموا به، وإحرامِهم مكانه بالعُمرة كان لِنقض
ما كانتِ العربُ عليه مِن تحريمهم العمرةَ في شهور الحجِّ.
وقد رُوِيّ هذا الحديثُ من جهة غير هذه الجهة بزيادةٍ على ما
في هذا الحديث من الوقت الذي كانوا يُحَرِّمُون العمرة فيه، وبانَ
السَّبَبُ الذي نقض به رسولُ الله ◌َ ◌ّ ما كانوا عليه مِما (٢) ذكر في هذا
الحديث
٢٤٢٦ - كما حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حدثنا يوسفُ بنُ
عَدِيِّ الكوفيُّ، قال: حدثنا يحيى بنُ زكريًّا بن أبي زَائِدة، عن ابن
= المحرم إلى نفس صفر لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، فيضيق عليهم فيها ما
اعتادوه من المقاتلة والغارة بعضهم على بعض، فضللهم الله في ذلك، فقال: ﴿إنّما
النَّسيءُ زيادةٌ في الكُفر يُضَلُّ به الذين كفروا ... ﴾.
وقوله: برأ الدبر: أراد برأ الدبر من ظهور الإِبل إذا انصرفت عن الحج دَبِرَةً
ظهورُها، وقوله: عفا الأثر: أي اندرس أثر الإِبل وغيرها في سيرها، ويحتمل أثر الدبر
المذكور، يقال: عفا الشيء: إذا درس وامِّحى.
(١) إسناده صحيح. إبراهيم بن الحجاج السامي روى له النسائي وهو ثقة، ومن
فوقه ثقات من رجال الشيخين، وهو مكرر ما قبله.
(٢) في الأصل: ((من)).
- ٢١٣ -

جُرَيْج، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: والله ما أعْمَرَ رسولُ الله
وَلجر عائشةَ في ذي الحِجَّةِ إلَّ ليقطع بذلك أمرَ الجاهلية، فإنَّ هذا
الحي من قريش ومَنْ دَانَ دينَهم كانوا يقولون: إذا عَفَا الوَبرُ، وبرأ
الدَّبَرُ، ودَخَلَ صَفَرٌ، فقد حأَت العُمرة لمن اعتمر، فكانوا يُحَرِّمُونَ حتى
ينسلخَ ذو الحِجة والمحرم، كما أُعْمَرَها رسولُ اللهِ وَّهِ إِلَّ لِيقطعَ ذُلك
مِن فعلهم(١)
٢٤٢٧ - كما حدَّثنا جعفرُبنُ محمد الفِرْيَابي، قال: حدثنا
الحسنُ بنُ سَهْلِ الحَنَّاط (٢)، وكان يُلَقَّبُ خربوش، قال: حدثنا
(١) يوسف بن عدي ثقة روى له البخاري، ومن فوقه ثقات من رجال الشيخين
غير محمد بن إسحاق، فقد روى له البخاري تعليقاً ومسلم متابعة، وهو صدوق
حسن الحديث إلا أنه موصوف بالتدليس وقد عنعن هنا، وابن جريج مدلس أيضاً
وقد عنعن، وانظر الذي بعده.
(٢) بالحاء المهملة والنون كما في كتب المشتبه، كذا نسبه المؤلف والطبراني،
ورواه ابن حبان عن الحسن بن سفيان، فقال ((الجعفري)) بدل ((الحناط))، ويترجح
عندي أنهما واحد. وإن كان ابن حبان في ((ثقاته)) قد أفرد لكل منهما ترجمة، فقد
قال في ترجمة الأول ١٨١/٨ الحسن بن سهل الحناط (تحرف في المطبوع إلى:
الخياط) يروي عن أسامة والكوفيين، روى عنه الحضرمي (وهو الحافظ محمد بن
عبد الله بن سليمان الملقب بمطيِّن). وقال في الثاني ١٧٧/٨ الحسن بن سهل
الجعفري (وقد تحرف في المطبوع إلى الجعفي) أبو علي: من أهل الكوفة، يروي
عن أبي خالد الأحمر والكوفيين، حدثنا عنه الحسن بن سفيان وغيره.
قلت: وقد ذكر الحافظ ابن ناصر الدين في ((توضيح المشتبه)) ٢٢٢/١ في =
- ٢١٤ -

يحيى بنُ أبي زائدة، قال: حدثنا ابنُ جُرَيج وابنُ إسحاق عن عبد
الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر
مثلَه غير أنَّه قال في آخره: إلَّ لِنْقْضِ ذُلك مِن قولهم(١).
فاختلف يوسفُ بنُ عَدِيّ والحسنُ بنُ سهل في إسنادِ هذا الحديث
فقال يوسفُ فيه: عن ابن جُرَيج، عن محمد بن إسحاق، وقال الحسنُ
فيه: عن ابنِ جُريج وابنِ إسحاق.
وفي هذا الحديث أنهم كانوا يُحرِّمُون العُمْرة في المُحَرَّم، وليس
من شهور الحج، كما كانوا يُحرِّمونها في ما قبلَه من شهور الحج، وذلك
عندنا - والله أعلمُ - وَهْمٌ من محمد بن إسحاق، لأنَّ المستفيض عندَ
الناسِ من تحريم العرب العُمرة إنما كان في شهور الحج، لا فيما
= ترجمة الحسن بن سهل الحناط أنه يروي عن أبي خالد الأحمر.
وقوله: وكان يلقب خربوش. كذا الأصل، وفي ((نزهة الألباب))١٩٨/١:
حرحوس.
(١) الحسن بن سهل متابع، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير ابن
إسحاق، وقد تابعه ابن جريج، وهما في طبقة واحدة.
ورواه الطبراني في «الكبير» (١٠٩٠٧) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن
الحسن بن سهل الحناط (تصحف فيه إلى الخياط)، بهذا الإسناد.
ورواه ابن حبان (٣٧٦٥) عن الحسن بن سفيان، فقال: حدثنا الحسن بن سهل
الجعفري، به.
ورواه أبو داود (١٩٨٧) ومن طريقه البيهقي ٣٤٤/٤-٣٤٥ عن هناد بن السري،
عن يحيى بن أبي زائدة، بهذا الإسناد.
وقوله: ((عفا الوبر)»: معناه كثر وبر الإِبل الذي حُلق بالرحال.
- ٢١٥ -

٠٠٠
سواها، وكذلك هو منصوصٌ في حديث وُهَيْبِ الذي قد رويناه فيه أيضاً
أنهم كانوا يُسَمُّون المحرَّم صَفَراً، ففي ذلك ما قد دلَّ على أنهم إنما
كانوا يريدون بقولهم: ودخل صفر، أي دخل المُحَرَّمُ الذي كانوا يُسمونه
صفراً، لا يريدون بذلك صفراً الذي يعقب المحرم. وقد رُوي عن عبد
الرزاق هذا الحديث عن معمر وابن جريج
٢٤٢٨ - حدثنا جعفر الفِرْيَابي، قال: حدثنا العباسُ بنُ عبد العظيم
العَنبري، قال: حدثنا عبدُ الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَرٌ وابنُ جُرّيج،
عن ابن طاووس، عن أبيه ولم يذكر ابنَ عباس فيه
قال: قدموا بالحج خالصاً لا يُخالِطُه شيءٌ - يعني أصحابَ رسول
الله ﴿ - وكانوا يَرَوْن العمرة في أشهر الحجِّ أَفجرَ الفُجُورِ، وكان
يُعْجِبُهُمْ من أمر الإِسلام ما كان في الجاهلية، وكانوا يقولون: إذا براً
الدبُ، وعَفَا الوَبَرُ، وانسلخ صفر، حلَّتِ العُمْرة لمن اعتمر (١).
فكان في هذا الحديث أنهم كانوا يقصدون بتحريم العُمرة إلى
شهور الحج خاصة، وفي ذلك موافقة مَعْمَر وابن جريج لما رواه وُهَيْب
في ذلك ومخالفتهما لابن إسحاق فيما رواه فيه غير أن فيه: وانسلخ
صَفَر(٢). وذلك عندنا - والله أعلم - وَهَمٌ، وإنما هو: ودخل صَفَر
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين غير العباس بن عبد العظيم العنبري فمن رجال
مسلم، وهو موقوف على طاووس.
(٢) قلت: وهو كذلك في رواية وهيب عند البخاري (١٥٦٤).
قال الحافظ: ووجه تعلق جواز الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر
الحج، وكذلك المحرم، أنهم لما جعلوا المحرم صفراً، ولا يستقرون ببلادهم في
-٢١٦ -

يريدون بذلك دخول المحرَّ الذي كانوا يُسمُّونه صفراً والله أعلمُ.
وفي حديث محمد بن إسحاق أنَّ الذي قصد به رسولُ الله ◌ِله
إلى نقض ما كانوا عليه في الجاهلية مما ذكرنا هو إعمارُه عائشة رضي
الله عنها في ذي الحجة، وهذا عندنا مُحَالٌ، لأنَّ رسول الله وَِّ أَمْرَ
الناس قبل ذلك أن يفسخوا إحرامهم بالحج، وأنْ يُحرمُوا مكانَه بعمرة
وفيهم عائشة.
٢٤٢٩ - كما حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا أبو نُعَيْم، قال: حدثنا عبدُ
العزيز بنُ عبد الله بن أبي سَلَمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا مَعَ رسولِ اللهِ وَله ولا
نَذْكُرُ إلَّ الحجّ، فلما جئنا سَرفاً(١) طَمِثْتُ، فدخل عليَّ رسولُ اللهَ وَّلـ
وأنا أَبْكِي، فقال: ((ما يُبْكِيك))؟ فقلت: لَوَدِدْتُ أَنِّي لم أحجَّ العام أو
أخرج العام. قال: ((لعلك نَفِسْتِ)) قلتُ: نعم. قال: ((إنَّ هذا أمرٌ كَتَبَهُ
الله على بنات آدم، فافْعَلِي ما يفعلُ الحَاجُّ غيرَ أنْ لا تَطُوفِي بالبيتِ)»
قالت: فلما جئنا مَكَّة، قال رسولُ اللهِ وَِّ لأصحابه: ((اجعلُوها عُمرة))
فحلَّ الناسُ إلَّ مَنْ معه هدي، فكان الهديُ معه، ومع أبي بكر وعمر
رَضِيَ الله عنهما وذي اليَسَارَة، ثم أهلُّوا بالحج، فلما كان يَوْمُ النُّحْرِ
طَهُرْتُ، فأرسلني رسولُ اللهِ وَّهِ فَأَفَضْتُ، فأتي بلحم بقرٍ، فقلتُ: ما
= الغالب ويبرأ دبر إبلهم إلا عند انسلاخه، ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية،
وجعلوا أول أشهر الاعتمار شهر المحرم الذي هو في الأصل صفر.
(١) موضع على ستة أميال من مكة أو أكثر، يصرف ولا يصرف، به قبر ميمونة
زوجة النبي ◌َ* ورضي الله عنها.
٠٠
- ٢١٧ -

هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله وَّر عن نِسائِهِ البقر حتَّى إذا كانت ليلةُ
الحَصْبَةِ، قلتُ: يا رسولَ الله يرجعُ النَّاسُ بحجّةٍ وعُمرةٍ، وأرجع
بحجّةٍ؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفنِي خلفَه، فإني لأذكر أنّي
كنتُ أَنْعُسُ، فيضربُ وجهي مؤخرةُ الرَّحْلِ حتى جِئْنَا التَّنْعيم، فأهلَلْتُ
بعمرةٍ جَزَاءَ عُمْرَةِ الناسِ التي اعتمروها (١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث عن عائشة أنهم خرجُوا مع
رسولِ الله وَّه وهي منهم ولا يذكرون إلّ الحجَّ، وأنَّ رسول الله وَه
أمر الناسَ أنْ يجعلُوها عُمرة إلَّ مَنْ كان معه الهَدْي، وأنها قالت لِرسول
اللهَ وَّل ليلة الحصبة: أَيُرْجِعُ الناسُ بحجة وعُمرة وأرجِعُ بحجة. وهذا
مما يجب أنْ يُوقف عليه، وأنْ يُكشف معناه، لأنَّ أصحابَ رسولِ الله
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري (٣٠٥) عن أبي نعيم، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم (١٢١١)، والبيهقي ٣/٥ من طريقين، عن عبد العزيزبن أبي
سلمة، به.
ورواه الشافعي ٣٨٩-٣٩٠، والحميدي (٢٠٦)، والبخاري (٢٩٤) و(٥٥٤٨)
و(٥٥٥٩)، ومسلم (١٢١١) (١١٩)، وابن ماجه (٢٩٦٣)، وابن خزيمة (٢٩٣٦)،
وابن حبان (٣٨٣٤)، والبغوي (١٩١٣)، والبيهقي ٣٠٨/١، و٣/٥ و٨٦ من طرق،
عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، به.
ورواه مسلم (١٢١١) (١٢١) من طريق حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن
القاسم، به.
وطَمِئَت المرأةُ وطَمَّثَت من باب تعب ودخل: إذا حاضت.
ونفست أيضاً: حاضت.
- ٢١٨ -

وِ ير كانوا فسخُوا الحج الذي كانوا أُحرموا به، وأحرموا مكانَه بعمرة،
فكشفنا ذلك، فوجدناه مُحتملًا أنْ تكونَ عائشة أحرمت بالحج كما أُحرم
الناسُ به، ثم عادَ إحرامُها إلى العمرة التي عادَ إحرامُ الناس إلى مثلِها،
ثم أدركها الحيضُ، فأمرها رسولُ اللهِ وَّر برفضها والإِحرامِ بالحج
مكانَها، واتسع لها بذلك رضوانُ الله عليها أنْ قالت لرسول الله وَيه
ليلةَ الحصبةِ: أيرجعُ الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟! وقد بين ذلك
غيرُ واحد عنها، منهم: الأسودُ بن يزيد
٢٤٣٠ - كما قد حدثنا الربيعُ بنُ سليمان المُرَادي، قال: حدثنا
أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن
الأسود
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا ولا نرى إلَّ أنَّه الحجّ،
فلما قَدِم مكَّة، طافَ ولم يَحِلَّ وكان معهُ الهَدْي، فطاف مَنْ معه من
نسائه وأصحابه، فحلَّ منهم مَنْ لم يكن معه الهديُ، قال: وحاضَتْ
هِي. قالت: فقضينا مناسِكَنَا من حجِّنا، فلما كانت ليلةُ الحصبة (١) ليلةٌ
النّْرِ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ أيرجِعُ أصحابُك بحجّ وعمرة وأرجعُ أنا
بحجِّ؟ قال: ((أمَا كنتِ طُفْتِ بالبيتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا))؟ قالت: قلتُ: لا.
قال: ((انطلقِي مع أخيكِ إلى التّنْعِيم فأُهِلِّي بعُمرة، ثم موعدُك مكان
(١) الحصبة بوزن الضربة، والمراد بها: ليلة المبيت بالمحصب وهو البطحاء
التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، ويقال لها: المُعَرَّسُ، وقد
نقل ابن المنذر الاختلاف في استحباب النزول فيه والمبيت إذا صدر الحاج عن
الحج أو العمرة مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك.
- ٢١٩ -

كذا وكذا ... ))(١).
(١) إسناده صحيح، أسد بن موسى: روى له أبو داود والنسائي، وهو ثقة، ومن
فوقه ثقات من رجال الشیخین.
ورواه البخاري (١٧٦٢) عن أبي النعمان، عن أبي عوانة، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (١٥٦١)، ومسلم (١٢١١) (١٢٨)، وأبو داود (١٧٨٣)،
والنسائي ١١٧/٥ من طرق عن جرير، عن منصور، به.
وقد علق الحافظ في ((الفتح)) ٤٢٣/٣ على قول عائشة: ((ولا نرى إلا أنه
الحج)) فقال: ولأبي الأسود عن عروة عنها كما سيأتي (أي عند البخاري): ((مهلين
بالحج))، ولمسلم من طريق القاسم عنها: ((لا نذكر إلا الحج))، وله من هذا الوجه
((لبينا بالحج))، وظاهره أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولاً محرمين بالحج،
لكن في رواية عروة عنها هنا ((فمنا من أهلُّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحج وعمرة، ومنا
من أهلَّ بالحج)» فيحمل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار
في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، ثم بَيِّنَ لهم النبي ◌َ ﴿ وجوه الإِحرام،
وجوَّزَ لهم الاعتمار في أشهر الحج، وسيأتي في باب الاعتمار بعد الحج من طريق
هشام بن عروة عن أبيه عنها ((فقال: من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن
يُهل بحج فليُهل))، ولأحمد من طريق ابن شهاب عن عروة ((فقال: من شاء فليهل
بعمرة، ومن شاء فليهل بحج))، ولهذه النكتة أورد المصنف في الباب حديث ابن
عباس: ((كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور)) فأشار إلى الجمع بين
ما اختلف عن عائشة في ذلك، وأما عائشة نفسها فسيأتي في أبواب العمرة، وفي
حجة الوداع من المغازي، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها في أثناء هذا
الحديث قالت: «وكنت ممن أهل بعمرة)»، وسبق في كتاب الحيض من طريق ابن
شهاب نحوه عن عروة، زاد أحمد من وجه آخر عن الزهري («ولم أُسُقْ هدياً» فادعى
إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة وأن الصواب رواية الأسود والقاسم =
- ٢٢٠ -