النص المفهرس

صفحات 61-80

قد حَرَص على قتلي، وحَرَصْتُ على قتله(١)، فقالت: أما سَمِعْتَ
رسول الله ◌َ، ثم ذكرت نحوَ الحديث الأول(٢).
١٨٠٩ - حدثنا الربيعُ بن سليمان المُرَادِيُّ، قال: حدثنا أسدُ بن
موسى، قال: حدثنا أبو الأحْوَص، عن أبي إسحاق، عن عَمروبن
غالب، قال: دخل عمَّاربنُ ياسر والأشترُ على عائشةَ بالبَصْرة فقالت:
وأمَّا أنتَ يا عمَّار، فقد علمتَ ما قال رسولُ اللهِ وَّة، ثم ذكر نحوه(٣).
فكان فيما روينا نَفْيُ رسولِ اللهِ وَلَّ حِلَّ دم مَنْ يشهد أنْ لا إله
إلّ الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله إلَّ بواحدةٍ من الثلاث المذكورات في
هذا الحديث، فثبت بذلك أَنَّه لا يَحِلِّ دمُ مَنْ خرج من المسلمين
بخروجِه حتّى يكونَ في ذلك القتل، وفيما ذكرنا موافقةُ ما رويناه عن
ابن عباسٍ، والله نسألُه التوفيق.
(١) في الأصل: قد حرم على قتله وحرم على قتله، وهو تحريف.
(٢) عمرو بن غالب الهمداني لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، ولم يوثقه
غيرُ ابن حبان، ونقل ابنُ حجر في ((التهذيب)) ٨٨/٨ عن أبي عمرو الصفدي قال:
وثقه النسائي، وقال ابنُ البرقي: مجهول، وقال الترمذي في حديث له عن عمار في
فضائل عائشة: حسن صحيح. قلت: وباقي رجال السند يُقليتٍ من رجال الشيخين.
وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٦١/٣ عن إبراهيم بن مرزوق، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٢٠٥/٦ و٢١٤، وابن أبي شيبة ٤١٤/٩، والنسائي ٩١/٧ من
طرق عن سفيان، به. وبعضهم يزيد فيه على بعض.
ورواه الطيالسي (١٥٤٣)، وأحمد ٥٨/٦ و٢٠٥، والنسائي ٩١/٧ من طرق عن
أبي إسحاق، به. ورواية النسائي موقوفة.
(٣) إسناده كسابقه. أبو الأحوص: هو سلام بن سليم. ورواه الطيالسي
(١٥٤٣) عن سلام - وهو أبو الأحوص - بهذا الإِسناد.
-٦١ -

٢٩٣ - بيان مُشكل ما رُوِيَ عن رسول الله اله
في كيفيَّةِ عقوبات أهل اللَّقاح
١٨١٠ - حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا قبيصة بن
عُقْبة، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قِلَابة
عن أنس: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّه وَرَسُولَهُ﴾ قال: هم قوم
من عُكْلٍ، قَطَعَ النبيُّ نَّهِ أيديهم وأرجلهم، وسَمَرَ أعيُنَهم (١).
١٨١١ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا عبدُ الله بن وَهْب، قال:
حدثني عَمروبن الحارث، عن ابن أبي هِلال، عن أبي الزِّنَاد، عن
عبد الله بن عُبيد الله(٢)
(١) إسناده صحيح على شرطهما. سفيان: هو الثوري، وأيوب: هو ابن أبي
تميمة السختياني، وأبو قلابة: هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي. وهو في ((شرح
معاني الآثار)) ١٨٠/٣. بإسناده ومتنه.
. ورواه بنحوه النسائي ٩٥/٧ عن أحمد بن سليمان، عن محمد بن بشر، عن
سفيان، بهذا الإسناد.
وقوله: ((وسمر أعينهم))، أي: أحمى لهم مسامير الحديد ثم كحلهم بها.
(٢) في الأصل: عبد الله وعبيد الله، وهو تحريف. وعبد الله بن عبيد الله هذا:
هو عبد الله بن عبيد الله بن عمربن الخطاب.
- ٦٢ -

عن عبد الله بن عُمر، أو ابن عَمرو - الشك من عَمرو - عن النبيِّ
وَّ، يعني حديثَ العُرَنِيين قال: وفيهم نزلت آية المحاربة(١).
١٨١٢ - حدثنا يونس، قال: حدثنا بشربن بكر، عن الأوزاعي،
قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة الجَرْمي، قال:
حدثني أنس بن مالك، قال: قدم على رسول الله وَّ ناس من
عُكْلِ، فاجْتَوَوا المدينةَ، فأمرهم النبيُّ نََّ أنْ يأتوا إبل الصدقة، فيشربُوا
من أَبْوَالها وألْبَانها، فَأَتَوْهَا فقتلُوا رُعَاتها، واسْتَاقُوا الإِبلَ، فبعث رسولُ الله
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عبد الله بن عبيد الله، فقد روى له أبو
داود والنسائي، ولم يرو عنه غير أبي الزناد، ولم يوثقه غير ابن حبان. ابن أبي هلال:
هو سعید.
ورواه ابن جرير الطبري (١١٨١٣) عن يونس، بهذا الإسناد. إلا أنه جعل
الشك من يونس، لا من عمروبن الحارث.
ورواه أبو داود (٤٣٦٩) عن أحمد بن صالح، والنسائي ١٠٠/٧ عن أحمد بن
عمروبن السرح، كلاهما عن ابن وهب، به. وهو عندهما عن عبد الله بن عمر من
غير شك، وهو الصواب. ورواية أبي داود مطولة.
ورواه الطبراني (١٣٢٤٧) عن أحمد بن رشدين، عن أحمد بن صالح، به.
وقال فيه: ((عبيد الله بن عبد الله عن ابن عمر))، وقال الطبراني: يقال: هذا عبيد
الله بن عبد الله بن عمر، ويقال: عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والله أعلم.
قال الحافظ المزي في (تهذيب الكمال)) ٢٥٥/١٥: هكذا قال الطبراني،
وذلك وهم منه أو من شيخه، فإن أبا داود رواه عن أحمد بن صالح على الصواب.
قلت: وشيخ الطبراني أحمد بن رشدين ضعيف.
- ٦٣ -

وَّ في طلبهم، فأُتِي بهم فقطَع أيديَهُم وأرجلَهم، ثم لم يَحْسِمْهُم(١).
١٨١٣ - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْب، قال: أخبرني
جَرِير بن حازم، عن أيوب، عن أبي قِلابة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قَدِمَ ثمانيةُ رهطٍ من
عُكْل، فاستوخَمُوا المدينة، فبعثهم رسول الله وَ ل ◌َه إلى ذَوْدٍ له، فَشَرِئُوا
من ألبانها، فلما صحُّوا ارتدُوا عن الإِسلام، وقتلُوا وسرقُوا الإِبلَ، فبعث
رسول الله وَ﴿ في آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَلَ أعيُنَهم، وتُركُوا
حتى ماتوا (٢).
١٨١٤ - حدثنا بكَّار بن قُتَيْبَة، قال: حدثنا عبد الله بن بكر
السَّهْمِي، قال: حدثنا حُميد الطويل
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم ناسٌ من عُرَيْنَة على
رسول الله ﴿ ﴿ المدينةَ، فَاجْتَوَوْا، فقال: ((لو خرجتُمْ إلى ذَوْدٍ لنا فشَرْتُم
من أَلْبَانِها)) قال: وذكر قتادة أنه قد حَفِظَ عنه ((أبوالها))(٣).
(١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير
بشربنٍ بكر التنيسي، فمن رجال البخاري.
ورواه أحمد ١٩٨/٣، والبخاري (٦٨٠٢) و(٦٨٠٣)، ومسلم (١٦٧١) (١٢)،
وأبو داود (٤٣٦٦)، والنسائي ٩٤/٧ و٩٥، وابن حبان (٤٤٦٧) من طرق عن
الأوزاعي، بهذا الإِسناد. وانظر (١٧٩٢).
(٢) إسناده صحيح على شرطهما.
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٠/٣. بإسناده ومتنه.
(٣) إسناده صحيح على شرطهما . =
- ٦٤ -

١٨١٥ - حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش البصري، قال:
حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَب، قال: حدثنا حمَّاد بن سلمة، عن
قتادة وثابت وحُميد، عن أنس، عن النبي وَِّ مثلَه. وقال: ((من ألبانها
وأبوالها))(١).
قال أبو جعفر: وإنما ذكرنا هذين الحديثين وإنْ لم يكن فيهما
ذكرُ العقوبة ما كانت لمعنى احتجنا إلى ذكرهما من أجله سنأتي به
في الباب الذي يتلو هذا الباب إنْ شاء الله.
١٨١٦ - حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الكوفي الذهلي، قال:
حدثنا محمد بن الصَّبَّاح، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال:
حدثني الحجاج بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو رجاء مولى أبي قِلَابة،
عن أبي قلابة، قال:
= وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٠٧/١ و١٨٠/٣. بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ١٠٧/٣ و٢٠٥، ومسلم (١٦٧١) (٩)، والنسائي ٩٥/٧ و٩٦،
وابن ماجه (٢٥٧٨)، وابن حبان (٤٤٧١)، والبغوي (٢٥٦٩) من طرق عن حميد،
بهذا الإِسناد. وبعضهم يزيدُ فيه على بعض، وعند بعضهم: ((فتشربوا من ألبانها
وأبوالها)).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غيرَ
حماد بن سلمة، فمن رجال مسلم.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٠٨/١. بإسناده ومتنه.
ورواه الترمذي (٧٢) و(١٨٤٥) و(٢٠٤٢) من طريق عفان بن مسلم، والنسائي
٩٧/٧-٩٨ من طريق بهز، كلاهما عن حماد، بهذا الإسناد. ولم يذكر بهز في حديثه
حميداً. وقال الترمذي: حسن صحيح.
- ٦٥ -

إيَّايَ حدَّث أنسٌ أنَّ نفراً من عُكْل ثمانيةً قدِمُوا على رسول الله
وَ* فبايَعُوه على الإِسلام، فاستَوْخَمُوا الأرض، وسقِمتْ أجسامُهم، فشَكوا
ذلك إلى رسول الله وَ﴾ فقال: ((ألا تخرجُون مَعَ راعينا في إِبِلِه تُصيبون
من أبوالِها وألبانِها)) فصحُّوا، فقتَلُوا الراعي واطَّرَدُوا النَّعَم، فبلغَ ذُلك
رسولَ اللهِ وَّ فأرسل في آثارهم فأُدرِكوا فَجِيء بهم، فقُطِعت أيديهم
وأرجلُهم وسُمِلَت أعينُهم، ثم نَبَذَهم في الشمس حتى ماتوا(١).
١٨١٧ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا عمروبن عَوْن
الواسطي، قال: حدثنا هُشيم، عن حُميد الطويل وعبد العزيزبن
صُھیب
عن أنس بن مالك أنَّ ناساً من عُرَينة قَدِمُوا على رسول الله ◌ِّ
المدينة، فاجْتَووها فقال لهم: ((إِنْ شئتم أنْ تخرجوا إلى إِبل الصدقة
فَتَشْرَبُوا من ألبانِها وأَبْوَالها)) ففعلوا فصحُّوا، ثم مالُوا على الرِّعاء فقتَلُوهم،
ثم ذكر بقيَّة الحديث(٢).
(١) إسناده صحيح على شرطهما. محمد بن الصباح: هو أبو جعفر الدولابي،
وأبو رجاء: اسمه سلمان، وإسماعيل بن إبراهيم: هو ابن علية.
ورواه مسلم (١٦٧١) (١٠) عن محمد بن الصباح، بهذا الإسناد. وقرن بمحمد
أبا بكربن أبي شيبة.
ورواه ابن حبان (٤٤٧٠) عن عبد الله بن محمد المديني، عن إسحاق بن
إبراهيم، عن ابن عُلية، به. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين، ورواه مسلم (١٦٧١) (٩) عن يحيى بن
يحيى التميمي وأبي بكربن أبي شيبة، والدارقطني ١٣١/١ من طريق عبد
الحميد بن بيان، ثلاثتهم عن هشيم، بهذا الإِسناد.
=
-٦٦ -

١٨١٨ - حدثنا فهدُ بن سليمان، قال: حدثنا أبو غسان، قال:
حدثنا زهيرُ بن معاوية، قال: حدثنا سِمَاك بن حرب، عن معاوية بن قُرَّة
عن أنس بن مالك، قال: أتى رسولَ الله ◌َِّ نفرٌ من حَي من أحياءِ
العرب، فأسْلَموا وبايَعُوه، فوقعِ المُوْمُ (وهو البِرْسَامُ)، فقالوا: يا رسولَ
الله، هذا الوجعُ قد وقعَ، فلو أذِنْتَ لنا، فخرجنا إلى الإِبل وكنَّا فيها.
قال: ((نعم، اخْرُجوا فكونوا فيها)) فخرجوا فقتلُوا أحدَ الرَّاعيين، وذهبوا
بالإِبل، قال: وجاء الآخرُ وقد جُرِحَ، فقال: قد قتلوا صاحِبِي، وذهبوا
بالإِبل. وعنده شبابٌ من الأنصار قريب من عِشْرين، فأرسل إليهم
وبعث معهم قائفاً فَقَصَّ آثارَهم، فَأَتِيَ بهم، فقَطَّع أيديهم وأرجلهم
وسَمَرَ أَعْيُنَهم(١).
= ورواه ابن أبي شيبة ٢٦٢/١٢ ١٩٧/١٤ عن هشيم، به. إلا أنه لم يذكر فيه
حميداً.
ورواه مختصراً المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٠/٣ عن صالح بن عبد
الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن عبد العزيزبن صهيب، به.
(١) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سماك بن حرب، فمن
رجال مسلم، وهو صدوق حسن الحديث. أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل
النهدي .
وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٨٠/٣، ووقع فيه محرفاً ((النوم)) بدل قوله
((الموم)).
ورواه مسلم (١٦٧١) (١٣) عن هارون بن عبد الله الحمَّال، عن مالك بن
إسماعيل، بهذا الإِسناد.
والموم: فُسِّر في الحديث بالبِرسام، والبرسام: هو ذاتُ الجنب، وهو التهاب =
- ٦٧ -

١٨١٩ - حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا سعيدُ بنُ أسد بن
موسى، قال: حدثنا ضمْرَة بنُ ربيعة، عن ابن شَوْذَب
عن الحسن، قال: دَعا الحجاجُ بن يوسف أنسَ بنَ مالكٍ، فقال
له: ما أعظمُ عقوبةٍ عاقب بها رسولُ اللهِ وَِّ؟ فحدَّثه بالذين قطعَ رسولُ
اللهِ وَهُ أَيدِيَهم وأرجلَهم وسَمَلَ أعينَهم ولم يحسِمْهُم، وألقاهُم بالحَرَّة
ولم يُطْعِمْهم ولم يَسْقِهم حتى ماتوا(١).
قال أبو جعفر: فكان ما كان من رسول الله وَلخير فيهم قتلاً لهم
القتل المذكور في الآية التي أنزلت فيهم بما قد تقدَّمت تلاوتُنا لها
في هذا الباب، فاستدلَّ بعضُ الناس بذلك لما كان أبو حنيفة رحمه
الله يقوله في المحاربين: إذا أُخَذوا الأموالَ وقتلُوا، أنَّ الإِمامَ فيهم
بالخيار: إنْ شاء قطعَ أيديَهم وأرجلَهم من خلاف، كما يُفْعَلُ ذلك بهم
لو أخذُوا المالَ ولم يقتُلُوا، وإنْ شاءَ قتلَهم عقوبةً للقتل الذي كان
= في الغشاء المحيط بالرئة.
(١) إسناده حسن، وسعيد بن أسد بن موسى روى عنه جمع، ووثقه ابن حبان
٢٧١/٨، وذكره ابن أبي حاتم ٥/٤ فلم يأثر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وروى عبد الرزاق (١٧١٣٢) عن معمر، عن أيوب قال: قال لي هشام بن
عروة: سمل النبي ﴿﴿ أعينهم، وذكر أن أنساً ذكر ذلك للحجَّاج، فقال الحسن:
عمد أنس إلى شيطان، فحدَّثه أن النبي ◌َّه قطع وسمل، يعيبُ ذلك على أنس.
وقوله: ولم يحسمهم. الحسم: إيقاف النزيف بأي وسيلة يتحقق بها ذلك، قال
ابن بطال: إنما ترك النبي ونَ﴿ حسمهم، لأنه أراد إهلاكهم، فأما من قطع في سرقة
مثلاً، فإنه يجب حسمه، لأنه لا يؤمن معه التلف غالباً بنزف الدم.
- ٦٨ -

منهم، مما قد خالفه في ذلك أبو يوسف، فقال: لا سبيلَ له إلى
قطعِ أيديهم وأرجلهم، وإنما سبيلُه عليهم قتلُهم لا ما سِوى ذلك.
وكان هذا القولُ عندنا أُوْلَى مِمَّا قاله أبو حنيفة في هذا المعنى، لأنَّ
الذي إلى الإِمام في الحدود إقامتُها، وليس إليه تركُها، ولَمًّا كان له
عنده في هذا المعنى تركُ قطع الأيدي والأرجُل، والاكتفاء بالقتل
الواجب عليه إقامتُه فيهم، عَقَلْنا بذلك أن ماله تَركُه ليس من الحدود،
وإنما عليه إقامته منها، فليس له مجاوزتُه إلى غيرِهِ.
وكان من حجَّتنا لِمَن احتجَّ لأبي حنيفة رحمه الله بما ذكرنا على
مخالفتِهِ أنَّ رسولَ الله وَِّ كان منه ما كان منه في أولئك القومِ الذي
كان منه فيهم ما كان قبل نَهْيِ الله عز وجل إِيَّه عن المُثْلَةِ بمن حَلَّ
له قتلُه، فكان له حينئذٍ أن يقتلَ مَنْ حَلَّ له قتلُه بقطع الأيدي والأرجلِ
وتركِ حَسْمِها، ومَنْعِ أهلِها - حلَّ له في أولئك القوم - من الطعام
والشراب حتَّى يموتُوا بذلك، ففِعْلُ ذُلك بهؤلاء قتلٌ منه لهم به، لا
لأَنَّه حدٍّ كان عليهم في أيديهم وأرجُلِهِم، أَ تَرَى أَنَّهِ وَهِ قد سَمَلَ
أعينَهُم إرادةٌ منه به قتلَهم لا ما سِوى ذلك من حدٍّ عليهم فيما دون
أنفسهم يكون عليهم في أعضائهم، ثم مَنْعَ مِنْ مثلِ ذلك بنهيِهِ وَّ
عن المُثْلَةِ .
١٨٢٠ - كما حدثنا إبراهيمُ بن أبي داود قال: حدثنا عَمروبن
عَوْن، قال: أخبرنا هُشيم، عن منصور، عن الحسن
عن عِمران بن الحُصَين، قال: كان النبيِ وَلِ يَخْطُبُنا، فيأمرُنا
- ٦٩ -

بالصَّدقةِ، وينهانا عن المُثْلَةِ (١).
١٨٢١ - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا عمروبن
عَوْن، قال: حدثنا هُشَيم، عن حُميد، عن الحسن، قال:
حدثنا سَمُرَة بن جُنْدُب، قال: قلَّ ما خطبنا رسولُ اللهَِّ خطبةً
إلَّ أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المُثْلة(٢).
١٨٢٢ - وكما حدثنا بَكَّار بنُ قُتَيْبَة، قال: حدثنا حجاج بن مِنْهال،
قال: حدثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا الحسنُ، قال:
قال سَمُرَة: إنَّ رسول الله بِّهِ قلَّ ما قامَ فينا يخطبُ إلَّ أمَرَنا
بالصدقة ونهانا عن المُثْلة(٣).
(١) حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين. الحسن - وهو البصري - لم
يسمع من عمران بن الحصين في قول أبي حاتم ويحيى القطان وصالح بن أحمد
وعلي ابن المديني .
وهو عند المصنف في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٢/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن حبان (٤٤٧٣) من طريق ابن عُلِيَّة، عن يونس بن عُبيد، عن
الحسن، به. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) إسناده صحيح على شرطهما.
وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٨٢/٣.
ورواه أحمد ١٢/٥ عن هشيم، بهذا الإسناد، وقد صرح هشيم عنده
بالتحدیث.
(٣) إسناده صحيح على شرطهما.
وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٨٢/٣.
- ٧٠ -

قال أبو جعفر: فكان ذلك نسخاً للمُثْلة، وعاد القتلُ الواجب بمثل
ما كان من أولئك القوم مباحاً استعمالُه بالآية التي أنزلت فيهم منسوخاً
منه المثلةُ المستعملةُ كانت في ذلك.
وقد رَوَى بعضُ الناسِ حديثاً فيه من كلام أنس بن مالك حرفُ
زائدٌ على جميع ما في هذه الأحاديث التي قد رويناها في هذا الباب،
وهو
١٨٢٣ - ما قد حدثنا أحمد بنُ شُعيب، قال: حدثنا الفضلُ بن
سَهْل، قال: حدثنا يحيى بنُ غَيْلَان - ثقة مأمون - قال: حدثنا يزيدُ بن
زُرَيع، عن سليمان النَّيْمِي
عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: إنَّما سَمَلَ النبيُّ وَّهِ أعيُنَ
أولئك لأنهم سَمَّلوا أعينَ الرِّعاء(١).
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث من قول أنس ما قد ذكرناه
= ورواه أحمد ٢٠/٥، والطبراني (٦٩٤٤) عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، بهذا
الإِسناد. وانظر تخريج الحديث (٤٤٧٣) عند ابن حبان.
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير
یحیی بن غيلان، فمن رجال مسلم.
وهو في ((سنن النسائي)) ١٠٠/٧.
ورواه مسلم (١٦٧١) (١٤)، والبيهقي ٧٠/٩ من طرق عن الفضل بن سهل،
بهذا الإِسناد.
ورواه ابن حبان (٤٤٧٤)، والبيهقي ٦٢/٨ من طريق ابن أبي الثلج، عن
یحیی بن غیلان، به.
- ٧١ -

فيه عنه. وهذا الحديث عندنا منكرً، لأنَّ فيما قد تقدمت روايتنا له
في هذا الباب أنَّ أحد راعِيَي النبيِّ ◌َّر الذي كان في تلك الإِبل لَمًّا
جاءه قال: قد قتلُوا صاحبي، وفي ذلك ما ينفي أنْ يكون كان مسمولَ
العين. ولا اختلاف بينَ أهلِ العلم فيما يُقَامُ على مَنْ كان منه مثلُ
الذي كان من أولئك القوم، أنه حدّ لله عز وجل للمحاربة التي كانت
لا حَقُّ للذين حُوربوا بها، وأنَّ الذين حُوربوا بها لو عفَا أولياؤهم عما
كان أتي إلى أصحابهم أنَّ عفْوَهم باطلٌ. وفي ذلك ما يدلُّ أنَّ النبي
وَي لم يكن فَعَل في أولئك القوم ما قد فعَل قِصاصاً بما فعلوا، وأنَّه
إنما كان فعله بهم لما أوجبته عليهم المحاربة لا لما سواه. ولا اختلاف
بَيْنَ أهلِ العلم عَلِمْنَاهُ في المحاربين: لو قَطَّعُوا الآذانَ والأيدي
والأرجلَ حتى لم يُبْقُوا لمن حارَب أُذناً ولا يَدأَ ولا رِجْلًا أنَّه لا يُفْعَلُ
بهم مثلُ ذلك، وأنه يقتصر بهم على ما في الآية التي أنزلَها الله في
المحاربة التي قد تقدَّمت تلاوتنا لها في هذا الباب، وفيما ذكرنا من
ذلك ما قد دلَّ على فسادِ هذا الحديثِ الذي روينا، وبالله التوفيق.
- ٧٢ -

٢٩٤ - باب بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله اله
في اللّقاح التي كان من عقوبته لآخذيها
ما كان هل كانت من إبل الصدقة
أو كانت لرسول الله واله
١٨٢٤ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بن
وَهْب، قال: أخبرني معاوية بن صالح.
وحدثنا الربيعُ بنُ سليمانَ الجِيزِي، قال: حدثنا حجاجُ بنُ رِشْدين،
قال: حدثنا معاويةُ بن صالح، عن يحيى بن سعيد
عن سعيد بن المُسَيّب في الذين سرقوا لِقَاحَ رسولِ اللهِ وَّهِ قال:
قدموا على رسول الله وَ﴿، فأخرجهم إلى لقاحه، فقتلُوا راعِيَها(١)،
واسْتَاقُوها إلى أرض الشُّرْك، فقال رسول الله وَّ: ((اللهمَّ عَطَّشْ مَنْ
عَطَّشَ آلَ محمدٍ في هذه الليلةِ) ثم بَعَث في طلبهم، فأُخِذُوا، فقطَع
رسولُ اللهِ وَ أَيدِيَهم وأرجلَهم، وسَمَلَ أعينَهم(٢).
(١) في الأصل: رعاتها، والمثبت من هامش الأصل.
(٢) رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أنه مرسل، وحجاج بن رشدين - وإن لم
یوثقه غیرُ ابن حبان ٢٠٢/٨ - قد توبع.
ورواه بنحوه النسائي ٩٨/٧-٩٩ عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن عبد الله بن
وهب، عن يحيى بن أيوب ومعاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، به.
- ٧٣ -

قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ ما قد دلَّ على أن اللقاحَ
المفعول - كان - فيها ذُلكَ الفعلَ، كان لِرسولِ اللهِ وَلِّ لا مِن الصدقةِ،
لأن الصدقَة كانت حراماً على رسول الله وَّر وعلى سائر بني هاشمٍ
وفي آله الذين دَعَا الله عز وجل أن يُعطِّشَ من عَطّشهم بيانُه، ففي
ذلك ما قد دلَّ على أنَّ الإِبلَ كانت له لا مِن الصدقة.
فإن قال قائلٌ: أفيجوزُ للأئمة بعده أنْ يُقيموا العقوباتِ في مثل
هذا على مَنْ فعلها في أموالِهِم كما يُقيمونَها على مَنْ فعلها في غير
أموالهم؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ للرسول ◌ِّله
في مثلِ هذا المعنى خلافَ الأئمة بعده، وأنَّ له أنْ يُقيم مثل هذا
على مَنْ فعله في ماله كما يُقيمه على مثل مَنْ فعله في مال مَنْ سِواه،
لأنَّ ما كان يفعله وََّ، فبأمر الله كان يفعله، فالحاكمُ به على مَنْ يفعل
به الله عز وجل والقائمُ به بأمره هو رسولُ اللهِ وَلِّ، فإليه أن يفعل ذلك
بالبينات والإِقرارات جميعاً.
وأمَّا مَنْ سواه من الأئمة بعدَه، فبخلاف ذلك في البينات، وليس
لهم أنْ يسمعوا بيَِّةُ لإِقامَةِ عقوبةٍ على مَنْ فعل في أموالهم ما يوجب
تلك العقوبة، لأنَّهم لا يصلح لهم أنْ يحكمُوا بتلك الأموالِ لأنفسهم
على مَنْ هي في يده ممَّن يدَّعيها لنفسه دونهم، ولهم أنْ يحكموا في
ذلك بالإِقرار على منتهكِي ذلك في أموالهم مِمَّن هو مقرِّ بما انتهكه
مِن ذلك، وبوجوب العقوبةِ عليه فيه وتملكهم لتلك الأموالِ دونَه، ومثلُ
ذلك ما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأَطْلَس الذي
- ٧٤ -

كان منه في بيت أسماءَ زوجتِهِ ما كان.
كما حدثنا يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بن وَهْب،
قال: أخبرني يونُس بنُ يزيد، عن ابن شِهاب أن عُروة بن الزبير أخبره
أنَّ عائشة زوج النبي ﴿ أخبرته أنَّ رجلاً مُؤَلَّداً(١) أَطْلَسَ مِنْ أهل
مكّة كان يَخْدُمُ أبا بكر في خلافتِهِ، فَلَطَّفَ به، حتى بعث أبو بكرٍ
رضي الله عنه مُصَدِّقاً، فبعثه معه، وأوصَاه به، فلَبِثَ قريباً من شهر،
ثم جاء يُوْضِعُ بعيره، قد قطعه المصدِّق، فلما رآه أبو بكر، قال:
وَيْلَك، مالك؟ قال: يا أبا بكر وجدني خُنْتُ فريضةٌ، فقطع فيها يدي.
قال أبو بكر رضي الله عنه: قاتلَ الله هذا الذي قطع يدَك في فريضةٍ
خُنْتَها، واللهِ إنِّي لأراه يخونُ أكثر من ثلاثين فريضة، والذي نفسي بيده
لئن كنتَ صادِقاً، لأقيدنَّك منه، فمكث عندَ أبي بكر بمنزلتِهِ التي بها،
كان يقومُ، فَيُصَلِّي من الليل، فيتعارُّ أبو بكر عن فراشِهِ، فإذا سمع
قراءَته، فاضتْ عيناهُ، وقال: قاتل الله الذي قطع يدَ هذا.
(١) في الأصل: ((موله)) وهو تحريف، والمولّد: هو العبد الذي يولد بين العرب
وينشأ مع أولادهم، ويغذونه غذاء الولد، ويعلمونه من الأدب مثل ما يعلمون
أولادهم. وقوله: ((أطلس))، قال شمر: الأطلس الأسود، وقال الزمخشري: هو
اللص، شُبِّه بالذئب، والطّلسة: غُبرة إلى السواد. وقوله: ((ويُوضِعُ بعيره)) أي: يحمله
على سرعة السير. وقوله: ((فيتعارّ أبو بكر عن فراشه)) أي: يستيقظ ويتقلب، من
التعار: وهو السهر والتقلب على الفراش ليلاً مع كلام. وقوله: ((عيِّن على سارق أبي
بكر)) أي: أظهر أمره وافضحه، قال في ((اللسان)): وعيَّن عليه: أخبر السلطان
بمساويه شاهداً كان أو غائباً، وعيّن فلاناً: أخبر بمساويه في وجهه.
- ٧٥ -

قالت: فبينا نحن على ذلك طُرقَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيس، فَسُرق
بيتُها، فلما صلَّى أبو بكر رضي الله عنه صلاة الفجر، قام في النَّاسِ ،
فقال: إنَّ الحي قد طُرقوا الليل، فسُرقوا، فانفضّوا لابتغاءِ متاعهم،
قالت: فاستأذن علينا ذلك الأقطعُ وأنا جالسة في حِجال، فقال: يا
أبا بكر، سُرقتُم الليلة؟ قال: نعم. قال: فرفع يدَه الصحيحةَ ويدَه
الجَذْماءَ، فقال: اللهمَّ عَيِّنْ على سارق أبي بكر. قالت: فوالله ما ارتفع
النهارُ حتى أُخِذَت السرقةُ من بيته، فأُتي به أبوبكر، فقال له: وَيحكَ،
واللهِ ما أنت بالله بعالمٍ، اذهبوا به فاقطعُوه(١).
قال أبو جعفر: فقال قائلٌ: ففي هذا الحديث قطْعُ أبي بكر إياه
لا بإقرارٍ كان منه بالسرقة، فذلك دليلٌ على أنَّ ذلك كان منه ببينةٍ
سمعها، وهذا بخلاف ما ذَهَبْتَ إليه أنتَ.
فكان جوابنا له بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ الذي في الحديث
من وجود(٢) الشيء المسروق في منزله دليلٌ على أنَّه كان أقرَّ مع ذلك
بسرقته إياه، وإنْ لم ينقُلْ ذلك إلينا مَنْ رَوى الحديث. وقد وجدنا
ذلك منصوصاً مذكوراً في حديثٍ ليس بدون ذلك الحديث.
وهو ما قد حدَّثنا يونُس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، أن مالكاً أخبره
(١) إسناده صحيح على شرطهما. ورواه بنحوه عبد الرزاق (١٨٧٧٤)، ومن
طريقه الدارقطني ١٨٤/٣-١٨٥ عن معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد. وفي آخره:
فأمر به فقُطِعت رجلُه، وزاد: قال معمر: وأخبرني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر
نحوه، إلا أنه قال: كان إذا سمع أبو بكر صوته من الليل قال: ما ليلُك بليل سارق.
(٢) في الأصل: وجوده.
٠٠
- ٧٦ -

عن عبد الرحمن بنِ القاسم
عن أبيه أنَّ رجلاً من أهل اليمن أقطَعَ اليد والرجل، قَدِمَ، فنزل
على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فشكا إليه أن عاملَ اليمن ظلمه،
فكان يُصلِّي من الليلِ ، فيقول أبو بكر: ما لَيْلُكَ بليلِ سارقٍ، ثم
إِنَّهم افتقَدُوا حُلِيّاً لأسماءَ بنتِ عُمَيسٍ امرأةٍ أبي بكرٍ، فجعلَ الرجلُ
يطوفُ معهم، ويقول: اللَّهَمَّ عليك بمن بَيَّتَ أهلَ هذا البيتِ الصَّالحِ .
فوجدوا الحُلِيَّ عند صائغٍ زعم أنَّ الأَقْطِعَ جاءَه به، فاعتَرَفَ به الأقطعُ،
أو شُهدَ عليه به، فَأُمِرَ به، فقُطِعت يدُه اليسرى. وقال أبو بكر: واللهِ،
لَدُعاؤه على نفسِهِ أَشَدُّ عندي من سَرِقَتِهِ(١).
فقال هذا القائلُ: ففي هذا الحديث الشكُّ فيما كان قُطِع به من
(١) رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن فيه انقطاعاً كما في ((التلخيص)) ٧٠/٤.
وهو في ((الموطأ)) ٨٣٥/٢-٨٣٦ ورواه عن مالك الشافعي في ((مسنده)) ٨٥/٢،
ومن طريقه البيهقي ٢٧٣/٨، ورواه البغوي في ((شرح السنة)) (٢٦٠٢) عن مالك
برواية أبي مصعب، وهو فيه برقم (١٨٠٨) بتحقيق د. بشار عواد.
ورواه بنحوه الدارقطني ١٨٣/٣-١٨٤ من طريق أيوب عن نافع أن رجلاً ...
قال ابن عبد البر في ((الاستذكار) فيما نقله عنه ابن التركماني في ((الجوهر
النقي)) ٢٧٣/٨-٢٧٤: اختلف في هذا الحديث، فروي أنه قطع رجله، وكان
مقطوع اليد اليمنى فقط ذكر عبد الرزاق (١٨٧٧٠) عن معمر، عن الزهري، عن
سالم وغيره قال: إنما قطع رجله، وكان مقطوعَ اليد اليمنى فقط، وقال الزهري: لم
يبلغنا في السنة القطع إلا اليد والرجل لا يُزاد على ذلك. قال (١٨٧٧١): وأخبرنا
معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إنما قطع أبو بكر رجل الذي قطعه
يعلى بن أمية وكان مقطوعَ اليد قبل ذلك.
- ٧٧ -

اعترافٍ أو شهادةٍ علیه.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ ذلك الشكَّ إنَّما
كان من بعض رُواة الحديث، وليس فيه تحقيقٌ أنَّ ذلك كان ببيَِّةٍ
شَهِدَت عليه، فوجب بذلك طلبُ الحقيقة في ذلك ما هي؟
فوجدنا ابنَ أبي مريم قد حدَّثنا، قال: حدثنا الفِرْيابي، قال:
حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم
عن القاسم، أنَّ رجلاً نَزَلَ بأبي بكر مقطوعَ اليدِ والرجلِ ، فقال:
مَنْ قطعَك؟ قال: أميرُ اليمن. فقال أبو بكر: لِئِنْ قَدَرْتُ عليه(١).
فجعل يصلِّي بالليل، فقال أبو بكر: ما لَيْلُك بليلِ سارقٍ. ففقدوا
لأسماءَ حُلِيّاً، قال: فجَعَل يدعو على من أخذَهُ، وقال: أهلُ بيتٍ
صالحون. قال: فوجدوه عند صائغٍ فأشارَ به، فاعتَرَفَ، فأراد أبو بكرٍ
أنْ يقطع رجلَه، فَأَبُوا عليه وقالوا: قد علمتَ أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ سَنَّ
اليدَ بعد الرجلِ ، فقطَعَ يدَه، فقال أبو بكر: لَغِرَّتُه بالله أَشَدُّ عليَّ من
سرقته(٢).
(١) هنا في الأصل بياض، وفي الحديث السالف: لئن كنت صادقاً لأقيدنك
منه .
(٢) ابن أبي مريم شيخ المصنف: هو عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم
تقدم الكلام عليه، ومن فوقه ثقات إلا أن القاسم لم يُدرك أبا بكر.
وروى الدارقطني ٢١٢/٣، ومن طريقه البيهقي ٢٧٣/٨-٢٧٤ عن عبد الله بن
جعفربن خشيش، عن سلم بن جناد، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه أن أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يقطع رِجْلًا بعد اليد والرجل،
فقال عمر: السنة اليد.
- ٧٨ -

فَعَقِلْنا بذلك أنَّ الحقيقة كانت بالحُجَّةِ التي أُقِيمَ بها على ذلك
السارق ما أقيم عليه هي إقرارُه، لا بِيِّنَةٍ شَهدَت عليه بذلك، ووقفنا
بذلك على أنَّ الشكَّ الذي في الحديث الأول كان من دون عبد
الرحمن بن القاسم، وأنَّه كان من مالك، وأنَّ الذي كان من الثوري
في ذلك حِفْظُ الحقيقة فيه، فكان به أوْلى من غيره. وفيما ذكرنا من
ذلك ما قد يوجبُ به أنَّ للإِمام سوى النبي بَّ إقامة العقوبات على
منتهكِي الحُرُمات المنتَهَكات في مالِهِ المُقِرِّين بذلك، كما يُقيمُها على
منتهكها في مالٍ غيره.
فقال هذا القائل: ففي هذا الحديث أنَّ الحُلِيَّ المسروق فيه إنَّما
هو لأسماء لا لأبي بكر، فليس في ذلك ما يدفع أنْ يكونَ لأبي بكر
في ذلك إقامة العقوبة بالبيِّنةِ الشاهدةِ عنده على استحقاق ذلك.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنَّ ذلك الشيء
وإنْ لم يَكُنْ كان لأبي بكر رضي الله عنه فقد كان لزوجته، وليس للرجل
أنْ يَشهد في مال زوجته به لها، كما لا يَشهد في مال نفسِه به لنفسِه.
والدليلُ على ذلك قولُ عُمر رضي الله عنه لعبد الله بن عمروبن
الحَضْرَمي لمَّا جاءه بغلامه، فقال: إنَّ هذا سَرَقَ شيئاً - ذكره - لامرأتي.
فقال له عُمر: لا قَطْعَ عليه، غلامُكم سَرَق مالَكُم. حدثناه يونس،
قال: حدثنا سفيانُ، عن الزُّهْرِي، عن السائب بن يزيد، عن عبد
الله بن عمرو بن الحَضْرمي(١).
(١) إسناده صحيح على شرطهما. سفيان: هو ابن عيينة.
ورواه الدارقطني ١٨٨/٣ عن أبي بكر النيسابوري، عن يونس بن عبد الأعلى،=
- ٧٩ -

فأخبر عُمر رضي الله عنه أنَّ السارق من مالٍ زوجته مِمَّن لا يُقطع
لو سرَق ذلك من ماله، إذ كان مملوكاً له لا قَطْعَ عليه فيه إذا سَرَق
من مال زوجته. ففي ذلك ما دلَّ أَنَّه ما ليس للإِمام أنْ يفعله بالمنتهكِ
الحرماتِ في ماله ليس له فعلُ مثله بمنتهكي الحرماتِ من مال زوجته،
والله نسأله التوفيق.
= بهذا الإِسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٢١/١٠ عن سفيان بن عيينة، به. وقال فيه: سرق مرآة
لامرأتي خير من ستين درهماً.
ورواه مالك في ((الموطأ)) ٨٣٩/٢-٨٤٠، ومن طريقه الشافعي ٨٢/٢-٨٣،
والبيهقي ٢٨١/٨-٢٨٢، ورواه عبد الرزاق (١٨٨٦٦) عن معمر كلاهما - مالك
ومعمر - عن الزهري، به. وفيه أيضاً ((سرق مرآة لامرأتي قيمتها - أو ثمنها - ستون
درهماً».
- ٨٠ -