النص المفهرس

صفحات 81-100

١٤٤٩ - وكما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا وهْبُ بنُ
جرير، قال: حدثنا شعبةُ، عن زياد بن عِلاقة، قال: شهدتُ جريربن
عبد الله ... ثم ذكر عنه عن النبي ◌َّ مثلَه(١).
فكان فيما ذكرنا ما قد دلَّ على أن النصيحةَ من الإِسلام.
فقال هذا القائل: أَفَهي كُلُّ الإِسلام الذي هو الدينُ على ما في
هذه الآثار التي رَوَيتُموها في هذا الباب؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عز وجل وعونه: أنها ليست
كُلُّ الدين، ولكنها بمكانٍ من الدين جليلٍ، وكلُّ ما جلَّ من جِنْسٍ
من الأجناس، جاز أن يُطلَقَ له الاسم الذي يُسمَّى به ذلك الجنس،
فيُذْكَرَ به، كما يُذكر به ذلك الجنس، من ذلك أنك تقول: النَّاسُ
العربُ، وفيهم غيرُ العرب لجلالة العرب في الناس، ولأنهم يبينون
بالخاصِّيَّةِ التي فيهم عن سائر الناسِ ، فجازَ بذلك أن يُقال: هم
= و(٢٤٦٨) من طرق عن سفيان الثوري، بهذا الإِسناد.
ورواه الحميدي (٧٩٤)، وأحمد ٣٦١/٤، ومسلم (٥٦)، والنسائي ١٤٠/٧،
وفي (الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٢١/٢، ووكيع (٣٤٨)، والطبراني (٢٤٦٥)
و(٢٤٦٦) و(٢٤٦٩) و(٢٤٧٠) و(٢٤٧٢) من طرق عن زياد بن علاقة، به.
وقد رواه غيرُ واحدٍ، عن جرير بن عبدالله. وانظر ((صحيح ابن حبان)) (٤٥٤٥)
و(٤٥٤٦).
(١) إسنادُه صحيح على شرط الشيخين، وهو مكرر ما قبله.
ورواه أحمد ٤٦١/٤، والنسائي في الشروط من ((الكبرى)) كما في ((التحفة))
٤٢١/٢ من طريق شعبة، بهذا الإِسناد.
٨١

الناسُ، ومن ذلك قولُهم: المالُ النَّخلُ لجلالةِ النَّخل في الأموالِ ، وإنْ
كان في الأموال سِوى النَّخْلِ. فمثلُ ذلك قولُ رسول الله وَّ: ((الدِّينُ
النَّصيحَةُ)) هو لجلالة موضعِ النصيحةِ من الدين، وإن كان في الدِّين
سواها .
فقال هذا القائلُ: فما معنى ما في تلك الآثارِ من قوله:
((ولِكتابهِ»؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن ذلك عندنا
على تعليمِ كتابِهِ، وعلى النصحِ لمن يعلِّمُونَهُ إِيَّاه في تعليمهم ما
يحتاجون إلى علمِهِ، من مُحْكَمِهِ ومن مُتشابهِهِ وما يعملُون به منه، وما
يَقِفون عنده منه، لأن الناسَ كانوا كذلك في أوَّلِ الإِسلامِ يتعلمون
القرآنَ.
١٤٥٠ - كما قد حدثنا فهدُ بنُ سليمان، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ
صالح، قال: حدثني شَريكُ، عن عطاء بن السائب، عن أبي
عبدالرحمن السُّلَميِّ
عن ابن مسعود، قال: كنّا نتعلَّمُ من رسولِ الله وَِ عشرَ آيات،
فما نُعَلَّمُ العشرَ التي بعدهنَّ حتى نتعلَّم ما أُنزِلَ في هذه العشرِ من
العمل (١).
(١) حسنٌ لغيره. عبدالله بن صالح، وشريك: وُصِفَا بسوء الحفظ، وعطاء بن
السائب: قد اختلط، وشريك روى عنه بعدَ الاختلاط.
ورواه الحاكم ٥٥٧/١، وعنه البيهقي ١١٩/٣-١٢٠، ومن طريق البيهقي رواه
ابنُ عساكر ٩٣/٣٩-٩٤ عن أبي العبّاس محمد بن يعقوب، حدثنا العباسُ بنُ محمد =
٨٢

١٤٥١ - وكما حدثنا سليمانُ بنُ شعيب الكَيْسَانيُّ، قال: حدثنا
خالدُ بنُ عبدالرحمن الخراساني، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن
السائب، عن أبي عبدالرحمن السُّلميِّ، قال: أخبرنا أصحابُنًا الذين
كانوا يُعَلُّمونَا، قالوا: كنَّا نُعَلَّمُ عشرَ آيَاتٍ، فما نتجَاوَزُهنَّ حتَّى نعلمَ
ما فيهنَّ من عَمَلٍ (١).
= الدُّوري، حدثنا شاذان الأسودُ بنُ عامر، حدثان شريكُ بهذا الإِسنادِ، وصححه
الحاكم، ووافقه الذهبي!
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) (٨١) عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق
المروزي، قال: سمعتُ أبي يقول: حدثنا الحسين بن واقد، قال: حدثنا الأعمش،
عن شقيق، عن ابن مسعود قال: كان الرجلُ منا إذا تعلّم عشر آياتٍ لم يُجاوزهنْ
حتى يعرفَ معانيهن والعمل بهن. وهذا سند صحيح، وهو - وإن كان موقوفاً على
ابن مسعود - مرفوعٌ معنى، لأنَّ ابن مسعود إنَّما تعلَّم القرآن من رسول اللهِ وَِّ، فهو
يصف ما كان في عهده آثار .
(١) إسناده حسن. سفيان حدَّث عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط.
ورواه الطبريُّ (٨٢) عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، بهذا الإِسناد.
ولفظه: حدَّثنا أصحابُنا الذين كانوا يُقْرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ وَلاغير، فكانوا
إذا تعلموا عشرَ آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها مِن العمل، فتعلمنا القرآن
والعمل جميعاً.
قلتُ: وأبو عبدالرحمن السلمي: اسْمُهُ عبدُالله بنُ حبيب، يُعدُّ في كبارِ
التابعين، وقد صرح بأنه حدثه الذين كانوا يقرئونه من الصحابة، ولا يَضر إبهامُ
الصحابي، فالحديثُ مسندٌ متصل صحيح .
ورواه ابنُ سعد في ((الطبقات)) ١٧٢/٦ عن حفص بن عمر الحوضي، حدثنا
حمادُ بنُ زيدٍ، حدثنا عطاءُ بنُ السائب أَنّ أبا عبدالرحمن السُّلمي قال: إنا أَخَذْنا-
٨٣

١٤٥٢ - وكما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: حدثنا الخَصيبُ بنُ
ناصحٍ الحارثيُّ، قال: حدثنا همَّامُ بنُ يحيى، عن عطاءِ بنِ السائب
عن أبي عبدالرحمن السُّلمي، قال: كان أصحابُنا يُقرؤونا ويُعلِّمُونا
ويُخبرونا أن النبيِّ نَّه كان يُقرىءُ أحدَهم عشرَ آياتٍ فما يَجوزُها حتى
يَتعلَّمَ العمل فيها، قال: وقالوا: عُلِّمْنَا القُرآنَ والعمل جميعاً (١).
١٤٥٣ - وكما حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا عليُّ بن مَعْبَدٍ، قال: حدثنا
= هذا القرآنَ عن قوم أخبرونا أنَّهم كانوا إذا تعلموا عشرَ آيات لم يُجاوزوهن إلى العشر
الآخَر حتى يَعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن، والعمل به، وإنه سيرث القرآن بعدنا
قومٌ ليشربونه شُرب الماء لا يُجاوز تراقيّهم، بل لا يجاوز هاهنا، ووضع يده على
الحلق.
وهذا سندٌ قوي. حماد بن زيد روى عن عطاء قبل الاختلاط.
ورواه أحمد في ((المسند)) ٤١٠/٥ عن محمد بن فضيل، عن عطاء، عن أبي
عبد الرحمن، قال: حدثنا مَنْ كان يُقرئنا من أصحاب النبيِّ وََّ أنَّهم كانوا يَقْترثون
من رسولِ اللهِ وَِّ عَشْرَ آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في
هذه من العلم والعمل، قالوا: فتعلّمنا العلمَ والعملَ.
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٥/١، ونسبه لأحمد، وقال: وفيه عطاء بن
السائب اختلط في آخر عمره.
قلت: ليس ذا بعلَّة، فقد رواه سفيانُ، وحمادُ بن زيدٍ عنه، وهما مِمن سَمِعَ
منه قبلَ الاختلاط.
(١) إسناده حسن: همام بن يحيى سمع من عطاء قبلَ الاختلاط عند أبي
جعفر، فيما تقدم في كتابه هذا.
٨٤

عُبِيدُ الله بنُ عمرو، عن زيدِ بنِ أبي أُنَيْسَةَ، عن القاسم بنِ عوفٍ،
قال :
سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: لقد عِشْنَا بُرْهَةٌ من دهرِ وأحدُنا
يُؤْتَى الإِيمانَ قَبْلَ القرآن، وتَنْزِلُ السورةُ على محمدٍ نَّهِ، فيتعلمُ حلالَها
وحرامَها وآمرَها وزاجرَها، وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عنده منها كما تتعلمون
أنتم اليومَ القرآنَ، ثم لقد رأيتُ اليومَ رجالاً يُؤْتَى(١) أحدُهم القرآنَ قبل
الإِيمان، فيقرأ ما بين فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ، ولا يدري ما آمرُه ولا زاجرُه،
ولا ما ينبغي أن يوقفَ عندَه منهُ، وينتثرُهُ نثرَ الدَّقَلِ (٢).
فكان فيما روينا كيفيةُ تعليم النَّاس كانَ القرآنَ، وكيفيةُ أُخْذِهِم
كان إِيَّاه، وفي ذلك مِنَ المشَقَّةِ على من كان يُعَلِّمُه وعلى من كان
يتعلَّمُهُ ما لا خَفَاءَ بهِ على سامعي هذه الآثار. فَأُعلَّمَ رسولُ الله ◌ِله
(١) في الأصل: ((لا يؤتى)) وهو خطأ، والتصويب من ((مجمع الزوائد)).
(٢) علي بن معبد: هو الرقي، ثقة، روى له الترمذي والنسائي، ومن فوقه من
رجال الشيخين غير القاسم بن عوف، فقد روى له مسلم حديثاً واحداً، وقال أبو
حاتم: مضطرب الحديث، ومحله عندي الصدق، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال ابن عدي: وهو ممن يُكتب حديثه.
ورواه الحاكم ٣٥/١، والبيهقي ١٢٠/٣ من طريقين عن عبيدالله بن عمرو،
بهذا الإِسناد، وصححه الحاكم، وقال: لم يخرجاه، ولا أعرف له علة، ووافقه
الذهبي .
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٥/١، وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))
ورجاله رجال الصحيح.
والدَّقَلُ، بفتحتين: رديء التمر ويابسه وما ليس له اسمٌ خاص، فتراه لِيْسِه
ورداءته لا يجتمع، ويكون منثوراً.
٨٥

من سأله عن النصيحة التي ذكرها في هذه الآثارِ لِمَنْ هي، وفي ذلك
النصيحةُ لكتاب الله، والنصيحةُ له هي النصيحةُ لمن يأخذُه تعليماً ممن
يأخذُه منه، وفيما ذكرنا بيانُ وجهِ هذا المعنى، والله نسأله التوفيقَ.
٨٦

٢٢٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِل
من قوله: ((إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيشَه يومَ
خَلَق الله عزَّ وجلَّ السماواتِ والأرضَ))
١٤٥٤ - حدثنا عبيدُ بنُ رجال، قال: حدثنا أحمدُ بنُ صالحٍ ،
قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيس، قال: أخبرني(١) ثوربن زيد، عن
عكرمة
عن ابن عباس، قال: خَطبَ النبيُّ وَّرِ فِي حِجَّةِ الوداع، فقال:
((إِنَّ الزَّمَانَ قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يومَ خلقَ الله السَّماواتِ والأرضَ، وإنَّ
السَّنَةَ اثنا عَشَرَ شَهْراً، منها أربعةٌ حُرُمٌ: ثلاثة وِلاَء: ذُو القَعْدَةِ، وذُو
الحجَّةِ، والمُحَرَّمُ، والآخرُ رجبٌ، بين جُمادَى وشعبانَ))(٢).
١٤٥٥ - حدثنا عبيدُ بنُ رجال، قال أحمد بن صالح: قال: قرأتُ
(١) في الأصل: أخبرني عن ثور بن زيد، وهو خطأ.
(٢) أحمد بنُ صالح ثقة من رجال البخاري، ومن فوقه من رجال الشيخين إلّ
أن إسماعيل بنَ أبي أويس: قال الحافظ فيه: لا يحتج بشيء من حديثه غيرَ ما في
الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلّ إن شاركه فيه غيره فيعتبر به. قلت:
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٨٣/٤، ونسبه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ،
وابن مردويه .
٨٧

على ابن نافعٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن ثوربن زيد الدِّيلي، قال:
خطبَ النبيُّ وَِّ في حجة الوداعِ ... ثم ذكرَ مثلَه، ولم يذكرْ في
إسنادِهِ بعد ثورِ بنِ زيدٍ أحداً (١).
١٤٥٦ - وحدثنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ، قال:
حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: حدثنا أيوب، عن محمد، عن أبي
بَكْرَةَ، قال: خطبنا رسولُ الله ◌َّةِ ... فذكر مِثلَه سواءً حرفاً بحرفٍ،
غيرَ أنه قال: ((وَرَجَبُ مُضَر الذي بَيْنَ جُمادَى وَشَعبانَ))(٢).
(١) إسناده معضل، وانظر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله رجال الشيخين غير مُسَدَّدِ بنِ
مسرهد، فمن رجال البخاري. إسماعيل بن إبراهيم: هو ابن عُلِيَّة، وأيوب: هو
السختياني، ومحمد: هو ابن سیرین.
ورواه أبو داود (١٩٤٧) عن مسدد، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٧/٥ عن إسماعيل ابن عُلية، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٥٥/٩، والبيهقي ١٦٥/٥-١٦٦،
والبغوي (١٩٦٥) من طريق أيوب، به.
ورواه البخاريُّ (٦٧)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٥٠/٩، وابن
حبان (٣٨٤٨) و(٥٩٧٣) من طريق بشربن المفضل، عن ابن عون، عن محمد بنٍ
سيرين، بهذا الإسنادِ، وانظر تمامَ تخريجه عندَ الأخير.
وقوله: ((إنّ الزَّمان قد استدار كهيئته ... )) أراد بالزمان: الدهرَ وسنيه، واستدار:
دار، قال البغوي في ((شرح السنة)) ٢٢٠/٧-٢٢٢: معناه: أن العرب كانت في
الجاهلية قد بَدّلت أشهر الحرم، وذلك أنَّهم كانوا يعتقدون تعظيم هذه الأشهر
الحرم، ويتحرَّجون فيها عن القتال، فاستحلَّ بعضهم القتال فيها من أجل أنَّ عامَّة =
٨٨

= معايشهم كانت من الصيد والغارة، فكان يشقُّ عليهم الكفُّ عن ذلك ثلاثة أشهر
على التوالي، وكانوا إذا استحلُّوا شهراً منها، حرموا مكانه شهراً آخر، وهو النسيء
الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه، فقال: ﴿إِنَّما النسِيءُ زيادةٌ في الكُفْرِ﴾
ومعنى النسيء: تأخير تحريم رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، مأخوذ من
نَسَأْتُ الشيء: إذا أخرته، وكان ذلك في كنانة هم الذين كانوا يُنْسِئُون الشُّهور على
العرب، وإذا أخروا تحريم المحرم إلى صفر، ومكثوا لذلك زماناً، ثم احتاجوا إلى
تأخير تحريم صفر إلى ربيع، فعلوا هكذا شهراً بعدَ شهر، حتَّى استدار التحريم على
السنة كلها، فقام الإِسلامُ، وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله وذلك بعد
دهرٍ طويل، فذلك قوله عليه السلام: ((إنَّ الزمانَ قد اسْتدار كهيئته يومَ خلق الله
السماوات والأرض»، ویقال: کان قد استمر ذلك بهم حتى خرج حسابه من أیدیھم،
فكانوا رُبَّما يَحُجُّون في بعض السنين في شهر ويحجون من قابل في شهر غيره إلى
أن كان العام الذي حجَّ فيه النبيُّ بَّ، فوافى حجُهم شهر الحج المشروع، وهو
ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع، وخَطب اليومَ العاشر بمِنى، وأعلمهم أنَّ أشهر
النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمرُ إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر
يوم خلق الله السماوات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه، لئلا يتبدل في مستأنفٍ
الأيام .
وقال بعض أهل العلم: إنَّما أخَّر النبي ◌َّر الحج لِيوافق أهل الحساب، فيحج
في حجة الوداع، وحُكي عن مجاهد في تفسير قوله: ((إنّ الزمان قد استدار كهيئته)»
أنه في الحج، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يحجون عامين في ذي القعدة،
وعامين في ذي الحجة، فلما كانت السنة التي حج فيها أبو بكر قبل حجة النبي
*، كان الحج في السنة الثانية من ذي القعدة، وكانت حجة النبي و 18 في العام
المقبل في ذي الحجة، فذلك قوله: ((إن الزمان قد استدار كهيئته)) يقول: قد ثبت
الحج في ذي الحجة. والله أعلم.
=
٨٩

١٤٥٧ - حدثنا جعفر بنُ محمدٍ بن الحسن الفِريَابيُّ، قال: حدثنا
الصَّلْتُ بنُ مسعود الجَحْدَريُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدالرحمن
الطّفَاوي، قال: حدثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه
عن جدِّهِ، قال: كانتِ العربُ يجعلونَ عاماً شهراً، وعاماً شهرين،
فلا يُصيبونَ الحجّ في أيامِ الحجِّ إلَّ في خمسٍ وعشرين سنةً مرَّةً وهو
النّسِيءُ الذي ذكرَ الله في كتابه. فلما حجَّ أبو بكر بالنَّاسِ ، وافَقْ ذُلك
العام الحج، فسمَّاهُ الله الحجِّ الأكبرَ وحجَّ رسولُ اللهِوَّ من العامِ
المقبلِ ، فاستقبلَ الناسُ الأَهِلَّةَ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ الزَّمانَ قِدٍ
استدارَ كهيئِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأَرْضَ))(١).
وقوله: ((رجب مضر)) إنما أضافه إلى مضر، لأنها كانت تُحافظ على تحريمه أشدَّ
=
من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحلُّه أحد من العرب إلَّ حَيَّن: خثعمٌ وطبىء،
فإنهما كانا يستحلَّن الشهورَ، فكان الذين ينسئون الشهور أيامَ الموسم يقولون: حرمنا
عليكم القتالَ في هذه الشهور إلّ دماء المحلين، فكانت العرب تستحِلُّ دماءهم
خاصةً فيها.
وقوله: ((بين جُمادى وشعبان)): قال أبو سليمان الخطّابي: يحتمل أن يكونَ ذُلك
على معنى توكيد البيانِ، كما قال في أسنان إبلِ الصدقة: ((فإن لم يكن بنت
مخاض، فابنُ لَبون ذكر)) ومعلومٌ أن ابنَ اللَّبون لا يكونُ إلَّ ذكراً، ويُحتمل أن يكونَ
إِنَّما قال ذلك من أجلِ أنَّهم كانوا نسَّؤُوا رجباً، وحوَّلُوه عن موضعه، وسمّوْا به بعضَ
الأشهر الأخر، فنحلوه اسْمَهُ، فبَيِّن لهم أن رجباً هو الشهرُ الذي بَيْنَ جُمادى
وشعبان، لا ما سموه به على حساب النسيء. والله أعلم.
(١) إسناده حسن.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٨٨/٤، ونسبه للطبراني، وأبي الشيخ،
وابن مردويه .
٩٠

قال أبو جعفر: ففي حديثٍ جعفر هذا الذي ردَّه إلى عبد الله بن
عمرو، وما قد دلَّ على استدارة الزمان حتى صار كهيئتِهِ يومَ خلق الله
السَّماوات والأرض، وفيه المعنى المرادُ بقول الله عز وجل: ﴿وَأَذَانٌ
من الله ورَسُولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] أن قوله جل
وعز: ﴿الأكبر﴾ في هذه الآية إنما هو نعتٌ للحجِّ لا لما سِواه مما
قد اختلف الناسُ فيه، فقال بعضُهم: إنه يومُ النَّحْرِ، وإن كان ذلك
قد رَوَوْهُ عن النبيِّ ◌ِد.
١٤٥٨ - كما قد حدَّثنا علي بنُ مَعْبَدٍ، قال: حدثنا أبو الأشهب
هَوْذَةُ بنُ خليفة، قال: أخبرنا ابنُ عوٍ، عن محمد - يعني ابن سيرين -
عن عبدالرحمن بنِ أبي بَكْرَةً
عن أبيهِ، قال: لما كانَ ذلك اليوم خطبَ رسولُ الله ◌ِّهِ ... فذكر
خطبةَ النبيِّ وَّرَ يومئذٍ، وفيها: ((أيُّ يومٍ يومكم هذا))؟ قال: فسَكَتْنا
حتى ظنًا أنه سيُسمِّيهِ بغير اسمه، ثم قالَ: ((أَلَيْسَ يوم الحجِّ الأكبر))(١).
١٤٥٩ - وكما قد حدثنا يزيدُ بن سنان، قال: حدثنا دُخَيمُ بنُ
اليتيم، قال: حدثنا عُمَرُ بنُ عبد الواحد، عن هشام بنِ الغَازِ، عن نافع
عن ابن عمر، عن النبي ◌َّ﴿ في خطبته يومئذٍ: ((إنَّ يومَ الحجِّ
الأكبرِ يَومُ النَّحْرِ»(٢).
(١) إسناده صحيح. رجاله رجال الشيخين غير هوذة بن خليفة، فقد روى له
ابنُ ماجه، وهو ثقة، وانظر الحديثَ السالفَ (١٤٥٦).
(٢) إسناده صحيح. دُحيم: هو عبدالرحمن بنُ إبراهيم.
٩١
=

١٤٦٠ - وكما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا
الخطّابُ بنُ عثمان، قال: حدثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن هشام بنِ الغَازِ،
عن نافع، عن ابنِ عمر، عن رسول الله وَ﴾ِ مثلَه(١).
وقال بعضُهم: إنَّ يومَ الحجِّ الأكبرِ يومُ عَرَفَةٍ، وليس في ذلك معهم
روايةٌ عن النبيِّينَ﴿ه وإنما رَوَوْهُ عن ابن أبي أَوْفَى(٢). ومعنى ما في
= ورواه ابن ماجه (٣٠٥٨)، والطبراني، والإسماعيلي كما في ((الفتح)) ٥٧٦/٣،
وأبو نعيم في ((المستخرج)) كما في ((تغليق التعليق)) ١٠٥/٣، من طريق هشام بن
عمار، عن صدقة بن خالد.
ورواه الطبراني (١٦٤٤٧)، والبيهقي ١٣٩/٥، وابن حجر في ((التغليق))
١٠٥/٣، وأبو عوانة فيما ذكره الحافظ في ((التغليق))، وابن أبي حاتم وابن مردويه
كما في ((تفسير ابن كثير)) ٣٤٨/٢ من طريق أبي جابر محمد بن عبد الملك،
كلاهما عن هشام بن الغاز، بهذا الإِسناد. وانظر ما بعده.
(١) إسناده صحيح، وقد صرح الوليد بن مسلم بالتحديث عند الحاكم، فانتفت
شبهة تدليسه .
ورواه أبو داود (١٩٤٥)، والحاكم ٣٣١/٢، والإسماعيلي كما في ((الفتح))
٥٧٦/٣ من طرق عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
وقال ابنُ كثير ٣٤٨/٢: رواه ابنُ مردويه من حديث الوليد بن مسلم، عن
هشام بن الغاز، به، ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن نافع، به.
وقال الحاكم - وقد رواه بأطول مما هنا -: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم
يخرِّجاه بهذه السياقة، وأكثرُ هذا المتن مخرج في ((الصحيحين)) إلّ قوله: ((إن يوم
الحج الأكبر يوم النحر ... )) فإن الأقاويلَ فيه عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم
على خلاف بينهم، فمنهم من قال: يومُ عرفة، ومنهم من قال: يومُ النحر.
(٢) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (١٦٣٩٧) - (١٦٤٠٤) من طرق عن =
٩٢

حديثَيْ رسولِ الله وَِّ الَّذَين ذكرناهما في هذا البابِ هو ما في حديث
عبدِ الله بن عَمْرٍو الذي رويناهُ فيه، وقولُهُ وَّهَ: ((يوم الحجِّ الأكْبر)) نعت
للحجِّ لا لليوم حتى تَصِحَّ معاني هذه الآثار وتتفقَ، ولا يُخالِفَ بعضُها
بعضاً.
فقال قائلٌ: فقد رويتُم عن رسولِ الله وَّرِ ما يُخالِفُ هُذا فذكر
١٤٦١ - ما قد حدثنا ابنُ أبي داود، قال: حدثنا أبو اليَمَان
الحَكَمُ بن نافع البَهْراني، قال: حدثنا شعيبُ بنُ أبي حمزةَ، عن
الزهريِّ، قال: حدثني حُمَيدُ بن عبدالرحمن
أن أبا هريرة قال: بعثَنِي أبو بكر رضي الله عنه فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يومَ
النحرِ بمنىٍّ: أن لا يحجَّ بعد العامِ مشركٌ، ولا يطوفَ بالبيتِ عُريانٌ،
ويومُ الحجِّ الأكبر يومُ النحرِ، والحجُّ الأكبر الحج، وإنَّما قِيلَ: الحِجُّ
الأكبر من قِيل الناس الحجّ الأصغر(١).
قال: ففي هذا الحديثِ أن يومَ الحجِّ الأكبر يَوْمُ النحر.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ ما في
هذا الحديثِ مما قد تَحَقّقنا أنه من كلامِ رسولِ الله وَلَ غيرُ مخالفٍ
= عبد الله بن أبي أوفى قوله.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه أبو داود (١٩٤٦) عن محمد بن يحيى بن فارس، عن الحكم بن نافع،
بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (٣١٧٧) من طريق أبي اليمان، عن شعيب، به.
٩٣
؛

لما قد رويناه قبلَه في هذا الباب، إذ كانَ قولُه: ويومُ الحجِّ الأكبرِ
يومُ النحر قد يحتملُ أن يكونَ قَولُه ((الأكبر)) نعتاً للحجِّ لا لليومِ،
ويكون ذلك موافقاً لحديث عبدِ الله بن عمرو الذي رويناه في هذا
الباب، ويكون ((اليومُ)) مضافاً إليه حتى تَصِحَّ هذه الآثارُ كلُّها لا يُضَادُّ
شيءٌ منها شيئاً.
ثم قال هذا القائل: وفي هذا الحديث: وإنَّما قِيل الحجُّ الأكبر
من أجل قول الناس: الحجّ الأصغر، فاستدلَّ بذلك فيما دكرَ على أنه
إنما قيلَ للحج الذي كان عامئذٍ: الحجّ الأكبر القول الذي كان الناسُ
يقولونه الحجّ الأصغر. قال: وهذا خلافُ ما في حديثِ عبدِ الله بنِ
عمرو الذي رویتموه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ الذي في
هذا الحديثِ من قولِ الناسِ الحجّ الأصغر لا يُدرى ما هو؟ ولا عن
مَنْ حُكِيَ من رواة هذا الحديث؟ وقد يحتملُ أن يكون من كلام
الزُّهريِّ، فإنه قد كان يفعل ذلك كثيراً، يَخْلِطُ كلامَهُ بالحديث فيتوهّم
أنه منه، وليس هو منه، ولذلك قال له موسى بنُ عقبةً: افْصِلْ كلامَ
رسولِ الله وَلجر من كلامك.
وإذا كان ذلك الكلامُ يَحتملُ ما قد ذكرنا، كان ما قد رويناه عن
عبدِ الله بن عمرو من حقيقةِ المعنَى، كان في ذلك أوْلى منه، وكان
ما قال من ذلك معقولاً إذا كان الحجُّ بعد استدارَةِ الزمان رجع إلى
شهرِ بعينِهِ يجري عليه حجُّ الناس إلى يوم القيامةِ، فكان ذلك إماماً
٩٤

لهم، كانَ الأكبرُ من الحج الذي يرجعُ إليه غيرُه من الحجِّ الذي يكون
بعدَه إلى يوم القيامةِ من قُدوة أهله لما فيه، وفي ذلك ما قد وَجَبَ
له ما قاله فيه عبدُ الله بن عمرو، والله نسألهُ التوفيقَ.
٩٥

٢٢٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَد
من قوله: ((لا يُلْدَغُ المؤمن من جُحْرٍ مَرَّتِينِ)»
١٤٦٢ - حدثنا أبو القاسم هِشامَ بنُ محمدِ بنِ قُرَّةَ بن أبي خليفةً،
قال: حدثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بن محمدٍ بن سلامةً الأزديُّ، قال: حدثنا
يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وهب وأيوبُ بن سُوَيدٍ، عن يونسَ، عن ابنِ
شهاب، عن ابن المسيِّب
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ المؤمِنَ لا يُلْدَغُ
من جُحْرٍ مَرَّتَينِ)) في حديث أيوب ((من جحرٍ واحدٍ))(١).
١٤٦٣ - وحدثنا محمدُ بنُ عُزَيرِ الْأَيْلِيُّ، قال: حدثنا سلامةُ بن
رَوْحٍ، عن عُقيلِ بنِ خالدٍ، عن محمد بن مسلم - يعني الزُّهريَّ - أن
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٧٨) عن عبدالله بن صالح، قال:
حدثني اللَّيث، قال: حدثني يونُس، بهذا الإِسناد.
ورواه مسلم (٢٩٩٨) من طريقين، عن يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي
الزهري، عن عِّه، به.
ورواه ابن حبان (٦٦٣)، وأبو الشيخ في ((الأمثال)) (٩)، وأبو نعيم في «الحلية))
١٢٧/٦ من طرق عن هشام بن خالد الأزرق، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن
عبد العزيز، عن الزهري، به، وفيه قصة. وقال أبو نعيم: تفرَّد به الوليد عن سعيد.
٩٦

سعيدَ بنَ المسيِّب حدثه أنَّ أبا هريرة أخبرَهُ عن النبيِّ وَّه قال: ((لا
يُلْدَغُ المؤمن من جُحْرٍ واحدٍ مرَّتين))(١).
١٤٦٤ - وحدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ،
قال: حدثنا الليثُ بنُ سعد، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن ابنِ
المسيِّب، عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ ◌ِ، مثلَه(٢).
قال أبو جعفرٍ: فتأملْنا هذا الحديث، فوجدنا كلَّ من حدثَناه ممن
ذكرناهُ في هذا الباب ومن غيرهم ممَّن لم يُذكر فيه، إنما حدَّثُوناه:
((لا يُلدَغْ مؤمِنٌ من جُحْرِ مرَّتين)) ويجزمون ((يلدغ)) فكان ذلك عندنا
- والله أعلم - على ظاهره إنما هو على الأمر، وقد ذهبَ إلى ذلك قومٌ
جعلوا معناه: ألَّ تُثَنَّى على مؤمن عقوبةٌ في ذنبٍ أتاه، وذلك أن الجزمَ
إذا وقعَ في هذا، كان وَجْهُهُ الأمَرَ، لا ما سواه، ومِنْ ذُلك قولُ الله
(١) حديث صحيح. محمد بن عزيز، وسلامة بن روح: قد توبعا وبقية رجاله
ثقات، وانظر ما بعده.
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البيهقي في ((السنن)) ١٢٩/١٠، وفي ((الآداب)) (٤٤٧) من طريق
النسائي، بهذا الإِسناد.
ورواه أحمد ٣٧٩/٢، والبخاري (٦١٣٣)، ومسلم (٢٩٩٨)، وأبو داود
(٤٨٦٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٥٠٧)، والبيهقي في ((الآداب)) (٤٤٧)
من طريق قتيبة بن سعيد، به.
ورواه الدارمي ٣١٩/٢-٣٢٠ عن عبدالله بن صالح، وابن ماجه (٣٩٨٢) عن
محمد بن الحارث، وأبو الشيخ (١٠) عن كامل بن طلحة، ثلاثتهم عن اللَّيث بن
سعد، به.
٩٧

عزَّ وجلّ: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ واسجُدْ واقْتَربْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله عز
وجل: ﴿ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أو كَفُوراً﴾ [الإِنسان: ٢٤] في أمثالٍ لُهُذا
في القرآن كثير.
وقد أبى ذلك قومٌ على قائليه، وقالوا: أَصْلُ الحديثِ: ((لا يُلدَغُ
مؤمِنُ من جُحْرِ مرَّتين)) بلفظ يلدغُ، وجعلوا ذلك من الخبر، كقول الله
عز وجل: ﴿وَلاَ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وكقوله جلّ
وعزَّ: ﴿ولا يخافُ عُقْبَاهَا﴾[الشمس: ١٥]، وكقوله جل وعز: ﴿لَا تَسْمَعُ
فيها لَاغِيةً﴾ [الغاشية: ١١]، كل ذلك على الخبر باستعمال الرفعِ فيه
وقالوا مُحتجِّين على أهلِ المقالةِ الأولى: لو كان التأويلُ كما ذكرتم،
لَمَا احتاجَ ◌َ إلى القصدِ بذلك إلى المؤمن، لأن الكافرَ لا تُثَنَّى عليه
عقوبةُ ذنْبه، ولأن المنافقَ أيضاً كذلك لا تُثَنَّى عليه عقوبةُ ذْبه، وإنما
قصدَ النبيُّ وَِّ بهذا القول إلى المؤمن لأنه يبينُ فيه بمعنى من المعاني
سِوى المنافق وسوى الكافر، لأنَّه إذا كان منه الذنبُ، أحزَنه ذلك،
وخافَ غِبَّهُ، فكان ذلك سبباً لترك عودِه فيه أبداً، فقال النبيُّ مله
لذلك: ((إنَّ المؤمنَ لا يُلْدَغُ من جُحْرِ مَرَّين)) أيْ: لا يذنبُ ذنباً يخافُ
عقوبتَهُ، ثم يعودُ فيه بعدَ ذلك، وجعلوا معنى قوله: ((إنَّ المؤمِنَ لا
يُلْدَغُ من جُحْرِ مَرَّتَين)) بمعنى قوله: إنَّ المؤمن ليس يُلدَغُ من جحرٍ
مرتين، وكذلك هي فيما تلونا مِن الآي من كتاب الله في هذا المعنى
إنما هي بمعنى ليس. وهذا عندنا - والله أعلم - أشبَهُ الوجهين بالمعنى
في هذا الباب، وقد سمعتُ يونسَ يقول بعد أن حدثَنَا هذا الحديث،
قلتُ لابن وهب: ما تفسيرُه؟ قال: الرجلُ يقعُ في الشيء يكرهُهُ، فلا
يعودُ فيه، فكان هذا مجملاً من ابن وهب، ومعناه على المعنى الذي
٩٨

مِلْنَا إليه، وهو إن لم يكن ذكرَه بإعرابه، فقد ذهب إلى أن معناه المعنى
الذي يوجبُ أن يكونَ إعرابُه الرفعَ لا الجزمَ.
ومما يدلُّ على ما ذكرنا أيضاً أنَّ الله عز وجل قد ذكر في كتابِهِ
التوبةَ التي أمر بها المؤمنين مِن عبادِه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا
إلى اللهِ تَوْبَةٌ نَصُوحاً﴾ [التحريم: ٨].
فحدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدَّثْنَا أبو عامر العَقديُّ، عن
إسرائيلَ بن يونس، عن سِماكٍ - وهو ابنُ حربٍ - قال: سَمِعْتُ النُّعمان
- وهو ابنُ حميد(١) - يقول:
سمعتُ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه يقول: التوبةُ النصوحُ أن
يجتنبَ الرجلُ العملَ السوءَ كان يعملُهُ يتوبُ إلى الله عزَّ وجلَّ منه،
ثم لا يعودُ فيه أبداً(٢).
(١) كذا قال المصنف رحمه الله، وهو عند غير المصنف: النعمان بن بشير،
ولیس ابن حميد.
(٢) سماك بن حرب من رجال مسلم، وهو حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات
من رجال الشيخين غير النعمان بن حميد، وهو أبو قدامة الكوفي البكري، لم يرو
عنه غير سماك بن حرب، وذكره ابن حبّان في (الثقات)) ٤٧٣/٥، وترجم له ابن أبي
حاتم ٤٤٦/٨، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٧٩/١٣، وهناد في ((الزهد)) (٩٠١)، وعنه الطبري في
((جامع البيان)) ١٦٧/٢٨ عن أبي الأحوص، والطبري والحاكم ٤٩٥/٢ من طريق
سفيان، كلاهما عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر، وصححه
الحاكم، ووافقه الذهبي.
قلت: هو حسنٌ من أجلِ سمَاك بن حرب، فإنه وإنْ أخرج له مسلم، لا يرقى =
٩٩

فكان ذلك مما قد دلَّك على ما ذكرنا من تأويل الحديثِ الذي
رویناهُ.
ومن ذلك ما قد رُوي عن النبي ﴿ في الندمِ أنه توبة
١٤٦٥ - كما قد حدَّثنا يونسُ، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن
عبد الكريمِ الجَزَرِي، قال: أخبرني زيادُ بنُ أبي مريم
عن عبد الله بن مَعْقِلٍ ، قال: دخلتُ مع أبي على عبدِ الله بن
مسعود، فقال له أبى: أَنْتَ سمعتَ رسول اللهِ وَلَ يقول: ((النَّدَمَّ
تَوْبةٌ))؟ قال: نَعَمْ (١).
= حديثه إلى الصحة.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٢٧/٨، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق،
والفريابي، وسعيد بن منصور، وابنٍ منيع، وعبدِ بنِ حميد، وابنِ المنذر، وابن أبي
حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في ((الشعب)).
(١) إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير زياد بن أبي مريم، وهو مولى
عثمان بن عفّان، فقد روی له ابن ماجه، روى عن أبي موسى الأشعري، وسعد بن
أبي وقاص، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وروى عنه من أهل العراق عاصم
الأحول، ثم تحوّل إلى الجزيرة وسكنها، وروى عنه من أهلها ميمون بن مهران،
وعبد الكريم الجزري، روى عنه ما يزيد على عشرة أحاديث، وقال العجلي
ص١٦٩: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات) ٢٦٠/٤، ووثقه الدارقطني،
وفي ((تاريخ البخاري)) ٣٧٣/٣: قال صدقة: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الكريم،
عن زياد بن أبي مريم: إن كان سعيد بن جبير ليستحبي أن يُحَدِّثَ وأنا حاضر.
ورواه القضاعي (١٣) من طريق يونس بهذا الإِسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٦١/٩-٣٦٢، والحميدي (١٠٥)، وأحمد ٣٧٦/١ =
١٠٠