النص المفهرس

صفحات 1-20

شرح مشكل الأَثَل
تأليفُ الإِمَامِ المُحَدِّثِ الفَقية المفَتِر
أِ بَعْفَ أحْمَد بن محَمَّد بنسَلَامَة الطّحَاوي
(٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ)
مثّته وضبط نصّه، وخرج أحاديثه، وعلّ عليه
شعيب الأر نؤوط
الجزء الرّابع
الرسالة العالمية

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة و التسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
Al-Resalah Al-A'lamiah m.
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalahonline.com
http://www.resalahonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112-319039- 818615
P.O. BOX:117460
بِسْـ
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
١٤٢٧ هـ / ٢٠٠٦ م
الطبعة الثالثة
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م

شرح مشكل الأَخَا
تأليفُ الإِمَامِ المَحَدِّثِ الفَقيةُ المفَسِّر
أبِ جَعْفَرَ أحْمَد بن محَمَّد بُرْسَلَامَة الطّحَاوي
(٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ)
متَّه وضبط نصّه، وخرج أحاديثُه، وعلّ عليه
شعيب الأرنؤوط
الجزء الرابع
مؤسسة الرسالة

٥ ٣
3
-
.3
1.

٢١٨ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله الجول
في المُبادَرَةِ بالموتِ النَّشْوَ الَّذينَ يتخذونَ
القرآنَ مزاميرَ يُقَدِّمونَ أحدهم ليُغنيهم
وإن كانَ أقلَّهم فِقْهاً
١٣٨٩ - حدَّثنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال:
أخبرنا شَريكُ بنُ عبدِ الله، عن عثمانَ بنِ عُميرٍ، عن زَاذانَ أبي عمر
عن عُلَيمٍ ، قال: كَنَّا جلوساً(١) على سطحٍ، معنا رجلٌ من
أصحاب النبيِّ وَّهِ - قالَ يزيدُ: لا أعلمُهُ إلَّ قَالَ عَبْسَ الغِفَارِيُّ -
والناسُ يخرجُونَ فِي الطَّاعونِ، فقالَ عَبْسٌ: يا طاعونُ خُذْنِي - ثلاثاً
يقولُها - قال عُلَيمُ: لِمَ تقولُ هُذا، أَلَمْ يقلْ رسولُ اللهِوَّهِ: ((لا يَتَمَنَّى
أحدُكُم الموتَ، فإنَّه عندَ انقطاع عملِهِ، ولا يُرَدُّ فيستعتب))؟ قال: إِنِّي
سمعتُ رسولَ اللهِ وَ له يقولُ: ((بادِّرُوا بالموتِ سِنّاً: إِمْرَةَ السفهاء، وكثرةَ
الشُّرَطِ، وبيعَ الحكمِ ، واستخفافاً(٢) بالدم، وقطيعةَ الرَّحِمِ، ونشواً
يتخذُّونَ القُرآنَ مزاميرَ، يُقَدِّمُونَ أَحدَهُم لِيُغَنِّيَهُم(٣) وإنْ كانَ أقلُّهم
فِقْهاً))(٤).
(١) في الأصل: ((جُلُوس)) وهو خطأ. (٢) في الأصل: ((استخفاف)).
(٣) تصحف في الأصل إلى: ((ليفتيهم))، والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد ضعيف. شريك بن عبدالله

= سىء الحفظ، وكذا عثمان بن عمير، وكنيته أبو اليقظان. وعُلَّيْم - بالتصغير -: هو
الكندي الكوفي، روى عن سلمان الفارسي، وعبس الغفاري، وذكره ابن حبان في
(ثقات التابعين)) ٢٨٦/٥، وأورده البخاري في ((تاريخه)) ٨٨/٧، وابن أبي حاتم
٤٠/٧، فلم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
ورواه أحمد ٤٩٤/٣، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن)) ١/٣٥، وابن أبي شيبة
٢٤٠/١٥ عن يزيد بن هارون، بهذا الإِسناد.
ورواه أبو عبيد، والبزار (١٦١٠)، والطبراني في ((الكبير)) ١٨/(٥٨) و(٥٩)
و(٦٠) من طرق عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، به.
ورواه الطبراني ١٨/(٦٢) عن أحمد بن عليّ الأبّار، حدثنا عليّ بن خشرم،
حدثنا عيسى بن يونس، عن موسى الجهني، عن زاذان الكندي، عن عابس الغفاري
قال: سمعت رسول اللّه ◌َ﴿ يتخوف على أمته ست خصال: ((إمرة الصبيان، وكثرة
الشرط، والرشوة في الحكم، وقطيعة الرحم، واستخفاف بالدم، ونشو يتخذون القرآن
مزامير يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أفضلهم يغنيهم غناءً)). وهذا إسنادٌ صحيح،
أحمد بن علي الآبار ثقة حافظ، ومن فوقه ثقات من رجال الصحيح، وذكره الحافظ
في ((الإصابة)) ٢٣٤/٢ وزاد نسبته إلى ابن شاهين، وأورده الهيثمي في ((المجمع))
٢٤٥/٥، وقال عن أحد إسنادي الطبراني: ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبري
١٨/(٦٣) من طريق آخر عن موسى الجهني، به.
ورواه الطبراني ١٨/(٥٧) من طريقين عن عبدالله بن صالح، حدثني يحيى بن
أيوب، عن عبيدالله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن
عابس الغفاري .
وله شاهد من حديث عوف بن مالك الأشجعي، رواه أحمد ٢٢/٦، وابن أبي
شيبة ٢٤٤/١٥ عن وكيع، عن النهاس بن قهم، عن شداد أبي عمار الشامي، قال:
قال عوف بن مالك.
٦
=

وآخر من حديث الحكم بن عمرو الغفاري عند الطبراني (٣١٦٢)، والحاكم
٤٤٣/٣ من طريق الحسين بن إسحاق التستري، حدَّثنا عبدالله بن معاوية الجمحي،
حدثنا جميل بن عبيد الطائي، حدثنا أبو المعلى، عن الحكم بن عمرو الغفاري، وزاد
الحاكم بين أبي المعلى وبين الحكم ((الحسن)).
وقوله: ((ولا يُرَدّ فيستعتب)) أي: لا يرد إلى الدنيا بعد الموت فيرجع عن الإساءة
ويطلب الرضا، يقال: استعتب: طلب أن يرضى عنه، كما تقول: استرضيته
فأرضاني .
وفي الأثر: ((ولا بعد الموت من مُستعتب)) قال ابن الأثير: أي: ليس بعد الموت
من استرضاء، لأن الأعمال بطلت، وانقضى زمانها، وما بعد الموت دار جزاءٍ لا
دار عمل.
وقوله: ((نشوا) كذا جاء في الرواية بالتسهيل، وقال في ((اللُّسان)): ونشأ يَنْشَأُ نَشْأَ
ونشوءاً ونشاءً: ربَا وشبَّ، ونَشَأْتُ فِي بَنِي فُلان نَشْأَ ونُشُوءاً: شَبَيْتُ فيهم ... وقيل:
الناشِىُ فُوَيْقَ المحتلم، وقيل: هو الحدث الذي جاوز حدَّ الصِّغْرِ، وكذلك الأنثى
ناشِىءٌ بغير هاءٍ أيضاً، والجمع منهما نَشَأ مثلُ طالِبٍ وطَلَبٍ، وكذلك النشء مثل
صاحب وصَحْبٍ، قال نُصَيْب في المؤنث:
وَلَوْلا أَنْ يُقَالَ صَبَا نُصَيْبٌ لَقْت بِنَفْسِيَ النَّشَأُ الصِّغَارُ
وفي الحديث: ((نشأ يتخذون القرآن مزامير)) يروى بفتح الشين جمع ناشىء
كخادم وخدم يريد جماعةٌ أحداثاً، وقال أبو موسى: المحفوظ بسكون الشين، كأنه
تسمية بالمصدر. وقد شرح الحديثَ العلّامةُ المناوي في ((فيض القدير))
١٩٤/٣-١٩٥ فقال: إمارةُ السفهاء: بكَسْر الهمزة أي: ولاَيتُهم على الرِّقَاب لما
يَحْدُثُ منهم من العُنْف والطيش والحقّة جمع سفيه وهو ناقص العقل، والسَّفه كما
في ((المصباح)) وغيره نقْصُ العقل.
وكثرة الشرط: بضمٍّ فسكونٍ أو فتحٍ : أعوان الوُّلاَةِ .
٧

١٣٩٠ - حدثنا فهدُ، قال: حدثنا محمدُ بنُ سعيدٍ بن الأصبهانيِّ،
قال: حدثنا شريكُ، عن أبي اليقظانَ، عن زَاذانَ
عن عُليمٍ، قال: كنتُ مع عَبْسِ الغِفَاريُّ على سطحٍ فرأى قوماً
يتحمَّلُون من الطَّاعونِ فقالَ: ما هؤلاءِ؟ قِيلَ: يتحملونَ من الطَّاعونِ،
قالَ: يا طاعونُ خُذْنِي، يا طاعونُ خُذْنِي، فقالَ ابنُ عمٍّ لَهُ ذو صحبةٍ
لم تتمنَّى المَوْتَ، وقد سمعتُ رسولَ الله وَّمَ يقولُ: ((لا يَتَمَنَّى أحدُكُم
الموتَ، فإنَّه عندَ انقطاع عملِهِ))؟ فقال لهُ عبسٌ: سمعتُ رسولَ الله
وَله يقولُ :.. ثمَّ ذكرَ بقيّة الحديثِ الأوَّلِ (١).
= والمراد: كثرتهم بأبواب الأمراء والولاة، وبكثرتهم يكثر الظلم والواحد منهم:
شُرْطِيّ، كَتُرْكِيّ، أو شُرَطَيّ كجُهَنِيّ، سمِّي به، لأِنَّهم أعلموا أنفسهم بعلامات
يُعرفون بها والشّرط: العلامة.
وبيع الحكم: بأخذ الرشوة عليه، فالمراد به هنا معناه اللّغوي، وهو مقابلة شيءٍ
بشيءٍ .
واستخفافاً بالدم: أنْ بحقُّه بألا يقتص من القاتل.
وقطيعة الرحم: أي القرابة بإيذائه أو عدم إحسان أو هجر وإبعاد.
ونشأ يتخذون القرآن: أي قراءته مزامير جمع مزمار وهو بكسر الميم آلة الزمر
يتغَّوْن به، ويتمشدقون. ويأتون به بنغمات مطربة، وقد كثر ذلك في هذا الزمان،
وانتهى الأمر إلى التباهي بإخراج ألفاظ القرآن عن وضعها، يقدمون أحدهم ليغنيهم
بالقرآن بحيث يخرجون الحروف عن أوضاعها، ويزيدون، وينقصون لأجل موافاة
الألحان، وتوفر النغمات، وإن كان المقدمُ أقلَّهم فقهاً إذْ ليس غرضُهم إلَّ الالتذاذ
والاستمتاع بتلك الألحان والأوضاع.
(١) هو مكرر ما قبله وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) ١٨/(٦١) عن علي بن
عبدالعزيز، عن ابن الأصبهاني بهذا الإِسناد.
٨

فقالَ قائلٌ: كيفَ تقبلونَ هُذا عن رسولِ الله ◌َّه وقد رَوَيْتُمْ لِنَا
قبلَه عنه وَّ﴿ فيما تقدمَ من هذا الكتاب (١) أَنَّه قالَ: ((ما يأذنُ الله عزَّ
وجلَّ لِشَيءٍ ما يَأْذَنُ لنبيِّ يَتَغَنَّى بالقرآنِ))، وفي ذلك حضُّ النَّاسِِ على
تحسين أصواتِهِم بالقُرآنِ، وإذا كانَ ذلكَ ممَّا يُؤْمِّرُونَ به في أَنْفُسِهم،
كانَ دَلَيلاً على إباحَتِهِم استماعَ ذُلكَ من غيرِهم، كمثلِ ما قد رُوِي
عن عُمَرَ بنِ الخطابِ رضِيَ الله عنهُ:
فذكرَ ما قد حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، أنَّ أبا سلمةً أخبرَهُ قال:
كان عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه إذا رأى أبا موسى، قال:
ذكِّرْنا يا أبا موسى، فَيَقرأْ عندَهُ(٢)، وكان أبو موسى حسنَ الصوتِ.
قال: وفيما رَوَيْتُموه في هذا البابِ ما يخالفُ ذُلكَ.
كان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ الذي في الحديثِ
الذي رويناهُ عن رسولِ الله ◌َ ﴿ في هذا الباب من المبادرةِ بالموتِ
النَّشْوَ المذكورَ فيه، إنَّما هو لاتخاذِهم أئمةً في الصلاةِ لأصواتِهم،
(١) رقم (١٣٠٢).
(٢) رجاله ثقات رجال الشيخين. إلّ أن أبا سلمة - وهو ابن عبدالرحمن بن
عوف - لم يسمع من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأخرجه ابن سعد ١٠٩/٤ عن عثمان بن عمر، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن))
١/٣٤ عن عبدالله بن صالح، عن اللَّيث بن سعد، كلاهما عن يونس بن یزید
الأيلي، بهذا الإِسناد.
٩

وليسوا للإِمامَةِ بموضعٍ إذ(١) كانَ السنةُ منه ◌ََّ أنْ يُؤمَّ القومَ أقرَؤُهم
لكتاب الله، فإن كانُوا في القراءةِ سواءً، فأعلَّمُهم بالسنَّةِ، فإن كانوا
في السنَّةِ سواءً، فأقدمُهم هجرةً، فإنْ كانوا في الهجرةِ سواءً، فأقدمُهم
سنّاً. وسنذكرُ ذلكَ بإسنادِهِ في موضعِهِ فيما بعدُ من كتابنا هذا إن شاءَ
الله .
فكانت سنّةُ رسولِ الله وَّهِ أَنْ يُؤَمَّ القومَ مَنْ هذه صفتُهُ، كانَ معهُ
حُسْنُ صوتٍ، أَوْ لَمْ يكنْ معه حسنُ صوتٍ، وكان مَنْ رَغِبَ عن ذلك
إلى ما سواهُ من حُسن الصوتِ راغباً عن سنَّةِ رسولِ اللهِ وَّةَ، مذموماً
في اختيارِهِ ممِّن يجبُ أنْ يُباشِرَ الموت أمثاله، وليسَ ذلك ممَّن يُحسِّنُ
صوتَهُ بالقرآنِ لِيرقَّ لهُ قَلْبُه، أو ليرقَّ لهُ قلوبُ سامِعِيه منهُ في شيءٍ. ولو
اجتمعَ اثنانِ في القراءَةِ في كتاب الله، فكانا بذلكَ مستحِقَّيْن للإِمامةِ
من حيثُ ذَكَرَ رسولُ اللهِ وَّ استحقاقَهُما لها به، ما كانَ مكروهاً أن
يُقَدَّمَ لها منهما أحسنُهُما صوتاً على الذي ليسَ معه حسنٌ صوتٍ، ولا
يكونُ مَنْ فَعَلَ ذُلك معنّفًا.
فبانَ بحمدِ الله عز وجل وعونه أنْ لا تضادَّ في شيءٍ ممَّا توهَّمَهُ
هذا الجاهلُ في أحاديثِ رسولِ اللهِ وَّ وكيف يكونُ ذلكَ، وقد وصفَهُ
الله عز وجل بأنَّه لا ينطِقُ عن الهَوَى إنْ هو إلَّ وحيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شدِيدُ
القُوَى. والله نسألُهُ التوفيقَ.
(١) في الأصل: ((إذا)).
١٠

٢١٩ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ الله ◌ِليدز
من قولِهِ: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطْرَةِ)) ممَّا
يَنْفَرِدُ به بعضُ رواتِهِ بأنَّه قالَ: ((فما يزالُ
عليها حتى يُعْرِبَ عنه لسانُه، فَأَبَواهُ
بُهَوِّدانِهِ ویُنُصِّرانِهِ ونُشْرِکانِهِ»
١٣٩١ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ،
قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، أن أبا سلمةَ بنَ
عبدِ الرحمن أخبرهُ
أنَّ أبا هُرِيرةَ قالَ: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَا مِنْ مولودٍ إلَّ يُولَدُ على
الفِطْرَةِ))، ثم يقولُ: ((اقرَؤُوا ﴿فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ
لِخَلْقِ الله ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾(١) [الروم: ٣٠].
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه مسلم (٢٦٥٨) من طريقين عن عبدالله بن وهب، بهذا الإِسناد.
ورواه البخاري (١٣٥٩) و(٤٧٧٥) عن عبدان، عن عبد الله، عن يونس، به.
ورواه ابن حبان (١٢٨) من طريق مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن
الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، وانظر تمام تخريجه فيه.
قلت: وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة: الإِسلام، قال ابن عبدالبر: وهو =
١١

١٣٩٢ - حدثنا الربيعُ بنُ سليمانَ الجيزيُّ، قال: حدثنا أسدُ بنُ
موسى، قال: حدثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةً
عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على
الفِطْرَةِ، فَأَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِه أو يُمَجِّسانِهِ، كمثلِ البهيمةِ تُنْتَجُ
البهيمةَ، هل يكونُ فيها جَدْعاءُ))(١).
١٣٩٣ - حدثنا محمدُ بنُ خُزيمةَ، قال: حدثنا معلَّى بنُ أسدٍ،
قال: حدثنا عبدُالعزيزِ بنُ المختارِ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ ، عن أبيهِ
= المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله: ﴿فِطْرَةً
اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾: الإِسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم:
﴿فِطْرَةَ اللهِ التّي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم
والضحاك وقتادة في قوله عز وجل: ﴿فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، قالوا: فِطرةُ
الله: دين الإِسلام، وبحديث عياض بن حمار عند مسلم (٢٨٦٥) عن النبي ◌َّ
فيما يرويه عن ربه: ((إنِّي خلقت عبادي حنفاء كُلَّهُم، وإنهم أتتهم الشياطين،
فاجتَالتهم عن دينهم)) الحديث، وقد رواه غيره، فزاد فيه ((حنفاء مسلمين)) وهذا
صريح في أنه خلقهم على الحنيفية، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك.
ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿فطرة الله﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر
نبيه بلزومها، فعلم أنها الإِسلام.
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أسد بن موسى، وهو ثقة.
ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبدالرحمن.
وأخرجه أحمد ٣٩٣/٢، والبخاري (١٣٨٥) من طريقين عن ابن أبي ذئب بهذا
الإسناد. وانظر ما قبله وما بعده.
١٢

عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ ◌َّهِ، قالَ: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على
الفِطْرَةِ، فَأَبُواهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنصِّرانِه أو يُشَرِّكانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ ويُكَفِّرانِهِ)) قِيلَ:
يا رسولَ الله: الذي يموتُ حينَ يُولَدُ؟ قال: ((الله أعلمُ بما كانُوا
عامِلينَ))(١).
قال أبو جعفرٍ: فكل ما روينا من هذه، فمرجِعُهُ إلى أبي هريرةَ
١٣٩٤ - وقد حدثنا يزيدُ بنُ سِنانٍ، قال: حدثنا عمروبنُ
الربيعِ بنِ طارقٍ الهلاليُّ، قال: حدثنا السَّرِيُّ بُنُ يحيى، عن الحسنِ،
قال :
حدث الأسودُ بنُ سريعٍ - وكان أوَّلَ مَنْ قَصَّ في هذا المسجدِ -
قال: غزوتُ مع رسولِ الله ◌َ ﴿ أربعَ غَزَواتٍ، فتناولَ أصحابُهُ الذُّرِّيَّةَ
بعدما قَتَلُوا المقاتِلَة، فبلَغَ ذُلكَ رسولُ اللهِ وَّةِ، فاشتدَّ ذلكَ عليهِ،
فقالَ: ((ألا ما بالُ أقوامٍ قَتَلوا المقاتِلَةَ، ثم تناولوا الذُّرِّيَّةَ)) فقال رجلٌ:
يا رسولَ الله أليسُوا أبناءَ المشركينَ، فقالَ رسولُ الله ◌ٍَّ: «إنَّ أخيارَكُم
أبناءُ المشركينَ، أَما إنَّه ليستْ تُولَدُ نسمةٌ إلا وُلِدَتْ على الفطرة، فما
يزالُ عليها حتَّى يَبينَ عنها لِسانُها، فَأَبُواها يُهوِّدانِها أو يُنْصِّرانها))(٢).
(١) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سهيل بن
أبي صالح، فقد روى له البخاري مقروناً وتعليقاً، واحتج به مسلم.
ورواهُ ابنُ حبان (١٢٩) من طريق يحيى بن سعيد، عن سهيل بن أبي صالح،
بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات، وقد صرح الحسن بالسماع من الأسود بن
سريع عند المؤلف وغيره.
=
١٣

١٣٩٥ - حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
السَّرِيُّ بنُ يحيى، ثم ذكرَ بإسنادِهِ مثلَه(١).
قال أبو جعفرٍ: غير أنَّا لمَّا تأملْنَا هذا الحديثّ وجدنا فيهِ، قالَ:
حدَّث الأسودُ بنُ سريعٍ ، قال: كنَّا في غزاةٍ لنا، فَأَصَبْنا وقتلْنا في
المشركينَ حتى بَلَغَ بهِمُ القتلُ إلى أنْ يَقْتُلُوا الذُّرَّةَ، فبلَغَ ذُلك رسولَ
اللهََِّ فقالَ: ((ما بالُ أقوامٍ بلغَ بِهِمُ القَتْلُ إلى أن قَتَلوا الذُّرِّيَّةَ، ألا
لا تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً، ألا لا تَقْتُلُنَّ ذُرِّيَّةً)) قِيلَ: لِمَ يا رَسولَ الله؟ أليسُوا أولادَ
المشركينَ؟ قالَ: ((أَوَلَيْسَ أخيارُكُم أولادَ المشركينَ)).
١٣٩٦ - حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونسَ، قال: حدثنا
حسينُ بنُ يونسَ الزََّّاتُ - قال أبو جعفرٍ: وهو الكوفيُّ وهو مشهورٌ ثِقَةٌ -.
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، قال: حدثنا الأشعثُ، عن
الحسن
أنَّ الأسودَ بنَ سريعٍ حدَّثَهم أنَّ رسولَ الله وَ بعثَ جَيْشاً، فَأَقْرَطوا
في قتلِ المشركينَ حتَّى تَنَاولُوا الذُّرِّيَّةَ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما بالُ أقوامٍ
أفرطوا في القَتْلِ حَتَّى تناولُوا الذُّرِّيَّةَ)) فقالوا: يا رسولَ الله أَوَلِيسُوا أولادَ
المشركينَ؟ فقالَ النبيُّ نَّهِ: ((أوليسَ خِيارُكُم أولادَ المشركينَ))؟(٢).
= ورواه البخاري في (التاريخ الكبير)) ٤٤٥/١، و((الصغير)) ٨٩/١، وأحمد
٢٤/٤، وصححه ابن حبان (١٣٢) من طرق عن السري بن يحيى، بهذا الإِسناد.
وانظر تمام تخريجه عند ابن حبان.
(١) صحيح، وهو مكرر ما قبله.
(٢) إسناده صحيح، رجاله ثقات، فقد صرح الحسن بسماعه من الأسود، ورواه =
١٤

فبانَ لنَا بهذين الحديثين أنَّ الحسنَ حدَّثَ بما فيهما، وبِمَا في
الحديثِ الذي قبلَهُما من حديثِ الأسودِ، عن الأسودِ سماعاً.
١٣٩٧ - وقد حدثنا الهرويُّ محمدُ بنُ عبدِ الرحيم ، قال: حدثنا
آدمُ بنُ أبي إياسٍ ، قال: حدثنا شيبانُ، عن قتادةَ، عن الحسنِ
عن الأسودِ، عن رسولِ اللهِ وَِّ قالَ: ((كلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ على الفِطْرَةِ
حتى يُعرِبَ عنها لِسانُها، فأَبَواها يُهوِّدَانها ويُنَصِّرانِها))(١).
قال أبو جعفرٍ: فتأملنا ما قيلَ في تأويلِ هذا الحديثِ.
فوجدنا عليَّ بنَ عبدِ العزيز قد أجازَ لنا عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بنِ
سلام، قال: سألتُ محمدَ بنَ الحسن، عن تفسير هذا الحديث - يعني
حديث أبي هريرةَ الذي ذكرنَاهُ في أَوَّل هذا الباب - فقالَ: كانَ ذلك
في أوَّلِ الإِسلامِ قبلَ أن تَنْزِلَ الفرائضُ، وقبلَ أن يؤمرَ المسلمونَ
بالجهادِ .
قال أبو عبيدٍ: كأنَّهُ يذهبُ إلى أنَّه لو كانَ يُولَدُ على الفطرةِ ثمَّ
ماتَ قبلَ أن يُهوِّدَهُ أبواه أو يُنصِّرانِهِ ما وَرِثُهُ، لأَنَّه مسلمٌ وهما كافِرَانِ،
ولما جازَ مع ذُلكَ أن يُسبَى، فلما نزَلَتِ الفرائضُ وجرت السُّنَنُ بخلافٍ
= الطبراني في «الكبير)) (٨٣٠) من طريقين عن أشعث بن عبد الملك بهذا الإِسناد.
(١) صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح.
وأخرجه أحمد ٤٣٥/٣، ٢٤/٤، والطبراني في ((الكبير)) (٨٣٢) و(٨٣٣)،
والحاكم ١٢٣/٢، والبيهقي ١٣٠/٩ من طريقين عن قتادة بهذا الإسناد، وصححه
الحاكم، ووافقه الذهبي .
١٥

ذلك، دلَّ على أنَّه مولودٌ على دينِهما.
قال أبو عبيدٍ: وأمَّا عبدُالله بن المبارك، فبلغَنِي أَنَّهُ سُئِلَ عن تأويلِهِ،
فقال: تأويلُهُ الحديثُ الآخرُ أنَّ النبيَّ وََّ سُئِلَ عن أطفالِ المشركينَ،
فقالَ: ((الله أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ)) يذهبُ إلى أنَّهم يولَدُون على (١)
ما يَصِيرُون إليهِ من إسلامٍ أو كفرٍ، فمنْ كانَ في علمِ الله عز وجل
أَنَّه يصيرُ مُسلِماً، فإنَّه يولدُ على الفطرةِ، ومنْ كانَ علمُه فيه أنَّه يصيرُ
كافِراً يموتُ كافراً .
قال أبو عبيدٍ: وأحدُ التفسيرين قريبٌ من الآخر(٢).
(١) في الأصل: ((إلى)) والمثبت من ((غريب الحديث)).
(٢) ((غريب الحديث)) ٢١/٢-٢٢ لأبي عبيد، قال ابن قتيبة في ((إصلاح غلط
أبي عبيد في غريب الحديث)): وهو من أَجُلُّ كتب ابن قتيبة، قد استدرك فيه على
أبي عبيد في نيٍِّ وخمسين موضعاً ص١١ -١٣: لم أر ما حكاه أبو عبيد عن
عبدالله بن المبارك، ومحمد بن الحسن مقنعاً لمن أراد أن يعرف معنى الحديث،
لأنهما لم يزيدا على أن ردًّا على من قال به من أهل القدر، والحديث صحيح،
لا يدفع، ولا يجوز أن يكون منسوخاً لأنه خبر، والنسخ إنما يقع في الأمر والنهي،
ولا يجوز أن يُراد به بعض المولودين دون بعض، لأن مخرجه مخرج العموم، ولا
أرى معنى الحديث إلَّ ما ذهب إليه حماد بن سلمة فإنَّه قال فيه: هذا عندنا حيث
أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم ذكره الحجاج عنه يريد حين مسح الله ظهر
آدم عليه السلام، فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر، وأشهدهم على
أنفسهم: أَلَسْتُ بِرَبَّكُم؟ قالوا: بلى، فلستَ واجداً أحداً إلَّ وهو مُقِرَّ بأن له صانعاً
ومدبِّراً وإنْ سمَّاه بغير اسمه، أو عبد شيئاً دونه لِيقرِّبه منه عند نفسه، أو وصفه بغير
صفته، أو أضاف إليه ما تعالى عنه عُلوّاً كبيراً، قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ =
١٦
ا

قال أبو جعفرٍ: فتأملنا ما قد ذكرناهُ عن محمدِ بن الحسن مما جَنَّحَ
إليهِ أبو عبيدٍ، فوجدنا في حديثِ الأسودِ بن سريعِ الذي روينَاهُ ممَّا
قد دَفَعَ ذلكَ، لأنَّ محمداً أخبَرَ أنَّ ذلكَ القَوَلَ قبلَ أن يُفْتَرَضَ الجهادُ،
وفي حديثِ الأسودِ أنَّه كان في غزوةٍ من غَزَواتِ رسولِ اللهِ وَّ التي
هِي الجهادُ، ثمَّ لمَّا اختَلَفُوا في معنى هذا الحديثِ على ما قد ذكرنا
وقالُوا في تأويلِهِ ما قد وصفنَا بعدَ جعلنا إِيَّهُ كلَّه حديثاً واحداً، وأثبتْنا
فيه قولَه ﴿: ((فما يزالُ عليها حتَّى يُعربَ عنهُ لِسانُهُ)) اعتبرنَا ما جاءَ
من ذكرِ الفطرةِ في كتاب الله عزَّ وجلَّ، فوجدنَا الله عزَّ وجلَّ قد قالَ
في كتابِهِ: ﴿الحَمْدُ للهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أَيْ:
خالقَ السماواتِ والأرض . وكذلكَ حدثنا وَلَّدٌّ النَّحْوِيُّ، عن
= مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولِنَّ الله﴾ فأراد عليه السلام أنّ كل مولود في العالم على ذلك العهد
وعلى ذلك الإِقرار الأول وهو الفطرة ومعنى الفطرة: ابتداء الخلقة، ومنه قول الله عزّ
وجلّ: ﴿فاطِرُ السماواتِ والأرضِ﴾ أي: مبتديهما وهي الحنيفية التي وقعت لأول
الخلق وجرت في فطر العقول، ثم يُهُوِّد اليهود أبناءهم، ويُمجِّس المجوسُ أبناءهم
- أي يعلِّمونهم ذلك -، وليس الإقرار الأول مما يقع به حكمٌ أو عليه ثواب، ألا ترى
أن الطفل من أطفال المشركين ما كان بين أبويه، فهو محكوم عليه بدينهما، لا
يُصلَّى عليه إنْ مات ثم إنْ خرج عن كنفهما إلى مالك من المسلمين فيحكم عليه
بدين مالكه ويُصلَّى عليه إنْ مات ومِنْ وراء ذلك علم الله فيه، ويُروى عن الأوزاعي
أيضاً في تفسيره : هذا الحديث شبيه بقول حماد بن سلمة، وفرق ما بيننا وبين أهل
القدر في هذا الحديث: أنّ الفطرَة عندهم الإِسلام، وإليه ذهب أبو عبيد ومن سأله
عنه، فاضطرب عليهم الأمرُ، وعسر المخرج، والفطرة عندنا: ((الإِقرار بالله والمعرفة
به لا الإِسلام)».
١٧

المَصَادِريٌّ، عن أبي عبيدةً
وقال عزَّ وجلَّ فيه أيضاً: ﴿وَمَا لِي لَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس:
٢٢]، أي: الذي خلقَنِي(١). وقال عز وجلَّ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ
النَّاسَ عليهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: مِلَّةَ الله التي خَلَقَ الناسَ عليها.
وكذلك أيضاً حدثنا ولَّدُ النَّحْوِيُّ، عن المَصَادِريِّ، عن أبي عُبيدةَ في
أشياءَ من هذه المعاني(١).
وكانت الفِطْرَةُ فِطرَتَين: فِطرةً يُرادُ بها الخِلقة التي لا تَعْبُّدَ معها،
وفطرةً مَعَها التعبُّدُ المستَحِقُّ بفعلِهِ الثوابَ والمُستوجِبُ بتركِهِ العِقَابَ،
وكان قولُهُ وَّ: ((كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ» يريدُ الفطرةَ المتعبد أهلُها
المثأبُونَ والمُعاقبُون، فكان أهلُها الذين هم كذلك ما كانُوا غيرَ بالغينَ
ممن خُلِقَ للعبادَةِ كما قال عز وجل: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إلَّ
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وإن كانُوا قبلَ بلوغِهم مرفُوعاً عنهم الثوابُ
والعقابُ غيرَ أنَّهم إذا عبَّرَتْ عنهم ألسنتُهم بشيءٍ من إيمانٍ أو من كفرٍ
كانُوا من أهلِهِ، وإنْ كانُوا غيرَ مُثابينَ على محمودِهِ، وغيرَ معاقَبِينَ على
مذمومِهِ، كما قالَ رَّهِ: ((فما يزالُ عليها حتى يُعْرِبَ عنه لسانُهُ)) ولذلك
(١) ((مجاز القرآن)) ١٢٢/٢، ونصه فيه: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾،
أي: صبغة الله التي خلق عليها الناس، وفي الحديث: ((كُلُّ مولود يولد على الفطرة
حتى يكون أبواه الذيْن يُهَوِّدانه ويُنصِّرانه)): أي: على الملة والصبغة، وهي واحدة،
وهي العهدُ الذي كان أخذه الله منهم، ونصبوها على المصدر، وإن شئت فعلى
موضع الفعل، قال:
إِنَّ نِزاراً أصبحت نِزاراً
دعوةَ أبرارٍ دعوا أبراراً
١٨

قَبِلَ ﴿ إسلامَ من لم يبلُغْ، وأدخَلَهُ في جملَةِ المسلمينَ، وفي ذُلكَ
ما يوجبُ خروجَ من كانَ من المسلمينَ بالرَِّّةِ في تلكَ الحالِ من
الإِسلام حتّى يستحِقَّ بذلكَ المنعَ من الميراثِ من أبَوَيْهِ المسلِمَيْن،
وقالَ بَّهِ: ((فأبواهُ يُهوِّدَانِهِ أو يُنْصِّرانِه أو يُشَرِّكانِهِ) أي: بتهويدِهما أو
بنصرانِيَّتِهما أو بشركِهما، فيكونُ سَبْياً إنْ كانَ أبواه حَرْبيين، ومأخوذاً
بعدَ بلوغه عاقلاً بالجزيةِ إنْ كان أبواهُ ذِمِّيَّين. فهذا عندنَا تَأَويلُ ما قد
رويناهُ. والله نسألُهُ التوفيقَ.
١
١٩

٢٢٠ - بابُ بيانِ مشكل ما رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِ وَل
في إباحتِهِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ بالِفِضَّةِ
١٣٩٨ - حدثنا حجاجُ بنُ عِمرانَ، قال: حدثنا هِلالُ بنُ يحيى،
قال: حدثنا أبو عَوانةَ، عن قتادة
عن أنسٍ، قال: كانتْ قبائِعُ سيفِ النبيِّي لَّهَ من فِضَّةٍ (١).
١٣٩٩ - حدثنا أبو أميةَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ عاصمِ الكِلابيُّ،
قال: حدثنا همَّامٌ، عن قتادةً
عن أنسٍ ، قال: كان نَعْلُ سيفِ رسول الله ◌َـمْ فِضَّةً وقَبِيعَتُهُ فِضَّةً،
(١) حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات غيرَ هلال بن يحيى، وهو البصري
المعروفُ بهلال الرأي، قال ابن حبان في ((المجروحين)) ٨٨/٣: كان يُخطىء كثيراً
على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاجُ به إذا انفرد، وأورد حديثه هذا عن عبدالله بن
قحطبة، عنه .
قلت: ولم ينفرد بهذا الحديث كما سيأتي.
والقبائع: جمع قبيعة، قال صاحبُ ((اللسان)): وقبيعةُ السيف: هي التي تكون
على رأس قائمِ السيف، وقيل: هي ما تحت شاربي السّيف مما يكونُ فوق الغمد،
فيجيء مع قائم السّيف، والشاربان: أنفان طويلان أسفل القائم، أحدهما من هذا
الجانب والآخر من هذا الجانب. وقيل قبيعة السيف: رأسه الذي فيه مُنتهى اليد
إليه. وقيل: قبيعته: ما كان على طرف مقبضه من فضة أو حديد.
٢٠