النص المفهرس

صفحات 321-340

قال أبو جعفر: وآيةُ الميراثِ المذكورةُ في هذا الحديثِ هي قولُ
الله عز وجل: ﴿يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكرِ مِثْلُ حظِّ الْأنْشَيْنِ فَإِنْ
كُنَّ نِساءً فوقَ اثنَتَيْنَ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تركَ﴾ الآية.
١٢٨٦ - حدثنا يونس وبحر بن نصر، قالا: حدثنا عبدُ الله بنُ
وهب، قال: وأخبرني داودُ بنُ قيسٍ ، عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ
عقيلِ بنِ أبي طالبٍ
عن جابر بن عبدِ الله أنَّ امرأةً سعدٍ بن الربيع ، قالتْ: يا رسولَ
الله، إنَّ سعداً هَلَكَ، وتركَ ابنَتَيْهِ وأَخاهُ، فَعَمَدَ أخوهُ، فَقَبَضَ ما تركَ
سعدٌ، وإنما تُنْكَحُ النساءُ على أموالِهِنَّ، فلمْ يُجِبْها في مجلسِهِ ذلكَ،
ثم جاءتْهُ فقالتْ: يا رسولَ الله، ابنتَا سعدٍ، فقالَ رسولُ الله ◌ِلَّه:
((ادْعِى أخاهُ)) فجاءَ، فقالَ: ((ادفع إلى ابنتيهِ الثُّلثينِ، وإلى امرأَتِهِ الثُّمُنَ
ولَكَ ما بَقِيَ))(١).
قال أبو جعفرٍ: فتأمَّلنا قولَه عز وجلَّ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً فوقَ اثْنَتَيْنِ
فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تركَ﴾ فكانَ ظاهرُهُ على أنَّ الثلثين في هذهِ الآيةِ إنما جُعِلَّ
لِمَنْ فوقَ الاثنتينِ من البناتِ لا الاثنتين منهنَّ، وكانَ ذُلكَ مما قد تعلَّقَ
به قومٌ وذهبُوا إلى ما يُروى عن عبدِ الله بن عباسٍ في الاثنتين من
البناتِ أنَّ لهما النصفَ من ميراثِ أبيهما كما يكونُ للواحدةِ من البناتِ
= ورواه أبو داود (٢٨٩١) من طريق بشر بن المفضل، وابن ماجه (٢٧٢٠) من
طريق سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به، لكن وقع في
حديث بشربن المفضل أن والد البنتين هو ثابت بن قيس، قال أبو داود: أخطأ بشر
فيه، وإنَّما هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قُتِلَ يومَ اليمامة.
(١) ورواه أبو داود (٢٨٩٢) عن ابن السرح، عن ابن وهب، عن داود بن قيس
وغيره من أهل العلم، بهذا الإِسناد.
٣٢١

من ميراثِ أبيهما، وأنَّ الثُّلثين إنما يَستحقُّ في ذلك من البناتِ مَنْ
كان عدَدُهُ فوقَ الاثنتين ثلاث أو أكثر مِنْ ذلكَ، وهذا قولٌ لم نَجِدْهُ
عند أحدٍ من أصحاب رسولِ الله ◌ََّ سوى عبدِ الله بن عباسٍ.
ووجدنا قولَ فقهاءِ الأمصارِ من بعدِ عبدِ الله بن عباسٍ إلى يومنا هذا
على خلافِ ما رُوِيَ عن ابن عباسٍ فيه، وكانَ قولُ الله عز وجل:
﴿فَوقَ اثْنَين﴾ في هذا عندهم في معنى: فإنْ كنَّ نساءً اثنتين، وقولُه:
﴿فوقَ﴾ صلةٌ كما قالَ عز وجل: ﴿فاضْربُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:
١٢] في معنى: فاضربُوا الأعناقَ، وقال: ﴿فَإِذا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] وهي الأعناقُ، و((فوق)) صلةٌ، لأنَّ ما فوقَ
الأعناقِ هو عظامُ الرأس ، وليست الأعناقُ منها في شيءٍ، والضربُ
المرادُ بذلك المستعملُ فيه هو ضَربُ الأعناقِ، لا مَا سواها.
ووجدنا ما قد دلَّ على مَا قَالُوا من تورِيثِهم البنتينِ الثُّلُثَيْنِ ما في
آخر السُّورةِ المذكورةِ فيها هذه الآيةُ، وهي سورةُ النّساءِ، وهي قولُه
عز وجل: ﴿يَستَفْتُونَك قُل الله يُفْتِيكُمْ في الكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤُّ هَلَكَ لَيْسَ
لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿فَإِنْ كَانَتَا
اثنتَيْن فَلَهُما الثَّلثانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فكانَ عزَّ وجلَّ قد جعل
للأختِ الواحدةِ من ميراثِ أختِها في هذه الآيةِ، كما جعلَ للبنتِ
الواحدةِ من ميراثِ أبيها في الآيةِ الأخرَى، وكانت البنتُ أُوْكَدَ نسباً من
أبيها من الأختِ من أختِها، ثم قالَ عز وجل: ﴿وإنْ كانتَا اثنتين﴾ يعني
من الأخواتِ: ﴿فَلَّهُما الثَّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ يعني ما تَرَكَهُ أخوهُمَا، فلما
كانَ للاثنتين من الأخواتِ الثلثانِ ممَّا تركهُ أخوهُما كانت الاثنتانِ من
البناتِ فيما تركَهُ أبوهُما بذلكَ أوْلَى، واستحقاقُهما إِيَّهُ منه أُحْرَى، والله
نسألُهُ التوفيقَ.
٣٢٢

٢٠٢ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله وَلَه من
قولِهِ: ((مَنْ أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين
يريدُ بها قتلَهُ فقد وَجَبَ دَمُهُ))
١٢٨٧ - حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ الكوفيُّ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ
أبي مريمَ، قال: حدثني سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدثني علقمةُ - يعني
ابنَ أُمِّ علقمةَ - عن أمِّهِ
عن عائشةَ، قالت: سمعتُ النبيَّ وَّ يقولُ: ((مَنْ أشارَ بحديدةٍ
إلى أحدٍ من المسلمين يريدُ قتلَهُ، فقد وَجَبَ دَمُهُ))(١).
١٢٨٨ - حدثنا يحيى بنُ عثمانَ بن صالحٍ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ
كثير بن عُفَيرِ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ بلالٍ ، عن علقمةَ بن أمِّ علقمةَ،
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أُمِّ علقمة - واسمها
مرجانة - فقد روى عنها ابنُها علقمة وبكيربن الأشج، ووثقها ابن حبان والعجلي،
وروى لها أصحابُ السنن غيرَ ابن ماجه، وعلق لها البخاري في الحيض، وروى
لها في ((رفع اليدين)).
ورواه الحاكم ١٥٨/٢-١٥٩ من طريق أبي الأحوص محمد بن الهيثم القاضي،
عن سعيد بن أبي مريم، بهذا الإِسناد في قصة مطولة. وصححه على شرط الشيخين
ووافقه الذهبي!
ورواه أحمد ٢٦٦/٦ عن عبيد بن قرة، عن سليمان بن بلال، به.
٣٢٣

عن أمِّه، عن عائشةَ، قالت: سمعتُ النبيِّ وَِّ يقولُ :... ثم ذَكَرَ
مثله(١).
١٢٨٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ
الله الهرويُّ، قال: حدثنا الفضلُ بنُ موسى السِّينانيُّ(٢)، عن معمرٍ، عن
ابن طاووس، عن أبيه
عن عبدِ الله بن الزُّبير، قالَ: قالَ رسولُ اللهِّهِ: ((مَنْ شَهَرَ سيفَهُ،
ثم وَضَعَهُ، فَدَمُهُ هَدَرُ)) قال الفضلُ: يعنِي ضَرَبَ بِهِ(٣).
١٢٩٠ - حدثنا أبو الحسين محمدُ بنُ عبدِ الله بن مخلدٍ
الأصبهانيُّ، قال: حدثنا إسحاقُ بَنُ راهَوَيهِ، قال: أخبرنا الفضلُ بنُ
موسى، قال: حدثنا معمرٌ، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه(٤).
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أم علقمة. وهو مكرر ما
قبله .
(٢) تصحف في الأصل إلى: الشِّيبانيّ.
(٣) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير إبراهيم بن عبد الله
الهروي، فقد روى له الترمذي، وابن ماجه، وهو ثقة.
ورواه الحاكم ١٥٩/٢ من طريق وهيب بن خالد، عن معمربن راشد، بهذا
الإِسناد، وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
ورواه عبد الرزاق (١٨٦٨٣)، ومن طريقه النسائي ٧/ ١١٧ عن معمر، عن
ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن الزبير. ولم يرفعه.
ورواه كذلك عبد الرزاق (١٨٦٨٤)، وابن أبي شيبة ١٢٠/١٠، والنسائي
١١٧/٧ من طريق ابن جريج، عن ابن طاووس، به. زاد عبد الرزاق، وابن أبي
شيبة ((كان طاووس يرى ذلك)).
(٤) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه النسائي ١١٧/٧، وأبو نعيم في
((الحلية)) ٢١/٤ من طريق إسحاق بن راهويه، بهذا الإِسناد.
٣٢٤

فتأملنا قولَ رسولِ اللهِوَّ في حديث عائشةَ رضي الله عنها: ((مَنْ
أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمينَ يريدُ بها قتلَه، فقد وَجَبَ دَمُهُ»،
ما ذلكَ الوجوبُ؟ فرأينا الرجلَ يقولُ: قد وجبَ دَيْنِي على فلانٍ، يعني
دَيْنَه الذي كانَ آجلاً، فحلَّ لهُ عليه بمعنى قولهِ: قد حلِّ دَيْنِي على
فلانٍ، فعقَلْنا بذلكَ أن قولَهُ في هذا الحديثِ: ((فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ)) أي:
فقد حلَّ دمُه .
فقالَ قائلٌ: فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: فقد حلَّ لَهُ دمُه؟
قيل لهُ: لأنَّ قتلَه قد حلَّ للذي أُشيرَ إليه بالحديدةِ، ولمن سِواه
من الناس مما يحاولُ دفعَه عنه ويمنعُ وقوعَ سلاحِه بهِ، أَلَا تَرَى أنَّ
الذِي أُشيرَ إليهِ بالحديدةِ لو كانَ زَمِناً أو عاجِزاً بما سِوى الزَّمَانَّةِ عن
قتلِ الذي أشارَ إليه بالحديدةِ ليقتلَهُ بها، أنَّ على غيرِهِ مَمَّن به على
ذلكَ القوةُ أنْ يقتلَهُ حتَّى لا يتمَّ ما كانَ منه من إشارتِهِ بالحديدةِ إلى
صاحبهِ ليقتلَّهُ بها، فلذُلكَ لم يقصدْ بوجوب الدم إلى الذي أشيرَ إليهِ
٤
بالحديدةِ خاصَّةً، والله أعلمُ.
وكان الأصلُ في هذا الباب أنَّ الذي أشارَ بالحديدةِ إلى صاحبهِ
قد أشارَ إليه بشيءٍ، إذا تمَّ منه فيه، وجبَ دمُهُ الذي أشارَ إليه
بالحديدةِ، فلمَّا كان دمُه يجبُ لهُ بذلك، وجبَ لهُ أخذُ دمِ الذي أشارَ
إليهِ بالحديدةِ قبلَ إمضائِهِ إِيَّها فيهِ، وهذا المعنى هو الذي كان أبو
حنيفة رحمه الله وأصحابُه يذهبونَ إليه في هذا الباب، ويُعِلُّونَه بهذه
العلّةِ التي ذكر.
كما حذَّثنا محمدُ بنُ العباسِ بن الربيعِ ، قال: حدثنا عليّ بنُ
معبدٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ الحسن، قال: أخبرنا يعقوبُ، عن أبي
حنيفةَ في رجلٍ شَهَرَ السلاحَ على المسلمينَ، قال: حَقَّ على
٣٢٥

المسلمين أن يقتلُّوه، ولا شيءَ عليهم، قال: ولَوْ كانَ الذي شَهَرَ
السلاحَ مجنوناً، فَشَهَرَهُ على رجلٍ فقتلَه ذلك الرجلُ، كان عليه ضمانُ
دِيَتِه. ولم يحك في ذلك خلافاً بينهم.
وذهبُوا إلى أنَّ المجنونَ الذي ذكرنا لو تمَّ ما أشارَ بِهِ في الذي
أشارَ بهِ إليهِ، لم يَحِلّ لهُ بهِ دمُّهُ، فلما كان دمُه لا يَحِلُّ له بإمضائِهِ
ما أشارَ بِهِ إليه فيه، كان بإشارَتِهِ إليهِ أُحْرَى أنْ لا يَحِلَّ له بذلكَ دمُه.
وأما ما في حديث ابن الزبير من قولِهِ مَّله: ((مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثم
وَضَعَهُ، فَدَمُهُ هدَرٌ) وما تَأَوَّلَهُ الفضلُ بنُ موسى في قولِهِ: ((ثم وضعَهُ))
أنَّه على وضعِهِ إِيَّاه في الذي شَهَرَهُ عليه، فذلك تأويلٌ صحيحٌ، لأَنَّه
إذا كان للذي أُشيرَ بهِ إليه قبلَ أن يُوضعَ ما أُشيرَ به إليه فيه حِلاً،
كانَ بعدَ وضعِهِ إِيَّهُ فيه أَحْرَى أنْ يَحِلَّ له ذُلكَ منهُ، والله أعلمُ.
وقد رُويَ عن أبي حنيفةَ رحمه الله في ذلك ما قد توهَّمَهُ بعضُ
الناس مخالفةً لذلك:
وهو ما قد حدَّثنا محمدُ بنُ العباس ، قال: حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ(١)،
قال: حدثنا محمدٌ، قال: أخبرنا يعقوبُ، عن أبي حنيفةً في رجلٍ
شَهَرَ سيفَهُ على رجلٍ ، فَقَطَعَ به يدَهُ، ثم قتلَهُ المشهورُ عليه السيف،
(١) علي بن معبد: هو علي بن معبد بن شداد العبدي الرقي نزيل مصر، ثقة
فقيه، روى له الترمذي والنسائي، ومحمد: هو ابن الحسن الشيباني الإِمام العلَّمة
المجتهد المحدث صاحب المؤلفات النافعة الماتعة، أخذ عنه الإمام الشافعي وقر
بعيرٍ كتباً، وقال فيما نقله عنه الذهبي في ((السير)) ١٣٥/٩: ما ناظرت سميناً أذكى
منه، ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلتُ، لفصاحته.
ويعقوب: هو الإِمام المجتهد العلامة المحدث كبير القضاة أبو يوسف يعقوب بن
إبراهيم الأنصاري الكوفي، وأبو حنيفة أبو حنيفة.
٣٢٦

قال: عليه القَوَدُ. ولم يَحْكِ في ذلكَ خِلافاً بينهم.
وليسَ هذا عندنا من مذهبهِ هذا - والله أعلمُ - خلافاً لهذا
الحديثِ، ولكنَّه على أن الشَّاهِرَ عليه السيفَ لمَّا قطعَ يدَهُ، كفَّ عَنْ
إشهارِهِ إِيَّاهُ عليه، فحَرُمَ بذلك قتلُه على الذي شَهَرَ عليه، فأما إذا كان
بعد قطعِهِ يدَهُ على ما كانَ عليه، ممَّا شَهَرَ به سيفَه عليهِ، فهو بذلك
في حكمِهِ قبلَ قطعِهِ يدَهُ وفي أسوء حالٍ منه، ومعقولٌ فيه أنَّ حِلَّ
دَمِهِ له حينئذٍ فوقَ حِلِّ دمِهِ لهُ قبلَ قطعِ يدِهِ، والله نسألُهُ التوفيقَ.
!
:
٣٢٧

:
٢٠٣ - بابُ بيانِ مشكلِ ما رُوِيَ عن رسول اللهِ وَلَ فِي
الذي عضّ ذراعَ رجلٍ فانتزَعها، فسقطتْ ثَنِيَّتًا العاضِّ
١٢٩١ - حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاءٍ،
قال: أخبرنا سعيد - وهو ابنُ أبي عَرُوبَة - عن قتادةً، عن زُرَارةَ بن أَوْفَى
عن عِمْرانَ بن حُصَين أنَّ رجلاً عضَّ آخرَ على ذراعِهِ، فَجَذَبَها،
فانْتُزْعَتْ ثنيَّتَهُ، فَرُفِعَ ذُلكَ إلى النبيِّ بِهِ، فقالَ: ((أردتَ أن تأكلَ أو
تَقْضَمَ - شكَّ سعيدٌ - لحمَ أخيكَ كما يأكلُ أو يَفْضَمُ الفَحْلُ))
فأبطلَها(١).
١٢٩٢ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى،
قال: حدثنا شعبةُ، عن قتادة، عن زرارةَ بنِ أَوْفَى، سَمِعَهُ يحدث
عن عمرانَ بن الحُصين أنَّ رجلاً عَضَّ يدَ رجلٍ - فقالَ بيده
(١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عبد الوهّاب بن عطاء
- وهو الخفاف- فمن رجال مسلم، وقد روى عن سعيد بن أبي عروبة قبل
الاختلاط.
ورواه أحمد ٤٢٨/٤ عن محمد بن جعفر، ويزيد بن هارون، والنسائي
٢٨/٨-٢٩، والطبراني في «الكبير»١٨ /(٥٣٢) من طريق يزيد بن زريع، وأحمد وابن
ماجه (٢٦٥٧) من طريق عبد الله بن نمير (ووقع في المطبوع: محمد بن عبد الله بن
نمير)، والطبراني ١٨ / (٥٣٣) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة عن سعيد بن أبي
عروبة، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه في ((صحيح ابن حبان)) (٥٩٩٨)
و(٥٩٩٩).
٣٢٨

هكذا - ونزعَ يدَهُ فوقعت ثنيَّتَاهُ، فاختصموا إلى النبيِّي ◌ََّ، فقالَ: يَعَضُّ
أحدُكم أخاهُ كما يَعَضُّ الفحلُ، لا دِيَةَ لكَ))(١).
١٢٩٣ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثني أبو عامرٍ
العَقَديُّ، قال: حدثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ
عن يعلىْ بن أميةَ، أنَّ رجلاً عضَّ يدَ رجلٍ، فانتزعَ يدَهُ من فيهِ،
فسَقَطَتْ ثنيّنَا العَاضُّ، فارتفعا إلى النبيِّ وََّ، قالَ: ((أيعَضَّ أحدُكم
أخاهُ، كما يَعَضُّ الْبَكْرُ)) فأبطلها(٢).
(١) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين، غيرَ أسد بن موسى، فقد
روى له البخاري تعليقاً، وأبو داود والنسائي، وهو ثقة.
ورواه ابن حبان (٥٩٩٨) و(٥٩٩٩) من طريق شعبة، بهذا الإسناد. وانظر تمام
تخريجه فیه.
(٢) إسناده صحيح على شرطهما. أبو عامر العقدي: هو عبدُ الملك بن عمرو
القيسي، والحكم: هو ابن عُتيبة الكندي الكوفي.
ورواه الطيالسي (١٣٢٤)، والبغوي في ((الجعديات)) (٢٥٢)، والنسائي
٢٩/٨ -٣٠ و٣١ من طريق شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه الطبراني ٢٢/(٦٦٦) من طريق عمروبن مرزوق، عن شعبة، عن
الحكم، عن مجاهد، أنَّ يعلى بنَ أمية قاتل رجلاً، فعض أحدُهما يدَ صاحبه ...
وانظر ((صحيح ابن حبان)) (٥٩٩٧) و(٦٠٠٠).
قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٢٢/١٢: وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور،
فقالوا: لا يلزم المعضوض قِصاصٌ ولا دية، لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضاً
بالإِجماع بأن من شهر على آخر سلاحاً ليقتله، فدفع عن نفسه، فقتل الشاهر أنه
لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنه بدفعه إيَّه عنها، قالوا: ولو جرحه المعضوضُ
في موضع آخر لم يلزَمه شيء، وشرط الإِهدار أن يتألم المعضوض، وأن لا يمكنه
تخليصُ يدِه بغير ذلك من ضرب في شِدْقَيه، أو فك لحيبه ليرسلها، ومهما أمكن :
٣٢٩

١٢٩٤ - حدثنا يونسُ، قالَ: حدثنا ابنُ وهبٍ، قال: حدثنا ابنُ
جريجٍ ، عن عطاء بن أبي رباحٍ أنَّ صفوانَ بنَ يعلى بن أميةَ حدَّثُهُ
عن يعلَى بن أميةَ، قال: غَزَوْتُ مع رسولِ اللهِ لَّهَ غزوةَ العُسْرَةِ،
وكانتْ أوثقَ أعمالِي في نفسِي، فكانَ لي أجيرٌ، فقاتَلَ إنساناً، فعَضَّ
أحدُهما صاحبَهُ فانتزِعَ إِصْبَعَهُ، فسقطتْ ثَّتَاه، فجاءَ إلى رسولِ الله
وَه، فأهدَرَ ثنَّتْهِ(١). قال عطاء: حَسِبْتُ أَنَّ صفوانَ، قالَ: قالَ رسولُ
الله وَلَهُ: ((أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ فَتَقْضَمُها كَقَضْمِ الجملِ))(٢).
= التخليص بدون ذلك، فعدَلَ عنه إلى الأثقل، لم يهدر، وهذه التقييدات، وإن لم
ترد في الحديث قد أخذت من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به،
فإن النص إنما ورد في صورة مخصوصة، نبه على ذلك ابن دقيق العيد في ((إحكام
الأحكام)) ١٠٣/٤-١٠٤، وعند الشافعية وجه: أنه يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو
دفعه بغير ذلك، ضمن، وعن مالك روايتان: أشهرهما: يجب الضمان. ثم نقل
الحافظ عن يحيى بن عمر قوله: لو بلغ مالكاً هذا الحديث لما خالفه، وقول ابن
بِطَال: لم يقع هذا الحديث لمالك وإلَّ لَمَا خالفه.
وفي هذا الحديث من الفوائد: التحذير من الغضب، وأن من وقع له ينبغي له
أَن يَكْظِمَهُ ما استطاع.
وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل، وأن المرء لا يَقْتَصّ من نفسه،
وأن المتعدِّي بالجناية يسقط ما ثبت له قبلها من جناية إذا ترتبت الثانية على الأولى،
وفيه جوازُ تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك
الفعل.
(١) في الأصل: ((ثنية)).
(٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه البخاري (٢٢٦٥) و(٢٩٧٣) و(٤٤١٧) و(٦٨٩٣)، ومسلم (١٦٧٤)
(٢٣)، وأبو داود (٤٥٨٤)، والنسائي ٣١/٨ من طرق عن ابن جريج، بهذا
الإِسناد، وصححه ابن حبان (٥٩٩٧) و(٦٠٠٠) وانظر تمام تخريجه فيه.
٣٣٠

٠
١٢٩٥ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ خالدٍ
الوَهْبِيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن
صفوانَ بنِ عبدِ الله بن صفوان
عن عمَّيْهِ سلمةَ بن أميةً، ويعلى بن أميةَ، قالا: خرجنا معَ رسولِ
اللّهِ وَّ فِي غَزوةٍ تُبُوكَ، ومعنا صاحبٌ لَنا، فقاتَلَ رجلاً من المسلمينَ،
فَعَضَّ الرجلُ ذراعَهُ، فجَذَبَها من فِيهِ، فنزعَ ثَنَّتَهُ، فأتى الرجلُ النبيَّ
وَ﴿ يَلْتَمِسُ العَقْلَ، فقالَ: يَنْطَلِقُ أَحدُكم إلى أخيهِ، فيعَضُّهُ عَضِيضَ
الفَحْلِ ، ثمَّ يأتي يطلبُ العقلَ، لا عقلَ لها)) فأبطلَها (١) رسولُ الله
وَ لـ (٢) .
(١) في الأصل: لهما فأبطلهما، والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) رجاله ثقات، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث عند أحمد إلّ أنه قد
خولف في إسناده، والمحفوظ حديث عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه،
هكذا رواه غير واحد عن عطاء، انظر الرواية السالفة.
ورواه أحمد ٢٢٢/٤-٢٢٣ عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن
محمد بن إسحاق، بهذا الإِسناد.
ورواه النسائي ٣٠/٨ عن عِمْران بن بكار، عن أحمد بن خالد الوهبي، وابن
ماجه (٢٦٥٦) عن ابن أبي شيبة، عن عبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن ابن
إسحاق، به. وقالا: عن صفوان بن عبد الله، ولم يقولا: ((بن صفوان)) وهو الصواب،
لأنَّ صفوان بن عبد الله بن صفوان، قرشي من بني جمح، وليس هو ابن أخ لسلمة
ويعلى، فإنهما تميميان سكنا مكة، وسينبه المؤلف على ذلك. وصفوان بن عبد الله :
صوابه صفوان بن يعلى. انظر ((التقريب)) (٢٩٣٦) و(٢٩٤٥).
ورواه الطبراني في ((الكبير)) ٢٢ / (٦٥٢) من طريق يزيد بن هارون عن محمد بن
إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، ومن طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق،
عن خالد بن كثير الهمداني، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يَعْلَى، عن أبيه =
٣٣١

قال أبو جعفر: وفي حديث ابن إسحاقَ هذا: عن عطاءٍ، عن
صفوانَ بن عبدِ الله بن صفوانَ، وهذا من الخطأ غيرُ مشكلٍ ، لأنَّ
صفوانَ بنَ عبدِ الله بن صفوانَ رجلٌ من قريشٍ، من بَني جُمح، ويَعْلى
صاحبُ هذا الحديثِ، فَلَيْسَ من قريشٍ من أنفسِها، وإنما هو حَلِيفٌ
لها، وهو رجلٌ من بَنِي تَميمٍ قديمُ الشَّكنَى بمكةً .
ثم تأمُّلْنا هذا الحديثَ بعدَ وقوفنا على اختلافِ أهلِ العلمِ فِي
هذه الجنايةِ المذكورةِ فيهِ، وأنَّ منهم من لا يُبْطِلُ عقلَ ثنيَّتَي العاضِّ
عن المعضوضِ ، منهم ابنُ أبي لَيْلَى، وقد ذكرنا في البابِ الذي قبلَ
هذا الباب من أحوالٍ شاهرِ السلاحِ ، ما قد ذكرناهُ فيه، وأنَّه إنما حلَّ
للمشهورِ عليه دمُ الشاهرِ، إذ كان الشاهرُ لو تمَّ منه في الذي شَهَرَ
عليه السلامحُ، ما شَهَرَهُ عليه من أجلِهِ.
فقال قائلٌ: فالعضُّ مما لا قَوَدَ فيه، لأَنَّه كَسْرٌ للعظمِ
المعضوض، ألا تَرَى إلى قولٍ رسولِ اللهِِّ: ((أُيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ،
فتقضَمُها كما يَقضَمُ الفحلُ))؟ فهذا دليلٌ على أنَّ فيها كسرَ العظمِ،
وكسرُ العظامِ لا قَوَدَ فيها.
فكانَ جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ القضمَ
المذكورَ في هذا الحديثِ ليسَ هو كسرَ العظمِ كما تَوهَّمَ، لأنَّ القضَمَ
عندَ العرب هو القضمُ بأطرافِ الأسنانِ الذي لا يَبْلُغُ هذا، وإنَّما الذي
يبلُغُهُ عندهم هو الخَضْمُ، وهو التمكُّنُ بالأسنانِ كلُّها، فذلك مما قد
= وعمه سلمة بن أمية أنهما خرجا مع رسول الله وَ#1 في غزوة تبوك ... فذكره.
وقوله: ((عضيض الفحل)) قال في ((النهاية)): أصل العضيض: اللُّزوم، يقال:
عضَّ عليه يَعَضُّ عضيضاً: إذا لزمه، والمراد به هاهنا: العض نفسه، لأنه بعَضِّه له
يلزمه، وفي القاموس: العضيض: الشديد العض.
٣٣٢

يأتي على العظم ، ولما كانَ ما ذكرنا كما وصفنا، كان القَضْمُ إنَّما
يأتي على جلدَةِ الذِّراع أو يتجاوزُها إلى اللحمِ الذي بينها وبينَ
العظم ، فإذا تَجَاوَزَها إلى ذلك أوضحَ العظمَ، فعادَ معناهُ في الذُّراع
إلى معنى المُوضحة في الرأس التي تُوضحُ العظمَ، وفيها القَوَدُّ باتفاق
المسلمينَ، فمثلُها وضوحُ عظمِ الذراع ، ففيه القَوَدُ أيضاً، ولما كانَّ
فيه القَوَدُ إذا تمَّ ذُلكَ العَقْلُ كانَ لِلَّذيَ قصدَ به إليهِ إزالتُه عن نفسِهِ،
لِيَصِلَ بذلك إلى الواجب له فيما حلَّ به منه، ولو كانَ العاضُّ مجنوناً
أو صبيّاً لم يَبْلُغْ، فكانَ من المعضوضِ في ذلكَ مثلُ الذي ذكرنَا في
هذا الحديثِ، كانَ على المعضوضِ قِيمةُ ثناياهُ، فقد وافَقَ ما حملنا
عليه ما في هذا الباب ما حملنا عليه ما في الباب الذي قبلَهُ، والله
نسألُهُ التوفيقَ.
٣٣٣

٢٠٤ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله وَله
في الأشياءِ الموزوناتِ أَنَّا كَالأَشْياءِ
المَكِيلاتِ فِي دُخُولِ الرِّبا فِيها
كَدُخُولِهِ فِي الأَشياءِ المَکیلاتِ
١٢٩٦ - حدثنا يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ، أنَّ مالكاً أخبره عن
عبد المجيدِ بنِ سُهِيلِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوَفٍ، عن سعيد بن المسيّب
عن أبي سَعيدٍ الخدريِّ، وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌ِلَه
استعملَ رَجُلاً على خيبر، فجاءَ بتمرٍ جَنِيبٍ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ وَه:
(أُكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرِ هُكَذَا؟)) فقالَ: لا واللهِ يا رسولَ الله، إنَّا لِنَّأْخُذُ الصَّاعَ
من هذا بالصاعَيْن، والصاعَيْن بالثلاثةِ، فقالَ رسولُ اللهِ وَةٍ: ((فلا
تَفْعَلْ، بِعِ الجمْعَ بالدراهمِ، ثم ابْتَعْ بالدراهم جَنِباً)) وقال في الميزانِ
مثلَ ذُلك(١).
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو عند المصنّف في ((شرح معاني
الآثار)) ٦٧/٤ من طريق يونس، بهذا الإِسناد.
وهو في ((الموطأ) ٦٢٣/٢، وصححه ابن حبان (٥٠٢١) من طريق مالك، به،
وانظر تمام تخريجه فيه.
قال البغوي في ((شرح السنة)) ٧١/٨: والجنيب نوعٌ من التمر، وهو أجود
تُمورهم، والجمع: الدَّقل، ويقال: هو أخلاط رديئة من التمر، قال الأصمعي:
الجمع: كل لون من النخل لا يُعرف اسمه، يقال: كثر الجمع في أرض بني فلان.
٣٣٤

١٢٩٧ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي دَاودَ، قال: حدثنا الوُحَاظِيُّ، قال:
حدثنا سُليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدثنا عبدُ المجيدِ بنُ سهيلِ بنِ
عبد الرحمن بن عوفٍ، أنه سَمِعَ سعيدَ بنَ المُسَيّبِ يُحَدِّثُ
أن أبا سعيدٍ الخدريِّ، وأبا هريرةَ حدثاهُ أنَّ رسولَ اللهِوَلِ بعثَ
أخا بَنِي عديِّ الأنصاريّ، واستعملَهُ على خيبرَ، فقَدِمَ بتمرٍ جنيبٍ، فقالَ
لهُ رسولُ اللهِ وَلِ: ((أُكُلَّ تمر خَيبرَ هُكذا؟)) فقالَ: لا والله يا رسولَ الله،
إِنَّا لَنَشْترِي الصَّاعَ بالصاعين، فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تفعَلُوا، ولكنْ
مِثْلًا بِمِثْلٍ، أو بِيعُوا هذا، واشتَرُوا هذا بثمنِهِ، وكذلكَ الميزانُ))(١).
١٢٩٨ - حدثنا يحيى بنُ عثمانَ، قال: حدثنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ،
قال: حدَّثنا عبدُ العزيز الدَّرَاورْدُّ، عن أبي سهيلٍ، عن أبي صالحٍ
عن أبي سعيدٍ، وأبي هريرةَ أنَّ رسولَ الله وَِّ بعثَ أخا بنِي عديٍّ
من الأنصارِ إلى خَيْبِرَ أميراً، فَقَدِمَ عليه بتمرٍ جنيبٍ - يعني طَيِّباً - فقالَ
رسولُ اللهِ وَ﴾: ((أَكُلُّ تمر خَيبرَ هُكذا؟)) قالَ: لا والله يا رسولَ الله،
إنَّا نَشْتري الصَّاعَ بالصاعينِ، والصاعينِ بالثلاثةِ أَصعٍ(٢) من الجمعِ،
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. الوُحَاظي: هو يحيى بن صالح.
وأخرجه الدارمي ٢٥٨/٢، والبخاري (٧٣٥٠) و(٧٣٥١)، ومسلم (١٥٩٣)
(٩٤)، والدارقطني ١٧/٣، والبيهقي ٢٨٥/٥ من طريقين عن سليمان بن بلال،
بهذا الإسناد.
(٢) جمع ((صاع)) ويجمع أيضاً على أصواع، وأصْوُع، وأصُوُع، وصُوع،
وصِيعان. قال المطرزي في ((المُغرب في ترتيب المعرب)) ٤٨٦/١-٤٨٧: وأمّا
((آصع)) فقلب ((أَصْؤُعِ)) بالهمزة لضمه الواو، كادر في أَدْتُر، جمع دارٍ، عن أبي علي
الفارسي. قال الفيومي في ((المصباح المنير)): وهذا الذي نقله - يعني المطرزي -
جعله أبو حاتم من خطأ العوام، وقال ابن الأنباري: وليس عندي بخطأ في القياس،=
٣٣٥

فقالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لا تفعَلْ، ولكنْ تَبيعُ هذا وتَشْتري بثمنِهِ من هذا،
وكذلك الميزانُ))(١).
١٢٩٩ - وحدثنا مصعبُ بنُ إبراهيمَ بن حمزةَ الزُّبيريُّ المَدينيُّ،
قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الدَّرَاورديُّ، عن عبدِ المجيدِ، عن
سعيدِ بنِ المَسيِّبِ
أن أبا سعيد الخدريٍّ، وأبا هريرة(٢) حَدَّثَاهُ أن رسولَ اللهِوَمِ بعثَ
أخا بنِي عديٍّ بن النجارِ على خيبرَ، فَقَدِمَ عليه بتمرٍ جنيبٍ - يعني
طِيِّباً - فقالَ رسولُ الله: ((أكُلُّ تمر خَيْبَرَ هُكذا؟)) قالَ: لا والله يا رسولَ
الله، إنَّا نَشْترِي الصَّاعَ بالصاعينِ، والصاعينِ بالثلاثةِ من الجمعِ ، فقالَ
رسولُ اللهِ وَّهَ: ((لا تفعَلْ، ولكنْ بِعْ هذا واشْترِ بثمنِهِ من هذا، فكذلك
الميزانُ))(٣).
= لأنه وإن كان غيرَ مسموع من العرب، لكنه قياس ما نُقِلَ عنهم، وهو أنهم ينقلُون
الهمزة من موضع العين إلى موضع الفاء، فيقولون: أبارٌ، وآبارٌ.
(١) يحيى بن عثمان - وهو السهمي - قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وكتب
عن أبي، وتكلموا فيه، وقال ابن يونس: كان حافظاً للحديث وحدّث بما لم يكُن
يُوجد عنْد غيره، وقال مسْلَمة بنُ القاسم: كان صاحبَ وراقة، يُحدّث من غير كُتبه،
فطُعِنَ فيه لأجل ذلك، وقال الذهبي في ((الميزان)): صدوق إن شاء الله. ونعيم بن
حماد: كثيرُ الخطأ، وقوله: ((عن أبي سهيل)) خطأ، صوابه: عبد المجيد بن سهيل،
كما في السند الآتي، وسينبه عليه المؤلف.
(٢) في الأصل: ((وأبا سعيد))، وهو خطأ.
(٣) حديث صحيح. الدراوردي: هو عبد العزيز بن محمد.
ورواه الدارقطني ١٧/٣ من طريق يحيى بن سليمان بن نضلة، وإبراهيم بن
حمزة، كلاهما عن الدراوردي، بهذا الإِسناد.
وعلقه البخاري في («صحيحه» (٤٢٤٦) فقال: ((قال عبد العزيز بن محمد عن =
٣٣٦

١٣٠٠ - حدثنا مُصعبٌ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدثنا
الدَّرَاورديُّ، عن عبد المجيدِ بنِ سُهيلٍ، عن أبي صالحِ السَّمَّانِ
عن أبي هُريرةَ، وعن أبي سعيد الخُدريِّ مثلَهُ(١).
قال أبو جعفرٍ: هكذا هو في كتابٍ مُصعبِ الذي أخبرنا أنه أصلُ
أبيهِ: عن عبد المجيدِ بنِ سهيلٍ، عن أبي صالحٍ، وهذا خلافُ ما
ذكرناهُ من حديثٍ يحيى بن عثمانَ، عن نعيمٍ، عن الدَّرَاورديِّ لأنه
جعلَ مكانَ عبدِ المجيدِ أَبَا سُهيلٍ والذي قال مصعب في هذا هو
الصوابُ عندنَا، والله أعلمُ.
فكانَ في هذه الآثارِ ردُّ رسولِ اللهِوَّرِ حَكَمَ الميزانِ في دخولٍ
الربّا في الأشياءِ الموزونةِ بِهِ كدخولِهَا في المِكيالِ في الأشياءِ
المَكِيلاتِ به، ولم يقصِدْ في ذلكَ إلى مأكولٍ ولا إلى مشروبٍ دونَ
ما سِواهُما ممَّا لا يُؤْكَلُ ولا يُشربُ. فكانَ ظاهرُ ذُلك يوجبُ مَا قالَ
الذين يقولونَ: لا يجوزُ الحَديدُ بالحَديدِ، والا النُّحاسُ بالنَّحاس ، ولا
الرَّصاصُ بالرَّصاصِ إلَّ مِثلًاً بِمِثْلٍ، وزناً بوزنٍ، وأنَّ هذه الأشياءَ لما
كانتْ موزونةً في دخولِ الرِّبا إيَّها كالذهب والفضَّةِ في دخولِ الرِّبا
إياهُما، وكالأشياء المكيلاتِ من التمر والحِنْطَّةِ والشَّعيرِ في دخولِ الربا
إياهُما، كما يقولُهُ أبو حنيفةً وأصحابُهُ في ذلك، وذلك بخلافِ ما قالَ
أهلُ المدينةِ فيه، وحملِهِم ذلك على الأشياءِ المَكِيلاتِ مما يُؤْكلُ ومما
يُشربُ خاصة دونَ ما لا يُؤْكلُ وما لا يُشربُ.
فقال قائلٌ ممَّن ذهبَ إلى ما يقولُه أهلُ المدينةِ في ذلك: إنَّ
= عبد المجيد ... )) وانظر ((تغليق التعليق)) ١٣٦/٤ -١٣٧.
(١) حديث صحيح، وهو مكرر ما قبله.
٣٣٧

سعيدَ بنَ المسيب قد ذهبَ في هذا المعنى إلى ما ذهبنا إليه فيهِ، وإلى
خلافِ ما ذهبَ الآخرونَ إليه فيه.
وذكر ما قد حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب أن مالكاً أخبره
عن أبي الزِّنادِ، أنه سَمعَ سعيد بنَ المسيِّب يقولُ: لا رِبَا إلَّ في ذهبٍ
أو فضةٍ أو فيما يُكالُ أو يُوزَنُ مما يُؤْكلُ أو يُشربُ(١).
وقال: فإلى قولٍ من خالفتُم قولَ سعيدٍ هذا؟ فِقِيلَ لَهُ: إلى قولٍ
عمَّارِ بن ياسرِ الذي يُخالِفُهُ، فقولُهُ في ذلكَ أعلى من قولٍ سعيدٍ،
والذي يُروَى عن عمارٍ في ذُلك.
: ما قد حدثنا يحيى بنُ عثمانَ، قال: حدثنا موسى بنُ هارونَ
الْبُرْدِيُّ، قال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، عن صدقةَ بن المثنَّى،
عن جدِّهِ رِيَاحِ بنِ الحارثِ
قال: قال عمارُ بنُ ياسرٍ رضي الله عنه: العبدُ خيرٌ من العبدين،
والأَمَةُ خيرٌ من الْأَمَتَيْنِ، وَالْبَعِيرُ خيرٌ من البَعِيرِينِ، والثَّورُ خيرٌ مَن
الثَّورين، فما كانَ يداً بيدٍ، فلا بأسَ، إنَّما الربا في النساءِ لا ما كِيلَ ..
أو ◌ُزنَ(٢).
.
(١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان. وهو
في ((الموطأ)) ٦٣٥/٢.
ورواه من طريق مالك عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٤١٣٩).
ورواه الدارقطني ١٤/٣ من طريق المبارك بن مجاهد، عن مالك بن أنس، عن
أبي الزناد، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله# قال :... فذكره. قال
الدارقطني: هذا مرسل، ووهم المبارك على مالك برفعه إلى النبيِّ 9َ، وإنما هو
من قولِ سعيد بن المسيب، مرسل.
(٢) يحيى بن عثمان شيخ المؤلف تقدَّم الكلام عليه في الحديث (١٢٩٧)،
وباقي رجاله ثقات.
٣٣٨

وما قد حدثنا يحيى بنُ عثمانَ، قال: حدثنا أصبغُ بنُ الفَرَجِ ،
قال: حدثنا عيسى بنُ يونسَ، عن صدقةً بن المثنَّى، عن رياحِ بنِ
الحارثِ، عن عماربن ياسرِ، مثلَه، إلَّ أنَّهُ لم يقلْ: والثَّورُ خيرٌ من
الثَّورين. وقالَ مكانَ ذَلك: والثوبُ خيرٌ من الثّوبَينِ(١).
قال أبو جعفرٍ: فلَمَّا كانَ أَوْكَدَ الأشياءِ في دخولِ الرِّبا عليها
الذهبُ والفضةُ وليسًا بِمَأْكُولَيْن ولا مَشْرُوبَينِ، عَقْلْنَا بذلك أنَّ العِلَّةُ التي
لها دخولُ الربا إلى الوزنِ فَيما يُوزَنُ والكَيْل فيما يُكَالُ، مأكولاً كانَ
ذلكَ أو مشروباً، أو غيرَ مأكولٍ أو مشروبٍ. والله نسألُهُ التوفيقَ.
(١) هو مكرر ما قبله.
٣٣٩

٢٠٥ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله النيل
من قولِهِ: ((إنَّ الرجلَ ليكونُ من أهلِ الصَّلاةِ
ومن أهلِ الزكاةِ - حتى ذكر سِهامَ الخيرِ -
وما يُجزَى يومَ القيامَةِ إلاّ بقدر عقلِهِ))
١٣٠١ - حدثنا أبو أميةَ محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا منصورُ بنُ
سُقير(١)، قال: حدثنا موسى بنُ أَعْيَنَ، قال: حدثنا عُبِيدُ اللهِ بنُ عَمْرو(٢)
عن نافعٍ
عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ الرجلَ ليكونُ من
أهلِ الصلاةِ والزكاة والحجِّ والعُمْرَةِ - حتى ذَكَرَ سِهامَ الخيرِ - وما يُجزى
يومَ القيامةِ إِلَّ بِقَدْرِ عقلِهِ))(٣).
(١) في الأصل: ((سفيان))، وهو خطأ.
(٢) في الأصل: ((عبد الله بن عمر))، وهو خطأ.
(٣) ضعيف جدّاً، آفته منصور بن سُقير - ويقال: صُقير- فقد رواه ابن حبان
في ((المجروحين)) ٤٠/٣، والعقيلي في ((الضعفاء)) ١٩٢/٤، والخطيب في
((تاريخه)» ٧٩/١٣-٨٠، والمزّي في ((تهذيب الكمال)) في ترجمة ((منصور بن صفير))
من طرق عنه، بهذا الإِسناد.
قال ابنُ أبي حاتم في ((العلل)) ١٢٩/٢: قال أبي: سمعتُ ابن أبي الثلج
يقول: ذكرت هذا الحديث ليحيى بن معين، فقال: هذا حديثٌ باطل، وإنما رواه
موسى بنُ أعين عن صاحبه عُبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة،
عن نافع، عن ابن عمر. فرفع إسحاق من الوسط، فقيل: موسى عن عبيد الله، عن= ٤
٣٤٠