النص المفهرس
صفحات 281-300
واحتملَ أن يكونَ على خلافِ ذلكَ مِمَّا لا عفوَ فيه فيها، ولا فيما بعدَها، فكتبَ عمرُ رضي الله عنه عند تلكَ الشبهةِ بدَرْءِ القود وإيجاب الدية مكانَهُ، فكذلك ينبغي أن يفعلَ عند دخولِ الشَّبَهِ بدرِءِ القَوْدِ(١)، ويوجبَ الدياتِ مكانَها، والله نسألُه التوفيقَ(٢). (١) لفظ: ((القود)) سقط من الأصل. (٢) وانظر لزاماً ((شرح معاني الآثار)) ١٩٢/٣ - ١٩٦، و((سنن البيهقي))، و(الجوهر النقي)) ٢٩/٨ - ٣٤، و((شرح السنة)) ١٧٤/١٠ - ١٧٦، و((فتح الباري)) ٢٧٢/١٢ - ٢٧٤. ٢٨١ ١٩٢ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول اللهِوَله من قولِهِ جواباً لابنِ عمرَ لما سألَهُ عن أخذِهِ الدنانيرَ بالدراهمِ ، والدراهمَ بالدنانيرِ في البيعِ : ((إذا كانَ ذلك من صرفٍ يومِكُمَا وافتَرِقْتُمَا وليسَ بينَكُما شيءٌ فلا بأسَ)) ١٢٤٦ - حدثنا أبو أميةَ، قال: حدثنا عبيدُ الله بنَ موسَى العبسيُّ، قال: حدثنا إسرائيلُ بنُ يونسَ، يعني عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن سعید بن جبيرٍ عن ابن عمرَ، قَالَ: أتيتُ رسولَ اللهِ ﴿ وهو في حُجْرَةٍ حفصةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، رُوَيْدَكَ أَسأَلُكَ، إني أبيعُ الإِبِلَ بالنقيعِ ، فأبيعُ بالدنانير، وآخذُ الدراهمَ، وأبيعُ بالدراهمِ وآخذُ الدنانيرَ. فقالَ رسولُ الله وَ﴿: ((إذا كانَ ذلكَ من صَرْفِ يومِكُمَا، وافترقْتُمَا، وليسَ بينَكُما شيءٌ، فلا بأسَ))(١). ١٢٤٧ - حدثنا يزيدُ بنُ سنانٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: (١) إسناده حسن، سماك بن حرب - وإن كان من رجال مسلم - حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين. ورواه أبو داود (٣٣٥٥) عن حسين بن الأسود عن عبيد الله بن موسى، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٨٣/٢ ١٥٤ عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل، به. والنقيع، بالنون: موضع سوق بالمدينة. ٢٨٢ حدثنا إسرائيلُ، ثم ذَكَرَ بإسنادِهِ مثلَهُ، غيرَ أنه قال: ((لا بأسَ إذا أخذْتَ بسِعْرِ يومِكَ))(١). ١٢٤٨ - حدثنا صالحُ بنُ عبدِ الرحمْنِ الأنصاريُّ، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المُقرِىءُ (ح). وحدثنا يونسُ، قال: حدثنا يحيى بنُ حسانَ (ح) وحدثنا يزيدُ بنُ سنانٍ. قالوا: حدثنا أبو الوليدِ الطيالسِيُّ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ محمدٍ التيميُّ، وعبدُ الملكِ بنُ إبراهيمَ الجُدِّيُّ وحدثنا محمدُ بنُ العباسِ بن الربيعِ اللَّؤلُؤيُّ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ مَسلمةَ القعنبي أبو بشرِ ثم اجتمعوا جميعاً، فقال كل واحد منهم: حدثنا حمادُ بنُ سلمة، عن سِمَاكٍ، عن سعيدِ بنِ جُبِيٍ، عن ابنِ عمر، ثم ذكرُوا جميعاً مثلَه (٢). غير أنَّ بعضَهم جاءَ بِهِ على لفظِ حديثٍ أبي أميةَ، وجاءَ بِهِ بعضُهم على لفظٍ حديثٍ يزيدَ، عن محمدٍ بنِ كثيرٍ. فقال قائلٌ: ما معنَى سِعْرِ اليومِ الذي يتصَارَفَانِ فيهِ، وقد رأينا البياعاتِ تجوزُ بينَ الناسِ في مثلِ هذا بسعرِ يومِها، وبأكثرَ من سعر يومِها، وبأقلّ من سعر يومِها، لا اختلافَ بينَ أهل العلم في ذلك، وفي جوازِهِ، وفي اسَتقامَتِهِ، فما بالُ سعر يومِهاَ التّمِسَ في هذا الحدیث؟ (١) إسناده حسن، وهو مكرر ما قبله. محمد بن كثير: هو العبدي. (٢) إسناده حسن. ورواه ابن حبان في «صحيحه)) (٤٩٢٠)، عن أبي خليفة، عن أبي الوليد الطيالسي، عن حماد بن سلمة، بهذا الإِسناد. وانظر تمام تخريجه فيه. ٢٨٣ فكان جوابُنا له في ذلكَ بتوفيقِ الله جلَّ وعزَّ وعونِه: أنَّ رسولَ الله ﴿ ﴿ دلَّ عبدَ الله بنَ عمَرَ في سؤالِهِ إِيَّهُ عمَّا سألَهُ عنه في هذا الحديثِ على الوَرِعِ الذي يجبُ على الناسِ استعمالُهُ فيما سألَهُ عنه، وإنْ كانَ الأمرُ لَوَ جَرَى بخلافِهِ فيما سأَلَهُ عنه، لم يمنع ذلكَ من جوازِ البيعِ ووجوبِهِ. وذلكَ أنَّ مَنْ كانتْ لَهُ دنانيرُ على رَجُلٍ، أو كانتْ لهُ دراهمُ، فجاءً يطلُبُها منه، فبدَّلَ له مكانَ الدنانيرِ دراهمَ، أو مكانَ الدراهم دنانيرَ، ودعاهُ إلى أخذِهَا بالذِي لهُ عليه من خلافِها، جازَ أنْ يكونَ يُريدُ منه أن يهضِمَهُ مِمَّا لَهُ عليه بإعطائِهِ بِهِ غيرَهُ، وتدعُو الضرورةُ صاحبَ الدَّين إلى أخذِ ذُلكَ واحتمالِ الضيم فيهِ، والهضِيمةِ من دَيْنِهِ، فَعَلَّمَ رسولُ الله ◌َِّ ابنَ عمرَ ما يكونُ إذا فعلَهُ بخلافِ ذلكَ، وأنْ يكونَ يَعْتَبِرُ سعْرَ يومِهِ فيما يُعطِيهِ غريمه بِمَا لَهُ عليهِ من خلافِ جنسِ ما يُعطَيهِ، فإنْ كانَ ما يُعطيهِ سعرَ يومِهِ يهنأ لغريمِهِ أنْ يتحوّلَ عنهُ بما يأخذُهُ منهُ إلى مَنْ سِوَاهُ من الباعةِ، فَيُعطيهِ ذلك بمثلِ دَيْنِهِ الذي كانَ لهُ على غريمِهِ، فينصرفُ موفُوراً، ويصيرُ أخذُهُ ذلكَ من غيرِ غريمِهِ كأخذِهِ إِيَّهُ من غريمِهِ، لأَنَّه قد عادَ إليهِ مثلُ الذِي كانَ لَهُ على غريمِهِ، واستَوَى أخذُهُ إِيَّاهُ من غيرِ غريمِهِ، وأخذُهُ إِيَّهُ لو أخَذَهُ من غريمِهِ. وإذا أعطاهُ بغير سعر يومِهِ خلافَ دَيْنِهِ ممَّا إذا تحوَّلَ به إلى غيرِهِ من الباعَةِ، ثمَّ طلبَ منهُ أنْ يعطيَهُ بِهِ مثلَ دْنِهِ الذي كانَ لَّهُ على غريمِهِ لَمْ يُعْطِهِ ذلكَ لِمَا عليهِ فيهِ مِنَ الهَضِيمَةِ. فعلَّم رسولُ اللهِ وَِّ عبدَ الله بنَ عمرَ التَّوَرُّعَ مِنْ ذُلكَ، واستعمالَ مَا لا هَضيمَةَ فيهِ على غريمِهِ، وما يستطيعُ غريمُه أنْ يتعوَّضَ بِهِ من غيرِهِ مثلَ دَيْنِهِ لا ما يستطيعُ ذُلكَ. وهذه حكمةٌ جليلةً لا يحتمِلُهَا إلَّ الله عز وجل، وهِيَ التي ينبغي لذوي المعاملات أنْ لا يَعْدُوها في معامَلاتِهم إلى ما سِوَاها من أَضْدَادِها، والله نسألُهُ التوفيقَ. ٢٨٤ ١٩٣ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله له من دعائِهِ لأهل مدينَتِهِ أن يُبَارَكَ لهم في صاعِهم ومُدُّهِم ١٢٤٩ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ وهب، أنَّ مالكَ بنَ أنسٍ أخبرَهُ عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بن أبي طلحةً عن أنس بن مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ، قالَ: ((اللهمَّ بارِكْ لهمْ في مِكْيَالِهِم، وبَارِْ لَهُمْ فِي صَاعِهم، وفي مُدِّهم)) يعني أَهْلَ المدينة(١). ١٢٥٠ - حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الحضرميُّ، قال: حدثنا وهيبُ(٢) بنُ خالدٍ، قال: حدثنا عمرُوبنُ يحيى المازنيُّ، عن عبادِ بنِ تمیم. عن عبدِ الله بن زيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّه: ((إبراهيمُ حرَّمَ مكةَ، ودَعَا لَهُمْ، وإِنِّي حرَّمْتُ المدينةَ، ودَعَوْتُ لَهُمْ بِمِثْلِ ما دَعَا بِهِ إبراهيمُ بَّ﴿ الأهلِ مكةَ أنْ يُبَارَكَ لَهُمْ فِي مُدِّهم وصَاعِهِم))(٣). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في ((الموطأ)) ٨٨٤/٢-٨٨٥، ومن طريقه رواه ابن حبان (٣٧٤٥). وانظر تمام تخريجه فيه. (٢) في الأصل: وهب، وهو تحريف. (٣) إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير = ٢٨٥ ١٢٥١ - حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبِ أنَّ مالكاً أخبرَهُ، عن سُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيهِ عن أبي هريرةَ، قال: كانَ الناسُ إذا رأوا الثَّمَرَ، جَاؤُوا بِهِ إلى النبيِّ وَ﴿، فإذا أخَذَهُ النبيُّ ◌َّهِ قال: ((اللهمَّ بارِْ لنا في ثَمَرِنَا، وبارِكْ لنا في صاعِنَا، وبارك لنا في مُدِّنَا، اللهمّ إنَّ إبراهيمَ عبدُكَ وخَلِيلُكَ ونبيُّكَ، وإنِّي عبدُكَ ونبيُّكَ، وإِنَّه دعا لمكةً، وإني أُدْعُوكَ للمَدِينةِ بمثلِ ما دَعَاكَ بهِ لمكةً ومثلَهُ معهُ))، قال: ثم يدعُو أَصْغَرَ وليدٍ يَرَاهُ، فَيُعطِيهِ ذلكَ الثَّمرَ(١). = أحمد بن إسحاق الحضرمي، فمن رجال مسلم، وعبد الله بن زيد صاحب الحديث: هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، ويقال: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، واستشهد بالحرة سنة ثلاث وستين. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٢/٤ بإسناده ومتنه. ورواه أحمد ٤٠/٤ عن عفان، والبخاري (٢١٢٩)، والبيهقي ١٩٧/٥ من طريق موسى بن إسماعيل التّبُوذكي، ومسلم (١٣٦٠) (٤٥٥) من طريق أبي هشام المخزومي، ثلاثتهم عن وهيب بن خالد، بهذا الإسناد. ورواه مسلم (١٣٦٠)، والمؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٢/٤، والبيهقي ١٩٧/٥ من طرق عن عمروبن يحيى المازني، به. (١) إسناده صحيح على شرط مسلم. وهو في ((الموطأ)) ٨٨٥/٢. ومن طريق مالك أخرجه مسلم (١٣٧٣)، والترمذي (٣٤٥٤)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٠٢)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٨٠)، وابن حبان (٣٧٤٧)، والبغوي (٢٠١٢). ورواه الدارمي ١٠٦/٢-١٠٧، ومسلم (١٣٧٣) (٤٧٤)، وابن ماجه (٣٣٢٩) من طرق عن عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، بهذا الإِسناد. ٢٨٦ قال أبو جعفرٍ: فتأمَّلْنَا هُذِهِ الآثارَ وما فيها مِن قصدِ رسولِ الله وَّ بدعائِهِ بالبركَةِ إلى الصَّاعِ والمُدِّ والمكيالِ، فكانَ ذُلكَ عندَنا منه - والله أعلمُ - إرادةٌ منه به البَرَكَةَ فيما يُكَالُ بالصَّاعِ والمدِّ والمكيالِ من الثمارِ التي هي أموالُ أهلِ المدينةِ، ومنها عَيْشُ ساكِنِيها، وكانَ قصدُهُ بذلكَ إلى الصاع والمدِّ والمكيالِ قصداً منه إلى المَكِيلِ بَهْذِهِ الأشياءِ، ومثلُ هذا من كلام العرب قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَاسْأَلِ القَربَةَ التي كُنَّا فِيهَا والعِيرَ التي أَقْبَلْنَا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، وكانتِ المدينةُ دارَ الثمارِ لا مَا سِواها، فَقَصَدَ رسولُ اللهِ وَ﴿ بالدعاءِ لأهل تلك الثمارِ بالبركةِ فيما يعتبرونَ ثمارَهُم وفيما يبيعُونَها بِهِ، وفيما يَقْضُونَ دَيْنَهُم مِنْها بِهِ، وفيما يعولُونَ بِهِ مَنْ يَعُولُونَهُ، وَلَمْ تكنْ دار ما يُستعملُ فيه سِوَى المكاييلِ مِنَ الموازين، فيحتاجُوا إلى الدُّعاءِ لهم بالبركةِ في موازينهم، كما احتاجَ إلى الدعاءِ لهم بالبركةِ في مَكايِيلِهِمْ، والله نسألُهُ التوفيقَ. ٢٨٧ ١٩٤ - بابُ بيانِ مشكلِ ما رُوِيَ عن رسول الله من قولِهِ: ((الوزنُ وزنُ أهل مكةَ، والمكيالُ مِكْيالُ أهلِ المدينةِ)) ١٢٥٢ - حدثنا أبو بشرِ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ الرَّقيُّ، قال: حدثنا ء الفِرِيَابِيُّ، قال: حدثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حنظلَةَ، عن طاووسَ عن ابن عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِّهِ: ((الوزنُ وزنُ أهلُ مكةَ، والمكيالُ مِكْيالُ أهلِ المدينةِ))(١). قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدْنَا مكةً لم يكنْ بها ثمرةٌ، ولا زرعٌ حينئذٍ، وكذلكَ كانتْ قبلَ ذلكَ الزمانِ، أَلَا تَرَى إلى قولِ إبراهيمَ وَّ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيرِ ذِي زَدْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وإنَّما كانتْ بلدَ مَتْجَرٍ، يُوافِي الحاجُ إليهِ بالتِّجاراتِ، (١) إسناده صحيح على شرطهما. الفريابي: هو محمد بن يوسف، وحنظلة: هو ابن أبي سفيان. ورواه أبو داود (٣٣٤٠)، والنسائي ٥٤/٥ و٢٨٤/٧، والطبراني (١٣٤٤٩)، والبيهقي ٣١/٦، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٠/٤ من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، وأبو عبيد في ((الأموال)) (١٦٠٧)، ومن طريقه البغوي (٢٠٦٣) عن أبي المنذر إسماعيل بن عمر، كلاهما عن سفيان، بهذا الإِسناد. ورواه ابن حبان في «صحيحه)) (١١٩) عن عمربن محمد الهمداني، عن نصربن علي، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، به، إلاّ أنه جعله من مسند ابن عباس. ٢٨٨ فيبيعُونَها هناكَ بالْأَثْمانِ التي تُبَاعُ بها التجاراتُ، وكانتِ المدينةُ بخِلافٍ ذلكَ، لأنَّها دارُ النخل ، ومِنْ ثمارِها حياتُهم، وكانتِ الصَّدَقَاتُ تَدْخُلُها، فيكونُ الواجبُ فيها من الصدقَةِ يُؤْخَذُ كيلاً، فجعلَ رسولُ الله وَّ الأمصارَ كلَّها لِهذين المِصْرَيْنِ أتباعاً، وكانَ الناسُ يحتاجُونَ إلى الوَزْنِ في أثمانِ ما يَتَبَايَعونَ، وفيما سِوَاها ممَّا يَتَصرَّفُونَ فيه من التزويجاتٍ، ومِن العُروضِ ، ومن أداءِ الزَّكَواتِ، وما سِوَى ذُلكَ مما يُسلمونه فيه مِنْ غيرِهِ من الأشياءِ التي يأكُلُونَها، وكانتِ السُّنَّةُ قد منعتْ من إسلامِ موزونٍ في موزونٍ، ومن إسلامِ مكيلٍ في مكيلٍ، وأجازتْ إسلامَ المكيلِ في الموزونِ، والموزون في المكيلِ ، ومنعت من بيع الموزونِ بالموزونِ إلَّ مثلاً بمثل، ومن بيع المكيل بالمكيل إلَّ مثلاً بمثلٍ. وكانَ الموزونُ في ذلكَ أصلُهُ ما كانَ عليهِ بمكةَ يومَ قالَ لهم النبيُّ نَّهَ: ((الميزانُ ميزانُ أهل مكةَ))، وكان المكيلُ في ذلكَ أصلُهُ ما كانَ الناسُ عليهِ بالمدينةِ يومَ قال لهم النبيُّ بِّهِ: ((المكيالُ مكيالُ أهلِ المدينةِ)) لا يتغيَّرُ عن ذُلكَ، وإنْ غَّرَهُ النَّاسُ، كما كانَ عليهِ إلى ما سِواهُ من ضدِّهِ. فيرجعونَ بذلكَ إلى معرفةِ الأشياءِ المكيلاتِ التي لَهَا حكمُ المِكيالِ إلى ما كانَ عليهِ أهلُ المكاييلِ فيها يومئذٍ، وإلى الأشياءِ الموزوناتِ إلى ما كانَ عليهِ أهلُ الميزانِ فيها يومئذٍ، وأنَّ أحكامَها لا تتغيرُ عن ذلكَ ولا تنقلبُ عنها إلى أضدادِها. ومِنْ هذا أَخَذَ أبو حنيفةَ وأصحابُه أنَّ ما لَزِمَهُ اسمُ مختومٍ(١)، أو اسمُ قَفِيزِ، أو اسمُ مكُّوٍ، أو اسمُ مُدٌّ، أو اسمُ صاعٍ، فهو كيلٌ يجري فيه أحكامُ الكَيلِ في جميعٍ ما وصفْنَا، وأنَّ كلَّ مَا لَزْمَهُ اسمُ الرِّطْلِ والوقِيَّةِ فهو وَزْنٌ في جميعٍ ما وَصَفْنَا، حدثنا بذُلكَ من قولِهِمْ (١) في ((القاموس)): المختوم: هو الصاع. ٢٨٩ محمدُ بنُ العباسِ بن الربيعِ اللؤلؤيُّ(١)، عن عليٍّ بنِ معبدٍ، عن محمدٍ بن الحسن، عن أبي يوسفَ، عن أبي حنيفةً، ولم يُحكَ فيه خلافٌ بينَهُمْ. (١) لم أقف له على ترجمة، وقال الشيخ محمد يوسف في ((أماني الأحبار)) فيما نقله عنه صاحب ((تراجم الأحبار) ١٤/٤-١٥: قد تتبعت أحاديثه في هذا الكتاب (يعني في شرح معاني الآثار) وفي ((مشكل الآثار))، فوجدته يروي عن أسد بن موسى، وعبد الله بن المغيرة، ومعاذ بن الحكم، وعليّ بن معبد الرقي، ومحمد بن معبد، والقعنبي، ويحيى بن سليمان بن الجعفي، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن المغيرة، وكناه المصنف في ((المشكل)) في غير موضع بأبي جعفر، وروى عنه المصنف حديث الباب، يعني حديث عائشة: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد فأقول: أبق لي أبق لي)) ٢٦/١، وحديث طلق في الوضوء من مس الذكر، وأثر علي رضي الله عنه فيه، وحديث عبد الله بن عمرو في فرضية السلام، وحديث ابن عمر في الشك في الصلاة، وحديث عائشة في وزن الصاع، وحديث ابن عباس في استثمار البكر، وروى عنه في نقل مذاهب الأحناف في أربعة مواضع: في مقام المصلي على الجنازة، وفي العزل، وفي وجوه الفيء وشد الأسنان بالذهب، ووقع ذكره في ((المشكل)) في ثلاثة مواضع أكثرها في ذكر المذاهب، ونقل عنه في موضع معنى حديث: ((أنت ومالك لأبيك)) وفي موضع ترجيح مذهب الأحناف، وقد أشكل عليه الطحاوي، فأجابه بالآية، فهذا يدل على أنه كان حنفي المذهب من العلماء الكاملين ماهراً في الحديث حتى إن الطحاوي سأله عن معنى الحديث وعارضه في موضع بالآثار، فأجابه بما رضي به الطحاوي. انتهى. وعلي بن معبد: هو ابن شداد العبدي أبو الحسن، ويقال: أبو محمد الرقي نزيل مصر، قال ابن يونس: مروزي الأصل، قدم مصر مع أبيه، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وروى عن محمد بن الحسن ((الجامع الكبير))، و((الجامع الصغير))، وحدَّث بمصر، وتوفي بها لعشر بقین من رمضان سنة ٢١٨هـ. وروى له أبو داود والنسائي، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: مستقيم الحديث، وقال الحاكم: هو شيخ من جلّة المحدثين. ٢٩٠ ١٩٥ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله ◌ِ﴾ في أحبُ الصِّيامِ إلى اللهِ عزّ وجلَّ ١٢٥٣ - حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، وعيسى بنُ إبراهيمَ الغافِيُّ جميعاً، قالا: حدثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرٍو - وهو ابنُ دينارٍ - عن عمروبن أوسٍ سَمِعَ عبدَ الله بنَ عمرٍو يقولُ: قَالَ لي رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَحَبُّ الصِّيامِ إلى الله جلَّ وعزَّ صيامُ داودَ، كان يُفطِرُ يوماً، ويصومُ يوماً، وأحبُّ الصلاةِ إلى الله عز وجل صلاةُ داودَ، كانَ ينامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثُلْتَهُ وينامُ سُدُسَهُ))(١). ١٢٥٤ - وحدثنا بكّارُ بنُ قتيبةَ، قال: حدثنا روحُ بنُ عُبَادَةً، قال: حدثنا ابنُ جريجٍ، قال: أخبرني عمرُوبنُ دينارٍ، أن عمروبنَ أوسٍ. أخبَرَهُ عن عبدِ الله بن عمرو بن العاصِ، أنّ رسولَ الله لَّه قال: ((أحبُّ (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ٨٥/٢، وأبو عوانة في ((مسنده» ٢٩٠/٢ عن يونس، بهذا الإِسناد، ولم يسقه أبو عوانة بتمامه، بل اقتصر على قِصة الصلاة فیه . ورواه ابن حبَّان (٢٥٩٠) عن عمر بن محمد الهمداني، عن عبد الجباربن العلاء، عن سفيان بن عيينة، به، وانظر تمام تخريجه فيه. ٢٩١ الصِّيامِ إلى الله عزَّ وجلَّ صيامُ داود، كانَ يصومُ نصفَ الدَّهر، وأحبُّ الصَّلاةِ إلى الله عزَّ وجلَّ صلاةُ داودَ، كان يرقُدُ شَطْرَ الليلِ ، ثم يقومُ ثُلُثَ الليلِ بعدَ شطرِهِ، ثم يَرْقُدُ آخرَهُ) فقلتُ لعمروبن دينارٍ: عمرُوبنُ أوسٍ كانَ يقولُ ثُلُثَّ الليلِ بعدَ شَطْرِهِ؟ قالَ: نَعَمْ (١). فقال قائلٌ: كيفَ تقبلونَ هذا عن رسولِ اللهِ وَّهَ، وأَنْتُمْ ترؤُونَ عنهُ؟ فذكر ١٢٥٥ - ما قد حدثنا محمدُ بنُ خزيمةَ، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ رجاءٍ الغُدَائِيُّ، قال: حدثنا زائدةُ بنُ قدامةً، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، عن محمدِ بنِ المُنْشِرِ، عن حُميدِ الحِمْيَرِيِّ عن أبي هُريرةَ، قال: أَتَّى رجلٌ النبيِّ وَّهِ، فقالَ: أَيُّ الصَّلاةِ بعدَ المكتوبةِ أفضلُ؟ فقالَ: ((صلاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيلِ)) قالَ: فأيُّ الصِّيامِ أفضلُ؟ قال: ((شهرُ الله الذي تَدْعُونَهُ المُحَرَّمَ))(٢). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه المؤلف في ((شرح معاني الآثار)) ٨٥/٢، عن علي بن شيبة، وأبي بكرة بكاربن قتيبة، كلاهما عن روح بن عبادة، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ٢٠٦/٢، والبيهقي ٢٩٥/٤ -٢٩٦ من طريق روح بن عبادة، به. ورواه عبد الرزاق (٧٨٦٤)، ومن طريقه أحمد ٢٠٦/٢، ومسلم (١١٥٩) (١٩٠). وقَرَنَ أحمدُ بعبد الرزاق محمد بنَ بكر. (٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير عبد الله بن رجاء، فمن رجال البخاري . ورواه ابن حبان (٢٥٦٣) من طريق حسين بن علي الجعفي، عن زائدة بن قُدامة، بهذا الإِسناد. وعنده وعند غيره ممن خرّجه في الحديث ((فأيُّ الصيام أفضلُ بعد شهر رمضان)»؟ وقد وقع في تعليقنا على الحديث في ((صحيح ابن حبان)) في = ٢٩٢ قالَ: ففي هذا الحديثِ أنَّ أفضلَ الصيامِ شهرُ الله الذي يُدْعَى المحرمَ، فكيفَ يكونُ صومُ يومٍ وإفطارُ يومٍ أحبُّ إلى الله من صَوْمٍ سواهُ ممَّا هو أفضلُ الصيامِ . فكانَ جوابُنَا لَهُ في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنَّ صومَ المحرَّمِ أفضلُ الأوقاتِ التي يُصامُ فيها التطوُّعُ، فكانَ ذلكَ صوماً خاصّاً في وقتٍ من الدَّهْرِ خاصٍّ، وكانَ صومُ يومٍ وإفطارُ يومٍ صوماً دائماً، وكانَ أحبُّ الأعمالِ إلى الله عز وجل أدْوَمَها وإنْ قَلَّ، فذكرْنَا ذُلكَ عنه فيما تَقَدَّمَ منَّا مِنْ كتابنا هذا (١). فكانَ تصحيحُ هذين الحديثينِ جميعاً على أنَّ مع صومِ المحرَّمِ فضلَ الوقتِ، وكانَ مع الصومِ الآخر الدوامُ، فكانَ بذلكَ كُلَّ واحدٍ من هذين الحديثينِ في معنىٍ غيرِ المعنى الذي فيه صاحبُهُ، وبانَ بذلكَ أنَّ أَحبَّ الصومِ إلى اللهِ عزّ وجلَّ صومُ يومٍ وإفطارُ يومٍ، لِدوامِ الذي معهُ، وأنَّ أحبُّ الأوقاتِ إلى الله عزَّ وجلُ الذي يُتَطَوَّعُ بالصومِ لَهُ فيها هو المحرَّمُ، والله نسألُهُ التوفيقَ. = تسمية ابن المنتشر: إبراهيم بن محمد بن المنتشربن الأجدع الهمداني الكوفي، وهو خطأ، فإن راويه محمد بن المنتشر، وليس ابنه إبراهيم، فُستدرك من هنا. ورواه أحمد ٣٠٣/٢ و٣٢٩، وابن أبي شيبة ٤٢/٣، ومسلم (١١٦٣)، وأبو عوانة ٢٩٠/٢، والدارمي ٢١/٢، وابن ماجه (١٧٤٢) من طرق عن زائدة بن قدامة، به . ورواه الدارمي ٢٢/٢، ومسلم (١١٦٣) (٢٠٢)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٤٣٨) و(٧٤٠)، والنسائي ٢٠٦/٣-٢٠٧ من طريق أبي بشر جعفربن أبي وحشية، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، به. (١) انظر (٦٥٠) و(٦٥١). ٢٩٣ ١٩٦ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول الله اله من قولِهِ: ((إنَّكُم ستَقْتَحُونَ أرضاً يُذْكَرُ فيها القِيراطُ)) ما مُرادُهُ بذلكَ القيراطِ؟ ١٢٥٦ - حدثنا يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ، قال: حدثني حَرْمَلَةُ بنُ عِمرانَ التَّجِيبِيُّ، عن عبدِ الرحمْنِ بنِ شِمَاسَةَ المَهْرِي(١)، قال: سمعتُ أبا ذَرٍّ رضيَ الله عنهُ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِوَلَ: ((إنَّكُمْ ستفتَحُونَ أرضاً يُذكَرُ فيها القِيراطُ، فاسْتَوْصُوا بأهلِها خيراً، فإنَّ لهُمْ ذِمَّةً ورَحِماً، فإذا رأيتُمْ رجلين يَقْتِلانِ في موضعٍ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ منها)) قال: فمرَّ بربيعةً وعبدِ الرحمن ابنَي شُرَحْبِيلِ بنِ حَسَنَة يَتنازَعَانِ في موضعٍ لَبِنَةٍ، فخرِجَ منها(٢). فقالَ قائلٌ: كيفَ تقبلونَ هُذا وأنتم تَجِدون ذكرَ القِيراطِ جارِياً على أَلْسُن الناس جميعاً، ومذكوراً في سائر البلدانِ سوَى البلدِ الذي أضيفَ ذُلكَ القيراطُ في هذا الحديثِ إلى أهلِهِ، وتجدونَ ذكرَهُ أيضاً في كلامِ رسولِ الله وَل﴾؟ وذكر (١) تحرف في الأصل، إلى: الفهري. (٢) إسناده صحيح على شرط مسلم. ميـ ورواه أحمد ١٧٤/٥، ومسلم (٢٥٤٣) (٢٢٦)، وابن حبان (٦٦٧٦)، وابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)» ص٢-٣، والبيهقي في ((السنن)) ٢٠٦/٩، وفي ((الدلائل)) ٣٢١/٦ من طرق عن ابن وهب بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه في ابن حبان . ٢٩٤ ١٢٥٧ - ما قد حدثَنا الربيعُ بنُ سليمانَ الجِیزِيُّ، قالَ: حدثنا أحمدُ بنُ محمدٍ الأَزْرَقِيُّ، قال: حدثنا عمرُوبنُ يحيى بن سعيدٍ، عن جدِّهِ عن أبي هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((ما بَعَثَ الله نبياً إلا رَاعِيَ غنمٍ)) قالوا: وأنتَ يا رَسُولَ الله؟ فقالَ: ((نعمْ، كنتُ أرعَى بالقَرَارِيطِ))(١). ومنْ ذُلكَ ما قد رُوي عنه وَِّ فَيَمَنْ مَشَى مع جِنازَةٍ حَتَّى يُصَلَّى عليها، أنّ لَهُ قيراطاً(٢)، وأَنَّه إنِ انتظرَ دَفْنَها، كانَ لهُ قيراطانٍ. وسنذكرُ ذُلكَ بأسانيدِهِ في موضعٍ غيرِ هذا فيما بعدُ من كتابنا هذا إنْ شاءَ الله (٣) . ومنْ ذلك ما قد رُويَ عنه قَالَ: ((مَن اقتَنَى كَلْباً ليسَ بكلب صيدٍ، نَقَصَ من أجرِهِ كلَّ يومٍ قيراطٌ)). وسنذكُرُ ذلكَ أيضاً فيما بعدُ من كتابنا هذا إنْ شاءَ الله. (١) إسناده صحيح على شرط البخاري. أحمد بن محمد الأزرقي: هو أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق الغسّاني . ورواه البخاري (٢٢٦٢)، وابن سعد في ((الطبقات)) ١٢٥/١، والبغوي (٢١٨٥) من طريق أحمد بن محمد، بهذا الإسناد. وقرن ابنُ سعد بأحمد بن محمد سويد بن سعيد. ورواه ابن ماجه (٢١٤٩)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٦٥/٢ من طريق سُويد بن سعيد، والبيهقي في ((السنن)) ١١٨/٦ من طريق محمد بن حسان السمتي، كلاهما عن عمروبن یحیی، به. (٢) في الأصل: قيراط. (٣) وهو الباب الآتي. ٢٩٥ ٠٠ : فكانَ جوابُنا لهُ في ذلكَ بتوفيق الله جلَّ وعزَّ وعونِه: أنَّ الناسَ جميعاً في سائرِ البُلدانِ في ذكر القيراطِ(١)، كما وَصَفَ، والقيراطُ المرادُ في حديث أبي ذرِّ الذي روينا ليسَ من هذهِ القراريطِ المذكوراتِ في هذه الآثارِ في شيءٍ، وإنما هو شيءٌ موجودٌ في كلامِ أهلِ تلكَ المدينةِ التي وَعَدَهُمُ النبيُّ نَّهِ بِافْتِتَاحِها، وذَكَرَ لهم أهلها ورَحِمَهم به، وأَوْصَاهم بهم خيراً، وهِيَ مِصْرُ، وموجودٌ في كلام أهلِها: أعطيتُ فلاناً قراريطَهُ، إذا سَمَّعَهُ ما يَكْرَهُهُ، وإذا خاطَبَهُ بما لا يحب مُخاطَبَتَه بِهِ ويُحَذِّرُ بعضُهم بعضاً فيقولُ: اذهبْ عَنِّي لا أُعْطِيكَ قَرَارِيطَكَ، يعني سبابك(٢) وإسماعَكَ المكروهَ الذي لا تُحِبُّ أنْ تسمَعَهُ، وليسَ هُذا بموجودٍ في كلامِ أهلِ مدينةٍ سوى أهلِ مصرَ (٣)، فكانَ إعلامُ النبيِّ وَ* أصحابَهُ ذُلكَ منهُم، ووعدُهُ إِيَّاهُمْ بفتحِ مدينَتِهِمْ التي يذكرونَ ذُلكَ فيها، وأنَّ أَيْدِيَهم ستقعُ عَلَيْها حتَّى يكونُوا ذمةٌ لَهم، وحتّى يستعملُوا فيهم ما أُمَرَهُم باستعمالِهِ فيهم، وكانَ ذُلكَ من أعلامِ النبوَّةِ، وباللهِ التوفيقُ. (١) في هامش الأصل: ((في نسخة: القراريط)). (٢) في الأصل: سابك. (٣) قال ابن الأثير في ((النهاية)) تعليقاً على حديث أبي ذر: القيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشر في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين ... وأراد بالأرض المستفتحة مصر، وخصّها بالذكر وإن كان القيراط مذكوراً في غيرها، لأنه كان يغلب على أهلها أن يقولوا: أعطيت فلاناً قراريط: إذا أسمعه ما يكرهه، واذهب لا أعطيك قراريطك: أي: سبّك وإسماعك المكروه ولا يوجد ذلك في كلام غيرهم. ٢٩٦ ١٩٧ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسول اللهِ إِله في القيراطِ المستحَقِّ بالصلاةِ على الجنازةِ هل هو بالصلاةِ عليها خاصَّةً، أو بما سواه معهُ من تشييعِها من مَنْزلها؟ ١٢٥٨ - حدثنا إبراهيمُ بن أبي داودَ، وفهدُ بنُ سليمانَ جميعاً، قالا: حدثنا يحيى بنُ صالحٍ الوُحَاظِيُّ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: حدثني عمرُوبنُ يحيى، عن محمدِ بن يوسف بنِ عبدِ الله بنِ سلامٍ ء عن أبي سعيد الخدريٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّةِ، قالَ: ((مَنْ أَتَّى الجِنَازَةَ عِنْدَ أَهْلِها، فمَشَى مَعَها حتَّى يُصَلِّي عَلَيْها، فلَهُ قيراطٌ، ومَنْ شَهِدَها حتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قيراطَانٍ مِثْلُ أُحُدٍ))(١). ١٢٥٩ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حدثنا سهلُ بنُ بكَّارِ، قال: حدثنا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، عن عمروبنُ يحيى، عن محمدِ بنِ يوسفَ بنِ عبدِ الله بنِ سلام عن أبي سعيد الخدريٌّ، قال: قال نبيُّ الله ◌َله: ((مَنْ جاءَ جِنَازَةً، فَتَبعها من أهلِها حتَّى يُصلِّ عليها، فلهُ قيراطٌ، وإنْ مَضَى معها حتّى (١) إسناده قوي. محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وباقي رجاله ثقات من رجال الشيخين. عمروبن يحيى: هو ابن عمارة المازني. وانظر ما بعده. ٢٩٧ تُدفَنَ، فَلَهُ قيراطان مثل أحدٍ))(١). ١٢٦٠ - حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدثني عبدُ الله بنُ عمرَ العمريُّ وعياضُ بنُ عبدِ الله الفِهْريُّ، وابنُ أبي ذئب، عن سعيدِ بن أبي سعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللهِ لَّه، ثم ذكر مثلَه، غيرَ أنَّه لم يقلْ: ((مثل أحدٍ))(٢). (١) إسناده حسن كالذي قبله. ورواه أحمد ٢٧/٣ عن سُلَيمانَ بن داود، و٩٦/٣-٩٧ عن عفان، كلاهما عن وُهيب بن خالد، بهذا الإسناد. وقرن سليمان بن داود في حديثه بعمروبن یحیی أبا سلمة منصور بن سلمة الخزاعي . ورواه ابنُ أبي شيبة ٣٢١/٣ عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، به، وأشار إلى رواية عمروبن يحيى عن محمد بن يوسف عن أبي سعيد: البخاريُّ في ((التاريخ الكبير)) ٢٦٢/١ -٢٦٣. ورواه البزار (٨٢٤) عن عمرو بن علي، عن الحكم بن مروان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد. وهذا سندٌ ضعيف. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩/٣ وقال: رواه البزار وأحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن. (٢) إسناده صحيح، عبد الله بن عمر العمري وعياض بن عبد الله الفهري - وإنْ كان فيهما ضَعْفٌ - قد تابعهما ابنُ أبي ذئب، وهو ثقة ثبت. ورواه البخاري (١٣٢٥) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولم يسق لفظه. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٢٣٤/٣ تعليقاً على قوله ((عن أبيه)): يعني أبا سعيد كيسان المقبري، وهو ثابت في جميع الطرق، وحكى الكرماني أنه سقط من بعض الطرق، قلت (القائل ابن حجر): والصوابُ إثباته، وكذا أخرجه إسحاقُ بنُ راهويه والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن أبي ذئب، نعم سقط قوله ((عن أبيه)) من رواية = ٢٩٨ ١٢٦١ - حدثنا يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وهب، قال: حدثني يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن الأعرج عن أبي هُريرة، عن رسولِ الله ◌ِ﴿ مثلَهُ، وزاد: قيلَ: يا رسولَ الله، وما القيراطانٍ؟ قال: ((مثلُ الجَبَلَين العَظِيمَين)). قال ابنُ شهاب: قال سالِمٌ: وكانَ عبدُ الله بنُ عمَرَ يُصَلِّي عليها ثمَّ ينصرفُ، فلمَّا بلغَهُ حديثُ أبي هريرةَ، قال: لقد ضَيَّعْنا قَرارِيطَ كثيرةٍ(١). ١٢٦٢ - حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: حدثني جریرُ بن حازمٍ (ح). وحدثنا الربيعُ بنُ سليمانَ المُرادِيُّ، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسَى، قال: حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، قال: سمعتُ نافعاً، قال: قيلَ لابنِ عمرَ: إنَّ أبا هريرةَ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَه يقولُ: ((مَنْ تَبَعَ جِنازةٌ، فَلَهُ قيراطٌ مِنَ الأَجْر)) فقالَ ابنُ عمرَ: أَكْثَرَ علينا أبو هريرةَ، ثمَّ أرسلَ إلى عائشةَ، فسأَلَهَا، فصدَّقَتْ أبا هريرةَ، وقالتْ: = ابن عجلان عند أبي عوانة، وعبدالرحمن بن إسحاق عندَ ابن أبي شيبة، وأبي معشر عند حميد بن زنجويه، ثلاثتهم عن سعيد المقبري. قلت: ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٢٠/٣ عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن سعيد بن المقبري، عن أبي هريرة. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. يونس شيخ المؤلف: هو ابن عبد الأعلى، وهو من رجال مسلم، ويونس شيخ ابن وهب: هو ابن يزيد الأيلي، والأعرج: هو عبدالرحمن بن هرمز. ورواه ابنُ حِبَّان (٣٠٧٨) عن محمد بن الحسن بن قتيبة، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه فيه. ٢٩٩ سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يقولُه، فقالَ ابنُ عمرَ: لقد فَرَّطْنَا في قراريطَ كثيرةٍ(١). ١٢٦٣ - حدثنا فهدٌ، قال: حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا عُبيدُ الله بنُ عَمْرٍوٍ، عنِ زيدٍ بن أبي أُنَيْسَةَ، عن عديٍّ بن ثابتٍ الأنصاريِّ، عن أبي حازم الأشجَعِيَّ عن أبي هُريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَّ﴿، قال: ((مَنْ مَشَى مع جنازةٍ حتى تَفْرُغَ، فلهُ قيراطانٍ، ومن رَجَعَ قبلَ أن يُفْرَغَ منها، فلهُ قيراطٌ))، قال: قلنا: يا رسولَ الله، وما القيراطُ؟ قال: ((مثلُ أُحدٍ))(٢). ١٢٦٤ - حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا صالحُ بنُ عبدِ الله الترمذيُّ، قال: حدثنا عَبْثَرُبنُ القاسمِ ، عن بُرْدِ بنِ أبي زيادٍ، عن المسيَّب بنِ رافعٍ، قال: سمِعْتُ البراءَ بنَ عازب، يقولُ: قَالَ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((مَنْ شَيِّعَ جِنازةً حتَّى يُصَلِّيَ عليها، كان لَهُ مِنَ الأُجر قيراطٌ، ومن مَشَى مع جنازةٍ (١) إسناداه صحيحان، رجالهما ثقات من رجال الشيخين، غير أسد بن موسى، فقد روى له أبو داود والنسائي، وعلّق له البخاري، وهو ثقة. ورواه البخاري (١٣٢٣) و(١٣٢٤) عن أبي النعمان، ومسلم (٩٤٥) (٥٥) عن شيبانَ بنِ فروخ، كلاهما عن جريربن حازم، بهذا الإِسناد. ورواه ابن حبَّان (٣٠٧٩) من طريق داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه كان قاعداً مع ابن عمر . .. فذكر نحوه. وانظر تمام تخريجه فيه. (٢) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين غير علي بن معبد - وهو ابن شدّاد الرقي - فقد روى له الترمذي، والنسائي، وهو ثقة. ورواه أحمد ٤٧٤/٢-٤٧٥، ومسلم (٩٤٥) (٥٤)، والبيهقي ٤١٣/٣ من طريق يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، بهذا الإسناد. ٣٠٠