النص المفهرس
صفحات 261-280
عن عبد الله بن عباسٍ، عن نبيٍّ اللهِ وَ ﴿ قالَ: ((إنَّ الهديّ والسَّمْتَ الصالحَ والاقتِصَادَ، جزءٌ من خمسةٍ وعشرينَ جزءاً من النُّبَوَّةِ»(١). (١) حديث حسن. قابوس بن أبي ظبيان مختلف فيه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وبقية رجاله ثقات من رجال الشيخين. ورواه أحمد ٢٩٦/١، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٦٨)، وأبو داود (٤٧٧٦)، وابن عديّ في ((الكامل)) ٢٠٧١/٦، والطبراني (١٢٦٠٨)، والبغوي (٣٥٩٩) من طرق عن زهير بن معاوية، بهذا الإسناد. وعند البخاري والطبراني من طريق أحمد بن يونس عن زهير «جزء من سبعين جزءاً من النبوة)). ورواه أحمد ٢٩٦/١ من طريق جعفر الأحمر، والطبراني (١٢٦٠٩)، وابن عدي ٢٠٧١/٦ من طريق سفيان الثوري، وابن عديّ أيضاً من طريق إدريس الأودي، ثلاثتهم عن قابوس، به. وعند الطبراني ((جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة)» . وله شاهد عند الترمذي (٢٠١٠) وحسّنه من حديث عبد الله بن سرجس المزني رفعه قال: ((والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة)). وإسناده قوي. قال البغوي في (شرح السنة)) ١٧٧/١٣: هدي الرجل حاله ومذهبه، وكذلك سمتُه، والاقتصاد: سلوك القصد في الأمور، والدخول فيها برفق على سبيل يمكن الدوام عليها. يريد أن هذه الخصال من شمائل الأنبياء صلى الله عليهم، وأنها جزءً من أجزاء فضائلهم، فاقتدوا بهم فيها، وتابعوهم عليها، وليس معناه أن النّبوَّةَ تتجزأ ، ولا أن من جمع هذه الخلال كان نبيّاً، فإن النبوة غير مكتسبة، وإنما هي كرامة يخص الله بها مَنْ يشاء مِنْ عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ويُحتمل أَنْ يكونَ معناهُ: أَنَّ هذه الخِلالَ مما جَاءَت به النبوة، ودعت إليها الأنبياء عليهم السلام، يريد أن هذه الخلال جزءً من خمسة وعشرين جزءاً مما جاءت به النبوات، ودعا إليها الأنبياء. = ٢٦١ قال أبو جعفرٍ: فكانَ ذُلكَ الهديُّ المذكورُ في هذا الحديثِ من الأعمالِ الصالحةِ بالمكانِ الذي هو به من أجزاءِ النبوةِ، والهديُ المرادُ في هذا الحديثِ هو التقرُّبُ إلى الله عز وجل بالأعمالِ الصالحةِ، وكان ذلك موجوداً في عمارٍ رضي الله عنه، فأمر النبيُّ وَ الناسَ أن يهتَدُوا به في ذلكَ، وأن يجعَلُوه إماماً لهم فيه، لا على إخراجٍ منه وَّرَ سواهُ من أصحابِهِ رضوانُ الله عليهم أن يكونُوا فِي ذَلكَ كَهُوَ. ١٢٣٥ - حدثنا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حدثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: حدثنا عُيَيْنَةُ بنُ عبدِ الرحمْنِ بنِ جَوْشَن، عن أبيهِ عن بُريدةَ الأَسلميُّ، قال: كنتُ مع النبيِّ ◌َ﴿ِ نمشِي جميعاً، فإذا نحنُ برجلٍ بين أيدينا يُصلِّي، يُكثِرُ الركوعَ والسُّجودَ، فقالَ رسولُ الله وَفيه : ((عليكُمْ هَذياً قاصِداً - قالَها ثلاثاً- فإنَّه من يُشادَّ هذا الدِّين يَغْلِبْهُ))(١). = وقيل معناه: أنَّ مَنْ جمع هذه الخصال، لقيه الناس بالتوقير والتعظيم، وألبسه الله لباس التقوى الذي ألبس أنبياءه عليهم السلامُ، فكأنها جزءٌ من النبوّة. ذكرها الخطابي رحمه الله. (١) إسناده صحيح. ورواه الطيالسي (٨٠٩)، ووكيع في ((الزهد)) (٢٣٥)، وأحمد ٣٥٠/٥ و٣٦١، وابن أبي عاصم في ((السنّة)) (٩٥)، (٩٦)، والحاكم ٣١٢/١، والبيهقي ١٨/٣، والقضاعيّ في ((مسند الشهاب)) (٣٩٨)، والمروزيّ في ((زيادات الزهد)) لابن المبارك (١١١٣)، والخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ٩١/٨ من طرق عن عيينة بن عبدالرحمن، بهذا الإِسناد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وبعضهم يزيد في الحديث على بعض. ورواه أحمد ٤٢٢/٤ عن يزيد بن هارون، وابن أبي عاصم (٩٧) عن أبي الخطاب، عن أبي عبدالرحمن المقرىء، كلاهما عن عيينة بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي برزة الأسلمي ... فذكره. هكذا جَعَلَاه من مسند أبي برزة، قال أحمد = ٢٦٢ فكان الهديُ القاصدُ في هذا هو في الأشياءِ المرادِ بها التقرب إلى الله عز وجل، فَأَمَرَ النبيُّ ◌َ﴿ فيها بالقصدِ ليدومَ ذُلك من أهلِهِ، ودلَّ ذلك إلى أنَّ الهديَ هو العَمَلُ المتقرَّبُ به إلى الله عز وجل. ثم تأمُّلْنَا قولَه وَلِهِ: ((وَتَمَسَّكُوا بعهدِ ابن أمِّ عبدٍ)) ما الذِي أَرادهُ به؟ فوجدنا الله عز وجل قد قالَ في كتابِهِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ما عَاهَدُوا الله عَلَيهِ فمنهم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْديلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وكانَ ابنُ أمِّ عبدٍ رضي الله عنه منهم، وكانَ معَ ذلك من الهديِ كما حدثنا يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدثنا يوسفُ بنُ عديّ الكوفيُّ، قال: حدثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش ، عن إبراهيمَ، عن علقمةً، قال: كانَ عبدُ الله - يعني ابنَ مسعودٍ - يُشَبَّهُ بالنبيِّ :﴿ دَلِّهِ وهَدْيِهِ وسمتِهِ، وكانَ علقمةُ(١) يُشَبَّهُ بعبدِ الله(٢). = بإثره: وقال يزيد - يعني ابن هارون - ببغداد ((بريدة الأسلمي))، وقد كان قال ((عن أبي برزة)) ثم رجع إلى بريدة، ثم قال أحمد: حدثنا وكيع ومحمد بن بكر قالا: بريدة الأسلمي. وفي الباب عن أبي هريرة عند ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٥١). وانظر تخريجه فیه . (١) القائل هو إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي. (٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير يوسف بن عدي الكوفي، فمن رجال البخاري. أبو معاوية: هو محمد بن خازم. ورواه ابن أبي شيبة ١١٧/١٢، وابن سعد في ((الطبقات)) ١٥٤/٣ و٨٦/٦، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٥٤٥/٢، والحاكم ٣٢٠/٣ من طريق أبي معاوية، بهذا الإسناد. وصححه الحاكم على شرط الشيخين. ولم يذكر ابنُ أبي شيبة في روايته قولَ إبراهيم النخعي. ٢٦٣ وكما حدثنا يوسفُ، قال: حدثنا سعيدُ بنُ منصورِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن جامعٍ، عن شقيقٍ، قال: أبصرَ حذيفةُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ حينَ خرِجَ من دارِهِ، فقالَ: ما رأيتُ أحداً أشبهَ دَلَّ برسولِ اللهِ ﴿ من لَدُنْ أن يخرُجَ من دارِهِ إلى أنْ يدخُلَ فيها مِنْ صاحبِ هذه الدَّارِ، ولقد عَلِمَ المحفوظُونَ مِنْ أصحاب محمدٍ * أنّه من أقربهم إلى الله عز وجل وسيلةٌ يومَ القيامة(١). وكما حدثنا عليّ بنُ عبدِالرحمن بن المغيرةِ، قال: حدثنا يحيى بنُ مَعينٍ، قال: حدثنا غُنْدَرُ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ الأعمشِ ، عن أبي وائلٍ عن حُذَيْفَةَ، قال: لقد عَلم المحفُوظونَ مِنْ أصحاب محمدٍ وَل أنَّ ابنَ أمُّ عَبْدٍ من أَقْرَبِهم إلى الله عز وجل وَسِيلَةً(٢). = قال البغوي في ((شرح السنة)) ١٤٨/١٤ بتحقيقنا: والدل والسمت والهدي قريب بعضها من بعض، وهو السكينة والوقارُ، وحسن الهيئة والمنظر، يريد شمائله في الحركة والمشي والتصرف في الدين لا في الزينة والجمال. (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. سفيان: هو ابن عيينة، وجامع: هو ابن أبي راشد الكاهلي الصيرفي الكوفي. ورواه الطبراني في «الكبير» (٨٤٨٤) عن أبي مسلم الكشي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان - وهو ابن عيينة - بهذا الإِسناد. وانظر ما بعده. (٢) إسناده صحيح على شرط الشيخين. غُندَر: هو محمد بن جعفر، وأبو إسحاق: هو عمروبن عبد الله السبيعي، ورواية شعبة عنه قديمة قبل تغيره، ثم هو قد توبع. ورواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٥٤٥)، ومن طريقه الطبراني (٨٤٨١) عن = ٢٦٤ قال أبو جعفر: ولما كانَ عبدُ الله بهذه المنزلة من الهدي ومن الدَّلِّ في الدُّنيا، ومن قُرْب الوسيلةِ إلى الله عز وجل يومَ القيامةِ، كان حريًاً أن يُتمسِّكَ بعهدِه الذي عاهدَ الله عليهِ، ثم لم يَزُلْ عنه إلى أنْ يُوَافِيَّهُ به يومَ القيامةِ، وليسَ ذُلك بمانعٍ أنْ يكونَ في صحابةِ رسولِ اللّهِ رَّ مَنْ هُذه منزلتُهُ في الدنيا ومَنْ تلكَ منزلتُهُ في الآخرةِ، وممن يستحقُّ من التمسُّكِ بعهدِهِ مثل الذي استحقّه ابنُ أمِّ عبدٍ منهُ، والله نسألُهُ التوفيقَ. = محمد بن جعفر غُندَر، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد أيضاً في ((الفضائل)) (١٥٤٨)، وفي ((المسند)) ٣٩٤/٥، وابن أبي شيبة ١١٥/١٢، والبخاري (٣٧٦٢) و(٦٠٩٧)، والطبراني (٨٤٨٠)، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٥٤٥/٢، والحاكم ٣١٥/٣، والبغوي (٣٩٤٥) من طرق عن الأعمش، به، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ورواه الطبراني (٨٤٨٢) من طريق واصل الأحدب، عن أبي وائل، به. ورواه ابن حبان في (((صحيحه)) (٧٠٦٣) عن أبي خليفة، عن أبي الوليد الطيالسي ومحمد بن كثير، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، عن حذيفة. ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٥٤/٣ عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، به . ٢٦٥ ١٩٠ - بابُ بيانِ مشكلِ ما رُوِيَ عن رسول الله من قولِه: ((لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ)) ١٢٣٦ - حدثنا أبو أميةَ، قال: حدثنا سُرِيجُ بنُ النعمانِ الجوهريُّ، قال: حدثنا هُشَيمٌ، قال: حدثنا حُصَينٌ، عن مجاهدٍ عن عبدِ الله بن عمرو، أن النبيِّ ◌َ﴿، قال: ((إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةً، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَة، فَإِمَّا إلى سُنَّةٍ، وإِمَّا إلى بِدْعَةٍ، فَمَنْ كانَتْ فَتْرَتُهُ إلى سُنِّي، فقد اهْتَدَى، ومنْ كانتْ فترتُهُ إلى غيرِ ذلكَ، فقد هَلَكَ)(١). ١٢٣٧ - حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا وهبُ بنُ جريرِ، قال: حدثنا شعبةُ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ عن عبدِ الله بن عمروٍ، عن النبيِّ﴿، قال: ((لكلِّ عملِ شِرَّةً، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَّنْ كانتْ فَتْرَتُهُ إلى سُنَّةٍ، فقد أَفْلَحَ، ومنْ كانتْ ٠٠ (١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سُريج بن النعمان، فمن رجال البخاري، وهشيم قد صرح بالتحديث فَانْتفت شبهة تدليسه. حُصين: هو ابن عبدالرحمن السلمي العلاف. ورواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٢٦) عن علي بن الحسن الشافعي، عن هشام بن أبي خليفة، عن أبي جعفر الطحاوي، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ١٥٨/٢ عن هشيم، بهذا الإِسناد. ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥١) عن ابن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن حُصين، به. وانظر ما بعده. ٢٦٦ فترتُهُ إلى غير ذلكَ، فقد هَلَكَ))(١). ١٢٣٨ - حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حدثنا مُسَدِّدُ، قال: حدثنا يَحيى - يعني ابنَ سعيدٍ - عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ عن جَعْدَةَ بنِ هُبِيرَةَ، قال: ذُكِرَ لِلنَّيِّ :﴿ مولاةٌ لِبَني عبدِ المَطَّلِبِ تُصَلِّي ولا تنامُ،َ وتصومُ ولا تُفطِرُ، فقالَ: ((أنا أُصلِّي وأنامُ، وأصومُ وأفطرُ، ولكلِّ عملٍ شِرَّةً، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرةً، فمن كانت فَتْتُهُ إلى سُنَّةٍ، فقد اهِتَدَى، ومنْ تَكنْ إلى غير ذلك فقدْ ضَلَّ))(٢). (١) إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه ابن حبان في «صحيحه)) (١١) من طريق هاشم بن القاسم، عن شعبة، بهذا الإسناد. وانظر تمام تخريجه فيه. (٢) رجاله ثقات رجال الصحيح، غير جعدة بن هُبيرة، فقد روى له النسائي في ((مسند علي)) وهو جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمروبن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أمه أم هانىء بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب، قال ابن منده: مختلف في صحبته، وجزم المزِّي بأن له صحبة وفيه نظر، فقد ذكره في التابعين: البخاري، وأبو حاتم، وابن حبَّان، وذكره البغوي في الصحابة، لكن قال: يقال: إنه ولد على عهد النبي ﴿، وليست له صحبة، سكن الكوفة، وقال الحاكم في ((التاريخ)): يقال: إن له رؤية ولم يصح ذلك، وقال يحيى بن معين وأبو داود: لم يسمع من النبي # شيئاً، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره العسكري فيمن روى عن النبي # مرسلاً، ولم يلقه. ورواه الطبراني (٢١٨٦) عن معاذ بن المثنى، عن مسدد، بهذا الإسناد. إلّ أنه قال فيه ((مولى لبني عبد المطلب)). وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥٩/٢: رواه الطبراني في ((الكبير)»، وفيه بشربن نمير، وهو ضعيف! قلت: وهذا وهم منه رحمه الله فليس في سند الطبراني بشربن نمير هذا. ٢٦٧ ١٢٣٩ - حدثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حدثنا عليّ بنُ معبَدٍ، قال: حدثنا جريرُبنُ عبدِ الحميدِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: دخلتُ أنا ويحيى بنُ جَعْدَةً على رجلٍ من الأنصارِ من أصحابِ الرسولِ وَرَ، فقال: ذُكِرَ عندَ رسولِ اللهِ وَّهِ مولاةٌ لِبَنِي عبد المطلب، ثم ذَكَرَ بقيَّةً هذا الحديثِ(١). ١٢٤٠ - حدثنا رَوْحُ بنُ الفَرَجِ، قال: حدثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدثنا عَبِيدَةُ بنُ حُميدٍ النّحْوِيُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: دخلتُ أنا ويحيَى بِنُ جَعْدَةً على رجلٍ من أصحاب النبيِّ وَّر، قالَ: قيلَ يا رسولَ الله: إنَّ مولاةً لموالي بَنِي عبدِ المُطْلَبِ، ثم ذكّرَ مثلَه وزادَ: ((ومنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))(٢). ١٢٤١ - أخبرنا الربيعُ بنُ سليمانَ المُرَادِيُّ، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا محمدُ بنُ خازمٍ ، عن مسلمِ الأعورِ، عن مجاهدٍ عن ابن عباسٍ ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِوَله: ((إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةً، ثم تكونُ شِرَّتُهُ إلى فَتْرَةٍ، فإنْ كانتْ فَتْرَتُهُ إلى سُنِّي فقد هُدِيَ، ومن (١) إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير علي بن معبد - وهو ابن شدَّاد الرقي - فقد روى له الترمذي والنسائي، وهو ثقة، ويحيى بن جعدة: هو ابن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة روى له أصحاب السنن، وجهالة الصحابي لا تضر، فإنهم كلهم عدول. ورواه أحمد ٤٠٩/٥ عن يحيى بن سعيد، عن جرير، بهذا الإسناد. وزاد بعد قوله ((وأصوم وأفطر)): فمن اقتدى بي فهو منِّي، ومن رغب عن سنتي فليس مني . وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٣/٣ بعد أن نسبه إلى أحمد: رجاله رجال الصحيح . (٢) إسناده صحيح على شرط البخاري. وانظر ما قبله. ٢٦٨ كانتْ فَتْرَتُهُ إلى غيرِ ذلكَ فقدْ ضَلَّ، إنِّي لأقومُ وأنامُ، وأَصُومُ وأُفطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنِ سُنَّتِي، فَلَيْسَ منّي))(١). ١٢٤٢ - حدثنا بكارُ بنُ قتيبةَ، قال: حدثنا صفوانُ بنُ عیسى، قال: حدثنا محمدُ بنُ عجلانَ، عَن القَعْقَاع بن حكيمٍ، عن أبي صالحٍ عن أبي هريرةَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَهَ قال: ((إنَّ لِكُلِّ عَملِ شِرَّةً، وإنَّ لكلِّ شِرَّةٍ فترةً، فإنْ صاحِبُها سَدَّدَ وقَرَّبَ، فَارْجُوهُ، وإن أَشِيرَ إليهِ بالأصَابعِ، فَلاَ تَعُدُّوهُ)) (٢). (١) إسناده ضعيف، مسلم الأعور: هو مسلم بن كيسان الضبي المُلَاثي البرَّاد الأعور، أبو عبد الله الكوفي، متفق على ضعفه. ورواه البزار (٧٢٤) من طريق جريربن عبد الحميد، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٢٧) من طريق محمد بن فضيل، كلاهما عن مسلم الأعور، بهذا الإسناد. وفي حديث ابن فضيل: ((كانت مولاة للنبي ﴿ تصوم الدهر)) فذكر نحو حديث هبيرة المتقدم مختصراً. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥٩/٢ وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح ! (٢) إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح، غير محمد بن عجلان، فقد روى له مسلم في الشواهد، وأصحاب السنن، وعلق له البخاري، وهو صدوق، حسن الحديث. ورواه الترمذي (٢٤٥٣)، وابن حبان في «صحيحه)) (٣٤٩) من طريقين عن حاتم بن إسماعيل، عن ابن عجلان، بهذا الإِسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. الشِّرَّة، بكسر الشين وتشديد الراء: الحرص على الشيء والنشاط فيه والرغبة، والفَتْرة بفتح الفاء وسكون التاء: الوهن والضعف، قال القاضي: المعنى: أن من = ٢٦٩ قال أبو جعفرٍ: فطلبنا معنىَ هُذِهِ الشِّرَّةِ المذكورةِ في هذه الآثارِ ما هو؟ فوجدنا بكارَبنَ قتيبةَ قد حدَّثنا، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عمروٍ، عن طاووسَ، قال: ذُكِرَ الاجتهادُ، فقيل: تلكَ حِدَّةُ الإِسلامِ وشِرَّتُه، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرةً، فمن كانت فترتُهُ إلى سُنَّةٍ، فقد هُدِيَ، ومن كانت فترتُهُ إلى بدعةٍ أو ضلالةٍ، فقد ضلَّ(١). قال أبو جعفرٍ: فوقفنا بذلكَ على أنَّها هي الحِدَّةُ في الأمورِ التي يُريدُها المسلمونَ من أنفسِهم في أعمالهم التي يتقرّبُون بِهَا إلى ربِّهم عز وجل، وأنَّ رسولَ الله وَّهِ أَحَبَّ منهم فيها ما دُون الحِدَّةِ التي لا بُدَّ لهم من التقصير عنها، والخروج منها إلى غيرها، وأمرَهُم بالتمسُّكِ = اقتصد في الأمور، سلك الطريق المستقيم، واجتنب جانبي الإفراط: الشِّرَّة، والتفريط: الفترة، فارْجوا الصلاحَ والخيرَ منه، فإنه يمكنه الدوامُ على الوسط، وأحبُ الأعمال إلى الله أدومها، وإنْ اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهوراً بالعبادة والزهد، وصار مشهوراً مشاراً إليه بالعبادة، فلا تعتدوا به، ولا تحسبوه من الصالحين، لكونه مرائياً. وقال الطيبي: معناه: إن لكل شيء من الأعمال الظاهرة، والأخلاق الباطنة طرفين: إفراطاً وتفريطاً، فالمحمود: القصد بينهما، فإن رأيت أحداً يسلك سبيل القصد، فَارْجوا أن يكون من الفائزين، فلا تقطعوا بأنه من الفائزين، فإن الله هو الذي يتولى السرائر، وإن رأيته يسلك طريق الإِفراط والغلو حتى يشار إليه بالأصابع، فلا تبتوا القول فيه بأنه من الخائبين، فإن الله هو الذي يطلع على الضمائر. ((فيض القدير)) ٥١٢/٢-٥١٣. (١) إسناده صحيح. رجاله ثقات رجال الشيخين، غير إبراهيم بن بشار - وهو الرمادي الحافظ - فقد روى له أبو داود والترمذي. سفيان: هو ابن عيينة، وعمرو: هو ابن دينار. ٢٧٠ من الأعمالِ الصالحةِ بما قد يجوز دوامُهم عليهِ، ولزومُهم إِيَّاهُ حتى يَلْقَوْا ربَّهم عزو جل عليه، ورُويَ عنهِنَّهَ في كَشْفِ ذلكَ المعنى أنَّه ((أحبُّ الأعمالِ إلى الله أُدْوَمُها، وإنْ قَلَّ))(١)، وقد ذكرنَا ذُلكَ، وما قد رُوِيَ في غيرِ هذا الموضعِ ممَّا قد تقدَّمَ منَّا في كتابِنَا هُذا، فَغَنِينَا بذلكَ عن إعادَتِهِ، والله نسألُهُ التوفيقَ. (١) انظر (٦٥٠) و(٦٥١). ٢٧١ ١٩١ - بابُ بيانِ مشكل ما رُويَ عن رسول الله مح لاه من قولِهِ: ((المسلمونَ تكافَا دَمَاؤُهم ويَسعى بذِمَّتِهِم أَدْناهُم وهم يدٌ على مَنْ سِواهم لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافٍ ولا ذُو عهدٍ في عهدِه)) ١٢٤٣ - حدثنا أبو القاسم هشامُ بنُ محمدٍ بن قُرَّةَ بن محمد بن حُميدٍ بن أبي خَليفَةَ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ بن سلامَةً الأزْدِيُّ، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حدثنا مُّسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، قال: حدثنا قتادَةُ، عن الحسنِ عن قيس بن عُبَادٍ، قال: انطلقتُ أنا والأَشْتَرُ إلى عليٍّ عليه السَّلامُ فقلنَا: هَلْ عَهِدَ إليكَ رسولُ اللهِ وَّةِ عَهْداً لم يَعْهَدْهُ إلى النَّاسِ عامّةً؟ قال: لَا، إلا ما كانَ في كتابي هذا، فَأُخْرَجَ كتاباً من قِرَاب سَيْفِهِ، فإذا فيه: ((المؤمنونَ تَكافَأْ دِماؤهم، ويَسْعَى بذمَّتِهِم أدْناهُم، وهُمْ يَدِ على مَنْ سِواهُم، لا يُقْتَلُ مؤمِنَ بكافرِ، ولا ذُو عهدٍ فِي عَهْدِهِ، ومَنْ أُحدَثَ حَدَثاً، فعلى نَفْسِهِ، ومن أحدّثَ حَدَثً، أو آوَى مُحْدِثاً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ))(١). (١) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غيرَ مسدد بن مسرهد، فمن رجال البخاري، ورواية يحيى بن سعيد - وهو القطان -، عن ابنِ أبي عَروبة قبل الاختلاط. = ٢٧٢ قال أبو جعفر: فتأمَّلنا قولَ رسولِ الله وَلَّ: ((المؤمنونَ تَكَافَؤُ دماؤُهُمْ)) فوجدنا أهلَ العلمِ جميعاً لا يختلفونَ في تأويل ذلك أنَّه على التساوي في القِصَاصِ والدِّيَاتِ، وأنَّ ذلك ينفي أن يكونَ لشريفٍ على ٠ وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٢/٣ بإسناده ومتنه. = ورواه أبو داود (٤٥٣٠) عن أحمد بن حنبل ومسدد بن مسرهد، بهذا الإِسناد. ورواه أحمد ١٢٢/١، وأبو عبيد في (غريب الحديث)) ١٠٢/٢، والنسائي ١٩/٨-٢٠، وفي ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٣٩/٧، وأبو يعلى (٦٢٨)، والبغوي (٢٥٣١) من طريق يحيى بن سعيد القطان، به . ورواه أبو يعلى (٣٣٨)، والبيهقي ٢٩/٨ من طريق يزيد بن زريع، عن سعید بن أبي عروبة، به. ورواه ابن حبان (٣٧١٦) و(٣٧١٧) من طريقين عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمي، عن أبيه، عن علي. وانظر تمام تخريجه فيه. ورواه النسائي ٢٤/٨ من طريق إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن الأشتر أنه قال لِعَلَيّ: إن الناس قد تَفَشِّغَ بهم ما يسمعون، فإن كان رسول الله وَ جَ عَهِدَ إليك عهداً فحدِّثنا به، قال: ما عهد إليَّ رسول الله وَّر عهداً لم يعهده إلى الناس غير أن في قراب سيفي صحيفة، فإذا فيها: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم، لا يُقتَل مؤمنٌ بكافٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده). وهذا سند صحيح. وقوله: ((قد تفشغ بهم)) أي: فشا وانتشر فيهم ما يسمعون، أي: منك من كثرة سبحان الله، صدق الله ورسوله، فإنه كان يكثر ذلك، فزعم الناس أن عنده علماً مخصوصاً به. وقوله: ((وهم يد على من سواهم)) قال البَغَويّ: معنى اليد: النُّصرةُ والمعونةُ بالمحاربة مع جميع أهل الملل، والمعاونة من بعضهم لبعض، فإذا استنفروا، فعليهم النفير، ولا يسعهم التخلفُ والتخاذل. ٢٧٣ . وضيعٍ فضلٌ في ذلكَ، وأنَّ ذلكَ كانَ ردّاً على أهل الجاهليةِ في تركِهِم قتلَ الشريفِ بقتلِهِ الوَضِيعَ، وفي ذلك ما قد عقلْنَا به أنَّ النِّسَاءَ في جَرْي ذُلك كالرجلِ ، وأنَّ الرجلَ يُقْتَلُ بالمرأةِ كما تُقتلُ المرأةُ بالرجلِ . ثم تأمَّلنا قولَهُ وَّهُ: ((يسعى بذمَّتِهِم أُدْنَاهُم)) فوجدْنَا الذمةَ المرادَةَ في هذا الموضعِ نفي الأمانِ، وأَنَّه إذا أعطى الرجلُ من المسلمينَ العدوِّ أماناً، جازَ ذلكَ على جميعِ المسلمينَ، ليس لهم أن يُخْفِرِوه، ومثلُ هُذا ما قد رُويَ عن رسولِ اللهِ وَ﴿ في أمانِ زينبَ ابنِتِهِ أبا العاصِ بنَ الربيعِ الذي كانَ زوجَها ١٢٤٤ - كما قد حدَّثَنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهبٍ، قال: حدَّثنِي عبدُ الله بنُ لَهِيعَة، عن موسى بنِ جُبَيْرٍ، عن عِرَاكِ بنِ مالكِ الغِفَاريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدالرحمن عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها، أنَّ أبا العاصِ بنَ الربيعِ قُدِمَ به على رسولِ اللهِ وَ﴿ أسيراً، فبعثَ إلى زوجَتِهِ: أنْ خُذِي لي جِواراً من أَبيكِ، فلما دخلَ رسولُ اللهِ وَ﴿ في صلاةِ الصُّبحِ ، أخرجَتْ زينبُ وَجْهَهَا، وقالت: أنا زينبُ ابنةُ رسولِ اللهِ وَّهِ، وإني قد أُمِّنْتُ أبا العاصِ، فلما فَرَغَ رسولُ اللهِ وَّهِ من صلاتِهِ، قال: ((هذا أمرٌ ما عَلِمْتُ بِهِ حتّى الآنَ، وإنَّهُ يُجِيرُ على المُسلِمِينَ أَدْنَاهُمْ))(١). (١) إسنادُه حسنٌ، فإنَّ عبد الله بن وهب سمع من عبد الله بن لهيعة قبل احتراق كتبه، وموسى بن جُبیر روى عنه جمع، وذكره ابن حبَّان في «ثقاته»، ووثقه الذهبي في ((الكاشف))، وانفرد ابن القطان، فقال: لا يُعرف حاله، وقال ابن حجر في ((التقريب)): مستور، قلت: وقد أخطأ الحافظ فسمى أباه ((جَبْراً»، وباقي رجاله ثقات من رجال الشیخین. = ٢٧٤ . ١٢٤٥ - وكما حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونسَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ شبيبِ الرَّبَعِيُّ أبو سعيدٍ، قال: حدثنا أيوبُ بنُ سليمانَ بن بلالٍ، قال: حدثني أبو بكرِ بنُ أبي أويسٍ، قال: حدثني سليمانُ بنُّ بلالٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، وصالحٍ - يعني ابنَ كيسانَ - عن ابن شهاب عن أنس بن مالكٍ، أن زينبَ هاجرتْ إلى رسولِ اللهِ وَِّ وزوجُها كافرٌ، ثم لَحِقَ زوجُها بالشَّامِ ، فَأَسَرَ المسلمونَ أبا العاص ، فقالتْ زينبُ: إني قد أُجَرْتُ أبا العاص، فقالَ النبيُّ وَلِ: ((قَد أَجَرْنَاهُ))، = ورواه الحاكم ٤٥/٤، وعنه البيهقي ٩٥/٩ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن عبد الله بن وهب، بهذا الإِسناد. ورواه الطبراني ٢٢/ (١٠٤٧) من طريق عبد الله بن عبد الحكم (وفي المطبوع منه: الحكم، بدون عبد)، و٢٣ / (٥٩٠) من طريق يحيى بن بكير، كلاهما عن ابن لهيعة، به، والرواية الثانية مختصرة. وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٠/٥ وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير)) باختصار، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات، ثم أعاد ذكره فيه ٢١٣/٩ ونسبه إلى الطبراني في ((الكبير)) وقال: فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وأبو العاص بن الربيع هو: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي، أمه هالة بنت خويلد، واختلف في اسمه، فقيل: لقيط، وقيل: هشيم، وقيل: مُهَشَّم، والأكثر لقيط. وكان قبل البعثة فيما قال الزبير عن عمه مُصعب، وزعمه بعض أهل العلم مواخياً لرسول الله وَ﴿، وكان يكثر غشاءه في منزله، وزَوَّجه ابنته زينب أكبرَ بناته وهي من خالته خديجة، ثم لم يتفق أن أسلم إلّ بعد الهجرة. انظر ((أسد الغابة)) ١٨٥/٦-١٨٦، و((السيرة النبوية)) ٣١٢/٢، و((الإصابة)) ١٢١/٤-١٢٢. ٢٧٥ وقال: ((يُجِيرُ على المسلمينَ أَدْنَاهُمْ))(١). قال أبو جعفرِ: فَدَلَّ ما ذكرنا على أن الجِوَارَ مِن بعض المسلمين كالجوارِ من كُلُّهم، فاحتملَ أن يكونَ قولُهُ وَّهِ: ((وإنَّهُ يُجيرُ على المسلمين أدناهُم)) يكونُ ذلكَ إرادةُ منه أن أدْنَاهُم المرأةُ، واحْتَمَلَ أن يكونَ أدناهُم هو العبد، ويكونُ لما كانَ أدناهُم، وكان أمانُهُ جائزاً عليهم أن تكونَ المرأةُ الحُرَّةُ المسلمةُ بذلكَ أَوْلَى منه، وأن يكونَ ما كانَ من خطاب النبيِّ وَّهِ المسلمينَ بما خاطَبَهم بِهِ من هذا إعلاماً لهم أنَّ ذلكَ الجوارَ لمَّا كان قد يكونُ من العبد المسلم ، كان بأنْ يكونَ من المرأةِ الحُرَّةِ المسلمةِ أَحْرَى. (١) إسناده ضعيف، عبد الله بن شبيب الربعي : قال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث، وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويسرقها، وقال الذهبي: أخباريّ علَّمة لكنه واهٍ، وبالغ فضلك الرازي فقال: عبدُ الله بن شبيب يحلّ ضرب عنقه، وذكره ابن أبي حاتم ٨٣/٥ فقال: رفيق أبي بمدينة الرسول واله. وانظر ((تاريخ بغداد) ٤٧٤/٩-٤٧٥، و((الميزان)) ٤٣٨/٢. قلت: وباقي رجاله ثقات من رجال الصحيح. ورواه الطبراني ٢٢/(١٠٤٩) عن أحمد بن يحيى ثعلب النحوي، والحاكم ٤٥/٤ من طريق محمد بن صاعد، كلاهما عن عبد الله بن شبيب، بهذا الإِسناد. ولم يذكر أحمد بن يحيى في حديثه ((يحيى بن سعيد)). ورواه الطبراني ٢٢/(١٠٤٩) من طريق يحيى بن بكير، عن عبد الله بن السمح، عن عباد بن كثير، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أن زينب بنت رسول الله ◌َو أجارت أبا العاص فأجاز النبي بير جوارها، وأن أم هانىء بنت أبي طالب أجارت أخاها عقيلاً، فأجاز النبي بَّ جوارها. قال الهيثمي ٣٢٩/٥: رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)» باختصار أم هانىء، وفيه عبّاد بن كثير الثقفي وهو متروك. ٢٧٦ ثم تأمُّلْنا قولَه وَيهِ: ((لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بكافرِ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ)) فوجدنا أهلَ العلمِ في تأويل ذلك على مذهبين مختلفين: فطائفةٌ منهم تقولُ ذلك على التقديمِ والتأخيرِ في المعنى: لا يُقْتَلُ مؤمنٌ ولا ذُو عهدٍ في عهدِهِ بكافرٍ، فيكونُ الكافرُ المرادُ بذلكَ هو الكافِرَ غيرَ ذي العَهْدِ وهم الذينَ يقولونَ: إِنَّ المؤمِنَ يُقْتَلُ بالذُّمِّيِّ إذا قَتَلَهُ عمْداً، وممن يقولُ ذلك من أهلِ العلمِ : أبو حنيفةً وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسنِ. وطائفةٌ منهم تَقُولُ: الكافرُ الذي لا يُقْتَلُ، المذكورُ في هذا الحديثِ، هو الكافرُ المعاهَدُ، لا يُقْتَلُ في عهدِهِ على كلامٍ مستقبَلٍ بَعْدَ: ((لا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافر)) وبعدَ انقطاع معناهُ. وممِّن ذهبَ إلى ذلك منهم وتأوَّلَ هذا الحديثِ على هذا المعنى الشافعيُّ، فلم يَقْتُلِ المؤمنَ بالكافر المعاهدِ، وقد كان مالكُ بنُ أنسٍ يذهبُ إلى هذا المعنى أن لا يُقتَلَّ مؤمنٌ بكافرِ معاهَدٍ. فأمّا تأويلُ الحديثِ الذي رويناهُ عن رسولِ اللهِ وَ﴾: ((بأن لا يُقْتَلَ مؤمنٌ بكافرٍ ولا ذو عهدٍ بعهدِه)» فإنّا لا نروي عنه في ذُلك شيئاً. ولمّا أشكَلَ هُذا المعنى الذي وصَفْنَا، وَوَقَع فيه الاختلافُ الذي ذكرْنَا، تأمِّلنَا ذُلكَ، فوجدنا قولَهِ بِّهِ: ((ولا ذُو عَهْدٍ في عهدِهِ)) لا يخلُو من أحدٍ وجهين: أن يكونَ معطوفاً على ما قبلَهُ كما ذَهَبَ إليه أبو حنيفةً وأصحابُهُ فيه، أو على كلامٍ مستأنَّفٍ بمعنى: ولا يُقْتَلُ ذو عهدٍ في عهدِهِ كما قالَ الشافعيُّ. فوجدنَاهُم لا يختلِفُونَ أنَّ ذا العهدِ جائزٌ قَتْلُهُ بمن(١) يَقْتُلُه قَوَداً به، فكان في ذلك ما قد دلَّ أنه لم يَكُنْ قولُه ◌ِه: (١) في الأصل: لمن، وهو خطأ. ٢٧٧ ((ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ) على نفي القتلِ عنهُ، لأنَّ ذلكَ لو كانَ كذلكَ، لما وجبَ أنْ يُقْتَلَ على حالٍ من الأحوالِ ما كانَ في عهدِهِ، ولَمَّا وجبَ أن يقتلَ في عهدِهِ بحالٍ من الأحوالِ ، عقلنَا بذلكَ أنَّ المرادَ بأن لا يُقتلَ في عهدِهِ، إنَّما هو بأنْ لا يُقتَلَ بمعنى خاص، ولا خاصَّ في هذا غيرُ الكافرِ الحربيِّ، لأنه انعطفَ عليه، فصارَ المرادُ: بأنْ لا يقتلَ أيْ بما لا يُقْتَلُ به المؤمنُ المذكورُ قتلُه في هذا الحديثِ، وعادَ معنى قولهِ: ((لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ» إلى أنْ لا يُقْتَلَ مؤمنٌ، ولا ذُو عهدٍ في عهدِهِ بكافرٍ، وذو(١) العهد كافرٌ، فدلَّ ذُلك أنَّ الكافِرَ المرادَ في هذا الحديثِ هو الكافرُ غيرُ ذِي العهْدِ، وأنَّ قولَهُ ﴿* الذي ذكرناهُ عنه على التقديم والتأخير بمعناهُ لو قالَ: لا يُقْتَلُ مؤمِنٌ ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ بكافٍ، كمثلِ قولِ الله جل وعز في كتابهِ: ﴿واللائِي يَتِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَّبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشهر واللَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] بمعنَى: واللَّتِي يَئِسْنَ مِنْ المحيضِ من نِسائِكم إن ارتبتُمْ واللائي لم يَحِضْنَ فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرِ، وهذا قولٌ، فالنظرُ يوجبُهُ، والقياسُ يَشُدُّهُ، لأنَّا رأينَا ذَا العهدِ حَرُمَ دَمُهُ بعهدِهِ، كما حَرُمَ مالُهُ بعهدِهِ، وقد كانَ قبلَ ذُلكَ حلالَ الدمِ حلالَ المالِ ، ثم صارَ بالعهدِ حرامَ(٢) الدمِ حرامَ المالِ، وكانَ مَنْ سَرَقَ من مالِه ما يجبُ القطعُ في مثلِهِ قُطِعَ فِي ذُلك، وإنْ كانَ مسلماً، كما يُقْطَعُ في مثلِ ذلكَ إذا سَرَقَهُ من مالٍ مسلمٍ، فكانت حُرمةُ المالِ بالعهدِ كحرمَتِها بالإِسلامِ فيما ذكرنَا سواء، أو كانت العقوبةُ على منتهكِها كالعقوبةِ على منتهكِ مثلها مما قد حَرُمَ بالإِسلامِ . ولما كانَ ذلكَ كذلكَ في الأموالِ ، وجبَ أن يكونَ في الدماءِ كذلكَ، وأن يكونَ (١) لفظة ((ذو)) سقطت من الأصل. (٢) في الأصل: حلال، وهو خطأ. ٢٧٨ الدمُ الذي قد حَرُمَ بالعهدِ كالدمِ الذي قد حَرُمَ بالإِسلامِ، وأن تكونَ العقوبةُ بانتهاكِهِ لحرمَتِهِ بالعهدِ كالعُقُوبَةِ في انتهاكِهِ مثلَهُ لِحُرْمَتِهِ بالإِسلام . بل قد رأينا حُرْمَةَ الدِّماءِ في هذا فَوْقَ حُرْمَةِ الأموالِ ، لأنَّا قد رأينا العبدَ يَسْرِقُ مالَ مولاهُ، فلا يُقْطَعُ، وإن كانَ قد سَرَقَه مِنْ حِرْزٍ، ورأيناهُ يَقْتُلُ مولاَهُ عمداً، فَيُقتلُ، فكانَ الدمُ فيما ذكرنا في الحُرْمَةِ أَغْلَظَ مِنَ المالِ فيما ذكرنا في الحُرْمَةِ، ولمَّا كانَ ذُلكَ كذلكَ، وكانت العقوبةُ فيهما جميعاً في غيرِ الأوكدِ سواءً، كانت العقوبةُ في الأوكدِ منهما فيما حَرُمَ بالإِسلامِ وفيما حَرُمَ بالذمَّةِ أَحْرَى أن يكونَا سواءً، أو أنْ تكونَ العقوبةُ في انتهاكِ الدِّماءِ المحرمةِ بالملَّةِ وبِالذِّمة سواءً، كالعقوبةِ في الأموالِ المحرَّمَةِ بالمِلَّةِ والذِّمَّةِ التي قد جُعِلَتْ سواءً . فقال قائلٌ: فهل رُويَ هذا القولُ في قتلِ المؤمنِ بالكافرِ ذِي العهدِ، عن أحدٍ من أصحاب رسولِ اللهِ وَلِ﴾؟ قيلَ له: نَعَمْ، قد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطابِ. كما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حدثنا وهبُ بنُ جريرِ، قال: حدثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ مَيْسَرَة عن النَّزَّالِ بن سبرةَ، قال: قَتَلَ رجلٌ من المسلمينَ رجلاً من العِبَادِ(١)، فذهبَ أخوهُ إلى عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه، فكتب عُمَرُ أن يُقْتَلَ، فجعلوا يقولونَ: اقْتُلْ حُنَّيْنُ، فيقول: حتى يجيء الغيظُ، قال: فكتب أن يُودَى، ولا يُقتل(٢). (١) العباد: قبائل شتى اجتمعوا على النصرانية بالحيرة. ((القاموس)). (٢) إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير = ٢٧٩ قال أبو جعفرٍ: فهذا عمرُ في هذا الحديثِ قد أُمَرَ أن يُقتَلَ المسلمُ بالكافر المعاهدِ . فقال قائلٌ: فكيفَ كَتَبَ عمرُ رضي الله عنه بعدَ ذلك أن يُودى، ولا يُقْتَلَ؟ قيلَ لَهُ: ذُلكَ عندَنا - والله أعلمُ - كانَ مِنْ عمرَ رضي الله عنه لِمَا كانَ مِنْ أَخِي المَقْتُولِ، لِمَّا أُبِيحَ لَهُ قتلُ قاتلِ أخيهِ بأخيهِ، فكانَ يقولُ عندَ ذُلكَ: حتَّى يجيء الغيظ، فدخلتْ بذلكَ شبهةٌ منه، احتملتْ أنْ يكونَ ما كانَ منهُ بمعنى العفو عن قاتلِ أخيهِ قبلَ أنْ يجيءَ الغيظُ، فيكونُ ذلكَ العفوُ في تلكَ الحالِ بطلاناً(١) لحقّهِ فيها، وفيما بعدَها، = النزال بن سبرة، فمن رجال البخاري. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٦/٣ بإسناده ومتنه . ورواه ابن أبي شيبة ٢٩٢/٩-٢٩٣ عن وكيع، عن محمد بن قيس الأسدي، عن عبد الملك بن ميسرة، به. وفي آخره قال: فبلغ عمر أنه من فرسان المسلمين، قال: فكتب عمر أن لا تقيدوه به، فجاءه الكتاب وقد قُتِل. ورواه بنحوه ابن أبي شيبة أيضاً ٢٩١/٩ عن علي بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الملك بن ميسرة، به. ورواه عبد الرزاق (١٨٥٢٠) عن معمر، عَنْ لَيْث - أُحْسِبُه - عن الشعبي، قال: كتب عمربن الخطاب ... فذكر نحو هذه القصة، وهو منقطع، فإن الشعبي لما مات عمر كان عمره أربع سنين. ورواه البيهقي ٣٢/٨ من طريق الشافعي، عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم أن رجلاً من بكربن وائل قتل رجلاً من أهل الحيرة ... فذكر نحوه. وهو منقطع أيضاً، إبراهيم - وهو النخعي - لم يدرك عمر. (١) في الأصل: بطلان، وهو خطأ. ٢٨٠